المقدمة

عنوان الرسالة


لم يُذكر الذين أُرسلت إليهم هذه الرسالة ولم توق°ع باسم أحد ولم تُذكر المحال التي سكنها من أُرسلت إليهم ولا محل الكاتب. ولكن أسلوب الكتابة أسلوب رسالة. ودعا الكاتب من أرسل إليهم «أولاده» مراراً فهي في عدم التوقيع تشبه الرسالة إلى العبرانيين.

الكاتب


اتفقت الكنيسة الأولى على نسبة هذه الرسالة إلى يوحنا الرسول مع أنها خلت من اسمه كبشارته. وكثيراً ما اقتبس الكتبة المسيحيون الأولون من هذه الرسالة ونسبوا ما اقتبسوه منها إلى يوحنا الرسول. ونُسبت إليه في النسخة السريانية. وأسلوبها كأسلوب إنجيل يوحنا. وما يدل على أن يوحنا الرسول كاتب البشارة هو كاتب هذه الرسالة المواضيع التي تكلم في هذه الرسالة عنها تكرار بعض الكلمات والعبارات بمعنى خاص مثل «الحق» و «المحبة» و «في النور» و «الولادة من الله» و «الثبوت في الله». فما ذُكر وأمثاله كُرر في البشارة وهذه الرسالة وهي تمنع من ظن أنه كتبها غيره كمتّى أو مرقس أو لوقا. وفي الرسالة رغبة في تعظيم المسيح كالرغبة في البشارة. وفيها عدم ذكر نفسه كما في البشارة وفي ما يأتي عبارات في هذه الرسالة تُظهر أن كاتبها وكاتب البشارة الرابعة المنسوبة إلى يوحنا واحد.
الرسالة البشارة الرسالة البشارة
١: ١ ١: ١ و٤ و١٤ ٣: ٢٢ ٩: ٣١
٢: ٥ ١٤: ٢٣ ٣: ٢٣ ١٣: ٣٤
٢: ٦ ١٥: ٤ ٤: ٤ - ٦ ٣: ٣١
٢: ٨ ١٣: ٣٤ ٤: ٩ ٣: ٣٦
٢: ١١ ١٢: ٣٥ ٤: ١٢ ١: ١٨
٢: ٢٣ ١٥: ٢٣ و٢٤ ٤: ١٦ ٦: ٦٩
٢: ٢٧ ١٤: ٢٦ ٥: ٣ و٤ ١٤: ١٥
٣: ١ ١٧: ٢٥ ٥: ٩ ٥: ٣٦
٣: ٨ ٨: ٤٤ ٥: ١٢ ٣: ٣٦
٣: ١٠ ٨: ٤٧ ٥: ١٣ ٢٠: ٣١
٣: ١٣-١٥ ٥: ٢٤ و٣٨ ٥: ١٤ ١٤: ١٣ و١٤ و١٦: ٢٣
٣: ١٦ ١٥: ١٢ و١٣ ٥: ٢٠ ١٧: ٢ و٣




من كُتبت هذه الرسالة إليهم


لا شيء يدل صريحاً على من كُتبت إليهم هذه الرسالة لأن ليس لها من عنوان كأكثر أسفار العهد الجديد وليست كرسالته الثانية والثالثة. ولم يذكر أنها أُرسلت إلى كنيسة أو جملة كنائس كسفر الرؤيا. ولم يُذكر فيها أشخاص معينون ولا دليل على سبب عدم ذكره أحداً مخصوصاً والمرجح أنها كُتبت إلى كنائس في جوار أفسس حيث شغل القسم الأخير من خدمته فتكون كالتي كتب إليها سفر الرؤيا لأن المشهور أنه انتشرت بينهم البدع التي فن°دها في الرسالة.

زمان كتابه هذه الرسالة ومكانها


أحوال الكنائس المسيحية في عصر كتابة هذه الرسالة تدل على أنها كُتبت في آخر حياة الرسول حين كان خادم الكنائس في أفسس أو حين كان مسجوناً في جزيرة بطمس. والأرجح أنها كُتبت بعد خراب أورشليم إذ لا إشارة فيها إلى الاضطهادات التي هاجها اليهود على المسيحيين التي انتهت في وقت زوال القوة من الأمة اليهودية في أورشليم فكانت المقاومات للكنيسة يومئذ كلها روحية إذ لم يذكر سوى بغض العالم لها (ص ٣: ١٣) وانتصارها على العالم (ص ٥: ٤). وكان قد دخل الكنيسة المعلمون الكاذبون الذين أنبأ بولس بهم في مخاطبته قسوس أفسس (أعمال ٢٠: ٢٩) وفي رسالته إلى تيموثاوس (٢تيموثاوس ٣: ١ و٤: ٣). وقد زالت الخصومات بين مؤمني اليهود ومؤمني الأمم في شأن الختان وسائر الفرائض الموسوية. والبدع التي فنّدها الرسول هي التي نشأت في الكنيسة بعد خراب أورشليم وابتدأت تظهر وتنتشر في بداءة القرن الثاني. والدلائل جليّة على أنها كُتبت بعد إنجيله لأن ما كتبه في الإنجيل بالتفصيل والإطناب ذُكر في الرسالة بالاختصار كأن الكاتب ظن قارئ الرسالة قد قرأ إنجيله فيستطيع فهمها بلا تفصيل. قال أنه يكتب في الساعة الأخيرة (ص ٢: ١٨) وعنى بذلك الوقت بين صلب المسيح ومجيئه ثانية كما يتضح من (أعمال ٢: ١٨ وعبرانيين ١: ٢). ودعوته من كتب إليهم «أولاداً» تدل على أنه كان شيخاً. وكل هذه الأمور حملت المفسرين على القول بأن الرسالة كُتبت في نحو السنة ٩٠ ب. م.

نسبة هذه الرسالة إلى بشارة يوحنا


ظن بعضهم أن هذه الرسالة تكملة أو خاتمة للبشارة لكن لا دليل على ذلك بل الأرجح أنها ملحق لكل البشائر أو العهد الجديد كله. والدلائل على أنها كُتبت بعد البشائر هي أن يوحنا يحسب ما كتبه في البشارة معروفاً للقراء وأنه أشار في البشارة بالتفصيل. وكتب البشارة كأنه في حضرة المسيح وحضرة أعدائه فذكر تعليم المسيح كأنه متصل أي أن المسيح لم يزل يعلّم الكنيسة ويسوسها وذكر في الرسائل تعليمه دون ذكر حضور المسيح ومقاومته للبدع التي نشأت بعد ذلك. ففي الإنجيل لا تسمع سوى صوت الرسول كأنه حفظ تعليم البشارة كلها في عقله وقلبه وعبّر عنها كأنها آراؤه وصرّح بها بكل سلطانه الرسولي. واجتهد في الإنجيل أن يبيّن كل مجد المسيح وأن يسوع هو المسيح ابن الله. واجتهد في الرسالة أن يثبّت ناسوت المسيح الحقيقي الكامل وأن المسيح هو يسوع أي الإله متجسداً. وليس في هذه الرسالة شيء من المقتبسات من العهد القديم ولا إشارة إلى نظام الكنيسة وسننها.

الغاية من كتابة هذه الرسالة


الغاية من كتابة هذه الرسالة بعضها ما في قوله «ٱلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضاً شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ ٱلآبِ وَمَعَ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً» (ص ١: ٣ و٤). وقوله «كَتَبْتُ هٰذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللّٰهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللّٰهِ» (ص ٥: ١٣). وبعضها على ما يظهر للقراء الحث على المحبة الأخوية وعلى الثبات في شركة الإيمان والمحبة لله الآب والابن والتحذير من الشهوات الجسدية ومن التعاليم الفاسدة. والبدع التي نشأت في الكنيسة يومئذ هي على ما في تاريخ الكنيسة بدعة الدوسيتيين (Docetans) وبدعة الغنوسيين فالدوسيتيون تمسكوا بتعليم سيرنتس (Cerinthus) وهو أن المسيح هو ابن يوسف وابن مريم كأبناء سائر الناس وأن الكلمة اتحد به عند المعمودية حين حلّ عليه الروح القدس كالحمامة وأن الكلمة انفصل عنه عند صلبه فاعتقدوا أن المسيح ليس إنساناً حقيقياً بل ظهر أنه كذلك حين تكلم مع الناس وأكل وشرب معهم وحين تألم ومات. وأنكروا قول الإنجيل في أن حبَل مريم بالمسيح من الروح القدس وكل ما يتعلق بولادته وما ذُكر من أمره قبل دخوله في الخدمة. وقالوا أنه ظهر أولاً على شاطئ الأردن بهيئة إنسان ولكن ذلك صورة لا جوهر فخُدع أصحابه وأعداؤه حين ظنوا أنهم رأوه وسمعوا صوته ولمسوه. فغضب اليهود عليه عبثاً فإنهم لم يشفوا غضبهم إلا بخيال غير مادي وأن كل حوادث صلبه وموته وقيامته وصعوده ليست سوى خيالات. ففنّد يوحنا هذه البدع في هذه الرسالة بتصريحه أن المسيح أتى في الجسد حقيقة وعاش ومات حقيقة لا تخيلاً. وأبان في هذه الرسالة علاوة على التعليم الصحيح المتعلق بالمسيح أهمية المحبة وأن وجودها في المؤمنين دليل على أنهم متحدون بالمسيح وأن إيمانهم حق خالص. واجتهد في أن يبيّن العلامات التي يمتاز بها المؤمنون الحقيقيون عن سائر الناس.

اَلأَصْحَاحُ ٱلأَوَّلُ


في هذا الأصحاح موضوع التبشير الرسولي وطريق إعلانه وموضوعه الكلمة الأزلي الذي أظهر أنه هو الحياة بشهادة الذين هم شهود عيان بكونه قد تجسد. وغاية ذلك الإظهار العامة مشاركة المؤمنين للآب والابن وغايته الخاصة تكميل فرح كاتب الرسالة وقرائها. وأعلن الرسول هنا بعبارة سرّ تجسد المسيح وإعلانه للرسل ليكونوا شهوداً به. فتشبه مقدمة هذه الرسالة في شأن أولية المسيح وتجسده مقدمة بشارته وتزيد عليها بأنها تبين أن الرسل شهود بذلك.
غاية التبشير الرسولي ع ١ إلى ٤


١ «اَلَّذِي كَانَ مِنَ ٱلْبَدْءِ، ٱلَّذِي سَمِعْنَاهُ، ٱلَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، ٱلَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ ٱلْحَيَاةِ».
يوحنا ١: ١ وص ٢: ١٣ و١٤ ع ٣ وأعمال ٤: ٢٠ ع ٢ ويوحنا ١٩: ٣٥ و٢بطرس ١: ١٦ ويوحنا ١: ١٤ وص ٤: ١٤ ولوقا ٢٤: ٣٩ ويوحنا ٢٠: ٢٧ وأعمال ٥: ٢٠
اَلَّذِي كَانَ مِنَ ٱلْبَدْءِ هذا متعلق بقوله «نخبركم به» (ع ٣) وما بينهما إيضاح لمعنى «الحياة». فقوله «الذي كان من البدء» الخ كقوله «كلمة الحياة» في آخر الآية وهي إيضاح لها. و «كلمة الحياة» هي الموضوع الذي أراد الرسول أن يتكلم عليه للقراء وهو يشبه قوله في أول إنجيله «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ» وقوله «كَانَ ٱلنُّورُ ٱلْحَقِيقِيُّ ٱلَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى ٱلْعَالَمِ» وقوله «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً» (يوحنا ١: ١ و٩ و١٤).
وأراد بقوله «من البدء» أول تمييز الزمان المحدود من الأزل وذلك زمن ابتدأ الله أن يُظهر قضائه الأزلي في شأن المسيح بدليل قول بولس الرسول «كَمَا ٱخْتَارَنَا فِيهِ (أي في المسيح) قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ» (أفسس ١: ٤). وأن تظهر نسبة الآب إلى الابن بدليل قول المسيح «وَٱلآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا ٱلآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١٧: ٥). وأن يُظهر نعمته التي أنعم علينا بها «في المحبوب» (أفسس ١: ٦). والذي كان في قصد الله منذ البدء أُعلن للناس على مرور الزمان بواسطة الآباء الأولين والأنبياء والمشترعين وأخيراً بالابن نفسه متجسداً (عبرانيين ١: ١). فكأن الرسول قال هنا كل ما يتعلق بكلمة الحياة الذي هو ابن الله المتجسد وكل ما نستطيع معرفته من أمور طبيعته ومقامه وصفاته وإنجيله وكل ما تقدر القوى البشرية أن تدركه من أموره أشهد لكم به.
ٱلَّذِي سَمِعْنَاهُ يدخل في هذا الرسول نفسه وسائر الرسل لأنه هو نائب عنهم هنا والأرجح أنه كان آخر حي منهم يومئذ. والذي سمعه هو تعليم المسيح نفسه بلفظه ما يتعلق بطبيعته وعمله وما سمعه من أنباء المسيح التي تكلم بها الأنبياء. وهذا رفض الشعب اليهودي أن يسمعه لكن الرسل وجماعة المؤمنين معهم قبلوه بسرور (لوقا ١٦: ٢٩ ويوحنا ٥: ٣٧).
كان يوحنا رفيق المسيح في كل أيام خدمته على الأرض وهو كتب مما سمعه من تعليمه أكثر مما كتبه سواه من التلاميذ.
ٱلَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا من البراهين الجليّة على أنه كان ابن الله وذلك ما رآه من مظاهره ومن آياته ومن معلنات لاهوته مدة إقامته على الأرض ولا سيما سني خدمته وهي نحو ثلاث سنين ونصف سنة (يوحنا ١: ٣١ و٧: ٤).
شَاهَدْنَاهُ هذا تأكيد أنه شاهد عيان وأنه قصد النظر ودققه وأنه عجب مما رأى وسرّ به وصدقه. وكان ليوحنا فُرص لمشاهدة المسيح لم تكن لغيره لأنه كان من أصدقائه الثلاثة المميزين وهو الذي أذن له المسيح أن يتكئ على صدره في المتكآت.
لَمَسَتْهُ أَيْدِينَا أشار بهذا إلى ما حدث بعد قيامة المسيح حين قال «اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَٱنْظُرُوا، فَإِنَّ ٱلرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي» (لوقا ٢٤: ٣٩ وانظر أيضاً يوحنا ٢٠: ٢٧). وبقوله ذلك فنّد تعليم الدوسيتيين أن جسد المسيح ليس بجسد حقيقي لكنه خيال.
مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ ٱلْحَيَاةِ أراد «بكلمة الحياة» المسيح فهو كلمة لأنه أعلن الله الآب وأُضيف إلى «الحياة» لأن له حياة في نفسه وأنه مصدر حياة غيره (يوحنا ١: ١ و٣). وسمي أيضاً «خبز الحياة» (يوحنا ٦: ٣٥) و «نور الحياة» (يوحنا ٨: ١٢).
٢ «فَإِنَّ ٱلْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ ٱلَّتِي كَانَتْ عِنْدَ ٱلآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا».
يوحنا ١: ٤ ورومية ١٦: ٢٦ و١تيموثاوس ٣: ١٦ و١بطرس ١: ٢٠ وص ٣: ٥ و٨ و٥: ٢٠ وص ٤: ١٤ ويوحنا ١٥: ٢٧ وص ٢: ٢٥ و٥: ١١ و١٣ و٢٠ ويوحنا ١٠: ٢٨ و١٧: ٣
كل ما في هذه الآية معترض فكأنه قال نعم إن إعلان المسيح هو إعلان الحياة لأنه أتى الناس بالحياة والذي أتى بذلك الإعلان عاش إنساناً بيننا.
فَإِنَّ ٱلْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ هذا كقوله «الكلمة صار جسداً» أي إن المسيح الذي هو الحياة ظهر (كولوسي ٣: ٤ ورومية ٥: ٢٠ و٦: ٢٣ و٢كورنثوس ٤: ١٠ و٢تيموثاوس ١: ١). وأُظهرت الحياة في أول مجيء المسيح (يوحنا ١: ٣١ و٧: ٤ و١بطرس ١: ٢٠ و١تيموثاوس ٣: ١٦ وعبرانيين ٩: ٢٦). وأُظهرت عند قيامته (مرقس ١٦: ١٢ و١٤ ويوحنا ٢٠: ١٤) وهو سيظهر أيضاً (كولوسي ٣: ٤ و١بطرس ٥: ٤).
وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ الفرق بين كل من قوله «رأينا» و «نشهد» و «نخبر» إن الأول ناشئ عن اختبار الرسل بالذات وإن الثاني تصريح بما رأوا وأن الثالث إعلانهم القانوني. قابل قوله «رأينا» بما في (يوحنا ١: ٣٤ و١٤: ٧ و٩ و١٩: ٣٥). فالله لم يره أحد قط ولكن المسيح تجسد لكي نرى فيه صفات الإله غير المنظور. وقابل قوله «نشهد» بمناداتهم وموتهم شهداء (ص ٤: ١٥ ويوحنا ٢١: ٢٤). وكان إخبار يوحنا بذلك بمقتضى أمر الله وقصده. ففي قوله «نخبركم» إشارة إلى كل خدمة الرسل من كتابة البشائر والرسائل والآيات التي صنعوها.
بِٱلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ (يوحنا ١٧: ٣ وأعمال ١٣: ٤٦ و١تيموثاوس ٦: ١٢). هذه الحياة غاية ما رأى الرسل وسمعوا وأخبروا به وهي لم تبتدئ في هذا العالم بل كانت أصل بداءة العالم وكل ما فيه من الحياة. وهي الحياة الإلهية حياة المسيح الأصلية وكانت له قبل أن أُظهرت لنا وأتى لكي يجعل الناس شركاءه فيها.
ٱلَّتِي كَانَتْ عِنْدَ ٱلآبِ حين كان عند الله (يوحنا ١: ١). فكل ما قيل في البشارة في «الكلمة» يصدق على «الحياة» هنا فهو الرب الواحد الذي به جميع الأشياء (١كورنثوس ٨: ٦).
وَأُظْهِرَتْ لَنَا نحن الرسل. والمعنى أن «الحياة الأبدية» التي كانت مستترة مع الآب ومعتزلة الأزمنة أُظهرت للرسل حتى يقدروا أن يدركوها ويشهدوا بها لغيرهم. ومعرفتهم إياها بالذات أساس شهادتهم.
٣ «ٱلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضاً شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ ٱلآبِ وَمَعَ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ».
ع ٢ ويوحنا ١٩: ٣٥ و٢بطرس ١: ١٦ وع ٣ وأعمال ٤: ٥ ويوحنا ١٧: ٣ و٢١ و١كورنثوس ١: ٩
ٱلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ قال الرسول في الآية السابقة أن موضوعه الحياة الأبدية التي أُظهرت للرسل وقال هنا إن الذي عرفوه من أمر المسيح باختبارهم هو واحد من أمور تلك الحياة أي إنهم نالوا الحياة الأبدية بمعرفة الابن.
نُخْبِرُكُمْ بِهِ لم يقبلوا المسيح لمجرّد أنفسهم بل للذين لم يروه أيضاً (يوحنا ٢٠: ٢٩) لكي يؤمنوا هم أيضاً به ويفرحوا.
لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضاً شَرِكَةٌ مَعَنَا نحن الرسل بإدراك حق المسيح لتحصلوا على القوة الروحية التي حصلنا عليها بمعرفة حياته الإلهية فإن حياة الناس الروحية أُظهرت في شركتهم في المسيح والله وكنيسته. وهذه الشركة هي التمتع بفرح واحد. وهذا الفرح هو الفرح بالله نفسه حصل عليه المؤمنون بمعرفة الإنجيل والحياة الأبدية المقترنة بها وكل مواهب النعمة للكنيسة. وأعلن الرسول في هذه الرسالة شركة المؤمنين للرسل في معرفة الحياة الأبدية التي بها اتحدوا بالله.
وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ ٱلآبِ الخ لم يرد الرسول أن يكتفي المؤمنون إلا بأسمى تلك الشركة. وعنى بقوله «شركتنا» شركة المؤمنين أي الشركة المسيحية وأبان أن تلك الشركة مع الآب بواسطة ابنه باعتبار كونه وسيطاً فإذاً هي شركة الآب والابن بدليل قوله «مَنْ يَعْتَرِفُ بِٱلابْنِ فَلَهُ ٱلآبُ أَيْضاً» (ص ٢: ٢٣). وهي مع الروح القدس أيضاً بدليل قوله «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ ٱللّٰهِ، وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ» (٢كورنثوس ١٣: ١٤). وهذا على وفق صلاة المسيح وهي قوله «لِيَكُونَ ٱلْجَمِيعُ وَاحِداً، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا ٱلآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا... أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ» (يوحنا ١٧: ٢١ و٢٣). وهذه الشركة تستلزم التسوية في الإحساس والآمال والغايات والأفراح فما يحبه الله يحبونه هم وما يشاؤه يشاؤونه هم. وشركة المؤمنين في الله كشركة الملائكة فيه في السماء وبها يتمتعون متى دخلوا السماء.
٤ «وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً».
ص ٢: ١ ويوحنا ٣: ٢٩
في هذه الآية بيان غاية الرسول الخاصة.
وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا ما ذكره في الآية السابقة وهو أن تكون لهم الشركة الروحية بين أنفسهم وبينهم وبين الله لكي يشاركوا الرسل في السلام والسعادة مما حصلوا عليه بمعرفة أن المسيح قد أتى وإيمانهم به.
لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً بواسطة شركتكم مع المسيح ومع الإخوة فيه. وهذا يتضمن الفرح بالطهارة والقوة والسعادة والحياة الأبدية (يوحنا ١٥: ١١ و١٧: ١٣).

المناداة التي خلاصتها أن الله نور ع ٥ إلى ١٠ وص ٢: ١ إلى ٢٧


وذلك بالتفصيل
بيان شروط التمتع بالشركة المذكورة آنفاً أي شروط مشاركة الله في القداسة ع ٥ إلى ١٠


٥ «وَهٰذَا هُوَ ٱلْخَبَرُ ٱلَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ ٱللّٰهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ ٱلْبَتَّةَ».
ص ٣: ١١ ويوحنا ١: ١٩ و١تيموثاوس ٦: ١٦ ويعقوب ١: ١٧
هٰذَا هُوَ ٱلْخَبَرُ ٱلَّذِي سَمِعْنَاهُ رجع هنا إلى ما ذكره في الآية الأولى وهو قوله «الذي سمعناه».
مِنْهُ أي من المسيح الذي ظهرت به الحياة الأبدية. وقصد بذلك أن المسيح نفسه مصدر الخير لا الرسل.
نُخْبِرُكُمْ بِهِ العلاقة بين هذه العبارة وما سبق شروط الشركة المذكورة آنفاً وتلك الشركة مبنية على المعرفة المتبادلة فيجب أن نعرف الله لنقدر أن نشاركه وأن نعرف أيضاً أنفسنا بواسطة تلك المعرفة.
إِنَّ ٱللّٰهَ نُورٌ جمع في هذه العبارة كل ما عرفه من أمور الله وتعليمه بكلمة واحدة وهي «نور» وجمع كل ذلك بكلمة واحدة وهي «محبة» (ص ٣: ١١). ومعنى كون الله نوراً أنه طاهر مجيد ومصدر القداسة والمجد والحياة والقوة وأنه لا يُدنى منه وأنه غير محدود وأنه مصدر الحياة والهدى وهو مصدر النور الطبيعي «لأنه دعا النور من الظلمة» ومصدر النور الروحي لأنه مصدر كل معرفة وحكمة وكمال في الخليقة (تكوين ١: ٢٧ و١كورنثوس ١١: ٧ وأفسس ٢: ١٠ وكولوسي ٣: ١٠). وهذا موافق لقول المرنم في الله «اللابس النور كثوب» (مزمور ١٠٤: ٢). وقول النبي «وَكَانَ لَمَعَانٌ كَٱلنُّورِ. لَهُ مِنْ يَدِهِ شُعَاعٌ، وَهُنَاكَ ٱسْتِتَارُ قُدْرَتِهِ» (حبقوق ٣: ٤). وسمي أبناء الله «بأبناء النور» (يوحنا ١٢: ٣٦). وقال يعقوب في الله أنه «أبو الأنوار» (يعقوب ١: ١٧). وقال بولس أنه «ساكن في نور لا يدنى منه» (١تيموثاوس ٦: ١٦). وهذا يشبه القول إن «الله روح» (يوحنا ٤: ٢٤) وأنه «محبة» (ص ٤: ٨ و١٦).
وأما المسيح فقيل «إنه نور الناس» (يوحنا ١: ٤) وإنه «ٱلنُّورُ ٱلْحَقِيقِيُّ ٱلَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ» (يوحنا ١: ٩). وإنه «نور العالم» (يوحنا ٨: ١٢).
لَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ ٱلْبَتَّةَ هذا معنى ما قاله سابقاً إلا أن ذلك بطريق الإيجاب وهذا بطريق السلب فإنه ينتج بالضرورة من كون الله نوراً أن ليس فيه شيء من الظلمة فإن طبيعته تأبى الخطيئة فلا تمكن مشاركة الخاطئ لله.
٦ «إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي ٱلظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ ٱلْحَقَّ».
يوحنا ٨: ١٢ و٢كورنثوس ٦: ١٤ وأفسس ٥: ٨ وص ٢: ١١ ويوحنا ٨: ٥٥ وص ٢: ٤ و٤: ٢٠ ويوحنا ٣: ٢١
إِنْ قُلْنَا نحن البشر والمقول هو قول الغنوسيين أورده عنهم. وروح هؤلاء منافٍ لروح المسيح والمسيحيين الحقيقيين.
لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ أي إنّا أصدقاؤه وأتباعه. ادعى الغنوسيون أنهم مثل الله وسيرتهم تكذب كلامهم (ع ٣).
وَسَلَكْنَا فِي ٱلظُّلْمَةِ أي الخطيئة والضلال. والمراد «بالسلوك» هنا الحال الروحية (ص ٢: ٦ و٢يوحنا ٦ ورومية ٦: ٤ و٨: ٤ وأفسس ٤: ١٧ وفيلبي ٣: ٢٠). ولكن الغنوسيين اختاروا الظلمة نصيباً واعتزلوا مشاركة الله والنور بدليل قول المسيح «وَهٰذِهِ هِيَ ٱلدَّيْنُونَةُ: إِنَّ ٱلنُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَأَحَبَّ ٱلنَّاسُ ٱلظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ ٱلنُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً» (يوحنا ٣: ١٩).
نَكْذِبُ أي أعمالنا تكذب أقوالنا فسلوكنا في الخطيئة دليل على أننا نخدع أنفسنا لأن الله قدوس فيجب أن نكون قديسين ليمكننا أن نكون أصدقاءه (يعقوب ٣: ١٤).
وَلَسْنَا نَعْمَلُ ٱلْحَقَّ عمل الحق هو السلوك بمقتضى الحق وعلامة كون الإنسان مسيحياً. فديانة المسيح هي نور وطهارة وسلام وفرح خلافاً للسلوك في الظلمة فإن دين المسيح قائم بالعمل كما هو قائم بالإيمان فيجب أن يكون موافقاً لطبيعة الله الذي هو نور.
٧ «وَلٰكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي ٱلنُّورِ كَمَا هُوَ فِي ٱلنُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ».
إشعياء ٢: ٥ و١تيموثاوس ٦: ١٦ وعبرانيين ٩: ١٤ ورؤيا ٧: ١٤ وتيطس ٢: ١٤
إِنْ سَلَكْنَا فِي ٱلنُّورِ هذا شرط الشركة مع الله والمراد «بالسلوك في النور» حياة القداسة لكي يكون الحيّ بها نوراً في العالم والتمسك بالحق خلافاً للتمسك بالضلالة الوثنية والفلسفة الباطلة وهو إدراك النور حق الإدراك وهذا مما لا يستطيعه الجسدانيون (٢كورنثوس ٤: ٢ وأفسس ١: ١٨). والابتهاج بالسير على سنن النور والحصول على مسراته (مزمور ٩٤: ١٩ و٢كورنثوس ١: ٣ و١٣: ١١). والمؤمنون الحقيقيون لا يكذبون بادعائهم الشركة مع الله لأنه يعطيهم نعمة ليسلكوا معه ويعلموا الحق فصاروا «أبناء نور» (يوحنا ١٢: ٣٦ ولوقا ١٦: ٨ و١تسالونيكي ٥: ٥) وصاروا «نوراً في الرب» (أفسس ٥: ٨).
كَمَا هُوَ فِي ٱلنُّورِ هذا بيان لصفة النور لا لمقداره فإن الله يسكن في النور الكامل والطهارة الكاملة والمحبة التامة ومع الذين صفاتهم كصفاته.
لَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ أي مواساة أخوية في الأمور الروحية. والشركة مع الله تعد الناس لمشاركة بعضهم بعضاً والمحبة الأخوية دليل على المحبة لله.
وَدَمُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ هذا نتيجة ثانية للسلوك في النور فكفارة المسيح ترفع خطية العالم (يوحنا ١: ٢٩) وتلاشي الخطيئة في أعضاء البشر وتحقق تحصيل مغفرة خطاياهم (١كورنثوس ٦: ١١ وأفسس ١: ٧ و١٩ و٢٠ وعبرانيين ٩: ١٤ و١بطرس ١: ١٩ - ٢٣). و «السلوك في النور» شرط ذلك التطهير. وواسطة التطهير ليس مقام المسيح ولا تعليمه ولا إيمان المؤمن به بل دمه فهو بتأثير ذلك الدم الدائم يزيل نجاسة الخطيئة وقوة الخطيئة وكونها علة الدينونة. ووجود الطبيعتين البشرية والإلهية في المسيح المشار إليهما بالاسمين يسوع المسيح جعل سفك دمه ممكناً. وبكونه ابن الله كان لدمه قيمة. وهذا التطهير شرط ضروري للشركة مع الله والاتحاد به. ودم المسيح «يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا ٱللّٰهَ ٱلْحَيَّ» (عبرانيين ٩: ١٤). «بَذَلَ (المسيح) نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْباً خَاصّاً غَيُوراً فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ» (تيطس ٢: ١٤) ولكي يُحضرنا له في المجد (أفسس ٥: ٢٦ و٢٧).
٨ «إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ ٱلْحَقُّ فِينَا».
أيوب ١٥: ١٤ وأمثال ٢٠: ٩ ورومية ٣: ١٠ ويعقوب ٣: ٢ ص ٢: ٤ ويوحنا ٨: ٤٤
إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ لعل هذا كان ضلال النيقولاويين وهو أن لا محظور على أولاد الله فلهم حرية بالمسيح فيباح لهم كل شيء (رؤيا ٢: ٦ و١٥). ويصدق على كل البشر أنهم لم يشعروا كما يجب بفظاعة جرم الخطيئة ولا باحتياجهم إلى المخلص.
نُضِلُّ أَنْفُسَنَا لأن الكتاب المقدس يصرّح بأن كل البشر خطأة «إِذِ ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰهِ» (رومية ٣: ٢٣). فكلهم يحتاجون إلى المخلص وكلهم مكلفون بأن يطيعوا شريعة الله إطاعة كاملة فالذي يقول ليس لي خطيئة يظهر أنه لا يعلم حقيقة طبيعته فهو مخدوع وخادع نفسه.
وَلَيْسَ ٱلْحَقُّ فِينَا في هذا الأمر فالحق هنا هو المعلن في الإنجيل بأسره والمثبّت بشهادة أكثر الناس واختبارهم والقائلين بأنهم ليسوا بخطأة هم الذين يسلكون في الظلمة.
٩ «إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ».
مزمور ٣٢: ٥ وأمثال ٢٨: ١٣ وعبرانيين ٩: ١٤ ورؤيا ٧: ١٤ وتيطس ٢: ١٤
إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا هذه الخطوة الأولى من السلوك في النور ومقدمة للإنجيل فالله يغفر غفراناً كاملاً لمن يعترف بخطاياه اعترافاً كاملاً. و «الاعتراف» هنا هو الإقرار جهاراً بالخطيئة (ص ٢: ٢٣ و٤: ٢ و٣ و١٥ ومتّى ٣: ٦ ومرقس ١: ٥ ويوحنا ١: ٢٠ و٩: ٢٢ ورومية ١٠: ٩). وهذا الاعتراف لا يكون بمجرد القول «خطئت» بل بذكر الخطايا بعينها. وهو خلاف قول القائلين بأن «ليس لنا خطيئة».
فَهُوَ أَمِينٌ وأمانته ظاهرة وهي على وفق الإعلان الذي أعلنه به ابنه فهو أمين في عهده ووعده بالمغفرة وتجديد القلب (عبرانيين ١٠: ٢٣ و١١: ١١). وفي أن يكمل ما ابتدأه من تقديس المؤمن (١تسالونيكي ٥: ٢٤ و١كورنثوس ١: ٩) وفي حفظ كل الذين يتكلون عليه (١كورنثوس ١٠: ١٣ و١بطرس ٤: ١٩).
وَعَادِلٌ لأنه بار ويبرر من هو الإيمان بيسوع (رومية ٣: ٢٦).
حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا على حسب وعده لمن يعترف بخطيئته ويتركها (أمثال ٢٨: ١٣).
وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ من قوة الخطيئة وتدنيسها فالله يطهّر الخاطئ برشه بدم المسيح فيصير مثل الله مستعداً للشركة معه.
١٠ «إِنْ قُلْنَا إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِباً، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا».
أيوب ١٥: ١٤ وأمثال ٢٠: ٩ ورومية ٣: ١٠ ويعقوب ٣: ٢ ص ٥: ١٠ ويوحنا ٣: ٣٣ ص ٢: ١٤
إِنْ قُلْنَا إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ هذا مكرر (ع ٨) للتقرير والمعنى إن ادّعينا إنا استقللنا عن الخطيئة منذ آمنا.
نَجْعَلْهُ كَاذِباً هذا أقوى من قوله «نكذب» في (ع ٦) وأقوى من قوله «نضل أنفسنا» في (ع ٨). ولم يقل مثل هذا بولس إذ قال أنه «أول الخطأة» (١تيموثاوس ١: ١٥). ولم يقل ذلك يهوذا إذ قال «مُنْتَظِرِينَ رَحْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (يهوذا ع ٢١). والقول بعدم الخطيئة منافٍ لكل شهادة الكتاب المقدس ولشهادة ضمائرنا وشهادة الروح القدس.
وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا أي لم نقبل قط شهادة الله لنفسه وعلينا (ص ٢: ١٤ ويوحنا ٨: ٥٥ و١٠: ٣٥ و١٧: ٦ و١٤ و١٧). والمراد بكلمة الله غالباً إنجيله (لوقا ٥: ١ و٨: ١١ و٢١ و١١: ٢٨).



اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي


علاج الخطيئة وعلامة نجعهِ وكون حفظ الوصايا الإلهية برهاناً على أننا نعرف الله ونسلك في النور (ع ١ - ٦). ووجوب المحبة الأخوية وهي أيضاً علامة السلوك في النور والوصية بهذا من جهة ليست بجديدة ومن جهة أخرى جديدة (ع ٧ - ١١). وأسباب توجيه كلامه إلى صنوف مختلفة من المؤمنين وتوصيته إياهم بأن لا يحبوا العالم (ع ١٢ - ١٧). وعلامة حوادث الأيام الأخيرة عند مجيء ضد المسيح وبيان بعض صفاته الخاصة (ع ١٨ - ٢٦). وحثهم على أن يستمروا أمناء حتى إذا جاء المسيح لا يستحون أمامه (ع ٢٧ - ٢٩).
علاج الخطيئة ع ١ و٢


١ «يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلآبِ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَارُّ».
ع ١٢ و٢٨ وص ٣: ٧ و١٨ و٤: ٤ و٥: ٢١ ويوحنا ١٣: ٣٣ وغلاطية ٤: ١٩ ص ١: ٤ ورومية ٨: ٣٤ و١تيموثاوس ٢: ٥ وعبرانيين ٧: ٢٥ و٩: ٢٤ ويوحنا ١٤: ١٦
يَا أَوْلاَدِي خاطب كل رعيته بهذا الاسم دليلاً على محبته لهم وأنه قد طعن في السن.
أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا ما سبق من كلامه في الله وفي حقيقة الخطيئة (ص ١: ٥ - ١٠).
لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا أي لكي تعيشوا عيشة مقدسة وهذا غاية تعليم الإنجيل. فليس فيه إباحة لشيء من الخطايا بتعليمه في شأن مغفرة الخطايا.
إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ لأن كل الناس عرضة للخطيئة لفساد قلوبهم وتجارب هذه الحياة. وتسليم أن المؤمن يخطأ ليس بعذر له لأن قانون الحياة المسيحية وجوب الخلو من الخطيئة.
فَلَنَا شَفِيعٌ شفيع لكل المؤمنين ليقيهم من الخطيئة ويرفعهم إذا سقطوا. وهو «لنا بمعنى أنه هبة إلهية» (ص ٥: ١٢ و٢يوحنا ٩). و «الشفيع» هنا كالمعزي وهو الذي يقوم بأمر المُشتكى عليه (رؤيا ١٢: ١٠ وزكريا ٣: ١ و١بطرس ٥: ٨). وكان الحبر الأعظم رمزاً إلى المسيح بدخوله قدس الأقداس يوم الكفارة (عبرانيين ٧: ٢٥ و٩: ١١ و٢٤). وفي قوله «لنا شفيع» إن المؤمن طلب شفاعته فأصابها.
عِنْدَ ٱلآبِ حاضر شافع وحق شفاعته مبني على كونه ابن الآب فهو وحده يغفر الخطيئة ونسبته إلى الآب تستلزم لاهوته.
يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ابن الإنسان وابن الله والاسمان يدلان على ناسوته ولاهوته وهو المخلص الموعود به.
ٱلْبَارُّ فقوة شفاعته مبنية على كونه باراً ولم يقل إن شفاعته مبنية على لاهوته لأنه ابن الله بل على كمال ناسوته. وهذا على وفق قول بطرس «فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ ٱلْخَطَايَا، ٱلْبَارُّ مِنْ أَجْلِ ٱلأَثَمَةِ» (١بطرس ٣: ١٨) فإنه أكمل الناموس فلم يرد أن ينقضه بل أن يقوم بكل مطاليبه. فيطلب المسيح أن يأخذ المؤمن كل ما للمسيح نفسه من الحقوق ولاتحاد المؤمن به. وهكذا الحبر الأعظم قام بكل المطاليب الناموسية رمزاً للمسيح (عبرانيين ٧: ٢٦). ولم يذكر الرسول شيئاً تتبين منه كيفية الشفاعة ويكفي أن نعلم من أمر المسيح في ذلك أنه «حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ» (عبرانيين ٧: ٢٥) فشفاعته في السماء حقيقية كفدائه على الأرض (يوحنا ١٧: ٢٤). وقيمة شفاعته هناك مبنية على ما فعله على الأرض فله قوة مؤثرة غير محدودة. وشفاعة المسيح عند عرش الله ليست شفهية كالشفاعة المعهودة على الأرض فالمراد بها أن المسيح تكفل بكل ما يُطلب من الشفيع الأرضي. وشفاعته على ما فُهم من الكتاب تقوم بثلاثة أمور:

  • الأول: إنه يسلّم بأننا خطأة ولا يستر خطايانا ولا ينقصها.
  • الثاني: يعد بأنه لا ينتج ضرر للعالم إذا غُفر لنا وعوملنا كأبرار نظراً لما فعله إكراماً للناموس.
  • الثالث: إنه يتكفل بأنه إذا غُفر لنا لا نرجع إلى الخطيئة ونعصي الله.


٢ «وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً».
ص ٤: ١٠ ورومية ٣: ٢٥ وعبرانيين ٢: ١٧ ص ٤: ١٤ ويوحنا ٤: ٤٢ و١١: ٥١
وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا ببذل نفسه ذبيحة كفارة بإرادته فبنى شفاعته على ما كان قد صنعه. ولم يقل كان كفارة لخطايانا بل قال هو كذلك وهو يدل على استمرار ذلك ودوامه. ولم يقل أنه مكفر بل أنه «كفارة» لأنه ذبيحة علاوة على كونه كاهناً بدليل قول بولس فيه «ٱلَّذِي قَدَّمَهُ ٱللّٰهُ كَفَّارَةً بِٱلإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ ٱلصَّفْحِ عَنِ ٱلْخَطَايَا ٱلسَّالِفَةِ» (رومية ٣: ٢٥). فلو كان هو المكفر فقط لكان يمكنه أن يقدم ذبيحة غير نفسه. فإنه هو وحده كفارة كما هو لنا «الطريق والحق والحياة» (يوحنا ١٤: ٦). وهو «ٱلَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ ٱللّٰهِ وَبِرّاً وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً» (١كورنثوس ١: ٣٠). وهذا موافق لقوله «فِي هٰذَا هِيَ ٱلْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا ٱللّٰهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ٱبْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا» (ص ٤: ١٠). وهذه الكفارة التي بنى عليها شفاعته تقوم بطاعته وموته (رومية ٣: ٢٥ وعبرانيين ٢: ١٧).
لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً لا لخطايا المؤمنين فقط بل لهم بالأحرى ثم لخطايا اليهود والوثنيين. ولا بد من أن غير المؤمنين يستفيدون من تلك الكفارة شيئاً لطول أناة الله عليهم لكي يتوبوا لأنه «حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١: ٢٩). فشفاعته وخلاصه ينفعان نسل آدم كله داخل الكنيسة وخارجها في كل زمان ومكان من آدم إلى آخر مولود من الناس. فالدواء على قدر المرض والكفارة على قدر احتياج الناس إليها. والكفارة توافق كل الخطأة ويحتاج الكل إليها وهي كافية للكل ولا حاجة إلى غيرها وهي شديدة التأثر إذا استعملت (ص ٤: ١٤ ويوحنا ١: ٢٩ و٤: ٤٢ و١كورنثوس ١: ٣٠ و٢كورنثوس ٥: ١٤ و١٨ و٢١ وعبرانيين ٢: ٩ و٩: ٢٨ و١بطرس ٢: ٢٤).

إن الطاعة لله آية السلوك في النور ع ٣ إلى ٨


٣ «وَبِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ».
ع ٥ وص ٣: ٢٤ و٤: ١٣ و٥: ٢ ع ٤ وص ٣: ٦ و٤: ٧ ص ٣: ٢٣ و٢٤ و٥: ٣ ويوحنا ١٤: ١٥ و١٥: ١٠ ورؤيا ١٢: ١٧ و١٤: ١٢
وَبِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ في هذا بيان نجع العلاج لمرض الخطيئة. بدل هنا الكلام في الشركة مع الله بالكلام في معرفته والإشارة «بهذا» إلى ما يأتي. ومعنى قوله «قد عرفناه» أي عرفناه بالاختبار حق المعرفة فلم نتمسك بخيال. وعرفنا (علاوة عن النجاة من الخطيئة) إننا أصدقاؤه وخاصته وإننا نحيا باتحادنا به.
إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ على وفق قول المسيح «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَٱحْفَظُوا وَصَايَايَ» (يوحنا ١٤: ١٥ انظر أيضاً متّى ١٩: ١٧ و٢٨: ٢٠ ويوحنا ١٤: ٢٣ و٢٤ و١٥: ١٠ و١٤).
٤ «مَنْ قَالَ قَدْ عَرَفْتُهُ وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ ٱلْحَقُّ فِيهِ».
تيطس ١: ١٦ وص ١: ٦ و٨
مَنْ قَالَ قَدْ عَرَفْتُهُ أي من ادّعى أنه مؤمن به وأنه تلميذه.
وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ كما هي في الإنجيل. لا يمكن أن يكون ضمير الإنسان قانون أعماله فيحتاج معه إلى قانون كامل ومثال صالح تام. وهذا تم لنا بإنجيل ربنا.
فَهُوَ كَاذِبٌ كالذي قال إن «ليس فيه خطيئة» (ص ١: ٨ و١٠). كذلك يكذب الذي يقول أنه يعرف الله بابنه وهو لا يطيعه.
وَلَيْسَ ٱلْحَقُّ فِيهِ ليسوس أفكاره وبصيرته (يوحنا ٨: ٤٤). وخلا من الحق لاستيلاء الكذب على كل طبيعته.
٥ «وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقّاً فِي هٰذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ. بِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ».
يوحنا ١٤: ٢٣ ص ٤: ١٢ ويوحنا ١٥: ٤
وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ أي من حفظ إعلان مشيئة الله في الإنجيل وذلك إعلان وصاياه (ع ٤). فكل الإنجيل كلمة الله وهو إعلان واحد لا إعلانات مختلفة تختار منها ما تشاء وترذل ما تشاء.
فَحَقّاً فِي هٰذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ الإشارة «بهذا» إلى من «حفظ كلمته» فلا يكفي أن يعترف بصحة الكلمة لأن ذلك ليس سوى تصور عقلي لكن المحبة تصديق للقول بالفعل وبالمحبة ظهرت القوة الإلهية فيه والمراد «بمحبة الله» محبة الله لنا (١يوحنا ٣: ١). ومحبتنا لله تشبه محبته لنا لأنه هو أصلها وغايتها وهي تنشئ محبتنا للإخوة بدليل قوله «وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ ٱلْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجاً، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِيهِ» (ص ٣: ١٧). فمحبة الله لنا حين قبلناها صارت ينبوع محبة فينا. وقوله «حقاً» هنا من صفات التكمل إذ تلك المحبة لم تقم بمجرد القول بل قامت بالقول والفعل معاً (ص ٣: ١٨ أنظر أيضاً يوحنا ١: ٤٧ و٨: ٣١) وكمال المحبة تظهر بكمال الطاعة.
بِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ أي بالطاعة التي هي تحتاج المحبة. وقوله «نعرف الخ» كقوله «نعرف أننا قد عرفناه» (ع ٣). وكقوله «لنا شركة معه» (ص ١: ٦). وقوله «فيه» يشير إلى أننا خلصنا بنعمته وإننا محاطون بمحبته ومرشدون بأفكاره وشركاء طبيعته ومملؤون من روحه القدوس وأن لنا قدوماً إليه بالصلاة وإننا ورثنا ملكوته. فقوله «فيه» يشير إلى شركة المؤمنين مع الله (يوحنا ١٤: ٢٠ و١٧: ٢١ و٢٣). وهذا يشبه الثبوت «فيه» (ع ٢٤ و٢٧ و٢٨). وبكوننا فيه ننال قوة على عمل مشيئة الله المقدسة ووقف النفس له وتحقق الاتحاد به.
٦ «مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ، يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هٰكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضاً».
يوحنا ١٣: ١٥ و١٥: ١٠ و١بطرس ٢: ٢١
مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ أي لا نفع من القول بلا عمل. والثبوت في المسيح هو الشركة الدائمة معه كالغصن المثمر في شجرته.
يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هٰكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضاً أي هو مكلف أن يقتدي بالمسيح في سلوكه المقدس ويعيش كما عاش. وهذا مثل قول المسيح «أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّماً وَسَيِّداً، وَحَسَناً تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذٰلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا ٱلسَّيِّدُ وَٱلْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً الخ» (يوحنا ١٣: ١٣ - ١٥). فينتج من كمال المعرفة الثبوت فيه ومن كمال المحبة أن نسلك كما سلك هو. والحياة التي من الله وفي الله يجب أن تظهر فينا تمثُلاً بالمسيح وهو على الأرض فهو كان مثالاً لنا في التواضع والصبر وإنكار النفس (متّى ١١: ٢٩ ويوحنا ١٣: ١٥ ورومية ١٥: ٢ وأفسس ٥: ١ وفيلبي ٢: ٥ وعبرانيين ١٢: ٢ و١بطرس ٢: ٢١). والاقتداء يكون أحياناً بمجرد احتمال المشقات بالصبر كما احتمل المسيح على الصليب كما في الخدمة.
٧ «أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، لَسْتُ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً، بَلْ وَصِيَّةً قَدِيمَةً كَانَتْ عِنْدَكُمْ مِنَ ٱلْبَدْءِ. ٱلْوَصِيَّةُ ٱلْقَدِيمَةُ هِيَ ٱلْكَلِمَةُ ٱلَّتِي سَمِعْتُمُوهَا مِنَ ٱلْبَدْءِ».
ص ٣: ٢ و٢١ و٤: ١ و٧ و١١ وعبرانيين ٦: ٩ ص ٣: ١١ و٢٣ و٤: ٢١ و٢يوحنا ٥ و٦ ع ٢٤
أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ لما كان موضوعه المحبة كانت كلماته كلمات المحبة.
لَسْتُ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً لأن هذه الوصية قديمة كانت منذ ابتداء التبشير بالإنجيل وكانت قانون الحياة المسيحية في أول نشأة الدين المسيحي وهي بيان الاقتداء بالمسيح لأنها حفظ وصاياه (ع ٣) والسلوك كسلوكه (ع ٦). ولم يصرّح هنا بالوصية بل أشار إليها بقوله «ينبغي الخ» (ع ٦) لأن الاقتداء بالمسيح والقيام بوصية المحبة شيء واحد. وقوله «ينبغي» هناك مبني على قوله «فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا ٱلسَّيِّدُ وَٱلْمُعَلِّمُ... يَجِبُ عَلَيْكُمْ الخ» (يوحنا ١٣: ١٤). و «الوصايا» (ع ٣) الكثيرة في هذا الشأن مجموعة في «كلمته» (ع ٥) وفي «الوصية الجديدة» في هذه الآية.
بَلْ وَصِيَّةً قَدِيمَةً كَانَتْ عِنْدَكُمْ مِنَ ٱلْبَدْءِ إنه يمكن أنه أشار «بالبدء» إلى يوم الخليقة وإلى الشريعة التي أُعطيها الإسرائيليون وكانت مكتوبة على قلوب الأمم وضمائرهم. والأرجح أنه أشار به إلى بداءة الكنيسة المسيحية وبداءة إيمانهم بالمسيح كما في (ص ٣: ١١ و٢يوحنا ع ٦).
ٱلْوَصِيَّةُ ٱلْقَدِيمَةُ هِيَ ٱلْكَلِمَةُ ٱلَّتِي سَمِعْتُمُوهَا مِنَ ٱلْبَدْءِ هذه «الوصية القديمة» التي هي وصية المحبة هي الإنجيل الذي نادى الرسل به وهي كلمة الحياة التي هي دعوة لإظهار المحبة أبداً. واحترس يوحنا أن يماثل المعلمين الكاذبين بمناداته بشيء جديد يختلف عما نادى به المسيح وآمن به المسيحيون الأولون.
٨ «أَيْضاً وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ، مَا هُوَ حَقٌّ فِيهِ وَفِيكُمْ، أَنَّ ٱلظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ، وَٱلنُّورَ ٱلْحَقِيقِيَّ ٱلآنَ يُضِيءُ».
يوحنا ١٣: ٣٤ وأفسس ٥: ٨ و١تسالونيكي ٥: ٤ ورومية ١٣: ١٢ ويوحنا ١: ٩
أَيْضاً وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ وهي أن يحب بعضهم بعضاً وهي تستحق أن تُنعت «بالقديمة» (ع ٧) وإن تنعت «بالجديدة» لأن المسيح نعتها بذلك (يوحنا ١٣: ٣٤) ولأنه أتى بمحركات جديدة لإطاعتها فقدم مثالاً جديداً بعمله ومواعيد جديدة للذين يحفظونها ويعطي الروح القدس نعمة جديدة للقيام بها (انظر تفسير يوحنا ١٣: ٣٤).
مَا هُوَ حَقٌّ فِيهِ أي في المسيح لا مظهر المحبة التي هي مثل محبة المسيح التي أثبتها بتعليمه وعمله.
وَفِيكُمْ أي ما يجب أن تظهروه في معاملة بعضكم لبعض وفي اختباركم. وقال «فيكم» لأنهم قد تعلموها من الروح القدس بعد موت المسيح وقيامته.
أَنَّ ٱلظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ أي الجهل والضلال يوم أبغض الناس بعضهم بعضاً فكأنه عند مجيء المسيح رُفع حجاب الظلمة من وجه الأرض ليدخل نور السماء إليها.
وَٱلنُّورَ ٱلْحَقِيقِيَّ ٱلآنَ يُضِيءُ أي نور الإنجيل الذي المحبة أعظم مبادئه. وكان المسيح «نور العالم» (يوحنا ١: ٤ و٥ و٨: ١٢ وإشعياء ٩: ٢). وديانته نور أيضاً. وتعليم العهد القديم صار جديداً لاستنارته بقوة حياة المسيح وتعليمه وعمله على وفق قول بولس «إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ... ٱلأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً» (٢كورنثوس ٥: ١٧). و «النور» الذي كان في العالم قبل الإنجيل كان جزئياً واستعدادياً بالنسبة إلى «النور» الذي أتى به المسيح.

وجوب إظهار المحبة الأخوية ع ٩ إلى ١١


٩ «مَنْ قَالَ إِنَّهُ فِي ٱلنُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى ٱلآنَ فِي ٱلظُّلْمَةِ».
ع ١١ وص ٣: ١٥ و٤: ٢٠ ص ٣: ١٠ و١٦ و٤: ٢٠ وأعمال ١: ١٥
مَنْ قَالَ إِنَّهُ فِي ٱلنُّورِ أي ادعى أنه مسيحي محاط بإخوته المسيحيين وبنور الإنجيل.
وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ أي أحد المؤمنين المتحدين معه بالإيمان المشترك وبالمسيح. ولعل يوحنا أراد بالبغض هنا عدم المحبة وقلّتها حتى يخلو من المواساة فيسمح بأن يحسد أخاه ويظن فيه السوء فينشأ عن ذلك انشقاقات ومخاصمات.
فَهُوَ إِلَى ٱلآنَ فِي ٱلظُّلْمَةِ في حال منافية للحال التي ادعاها بقوله «إنه في النور».
١٠ «مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي ٱلنُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ».
ع ١٠ و١١ ويوحنا ١١: ٩
مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي ٱلنُّورِ لأن محبته خالية من غاية شخصية فيطلب نفع أخيه ويقتدي بالمسيح ذي القدوة العظيمة وذلك ينشأ عن فعل الروح القدس.
وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ فإن عدم المحبة يعرّض للعثرات ومن تلك العثرات الكبرياء وحب الذات وتخطئة الإنسان غيره والتنديد به.
١١ «وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي ٱلظُّلْمَةِ، وَفِي ٱلظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ ٱلظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ».
يوحنا ١٢: ٣٥ ص ١: ٦ و٢كورنثوس ٤: ٤ و٢بطرس ١: ٩
وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ أي لا يحبه كنفسه.
فَهُوَ فِي ٱلظُّلْمَةِ كأن الظلمة محيطة به إحاطة السحاب. فحياة المحب حياة نور وسلام وحياة المبغض صدمة وعثرة دائمة.
وَفِي ٱلظُّلْمَةِ يَسْلُكُ وهذا هو الفرق بينه وبين محب أخيه فهو كالفرق بين النور والظلمة والفقير والغني.
وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي كالأعمى فلا يرى غاية الحياة الحقيقية. قال الحكيم «أَمَّا طَرِيقُ ٱلأَشْرَارِ فَكَٱلظَّلاَمِ. لاَ يَعْلَمُونَ مَا يَعْثُرُونَ بِهِ» (أمثال ٤: ١٩). وقال المسيح «ٱلَّذِي يَسِيرُ فِي ٱلظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. مَا دَامَ لَكُمُ ٱلنُّورُ آمِنُوا بِٱلنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ ٱلنُّورِ» (يوحنا ١٢: ٣٥ و٣٦).
لأَنَّ ٱلظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ هذا شر حال الإنسان الخالي من المحبة بناء على قول النبي «غَلِّظْ قَلْبَ هٰذَا ٱلشَّعْبِ وَثَقِّلْ أُذُنَيْهِ وَٱطْمُسْ عَيْنَيْهِ، لِئَلاَّ يُبْصِرَ بِعَيْنَيْهِ وَيَسْمَعَ بِأُذُنَيْهِ وَيَفْهَمْ بِقَلْبِهِ، وَيَرْجِعَ فَيُشْفَى» (إشعياء ٦: ١٠ ويوحنا ١٢: ٤٠). وبيان انتقام الله من الذين لا يريدون أن يبصروا (رومية ١١: ١٠ و٢كورنثوس ٤: ٤). وظلمة القلب تمنع من البصر وتعمي البصيرة فعمى القلب اختياري وذنب فضلاً عن كونه مصاباً.

ما يجب أن نعتزله إذا سلكنا في النور ع ١٢ إلى ١٧


١٢ «أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ ٱلْخَطَايَا مِنْ أَجْلِ ٱسْمِهِ».
ع ١ و١كورنثوس ٦: ١١ وأعمال ١٣: ٣٨
ذكره أحوال الظلمة الأدبية مع محبته لرعيته حملته على أن يحذّرهم من الشيطان والعالم والشهوات الجسدية والأباطيل التي القلب البشري عرضة لها. فأكد لهم أولاً محبته لهم وثقته بهم والأسباب التي حملته على الكتابة إليهم.
أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ قصد «بالأولاد» هنا كل قراء رسالته كما في الآية الأولى. ودعوته إياهم بذلك علامة المحبة وطعنه في السن. وقوله «أكتب إليكم» للحال وهو ما كان يكتبه من هذه الرسالة.
لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ ٱلْخَطَايَا ذكر هذا بياناً لعلة ارتباطهم به وعلة انجذاب قلبه إلى أن يكتب إليهم وعلة حصولهم على المغفرة كما حصل هو عليها. والمناداة «بمغفرة الخطايا» موضوع الإنجيل لكل الذين يتوبون ويؤمنون (لوقا ٢٤: ٤٧ وأعمال ١٣: ٣٨). وموت المسيح على الصليب علّة المغفرة لخطايا كل من يقبلون المسيح بالإيمان والمحبة والطاعة.
مِنْ أَجْلِ ٱسْمِهِ لم يذكر اسم من قصد ولكن لا ريب في أنه قصد اسم المسيح على وفق قول بطرس في المسيح «لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ ٱلأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِٱسْمِهِ غُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا» (أعمال ١٠: ٤٣). ومعنى قوله «من أجل اسمه» غفر لهم إكراماً له بالنظر إلى ما فعله من أجلهم (ص ٣: ٢٣ و٥: ١٣). وكونهم مغفوراً لهم علّة أن يحثهم على أن يعيشوا عيشة مقدسة وأن يعتزلوا كل ما يمنع من السلوك الطاهر.
١٣ «أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلآبَاءُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلْبَدْءِ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلأَحْدَاثُ لأَنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُ ٱلشِّرِّيرَ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ ٱلآبَ».
ص ١: ١ ص ٤: ٤ و٥: ٤ ورؤيا ٢: ٧ ويوحنا ١٦: ٣٣ ومتّى ٥: ٣٧ وع ١٤ وص ٣: ١٢ و٥: ١٨ ع ٣ ويوحنا ١٤: ٧
أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلآبَاءُ خصّ بالخطاب بعض من غفر لهم ممّن امتازوا بكبر سنهم وباختبارهم.
لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلْبَدْءِ اختبارهم وحكمتهم أعدّاهم لأن يدركوا تعليم المسيح وعمله ومثاله والواجبات المبنية على ذلك ولهذا خاطبهم أولاً. والمراد «بالذي من البدء» المسيح كما يدل عليه ما في (يوحنا ١: ١ و٨: ٥٨ و١٧: ٥). وقوله «من اجل اسمه» في الآية السابقة.
أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلأَحْدَاثُ أراد بهم الذين في أشد قوتهم من أبناء عشرين فأكثر إلى أربعين كما في (متّى ١٩: ٢٠ و٢٢ ومرقس ١٤: ٥١ و١٦: ١٥ ولوقا ٧: ١٤ وأعمال ٢: ١٧ و١تيموثاوس ٤: ١٢).
لأَنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُ ٱلشِّرِّيرَ أي الشيطان (ص ٣: ١٢ و٥: ١٨ ومتّى ١٣: ١٩ وأفسس ٦: ١٦). فأظهروا قوتهم بانتصارهم على تجارب الشيطان ولذلك اطمأن ووثق بهم وبأنهم يثبتون على مقاومة الضلال حسب وصاياه وأن يحاموا عن الحق فكتب إليهم.
أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ أراد «بالأولاد» قرّاء رسالته كما في (ع ١ و١٢).
لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ ٱلآبَ قال في (ع ١٢) إنه «كتب لهم لأنهم قد غُفرت لهم خطاياهم» وقال هنا أنه «كتب إليهم لأنهم عرفوا الآب». ومعرفتهم الآب كانت جزئية فلا بد من أنهم كانوا يرغبون في أن يعرفوه أكثر من ذلك ولهذا كتب إليهم ولثقته بأنهم يبقون أمناء وطائعين لأبيهم السماوي. ومعرفة الآب تستلزم المحبة والخضوع له والشعور باحتياجهم إلى عنايته.
١٤ «كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلآبَاءُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلْبَدْءِ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلأَحْدَاثُ لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ ٱللّٰهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ ٱلشِّرِّيرَ».
ص ١: ١ أفسس ٦: ١٠ ص ١: ١٠ ويوحنا ٥: ٣٨ و٨: ٣٧ ع ١٣
كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلآبَاءُ ذهب بعضهم إلى وجود الفرق بين قوله «كتبت إليكم» وقوله «أكتب إليكم» وإنه أراد بقوله «كتبت» ما كتبه في البشارة بقوله «أكتب» ما كتبه في الرسالة لكن المرجح أنه قصد شيئاً واحداً في كلا القولين واعتبر ما كتبه هنا أحياناً عملاً قد تمّ وأحياناً عملاً لم يتمّ وهو آخذ في إتمامه. وأراد «بالآباء» هنا البالغين وأهل الاختبار من المؤمنين.
لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلْبَدْءِ علّة كتابته إليهم كالعلّة المذكورة في (ع ١٣). فاختبارهم دين المسيح مدة طويلة علّة ثباتهم الدائم وإظهارهم زيادة القوة في الاقتداء بالمسيح.
كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلأَحْدَاثُ لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ أي قادرون جسداً وإيماناً. ولذلك أنتم مستعدون للخدمة وقادرون أن تجاهدوا جهاد الإيمان الحسن وتحاموا عن الحق تجاه هجمات الأعداء (أفسس ٦: ١٠). وهم كانوا أقوياء بسبب القوة التي أعطاهم إياهم المسيح (ص ٤: ٤) وكانوا أقوياء في الإيمان (عبرانيين ١١: ٣٤).
وَكَلِمَةُ ٱللّٰهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ هذا سرّ قوتهم كقول المرنم «بِمَ يُزَكِّي ٱلشَّابُّ طَرِيقَهُ؟ بِحِفْظِهِ إِيَّاهُ حَسَبَ كَلاَمِكَ» (مزمور ١١٩: ٩). إنهم قبلوا كلمة المسيح واقتاتوا بها وبتعليم الروح القدس (ع ٢٤ و٢٧ ويوحنا ١٥: ٧).
وَقَدْ غَلَبْتُمُ ٱلشِّرِّيرَ كما غلبه المسيح بأسلحة الكتاب المقدس (متّى ٦: ١٣ و١٢: ٢٩) وبحملهم ترس الإيمان وسيف الروح الذي هو كلمة الله (أفسس ٦: ١٧).
١٥ «لاَ تُحِبُّوا ٱلْعَالَمَ وَلاَ ٱلأَشْيَاءَ ٱلَّتِي فِي ٱلْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ ٱلْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ ٱلآبِ».
يعقوب ١: ٢٧ و٤: ٤ ورومية ١٢: ٢
لاَ تُحِبُّوا ٱلْعَالَمَ هذا النهي لجميع الذين خاطبهم من الآباء والأولاد وأسباب هذا النهي واجبة على الكل. ومعنى «العالم» في الإنجيل قد يكون المخلوقات بأسرها (أعمال ١٧: ٢١) وقد يكون الأرض (يوحنا ١: ٩) وقد يكون البشر جميعاً والمراد به هنا الناس الذين لا يخضعون لإرادة الله بل يخالفون الله بمقاصدهم وأفكارهم وعاداتهم وليس المراد أن لا نحب العالم المنظور من جباله وسهوله وبحاره وأنهاره إلى غير ذلك مما صرّح الله بأنه حسن عند خلقه إياه. وليس هو كل البشر لأنه قيل «هكذا أحب الله العالم الخ» (يوحنا ٣: ١٦). فهم خليقة الله والله لم يخلق شيئاً شريراً بالذات ولكن العالم صار شريراً بسوء استعمال حريته ولو كان العالم شريراً بالذات لم يقل المسيح «أنا نور العالم» (يوحنا ٨: ١٢).
وَلاَ ٱلأَشْيَاءَ ٱلَّتِي فِي ٱلْعَالَمِ فالذي لا يجوز أن نحبه في العالم هو عصيان الناس لله وطمعهم وكبرياؤهم وبخلهم وحب الذات ونسيان الله وحب الشهوات واللذّات المحظورة وسائر ما هو مخالف لإرادة الله فهو «العالم» الذي قيل في هذه الرسالة أنه «قد وُضع في الشرير» (ص ٥: ١٩). والممنوع هنا إعطاء العالم أقوى محبة القلب وإخضاع العقل والمشيئة له. وعبّر عن ذلك يعقوب بقوله «محبة العالم عداوة لله» (يعقوب ٤: ٤) وعبّر عنه بولس بقوله «يفتكرون في الأرضيات» (فيلبي ٣: ١٩). وأسمى خضوع القلب ما كان لله وحده فلا يجوز أن يكون القلب منقسماً بين حب العالم وحب الله بدليل قول المسيح في (متّى ٦: ٢٤). وخلاصة معنى «الأشياء التي في العالم» كل ما هو مستقل عن الله وتمنع الإنسان عن الله (متّى ١٦: ٢٦ و١كورنثوس ١: ٢٠ وغلاطية ٤: ٣ وكولوسي ٢: ٨).
إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ ٱلْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ ٱلآبِ لأن الذي يحب العالم يشغل العالم مقاصده وغاياته وأشواقه فيحسب الأرضيات أعظم الأنصبة. فمحبة العالم مضادة طبعاً لمحبة الآب وطاردة إياها. فإن شدة محبة الخليقة تمنع من محبة الخالق ومحبة المحدود تمنع من محبة غير المحدود (رومية ١: ٢٥ ويعقوب ٤: ٤). والإنسان ليس له سوى قلب واحد فيستحيل أن يحب المتضادات في وقت واحد. وقال «محبة الآب» ولم يقل محبة الله لأن الله تنازل إلى إعلان أنه موضوع محبة الإنسان بواسطة نسبته إلى المسيح ابنه. وأظهر الله محبته للناس بأنه دعاهم لأن يكونوا أولاده فيرغب في أن يحبوه أباً لهم. فالذي يحب العالم والأشياء التي في العالم لا يشعر باحتياجه إلى العناية الإلهية ولا إلى أبوة الله. إن المسيحي الحقيقي كالسفينة في البحر فكونها في الماء لا يغرّقها إنما الذي يغرّقها دخول الماء فيها كذلك المسيحي لا يضرّه كونه في العالم بل يضرّه كون العالم فيه.
١٦ «لأَنَّ كُلَّ مَا فِي ٱلْعَالَمِ شَهْوَةَ ٱلْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ ٱلْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ ٱلْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ ٱلآبِ بَلْ مِنَ ٱلْعَالَمِ».
رومية ١٣: ١٤ وأفسس ٢: ٣ و١بطرس ٢: ١١ وأمثال ٢٧: ٢٠ ويعقوب ٤: ١٦
لأَنَّ هذا تعليل إن محبة العالم منافية لمحبة الآب لأن محبة العالميات تنشأ عن العالم وتنحصر فيه.
كُلَّ مَا فِي ٱلْعَالَمِ حصر كل ما في العالم في ثلاثة أشياء فيجب أن ننتبه أنه لم يقل الجسد والعيون والمعيشة محظورة بل إن المحظور هو «شَهْوَةَ ٱلْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ ٱلْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ ٱلْمَعِيشَةِ».
شَهْوَةَ ٱلْجَسَدِ أي ميل الطبيعة غير المتجددة إلى اللذّات والاكتفاء بها بلا نظر إلى شريعة الله في استعمالها. ونُسبت الشهوة إلى الجسد لأنه هو منشئها ومركزها. والعيشة بمقتضى هذه الشهوة منافية للعيشة بمقتضى الأمور الروحية.
شَهْوَةَ ٱلْعُيُونِ أي الميل إلى المرئيات الزمنية بخلاف الميل إلى الأمور غير المنظورة الأبدية. فالخطيئة في ذلك تفضيل المخلوقات على الخالق. فبشهوة العيون سقط داود الملك (٢صموئيل ١١: ٢) وعخان (يشوع ٧: ٢١). والشيطان أرى المسيح كل ممالك العالم ومجدها بغية أن يخدعه ويحمله على السجود له (لوقا ٤: ٥ - ٧). وفي شهوة العين قال المسيح «إِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ ٱلْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَٱقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ» (متّى ٥: ٢٩).
وَتَعَظُّمَ ٱلْمَعِيشَةِ هو افتخار الإنسان بنفسه دون أن يعطي مجداً لله وتمتعه بماله كأنه هو الخير الأعظم والميل إلى الكنوز العالمية الباطلة الزائلة. وبهذه الخطيئة سقط الشيطان من السماء.
لَيْسَ مِنَ ٱلآبِ بَلْ مِنَ ٱلْعَالَمِ (يوحنا ١٥: ١٩ و١٧: ١٤ و١٦ و١٨: ٣٦). فتمتُّع الإنسان بالمخلوقات مستقلة عن الله وقطع النظر عن حق الله يجعلان الناس أشراراً وفجاراً لأنهم يستعملون عطايا الله بلا قانون وبلا شكر للخالق.
١٧ «وَٱلْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا ٱلَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ ٱللّٰهِ فَيَثْبُتُ إِلَى ٱلأَبَدِ».
١كورنثوس ٧: ٣١
ٱلْعَالَمُ يَمْضِي إن العالم علاوة على كون محبته خطيئة لأنها ليست من الآب بل تفصل الإنسان عنه لا يستحق المحبة لأنه زائل وهو العالم المنظور الذي يحجب حضور الله عن قلب الإنسان واعتبره الرسول آخذاً في الزوال لأنه عاش مدة مُلك اثني عشر امبراطوراً وهم أوغسطوس وطيباريوس وكاليغولا وكلوديوس ونيرون وغلبي وأثو وفيتاليوس ويسباسيانس وتيطس ودوميسيانوس ونرفا وكلهم ادّعوا أنهم مخلصو العالم ومحسنون إليه وأكثرهم مات ميتة سوء. فالتمسك بالعالم هو التمسك بما هو خارجي زائل غير حقيقي.
وَشَهْوَتُهُ التي يحثّ العالم الإنسان على تحصيلها. وسماها بولس «الشهوة العالمية» (تيطس ٢: ١٢) وهي كالعالم في كونها باطلة زائلة.
وَأَمَّا ٱلَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ ٱللّٰهِ أي إن المؤمن مع كونه في العالم الزائل المتوقع إهلاكه إذا اجتهد أن يفعل مشيئة الله لم يكن عرضة للزوال معه (يوحنا ٤: ٢٤ و٦: ٣٨ و٧: ١٧) والمراد «بصنع مشيئة الله» استعمال كل القوى العقلية والمشيئة لإتمام إرادة الله المعلنة في الإنجيل.
فَيَثْبُتُ إِلَى ٱلأَبَدِ (يوحنا ٨: ٣٥ و١٠: ٢٨ و٢٩ و١بطرس ١: ٢٥). وليس المعنى أنه لا يموت بل المراد أنه لاتحاده بالله بواسطة الإيمان بنى رجاءه على أساس أبدي كالله نفسه الذي هو يثبت إلى الأبد.

مقاومة الضلال للحق ع ١٨ إلى ٢٩


في هذا الفصل ثلاثة مواضيع:

  • الأول: أضداد المسيح والتمييز بينهم وبين المسيحيين الحقيقيين (ع ١٨ - ٢١).
  • الثاني: الحق وقوته (ع ٢٢ - ٢٥).
  • الثالث: الثبوت في الحق (ع ٢٦ - ٢٩).


أضداد المسيح ع ١٨ إلى ٢١


١٨ «أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ هِيَ ٱلسَّاعَةُ ٱلأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ ٱلْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ ٱلآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا ٱلسَّاعَةُ ٱلأَخِيرَةُ».
رومية ١٣: ١١ و١تيموثاوس ٤: ١ و ١بطرس ٤: ٧ ع ٢٢ وص ٤: ٣ و٢يوحنا ٧ ومتّى ٢٤: ٥ و٢٤ ص ٤: ١ و٣ ومرقس ١٣: ٢٢
هِيَ ٱلسَّاعَةُ ٱلأَخِيرَةُ لا ريب في أن يوحنا رأى علامات مجيء ابن الإنسان الذي قال فيه الرب «أَمَّا ذٰلِكَ ٱلْيَوْمُ وَتِلْكَ ٱلسَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ ٱلسَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ» (متّى ٢٤: ٣٦). فإنه رأى قرب أجله وهو آخر شاهد من الاثني عشر رسولاً وبه خُتمت إعلانات الإنجيل وانتهت المعجزات. وفي أيامه نشأت البدع والانشقاقات في الكنيسة وفترت محبة كثيرين وهذا كله كان يدل على أن الساعة هي الساعة الأخيرة أي الوقت الأخير وهو وقت الجهاد والألم والمصائب الذي هو وقت استعداد لوقت الانتصار القريب (٢تيموثاوس ٣: ١ و٢بطرس ٣: ٣ ويهوذا ١٨).
كَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ ٱلْمَسِيحِ يَأْتِي مما جاء في (متّى ٢٤: ٥ وأعمال ٢٠: ٣ و٢تسالونيكي ٢: ١ - ١٢ ويهوذا ٤). والمراد «بضد المسيح» لا المضاد له فقط بل الذي يحاول أيضاً أن يأخذ محلّه ومقامه لكي يقاومه (٢كورنثوس ١١: ١٣ ورؤيا ٢: ٢) وجعل يوحنا العلامة الدالة عليه إنكاره ناسوت المسيح الحقيقي (ع ٢٢ و٢يوحنا ٧).
صَارَ ٱلآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ ولعل منهم هيمينايس وفيليتس (٢تيموثاوس ٢: ١٧) وديوتريفس (٣يوحنا ٩) وسيمون الساحر (أعمال ٨: ١٨ - ٢٣) والنيقولاويون (رؤيا ٢: ٦).
مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا ٱلسَّاعَةُ ٱلأَخِيرَةُ لأنه قيل في الإنجيل إن ظهورهم مقدمة للأيام الأخيرة (متّى ٢٤: ٥ و٢٤ - ٢٧).
١٩ «مِنَّا خَرَجُوا، لٰكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لٰكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا».
أعمال ٢٠: ٣٠ و١كورنثوس ١١: ١٩
مِنَّا خَرَجُوا كانوا أولاً من أعضاء الكنيسة واشتركوا في كل حقوقها غير ممتازين في الظاهر عن غيرهم من الأعضاء فانفصلوا عنا لأن أصل حياتهم غير أصل حياتنا وهم ليسوا أعضاء حية في جسد المسيح الروحي. ومما كان يقوّي تعليم ضد المسيح أنه كان يتكلم باسم الكنيسة وسلطتها.
لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا أذن الله أن يدخل هؤلاء الكاذبون بين جماعة المؤمنين ويبقوا معهم مدة ثم يخرجوا ليتبين أنهم لم يكونوا منهم مهما كانت دعواهم حسنة في الظاهر فاعتزالهم المؤمنين برهان على أنهم ليسوا منهم وخسروا بخروجهم كثيراً مما يقوّيهم على إضرار الكنيسة. وتبين من ذلك أيضاً أن ليس كل الذين ارتبطوا بالكنيسة ظاهراً لهم شركة مع المسيح فخروجهم برهان لهم ولغيرهم إن ليست لهم حياة روحية. ومن أمثلتهم من ذُكروا في (متّى ١٣: ٣ - ٧ و٢٤ - ٣٠ و٤٧ - ٥٠ وعبرانيين ٦: ٤ - ٦). والعلامة الحقيقية الوحيدة التي بها يمتاز المؤمن الحقيقي من المؤمن غير الحقيقي هي ثبوته في الحق إلى النهاية والعلّة الوحيدة لثبوت المؤمن هي حفظ الله إياه بنعمته فأمنه متوقّف على الالتجاء إلى الله دائماً.
٢٠ «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ ٱلْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ».
ع ٢٧ و٢كورنثوس ١: ٢١ ومرقس ١: ٢٤ وأعمال ١: ٣٨ وأمثال ٢٨: ٥ ومتّى ١٣: ١١ ويوحنا ١٤: ٢٦ و١كورنثوس ٢: ١٥
وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ ٱلْقُدُّوسِ صرّح الرسول بأنه لا يخاف من أن يرتدوا لأنهم ممسوحون من الروح القدس حتى يعرفوا الحق ويتمسكوا به. وتلك المسحة هي موهبة من الروح القدس للكنيسة في يوم الخمسين (ع ٢٧). وكان المسح بالزيت علامة إقامة الملوك والكهنة ووقفهم للخدمة (١صموئيل ١٠: ١ و١٦: ١٣ وخروج ٢٨: ٤١ و٢٩: ٧ و٣٠: ٢٥ و٤٠: ١٥). وكان ذلك الزيت رمزاً إلى نعمة الروح القدس التي جعلتهم أهلاً للقيام بما يجب عليهم في خدمتهم. فوضع الزيت عليهم علامة وقفهم لله. وكانت مسحة الملك علامة أن له قدرة على النيابة عن الله بالحكم والسياسة. ومسحة النبي علامة أن له موهبة المعرفة الروحية. وقيل في المؤمنين إنهم «ملوك وكهنة لله» (رؤيا ١: ٦) وإنهم «كهنوت ملوكي» (١بطرس ٢: ٥ و٩) وإنهم حصلوا على نعمة الروح القدس التي بها استناروا وتقدسوا وصاروا أهلاً للخدمة. ومراده هنا «بالمسحة» إنهم حصلوا على قوة روحية يستطيعون بها أن يعرفوا دين المسيح الحق ويحترسوا من الارتداد. والمراد «بالقدوس» هنا إمّا لله الآب (كما في يوحنا ١٤: ١٦ و١كورنثوس ٦: ١٩) وإما المسيح (كما في يوحنا ٦: ٦٩ وأعمال ٣: ١٤ و٤: ٢٧ و٣٠ ورؤيا ٣: ٧). وذلك لأن المسيح أرسل الروح القدس (يوحنا ١٥: ٢٦ وأعمال ٢: ٣٣) وأما الروح القدس (يوحنا ١٥: ٢٦ و٢كورنثوس ٣: ١٧ و١٨ وأفسس ٣: ١٦ وفيلبي ١: ١٩) والمرجح أن هذا هو المراد إذ قيل فيه «مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ ٱلْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ ٱلْحَقِّ» (يوحنا ١٦: ١٣).
وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ أي كل الأمور الدينية الضرورية للخلاص. فإن الروح لا يعطي قوىً جديدة للعقل وللنفس بتجديد القلب ولا يعلن للعقل تعليماً جديداً ولكنه يقوّيه على إدراك معنى كل إعلان الله في كتابه. وهذه «المسحة» تهب للمؤمن شعوراً جديداً بما كان قد عرفه من الحقائق الدينية فيرى جمالها وموافقتها لحاجته ويتقن صحتها حتى يستعد لأن يموت في سبيلها.
٢١ «لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكُمْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ، بَلْ لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَهُ، وَأَنَّ كُلَّ كَذِبٍ لَيْسَ مِنَ ٱلْحَقِّ».
يعقوب ١: ١٩ و٢بطرس ١: ١٢ ويهوذا ٥ ص ٣: ١٩ ويوحنا ٨: ٤٤ و١٨: ٣٧
لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكُمْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ أي لم يقصد أن يعلّمهم تعليماً جديداً بل أن يحثهم على أن يستعملوا ما لهم من العلم نظراً للمسحة التي بها يعرفون الحق فلا يخدعهم التعليم الفاسد ويضلّهم فكأنه قال لهم لا أحسبكم تجهلون حقيقة دين المسيح لأنكم تعلمونه بالمسحة التي مسحتم بها.
وَأَنَّ كُلَّ كَذِبٍ لَيْسَ مِنَ ٱلْحَقِّ لاستحالة موافقة الكذب للحق وهذا يقي المؤمنون من تضليل المعلمين الكاذبين ولا يمكن أن يتلبس الضلال بالحق حتى يظنوه موافقاً للتقوى وسعادة النفس فيعلموا أنه لا يمكن أن يُبنى الحق على الباطل ولا الباطل على الحق.

الحق وقوته ع ٢٢ إلى ٢٥


٢٢ «مَنْ هُوَ ٱلْكَذَّابُ، إِلاَّ ٱلَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ؟ هٰذَا هُوَ ضِدُّ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي يُنْكِرُ ٱلآبَ وَٱلابْنَ».
ص ٤: ٣ و٢يوحنا ٧ ص ٤: ١٥ و٥: ١ و٢يوحنا ٩ ويوحنا ٨: ١٩ و١٦: ٣ و١٧: ٣
مَنْ هُوَ ٱلْكَذَّابُ غاية الرسول من هذا السؤال استحالة تحول الكذب حقاً بالحجج لأن معرفتهم دين المسيح ومسحتهم تقدّرِانهم أن يعرفوا الكذب متى عُرض عليهم. فالكذب من الشيطان (يوحنا ٨: ٤٤) والحق من الله (يوحنا ١٤: ٦) فإذاً يستحيل الوفاق بينهما.
إِلاَّ ٱلَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ لأن هذا الإنكار يتضمّن كل أنواع الضلال في الدين لأن المنكر ينفي أن المسيح ابن الله فلا تكون لذبيحته قيمة ولا تمكن الكفارة بموته ولا علاقة بين الله والإنسان. فضلال الدوسيتيين إن اللاهوت اتحد بالإنسان يسوع عند معموديته وانفصل عنه عند صلبه فهو خلاصة كل بدع ذلك العصر بين اليهود ولا سيما الغنوسيين فإنهم أنكروا أن يسوع الذي أنبأ الإنجيل به هو المسيح ونفوا اتحاد اللاهوت والناسوت في شخص واحد وعلى ذلك لم يصر الكلمة جسداً وبإنكارهم إن يسوع هو المسيح أنكروا كون يسوع هو المسيح الموعود به في الأنبياء وأنه هو الكلمة.
هٰذَا هُوَ ضِدُّ ٱلْمَسِيحِ لأن من صفات ضد المسيح إنكاره ناسوته الحقيقي ولاهوته ويترتب على ذلك أنه ينكر أبوّة الله وبنوّة المسيح التي جعلت التجسد ممكناً.
ٱلَّذِي يُنْكِرُ ٱلآبَ وَٱلابْنَ لأنه «لاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلاَّ ٱلابْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ» (متّى ١١: ٢٧). فالدوسيتيّون أنكروا النسبة بين الآب والابن في الثالوث وإنكار أحد الأقانيم يستلزم إنكار الآخرين والإله الذي لا يمكن أن يُعلن وليس له ابن ليس هو إله الكتاب المقدس الذي يمكننا بابنه أن نراه ونسمعه ونؤمن به ونحبه.
٢٣ «كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ ٱلابْنَ لَيْسَ لَهُ ٱلآبُ أَيْضاً، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِٱلابْنِ فَلَهُ ٱلآبُ أَيْضاً».
كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ ٱلابْنَ لَيْسَ لَهُ ٱلآبُ أَيْضاً أي ليس له آراء مصيبة في شأن الآب لأن الآب لا يُعلن للناس إلا بالابن (متّى ١١: ٢٧ ويوحنا ١٤: ٩ وعبرانيين ١: ٢ و٣). وليس لنا إعلان من الآب إلّا بالابن (يوحنا ٥: ٢٣) لأن الابن هو كلمة الله فالذي ينكر الابن ينكر أيضاً الآب الذي يدّعي أنه يكرمه.
وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِٱلابْنِ فَلَهُ ٱلآبُ أَيْضاً لأن التعليم المتعلّق بالابن تتمة التعليم المتعلّق بالآب فمن يعرف الابن معرفة حقيقية ويعترف به قلباً وفماً يظهر أنه يعرف الآب (يوحنا ١٧: ٣ ورومية ١٠: ٩). فمعنى قوله «فله الآب» إنه يشاركه في المحبة. وهذا يحقق لنا قيمة المسحة التي تقيهم من الضلال المهلك.
٢٤ «أَمَّا أَنْتُمْ فَمَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ ٱلْبَدْءِ فَلْيَثْبُتْ إِذاً فِيكُمْ. إِنْ ثَبَتَ فِيكُمْ مَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ ٱلْبَدْءِ، فَأَنْتُمْ أَيْضاً تَثْبُتُونَ فِي ٱلابْنِ وَفِي ٱلآبِ».
ع ٧ ص ١: ١٣ ويوحنا ١٤: ٢٣ و٢يوحنا ٩
أَمَّا أَنْتُمْ غير الضالين والمضلين.
فَمَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ ٱلْبَدْءِ فَلْيَثْبُتْ إِذاً فِيكُمْ لم يكن للرسول وصية أسمى من هذه وهي أن يتمسكوا بالتعليم البسيط في شأن المسيح وهو الذي يسمعوه بالإنجيل فإنهم إذا قبلوا ذلك التعليم في قلوبهم كان له قوة على تجديدهم كل التجديد (يوحنا ٨: ٣١ وكولوسي ٣: ١٦ و٢يوحنا ٢). ومن هذا تتبين ضرورية الآراء الصحيحة في شأن المسيح. والمراد «بالبدء» هنا زمن إيمانهم.
فَأَنْتُمْ أَيْضاً تَثْبُتُونَ فِي ٱلابْنِ وَفِي ٱلآبِ لأنكم تنالون بذلك الشركة مع الله وتتحدون بالآب والابن الأقنومين بالمحبة والرضى.
٢٥ «وَهٰذَا هُوَ ٱلْوَعْدُ ٱلَّذِي وَعَدَنَا هُوَ بِهِ: ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ».
يوحنا ٣: ١٥ و٦: ٤٠ ص ١: ٢
وَهٰذَا هُوَ ٱلْوَعْدُ نيل الحياة الأبدية بالثبوت في الآب والابن (يوحنا ١٧: ٣).
ٱلَّذِي وَعَدَنَا هُوَ بِهِ الخ أي الذي وعدنا به المسيح ربنا لأن غايته أن يحمل الناس على تلك الشركة وتلك الحياة. ولم يعد بهذه الحياة الذين امتازوا بالمقام والنسب والأمّة والشجاعة والعلم والقوة بل الذين يتوبون عن الخطيئة ويؤمنون بالمسيح.

الثبوت في النور والحق ع ٢٧ - ٢٩


٢٦ «كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ هٰذَا عَنِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَكُمْ».
ص ٣: ٧ و٢يوحنا ٧
هٰذَا أي ما يتعلق بتعليم المضلين في الكنيسة على ما سبق (ع ١٨ - ٢٥).
ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَكُمْ أي يجتهدون أن يبعدوكم عن الحق ولكنه لم يبلغوا قصدهم لمسحة الروح (ع ٢٠).
٢٧ «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَٱلْمَسْحَةُ ٱلَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هٰذِهِ ٱلْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَقٌّ وَلَيْسَتْ كَذِباً. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ».
ع ٢٠ يوحنا ١٤: ١٦ و١٧ و٢٦ و١كورنثوس ٢: ١٢ و١تسالونيكي ٤: ٩
وَأَمَّا أَنْتُمْ غير الضالين والمضلين.
فَٱلْمَسْحَةُ أي «مسحة من القدوس» (ع ٢٠).
ثَابِتَةٌ فِيكُمْ أي دائمة لكم لتعلمكم وتقيكم من الضلال فمواهب الله محققة مأمونة.
وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ شيئاً من جوهريات إيمانكم فإرشاد الله المبني على مسحته يصونكم ويقيكم ويحفظكم في طريق الأمان.
كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هٰذِهِ ٱلْمَسْحَةُ عَيْنُهَا لأن الروح القدس أعطاكم إياها على وقفكم نفسكم للمسيح ولدينه.
وَهِيَ حَقٌّ وَلَيْسَتْ كَذِباً أي تعليم المسحة حق من جهة كل ما يتعلق بالمسيح وتجسده لأن الروح القدس هو روح الحق بدليل قول المسيح «وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ ٱلْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ» (يوحنا ١٦: ٨) ولعل المعلمين الكذبة ادّعوا أن تعليمهم حق لا كذب.
كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ أي في المسيح فأول تعليمهم أمور المسيح كآخره.
٢٨ «وَٱلآنَ أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ، ٱثْبُتُوا فِيهِ، حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ».
ص ٣: ٢ و٢١ وكولوسي ٣: ٤ ولوقا ١٧: ٣٠ ص ٤: ١٧ و٥: ١٤ وأفسس ٣: ١٢ ومرقس ٨: ٣٨ و١تسالونيكي ٢: ١٩
ٱثْبُتُوا فِيهِ بلا أدنى تزعزع لأن عطية الله لا تتغير والتعليم المتعلق بالمسيح لا يتغير فمهما عُرض عليكم من التعاليم الباطلة فابقوا راسخين في الإيمان والخدمة حتى يرجع الرب.
حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ أمر إظهاره لا ريب فيه ولكن بقاء الذين كُتب إليهم إلى حين إظهاره أحياء غير محقق. وهذا الإظهار يتحققه كل شعبه (ص ٣: ٢ وكولوسي ٣: ٤ و١بطرس ٥: ٤).
يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ ضمّ نفسه إلى أولاده في هذا الرجاء كما في (ع ١). وهذه «الثقة» مبنية على الإيمان بوعده.
وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ كما يخجل الذين شكّوا في مجيئه وأنكروه (متّى ٧: ٢١ - ٢٣). وعلّة الخوف هي الوقوف أمامه للدينونة (رومية ١٤: ١٢ و٢كورنثوس ٥: ١٠ و٢تسالونيكي ١: ٩) فإنه وعد الذين يؤمنون حق الإيمان إنهم لا يخجلون (مرقس ٨: ٣٨ ورومية ٥: ٥ و١بطرس ٢: ٦ و٤: ١٦).
٢٩ «إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَٱعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ ٱلْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ».
ص ٣: ٧ و٩ ويوحنا ٧: ١٨ وص ٤: ٧ و٥: ١ و٤ و١٨ و٣يوحنا ١١ ويوحنا ١: ١٣ و٣: ٢
إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ أي إن علمتم أن المسيح بار وهو الذي أمرهم أن يثبتوا فيه (ع ٢٨). ودُعي «باراً» في (ع ١ وص ٣: ٧). وهذا العلم نتيجة كونهم مولودين منه لأن يوحنا لا يفكر في المؤمنين بالله إلا باعتبار كونهم متحدين بالمسيح ولا يفكر بالمسيح إلا باعتبار كونه إلهاً.
كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ ٱلْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ إن قداسة الحياة برهان الولادة الجديدة والبر نتيجة البنوّة والله في المسيح مصدر القداسة والمحبة علامة تلك البنوّة (ص ٤: ٧) وكذلك الإيمان بأن يسوع هو المسيح (ص ٥: ١). فكل من صنع البر يتقدم رويداً رويداً إلى أن يبلغ كمال صورة الله (ص ٣: ٧). ولكن الكاذبين الظالمين لا يمكن أن يكونوا أولاد الله ولا الذين يرتكبون الإثم عمداً. والمراد «بالمولود من الله» الذي له الله أب ويحيا حياة جديدة إلهية (ص ٣: ٩ و٤: ٧ و٥: ١).



القسم الثاني من هذه الرسالة


موضوع هذا القسم إن الله محبة (ص ٥: ١ - ١٢). وتفصيل ذلك إن الولادة من فوق نتيجة محبة الله ولا يعرفها العالم. وإن مجد المؤمنين يقوم بمشابهتهم الله وإن رجاء المؤمنين وسيلة لتطهيرهم أنفسهم (ص ٣: ١ - ٣). وإن نتيجة الولادة من الله حسن سيرة المؤمن (ص ٣: ٤ - ١٠) ولها خمس علامات:

  • الأولى: الطهارة وضدها الخطيئة التي هي التعدي.
  • الثانية: الثبوت في المسيح. وضده عدم معرفته.
  • الثالثة: إن المؤمنين مشابهون لله. وضده إن الخطأة مشابهون للشيطان.
  • الرابعة: إن أبناء الله لا يخطأون. وضده إن أولاد الشيطان يأثمون.
  • الخامسة: إن أبناء الله يصنعون البر ويحبون إخوتهم. وضد ذلك إن غيرهم لا يصنعون البر ولا يحبون إخوتهم (ص ٣: ١١ - ١٨).


وعلامات البنوّة المجيدة أربع:

  • الأولى: الثقة (ص ٣: ١٩ - ٢١).
  • الثانية: استماع الله صلواتهم (ص ٣: ٢٢).
  • الثالثة: حضور الله معهم (ص ٣: ٢٣).
  • الرابعة: هبة الروح القدس لهم (ص ٣: ٢٤).



اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ


إن الولادة من فوق نتيجة محبة الله ع ١ إلى ٣


١ «اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا ٱلآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ! مِنْ أَجْلِ هٰذَا لاَ يَعْرِفُنَا ٱلْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ».
ص ٤: ١٠ ويوحنا ٣: ١٦ ع ٢ و١٠ ويوحنا ١: ١٢ و١١: ٥٢ ورومية ٨: ١٦ ويوحنا ١٥: ١٨ و٢١ و١٦: ٣
اُنْظُرُوا تسمية المؤمنين «مولودين من الله» في (ص ٢: ٢٩) قادته إلى التأمل في مجد تلك الولادة فدعا هنا المؤمنين إلى تسبيح الله والتعجب معه وهم يتأملون في ذلك فصنعهم البر علامة محبة الله لهم وأنه جعلهم أولاداً له.
أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أي ما أعظمها فإنها غريبة عجيبة. ومثل عظمة محبته تعالى عظمة نعمته فما أعظم النفع لنا منها.
أَعْطَانَا ٱلآبُ دعا الله هنا «الآب» بياناً لعظمة محبته وإنها كمحبة الوالد لأولاده. ولم يقل «أظهرها لنا الآب بل أعطانا» بياناً لأن فينا مصدر حياة جديدة إلهية لنكون شركاء طبيعته (ص ٤: ١٧ و١٩). ونتحقق عظمة محبة الله لنا حين نذكر أننا صنع يده وإننا خطأة متمردون غير شاكرين وأعداء وأنه مع ذلك عاملنا كأننا بنو العلي الطائعين.
حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ هذه نتيجة محبة الله العظيمة ومقياسها. ولم يقل أولاده بل «أولاد الله» بياناً لسمو مقامهم وأنهم أولاد ذلك الذي هو الله. وقوله «أولاد الله» يبيّن أصلهم وأنهم لم يولدوا من دم ولحم ويبيّن افتقارهم إليه وعنايته بهم ومواساته إياهم ومشابهتهم له واتحادهم به ومحبته لهم وأنهم ورثته. ولم يقل أنهم سيُدعون أولاد الله بل إنه يدعوهم الآن ويعترف بهم جهراً (انظر تفسير يوحنا ١: ١٣ ورومية ٨: ١٥ - ١٧ و٢كورنثوس ٦: ١٨).
مِنْ أَجْلِ هٰذَا لاَ يَعْرِفُنَا ٱلْعَالَمُ أي لأن تلك الولادة الجديدة سرّ وتلك المحبة عجيبة حتى لا يمكن الإنسان الطبيعي أن يتصورهما.
لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ جهل العالم الله اختياري وهو يبغض الله فوق جهله إياه فيرفضه ويرفض ابنه بدليل قول الرسول «كَانَ فِي ٱلْعَالَمِ، وَكُوِّنَ ٱلْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ ٱلْعَالَمُ» (يوحنا ١: ١٠). وقول المسيح «أَيُّهَا ٱلآبُ ٱلْبَارُّ، إِنَّ ٱلْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ» (يوحنا ١٧: ٢٥). والله أعلن نفسه بخلق العالم وبعنايته به ولم يعرفه بذلك (١كورنثوس ١: ٢١). وأعلنها بابنه (يوحنا ١٦: ٣). وجهله العالم وجهل ابنه إذا اعتبره خادعاً (١كورنثوس ٢: ٨ وأعمال ٣: ١٧). وعدم معرفة العالم لله علّة أنهم لم يعرفوا المولودين منه لأن «لَيْسَ ٱلتِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ ٱلْمُعَلِّمِ، وَلاَ ٱلْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ» (متّى ١٠: ٢٤).
٢ «أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، ٱلآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ ٱللّٰهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلٰكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ».
ص ٢: ٧ ع ٢ و١٠ ويوحنا ١: ١٢ و١١: ٥٢ ورومية ٨: ١٦ و٢٩ ورومية ٨: ١٩ ع ٢٣ و٢كورنثوس ٥: ٢١ ص ٢: ٢٩ و٢بطرس ١: ٤ ويوحنا ١٧: ٢٤ و٢كورنثوس ٣: ١٨
أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، ٱلآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ ٱللّٰهِ دعاهم «أحباء» لأنهم أولاد مع أن العالم لم يعرفهم ولكن الله عرفهم واعترف بهم. ولا شرف أعظم من هذا فهو موضوع الفرح والشكر على قدر ما عرفناه واختبرناه إلى الآن.
وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ إن سأل أحد ماذا سنكون في المستقبل فالجواب لا نعلم لأنه لم يُعلن لنا المجد الذي نحصل عليه بالبنوّة.
وَلٰكِنْ نَعْلَمُ من مواعيد التي منها قوله في صلاته «أَيُّهَا ٱلآبُ أُرِيدُ أَنَّ هٰؤُلاَءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي» (يوحنا ١٧: ٢٤ انظر أيضاً مزمور ١١: ٧ و١٧: ١٥ و١كورنثوس ١٣: ١٢ و٢كورنثوس ٣: ١٨).
إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ هذا أعظم ما يمكن أن يتوقعه الإنسان من السعادة والمجد وهو المشابهة للمسيح في الجسد والنفس والصفات فالمسيح بهاء مجد الله ورسم جوهره فبكوننا مشابهين للمسيح نصير مشابهين لله.
لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ ورؤيته أحسن السعادة لأنها تستلزم المشابهة له التي هي أعظم المجد. ولم يصرّح هنا بالمرئي أَ الآب هو أم الابن ولكن لا ريب في أن الذي أنبأ بأننا نراه هو الابن لأن الله الآب «لم يره أحد قط» (يوحنا ١: ١٨ وخروج ٣٣: ١٨ ويوحنا ٤: ١٢). والذي سنراه هو مجد الله في وجه يسوع المسيح على وفق قول بولس الرسول «لأَنَّ ٱللّٰهَ ٱلَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللّٰهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (٢كورنثوس ٤: ٦). وقول يوحنا «وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَٱسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ» (رؤيا ٢٢: ٤). ومشاهدة المسيح تحوّل المشاهد إلى صورته بدليل قول المرنم «أَمَّا أَنَا فَبِٱلْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا ٱسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ» (مزمور ١٧: ١٥). وقول بولس «ٱلَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ الخ» (فيلبي ٣: ٢١). طمع الإنسان في أن يكون مثل الله في المعرفة بأكله الثمرة التي نُهي عنها فسقط وبالمسيح نستطيع أن نقوم من ذلك السقوط وأن نصير مثله حقيقة «لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضاً بِقِيَامَتِهِ» (رومية ٦: ٥). «فَدُفِنَّا مَعَهُ بِٱلْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ ٱلْمَسِيحُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ ٱلآبِ، هٰكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضاً فِي جِدَّةِ ٱلْحَيَاةِ» (رومية ٦: ٤).
٣ «وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هٰذَا ٱلرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ».
رومية ١٥: ١٢ و١بطرس ١: ٣ و٢كورنثوس ٧: ١ و٢بطرس ٣: ١٣ ص ٢: ٦ ويوحنا ١٧: ١٩
وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هٰذَا ٱلرَّجَاءُ أي كل من ينتظر أن يكون مثل الله يجب أن يجتهد الآن في أن يماثله (متّى ٥: ٨ وغلاطية ٥: ٥). وهذا الموضع الوحيد الذي ذكر فيه يوحنا «الرجاء» في هذه الرسالة.
بِهِ أي بالله في المسيح بالاتكال على مواعيده.
يُطَهِّرُ نَفْسَهُ بروح المسيح العامل فيه (يوحنا ١٥: ٣ و٥) فيجتهد المؤمن كل الاجتهاد في سبيل أن يكون طاهراً وأن يحفظ نفسه من دنس هذا العالم بالنعمة التي يهبها الله له (٢كورنثوس ٧: ١ ويعقوب ٤: ٨ و١بطرس ١: ٢٢). فالإسرائيليون كانوا يطهّرون أنفسهم قبل أن يمثلوا أمام الله (خروج ١٩: ١٠ ويوحنا ١١: ٥٥ وأعمال ٢١: ٢٤). وعلى هذا النسق يجب على المؤمنين أن يطهّروا أنفسهم ولذلك قيل «فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِٱلدُّخُولِ إِلَى «ٱلأَقْدَاسِ» بِدَمِ يَسُوعَ... لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ ٱلإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ» (عبرانيين ١٠: ١٩ - ٢٢).
كَمَا هُوَ طَاهِرٌ أي كما المسيح طاهر أبداً وصدق الطهارة عليه على الأرض تصدق عليه وهو ممجد في السماء.

تأثير الولادة من الله في المؤمنين ع ٤ إلى ١٠


٤ «كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ ٱلْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ ٱلتَّعَدِّيَ أَيْضاً. وَٱلْخَطِيَّةُ هِيَ ٱلتَّعَدِّي».
ص ٥: ١٧ رومية ٤: ١٥
كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ ٱلْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ ٱلتَّعَدِّيَ أَيْضاً أي يعصي وصية يجب أن يطيعها.
وَٱلْخَطِيَّةُ هِيَ ٱلتَّعَدِّي أي إيثار مشيئة الإنسان على مشيئة الله ومخالفة الناموس «لأَنَّ بِٱلنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ ٱلْخَطِيَّةِ» (رومية ٣: ٢٠). كما يُعرف الخط المعوّج بمقابلته بالخط المستقيم. والخطيئة على ما قال يعقوب «انجذاب وانخداع من الشهوة» (يعقوب ١: ١٤). وعلى قول يوحنا عدم قيام الإنسان بما يجب عليه فيخالف شريعة ما يجب عليه لنفسه وشريعة ما يجب عليه لقريبه وشريعة ما يجب عليه لربه. والخطيئة لا تخرج عن أن تكون تعدياً مهما كان عذر مرتكبها. وللشريعة سلطان من واضعها وعقاب للذين يتعدّونها وبعض ذلك العقاب يجري في هذا العالم وبعضه يجري في العالم الآتي.
٥ «وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ».
ص ١: ٢ وع ٨ ويوحنا ١: ٢٩ و١بطرس ١: ١٨ - ٢٠ ص ٢: ٢ و٢٩ و٢كورنثوس ٥: ٢١
وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا لا لكي يرفع الناموس كما قال المعلمون الكاذبون وهذا يبيّن شدة المنافاة بين بنوة المؤمنين وارتكاب الخطيئة فإن الخطيئة تنافي عمل المسيح. ومعنى قوله «إن ذاك أُظهر» إنه تجسد وصار «حمل الله ليرفع خطية العالم» (يوحنا ١: ٢٩). وكان تيس عزازيل رمزاً إليه في عمل الخطية (لاويين ١٦: ١٠). وكان المسيح أصلاً ابن الله وظهر في الجسد للخلاص (متّى ١: ٢١ و١تيموثاوس ٣: ١٦). وذلك الإظهار يتعلق بكل حياته على الأرض من ولادته ونموه وخدمته وموته وقيامته وصعوده وكان لكل جزء من أجزاء إظهاره في حياته وموته عمل في رفع الخطية. وكونه رافعاً لخطايانا يستلزم إزالتها على اختلاف أنواعها لا ليجعل للإنسان سبيلاً إلى أن يخطأ بلا عقاب فإن الرب رأى أن الخطيئة فظيعة جداً ولكي يفدينا منها أتى إلى العالم وتجسد لكي يتألم ويموت. فإذاً لا يجوز أن نرتكب الخطيئة التي أتى لينقذنا منها وتألم أشد التألم من أجلها فارتكابنا الخطايا دليل على عدم شكرنا وعلى قساوة قلوبنا.
وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ قال ذلك بياناً لاستطاعته رفع الخطايا ولفرط البعد بينه وبين الخطيئة (يوحنا ٧: ١٨ وعبرانيين ٢: ١٠ و٥: ٩) وقال «ليس فيه خطية» بياناً لخلوّه من الخطية في طبيعته السماوية قبل تجسده. وخلوّه من الخطية علّة خلوّ شعبه منها وإلا فلا يدعي أنه للمسيح.
٦ «كُلُّ مَنْ يَثْبُتُ فِيهِ لاَ يُخْطِئُ. كُلُّ مَنْ يُخْطِئُ لَمْ يُبْصِرْهُ وَلاَ عَرَفَهُ».
ع ٦ ص ٢: ٣ و٣يوحنا ١١
كُلُّ مَنْ يَثْبُتُ فِيهِ كما يثبت الغصن في الكرمة فإن المؤمن متحد به فيحيا بحياته.
لاَ يُخْطِئُ خلو المسيح من الخطية يستلزم خلو المتحد به منها كما أن الاتحاد به يستلزم الثبوت في الإيمان والطاعة. وقوله «كل من يثبت فيه لا يخطئ» قانون سلوك كل مؤمن فعلى قدر ثبوته في المسيح يبعد عن الإثم. وهذا مثل قول بولس «نَحْنُ ٱلَّذِينَ مُتْنَا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا» وقوله «وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ ٱلْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيداً لِلْبِرِّ» (رومية ٦: ٢ و١٨). ولا يلزم من ذلك أن يكون كل مؤمن كامل القداسة فلم يكن إبراهيم ولا موسى ولا يعقوب ولا داود بلا خطية. ومعنى أن المؤمن «لا يخطئ» أنه لا يستمر على الخطية ولا يتعمدها ولا يرتكبها اختياراً فلا يخطأ ما لم تغلبه التجربة ولا يخطأ إلى النهاية فيهلك بخطيته.
كُلُّ مَنْ يُخْطِئُ لَمْ يُبْصِرْهُ وَلاَ عَرَفَهُ لأن الخطية منافية لإقرار المؤمن ولإقرار الذي وُلد ثانية قلا يقدر من يستمر على الخطية ويرتكبها عمداً أن يكون مسيحياً حقاً ولا يعرف المسيح ولا دينه حق المعرفة. إننا نبصر المسيح حين نشعر بحقه وجماله ومحبته وقوته وكماله فنعرفه حين يصير الإبصار اختباراً فإننا نعرف بالاختيار قوة نعمته لكي يقوينا ويطهرنا ووجدنا الاتحاد به سعادة والتأمل في كلماته وأعماله لذة.
٧ « أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. مَنْ يَفْعَلُ ٱلْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ».
ص ٢: ١ و٢٦ و٢٩
أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ إن الخطر المحيط بهم حمله على مخاطبتهم بالرقة.
لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ في أمر الخطية (ص ٢: ٢٦) ممن يدّعون السلطان من المسيح ويعتذرون عن الإثم (ص ١: ٨). والضلال العظيم هو توهمهم أنهم يحسبون أبراراً بدون أن يعملوا أعمال البر.
مَنْ يَفْعَلُ ٱلْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ أي من سيرته تدل على أنه بار فهو بار بدليل قوله «إِنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ ٱلْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ» (ص ٢: ٢٩). فكل من يفعل البر يبرهن أنه متبرر ببر المسيح (رومية ١٠: ٣ - ١٠). فالأعمال لا تبرر الإنسان ولكن المتبرر يصنع البر كما يشهد الثمر بجودة الشجر ولكنه لا يجعل الشجر ردياً ولا جيداً. ومعنى قوله «فهو بار» أن له علامة البنوة الإلهية فعمله الظاهر يُعلن حال قلبه الباطنة. وهذا كقول المسيح «ٱلَّذِي مِنَ ٱلأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ، وَمِنَ ٱلأَرْضِ يَتَكَلَّمُ» (يوحنا ٣: ٣١).
كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ فالمسيح هو المثال الوحيد الكامل البر وكان باراً في كل أقواله وأعماله وهو قانون لنا في القداسة والبر فيجب أن نجتهد في أن نكون مثله.
٨ «مَنْ يَفْعَلُ ٱلْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ ٱلْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هٰذَا أُظْهِرَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ».
ع ١٠ ومتّى ١٣: ٣٨ ويوحنا ٨: ٤٤ ومتّى ٤: ٣ ويوحنا ١٦: ١١ و١٢: ٣١
مَنْ يَفْعَلُ ٱلْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ فهذا تتمة قوله «مَنْ يَفْعَلُ ٱلْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ (أي المسيح) بَارٌّ» (ع ٧). ومعنى العبارة إن الذي يستمر على ارتكاب الخطية عمداً هو ابن إبليس فلا يستطيع أن يكون ابناً لله. حتى إن المؤمن على قدر ما يخطأ يظهر أنه مثل إبليس وإن مبادئ إبليس مبادئه فيكون بذلك كابن له. وهذا مثل قوله «من الشرير» (ع ١٢). وقول المسيح لليهود «أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ» (يوحنا ٨: ٤٤). ونسب بولس بداءة الخطيئة إلى آدم (رومية ٥: ١٤ و١كورنثوس ١٥: ٢٢) وأما يوحنا فتتبعها إلى جرثومتها. ولم يقل «مولود من إبليس» بل «هو من إبليس» يريد أنه يشبهه وأن روحه كروحه.
لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ ٱلْبَدْءِ يُخْطِئُ ليس المراد أن إبليس يخطأ من بدء وجوده لأنه خُلق مقدساً كسائر الملائكة فالمراد أنه أول الخطأة وأنه هو الذي أدخل الخطية إلى العالم وأنه مستمر على ارتكابها.
لأَجْلِ هٰذَا أُظْهِرَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ ذكر أنه «أُظهر لكي يرفع خطايانا» في الآية الخامسة. وسمي المسيح في هذه الآية «ابن الله» وهو أول مرة سمي في هذه الرسالة بذلك. وسماه بهذا إظهاراً أنه قادر على محاربة إبليس الشديدة. وعبّر عنه قبل هذا «بالابن» وأضافه هنا إلى «الله» بياناً أن لعدو الإنسان خصماً أقوى من الإنسان. والمراد «بأعمال إبليس» الأعمال التي أتى المسيح لينقضها وهي «أعمال الظلمة» (رومية ١٣: ١٢ وأفسس ٥: ١١). و «أعمال الجسد» (غلاطية ٥: ١٩). وهي منافية «لأعمال الله» (يوحنا ٩: ٣). و «لأعمال المسيح» (متّى ١١: ٥). وخلاصتها الخطية وكل نتائجها فالمسيح هو نسل المرأة الذي قيل أنه «يسحق رأس الحية» (تكوين ٣: ١٥). وقصد الرسول بما قاله هنا أنه يستحيل أن يرتكب المسيحيون الحقيقيون ما أتى المسيح لينقضه. وهذه الآية تؤكد خلاص المؤمنين على رغم كل سعي الشيطان في إهلاكهم وتبين سعة دائرة ملكوت المسيح بما يظهر من صفاته الإلهية. ويتم ذلك النقض حين يأتي ثانية لإتمام فداء شعبه فإنه يلاشي حينئذ ملكوت الظلمة الذي هو ملكوت إبليس ويقيّد إبليس بقيود أبدية.
٩ «كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ ٱللّٰهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ ٱللّٰهِ».
ص ٢: ٢٩ ع ٦ وص ٥: ١٨ ويعقوب ١: ١٨ و١بطرس ١: ٢٣
هذه الآية تقرير وإيضاح للآية السابعة. فعلى قدر ما يمتنع المؤمن من الخطية يُظهر أنه مولود من الله لأن الولادة من الله وارتكاب الإثم متدافعان.
كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ ٱللّٰهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً أي أنه على قدر ما يعتزل الخطية يبين أنه مولود من الله للتدافع بينهما كما ذُكر.
لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ المراد «بالزرع» هنا بداءة الحياة الجديدة التي غرسها الروح القدس وهذا ينشئ النمو الروحي وهو على الاستمرار على القداسة. فإن الله يهب من حياته للمؤمن فلا يعمل فيه ويتركه لنفسه. ومن هذا الزرع ينشأ بعد حين الرجل الكامل وهذا الزرع يحييه ويجدده ويقدسه ويجعله مثمراً (يوحنا ١: ١٣) وهذا مثل قوله «كُلُّ مَنْ يَثْبُتُ فِيهِ لاَ يُخْطِئُ» (ع ٦) وواسطة بداءة ذلك الزرع المحيي كلمة الله (لوقا ٨: ١٢ و١٥ ويعقوب ١: ١٨ و١بطرس ١: ٢٣).
لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ ٱللّٰهِ هذا يبيّن شدة المنافاة بين الولادة من الله والخطية. فكل من وُلد ولادة جديدة حقيقية كانت أعماله الشريرة إعراضاً لا تلحق جوهر حياته ولا يُراد بعدم استطاعة المولود من الله أن يرتكب الخطية العجز الطبيعي بل الأدبي كما في قوله «لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا» وقوله «رُوحُ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ» (يوحنا ١٢: ٣٩ و١٤: ١٧). فلا يقدر المؤمن أن يقول إن زرع الله فيَّ فلا أبالي بارتكاب الخطية. وإن قال ذلك كان قوله دليلاً على خلوّه من الزرع الإلهي فكلما جُرب وسقط في الإثم وجب أن يخاف من أن زرع الله ليس فيه فيطلب مساعدة الروح القدس لمقاومة الخطية. فقوله هنا «لا يستطيع أن يخطئ» يستلزم أنه لا يخطأ وإذا خطئ عمداً أبان أنه ليس مولوداً من الله فإن كل مولود من الله يُجرح يومياً من الخطية لكنه لا يطرح أسلحته ويسلم لعدوّ نفسه.
١٠ «بِهٰذَا أَوْلاَدُ ٱللّٰهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ. كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ ٱلْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ، وَكَذَا مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ».
ع ١ و٢ ويوحنا ١: ١٢ و١١: ٥٢ ورومية ٨: ١٦ ع ٨ ومتّى ١٣: ٣٨ ويوحنا ٨: ٤٤ ص ٤: ٨ ورومية ١٣: ٨ الخ وكولوسي ٣: ١٤ و١تيموثاوس ١: ٥ ص ٢: ٩
بِهٰذَا أَوْلاَدُ ٱللّٰهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ في هذه الآية خلاصة كل ما قاله في هذا الموضوع فإن الناس إما أولاد الله وإما أولاد إبليس فكل الذين يجتهدون في فعل البرّ هم من الله والذين يختارون الإثم من الشيطان. وذكر هنا المحبة الأخوية كما ذكرها في (ص ٢: ٩) باعتبار كونها أعظم الفضائل المميزة بين الخطية والقداسة. وأشار بقوله «بهذا» إلى كون المسيحي لا يخطأ عمداً. وفي كلامه على «أولاد الله» و «أولاد إبليس» لم يسلم بسوى صنفين من الناس وهما المعبّر عنهما بالنور والظلمة ولا ثالث لهما فعلى كل إنسان أن ينظر من أي الصنفين هو حتى يعرف كل إنسان من هو (متّى ١٢: ١٦ وأعمال ٧: ١٣ و١كورثنوس ١١: ١٩).
كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ ٱلْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ هذا إنذار للذين يتكلون على مجرد تسميتهم مسيحيين فيجب أن يكونوا مسيحيين فعلاً لا اسماً فقط.
وَكَذَا مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ حسب الرسول المحبة الأخوية من أعمال البرّ فبدونها يكون اعترافه بأنه مسيحي باطلاً لأن غاية الإنجيل إنشاء تلك المحبة.

المحبة الأخوية نتيجة المحبة الإلهية ع ١١ إلى ١٨


أثبت الرسول ذلك من أمر المسيح (ع ١١) ومن كونه منافياً لعمل قايين ولعمل العالم الذي يشبه عمل قايين ومن اقتران المحبة بالحياة والبغض بالممات (ع ١٥). وتسوية المبغض بالقاتل واستحالة أن ينال القاتل الجسد الحياة الأبدية. ومن مثال محبة الله لنا بذل ابنه من أجلنا وما يستلزم ذلك من إنكارنا لذواتنا بغية نفع غيرنا. ووجوب إنكار الذات في سبيل الإخوة للقيام بحاجاتهم اليومية (ع ١٧) ووجوب أن تكون المحبة بالفعل لا بمجرّد القول.
١١ «لأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلْخَبَرُ ٱلَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنَ ٱلْبَدْءِ: أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً».
ص ١: ٥ و٢: ٧ ويوحنا ١٣: ٣٤ و١٥: ١٢ وص ٤: ٧ و١١ و٢١ و٢يوحنا ٥
لأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلْخَبَرُ ٱلَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنَ ٱلْبَدْءِ أي من بدء الدين المسيحي. ومعنى «الخبر» هنا مضمون الإنجيل لأن تعليم المحبة أول مبادئ الدين المسيحي وأهمها فغاية عمل المسيح من أوله إلى آخره إظهار المحبة. وتاريخ حياته تاريخ المحبة وإنكار الذات. وجعل المسيح قانون المحبة الأول والأبقى في الكنيسة (يوحنا ١٣: ٣٤ و٣٥ و١يوحنا ٢: ٧).
أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً هذا الغاية الإلهية وغاية حياة المسيح وعمله وهو يعلّم الإنسان إنكار ذاته رغبة في خير غيره.
١٢ «لَيْسَ كَمَا كَانَ قَايِينُ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ وَذَبَحَ أَخَاهُ. وَلِمَاذَا ذَبَحَهُ؟ لأَنَّ أَعْمَالَهُ كَانَتْ شِرِّيرَةً، وَأَعْمَالَ أَخِيهِ بَارَّةٌ».
تكوين ٤: ٨ ص ٢: ١٣ ومتّى ٥: ٣٧ ومزمور ٣٨: ٢٠ وأمثال ٢٩: ١٠ ويوحنا ٨: ٤٠ و٤١
لَيْسَ كَمَا كَانَ قَايِينُ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ أراد «بالشرير» الشيطان وأظهر نسبة قايين إلى إبليس بعدم محبته وبمضادته للبرّ.
وَذَبَحَ أَخَاهُ نتج قتله لأخيه من بغضه للبر وإطاعته للشيطان الذي أغواه.
وَلِمَاذَا ذَبَحَهُ ذكر الرسول لذلك ثلاثة أسباب:

  • الأول: كونه من الشرير لا من الله.
  • الثاني: كون أعماله شريرة وهذا علّة قتله أخاه كما أن الولادة الجديدة تكون علّة البر وثمره.
  • الثالث: ما ذكره في الآية الآتية وهو أن برّ الأبرار يهيّج بغض الأشرار أبداً فقدّم قايين مثالاً للحسد وبغض الشرير البار.


١٣ «لاَ تَتَعَجَّبُوا يَا إِخْوَتِي إِنْ كَانَ ٱلْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ».
يوحنا ١٥: ١٨ و١٧: ١٤
لاَ تَتَعَجَّبُوا يَا إِخْوَتِي الخ لأن ذلك ما يجب أن تتوقعوه من بغض من هم في الظلمة لأولاد النور لأن البغض هو العلامة التي يمتاز بها العالم كما إن المحبة علامة الحياة الجديدة الإلهية. ذكر قبلاً بغض قايين لأخيه بلا سبب وبيّن هنا أنه ليس من الغريب أن يكون بغض العالم كبغض قايين لهابيل. وهذا كقول المسيح «إِنْ كَانَ ٱلْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَٱعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ لَكَانَ ٱلْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلٰكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ... لِذٰلِكَ يُبْغِضُكُمُ ٱلْعَالَمُ» (يوحنا ١٥: ١٨ و١٩). وقوله «أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كَلاَمَكَ، وَٱلْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١٧: ١٤). خاطبهم بقوله «يا إخوتي» إظهاراً لمحبته لهم وكثيراً ما خاطب يعقوب من كتب إليهم بذلك ولكن لم يرد في هذه الرسالة إلا هنا. وفيه إشارة إلى تساويهم في الحياة المسيحية. إن العالم أبغض المسيح وصلبه فلا عجب من أنه يبغض تلاميذه (متّى ١٠: ٢٤ و٢٥). فأنزل يوحنا العالم منزلة قايين والمؤمنين منزلة هابيل.
١٤ «نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ لأَنَّنَا نُحِبُّ ٱلإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي ٱلْمَوْتِ».
يوحنا ٥: ٢٤ ص ٢: ١٠ ويوحنا ١٣: ٣٥
نَحْنُ نَعْلَمُ بالاختبار الباطن. إن الشعور بالحب للإخوة برهان على الولادة الجديدة. أي التغيّر العظيم الذي نحصل عليه فليس هو سبب تلك الولادة بل الدليل عليها.
أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ أي من الموت الروحي إلى الحياة الروحية والأبدية وهذا يدل على أننا مسيحيون حقيقيون. والمراد «بالحياة» هنا أسمى مقامات السعادة الذي يستطيع الإنسان بلوغه بدليل قول المسيح «خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ الخ» (متّى ١٨: ٨). وقوله «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ الخ» (متّى ١٩: ١٧). فالمحبة الفعلية هي علامة الحياة وثمرها. وبداءة المحبة تدل على تغيّر عظيم فقبلها يكون الإنسان ميتاً. فهي قياس يقيس به المؤمنون أنفسهم فإذا شعر أحد بحبه لغيره لأنه مسيحي منسوب إلى المسيح ومشابه له لا لسبب غناه أو علمه أو جمال منظره فليتحقق أنه مؤمن حقاً. وقول الرسول هنا يشبه قول المسيح «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي... فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ ٱنْتَقَلَ مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ» (يوحنا ٥: ٢٤). إن المحبة للإخوة هي التي تحمل المؤمن على أن يعمل ما ينفع به أخاه. قيل إن يوحنا لما طعن في السن لم يستطع أن يمشي إلى الكنيسة فكانوا يحملونه على سرير إليها ولم يكن قادراً على أن يتكلم هنالك إلا بقوله «يا أولادي أحبوا بعضكم بعضاً» فقيل له لماذا تكرر هذه الوصية قال لأنها وصية ربنا ويكفي أن نطيعها.
مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي ٱلْمَوْتِ أي الموت الروحي الذي نهايته الموت الأبدي فمجرد عدم المحبة علامة أنه لم تتغير طبيعته أي إن قلبه لم يتجدد ولا وسط بين المحبة والبغض فالفرق بينهما كالفرق بين الحياة والموت.
١٥ «كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ».
متّى ٥: ٢١ ويوحنا ٨: ٤٤ وغلاطية ٥: ٢٠ ورؤيا ٢١: ٨
كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ حسب يوحنا عدم الحب للأخ بغضاً له وإن للمبغض روح قايين أول قتلة الناس. نعم إن الشيطان هيّج قايين على قتل أخيه لأنه القاتل منذ البدء لكن قايين أطاعه اختياراً. وليس مراد الرسول أن كل من لا يحب أخاه يُحسب أنه قاتل نفس حقيقة لكنه أراد أنه ببغضه لأخيه يربي الانفعال الذي يحمل على القتل إذا بقي عليه والله يحسبه كالقاتل.
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ الخ ترك هذا لحكم الضمير فلا أحد ممن له الحياة الروحية الإلهية يريد أن يزيل حياة غيره لأن من شأن تلك الحياة أن تهب الحياة. فخلاصة مراد الرسول هنا أنه حيث لا تكون المحبة يكون البغض وحيث يكون البغض يكون القتل وحيث يكون القتل لا تكون حياة أبدية (انظر متّى ٥: ٢١ - ٢٦).
١٦ «بِهٰذَا قَدْ عَرَفْنَا ٱلْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ ٱلإِخْوَةِ».
يوحنا ١٥: ١٣ و١٠: ١١ وفيلبي ٢: ١٧ و١تسالونيكي ٢: ٨ ص ٢: ٩
بِهٰذَا قَدْ عَرَفْنَا ٱلْمَحَبَّةَ بإرشاد الله. وضع الرسول تجاه البغض والقتل أعظم مثال للمحبة وهو بذل النفس من أجل المحبوب. والمراد «بالمحبة» هنا أسماها فبالذي أتاه المسيح بالمحبة علمنا حقيقة المحبة وقوتها مما حملته على فعله وإنكار نفسه.
أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا هذا ما فعله المسيح (يوحنا ٣: ١٦ و١٠: ١١ و١٥ و١٧ و١٥: ١٣). آية المحبة قيمة ما بُذل من أجل المحبوب ولا شيء في السماوات والأرض أثمن من حياة ابن الله الذي صار جسداً.
فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ ٱلإِخْوَةِ إذا كان هذا ضرورياً لنفعهم لأن المسيح فعل كذلك وهو مثال لنا وهذا خلاصة كل تعليمه. وقد أتى مثل ذلك الأنبياء والشهداء فوضعوا أساس الكنيسة والحق. والناس طالما أكرموا محبي الوطن الذين بذلوا نفوسهم ونفائسهم لأجل بلادهم فيجب أن لا تكون حياتنا أثمن من حياة ابن الله التي بُذلت من أجلنا فإن المسيح وضع نفسه من أجلنا ليُظهر محبته لنا ويكفر عن خطايانا لله. فأقل ما يجب علينا أن ننفق في سبيل إخوتنا الوقت والعناية والصلوات والخدمة فلم يبق علينا إلا أن نقتفي خطوات المسيح في إظهار محبتنا لإخوتنا لأن كفارته كافية للعالم كله.
١٧ «وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ ٱلْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجاً، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِيهِ؟».
يعقوب ٢: ١٥ وتثنية ١٥: ٧ ص ٤: ٢٠
وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ ٱلْعَالَمِ أي المال وسمي بهذا الاسم لأنه يقوم بلوازم الحياة في هذا العالم وهو الأمر الذي يهتم به العالم غالباً. ومعنى الرسول أنه إذا اقتضت الأحوال بذل نفوسنا من أجل إخوتنا وجب أن نبذلها فبالأولى أن نعطيهم من مالنا ما يقوم بمعاشهم.
وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجاً أي مفتقراً إلى القوت والكسوة والمسكن والعناية والمساعدة له ولأهل بيته.
وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ أي لم يشفق عليه حتى يعينه.
فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِيهِ أي المحبة التي الله غايتها ومصدرها ومثالها. والاستفهام هنا إنكاري أي لا يمكن أن تثبت محبة الله فيه. وهذا مثل قول يعقوب «مَا ٱلْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَاناً وَلٰكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ... إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ ٱلْيَوْمِيِّ فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: ٱمْضِيَا بِسَلاَمٍ، ٱسْتَدْفِئَا وَٱشْبَعَا. وَلٰكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ ٱلْجَسَدِ، فَمَا ٱلْمَنْفَعَةُ» (يعقوب ٢: ١٤ - ١٦) وقول يوحنا نفسه «مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ ٱلَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ ٱللّٰهَ ٱلَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ» (١يوحنا ٤: ٢٠) فلا دليل على كون الإنسان مولوداً من الله وهو لا يحب أخاه المخلوق على صورة الله (متّى ٢٥: ٤٥ وغلاطية ٦: ١٠). فالمسيح وضع نفسه لأجل غيره أفما يجب أن نضع أموالنا من أجل إخوتنا. وإنه فتح قلبه لكي يجري منه دمه من أجلهم فهل نغلق قلوبنا دون إخوتنا.
١٨ «يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِٱلْكَلاَمِ وَلاَ بِٱللِّسَانِ، بَلْ بِٱلْعَمَلِ وَٱلْحَقِّ!».
ع ٧ ص ٢: ١ و٢يوحنا ١ و٣يوحنا ١
يَا أَوْلاَدِي خاطبهم كوالد لأولاده.
لاَ نُحِبَّ بِٱلْكَلاَمِ وَلاَ بِٱللِّسَانِ الخ أي يجب أن لا تكون المحبة بمجرد الإقرار بلا عمل بل أن تكون كعبادتنا للآب «بالروح والحق» (يوحنا ٤: ٢٣). والمسيح أظهر محبته للناس قولاً وفعلاً فهكذا يجب أن نفعل.

أثمار محبة الله المجيدة في البنوة ع ١٩ إلى ٢٤


هذه الأثمار بالتفصيل:

  • اطمئنان قلوبنا (ع ١٩ - ٢١).
  • استماع صلواتنا (ع ٢٢).
  • حضور الله معنا (ع ٢٣).
  • عطيّة الروح القدس (ع ٢٤).


١٩ «وَبِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنُسَكِّنُ قُلُوبَنَا قُدَّامَهُ».
ص ٢: ٢١
بِهٰذَا نَعْرِفُ أي بإظهار محبتنا لإخوتنا بالعمل والحق أي بأعمالنا وإنكار ذواتنا مما نشعر به في قلوبنا.
أَنَّنَا مِنَ ٱلْحَقِّ أي نعلم أننا مسيحيون حقيقة وإن حياتنا مبنية على الحق وإننا أعضاء مملكة الحق التي المسيح ملكها ونعلم أننا لسنا مخدوعين بقولنا «إننا أبناء الله» لأننا إذا كنا نحب كما يحب الله فلا داعي للخوف.
وَنُسَكِّنُ قُلُوبَنَا قُدَّامَهُ لأنه لا يبقى حينئذ ما تبكتنا ضمائرنا عليه ولأننا نكون قد تحققنا إننا أولاد الله. ومعنى قوله «قدامه» إننا كأننا في حضرته. وكون محبتنا مثل محبته برهان على شركتنا معه وتأكيد لنسبتنا الحقيقية إليه.
٢٠ «لأَنَّهُ إِنْ لاَمَتْنَا قُلُوبُنَا فَٱللّٰهُ أَعْظَمُ مِنْ قُلُوبِنَا، وَيَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ».
إِنْ لاَمَتْنَا قُلُوبُنَا على أننا تغافلنا عن إخوتنا في وقت احتياجهم. والقلوب هنا بمعنى الضمائر.
فَٱللّٰهُ أَعْظَمُ مِنْ قُلُوبِنَا الخ والأعظم هنا إما في فحص قلوبنا أو في الرحمة. فإذا أخطأنا إلى أخينا لم نستطع أن نجد السلام في قلوبنا بكتم الأخطاء أو إنكاره فالله يعلم كل أعمالنا والمحركات عليها ولا بد من أن يحكم علينا ويعاقبنا إذا كنا مذنبين. فيجب علينا أن نتوب ونعمل أعمالاً تليق بالتوبة. ولكن إذا لامتنا قلوبنا بدون حق أو بما يزيد على الحق فالله رحيم يعذرنا ويغفر لنا لعلمه إخلاص محبتنا باطناً لإخوتنا وشركتنا معه. فإنه تعالى ينقض حكم قلوبنا علينا رحمة منه.
٢١ «أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، إِنْ لَمْ تَلُمْنَا قُلُوبُنَا فَلَنَا ثِقَةٌ مِنْ نَحْوِ ٱللّٰهِ».
ص ٢: ٧ و٢٨ و٥: ١٤
إِنْ لَمْ تَلُمْنَا قُلُوبُنَا أي إذا تحققنا خلوص محبتنا لإخوتنا وأظهرناها بأعمالنا نتحقق شركتنا مع الله ونيل السلام لضمائرنا. وهذا على وفق جواب بطرس على سؤال المسيح «أتحبني» وهو قوله «يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ» (يوحنا ٢١: ١٧).
فَلَنَا ثِقَةٌ مِنْ نَحْوِ ٱللّٰهِ كثقة الولد من نحو والده لا كخوف المدين أمام الديّان. جاء في هذه الرسالة مرتين أنه «تكون لنا ثقة أمام الله في يوم الدين» ومرتين «إن لنا الثقة بأن الله يسمع صلواتنا». و «الثقة من نحو الله» هنا تتعلق بتقديم طلباتنا له لأنه ذكر في الآية الآتية نتيجة الصلاة.
٢٢ «وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ ٱلأَعْمَالَ ٱلْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ».
أيوب ٢٢: ٢٦ ومتّى ٢١: ٢٢ و٧: ٧ ويوحنا ٩: ٣١ ص ٢: ٣ ويوحنا ٨: ٢٩ وعبرانيين ١٣: ٢١
مَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ هذه النتيجة الثانية من أثمار المحبة والمعنى أن تقديم طلباتنا علّة الإجابة. وهذا الوعد مختص بأولاد الله (متّى ٧: ٧ ويوحنا ١٤: ١٣ و١٥: ٧) ومقيّد بشرط مقدّر وهو أن لا نطلب إلا ما يريده تعالى (ص ٥: ٤) أو يراه موافقاً لنا. وهذا مثل قول المسيح «أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ ٱلآبِ بِٱسْمِي يُعْطِيكُمْ. إِلَى ٱلآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئاً بِٱسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا» (يوحنا ١٦: ٢٣ و٢٤).
لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ إن الله يسمع صلواتنا لأجل استحقاق المسيح ولكن إذا لم نحفظ وصايا الله فصلواتنا باطلة لأن الإيمان بالمسيح بلا الأعمال المطلوبة ميّت. نعم إن الطاعة ليست علّة الثقة بالإجابة لكنها تُظهر أننا أولاد الله الحقيقيون وإن صلواتنا على وفق إرادة الله.
وَنَعْمَلُ ٱلأَعْمَالَ ٱلْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ هذا مثل قول المسيح في نفسه «وَٱلَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي ٱلآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ» (يوحنا ٨: ٢٩). وهذا نتيجة نعمة الله وإيماننا بالمسيح ودليل على أن إيماننا حق على وفق قول الرسول «لِيُكَمِّلْكُمْ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ لِتَصْنَعُوا مَشِيئَتَهُ، عَامِلاً فِيكُمْ مَا يُرْضِي أَمَامَهُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (عبرانيين ١٣: ٢١). فنعطي الله ما يطلبه منا وهو يعطينا ما نطلبه منه ولكن إن لم نرضه في كل ما نعمل فرجاؤنا أن يسمع لنا باطل.
٢٣ «وَهٰذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِٱسْمِ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً كَمَا أَعْطَانَا وَصِيَّةً».
يوحنا ٦: ٢٩ و١: ١٢ و٢: ٢٣ و٣: ١٨ ويوحنا ١٣: ٣٤ و١٥: ١٢ و٢: ٨
وَهٰذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ الأولى وأهم وصاياه وخلاصة ما يرضيه وهي تتضمن شيئين الإيمان باسم المسيح والمحبة الأخوية.
أَنْ نُؤْمِنَ بِٱسْمِ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ الإيمان بأن يسوع هو المسيح ركن كوننا أبناء الله وشركة بعض المؤمنين لبعض وهو أساس كل الطاعة الحقيقية (يوحنا ٦: ٢٩ وغلاطية ٥: ٦ - ١٤ و١تيموثاوس ١: ٥). وببيانه كون المسيح موضوع إيماننا يوضح اسمه بكماله وهو «ابن الله يسوع المسيح» وهذا خلاصة كل الإنجيل.
وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً الخ هذا جزء من الوصية العظمى (ع ١١ وص ٤: ٧ و١١ و١٢ ويوحنا ١٣: ٣٤).
٢٤ «وَمَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ. وَبِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي أَعْطَانَا».
ص ٢: ٦ و٢٤ و٤: ١٥ ويوحنا ١٦: ٥٦ و١٠: ٣٨ ص ٤: ١٣ ويوحنا ١٤: ١٧ ورومية ٨: ٩ و١٤: ١٦ و١تسالونيكي ٤: ٨ ص ٢: ٥
مَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ هذه نتيجة ثالثة من البنوّة وهي ثبوت الآب في المؤمن وثبوت المؤمن فيه (ص ١: ٣ و٢: ٦ و٢٤: ٢٨ و٤: ١٣). وأراد «بوصاياه» كل ما أوصى به وما يرضيه كما في (ع ٢٢). فطاعتنا عربون شركة الله بدليل قول المسيح «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً» (يوحنا ١٤: ٢٣) وبرهان أننا مسيحيون حقيقيون.
وَهُوَ فِيهِ أي المؤمن يثبت في الله كقوله «مَنِ ٱعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ، فَٱللّٰهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي ٱللّٰهِ» (ص ٤: ١٥).
وَبِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي أَعْطَانَا تكلم يوحنا في ما سبق في الآب والابن ولم يذكر الروح القدس إلا بالإشارة إليه «بالمسحة» (ص ٢: ٢٠ و٢٦). إن ما يشعر به المؤمن من المحبة لله (التي هي ركن طاعته) تحقق له الشركة مع الله والله يعطيه من روحه لينير عقله ويرفع أشواقه ويعزيه في الأحزان ويملأه من كل مواهب الروح المقترنة بحضوره ونعمته (غلاطية ٥: ٢٢ و٢٣).
ٱلَّذِي أَعْطَانَا حين آمنا (ص ٤: ١٣ ويوحنا ١٤: ١٦ وأعمال ٥: ٣٢ و٨: ١٨ و١٥: ٨).


اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ


وجوب امتحان الأرواح ع ١ إلى ٦


١ «أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ ٱمْتَحِنُوا ٱلأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ ٱللّٰهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ».
إرميا ٢٩: ٨ و١كورنثوس ١٢: ١٠ و٢تسالونيكي ٢: ٢ و١تسالونيكي ٥: ٢٠ ص ٢: ١٨ وإرميا ١٤: ١٤ و٢بطرس ٢: ١
أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ اعتاد الرسول أن يجعل مثل هذا الكلام مقدمة لأمر ذي شأن (انظر ع ٧ وص ٣: ٢).
لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ أراد «بالأرواح» هنا البواعث على خير أو شر في نفس الإنسان من فكر وقصد وهي إما من الله وإما من الشيطان فحذّرهم هنا من أن يثقوا بكل من ادّعوا إرشاد الروح القدس. وهذا موافق لقول المسيح «ٱنْظُرُوا، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِٱسْمِي... وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ» (متّى ٢٤: ٤ و٥). إن المعلمين الكاذبين كانوا في كل عصر من عصور العالم يدّعون الوحي وإن الله أرسلهم ودعواهم ليست برهاناً على صدقهم. وللمسيحيين مقياس واحد يقيسون به كل تعليم ديني وهو الاعتراف بأن يسوع هو المسيح الكلمة المتجسد.
بَلِ ٱمْتَحِنُوا ٱلأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ ٱللّٰهِ (١كورنثوس ١٠: ١٥ و١١: ١٣ و١٢: ١٠ وأفسس ٥: ١٠ و١تسالونيكي ٥: ٢١). أوجب الرسول على كل المؤمنين أن يميّزوا بين الحق والباطل ولم يكِل ذلك إلى خدم الدين وحدهم فأبان في هذه الآية إن علينا في أمور الدين التي هي من أعظم الأمور المختصة بالإنسان في الدنيا والآخرة أن لا نقبل معلماً يدّعي أنه من الله ما لم يأت بأوضح برهان على أنه مُرسل من الله (إشعياء ٨: ٢٠ وأعمال ١٧: ١١).
لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ هذا علّة تحذيره إياهم من المعلمين الكاذبين. وأراد «بالأنبياء» هنا معلمو الدين (انظر تفسير رومية ١٢: ٦ و٢بطرس ٢: ١ وانظر أيضاً متّى ٧: ١٥ و٢٤: ١١ و٢٣ ورؤيا ١٦: ١٣ و١٩: ٢٠ و٢٠: ١٠). وكثر مثل هؤلاء الكذبة يومئذ فحذّر الرسول المؤمنين منهم لأن لهم روح ضد المسيح وعلّموا تعاليم مهلكة. ومعنى «خروجهم إلى العالم» ظهورهم بين الناس ليخدعوهم بمنزلة أنهم معلمو الدين. وإن قيل من أين خرجوا قلنا من جهنم أي من أمام صاحب جهنم أبي الكذاب (رؤيا ١٢: ٩ و١٦: ١٤ و٢٠: ٨).
٢ «بِهٰذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ ٱللّٰهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ ٱللّٰهِ».
١كورنثوس ١٢: ٣ ص ٢: ٢٣ ص ١: ٢ ويوحنا ١: ١٤
بِهٰذَا أي بالعلامة الآتية في هذه الآية.
تَعْرِفُونَ رُوحَ ٱللّٰهِ أي تميّزون المرسل من الله الملهم بالروح القدس أو تختبرونه أو تمتحنونه. فالكلمة المترجمة «بتعرفون» هنا هي الكلمة المترجمة «بتميزون» في (لوقا ١٢: ٥٦) و «بتختبروا» في (رومية ١٢: ٢) و «بيمتحن» في (١كورنثوس ١١: ٢٨).
كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ الخ أي إن كل معلم يدّعي إن الله أرسله يُمتحن بهذا الاعتراف (وهو صحة تعليمه صفات المسيح) فيعرف أرسول كذب هو أم رسول صدق. ومعنى «الاعتراف» هنا المناداة جهاراً بحق تجسد المسيح. والمراد «بالاعتراف بالمسيح» المناداة بأموره كما أُعلنت في الإنجيل فإن خلاصة الإنجيل المسيح وإنه هو فادي البشر. وقوله «جاء في الجسد» يتضمن كل مرسليته ومظاهره كقول المسيح نفسه «أَنَا قَدْ أَتَيْتُ بِٱسْمِ أَبِي» (يوحنا ٥: ٤٣) وقوله «لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي» (يوحنا ٨: ٤٢) ومثل هذا كثير في الإنجيل. والأمر المصرّح به هنا هو أن المسيح قد أتى في الجسد حقيقة وأنجز كل المواعيد المتعلقة به (ص ٥: ٦ ويوحنا ١٩: ٣٤ و٣٥ و٢٠: ٢٥ - ٢٧). ولا ينتج من هذا القول أن كل إنسان اعتقد الاعتقاد الصحيح في شأن ناسوت المسيح يخلص بل أن ذلك الاعتقاد يومئذ كان علامة يُعرف بها إيمان كل معلم فمن أنكر ذلك أفسد سائر تعليمه وبرهن أنه غير أهل لأن يوثق به وأنه معلم كاذب. والأمر الذي أنكره المعلمون الكاذبون هو أن ابن الله تأنس حقيقة فقالوا أنه أخذ الناسوت وقتياً أو تظاهر بأنه إنسان وهو ليس بإنسان حقيقة بل ظهر كأنه إنسان.
٣ «وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَلَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ. وَهٰذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَٱلآنَ هُوَ فِي ٱلْعَالَمِ».
٢يوحنا ٧ ص ٢: ٢٢ ع ١٨ ص ٢: ١٨ و٢تسالونيكي ٢: ٣ - ٧
كُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَلَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ هذه العقيدة ضرورية في الإيمان المسيحي فالذي ينكرها بعد ما عُرضت عليه لا يمكن أن يُعتبر معلماً صادقاً ولا مسيحياً لأن المسيح لو لم يتأنس كذب كل ما قيل في شأن آلامه في جثسيماني وفي محكمة بيلاطس وعلى الصليب ولم يكن إلا خادعاً للمشاهدين. فيلزم من ذلك أنه لم يسفك دمه ولم يمت على الصليب فلم تكن من كفارة وبطلت قيامته وكان كل دينه خدعة وحيلاً. ومعنى مجيئه في الجسد ظهوره بالناسوت الكامل.
وَهٰذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ ٱلْمَسِيحِ أي هذا أحد أنواع الضلال الذي يختص بذلك المضل فمهما كان له من مظاهر التقوى لا يُقال فيه فقط أنه ليس من الله بل يُقال أيضاً أنه روح ضد المسيح.
ٱلَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي (انظر تفسير ص ٢: ١٨).
وَٱلآنَ هُوَ فِي ٱلْعَالَمِ تمت النبوّة قبل أن تتوقع الكنيسة إنجازها.
٤ «أَنْتُمْ مِنَ ٱللّٰهِ أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ، وَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ لأَنَّ ٱلَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ ٱلَّذِي فِي ٱلْعَالَمِ».
ص ٢: ١ و١٣ و٣: ٢٠ و٢ملوك ٢: ١٦ ورومية ٨: ٣١ ويوحنا ١٢: ٣١
أَنْتُمْ مِنَ ٱللّٰهِ أي أولاد الله (ص ٣: ١ و٢) لأنكم ثبتم في الحق وتحققتم بنوتكم والمعلمون الكاذبون ليسوا كذلك.
وَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ أي غلبتم الأنبياء الكذبة أعداء المسيح الأرواح التي «ليست من الله». وغلبوهم بواسطة المسيح لأنه هو الذي غلبهم وانتصر عليهم كقوله «أَنَا قَدْ غَلَبْتُ ٱلْعَالَمَ» (يوحنا ١٦: ٣٣) وانتصاره انتصارهم.
لأَنَّ ٱلَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ ٱلَّذِي فِي ٱلْعَالَمِ أي الذي في الكنيسة المسيحية (التي هي ضد العالم) أعظم من قوة العالم. فعلّة انتصار الكنيسة قوة روح الله الحال فيها (ص ٢: ١٤) أو قوة الله في المسيح أو كلمة الله الثابتة فيهم (ص ٢: ١٤) أو «المسحة التي أخذوها» (ص ٢: ٢٧). أو «زرع الله» (ص ٣: ٩) والقوة التي في العالم هي قوة الشيطان فنسب الرسول قوة كل الأرواح المضلة إلى رئيس هذا العالم ( يوحنا ١٢: ٣١ و١٤: ٣٠) لأنه قيل في العالم أنه «وُضع في الشرير» (ص ٥: ١٩).
٥ «هُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ. مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ يَتَكَلَّمُونَ مِنَ ٱلْعَالَمِ، وَٱلْعَالَمُ يَسْمَعُ لَـهُمْ».
يوحنا ١٥: ١٩ و١٧: ١٤ و١٦
هُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ هذه العلامة المميزة لهم وعلّة دينونتهم. فالعالم مسكنهم ودائرة أفكارهم وآمالهم ومقاصدهم. وقصد «بالعالم» صفات أهل العالم الأدبية باعتبار كون العالم منفصلاً عن الله (ص ٢: ١٦ ويوحنا ١٥: ١٩ و١٧: ١٤ و١٦).
مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ أي لأنهم حصلوا على روحهم وتعليمهم ممن هم جزء من العالم.
يَتَكَلَّمُونَ مِنَ ٱلْعَالَمِ أي جوهر تعليمهم دنيوي.
وَٱلْعَالَمُ يَسْمَعُ لَـهُمْ أي إن تعليمهم مقبول عند العالم فيسمعونه بلذة ورغبة. قد ذكر «العالم» هنا ثلاث مرات كما كُرر في (يوحنا ٣: ١٧).
٦ «نَحْنُ مِنَ ٱللّٰهِ. فَمَنْ يَعْرِفُ ٱللّٰهَ يَسْمَعُ لَنَا، وَمَنْ لَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ لاَ يَسْمَعُ لَنَا. مِنْ هٰذَا نَعْرِفُ رُوحَ ٱلْحَقِّ وَرُوحَ ٱلضَّلاَلِ».
ع ٤ ويوحنا ٨: ٢٣ و٤٧ و١٠: ٣ و١٨: ٣٧ و١كورنثوس ١٤: ٣٧ ويوحنا ١٤: ١٧ و١تيموثاوس ٤: ١
نَحْنُ مِنَ ٱللّٰهِ هذا صفة المعلمين الصادقين الذي حسب نفسه وسائر الرسل منهم ووصف بمثل هذا المؤمنين الذين خاطبهم (ع ٤) وهذا بيان اتحادهم بالله اتحاداً حياً وإن الله يعلن الحق لهم وللذين يسمعونهم.
فَمَنْ يَعْرِفُ ٱللّٰهَ يَسْمَعُ لَنَا أهل العالم يسمعون للمعلمين الكاذبين لأن تعليمهم موافق لهم ولكن المؤمنين يسمعون لمن يتكلم في الله الحق ويرغبون في السمع له. ورغبتهم في السمع تنشأ عن شوقهم إلى المعرفة الروحية التي يلذون بها لينموا فيها على وفق قول المسيح «اَلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ ٱللّٰهِ» (يوحنا ٨: ٤٧). ومعرفة الله نامية تطلب الزيادة والإعلان الأكمل أبداً.
وَمَنْ لَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ لاَ يَسْمَعُ لَنَا أي أهل العالم لا يسمعون للرسل ولا للذين تعلّموا من الرسل.
مِنْ هٰذَا نَعْرِفُ رُوحَ ٱلْحَقِّ أي من قوة التمييز التي يهبها الله وهذه القوة لكل المؤمنين لا لخدم الدين دون غيرهم. والمراد «بروح الحق» الروح القدس الذي يتكلم في الرسل وأمثالهم بالحق ويسكن في قلوب المؤمنين الحقيقيين وهذا يقويهم على تمييز الحق وقبوله ورفض الضلال بدليل قول المسيح «رُوحُ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ» (يوحنا ١٤: ١٧). وقول الرسول «نَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ» (١كورنثوس ٢: ١٢).
وَرُوحَ ٱلضَّلاَلِ هذا ضد روح الحق وهو روح الكذب (رومية ١: ٢٥ وأفسس ٤: ٢٤ و٢تسالونيكي ٢: ١١) ويُعرف من رفضه للحق.
انتهى كلام يوحنا هنا في «روح ضد المسيح» و «روح الضلال» وأخذ يتكلم في كمال الحياة المسيحية الناشئة عن معرفة إن الله محبة وهذا تكملة الأصحاح الثالث عشر من رسالة كورنثوس الأولى.

كون المحبة المبدأ الأصلي في الدين المسيحي ع ٧ إلى ١٠


٧ «أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً، لأَنَّ ٱلْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ ٱللّٰهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ وَيَعْرِفُ ٱللّٰهَ».
ص ٢: ٧ و٣: ١١ و٥: ١ و٢: ٣ و٢٩ و١كورنثوس ٨: ٣
لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً (انظر تفسير هذا في تفسير يوحنا ١٣: ٣٤ و٣٥ وانظر أيضاً ص ٣: ١١ و٢٣). فعلينا أن نحب كل البشر كما إن الله أحب العالم وأن نحب إخوتنا خاصة لأن هذا أسمى مظاهر المحبة.
لأَنَّ ٱلْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ ٱللّٰهِ هذا بيان لمصدر المحبة فالله مصدر كل المحبة في قلوب الملائكة والقديسين في السماء وفي المؤمنين على الأرض وقد أظهرها الله في كل عطاياه ولا سيما عطيته ابنه (يوحنا ٣: ١٤). فمحبتنا بعضنا لبعض تبيّن أن لنا روحه وأننا خاصته كأولاده فالمحبة تجعلنا نزيد مشابهة له بزيادتها وهي علامة التبني (ص ٣: ١٩).
كُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ أي يشترك في حياة الله فإن المحبة صفة من صفاته كما أنه من صفات الشمس أن تضيء ومن صفات الينبوع أن يخرج ماء ومن صفات الشجرة أن تحمل ثمراً. فشعور المؤمن بالمحبة لله يحقق له بنوّته لله. وهذا يُظهر ضرورية المحبة وبركتها.
وَيَعْرِفُ ٱللّٰهَ وحقيقة الإعلان الذي منه. لأن حياته الروحية من الله وهو متحدٌ بالله.
٨ «وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ ٱللّٰهَ، لأَنَّ ٱللّٰهَ مَحَبَّةٌ».
ع ١٦ و١٧
مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ ٱللّٰهَ حين اعترف به. فإقراره في المعمودية مثلاً غير مبني على معرفة صحيحة. أبان الرسول في الآية السابعة إن وجود المحبة يستلزم زيادة معرفة الله وأبان هنا إن عدم المحبة برهان إن ما يدّعيه من معرفة الله ليس بحقيقي.
لأَنَّ ٱللّٰهَ مَحَبَّةٌ فمن عرف الله يحب كما أنه تعالى يحب فالمعرفة الحقيقية تستلزم المشابهة في الروح. أبان الرسول في أول هذه الرسالة إن «الله نور» (ص ١: ٥) وبذلك نسب إليه الحق والمعرفة والقداسة والقوة والعدل. وقوله هنا «إن الله محبة» يستلزم أنه أصل الحلم واللطف والشفقة والصداقة والسرور بسعادة الخليقة والجودة والرغبة في أن يحيط به عبيده السعداء المقدسون ليكونوا موضوع محبته.
٩ «بِهٰذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ فِينَا: أَنَّ ٱللّٰهَ قَدْ أَرْسَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ».
ع ١٦ ويوحنا ٩: ٣ ويوحنا ٣: ١٦ ع ١٠ وص ٥: ١١
بِهٰذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ في هذا بيان إن إتيان المسيح إلى العالم وتجسده وعمله مظهر محبته. وخلاصة ذلك إن الله أحب العالم فأرسل ابنه وكانت تلك المحبة منه هبة مجانية (رومية ٨: ٣٢). وقوله «أُظهرت» يدل على ما كان في نفس الله منذ الأزل من محبته للبشر وظهر في وقت إتيان المسيح بدليل قول المسيح نفسه عند نهاية عمله «ٱلْعَمَلَ ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ» (يوحنا ١٧: ٤ انظر أيضاً ٢تيموثاوس ١: ٩).
فِينَا نحن المؤمنين. فإن معظم إظهار محبة الله كان من أجلهم فالمؤمن آية محبة الله.
أَنَّ ٱللّٰهَ قَدْ أَرْسَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ إِلَى ٱلْعَالَمِ كما قيل في (يوحنا ٣: ١٦). فأظهر الله عظمة محبته بعظمة عطيته التي هي ابنه الوحيد فإنه أرسله إلى العالم والعالم منفصل عنه وعدو له فأرسله ونحن نتمتع بالبركات التي نشأت عن مجيئه (ع ١٤ ويوحنا ٥: ٣٦ و٢٠: ٢١). ونعت ابنه الآزلي «بالوحيد» تمييزاً له عن أولاده بالتبني وهم المؤمنون به.
لِكَيْ نَحْيَا بِهِ كنا في الحال الطبيعية أمواتاً (ص ٣: ١٤ ويوحنا ٥: ٣٥ و٦: ٥١ و٥٧ و١١: ٢٥ و١٤: ١٩). والحياة هنا تستلزم النشاط للعمل علاوة على الخلاص. والضمير في قوله «به» للمسيح بدليل قول المسيح نفسه «كَمَا أَرْسَلَنِي ٱلآبُ ٱلْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِٱلآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي» (يوحنا ٦: ٥٧). وقول بولس «إِنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ ٱلْمَسِيحِ فِي ٱللّٰهِ» (كولوسي ٣: ٣). وقوله في المسيح ما يفيد إن المسيح غاية حياتنا (رومية ١٤: ٨). وقوله «لِيَ ٱلْحَيَاةَ هِيَ ٱلْمَسِيحُ» (فيلبي ١: ٢١). فالحياة بالمسيح هي الحياة الوحيدة الحقيقية وتكمل حين يتصور المسيح فينا (غلاطية ٤: ١٩) ونكون شركاء الطبيعة الإلهية (٢بطرس ١: ٤).
١٠ «فِي هٰذَا هِيَ ٱلْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا ٱللّٰهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ٱبْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا».
رومية ٥: ٨ و١٠ ع ١٩ ص ٢: ٢ ويوحنا ٣: ١٦ وص ٥: ١١
فِي هٰذَا هِيَ ٱلْمَحَبَّةُ أي أعظم مظاهر المحبة وبيان حقيقتها كأن المحبة لا يمكن أن تكون علّة أكثر ما فعل المسيح بتجسده. ولم يقل محبة الله ولا محبة الناس بل أطلق المحبة على كل ما يتصور منها. وهذه هي التي أظهرها الله والبرهان على ذلك ما أتاه من بذل ابنه اختياراً.
لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا ٱللّٰهَ أي لا شيء فينا حمله على محبته لنا. فلو كنا محبين وطائعين لكان ذلك علّة محبته لنا.
بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا بمجرد مشيئته فأحبنا نحن الخطأة غير المستحقين المحبة العصاة الفاقدي الشكر الذين لا إرادة لنا أن نحبه ولا أن نرضيه. وهو لم يحب خطايانا بل أحب نفوسنا وأراد خلاصها فمحبته محبة الشفقة والجودة (يوحنا ٣: ١٦ و١٥: ١٦ ورومية ٥: ٨ - ١٠ وأفسس ٢: ٤ و٢تسالونيكي ٢: ١٦ وتيطس ٣: ٣ - ٥).
وَأَرْسَلَ ٱبْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا هذه الكفارة هي التي اقتضتها خطايانا للمصالحة لا ما اقتضتها محبتنا له. وذُكر الكلام على الكفارة في (رومية ٣: ٢٥ و١يوحنا ٢: ٢).

الحث على المحبة ع ١١ إلى ١٥


١١ «أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، إِنْ كَانَ ٱللّٰهُ قَدْ أَحَبَّنَا هٰكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضاً أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً».
ص ٢: ٧ و٣: ١١
بعد ما أبان الرسول مصدر المحبة وأعظم آياتها بتجسد المسيح وبذله نفسه كفارة لخطايانا أخذ يتكلم في ما أوجبته تلك المحبة علينا.
إِنْ كَانَ ٱللّٰهُ قَدْ أَحَبَّنَا هٰكَذَا كما يظهر من إرساله ابنه كفارة لنا. وذكر اسم «الله» هنا بيان لجلال الذي أظهر محبته.
يَنْبَغِي لَنَا أَيْضاً أي إن محبة الله لنا أوجبت علينا ما يأتي.
أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً يحق أن يقال أن نحب الله ولكنه قال أن يحب بعضنا بعضاً وذلك لأن الله أحبنا مجاناً وأحب الذين هم غير مستحقين وهم في غاية الدناءة بالنسبة إلى عظمته فيجب بالأحرى أن نحب الذين هم مساوون لنا فنظهر أننا مشابهون لله وإن لنا من روحه وأن نوفي بعض ديننا لله برغبتنا في نفع إخوتنا البشر. والله يسمح لنا في أن نكون وكلاءه في نفع الناس.
١٢ «اَللّٰهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً فَٱللّٰهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا».
يوحنا ١: ١٨ و١تيموثاوس ٦: ١٦ وع ٢٠ ص ٢: ٥ وع ١٧
اَللّٰهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ هذا مثل ما في (يوحنا ١: ١٨) فانظر التفسير هناك فإنه بُيّن هناك أنه لا يستطيع أحد أن يرى الله بعيني جسده. وبُيّن هنا كيف يقدر الإنسان أن يعرف الله بحلول الله فيه وشركته الدائمة له. وهذا خير من المشاهدة بالعين الباصرة فمهما نال القديسون من الانتصار ومن التقرب إلى الله لم يستطيعوا أن يروه كما هو. وفي هذه الآية ثلاثة أمور:

  • الأول: كون موضوع المحبة غير منظور.
  • الثاني: سكنى هذا غير المنظور فينا.
  • الثالث: عمله الكامل في قلوبنا.


إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً هذا شرط تحصيل معرفتنا لله وهو إننا نحصل بالمحبة على ما لا نحصل عليه بالقوة الباصرة.
فَٱللّٰهُ يَثْبُتُ فِينَا كما جاء أيضاً في (ع ١٥) وهذا يشبه قول المسيح «أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ الخ» (يوحنا ١٧: ٢٣).
وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا أي إن محبة الله أُعلنت لنا بأفضل طريق. فإن المؤمن يقبل في قلبه محبة الله ويجعلها محبته. فاعتبر يوحنا المحبة الأخوية آية حضور الله في المسيحيين ومكثه فيهم لأنه رأى بذلك صورة الله فيهم وأنهم وُلدوا ثانية. وهذا يبين لنا أننا (بمحبتنا لإخوتنا لكونهم مسيحيين ونفعنا إياهم بممارسة أعمال المحبة) نقترب على سنن الزيادة إلى المشابهة لله وإكمال ما يطلبه منا. قال سابقاً إن محبة الله تتكمل فينا بحفظ كلمته (ص ٢: ٥). وقال هنا إنها تتكمل بمحبة بعض المؤمنين لبعض والقولان متفقان لأن تكملة المحبة تكملة الطاعة لأنه أوصى تلاميذه بأن «يحب بعضهم بعضاً» (ص ٣: ٢٣). وقيل أيضاً «إن المحبة الكاملة تطرح الخوف» (ع ١٧ و١٨) فإذاً المحبة تتكمل بثلاثة أشياء وهي الطاعة والمحبة الخالصة والثقة الكاملة.
١٣ «بِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ».
ص ٣: ٢٤ ورومية ٨: ٩
بِهٰذَا أي بأن يكون لنا روح المحبة.
نَعْرِفُ أي نشعر في قلوبنا بأن الله ساكن فينا.
أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا أثبت الجزء الأول من هذا ما قاله في (ع ١٢) وأثبت الجزء منه بما في (ع ١٥). ومعنى قوله «يثبت فيه» في تفسير (ص ٣: ٢٤) فارجع إليه. وينتج من هذا إن كل مظاهر الله لإبراهيم ولموسى ولغيرهما من الآباء لم تكون سوى النور في الهيكل الذي كان علامة حضور الله لا جوهره تعالى. وقال هذا بياناً لعدم إمكان رؤية الله بالعين الباصرة ولقيمة تجسد المسيح الذي كان بدلاً من تلك الرؤية ولقيمة إرسال الروح القدس لإعلان الله.
أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ أي الروح القدس (١تسالونيكي ٤: ٩). إن المسيح وعد تلاميذه بإرسال الروح القدس (يوحنا ١٤: ١٦ و١٧ و٢٦ و١٥: ٢٦ و١٦: ٧). وحضور هذا الروح في القلب أفضل الأدلة على كوننا أولاد الله (رومية ٨: ١٦).
١٤ «وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ ٱلآبَ قَدْ أَرْسَلَ ٱلابْنَ مُخَلِّصاً لِلْعَالَمِ».
ص ١: ٢ ويوحنا ١٥: ٢٧ و٣: ١٧ و٤: ٤٢ وص ٢: ٢
نَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أي نحن الرسل قد نظرنا الخ. كثيراً ما صرّح هذا الرسول بأن شهادة الرسل للمسيح أساس تعليم الإنجيل (ص ١: ١ - ٣ ويوحنا ١: ١٤ و١٦ وأعمال ٤: ٢٠ و٢٢: ١٥ و٢٦: ١٦) وشاركتهم الكنيسة الأولى كلها في النظر والشهادة بقبولها شهادتهم ولم تزل هذه الشهادة في الكنيسة إلى الآن. من المعلوم أن الله لا يُرى ولكن الإيمان به مبني على صريح الإعلان بالمسيح وبالشهود الذين عيّنهم.
أَنَّ ٱلآبَ قَدْ أَرْسَلَ ٱلابْنَ مُخَلِّصاً لِلْعَالَمِ كما سبق في قوله «وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً» (ص ٢: ٢). وقوله «لَمْ يُرْسِلِ ٱللّٰهُ ٱبْنَهُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيَدِينَ ٱلْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ ٱلْعَالَمُ» (يوحنا ٣: ١٧). وذلك على وفق شهادة السامريين «إِنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا هُوَ بِٱلْحَقِيقَةِ ٱلْمَسِيحُ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ٤: ٤٢). وشهادة بولس «قَدْ أَلْقَيْنَا رَجَاءَنَا عَلَى ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ، ٱلَّذِي هُوَ مُخَلِّصُ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ وَلاَ سِيَّمَا ٱلْمُؤْمِنِينَ» (١تيموثاوس ٤: ١٠).
١٥ «مَنِ ٱعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ، فَٱللّٰهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي ٱللّٰهِ».
ص ٢: ٢٣ و٥: ٥ و٣: ٢٣ و٤: ٢ و٥: ١ ورومية ١٠: ٩ ص ٢: ٢٤ و٣: ٢٤
مَنِ ٱعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ أي من قبل الشهادة الرسولية للمسيح حق القبول في قلبه وجاهر بإيمانه به أظهر بذلك أنه مولود من الله لأن «َهٰذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِٱسْمِ ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ... وَمَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ» (ص ٣: ٢٣ و ٢٤). وهذا على وفق قوله «كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ ٱللّٰهِ» (ع ٢). فاعتراف المؤمن بصدق إعلان الله آية حضور الله فيه وعلى وفق قول بولس «لِذٰلِكَ أُعَرِّفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ ٱللّٰهِ يَقُولُ: يَسُوعُ أَنَاثِيمَا. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (١كورنثوس ١٢: ٣).
فَٱللّٰهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي ٱللّٰهِ كون الله في المؤمن يهب له قدرة على خدمته على الأرض وكون المؤمن في الله يحقق شركته الكاملة مع الله والسعادة التامة. قال قبلاً إن محبة الله تثبت في المؤمن المخلص (ص ٣: ١٧). وقال في (ع ١٦) إن محبة الله فينا فمن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه. وقال في المؤمن المحب إن الحياة الأبدية ثابتة فيه (ص ٣: ١٥) وقال إن الحياة الأبدية في ابنه (أي ابن الله) (ص ٥: ١١). وقال إن كلمة الله ثابتة في المؤمن (ص ٢: ١٤) «وإن المؤمن يثبت في كلام الله» (يوحنا ٨: ٣١) فكل من الأمور الثلاثة المذكورة يصدق طرداً وعكساً.

قوة المحبة في قلب المؤمن ومعاملته لإخوته ع ١٦ إلى ٢١


١٦ «وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا ٱلْمَحَبَّةَ ٱلَّتِي لِلّٰهِ فِينَا. اَللّٰهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي ٱللّٰهِ وَٱللّٰهُ فِيهِ».
يوحنا ٦: ٦٩ ع ٩ ويوحنا ٩: ٣ وع ٧ و٨ و١٢
نَحْنُ أي الذين يقدرون أن يشهدوا من اختبارهم (ع ١٤).
قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا إنه لا بدّ من بعض المعرفة قبل الإيمان ولكن الإيمان بالمسيح يقدّر الإنسان للحصول على زيادة المعرفة.
ٱلْمَحَبَّةَ ٱلَّتِي لِلّٰهِ فِينَا إن الله يحب جميع الناس (يوحنا ٣: ١٦) لكن محبته للمؤمنين ذات تأثير عظيم فتظهر فيهم وتؤثر في غيرهم بواسطتهم بدليل قول بولس «حَامِلِينَ فِي ٱلْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضاً فِي جَسَدِنَا» (٢كورنثوس ٤: ١٠) لأن حياة المسيح فينا هي أفضل إعلانات محبة الله.
اَللّٰهُ مَحَبَّةٌ ذكر الرسول هذا قبلاً باعتبار كون محبة الله للمؤمن علّة ولادته الجديدة وعلّة معرفته (ع ٧ و٨). وذكره هنا باعتبار كونه علّة نمو المؤمن وعمله وبيان أنه يجب أن تكون طبيعة المؤمن موافقة لطبيعة الله وكرّره ليكون موضوعاً جديداً لكلامه.
مَنْ يَثْبُتْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ إن حياة المؤمن التي هي حياة إنكار النفس بغية نفع غيره هي حياة الشركة مع الله والتمثل به. لم يذكر الرسول من هو المحبوب لكن لا ريب في أنه هو الله في المسيح لأن هو الوحيد المستحق أسمى المحبة.
يَثْبُتْ فِي ٱللّٰهِ فيكون الله محيطاً به روحياً إحاطة الهواء به جسدياً. وهذا مثل قوله أنه يثبت في محبة المسيح (يوحنا ١٥: ٩) وقوله يثبت في الكلمة (يوحنا ٨: ٣١) وكذلك قيل في المؤمن أنه يثبت في النور (ص ٢: ١٠). وفي غير المؤمن أنه يثبت في الظلمة (يوحنا ١٢: ٤٦) وفي الموت (ص ٣: ١٤). وثبوت الله في المؤمن وثبوت المؤمن في الله يؤكدان له قوته على الخدمة والتعزية في الضيقات. وهذه البركة المزدوجة قيل قبلاً أنها مقترنة بالطاعة (ص ٣: ٢٤) وبالاعتراف بالمسيح (ع ١٥). وهذه المحبة تستلزم الطاعة وهي شرط زيادة المعرفة على وفق قول المسيح «اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ ٱلَّذِي يُحِبُّنِي، وَٱلَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي» (يوحنا ١٤: ٢١).
١٧ «بِهٰذَا تَكَمَّلَتِ ٱلْمَحَبَّةُ فِينَا: أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ ٱلدِّينِ، لأَنَّهُ كَمَا هُوَ فِي هٰذَا ٱلْعَالَمِ هٰكَذَا نَحْنُ أَيْضاً».
ص ٢: ٥ وع ١٢ وص ٢: ٢٨ ومتّى ١٠: ١٥ ص ٢: ٦ و٣: ١ و٧ و١٦ ويوحنا ١٧: ٢٢
بِهٰذَا أي بثبوت الله في المؤمن وثبوت المؤمن في الله.
تَكَمَّلَتِ ٱلْمَحَبَّةُ فِينَا إن المحبة كاملة في الله من قبل ومن بعد. والله يريد أن تكون كاملة في المؤمن أيضاً حتى إذا أحاطت به أشد الأهوال كأهوال يوم الدين لم يخف.
أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ ٱلدِّينِ حين يأتي المسيح ليدين العالم (ص ٢: ٢٨). فذلك اليوم يمتحن إيمان المؤمنين وثقتهم أكثر من كل الأيام فثقتهم يومئذ برهان على أنها تدوم إلى الأبد.
لأَنَّهُ كَمَا هُوَ فِي هٰذَا ٱلْعَالَمِ إيماننا به يستلزم الشركة في طبيعته وهذا يستلزم أن نكون مثله في كل الصفات الممكنة فكلما زادت محبتنا لله ولإخوتنا تغيرنا حتى نكون في شبه الديان وهذا يطرد منا كل الخوف منه. وقال «في هذا العالم» لأنه مسكننا الوقتي والمسيح ترك هذا العالم ولكن تلاميذه بقوا فيه (يوحنا ١٧: ١١) وعليهم عمل يجب أن يعملوه (يوحنا ١٧: ١٨) وفي هذا العمل كان يسوع مثالاً لهم. والتمثل به قانون حياتهم. وهذا التشبيه قائم بكل طبيعتهم لا بصفة واحدة كالإيمان أو المحبة وذلك على وفق صلاته من أجل تلاميذه في (يوحنا ص ١٧).
١٨ «لاَ خَوْفَ فِي ٱلْمَحَبَّةِ، بَلِ ٱلْمَحَبَّةُ ٱلْكَامِلَةُ تَطْرَحُ ٱلْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ ٱلْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ».
رومية ٨: ١٥ وغلاطية ٤: ٣٠
لاَ خَوْفَ فِي ٱلْمَحَبَّةِ ذكره الثقة جعله يذكر ضدها الخوف. والخوف في قلب الإنسان طبعاً والمحبة من شأنها أن تطرده فالمحبة والخوف لا يجتمعان في قلب الإنسان. فعلى قدر ما نحب أحداً ونرغب في خيره نقترب منه ولا يبقى من داع إلى الانفصال عنه والخوف منه. و «الخوف» هنا خوف المذنب من محاكمه أو العبد من سيده (رومية ٨: ١٥) لا هيبة الابن لوالده (عبرانيين ٥: ٧). وثقة المؤمن في يوم الدين ناشئة عن كون المسيح صديقه وعن أنه خلص من الخطيئة التي هي علة خوفه.
بَلِ ٱلْمَحَبَّةُ ٱلْكَامِلَةُ تَطْرَحُ ٱلْخَوْفَ أي متى كملت المحبة تطرح الخ. وهذا يستلزم أنه باق في المؤمن بعض الخوف في أول حياته الروحية مع بداءة المحبة. وهذا ضروري لكي يمتنع عن الخطيئة. ولكن مع نموه في المحبة والقداسة لا يبقى في قلبه شيء من الخوف (أفسس ٣: ٢ و٤: ١٣ وعبرانيين ٥: ١٤ ويعقوب ١: ٤).
لأَنَّ ٱلْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ أي له ألم. وهذا يصدق على كل أنواع الخوف من خوف الفقر والخسارة وانتقام الأعداء والمرض والموت الزمني والموت الأبدي ولا سيما خوف الله لأن قدرته لا تحد. والخوف من الله نتيجة الانفصال عنه بالخطيئة. وقصد الله به الإنذار والتأديب فوجوده يدل على وجود علّة فيجب إزالة العلة لنيل الاطمئنان. فالذي يحب الله لا يخاف الموت فإن علّة الخوف مما بعد الموت زالت. فالذي غُفرت خطاياه لا داعي إلى خوفه من الدينونة. إن الملائكة الذين يحبون الله أبداً لا يخافونه وكذلك المفديون الذين في السماء لارتفاع علّته هنالك وهي الشعور بالخطيئة وتوقع العقاب عليها. وإزالة الخطيئة تستلزم إزالة الخوف إذ حلت محله المحبة والطاعة.
مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ أي خوفه يدل على أن المحبة لم تفعل فعلها التام في قلبه. لعل قليلين من المؤمنين حصلوا على قدر عظيم من المحبة حتى أنهم استراحوا من خوف الله قبل أن يدخلوا السماء ويسمعوا منه كلام الترحيب الذي يسكّن كل المخاوف.
١٩ «نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً».
هذه الآية تفسير ثالث للآية الثانية عشرة والتفسير الثاني للآية السابعة عشرة.
نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً أي إن محبته لنا أساس محبتنا له لأنها علّة معرفتنا إياه وإن لنا قوة المحبة لأن محبتنا ليست إلا قبساً من محبة الله كما كانت نار المذبح في الخيمة والهيكل من نار سماوية (لاويين ٩: ٢٤ و٢أيام ٧: ١ - ٣). وهذا بيان أن أصل المحبة من الله وأنها ثابتة (يوحنا ١٥: ١٦) وحب الله للمؤمن قبل حب المؤمن لله أوجب على المؤمن أن يحب غيره قبل أن يحبه غيره ولا يتوقع أن غيره يحبه أولاً (متّى ٥: ٤٤ ورومية ٥: ٨).
٢٠ «إِنْ قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ ٱللّٰهَ وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ ٱلَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ ٱللّٰهَ ٱلَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟».
ص ١: ٦ و٨ و١٠ و٢: ٤ ص ٢: ٩ و١١ و٣: ١٧ وع ١٢ ١بطرس ١: ٨
إِنْ قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ ٱللّٰهَ وَأَبْغَضَ أَخَاهُ هذا قول أحد المعلمين الكاذبين في الدين المسيحي. قال الرسول قبلاً من يبغض أخاه فهو الآن في الظلمة (ص ٢: ٩) وقال إن الذي لا يحب أخاه ليس من الله (ص ٣: ١٠) وجمع القولين هنا إن محبة الله حسب وصيته تستلزم محبة الإخوة فمن ادعى أنه يحب الله ولم يُظهر محبته له بمحبته لإخوته كالذي يدّعي معرفة الله وهو لا يطيعه (ص ٢: ٤).
فَهُوَ كَاذِبٌ بشهادة وجدانه وشهادة الله في كتابه (ص ١: ١٠ و٥: ١٠ ويوحنا ٨: ٤٤ و٥٥).
لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ ٱلَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ الخ النظر يقدّرنا على معرفة حقائق المنظورات لنستحسنها أو نرفضها وأوضح أنه أسهل علينا أن نحب الأخ الذي هو مثلنا لأننا نراه من أن نحب غير المنظور. وتسمية الرسول الذي يجب أن نحبه «أخاً» يدل على أن الله ساكن فيه. إن الله أعلن نفسه في المسيح بواسطة الناس بدليل قول المسيح «بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هٰؤُلاَءِ ٱلأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ» (متّى ٢٥: ٤٠). فالذي لم يبصر الله المعلن في شعبه لا يستطيع أن يحبه لأنه رفض الوسيلة التي عيّنها لتقديره على معرفته وحبه بواسطة صورته التي خلق المؤمنين عليها.
٢١ «وَلَنَا هٰذِهِ ٱلْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ ٱللّٰهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضاً».
متّى ٥: ٤٣ و٢٢: ٣٧ ويوحنا ١٣: ٣٤ ولاويين ١٩: ١٨ ص ٣: ١١
لَنَا هٰذِهِ ٱلْوَصِيَّةُ المتضمنة في الآية السابقة ولم تُذكر صريحاً ولكنها ذُكرت في (ص ٣: ٢٣).
مِنْهُ أي من الله الآب فإنه ببذله ابنه من أجلنا علّمنا أن نحبه. ذكر في الآية السابقة إن علّة محبة الإخوة «البصر» وذكر هنا علّة أعظم منها وهي «وصية الله»
أَنَّ مَنْ يُحِبُّ ٱللّٰهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضاً إن المسيح أوصى تلاميذه بقوله «وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً» (يوحنا ١٣: ٣٤) لكن أصل الوصية من الله. وتلك الوصية علّة كافية لأن نحب إخوتنا محبة إخلاص. ويوافق ذلك قول المسيح لشاول المضطهد لتلاميذه «شَاوُلُ، شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي» (أعمال ٩: ٤). إن المسيح مع كونه في السماء جالساً على يمين الله حاضر على الأرض بتلاميذه بدليل قوله في (متّى ١٠: ٤٠ و١٨: ٥ و٢٥: ٣٥ - ٤٠).


اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ


إن نصرة الإيمان بالمسيح هي نصرة المحبة (ع ١ - ١٢) وذلك بالتفصيل.
قوة الإيمان (ع ١ - ٥) وبيان أساس الإيمان (ع ٦ - ١٠). وما يوجب الإيمان (ع ١١ و١٢).
هذا تصريح ثان بغرضه من الكتابة إليهم وهو موافق لما كتبه قبلاً في المعنى دون اللفظ (ع ١٣). واجبات المؤمنين لمن لم يقبلوا تعليم هذه الرسالة (ع ١٤ - ١٧). وتكرير بعض الحقائق التي ذكرها قبلاً في هذه الرسالة وهي إن أولاد الله لا يخطأون (ع ١٨). وبيان علّة ثقتهم أنهم أولاد الله (ع ١٩). والتصريح بأن المسيح قد أتى بالجسد وأنهم قبلوه ونالوا بصيرة يميزون بها في الحق ويثبتون فيه بواسطة المسيح (ع ١٠). وإنذار أخير (ع ٢١).
قوة الإيمان ع ١ إلى ٥


١ «كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ ٱلْوَالِدَ يُحِبُّ ٱلْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضاً».
ص ٤: ٢ ع ١٥ ص ٢: ٢٢ ع ٤ و ١٨ ص ٢: ٢٩ ويوحنا ١: ١٣ و٣: ٣ ويوحنا ٨: ٤٢
كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ... فَقَدْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ هذا هو المبدأ الأصلي وذكره في هذه الرسالة مراراً (ص ٤: ٢ و١٥). والإيمان بالمسيح علامة الولادة من الله والحياة بالله أي الإيمان بشخص المسيح وبعمله. ولم يذكر هنا العلاقة بين الإيمان والولادة الجديدة لكن القرينة تدل على أنه قصد أنها المحبة الأخوية ركن من حياة المؤمن الجديدة الروحية.
كُلُّ مَنْ يُحِبُّ ٱلْوَالِدَ يُحِبُّ ٱلْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضاً هذا مثل ما في (ص ٤: ٢٠) إلا أنه قال هناك «إن الذي يحب الله يحب أخاه» وقال هنا «كل من يحب الوالد يحب المولود منه» وكل من القولين يستلزم الآخر فلا نقدر أن نحب الله ما لم نحب أولاده المخلوقين على صورته لأن المحبة هي تنظر إلى صفات المحبوب لا إلى ذاته. والإيمان بالمسيح ينشئ المحبة لكل المسيحيين فإنهم إعضاء بيت واحد وإخوة روحيون. فالمحبة ليست سوى الإيمان العامل وهي تصدر طبعاً عن الحياة الروحية الجديدة.
٢ «بِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ: إِذَا أَحْبَبْنَا ٱللّٰهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ».
ص ٢: ٥ وص ٢: ١٤
بِهٰذَا أي بما يأتي.
نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ ٱللّٰهِ أي نعرف أن لنا الإيمان الحق بالمسيح. وتمتاز المحبة الروحية عن المحبة الطبيعية بأنها مبنية على الطاعة لأمر الله وذلك نتيجة الإيمان. فمتى أحببنا الإخوة إطاعة لأمر الله كان ذلك برهاناً على أننا نعرف الله ونحبه لأن هذا وصيته «أن نؤمن باسم ابنه وأن نحب بعضنا بعضاً» (ص ٣: ١٣).
إِذَا أَحْبَبْنَا ٱللّٰهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ ما يستحق الاعتبار هنا الاتفاق بين قوله هنا وقوله «وَبِهٰذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ» (ص ٢: ٣). وقوله «هذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِاسْمِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا كَمَا أَعْطَانَا وَصِيَّةً» (١يوحنا ٣: ٢٣). واعتبر حفظ «وصايا الله» علامة المحبة له وأعظم هذه الوصايا محبة الإخوة. ولم يقل الرسول في هذه الآية نحب الإخوة بل قال «نحب أولاد الله» لأن ما بينهم من النسبة التي هي علّة المحبة البنوّة لله لا النسبة الجسدية.
٣ «فَإِنَّ هٰذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً».
٢يوحنا ٦ ص ٢: ٣ ومتّى ١١: ٣٠ و٢٣: ٤
فَإِنَّ هٰذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ ٱللّٰهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ هذا مكرّر العبارة الأخيرة من الآية السابقة للإيضاح والتقرير. والمعنى أن تلك المحبة هي أن نجتهد دائماً في حفظ وصايا الله ونسهر لذلك فعلى قدر ما نحب نجتهد في عمل مشيئته (يوحنا ١٤: ١٥ و٢١). فمتى وافقت إرادة الإنسان إرادة الله سرّ الله بذلك كل السرور.
وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً مثال الحمل الثقيل ما في (متّى ٢٣: ٤). ومثال الحمل الخفيف ما في (متّى ١١: ٣٠). فالطاعة لأوامر الله عسرة في نفسها ما لم يهب الله قوة على القيام بها. والذي يسّهل على المؤمنين إطاعة أوامر الله هو أنها أوامر أب أفضل الآباء وأنه لا يأمرنا إلا بما هو خير لنا وإننا نقوم بها إكراماً له.
٤ «لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ يَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ. وَهٰذِهِ هِيَ ٱلْغَلَبَةُ ٱلَّتِي تَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ: إِيمَانُنَا».
ص ٢: ١٣ و٤: ٤
لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ يَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ العلاقة بين هذا وما سبق هي أن أوامر الله كلها تعسر إطاعتها (يوحنا ١٦: ٣٣ وأعمال ١٤: ٢٢) وقد يصعب على الإنسان إن يحب إخوته ولكن «المولود من الله» ينال قوة منه أعظم من قوات العالم حتى يقدر على ذلك. وأراد «بالعالم» هنا كل ما هو مناف لإرادة الله مما يجعل إطاعة أوامره عسرة على الإنسان. والله لا يأمر بشيء بلا غاية تؤول إلى خيرنا ومصلحتنا. فلو كنا كاملي القداسة لكانت أوامر الله لنا بمنزلة الغريزيات فعلى قدر ما نحب الله نشاء ما يشاء ونرى جمال أوامره وجودتها. فالمولود من الله يحارب العالم ويغلبه لأن الله يحارب معه.
وَهٰذِهِ هِيَ ٱلْغَلَبَةُ ٱلَّتِي تَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ: إِيمَانُنَا نوع الجهاد هنا يؤكد لنا الانتصار. وخلاصة الإيمان هنا الذي هو آية المحبة وواسطة الغلبة هو الاعتراف بأن يسوع هو المسيح ابن الله. إن المسيح غلب العالم (يوحنا ١٦: ٣٣) مع أن الظاهر أنه غُلب إذ مات ولكن حقيقة انتصاره ظهرت بقيامته وجلوسه على يمين الله وإرساله الروح القدس. فإذا آمنا بانتصاره أخيراً وشاركناه في الضيقات الحاضرة شاركناه أخيراً في انتصاره. فالإيمان المسيحي منتصر وعربون أننا نغلب العالم الغلبة التامة. فالانتصار المسيحي باجتهاد المؤمن ومساعدة المسيح ولذلك دعاه الرسول «إيماننا» (ص ٢: ١٣ و١٤ و١كورنثوس ١٥: ٥٥ - ٥٧).
٥ «مَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ، إِلاَّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰه».
ص ٤: ١٥ ع ١
مَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ سأل الرسول هذا السؤال ليحمل المسيحي على أن يجيب عليه بما اختبره. فإن اختباره يحقق له أنه ينتصر على العالم. وليس أحد غير المؤمن بقادر على أن يغلب العالم الذي هو عدو الله.
إِلاَّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰه موضوع الإيمان هنا هو أن الإنسان يسوع المسيح هو ابن الله وصرّح قبلاً بأن غلبة الإيمان هي الاعتراف بأن يسوع هو ابن الله وأخذ يبيّن هنا ما يستلزمه هذا الاعتراف.

أساس الإيمان ع ٦ إلى ١٠


٦ «هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ. لاَ بِٱلْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِٱلْمَاءِ وَٱلدَّمِ. وَٱلرُّوحُ هُوَ ٱلَّذِي يَشْهَدُ، لأَنَّ ٱلرُّوحَ هُوَ ٱلْحَقُّ».
يوحنا ١٩: ٣٤ ويوحنا ١٥: ٢٦ و١٦: ١٣ - ١٥
هٰذَا المشار إليه هنا هو المدعو في الآية الخامسة «يسوع» والمدعو في هذه الآية «يسوع المسيح» إيماء إلى لاهوته وناسوته معاً.
هُوَ ٱلَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ شهد الله للمسيح برسمين ظاهرين «الماء والدم» أي معموديته وصلبه وبهذين الرسمين أظهر حقيقة عمله وطريق إجرائه. فكان ماء المعمودية التي قام بها يوحنا المعمدان ختم الناموس فإنه العلامة الخارجية الدالة على أن الذين اعتمدوا تابوا عن خطاياهم ووعدوا بحفظ الناموس حفظاً كاملاً. والمسيح «أتى بالماء» حين اعتمد بمعموديته وأعلن قصده أنه «يكمل كل برّ» (متّى ٣: ١٥). وأرسل يوحنا معمداً بالماء ليُعلن المسيح بدليل قوله «وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لٰكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذٰلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِٱلْمَاءِ» (يوحنا ١: ٣١). ومعمودية المسيح دليل على أنه أتى ليكمل الناموس لا لينقضه. وكانت معموديته أيضاً وسيلة خارجية لحلول الروح القدس عليه ومكثه فيه (يوحنا ١: ٣٢ - ٣٤) فأظهر بهما أن التطهير والبر اللذين طلبهما الناموس أتى ليثبتهما ويجعلهما قانون ملكوته. فالدم إشارة إلى عمل المسيح الخاص وهو عمل الكفارة والمصالحة بموته وآلامه وكل ما كانت ذبائح العهد القديم ورسومه تدل عليه. فأثبت المسيح كونه الذبيحة الحقيقية المرموز إليها «بالدم» بقداسة طبيعته وسيرته وبما صنعه من المعجزات والآيات. وبإتمامه النبوءات المتعلقة به وبسمو تعليمه. وبالحوادث الغريبة المتعلقة بحياته وموته وقيامته وصعوده. وباعتبار كل الذين عرفوه بأنه كان كلمة الله متجسداً مملوءاً نعمة وحقاً وإنه تمجد بمجد الآب. وأتى بموته على الصليب بالدم وبذلك أظهر أن عمله هو عمل الفداء وأجرى بموته ينبوع الحياة للناس (ص ١: ٧ ورؤيا ١: ١٥).
لاَ بِٱلْمَاءِ فَقَطْ أي لم يأت كيوحنا المعمدان ينادي بالتوبة وإزالة تأثيرات الخطيئة الظاهرة بمقتضى مطاليب الناموس.
بَلْ بِٱلْمَاءِ وَٱلدَّمِ علاوة على ما أتى به يوحنا المعمدان. فإنه كفّر بموته الخطيئة باعتبار كونها عصياناً لله. فحين عُلّق المسيح على الصليب ميتاً من جهة الحياة الجسدية «وَاحِداً مِنَ ٱلْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ» (يوحنا ١٩: ٣٤). فخروج الماء والدم معاً من جنبه كان إشارة إلى البركة المضاعفة أي بركة التطهير الروحي والكفارة وعربون البركة الروحية الجارية منه أبداً. إن يوحنا الرسول شهد بصلبه الشهادة التي شهدها يوحنا المعمدان بمعموديته إذ قال المعمدان «رأيت وشهدت» (يوحنا ١: ٣٤) وقال الرسول «الَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ» (يوحنا ١٩: ٣٥). وهذا كان برهاناً قاطعاً على حقيقة موته الذي نفاه الدوسيتيون بقولهم إن جسده لم يكن سوى صورة خيالية وتفنيداً لتعليم سيرنثوس الذي علّم أن اللاهوت كان مع يسوع في معموديته لكنه تركه قبل موته على الصليب. فمن وسائل تأثير المسيح في الناس إتيانه بالماء ليطهّرهم من الفساد الأدبي الذي تلطخت به شفاههم وأيديهم وأفسد عاداتهم ودنس نفوسهم. فتطهروا أولاً بالتوبة وتجديد القلب الذي علامته المعمودية ثم بتطهير متكرر بكلمته وروحه الذي يطهّر من كل إثم. ومن تلك الوسائل إتيانه بدم مشير إلى موته على الصليب وكان المرموز إليه بالذبائح اليومية التي استمرت مدة أربعة آلاف سنة. ويصح أن يُقال أن المسيح أتى بالدم منذ تأسيس العالم وفي بدء خدمته فكان «وجهه نحو أورشليم» وأكمة الجلجثة منذ ظهر في العالم أتى مصلحون آخرون بالماء وحده منادين بإصلاح السيرة في الحاضر والمسيح وحده أتى بالدم مكفراً عن الناس الخطايا الماضية مؤكداً الإصلاح في المستقبل.
وَٱلرُّوحُ هُوَ ٱلَّذِي يَشْهَدُ أي الروح القدس هو الشاهد الأعظم الذي أثبت شهادة كل من سواه وذُكرت شهادته في (ع ٨ فانظر تفسيرها).
لأَنَّ ٱلرُّوحَ هُوَ ٱلْحَقُّ كما أن يسوع هو الحق (يوحنا ١٤: ٦) فالروح الذي أرسله هو روح الحق (يوحنا ١٤: ١٧ و١٥: ٢٦ و١٦: ١٣). وكون ذلك الروح هو الحق يُعلن ما يعلمه ويثبت صحته وأنه مستحق التصديق. وشهادته قائمة بالشهادة التي جاءت من العرش الأسمى وبشهادة أنبياء العهد القديم وبمعجزات المسيح وتعليمه وبتذكيره تلاميذ المسيح بعد أن فارقهم بكل ما قاله لهم.
٧ «فَإِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي ٱلسَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: ٱلآبُ، وَٱلْكَلِمَةُ، وَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ. وَهٰؤُلاَءِ ٱلثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ».
متّى ١٨: ١٦
فَإِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي ٱلسَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ فالثلاثة كافون لأن يثبتوا كل شهادة وهذا يصدق في الروحيات كما يصدق في الجسديات. قيل في (ع ٥) أن «يسوع ابن الله» وحسب قانون شريعة موسى يحتاج تصديق هذا القول إلى شهادة شاهدين أو ثلاثة (تثنية ١٩: ١٥ ويوحنا ٨: ١٧). وهذا العدد أي السابع لنا أسباب تحملنا على الشك في أصليته لأنه لا يوجد في أفضل النسخ وأصحها ولم يقتبسه اللاهوتيون الأولون لإثبات أن يسوع هو المسيح ولا نرى من حاجة إليه لإثبات ذلك فما الداعي إلى الشهادة في السماء وكل شيء معلن هناك وإذا لم تقدم للناس فكيف تثبت شهادتهم بإتيان المسيح. ولا يشهد في السماء وعلى الأرض إلا روح واحد وشهادته في المحلين واحدة.
٨ «وَٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي ٱلأَرْضِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: ٱلرُّوحُ، وَٱلْمَاءُ، وَٱلدَّمُ. وَٱلثَّلاَثَةُ هُمْ فِي ٱلْوَاحِدِ».
فِي ٱلأَرْضِ مثل العدد ٧ لا يوجد في أفضل النسخ وأصحها.
ٱلرُّوحُ أي الروح القدس الذي وعد الله بإرساله فإنه شهد بأن يسوع هو المسيح.

  • أولا: عند معموديته (متّى ٣: ١٦ و١٧).
  • ثانياً: حين قيل إن المسيح امتلأ من الروح القدس إنجازاً للنبوءة به (إشعياء ١٢: ٢ و٦١: ١ ويوحنا ٣: ٣٤).
  • ثالثاً: شهد له بعد قيامته بحلوله بعد صعود المسيح على المجتمعين في يوم الخمسين حين انضم إلى الكنيسة ثلاثة آلاف نفس (أعمال ٢: ٤١ - ٤٧).
  • رابعاً: بالمعجزات التي صنعها الروح القدس لإثبات تعليم الرسل أمور المسيح.
  • خامساً: بتجديد كل خاطئ آمن بالمسيح منذ يوم مجيئه إلى الآن. والخلاصة إن ذلك الروح شهد للمسيح بأنه ابن الله بكل نتائج الإيمان به التي هي أعمال الروح.


وَٱلْمَاءُ أي معمودية المسيح (انظر تفسير ع ٦) والحوادث المقترنة بها التي أثبتت أنه هو المسيح الموعود به وأنه شرع في عمله. والماء رمز إلى طهارته وطهارة ديانته. هو في المعمودية علامة الدخول في دينه علناً.
وَٱلدَّمُ المسفوك منه على الصليب. وشهادة الدم قائمة بما يأتي:

  • أولاً: شهادته أن المسيح مات موتاً حقيقياً لا خيالياً.
  • ثانياً: شهادة الحوادث المقترنة بموته التي حملت قائد المئة على الاعتراف بانه «ابن الله» ومنها الظلمة والزلزلة وانشقاق حجاب الهيكل.
  • ثالثاً: تمام كل ما يتعلق من رموز العهد القديم به.
  • رابعاً: إنه تبيّن به أن المسيح كان كفّارة للخطايا والكفّارة لا تقوم بلا سفك دم.
  • خامساً: العشاء الربي الذي تتكرر الشهادة بتكرار ممارسته فإن الخمر فيه إشارة إلى الدم.


وَٱلثَّلاَثَةُ هُمْ فِي ٱلْوَاحِدِ فأصوات الشهود الثلاثة تثبت الشهادة الواحدة وهي أن يسوع هو المسيح وأنه قد أتى بالجسد. إن معمودية يوحنا كانت آخر شهادات النظام القديم للمسيح إعداداً لمجيئه. وموت المسيح على الصليب كان تكملة مرسليته. وعمل الروح كان ختماً لها. فالشريعة تطلب شاهدين وههنا ثلاثة.
٩ «إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ ٱلنَّاسِ فَشَهَادَةُ ٱللّٰهِ أَعْظَمُ، لأَنَّ هٰذِهِ هِيَ شَهَادَةُ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ٱبْنِهِ».
يوحنا ٥: ٣٤ و٣٧ و٨: ١٨ ومتّى ٣: ١٧ ويوحنا ٥: ٣٢ و٣٧
إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ ٱلنَّاسِ كما هو شأننا أبداً من شهادة شفهية وشهادة كتابية.
فَشَهَادَةُ ٱللّٰهِ أَعْظَمُ وهذه الشهادة الإلهية أُديت ليسوع من الشهود الثلاثة المذكورين آنفاً وأدّاها الله بصوته عند المعمودية وبإقامته المسيح من الموت وبسكبه الروح القدس على تلاميذه. إن الله منزّه عن الخطأ وهو الحق نفسه فصدقه وقداسته تمنعانه من أن يخدع.
لأَنَّ هٰذِهِ هِيَ شَهَادَةُ ٱللّٰهِ الخ أي الشهادة التي شهدها الله لابنه وهي واحدة أُدّيت في ثلاث أحوال:

  • الأولى: إنها أُدّيت عند المعمودية فأقنعت يوحنا المعمدان.
  • الثانية: إنها أُدّيت وقت الصلب فأقنعت قائد المئة.
  • الثالثة: إنها أُدّيت يوم الخمسين فأقنعت ثلاثة آلاف نفس.


١٠ «مَنْ يُؤْمِنُ بِٱبْنِ ٱللّٰهِ فَعِنْدَهُ ٱلشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ ٱللّٰهَ فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِباً، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِٱلشَّهَادَةِ ٱلَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا ٱللّٰهُ عَنِ ٱبْنِهِ».
رومية ٨: ١٦ وغلاطية ٤: ٦ ورؤيا ١٢: ١٧ ص ١: ١٠ ويوحنا ٣: ١٨ و٣٣
مَنْ يُؤْمِنُ بِٱبْنِ ٱللّٰهِ فَعِنْدَهُ ٱلشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ الشهادة الباطنة في قلب المؤمن تغنيه عن الشهادة الخارجية وهي شهادة الروح القدس فيه وما ناله من الفرح والسلام حين آمن والتغيُّر الذي نشأ فيه بقوة الإيمان بالمسيح فهذه كلها تشهد بأن يسوع المسيح ابن الله هو مخلص العالم (رومية ٨: ١٦ و١بطرس ٣: ١٥).
مَنْ لاَ يُصَدِّقُ ٱللّٰهَ فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِباً الخ قال الرسول مثل هذا سابقاً في من يقول «إنه لا يخطأ» (ص ١: ١٠). فكأنه سمع صوت الله يشهد من السماء فرفضه لأن الله قد شهد بالمعجزات المقترنة بمعمودية المسيح وبخدمته وموته وقيامته بأن يسوع هو ابنه وإنه أُرسل إلى العالم ليعلنه للناس وليكون فادي العالم. فعدم قبول شهادة الله ادّعاء أنه كاذب لأن من لا يقبلها يرفض أوضح ما يمكن من البراهين الإلهية فإن الله يعرف قلب الإنسان فأتاه بأوضح ما يمكن من البراهين وباقي الآية تعليل لقوله «فقد جعله كاذباً».

خلاصة الشهادة الإلهية التي هي موضوع الإيمان ع ١١ و١٢


١١ «وَهٰذِهِ هِيَ ٱلشَّهَادَةُ: أَنَّ ٱللّٰهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ هِيَ فِي ٱبْنِهِ».
ع ١٣ و٢٠ ص ١: ٢ و٢: ٢٥ ص ٤: ٩ ويوحنا ١: ٤
وَهٰذِهِ هِيَ ٱلشَّهَادَةُ أي ما يأتي. وهذه شهادة يسوع عينه وشهادة الرسل جميعاً وشهادة الروح القدس وشهادة الآب نفسه وهي جوهر كل الشهادات بمجيء المسيح إلى العالم وخلاصتها. قال الرسول في أول هذه الرسالة «إِنَّ ٱلْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ الخ» (ص ١: ٢). وختم الكلام هنا بما هو في معنى ذلك.
أَنَّ ٱللّٰهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً غاية مجيء المسيح هبة هذه الحياة وهي للمؤمنين خاصة وهم الذين يقبلونها ويحرصون عليها كما يفيد قوله «أعطانا» (يوحنا ١٠: ١٠ و٢٨ و١٧: ٢ و٢٠: ٣١). كانت شهادة الماء والدم إنه قد أتى شخص كان هو نفسه هبة الحياة للناس وكانت معموديته علامة أنه استولى على روح الحياة ليهبها للناس. وكان دمه واسطة نجاتهم من الموت. فشهادة الماء والدم اللذين جريا معاً من جنبه المطعون على الصليب كانت الشهادة الإلهية بأن المسيح أتى بنجاة البشر من الهلاك ونيلهم الحياة الجديدة الروحية وذلك نهر الحياة الوحيد الذي جرى من جنبه وهو على الصليب. والحياة هنا تشتمل على النجاة من الهلاك ونيل السماء وكل ما فيها من السعادة وضدها الهلاك الأبدي وهو الطرد من وجه الله إلى الأبد (ص ٢: ٢٥ ويوحنا ١٧: ٣ و٢تيموثاوس ١: ١٠).
وَهٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ هِيَ فِي ٱبْنِهِ فالذين اتحدوا بالمسيح اتحدوا بواسطته بالله وشاركوه في تلك الحياة (رومية ٦: ٢٣ و٢تيموثاوس ١: ١). فالمسيح هو مصدر الحياة إلى الأبد للمفديين لأنه باعتبار كونه ابن الله له حياة في نفسه فإنه بموته نال الحياة لهم (انظر تفسير يوحنا ٥: ٢٤).
١٢ «مَنْ لَهُ ٱلابْنُ فَلَهُ ٱلْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ فَلَيْسَتْ لَهُ ٱلْحَيَاة».
يوحنا ٣: ١٥ و٣٦
مَنْ لَهُ ٱلابْنُ فَلَهُ ٱلْحَيَاةُ لأنه بواسطة الابن يُعرف الآب (ص ٢: ٢٣ و٢يوحنا ع ٩). فمن اتحد بالله بإيمانه بالمسيح صار شريكه في الحياة الأبدية وقرب من الله بعد أن كان بعيداً عنه بالخطيئة. وكان له أيضاً بداءة تلك الحياة في نفسه وتأكد خلاصه.
وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ فَلَيْسَتْ لَهُ ٱلْحَيَاةُ كني المسيح هنا بكنيته الكاملة أي «ابن الله» ليبيّن إن رفض المسيح يستلزم خسران الحياة الأبدية التي الله مصدرها فرفض الإنسان الشهادة للمسيح يستلزم رفض الحياة التي أتى لكي يهبها ورفض الآب الذي أرسله فبذلك يمكث في الموت وهذا على وفق ما في (مرقس ١٦: ١٦ ويوحنا ٣: ٣٦). وخسارة الحياة مجموع كل الخسائر.

بيان الغاية من كتابة هذه الرسالة ثانية ع ١٣


١٣ «كَتَبْتُ هٰذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللّٰهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللّٰهِ».
يوحنا ٢٠: ٣١ ص ٣: ٢٣
كَتَبْتُ هٰذَا إِلَيْكُمْ كرّر هنا بيان الغاية من كتابة هذه الرسالة. قال قبلاً إن الغاية من كتابتها «بيان إن الحياة الأبدية أُظهرت لكي يكون فرحهم بنيلها كاملاً» (ص ١: ٢ - ٤). وأبان هنا أن تلك الغاية قد تمت لأن شعورهم ببداءة الحياة الأبدية أكد لهم شركتهم مع الله وفرحهم الكامل (يوحنا ٢٠: ٣١). وأبان بقوله «كتبت» أنه راجع ما كتبه وذكر الغاية التي جعلها أمامه ورجا أنه بلغ تلك الغاية.
لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً علم اليقين الدائم (ص ٢: ٢٩ و٣: ١٤) والثقة الناشئة عن ذلك العلم من مواهب الروح القدس فيحق لكل مؤمن أن يثق هذه الثقة ويمكنه أن يتحقق أن له الحياة الأبدية بواسطة أثمار تلك الحياة فيه ولكن ربما تأخرت تلك الأثمار فدلهم على علامة باطنة وأعلن أن تلك الثقة من خواص المؤمنين فإيمانهم بابن الله آية تلك الحياة وعربون اقتنائهم إياها إلى الأبد. أما القول «أنتم المؤمنين باسم ابن الله» فلا يوجد في أفضل النسخ وأصحها.

ثقة المؤمن بأن الله يسمع طلباته وما يجب عليه لمن لم يسلكوا بمقتضى هذه الرسالة ع ١٤ إلى ١٧


١٤ «وَهٰذِهِ هِيَ ٱلثِّقَةُ ٱلَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئاً حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا».
ص ٣: ٢١ و٢٢ و٢: ٢٨ ومتّى ٧: ٧ ويوحنا ١٤: ١٣
وَهٰذِهِ هِيَ ٱلثِّقَةُ ٱلَّتِي لَنَا عِنْدَهُ العلاقة بين هذه الآية والآية التي قبلها هي أن «العلم» المذكور في الآية التي قبلها ينشئ في المؤمن ثقة بأن الله يسمع صلاته. قال الرسول قبلاً إن الثقة بسمع الله صلاتنا ناشئة عن إيماننا بالله وثقتنا به وذلك قوله «فَلَنَا ثِقَةٌ مِنْ نَحْوِ ٱللّٰهِ. وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ» (ص ٣: ٢١ و٢٢). وهذه الثقى نتيجة إيماننا بابن الله والضمير في قوله «عنده» يرجع إلى الله.
إِنْ طَلَبْنَا شَيْئاً حَسَبَ مَشِيئَتِهِ أي مشيئة الله الذي نحن أولاده مولودين ثانية على صورته ومتوقعين الحياة الأبدية. وتلك «الثقة» أي الثقة بالله الآب المذكورة هنا هي من أول بركات التبني بدليل قول بولس الرسول «أَخَذْتُمْ رُوحَ ٱلتَّبَنِّي ٱلَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا ٱلآبُ!» (رومية ٨: ١٥). وهذا على وفق وعد المسيح وهو قوله «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي ٱلصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ» (متّى ٢١: ٢٢).
يَسْمَعُ لَنَا شرط سمعه لنا أن يكون طلبنا حسب مشيئته. والله يشاء نفع الإنسان الروحي الأبدي وكل ما يؤول إلى ذلك من الوسائل الخارجية.
١٥ «وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا ٱلطِّلْبَاتِ ٱلَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ».
ع ١٨ و١٩ و٢٠
معنى الآية أن المؤمن متى سأل الله تحقق الإجابة لأنه قد علّمه الروح القدس ماذا يطلب (رومية ٨: ٢٦) وهذا يمنعه من أن يطلب ما ينافي مشيئة الله لأن مشيئة الله قد صارت مشيئته وإن أبطأ بالإجابة لا يشك في أنه قبِلَ الطلبة وسوف يجيبها.
١٦ «إِنْ رَأَى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئُ خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ، يَطْلُبُ، فَيُعْطِيهِ حَيَاةً لِلَّذِينَ يُخْطِئُونَ لَيْسَ لِلْمَوْتِ. تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأَجْلِ هٰذِهِ أَقُولُ أَنْ يُطْلَبَ».
يعقوب ٥: ١٥ وعبرانيين ٦: ٤ - ٦ و١٠: ٢٦ وعدد ١٥: ٣٠ وإرميا ٧: ١٦ و١٤: ١١
إِنْ رَأَى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئُ محبة المؤمن لإخوته تحمله على الصلاة من أجلهم باعتبار أن ذلك من أفضل وسائل نفعهم. والعلاقة بين الصلاة المطلقة في الآية السابقة والصلاة من أجل الأخ الذي يخطأ في هذه الآية هي أن مغفرة خطيئته من أعظم البركات التي يفتقر إليها ودعاؤه له أعظم أدلة محبته لأن شركته مع الله تستلزم شركته مع المؤمنين (ص ١: ٣). وقوله «إن رأى» أراد به إذا تحقق لا إذا ظن فقط أو توقف في أنه يخطأ. وهذا يوجب على المؤمن أن يسأل الله أن يغفر له لأن كل مؤمن أخ لغيره من أولاد الله وعضو من أعضاء جسد المسيح.
خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ إن «الحياة» هي الاتحاد بالمسيح فالخطيئة مرض روحي لأنها تستلزم انفصال الخاطئ عن المسيح. وكل خطيئة من الخطايا توجب ذلك الانفصال ولكنها كلها على درجة واحدة وليس كل منها يوجب الانفصال الأبدي. والذي فرضه الرسول هنا من الخطيئة التي «ليست للموت» العثرة أو السقوط من شدة التجربة مما لا يشير إلى الانفصال عن الله عمداً واختياراً.
يَطْلُبُ تبرعاً بلا أمر بذلك فلا حامل له على الطلب سوى محبته لأخيه. وهذا الطلب يستلزم أنه يدعوه إلى التوبة وأن يشاركه في الصلاة وطلب المغفرة وأن الخاطئ يتوب.
فَيُعْطِيهِ حَيَاةً الخ أي يعطي الله الخاطئ حياة وهو يعطي الحياة للذين لا يخطأون للموت. فإعطاء الحياة من حقوق الله ونعمه (ع ١١ ويوحنا ٦: ٣٣ و١٠: ٢٨ و١٧: ٢). لم يعتبر يوحنا الحياة (بقوله «فيعيطه») إنها فارقت المؤمن بل أنها كانت على وشك أن تفارقه.
تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ أي توجد خطية تمتاز عن سائر الخطايا توجب على مرتكبها كل الانفصال عن المسيح وحسب تعليم هذه الرسالة أن «الخطية للموت» هي رفض الحياة الأبدية التي أتى المسيح بها وهذا يدل على عناد القلب القاسي الذي لم يبق قادراً على قبول الحق بعد عرضه عليه. و «الخطية للموت» هي مثل الخطية التي قال المسيح أنها لا تُغفر (لوقا ١٢: ١٠) لأن الذي ارتكبها رفض الروح القدس الذي به وحده يمكن الخاطئ أن يرجع إلى الله لينال المغفرة منه. وتشبه خطية المرتدين (عبرانيين ٦: ٤ - ٦) لأنهم رفضوا كفارة المسيح. وخلاصة ما قاله إن الذين قسّوا قلوبهم حتى لم يستطيعوا قبول الروح القدس يخطأون خطية للموت فالصلاة من أجلهم عبث لأنهم قطعوا كل علاقة بينهم وبين تلك القوة القادرة أن تخلصهم.
لَيْسَ لأَجْلِ هٰذِهِ أَقُولُ أَنْ يُطْلَبَ لم يأذن بالصلاة من أجل الذي يخطأ للموت ولم ينهَ عنها فترك الأمر كأنه ليس من موضوع كلامه.
١٧ «كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ، وَتُوجَدُ خَطِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ».
ص ٣: ٤ و٢: ١ وع ١٦
كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ قال هذا بياناً أن من الخطايا ما ليس للموت مما كل المؤمنين عرضة له وهو يدعو إلى الشفقة على مرتكبيه وسؤال الله أن يغفر لهم وأراد «بالإثم» هنا اعتداء بعض الناس على بعض في حقوقه كما يفيده الأصل اليوناني. والمراد «بالخطية» مخالفة إرادة الله عموماً وشريعته المعلنة خصوصاً وهي «تعدٍّ» أيضاً (ص ٣: ٤). فإذاً كل من «الإثم» و «الخطية» مخالفة إرادة مشيئة الله فهما مختلفان باعتبار عظمتهما. ومرتكب كل منهما محتاج إلى المغفرة. ويمكن أن يكونا ناشئين عن النقص والضعف وشدة التجربة وليسا بدليلين على تمام انفصال مرتكبيها عن الله.
تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ يرتكبها الذين جلّ قصدهم مقاومة الخطية والسير في سنن القداسة أبداً فإذا ارتكبوا الخطية على غير عمد يحسب الإنجيل أنهم لم يخطأوا مع أن كل مخالفة لإرادة الله خطية. قال الرسول ذلك لا ييأس المؤمن من نيل المغفرة إذا وقع في التجربة وتاب. فعليه أن يذكر أن لا خطية مما نهى عنه الكتاب المقدس لم يرتكبها بعض الذين هم في المجد إلا التجديف على الروح القدس. فإذاً فظاعة الإثم لا تمنع من المغفرة للتائب إنما يمنع منها الإضرار عليه أي عدم التوبة عنه.

تكرير بعض الحقائق ذات الشأن ع ١٨ إلى ٢٠


١٨ «نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ ٱلْمَوْلُودُ مِنَ ٱللّٰهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَٱلشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ».
ص ٣: ٩ ويعقوب ١: ٢٧ ويهوذا ٢١ ص ٢: ١٣ يوحنا ١٤: ٣٠
كرّر الرسول (مع وجود بعض الخطايا التي للموت بين الإخوة) في بعض ما ذكره سابقاً من بركات الولادة الجديدة (١٨) وبركات البنوّة الإلهية والسلامة من العالم الشرير (ع ١٩) والنمو في معرفة الله بواسطة الشركة معه (ع ٢٠) وابتدأ الكلام في كل من هذه الأمور بقوله «نعلم».
نَعْلَمُ ذكّرهم ما علموه سابقاً من أنه لا يليق بالمولود من الله أن يخطأ لئلا يستخف الأخ الخاطئ بالخطية بما قاله في طلب المغفرة له. وهذا العلم نتيجة الاختبار وشهادة الإنجيل وهي قوله «كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ ٱللّٰهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ الخ» (ص ٣: ٩).
أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ لاَ يُخْطِئُ لأنه بإيمانه انفصل عن ملكوت الشيطان واتحد بالله إنما قد يعثر ويحتاج إلى صلاة إخوته لأجله. غير أنه لا يخطئ عمداً واختياراً (انظر ص ٣: ٩ وتفسيره).
بَلِ ٱلْمَوْلُودُ مِنَ ٱللّٰهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ من الخطية المهلكة. اعتبر الرسول الأخ الخاطئ ابن الآب السماوي وإن خطئ كما أن يسوع يعتبره «لأنه يستحي أن يدعوهم إخوته» (عبرانيين ٢: ١١) ويحفظ المتجدد نفسه بقوة الله لا بقوته هو واجتهاده. فلو كان الإنسان هو الحافظ نفسه من الخطية والهلاك يئس من خلاصه فلا يحفظ المؤمنون أنفسهم من الخطية ما لم يحفظهم الله منها (يوحنا ١٧: ١١) إن عدوهم العالم قوي منتبه لكن الله حافظهم أقوى منه وهو لا ينعس ولا ينام.
وَٱلشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ ليجرحه جرحاً مميتاً (يوحنا ١٧: ١٥ وأفسس ٦: ١١ و١بطرس ٥: ٨ ورؤيا ٣: ١٠).
١٩ «نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ ٱللّٰهِ، وَٱلْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي ٱلشِّرِّيرِ».
ص ٤: ٦ ويوحنا ١٢: ٣١ و١٧: ١٥ وغلاطية ١: ٤
نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ ٱللّٰهِ أي نتيقن. إن هذا يصدق على نسبة المؤمنين (الذين هو واحد منهم) إلى الله فهو مصدر حياتهم الجديدة وهم متحدون به فيحيون بحياته. فالتباين بين المؤمنين المتحدين بالله وأهل العالم الذين تحت عبودية الشيطان تام (ص ٢: ٣ و٥ و٢٩ و٣: ٩ و٢٤ وص ٤: ٧ و١٣ و١٥ وص ٥: ١ و١٠).
وَٱلْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي ٱلشِّرِّيرِ أي إن الناس كلهم منفصلون عن الله وتحت سلطة الشيطان (غلاطية ١: ٤). فأراد «بالعالم» الجنس البشري و «بالشرير» الشيطان ويندرج في العالم شهواته ومبادئه وغاياته ومجراه ونهايته وهي كلها من لوازم الشركة مع الشيطان. كان المسيح كفارة للعالم كله ومخلص العالم كله ولولا ذلك لم يؤمن به أحد من العالم وانفصل عن العالم فإذاً يصدق قول الرسول الآن إن العالم كله بلا الإيمان وُضع في الشرير عدو الله.
٢٠ «وَنَعْلَمُ أَنَّ ٱبْنَ ٱللّٰهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ ٱلْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي ٱلْحَقِّ فِي ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. هٰذَا هُوَ ٱلإِلٰهُ ٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ».
ع ٥ يوحنا ٨: ٤٢ ولوقا ٢٤: ٤٥ ويوحنا ١٧: ٣ ورؤيا ٣: ٧ ويوحنا ١: ١٨ و١٤: ٩ وص ٢: ٢٣ ورؤيا ٣: ٧ ويوحنا ١: ١٨ و١٤: ٩ وص ٢: ٢٣ ص ١: ٢ ع ١١
نَعْلَمُ أَنَّ ٱبْنَ ٱللّٰهِ قَدْ جَاءَ أرسله الله فأتى وهو معنا الآن ويمكث فينا. وهذا موافق لقول المسيح لليهود «إِنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي» (يوحنا ٨: ٤٢). تيقّن الرسول وصرّح بما تيقّنه هنا أن ابن الله تجسد وسكن بين الناس وهذه آخر شهاداته في هذه الرسالة وأراد بها أن يؤكد للمؤمنين حياتهم الأبدية ويقيهم من السقوط في الضلال. فقول المسيح في الإنجيل «هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ» (متّى ٢٨: ٢٠) كرّره الرسول هنا. وأعظم كل الحقائق عنده إن الذي كان صديقاً وسيداً له منذ ما يزيد على ستين سنة أتضح أنه «كلمة الله المتجسد» (ص ١: ١ و٢ و٢: ١٣ و٣: ٥ و٨ و١٦ و٢٣ و٤: ٢ و٩ و١٠ و٥: ١ و٥ و٩ و١١).
وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ ٱلْحَقَّ أي أعطانا قوة التمييز بين الحق والباطل وبين الله والحق وكل ما سواه. ونعرف أن الله بشعورنا الباطن بما علّمنا إياه الروح القدس لأن تلك المعرفة إحدى مواهبه (ص ٢: ٢٠ و٢٧ ويوحنا ١٤: ٢٦ و١٦: ١٣). فالإله الحق الواحد يمتاز عن كل الآلهة الغريبة وكل ما سواه من معبودات الناس بدليل قول بولس لأهل تسالونيكي «كَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى ٱللّٰهِ مِنَ ٱلأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا ٱللّٰهَ ٱلْحَيَّ ٱلْحَقِيقِيَّ» (١تسالونيكي ١: ٩). والمسيح هو معلن الآب (يوحنا ١: ١٨ و١٤: ٩) وإعلان الآب بالمسيح وافٍ بما يفتقر البشر إليه ولا يفي بذلك إلا هو. ومعرفة الله بالمسيح هي الحياة الأبدية. وتحقق يوحنا أن تلاميذ المسيح مبنيون على الحق الكامل الثابت لأنهم آمنوا بابنه الحي وتمسكوا به.
وَنَحْنُ فِي ٱلْحَقِّ فِي ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أي أن المؤمنين الآن في شركة مع الله. وهذا تفسير لتلك الشركة فإنهم متحدون بالله بواسطة اتحادهم بالمسيح. وأشار بقوله «في ابنه يسوع المسيح» إلى كون هذا الابن إنساناً وإلهاً معاً. فالمؤمنون شركاء المسيح في كل ما له وكل ما عمل وكل ما سيكون له فماتوا معه ويحيون به وقاموا معه وسيجلسون معه «في السماويات» وتبرروا وأحبهم الآب بمحبته إياه وصاروا أبناء الله بنسبتهم إليه وورثة ميراثهم وسيمجدهم بمجده. فالمسيح في كل الذين يؤمنون به فهم يحيون ولكن ليسوا هم الذين يحيون بل المسيح هو الذي يحيا فيهم فهو حياتهم وقوتهم وموضوع ترنيمهم.
هٰذَا هُوَ ٱلإِلٰهُ ٱلْحَقُّ أي الله الآب هو الإله الخ كما أعلنه ابنه. فلو لم يكن الكلمة الله لم يستطع أن يُعلن الآب للناس.
وَٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ أي الله المعلن بابنه هو الحياة الأبدية وهذا معنى قوله «هٰذِهِ هِيَ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلإِلٰهَ ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ ٱلَّذِي أَرْسَلْتَهُ» (يوحنا ١٧: ٣). قابل بهذا (ع ١١ و١٢ و١٣).

الإنذار الأخير ع ٢١


٢١ «أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ ٱحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ ٱلأَصْنَامِ. آمِينَ».
ص ٢: ١ و١كورنثوس ١٠: ٧ و١تسالونيكي ١: ٩
أَيُّهَا ٱلأَوْلاَدُ اهتمامه بهم حمله على اتخاذ لقب المحبة الذي استعمله كثيراً في أول الرسالة وعدل عنه من (ص ٤: ٤) إلى هنا.
ٱحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ ٱلأَصْنَامِ هذا مثل تعليم يهوذا (ع ٢١). إنهم يستطيعون أن يحفظوا أنفسهم لأن المسيح يحفظهم ويشفع فيهم (يوحنا ١٧: ١١ و١٢). وهذا لا يعيقهم من إدامة الاجتهاد في أن يحفظوا أنفسهم. والمراد «بالأصنام» هنا كل ما يشغل موضع الله من القلب من موجود ومعدوم ومنظور وغير منظور ومادة وروح وهي تشتمل على معبودات الأمم الباطلة والوسطاء الموهومة يومئذ وكل ما يوثق به من المخلوقات الثقة التي يستحقها الله وحده بالمسيح من ملائكة وقديسين وغيرهم من البشر وأعمال صالحة وصور وتماثيل والكنيسة وأسرارها وكل ما يحجب بيننا وبين الله باعتبار كونه موضوع الإيمان والمحبة ويمنعنا من الإيمان به أو بالمسيح لأنه به وحده الحياة الأبدية. وهذا الإنذار احتاجت إليه الكنيسة في كل عصر لأن أقدس الأمور يمكن أن يكون عثرة أو صنماً لنا لأننا نميل إلى جعل كل ما نحبه صنماً ويُنقص محبتنا لله. فختم الرسول رسالته ختاماً غريباً فلم يأت بكلمة وداع ولا بركة على الكنيسة أو على أحد من أعضائها ولا دعاء لها. وهذا الأب المسيحي أظهر رقة قلبه عليهم بدعوته إياهم «أولاده» وبنصحه أخيراً لهم بأن «يحفظوا أنفسهم من الأصنام».

Call of Hope
P.O.Box 10 08 27
D - 70007
Stuttgart
Germany