مقدمة الرسالة

اختلف علماء الكنيسة المسيحية من الأزمنة القديمة إلى الآن على أمور كثيرة تتعلق بالرسالة إلى العبرانيين. والمسائل الرئيسية التي وقع عليها الاختلاف هي:

  • الأولى: الكاتب الذي كتبها.
  • والثانية: الجماعة التي كُتبت إليهم.
  • والثالثة: دخولها في قانون العهد الجديد أي بين كتبه القانونية.


فذهب اكليمندس الاسكندري إلى أن بولس الرسول كتبها في اللغة العبرانية ثم ترجمها لوقا إلى اليونانية ووافقه البعض بناء على وجود مشابهة لغوية بين هذه الرسالة وإنجيل لوقا وأعمال الرسل. وقال أرويجانوس إن معاني الرسالة لبولس والتصنيف للوقا وأنه موافق في ذلك لمن سبقه. وقال أيضاً لا يعلم أحد الكاتب إلا الله وحده. وقال ترتليانوس إن التقليد الجاري في كنائس أفريقيا الشمالية هو أن كاتبها كان برنابا. وكنائس إيطاليا وسائر الكنائس الغربية في القرون الأربعة والأولى لم تنسب الرسالة إلى بولس ولم تذكر اسم مؤلفها. ودام هذا الاختلاف مدة القرون الأربعة الأولى ثم اتفق عامة الآباء بعد التحقيق الطويل على أن بولس الرسول هو الكاتب ولم يزل هذا القول مقبولاً إلى أيام لوثيروس فقال أن أبلُس هو الكاتب ويوافقه بعض العلماء في هذا العصر بناء على ما ذُكر في (أعمال ١٨: ٢٤) فإن أبلّس كان اسكندرياً والمدرسة الاسكندرية كانت تستعمل الرموز والمعاني الغامضة وكان أبلّس رجلاً فصيحاً مقتدراً في الكتب المقدسة وكان خبيراً في طريق الرب وحار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب وهذا كله يوافق كاتب هذه الرسالة.
ومن الاعتراضات على القول بأن بولس هو المؤلف:

  • إن النفَس ليس نفَس بولس لأنه مرتب ومنتظم وهو كسير نهر عظيم في سهل وأمّا نفَس بولس فهو حاداً وكثيراً ما يخالف قوانين الإنشاء فيبتدئ الجملة ولا يكملها أو يشوشها ويطولها فيشبه سيلاً نازلاً من الجبال بقوة وهيجان (انظر أفسس ١: ٣ - ١٤ و١تيموثاوس ١: ٣ و٤).
  • إن موضوع الرسالة الأساسي كهنوت المسيح وهو موضوع لم يتكلم بولس فيه كثيراً. والإيمان في هذه الرسالة هو النظر في ما لا يرى وأما في رسائل بولس فهو النظر إلى يسوع غير أن هذا الاختلاف هو في مجرد النظر لا في التعليم.
  • إن المخاطبين في هذه الرسالة عبرانيون ولكن بولس كان رسولاً للأمم.


فنقول إننا لا نعرف الكاتب وعدم معرفتنا إياه لا تأثير له في تفسير الرسالة ولا في اعتبارنا إياها كلام الله.
وربما كان هذا الاختلاف على كاتب الرسالة هو السبب العظيم في إنكار البعض إنها من الكتب القانونية على أن لا يلزم من عدم معرفة اسم الكاتب رفض الكتاب من القانون لأنه يوجد بين الكتب المقدسة أسفار كثيرة لا يُعرف كاتبها بالتحقيق كأسفار القضاة والملوك والأيام وغيرها. غير أن الضروري في ذلك هو أن نعلم هل قبلها خلفاء الرسل الأولون بين الكتب القانونية ثم سلموها إلى من خلفهم مع بقية الأسفار الموحى بها. ولنا شهادات صريحة على أنها قُبلت في أول الأمر على الكيفية المذكورة. فإن اكليمنتوس الروماني الذي كتب في سنة ٧٠ أو ٩٥ أي في أواخر القرن الأول كان ينقل عن هذه الرسالة أكثر مما كتبه مشحون بما ورد فيها. ولم يرفضها أحد في القرن الثاني إلا الاراتيكيان باسيليدس ومارشيونوس ونرى مما وصل إلينا من تآليف ذلك القرن أنه أقرّ بها اكليمنتوس الروماني ويوستينوس الشهيد وبلنتوس أسقف كريت وسلفاء اكليمنتوس الاسكندري وأوريجانوس في الاسكندرية والذين ألفوا الترجمة السريانية عن العهد الجديد المعروفة بالبسيطة التي ظهرت في آخر القرن الثاني.
غير أنه عند نهاية المدة المذكورة آنفاً أي نحو منتهى القرن الثاني أخذت كنيسة أفريقيا الشمالية في إظهار الريب في سلطان هذا الرسالة القانوني. ووافقهم على ذلك بقية الكنائس التي كانت تشاركهم في التكلم باللغة اللاتينية فأضيفت إلى ترجمة الكتاب المقدس اللاتينية القديمة (نحو سنة ١٧٠) منسوبة لبرنابا وخالية من السلطان القانوني. واستمر الحال على ما ذُكر بين آباء الكنيسة الرومانية والإفريقية الشمالية نحو قرنين بعد ذلك فحذفها من القانون كيريانوس وترتوليانوس وفكترويتوس وغيرهم. ثم لما طال البحث في هذه المسئلة قبلها في القرن الرابع هيلاريوس وأمبروسيوس وفابيوس وغيرهم. وعند منتهى القرن المذكور قام أيرونيموس الذي كان أعلم آباء الكنيسة الغربية وجدد البحث فرأى من شهادة أقدم الآباء وشهادة الكنيسة وجميع الكنائس الشرقية ما أقنعه بأن هذه الرسالة من أسفار العهد الجديد القانونية ووافقه أوغستينوس. وبناء على مذهب هذين العالمين وافقت الكنائس اللاتينية الكنائس الشرقية وقبلت الرسالة بين الكتب القانونية وثبت حكمها في المجمع القرطاجي الثالث (سنة ٣٩٧).
وأما السبب الذي حمل كنيسة أفريقيا الشمالية والكنيسة اللاتينية على التردد في هذا الشأن فكان شدة اعتناء الكنيسة الأولى في البحث عن الشهادات الكافية لقبول الأسفار القانونية. فإنهم لما رأوا هذه الرسالة من غير اسم الذي كتبها مختلفة الأسلوب عن الرسائل الأُخر الرسولية لم يرضوا بحكم كنيسة الاسكندرية بأنها قانونية ولو كان كاتبها مجهولاً بل رفضوها على الإطلاق. غير أن ذلك كان محصوراً في الكنائس اللاتينية من منتصف القرن الثاني إلى نهاية الرابع خلافاً لما بقي من جميع الكنائس المسيحية التي اتفقت على قبولها من أول ظهورها حتى أنه لم يظهر أدنى ريب في شيء من هذا القبيل من كتب المؤلفين اليونانيين أو السريانيين. واما في الأزمنة المتأخرة فرفضها الكردينال كاجيتانوس وأقرّ بها إيراسيموس وكلفينوس وبيزا على أنهم ترددوا في أمر كاتبها. واصطلح جمهور الكنائس على وضعها عند آخر رسائل بولس ووضعها لوثيروس بعد رسالتي يعقوب ويهوذا قبل الرؤيا بناء على أن هذه الأسفار الأربعة أقل سلطاناً واعتباراً من أسفار العهد الجديد الأُخر.
فيظهر مما تقدم أن التقليد في الكنائس المسيحية كاف لوضع هذه الرسالة بين الكتب القانونية وإن التردد فيها نشأ في الكنائس البعيدة عن فلسطين حيث توزعت أولاً فلم يبلغها التقليد الشفاهي في ذلك الزمن ولا سيما بسبب خراب أورشليم وتشتيت كنيسة فلسطين الذي جرى من ذلك. ويظهر أيضاً إنه عند زيادة المعرفة وبعد البحث الطويل اتفقت جميع الكنائس القديمة والحديثة على قبولها بين الأسفار المقدسة.
نستنتج مما جاء في الرسالة نفسها أنها كُتبت قبل خراب أورشليم لأن ليس فيها إشارة إلى ذلك مع أن من المواضيع الرئيسية في الرسالة زوال الفرائض الموسوية وكان ذكر خراب أورشليم والهيكل موافقاً جداً لهذه الغاية لو كُتبت بعد الحوادث المذكورة. ويظهر من (عبرانيين ٢: ٣ و١٣: ٧) أن المخاطَبين لم يكونوا من العصر الأول من المؤمنين لأنهم كانوا قد تسلموا الإنجيل من سلفائهم. ويظهر من (ص ١٣: ٢٣) أن الرسالة كُتبت بعد إطلاق تيموثاوس فالأرجح أنها كُتبت نحو سنة ٦٨ ب. م. وقيل أنها كُتبت أولاً باللغة العبرانية ثم ترجمها لوقا إلى اليونانية وأول من قال بذلك اكليمندس الاسكندري ووافقه أوسابيوس وثيودوريتوس ووإيرونيموس وغيرهم من الآباء المتأخرين. غير أنه يظهر أن الترجمة البسيطة السريانية منقولة عن أصل يوناني لا عبراني وقال العلامة بليك أن لغتها اليونانية فصيحة لا يظهر عليها لوائح الترجمة وأن الآيات المنقولة في هذه الرسالة عن العهد القديم مأخوذة عن الترجمة السبعينية لا عن الأصل العبراني فلا يتفق أنها كُتبت باللغة العبرانية. وله أدلة غير ما ذُكر يظهر منها أنها كُتبت باللغة اليونانية فيكون ما بين أيدينا الآن هو الأصل الحقيقي لا ترجمة عنه.
وأما الجماعة الذين كُتبت إليهم فهم على ما قال يوحنا فم الذهب اليهود المؤمنون الذين كانوا في أورشليم وفلسطين. وعنوان الرسالة وهو «الرسالة إلى العبرانيين» في جميع النسخ والترجمات القديمة. ويظهر ذلك أيضاً من مضمون الرسالة لأن غايتها بيان فضل الديانة المسيحية على الرسوم الموسوية. ففي (ص ١: ١) ما نصه «الله بعدما كلم الآباء». وفي (ص ١٢: ١٦) لما ذكر التجسد قال ما مفاده أن يسوع أمسك نسل إبراهيم ولم يقل أمسك الطبيعة البشرية. وقال في (ص ٤: ٩) «بقيت راحة لشعب الله» أي لا يميز بين اليهود والأمم. وكل الإشارات إلى خدمة الهيكل تدل على أن قراء الرسالة عرفوها واعتبروها.
والرسالة تختلف عن بقية الرسائل إلا رسالة يوحنا الأولى بأنها خالية من اسم الكاتب في مقدمتها وتشبه الرسائل الرسولية بأن فيها تحريضات شخصية وتبليغ السلام لأناس معلومين. ثم أن حجة الرسول وموضوع الكلام لا يوافقان إلا اليهود العارفين بالرسوم الموسوية ورسوم خدمة الهيكل التي يُشار إليها على الدوام في هذا الرسالة غير أنه يُشاهد فيها من روح الفلسفة المعروفة بالاسكندرية ما حمل البعض إلى أنها كُتبت لعامة اليهود المؤمنين من غير اختصاص. وقال جمهور المحققين أنها كُتبت ليهود أورشليم أو فلسطين وهو الأرجح.
وكانت الكنائس المسيحية الكثيرة المتفرقة في اليهودية (أعمال ٩: ٣١) عرضة حينئذ لاضطهاد اليهود (١تسالونيكي ٢: ١٤) الذي كان يزيد بزيادة عدد الكنائس وانتشر شغب الأمة اليهودية حتى بلغ في ثورة سنة ٦٦ الحكم الروماني فنشأ عنه خراب أورشليم والهيكل المقدس. وفي مدة الاضطهاد المذكور قُتل يعقوب أسقف أورشليم شهيداً (أعمال ١٢: ١ و٢) وظهر أيضاً بينهم جماعة أصلهم من الفرقة الفريسية كانوا ينادون بوجوب الرسوم الموسوية (أعمال ١٥: ١ و٥) فكان الضعفاء منهم في خطر عظيم من الارتداد إلى الديانة اليهودية. ولذلك كُتبت هذه الرسالة لهم لأجل تثبيتهم في الإيمان المسيحي.
وبناء على ما تقدم إذا نظرنا إلى باطن هذه الرسالة وجدنا أنها خطاب موجه إلى اليهود المسيحيين الذين كانوا في خطر الارتداد فحثهم الكاتب على الثبات في الإيمان المسيحي وحذرهم من الرجوع إلى الديانة اليهودية. وهي في غاية الموافقة لهذا الغرض العظيم لأن الكاتب قد أثبت فيها فضل الديانة المسيحية على اليهودية وأنها الحقيقة التي أشارت إليها رموز الشريعة الموسوية وتمت فيها. والديانة المسيحية كما رسمها المؤلف عهد بين الله والناس وبموحب هذا العهد هو إلههم وهم شعبه (ص ٨: ١٠) فلا يذكر خطاياهم بل هم مقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة (ص ١٠: ١٠) والعهد المرموز إليه والذي رجاءه شعب الله صار حقيقة بالمسيح وهو ثابت وباق إلى الأبد لأن المسيح حي في كل حين (ص ٩: ١٢).
وكان أمام اليهود لما نظروا إلى الديانة المسيحية ثلاث معثرات:

  • نقض الرسوم الموسوية.
  • آلام المسيح.
  • عدم وجود كهنة وحُلل وجسديات العبادة. وقد نظر المؤلف إلى ذلك كله من ثلاثة أوجه:



  • فضل المسيح وسيط العهد الجديد على الملائكة الذين استخدمهم الله وسطاء في إعلان العهد القديم (ص ١ و٢).
  • فضل المسيح رئيس العهد الجديد على موسى رئيس العهد القديم (ص ٣ و٤).
  • فضل المسيح حبر الديانة المسيحية العظيم على أحبار اليهود وفضل خدمته على خدمتهم لأن خدمتهم كانت رمزاً إلى الحقائق التي أجراها المسيح وظلاً لخيرات الديانة المسيحية (ص ٥ - ١٠).


وكثيراً ما عدل المؤلف في أثناء الكلام إلى حثهم على الثبات في الإيمان فذكر لهم أمثلة مشهورة على ذلك مأخوذة من سيرة رجال الله في العهد القديم (ص ١١). وثم ختم الرسالة بنصائح وتحذيرات ووصايا للتمسك بالديانة المسيحية والسلوك بمقتضى أوامرها وروحها (ص ١٢ و١٣).
اَلأَصْحَاحُ ٱلأَوَّلُ


لما كان قصد المؤلف في هذه الرسالة مدح الديانة المسيحية وتحريض اليهود المؤمنين على الثبات فيها وعدم الارتداد عنها بدأ بالقول أن المسيح الذي وُكل إليه إعلان العهد الجديد هو أفضل من الأنبياء الذين وُكل إليهم العهد القديم لأنه رب المسكونة وخالقها (ع ١ و٢) وهو صورة الله الحقيقية. وبعد أن كفّر عن خطايا البشر رُفع إلى أعالي المجد في السماوات (ع ٣). وهو أعظم من الملائكة لأن اسمه ابن الله أعظم من اسمهم (ع ٤ و٥) والملائكة تسجد له وما هم إلا رسل الله (ع ٦ و٧). والمسيح ملك ملكه مستقيم أبدي وهو أرفع من جميع الملوك لسبب محبته للبر (ع ٨ و٩) وهو خالق السماوات والأرض لا يتغير ولا يفنى (ع ١٠ - ١٢) وليست كذلك الملائكة (ع ١٣). بل هم خدمة لنفع الذين يرثون الخلاص (ع ١٤).
١ «اَللّٰهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ ٱلآبَاءَ بِٱلأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ».
خروج ٣: ٤ وعدد ١٢: ٦ و٨ ودانيال ٢: ١٩ و١٠: ٨
كان بولس في جميع رسائله يذكر أولاً اسمه واسماء المخاطبين كقوله في (رومية ١: ١ - ٧) «بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ... إِلَى جَمِيعِ ٱلْمَوْجُودِينَ فِي رُومِيَةَ» وأما كاتب الرسالة إلى العبرانيين فلم يذكر اسمه ولا أسماء المرسَل إليهم بل ابتدأ بموضوع السفر بلا مقدمة.
اَللّٰهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ ٱلآبَاءَ أي سلفاء اليهود (لوقا ١: ٧٢ و١١: ٤٨ ورومية ٩: ٥) ويظهر من هذه التسمية أن كاتب هذه الرسالة كان يهودياً يخاطب أبناء جنسه. والمراد بأن «الله كلم الآباء» أي أعلن لهم إرادته تعالى.
بِٱلأَنْبِيَاءِ بواسطة الأنبياء وهم جميع الذين استخدمهم الله واسطة لإعلان ما أراد أن يوحي به في العهد القديم. والمراد «بالأنبياء» هنا جميع الذين أرسلهم الله ليعلنوا للناس إرادته في المستقبل أو في الحاضر لا الذين أعلنوا المستقبلات فقط.
قَدِيماً في الزمن القديم بالنسبة إلى الزمن الذي كتب فيه الكاتب أو مدة العهد القديم بالنسبة إلى العهد الجديد. وربما كانت الإشارة في ذلك إلى انقطاع النبوءة من زمان ملاخي وهو آخر أنبياء العهد القديم وكان قبل المسيح نحو ٤٠٠ سنة.
بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ لا فرق في المعنى بين «الأنواع والطرق» في الترجمة العربية وهكذا الكلمتان في الأصل اليوناني على مذهب بعض المفسرين. وقال غيرهم أن الكلمة الأولى تفيد التجزئة والثانية الكيفية أي أن الله لم يُعلن الديانة دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً بالتتابع لنبي بعد آخر ولم يكن ذلك على كيفية واحدة بل على كيفيات كثيرة فكلم إبراهيم بواسطة ملائكة ويعقوب بواسطة حُلم وموسى من العليقة المشتعلة وصموئيل في النوم إلى غير ذلك.
٢ «كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ ٱلأَخِيرَةِ فِي ٱبْنِهِ ٱلَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ ٱلْعَالَمِينَ».
تثنية ٤: ٣٠ وغلاطية ٤: ٤ وأفسس ١: ١٩ ويوحنا ١: ١٧ و١٥: ١٥ وص ٢: ٣ ومزمور ٢: ٨ ومتّى ٢١: ٣٨ و٢٨: ١٨ ويوحنا ٣: ٣٥ ورومية ٨: ١٧ ويوحنا ١: ٣ و١كورنثوس ٨: ٦ وكولوسي ١: ١٦
كَلَّمَنَا نحن كما كلم الآباء في العهد القديم.
فِي هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ ٱلأَخِيرَةِ بعض المحققين يحذفون كلمة «الأخيرة» من المتن لعدم وجودها في بعض النسخ القديمة ولا يتغير المعنى بهذا الحذف لأن المراد ظاهر من مقابلة قوله «هذه الأيام» بقوله «قديماً» في العدد السابق والمعنى العهد المسيحي الجديد بالنسبة إلى العهد اليهودي القديم.
فِي ٱبْنِهِ لم يُذكر الضمير المضاف «ابن الله» في الأصل اليوناني والمعنى بمقتضاه أنه كلم الله الآباء بالأنبياء وأما نحن فكملنا بابنٍ والمقصود هو المسيح فإن التكلم بواسطة ابن أعظم جداً من التكلم بواسطة عبد. ولم يكلم الناس بتعليم المسيح فقط بل كلمهم فوق ذلك بأعماله وسيرته وجميع صفاته فكان هو الكلمة لا مجرد المتكلم في الله ولا يمكن الناس أن يعرفوا الله معرفة حقيقة بواسطة الأنبياء بل بالابن لأن الابن هو الله.
ٱلَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ أي أعطاه المُلك التام المطلق لأن الوراثة هنا على سبيل المجاز ولا محل لمعناها الأصلي في هذا المقام.
ٱلَّذِي بِهِ أَيْضاً أي بواسطته.
عَمِلَ أي خلق.
ٱلْعَالَمِينَ وفي الأصل الدهور وهكذا فسرها البعض بمعنى دهور الدنيا وأدوارها ولكن الإشارة واضحة إلى خلق العالم بأسره أو العالمين وهذا المعنى موافق لما ورد في (أفسس ٣: ٩ وكولوسي ١: ١٥ و١٦ ويوحنا ١: ٣ و١٠) وغيرها.
وأحوال المسيح الثلاث مذكورة هنا وهي:

  • كونه منذ الأزل وهذا في قوله «الذي به عمل العالمين».
  • تجسده وهو في قوله «كلمنا بابنه»
  • ارتفاعه وهو في قوله «جعله وارثاً لكل شيء».


٣ «ٱلَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ ٱلْعَظَمَةِ فِي ٱلأَعَالِي».
يوحنا ١: ١٤ و١٤: ٩ و٢كورنثوس ٤: ٤ وكولوسي ١: ١٥ ويوحنا ١: ٤ وكولوسي ١: ١٧ ورؤيا ٤: ١١ وص ٧: ٢٧ و٩: ١٢ و١٤ و٢٦ ومزمور ١١٠: ١ وأفسس ١: ٢٠ وص ٨: ١ و١٠: ١٢ و١٢: ٢ و١بطرس ٣: ٢٣
ٱلَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ أي أن المسيح هو ضياء نور الله.
وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ أي صورة ذاته تعالى والمعنى في كل ذلك مجازي مستعار من الشمس ونورها والشيء وصورته أي أن الله المحجوب عن أبصارنا قد أعطانا صورته أو رسمه في المسيح إذ تلطف نور الله الذي لا يُدنى منه في سر التجسد. وبناء على ذلك لا يكون المراد هنا بيان النسبة الأزلية بين الآب والابن كما ذهب البعض بل المراد إعلان الله ذاته لنا في ابنه. وهذا يوافق قول يوحنا «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا ١: ١٨). وقوله أيضاً «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا ١٤: ٩). وأيضاً «ٱلَّذِي يَرَانِي يَرَى ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا ١٢: ٤٥). والحق أن الله لم يُعلن لنا إرادته فقط بواسطة المسيح ولكنه أعلن لنا صفاته كما يمكن ظهورها في الإنسان يسوع المسيح. فنتعلم:
(١) إن مجد المسيح هو من الله كالضوء من الشمس لأنه بهاء مجده.
(٢) إن للمسيح مجداً في ذاته كما أن صورة الخاتم (رسم جوهره) في الطين هي من الخاتم ومثله ولكنها كائنة بذاتها. فيتميز المسيح عن المؤمنين الذين يعكسون مجد الله ولكن ليس لهم مجد في نفوسهم. وفهم بعضهم أن «المجد» المذكور هو مجد المسيح قبل التجسد والأرجح أنه مجده بعده. والمجد ليس في الأمور الخارجية كمجد ملوك العالم بل في المسيح ذاته وفي صفاته كقداسته وحكمته ومحبته.
وَحَامِلٌ أي مدبّر ومدير.
كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ كل العالم.
بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ بكلمته القديرة فهو كالقول «ليكن نور فكان نور» (تكوين ١: ٣). وأيضاً «لأنه قال فكان هو أمر فصار» (مزمور ٣٣: ٩) فكما أن المسيح خلق العالم هو أيضاً الذي يسوسه ويدبره بحكمته. وهي شهادة صريحة بأن المسيح إله وبفضل الديانة التي وضعها على تلك التي جاءت للآباء في أزمنة متقطعة وطرق كثيرة على يد الأنبياء والملائكة.
بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ أي بموته (ص ٢: ١٤) وبدمه ص ٩: ١٢).
تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا أي تكفيراً عنها. هكذا الترجمة السبعينية عن العبراني (خروج ٢٩: ٣٦ و٣٠: ١٠) وسيأتي معنى التطهير المذكور في سياق هذه الرسالة.
جَلَسَ فِي يَمِينِ ٱلْعَظَمَةِ فِي ٱلأَعَالِي أي في السماء وهذا الجلوس كناية عن الارتقاء والحكم والتسلط (انظر ع ١٣).
٤ «صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ ٱسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ».
أفسس ١: ٢١ وفيلبي ٢: ٩ و١٠
صَائِراً بعد أن صنع تطهيراً وجلس في يمين العظمة.
أَعْظَمَ مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ في طبيعة ناسوته كما كان في طبيعة لاهوته (انظر العدد السابق).
بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ نال.
ٱسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ هو «ابن الله» وهو اسم خاص به وإن قيل أنه يُطلق أحياناً على الملائكة والبشر فالجواب أن تخصيص هذا الاسم بالمسيح هو على معنى غير ما يُقال في الملائكة والبشر أنهم أبناء الله.
٥ «لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: أَنْتَ ٱبْنِي أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ؟ وَأَيْضاً: أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ٱبْناً؟».
مزمور ٢: ٧ وأعمال ١٣: ٣٣ وص ٥: ٥ و٢صموئيل ٧: ١٤ و١أيام ٢٢: ١٠ و٢٨: ٦ ومزمور ٨٩: ٢٦ و٢٧
لما ذكر الكاتب في الآية السابقة «إن المسيح أعظم من الملائكة لأنه ورث اسماً أفضل منهم» أثبت ذلك من العهد القديم فاقتبس آيتين بهذا المعنى تشيران إلى كون المسيح قد سمي «ابن الله». فالأولى مقتبسة من (مزمور ٢: ٧) والإشارة فيها ظاهرة إلى المسيح لأن وصف النبي لا يصدق إلا عليه كما يظهر من مراجعة (ع ١ و٨ و١٢) وإذا صدق جزئياً على داود فإنما لأنه كان رمزاً للمسيح. والثانية مأخوذة من (٢صموئيل ٧: ١٤) حيث الإشارة في أول الأمر إلى سيلمان ثم على الطريقة النبوية إلى المسيح (ع ١٣ و١٦) الذي كان سليمان رمزاً إليه. وبالضرورة كان اليهود في عهد الكاتب يسلمون بأن هذه الآيات تشير إلى المسيح ولو أنكروا ذلك الآن على أنه يمكن إثبات هذا الأمر من تفاسير علمائهم الأولين وإلا فلا نظن أن الكاتب كان يقتبسها.
لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: أَنْتَ ٱبْنِي استفهام إنكاري والمعنى أنه لم يقل قط لأحد منهم «أنت ابني» الخ. وإن قيل أنه قد ورد ذكرهم أحياناً بهذا الاسم فالجواب أنه لم يُقصد معنى واحد في الاسمين لأن الواحد يشير إلى بنوة مجازية مكتسبة والثاني إلى بنوة حقيقية أصلية كما يظهر لدى التأمل في نسبة المسيح ونسبة الملائكة إلى الله. وفي قوله «لمن» ربما إشارة إلى مراتب في الملائكة لأن الكلام يشير إلى وجود بعضهم أعلى من بعض فلا علاهم لم يقل أنت ابني.
أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ أكثر المفسرين يحملون هذا الكلام على طبيعة الناسوت لأن اللاهوت في المسيح أي أنه قيل بالنظر إلى اتخاذه صورة الإنسان ويفهمون قوله «ولدتك» بمعنى جعلتك وأثبتك كما قال الملاك لمريم قبل ولادته وكما نزل الصوت عند معموديته وعند تجلّيه على الجبل وعند قيامته من الأموات (رومية ١: ٤) ففيها جميعها قد سمي المسيح «ابن الله» باعتبار أن الأقنوم الثاني قد صار إنساناً. وهذا وإن قَيد الظرفية في قوله «اليوم» لا يصح أن يقال في ولادته الازلية بل في ولادته في زمان. وأما قول أوغستينوس إن كل زمان لله إنما هو اليوم وأنه بالنسبة إليه تعالى لا يوجد ماض ومستقبل وإن المراد بهذا القول ولادة أقنوم المسيح من الله الآب في الأزل ففيه نظر على ما سبق.
وَأَيْضاً: أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ٱبْناً (٢صموئيل ٧: ١٤) قد سبق التفسير في بداءة الكلام على هذه الآية. وربما وجب أن نفهم من قوله «أكون» «وهو يكون» في المضارع ولادة المسيح بالجسد لا ولادته الأزلية.
٦ «وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ ٱلْبِكْرَ إِلَى ٱلْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ ٱللّٰهِ».
رومية ٨ : ٢٩ وكولوسي ١: ١٨ ورؤيا ١: ٥ تثنية ٣٢: ٤٣ حسب ٧٠ ومزمور ٩٧: ٧ و١بطرس ٣: ٢٢
هنا يقدم الكاتب برهاناً جديداً على كون المسيح أفضل من الملائكة وهو أنهم أُمروا أن يسجدوا له. وقد ارتبك العلماء في هذا الاقتباس لأنه يوجد في اليونانية في مكانين من العهد القديم. الأول (تثنية ٣٢: ٤٣) حسب الترجمة اليونانية السبعينية لكن لا وجود له في الأصل العبراني ولا في جميع نسخ الترجمة اليونانية بل هو في بعضها فقط فضلاً عن أن القرينة لا تدل على كون المسيح هو المشار إليه. غير أن الاقتباس حرفي عن المكان المذكور وليس هو كذلك عن المكان الثاني وهو (مزمور ٩٧: ٩). فرفض بعضهم كون الاقتباس عن المكان الأول للأسباب التي ذُكرت. وقال غيرهم أن الكاتب استخدم كلمات الترجمة اليونانية ليعبر بها عن أمر جرى فعلاً عند ولادة المسيح لما ظهر للرعاة ملائكة يسبحون. وبعضهم يقول بل الاقتباس عن المحل المذكور فهو قراءة من القراءات في النسخ القديمة على عهد الترجمة فيجوز النقل عنها. وربما رأى أكثر المفسرين النقل عن (مزمور ٩٧: ٧) والمانع هنا أن النقل ليس نصاً وإن الألهة المشار إليهم في الأصل غير الملائكة على أن الترجمة السبعينية ذكرت الملائكة عوضاً عن الآلهة. وبعضهم يرى عدم موافقة في تفسير العبارة كما وقعت في المزامير باعتبار أنها في شأن المسيح ولكن من يراجع المزمور المذكور يجد أنه لم يُذكر فيه غير اسم الله فيكون نبوءة صريحة بمُلك المسيح وخراب ملكوت الظلمة وفرح الكنيسة في ذلك. ولا يلزم أن يكون النقل نصاً لأنه ليس كذلك في أكثر الاقتباسات المنقولة في العهد الجديد عن القديم.
وَأَيْضاً برهان جديد على فضل المسيح على الملائكة أو اقتباس جديد.
مَتَى أَدْخَلَ ٱلْبِكْرَ إِلَى ٱلْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ ٱللّٰهِ أي عند تأنّسه - «البكر» أما الوحيد أو مجاز للشرف ورفعة المقام مأخوذ عن شرف البكر ورفعته عند الناس وهكذا قوله «بكر كل خليقة» (كولوسي ١: ١٥ ورؤيا ٣: ١٤).
٧ «وَعَنِ ٱلْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: ٱلصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ».
مزمور ١٠٤: ٤ ودانيال ٧: ١٠ وزكريا ٦: ٥
في هذه الآية وما بعده يتتبع الكاتب المقابلة بين المسيح والملائكة لأجل إظهار فضله وسموه عليهم - وهي مقتبسة من (مزمور ١٠٤: ٤) في كلام النبي في عظمة الله في أعماله وعنايته واستخدامه للملائكة.
وَعَنِ ٱلْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: ٱلصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً قال بعض اليهود أن المعنى في الأصل العبراني هو أن الرياح هي المرسلة من الله لأجل خدمته فيجعلون المفعول الأول مسنداً إلى الثاني وينكرون أن للملائكة دخلاً في هذا المقام والحال أن ترتيب الكلمات في الأصل هو كما في الترجمة وأن المعنى المقصود ظاهر في العربية كما في العبراني. وقوله «رياحاً» من باب التشبيه لإظهار معنى الخفة والسرعة.
وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ أي كلهيب نار من باب التشبيه أيضاً لما ذكر «الملائكة» بلفظ «خدامه» عرف أن عمل الملائكة الخدمة كما قال في (ع ١٤) «أنهم أرواح خادمة مرسلة للخدمة».
٨، ٩ «٨ وَأَمَّا عَنْ ٱلابْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللّٰهُ إِلَى دَهْرِ ٱلدُّهُورِ. قَضِيبُ ٱسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. ٩ أَحْبَبْتَ ٱلْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ ٱلإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ مَسَحَكَ ٱللّٰهُ إِلٰـهُكَ بِزَيْتِ ٱلابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ».
مزمور ٤٥: ٦ و٧ وإشعياء ٩: ٧ وإشعياء ٦١: ١ وأعمال ٤: ٢٧ و١٠: ٣٨
الآيتان اقتباس من (مزمور ٤٥: ٦) وقد أتى بهما الكاتب لأجل مقابلة المسيح بالملائكة كونه إلهاً وكونهم خدَمة. هو ملك وملكه لا ينتهي وأما هم فمأمورون هو يحكم على البشر ويرعاهم ويسوسهم حسب مبادئ العدل والاستقامة وأما هم فاستخدمهم الله في إنزال الشريعة التي كان معظمها ترتيبات خارجة. ولكن هل كان المزمور المأخوذ عنه هذا الكلام أُغنية كُتبت وأُنشدت عند زيجة سليمان بإحدى بنات الملوك أو هل متجه للمسيح والكنيسة؟ أكثر العلماء يسلمون بالقول الأول غير أن الجميع يهوداً ومسيحيين يحملون كلام المزمور على المسيح أيضاً وبنوع أولى لأنه فضلاً عن تسميته «بكلمة الله» يقال أن «ملكه ملك أبدي» وهذا لا يصدق على سليمان.
وَأَمَّا عَنْ ٱلابْنِ لا عن الملائكة قال.
كُرْسِيُّكَ الكرسي المجلس الذي جرت عادة الملوك أن تجلس عليه في معاطاتهم أحكام المملكة وهو مستعمل هنا على سبيل المجاز للسلطان.
يَا أَللّٰهُ نداء ولا يظهر أن الأصل يحتمل تأويلاً آخر كما حاول البعض في ترجمة العبارة «كرسي إلهك» أو «كرسيك الإلهي».
إِلَى دَهْرِ ٱلدُّهُورِ أي إلى الأبد.
قَضِيبُ ٱسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ «القضيب» المذكور هنا هو صولجان الملك الذي يشار به إلى إجراء الأحكام وإنفاذ الإرادة الملكية وسمي «قضيب استقامة» لأن هذه الأحكام وهذه الإرادة لا تكون إلا على الاستقامة أي حسب العدل والإنصاف.
أَحْبَبْتَ ٱلْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ ٱلإِثْمَ تفسير لقوله «قضيب استقامة قضيب ملكك» فإن الاستقامة هي محبة البر وبغض الإثم.
مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ مَسَحَكَ ٱللّٰهُ إِلٰـهُكَ بِزَيْتِ ٱلابْتِهَاجِ المسح وهو عبارة عن دهن الرأس كان في الزمان القديم رسماً خارجياً عند تعيين الملوك وإقامتهم (انظر تفسير ١صموئيل ١٠: ١ و١٦: ١٣ ومزمور ٢: ٢). وكان يُستعمل أيضاً في أوقات الفرح والإشارة هنا إلى إقامة المسيح في رتبته الملكية غير أن مسحه لم يكن بدهن مطيب مقدس وإنما كان بالروح القدس الذي حل عليه عند معموديته وعلى رسله بوعد خاص من الآب. وترجم بعضهم الأصل بهذه الكلمات مسحك يا الله إلهك وهو يحتملها.
أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ أو رفقائك كما تُرجمت إلى العربية في المزمور المذكور. وقد اختلفوا على المراد فالبعض يقول هم الملوك أي أن رتبة المسيح الملكية أفضل من ملوك الأرض. والبعض يذهب إلى أن المراد هنا شعب المسيحيين الذين قيل فيهم «أنهم ملوك ممسوحون لله وكهنوت مقدس» (١بطرس ٢: ٩) والمسيح أفضلهم ورأسهم. وربما المعنى هنا مجاز للدلالة على الارتقاء الفائق على جميع أصحاب الرُتب العالية في السماء والأرض وعلى جميع الذين مسحوا من ملوك وأنبياء وكهنة.
١٠ - ١٢ «١٠ وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي ٱلْبَدْءِ أَسَّسْتَ ٱلأَرْضَ، وَٱلسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. ١١ هِيَ تَبِيدُ وَلٰكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، ١٢ وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلٰكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى».
مزمور ١٠٢: ٢٥ الخ إشعياء ٣٤: ٤ و٥١: ٦ ومتّى ٢٤: ٣٥ و٢بطرس ٣: ٧ و١٠ ورؤيا ٢١: ١
آيات أخر من العهد القديم لأجل إثبات سموّ المسيح وعدم تغيره وأمانته وهي مأخوذة عن (مزمور ١٠٢: ٢٥ - ٢٧) حيث يتكلم النبي في بدائته على خَدَمة الله الذين يحزنون على حال الكنيسة ثم على وقت افتقادها وخلاصها بواسطة المسيح ثم في كلمات الآية على المسيح نفسه في أمانته لعهده وثباته في تخليص العالم.
وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي ٱلْبَدْءِ أي بدء الزمان الذي قبله لم يكن زمان.
أَسَّسْتَ ٱلأَرْض جعلتها ثابتة غير معرضة للخراب من حوادث الأفلاك أو بمعنى أنه خلق المواد التي بعد ذلك أتقنها على حالها الحاضر كما يعتقد أهل الجيولوجيا الآن.
وَٱلسَّمَاوَاتُ كانوا يفهمون بالسماوات جميع ما فوق الأرض وما ميّزوه عنها كالشمس والقمر والكواكب والنجوم إلى غير ذلك مما يُشاهد أعلى الأرض.
هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ مستعار من الإنسان إلى الله فالإنسان يعمل بيديه وأما الله فيخلق بكلمته وإرادته بقوله كن فيكون فنُسب عمل الأيدي مجازاً له تعالى.
هِيَ تَبِيدُ (ع ١١) أي تتلاشى.
وَلٰكِنْ أَنْتَ تَبْقَى العالم آيل أخيراً إلى الخراب إذا لم يكن للتلاشيء الذي ينكره العلماء الطبيعيون وأما الله فلا يمسه شيء من ذلك بل هو الحي الباقي.
وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى شبّه عالم الطبيعة بالثوب الذي بعد الاستعمال يرثُّ.
وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا (ع ١٢) أي تعزلها بعد إتمام خدمتها وربما أراد أن السموات التي ذُكرت كأنها بساط ممدود يطوى أخيراً (إشعياء ٣٤: ٤).
فَتَتَغَيَّرُ أي لا تبقى على حالها الأول.
وَلٰكِنْ أَنْتَ أَنْتَ لا تتغيّر.
وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى لا تنقص ولا تنتهي إلى الأبد. فالأرض والسماوات تخلقان وتصيران إلى العدم أو الخراب ولكن الله لا يتغير لا في ذاته ولا في مقاصده ولا في أمانته في عهده بل هو أمساً واليوم وإلى الأبد.
١٣ «ثُمَّ لِمَنْ مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟».
مزمور ١١٠: ١ ومتّى ٢٢: ٤٤ ومرقس ١٢: ٣٦ ولوقا ٢: ٤٢ و٤٣ وع ٣ وص ١٠: ١٢
ما زال الكاتب يقتبس الآيات من العهد القديم وقد أثبت منها أن المسيح هو ابن الله بمعنى لم تحرزه الملائكة أو غيرهم وأن الملائكة مأمورون بالسجود له وأنه ملك مقام ليحكم العالم بالاستقامة وأنه إله غير متغير وأنه سيقهر أخيراً جميع أعداء الله فيصير الحكم لله الآب - وأما الملائكة فخدضمة مأمورون.
ثُمَّ لِمَنْ مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ استفهام إنكاري أي أنه لم يقل قط لأحد منهم ما سيرد.
ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي دلالة على الارتقاء الأسمى ومعاطاة السلطان والحكم.
حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ مجاز لقهر أعداء الحق والبر على الأرض مأخوذ من عادة الملوك الأولين الذين كانوا يطأون أعناق الذين غلبوهم وكسروهم في الحرب.
١٤ «أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحاً خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ ٱلْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا ٱلْخَلاَصَ!».
تكوين ١٩: ١٦ و٣٢: ١ و٢ و٢٤ ومزمور ٣٤: ٧ و٩١: ١١ و١٣: ٢٠ ودانيال ٣: ٢٨ و٧: ١٠ و١٠: ١١ ومتّى ١٨: ١٠ ولوقا ١: ١٩ و٢: ٩ و١٣ وأعمال ١٢: ٧ الخ و٢٧: ٢٣ ورومية ٨: ١٧ وتيطس ٣: ٧ ويعقوب ٢: ٥ و١بطرس ٣: ٧
أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحاً خَادِمَةً أي الملائكة الذين شأنهم الخدمة في تنفيذ أوامر الله.
مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ ٱلْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا ٱلْخَلاَصَ كيف يستخدمهم الله في ذلك لا نعلم أهو بالحراسة كقول بعضهم بالملائكة الحراس لدفع الاضرار الجسدية أو الروحية أو بطريق أخرى لا نعلمها - لا نعلم أكثر مما أوحي أن الله يستخدمهم لأجل شعبه في ما يؤول إلى خيرهم فما أبعد ما أعلنه الله لنا بهذا الشأن عن اتخاذهم موضوعاً للصلاة والعبادة والشفاعة.
فوائد



  • استخدم الله قديماً لإعلان إرادته أناساً كثيرين مختلفين النفَس والعادات والأزمنة واجتمعت أقوالهم في الكتاب المقدس فصارت كتاباً واحداً ذا موضوع واحد وغاية واحدة كأنها تأليف مؤلف واحد لأن الجميع كتبوا بالوحي وكلامهم كلام الله.
  • إن الله لم يُعلن للبشر جميع ما أراده دفعة واحدة بل بالتتابع والزيادة إلى أن تناهى وحي العهد القديم عند ظهور المسيح. غير أن جميع ما وصل إلينا بواسطة رجال الله في العهد القديم والجديد يُنسب إلى الله الذي كلمهم وأوحى إليهم ولذلك كان من الواجب علينا أن ندرس باجتهاد الكتب الإلهية وأن نؤمن بما أُعلن فيها ونخضع لما أمرت به.
  • إن الله أعلن نفسه لنا إعلاناً خاصاً في المسيح الذي هو ابنه تعالى وبهاء مجده وصورة جوهره. فأظهر لنا في التعليم والمثال ما هي الصفات الإلهية وما هي السيرة الصالحة التي يرضى بها تعالى.
  • لما كان المسيح هو صانع الفداء كان عمله تاماً وهو أساس الحياة الأبدية لجميع الذين يؤمنون به.
  • لما كان المسيح إلهاً حقيقياً أُمرت الملائكة بالسجود له فالذين يسجدون له ويعبدونه مثلهم لا يخالفون الأمر الإلهي القائل «لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (متّى ٤: ١٠).




اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي


يُقسم مضمون هذا الأصحاح إلى قسمين الأول نتيجة مبنية على ما تقدم في الأصحاح الأول وهي أنه إذا كان الإنسان يُعاقب على مخالفته للشريعة القديمة التي أُعلنت بأفواه أنبياء وملائكة كان الأولى عقاب من أهمل الخلاص المعروض عليه في الديانة المسيحية التي أُعلنت بفم ابن الله الذي هو أفضل بما لا يُقاس من الملائكة وأُثبتت بآيات وعجائب كثيرة. وهذا القسم معترض في كلام الكاتب على فضل المسيح على الملائكة وهو يشغل الكلام من (ع ١ - ٤).
والقسم الثاني رجوع إلى المقابلة التي سبق ذكرها في الأصحاح الأول غير أنه كان الكلام في ما سبق على فضل المسيح باعتبار لاهوته وهنا على فضل المسيح بالنظر إلى ناسوته والنظر إلى موته أيضاً لأنه بذلك قد تمم عملاً عظيماً إذ صنع الخلاص للبشر وأعطاهم سنداً كافياً للاقتراب إلى الله بكل طمأنينة. فما كان يحتج به المعترض على فضل المسيح من جهة كونه إنساناً متألماً يرده الكاتب عليه ويًُظهر منه أن الأحوال التي بحسب الظاهر يُزدرى بها هي بالحقيقة أعظم مما تستطيع الملائكة أن تفعله.
١ «لِذٰلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ».
لِذٰلِكَ أي بناء على ما تقدم في الأصحاح الماضي من جهة فضل الديانة المسيحية على اليهودية إذ أُعلنت هذه بواسطة ملائكة وتلك بواسطة ابن الله نفسه.
يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ باعتبار مقام المتكلم في العهد الجديد.
إِلَى مَا سَمِعْنَا من تعاليم الديانة المسيحية. والكاتب هنا يجعل نفسه من المُخاطبين ومثل هذا كثير في سائر اللغات المشهورة.
لِئَلاَّ نَفُوتَهُ أي نتجاوزه فلا نستفيد منه كأنه يقول لئلا نهمله فلا يكون لنا خلاص به. ونحن عرضة لإهمال الكلام أكثر مما نحن عرضة لرفضه أو مقاومته أو الغفلة عنه فإنه لا أحد يختار لنفسه الهلاك بل أن يصل إليه تدريجاً والذين يسلكون في طريق الهلاك هم الذين لا يعملون شيئاً بل يمشون حسب شهواتهم. هكذا على رأي الأكثرين وبعضهم يفهم الكلمة الأصلية بمعنى لئلا نعثر وبعضهم لئلا ننسى ولا يبعد بعض هذه المعاني عن بعض لأن جميعها يعود إلى المعنى المورد آنفاً.
٢ «لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ ٱلْكَلِمَةُ ٱلَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً».
تثنية ٢٣: ٢ ومزمور ٦٨: ١٧ وأعمال ٧: ٥٣ وغلاطية ٣: ١٩ وعدد ١٥: ٣٠ و٣١ وتثنية ٤: ٣ و١٧: ٢ و٥ و١٢ و٢٧: ٢٦
لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ ٱلْكَلِمَةُ الشريعة.
ٱلَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ ذهب البعض إلى أن كلام الكاتب هنا محمول على اعتقاد اليهود أن الشريعة أعلنتها الملائكة وأنه اعتقاد باطل لأن الله هو الذي نطق بها وخاطب بها موسى. غير أن هذا لا يمنع وساطة الملائكة لأنه حسب المثل الجاري عند الأقدمين من يفعل بغيره يفعل بنفسه يقال أن الله فعل ما أمر الملائكة أن يفعلوه كما يُقال أن سليمان بنى الهيكل وهو لم يبنه بيده بل بالواسطة وفضلاً عن ذلك قد أشار بولس إلى هذا الأمر في قوله «إن الشريعة ترتيب بواسطة ملائكة» (غلاطية ٣: ١٩). واستفانوس يقول «أخذتم الناموس بترتيب ملائكة» (أعمال ٧: ٥٣) وقيل أيضاً في التثنية (تثنية ٣٣: ٢) «جَاءَ ٱلرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ وَأَشْرَقَ لَـهُمْ مِنْ سَعِيرَ وَتَلألأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ (أو مع) رَبَوَاتِ ٱلْقُدْسِ (أي الملائكة)». وعلى ذلك يكون هذا الأمر مذكوراً في الكتب المقدسة على أننا لا نعرف كيف كانت وساطتهم في ذلك غير أنه يترجّح أن الكلام الذي كان يسمعه موسى كانت تنطق به الملائكة على ما أمرهم الله به.
قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً بمعنى أنه أجريت جميع أحكامها ولا سيما إنذاراتها ومواعيدها.
وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ الكلمتان بمعنى واحد فالعطف عطف تفسير لزيادة البيان.
نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً تفسير لقوله «ثابتة» كما يظهر بمراجعة تاريخ اليهود.
٣ «فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصاً هٰذَا مِقْدَارُهُ، قَدِ ٱبْتَدَأَ ٱلرَّبُّ بِٱلتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ ٱلَّذِينَ سَمِعُوا».
ص ١٠: ٢٨ و٢٩ و١٢: ٢٥ ومتّى ٤: ١٧ ومرقس ١: ١٤ وص ١: ٢ ولوقا ١: ٢
فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ أي لا يمكن أن ننجو. كما أن المتعدين على الشريعة القديمة نالوا مجازاة عادلة هكذا نحن في العهد الجديد بل مجازاتنا أولى كما سيرد.
إِنْ أَهْمَلْنَا أي فتنا (ع ١) وتغافلنا عن دعوة الإنجيل إذا تعوّج إيماننا أو انشغلت قلوبنا بأمور الدنيا ولهونا عن مصالح أنفسنا. غير أنه لما كان معظم موضوع الكاتب في عدم العدول عن الإيمان المسيحي ربما كانت الإشارة إلى ذلك خاصة.
خَلاَصاً أي طريق الخلاص المقدمة في الإنجيل.
هٰذَا مِقْدَارُهُ أي أعظم مقداراً من الديانة المعلنة في العهد القديم وذلك لجملة وجوه منها أنه -
قَدِ ٱبْتَدَأَ ٱلرَّبُّ بِٱلتَّكَلُّمِ بِهِ أي الرب يسوع الذي هو أشرف من الملائكة الذين كانوا وسطاء العهد القديم فهو الذي ابتدأ بالإنذار بالديانة المسيحية ثم علّمها للرسل وأودعهم إياها وأهلّهم بروحه أن ينادوا بها.
ثُمَّ تَثَبَّتَ أي أُعطي بطريق محققة جديرة بالتصديق.
لَنَا أي لجمهور المسيحيين.
مِنَ ٱلَّذِينَ سَمِعُوا الرّسل ومفعول «سمعوا» محذوف فهو إما المسيح أو كلمة الخلاص المشار إليها.
٤ «شَاهِداً ٱللّٰهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ؟».
مرقس ١٦: ٢٠ وأعمال ١٤: ٣ و١٩: ١١ ورومية ١٥: ١٨ و١٩ و١كورنثوس ٢: ٤ وأعمال ٢: ٢٢ و٤٣ و١كورنثوس ١٢: ٤ و٧ و ١١ وأفسس ١: ٥ و٩
شَاهِداً ٱللّٰهُ مَعَهُمْ أي مثبتاً شهادتهم.
بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ التي كانت تفعلها الرسل شهادة بأن تعليمهم هو من الله.
وَمَوَاهِبِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ التي بها كان الرسل وغيرهم يستطيعون عمل العجائب والمعجزات كشفاء الأمراض والتكلم بألسنة غريبة والتنبي وقوة الوعظ.
حَسَبَ إِرَادَتِهِ أي إرادة الروح أو الله (١كورنثوس ١٢: ٦ - ١١).
٥ «فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ «ٱلْعَالَمَ ٱلْعَتِيدَ» ٱلَّذِي نَتَكَلَّمُ عَنْهُ».
ص ٦: ٥ و٢بطرس ٣: ١٣
بعد أن أثبت الكاتب في الأصحاح الأول فضل المسيح وسموه على الملائكة من وجوه عديدة وعدل عن موضوعه إلى كلام تنبيهي لتحريض الذين كتب إليهم هذه الرسالة في الآيات الأربع الأولى من هذا الأصحاح عاد إلى قوله السابق وذكر في بقيته سمو المسيح وفضله من جهة اتخاذه طبيعة الإنسان. وقد أظهر في ذلك براعة عجيبة في الجدال والحجة فإنه من نفس الاعتراض بأن المسيح في صيرورته إنساناً قد سقط إلى رتبة أدنى من رتبة الملائكة يقيم برهاناً جديداً على مقام المسيح السامي وهو أنه بسبب اتضاعه قد ارتقى إلى درجة التكليل بالمجد الأعلى لأنه إنما صار إنساناً لأجل خلاص الناس وفي إتمامه لهذا العمل العظيم قد أُخضعت له كل الأشياء من حيث هو ابن الإنسان وهذا لم ينله أحد من الملائكة.
فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ «ٱلْعَالَمَ ٱلْعَتِيدَ» ٱلَّذِي نَتَكَلَّمُ عَنْهُ المراد «بالعالم العتيد» (١) العالم بعد مجيء المسيح الأول وهو العالم العتيد بالنسبة إلى ما كان في زمان العهد القديم ففي هذا العالم العتيد انتشر الإنجيل وأُلغيت الطقوس الموسوية. (٢) ما يكون بعد مجيء المسيح الثاني والقيامة والدينونة وإقامة ملكوت المجد.
ولما لم يُخضع الله العالم العتيد الذي نتكلم للملائكة بل أخضعه للإنسان أو لمن اتخذ الطبيعة الإنسانية لم يكن المسيح أدنى رتبة من الملائكة لأنه صار إنساناً وخضع لسلطان الموت.
٦ «لٰكِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعٍ قَائِلاً: مَا هُوَ ٱلإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ، أَوِ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟».
أيوب ٧: ١٧ ومزمور ٨: ٤ الخ و١٤٤: ٣
لٰكِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ هو داود واستغنى عن ذكر الاسم لشهرة المزمور ومؤلفه عند اليهود.
فِي مَوْضِعٍ (مزمور ٨: ٤ - ٦).
قَائِلاً: مَا هُوَ ٱلإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ، أَوِ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ كان ذكر في بداءة المزمور أعمال الله العجيبة في السماوات وعظمته تعالى ومنها يعدل إلى الإنسان الذي يراه بالنسبة إليها حقيراً جداً فيرفع هتافه لعظمة الله نظراً إلى الإنسان أيضاً. الإنسان وابن الإنسان بمعنى واحد وهو كثير الوجود في النظم العبراني حيث يتكرر الشيء باسم جديد أو المعنى بكلمات جديدة فهو عندهم من باب البديع في اللغة ولكل ذلك مثال في الآية:
مَا هُوَ ٱلإِنْسَانُ حتى «تفتكره».
أَوِ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ حتى «تفتقده».
و «تذكره» و «تفتقده» بمعنى واحد من باب ما ذُكر والمراد ذكره وافتقاده بالعناية والخيرات والرحمة.
٧ «وَضَعْتَهُ قَلِيلاً عَنِ ٱلْمَلاَئِكَةِ. بِمَجْدٍ وَكَرَامَةٍ كَلَّلْتَهُ، وَأَقَمْتَهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ».
وَضَعْتَهُ أي خفضته.
قَلِيلاً الكلمة في اليوناني المنقولة عن السبعينية والكلمة في الأصل العبراني بمعنى واحد يحتمل الإشارة إلى ظرفين الأول الزمان أي وضعته زماناً قليلاً أي المدة التي كان بها على الأرض. والثاني المقام أي وضعته وضعاً يسيراً عن رتبة الملائكة في درجة الروحانية وربما كان الأول في ذهن كاتب هذه الرسالة والثاني في ذهن كاتب المزمور.
عَنِ ٱلْمَلاَئِكَةِ في الأصل العبراني الآلهة ولكن الترجمة السبعينية (عن الملائكة) تثبت صحتها الترجمة الكلدانية وفهم علماء اليهود القدماء هذه الكلمة بمعنى الملائكة. والشخص المشار إليه في الآية هو الإنسان على الإطلاق والمسيح ابن الإنسان على الخصوص.
بِمَجْدٍ وَكَرَامَةٍ كَلَّلْتَهُ المجد والكرامة بمعنى واحد وأتى ذلك لتوضيح المعنى وتقريره وهذا كثر في العبرانية والعربية ويُعرف عند النحاة بعطف التفسير.
وَأَقَمْتَهُ أي سلّطته.
عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ أي أعمالك. في الأصل العبراني كلمة «مجد» مسبوقة بحرف عطف بمعنى ولكن للاستدراك أي أنك وإن خفضته عن الملائكة بمجد وكرامة كلّلته الخ.
٨ «أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ ٱلْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ عَلَى أَنَّنَا ٱلآنَ لَسْنَا نَرَى ٱلْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعاً لَهُ».
متّى ٢٨: ١٨ وكولوسي ١٥: ٢٧ وأفسس ١: ٢٢ وص ١: ١٣ و١كورنثوس ١٥: ٢٥
أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ أي أعطيته سلطاناً مطلقاً كاملاً. الإشارة في هذه الكلمات أولاً إلى الإنسان بوجه العموم كما يظهر من قول الله عند خليقته (تكوين ١: ٢٦) (ثم على معنى أعلى للمسيح كما يُظهر الكاتب في الكلام التابع).
لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ ٱلْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ أي أن الكلام شامل لا يترك شيئاً خارجاً عن وقوع السلطة عليه إلا الله وحده.
عَلَى أَنَّنَا ٱلآنَ لَسْنَا نَرَى ٱلْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعاً لَهُ أي أننا لسنا نرى الإنسان حائزاً كل السلطان المعطى له أو لسنا نرى النبوءة إلى الآن صادقة بالكلية على المسيح نظراً إلى خضوع كل العالم له.
٩ «وَلٰكِنَّ ٱلَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ ٱلْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِٱلْمَجْدِ وَٱلْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ ٱلْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ».
فيلبي ٢: ٧ إلى ٩ وأعمال ٢: ٣٣ ويوحنا ٣: ١٦ و١٢: ٣٢ ورومية ٥: ١٨ و٨: ٣٢ و٢كورنثوس ٥: ١٥ و١تيموثاوس ٢: ٦ و١يوحنا ٢: ٢ ورؤيا ٥: ٩
وَلٰكِنَّ ٱلَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ ٱلْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِٱلْمَجْدِ وَٱلْكَرَامَةِ أي أن النبوءة تشير إلى المسيح أكثر مما إلى الإنسان فخُفض عن الملائكة لما لبس الجسد الإنساني وصار بحسب الظاهر ومن لبسه للجسد دونهم في الدرجة العقلية الروحانية. و «المجد والكرامة» التي تكلل بهما يسوع هما أعظم مما تكلل به الإنسان الأرضي.
مِنْ أَجْلِ أَلَمِ ٱلْمَوْتِ أي أن تكلّله كان بسبب ألم الموت الذي احتمله لأجل الناس وهذا المعنى كثير الوجود في الكتب (انظر فيلبي ٢: ٨ - ١١ وعبرانيين ١٢: ٢).
لِكَيْ يَذُوقَ قال البعض أن يسوع كُلّل بمجد وكرامة عندما تولى رتبة المخلص للعالم فكان تكلّله هذا قبل موته وهذا التفسير يوافق هذه الآية. ولكن يُعترض عليه بأن حال المسيح قبل موته كانت حال اتضاع وكانت حال ارتفاعه بعد القيامة والصعود. فالأرجح أن الكاتب لم ينظر بهذه الآية إلى المجد الذي تكلل المسيح به بل إلى موته كأنه قال نرى يسوع مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت وأما آلامه فهي لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد.
بِنِعْمَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَوْتَ هذه النعمة هي أولاً للمسيح فإن الآب أعطى الابن النعمة وليس بالكيل وأعطاه نعمة خاصة عند موته على الصليب. وثانياً نعمة الله للناس فإنه بذل ابنه للموت لكي يخلّص المؤمنون به.
لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ لليهودي واليوناني بلا تمييز في الجنسية فلا ينتج من هذا الكلام أن جميع الناس على الإطلاق يخلصون لأن المسيح مات لأجل جميعهم وهو يبطل القول أن المسيح لم يمت لأجل جميع الناس بل لأجل المنتخبين فقط كما رأى بعض اللاهوتيين لأن الكاتب لم يتعرض لكلتا المسئلتين ولكنه أراد مقاومة غلط جار بين اليهود أن المسيح يكون لهم فقط وفوائد مجيئه تكون لهم على سبيل الأولوية والأصل. «يذوق الموت» أي يختبره ويتعاطاه بالفعل.
١٠ «لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِهِ ٱلْكُلُّ وَبِهِ ٱلْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى ٱلْمَجْدِ أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِٱلآلاَمِ».
لوقا ٢٤: ٤٦ ورومية ١١: ٣٦ وأعمال ٣: ١٥ و٥: ٣١ وص ١٢: ٢ ولوقا ١٣: ٣٢ وص ٥: ٩
لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِهِ ٱلْكُلُّ وَبِهِ ٱلْكُلُّ لعل العبرانيين عثروا في التعليم أن المسيح تألم لأن كل منتظرهم كان أنه يكون ملكاً مقتدراً يخلصهم من أعدائهم فلا يليق به كما ظنوا أنه يتألم كأنه ضعيف. فقال الكاتب جواباً لهذا الاعتراض أنه يليق بالله وهو خالق كل شيء والمعتني بكل شيء أن المسيح يتألم وسيأتي بيان ذلك.
وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى ٱلْمَجْدِ «الأبناء الكثيرون» هم جميع بني البشر وهم أبناء الله لأنه خلقهم ويعتني بهم ويحبهم وبذل ابنه لأجلهم أجمعين لكي يخلص جميع الذين يؤمنون به. وأما المؤمنون فهم أبناء الله بمعنى خاص «والمجد» هو الخلاص أي المجد الأبدي بعد حياة الآلام والتعب.
أَنْ يُكَمِّلَ كان يسوع بلا خطية وكاملاً في جميع صفاته والكمال المشار إليه هو الاستعداد الكامل للقيام بعمله باعتبار أنه مخلص وشفيع فإنه يقدر أن يرثي لضعفاتنا لأنه كان إنساناً ضعيفاً ويقدر أن يعين المجربين لأنه كان مجرباً مثلهم في كل شيء بلا خطية. الكلمة عند اليونانيين كانت بمعنى المجد الذي يناله الإنسان جزاء.
رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ أي صانع خلاصهم أو رئيسهم ومخلصهم. المطلوب في رئيس (١) أن يكون منظوراً فيقتدي الناس به ويسمعونه ويطيعوهه ولذلك تجسد المسيح. (٢) أن يشترك في آلام أتباعه وهكذا كان موسى ويشوع وداود وأعظم القواد في عصرنا وهكذا كان بولس وغيره في الحرب الروحية. فيكون بينه وبين أتباعه رباط المحبة مع الاعتبار ويكون مختبراً أمور أتباعه ولا يكفي الرئيس الحقيقي أن يكون مقتدراً في تعليم العلوم المختصة برتبته دون معرفته بتلاميذه ومحبته لهم.
بِٱلآلاَمِ أي بآلام الموت. وهذا رد على الذين كانوا يعترضون على تأنس المسيح وموعظة لثبات المؤمنين في شدائدهم.
١١ «لأَنَّ ٱلْمُقَدِّسَ وَٱلْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهٰذَا ٱلسَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً».
ص ١٠: ١٠ و١٤ وأعمال ١٧: ٢٦ ومتّى ٢٨: ١٠ ويوحنا ٢٠: ١٧ ورومية ٨: ٢٩
أثبت الكاتب في الآيات السابقة أن اتخاذ المسيح الصورة البشرية لم يجعله في مرتبة أدنى من مرتبة الملائكة الروحانيين بل بالعكس قد رقاه إلى أعلا درجة في المجد لأنه لما لبس الجسد قدّم في الجسد وكان موت الجسد كفارة عن خطايا الناس. وفي بقية الأصحاح يذكر فوائد أُخر نتجت للناس لما صار المسيح إنساناً. وفي (ع ١١ - ١٣) يذكر واحدة من هذه الفوائد وهي أنه بتأنسه قد رقى شعبه إلى نسبة سامية من جهته ومن جهة الله فصاروا إخوة له وأولاداً معه وبه لله. ولإثبات الذي يقدمه بشأن ذلك مبني على أقوال العهد القديم. غير أنه في هذه الاقتباسات وغيرها قد يظهر لليهودي المتعنت أنه لا شيء فيها من الإشارة إلى المعنى المراد وأنها في غير محلها فنجيب على ذلك مرة كافية في هذا الصدد. (١) إن الكاتب يخاطب اليهود المؤمنين بيسوع أنه المسيح لا اليهود غير المؤمنين وإلا كان يقدم حججاً أصرح ويجادل على نوع غير ما اتبعه في هذه الرسالة. (٢) إن تفاسير العلماء عند اليهود قد اختلفت كثيراً الآن عما كانت عليه في زمان الكاتب فأتى بآيات من العهد القديم كانوا يقهمونها في زمانه كما أوردها وإلا فلم يقدمها. (٣) إن البيان على كون الكاتب من الرجال المقدسين الذين تكلموا كما حرّكهم الروح ليس أقل مما لنا على رجال العهد القديم المتّبعين بالاتفاق.
لأَنَّ ٱلْمُقَدِّسَ وَٱلْمُقَدَّسِينَ لا خلاف من جهة أن المراد «بالمقدِّس» المسيح «وبالمقدَّسين» شعبه المسيحيون المرتبطون به برباط الإيمان والمحبة والطاعة. ولكن اختلفوا في معنى التقديس فمنهم من يقول هو عمل الخلاص بوجه الإجمال في الإنسان وهو يحتوي على التبرير والتقديس كليهما. ومنهم من يقول هو التكريس كما في (يوحنا ١٧: ١٩) «أقدِّس أنا ذاتي» أي كرّس المسيح ذاته لعمل الفداء فتفيد الكلمة هنا المكرِّس والمكرَّسين لخدمة الله (ص ٩: ١٤ و١٠: ٢٩) وهذا التكريس بتقديم جسد يسوع المسيح (ص ١٠: ١٠) وكلا التفسيرين بمعنى المسيح وشعبه.
جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ «الواحد» هو الله على قول البعض وآدم على قول آخر وإبراهيم على قول آخر. وربما كان المعنى أنهم جميعاً ذوو واحدة أي إنسانية فإن المراد هنا تأنُّس المسيح وفضله في الناسوت على الملائكة لأنه تألم فيه وارتقى إلى المجد وكفّر عن خطايا الناس وشاركهم في الطبيعة لأجل تقريبهم إليه (ع ١٧ و١٨) فرقاهم إلى أن يصيروا إخوة له. ومنهم من يفهم أن نسبة الإخوة له راجعة لا إلى مشاركته لهم في الطبيعة الإنسانية ولكن إلى عمل الله الذي به يتبناهم ويرقيهم إلى بنوة كبنوة المسيح له وأنه يوجد في نسبة البنوة هذه أكثر مما يظن معظم اللاهوتيين والمفسرين إذ أنهما بنوة حقيقية كبنوة المسيح من كل وجه إلا بنوته الأزلية. والذين يقولون ذلك يذهبون إلى أنه لا أبوة في الله إلا لشعبه فقط وأن هذه الصفة فيه ليست من الصفات المقصورة على المسيح ولكنها تمتد إلى غيره. وفي ذلك مباحث لا داعٍ إليها هنا.
فَلِهٰذَا ٱلسَّبَبِ أي لكونهم من الله أو لكونه مشاركاً لهم في الطبيعة لما صار إنساناً مثلهم.
لاَ يَسْتَحِي لا يحتقر نفسه.
أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً وفي هذه العبارة وغيرها من أمثالها (فيلبي ٢: ٧ و٨) برهان صريح على أن المسيح لم يكن إنساناً فقط وإلا فكيف يقال أنه «لا يستحي أن يدعوهم إخوة» وإنه «يلبس صورة العبد» (فيلبي ٢: ٧).
١٢ «قَائِلاً: أُخَبِّرُ بِٱسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ ٱلْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ».
مزمور ٢٢: ٢٢ و٢٥
قَائِلاً: أُخَبِّرُ بِٱسْمِكَ إِخْوَتِي نقلاً من العهد القديم عن (مزمور ٢٢: ٢٢). وهذا المزمور نبوءة بالمسيح ولا يصدق على أحد كما يصدق عليه فإنه فضلاً عن نبوءات صريحة فيه لم تتم إلا في المسيح وكان إنجازها فيه على نوع عجيب من المطابقة (ع ١ و٨ و١٦ و١٨) يشار إلى زمان فيه يذكر «ويرجع إلى الرب كل أقاصي الأرض ويسجد أمامه كل قبائل الأمم». ولا خلاف في أن هذه الأزمنة هي أزمنة المسيح. والشاهد في العبارة قوله «إخوتي» وهو ما يريد الكاتب إثباته. وأما قوله -
وَفِي وَسَطِ ٱلْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ فهو تتمة العدد المقتبس ولأجل استحضار العبارة المقصودة لذهن القاري. «الكنيسة» وهي الجماعة حسب الأصل العبراني وترجمة المزامير. وإنما تُرجمت هنا بالكنيسة لموافقة اليوناني والمعنى واحد.
١٣ «وَأَيْضاً: أَنَا أَكُونُ مُتَوَكِّلاً عَلَيْهِ. وَأَيْضاً: هَا أَنَا وَٱلأَوْلاَدُ ٱلَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ ٱللّٰهُ».
مزمور ١٨: ٢ وإشعياء ١٢: ٢ وإشعياء ٨: ١٨ ويوحنا ١٠: ٢٩ و١٧: ٦ و٩ و١١ و١٢
وَأَيْضاً أَنَا أَكُونُ مُتَوَكِّلاً عَلَيْهِ قوله «وأيضاً» أي أنه يقتبس اقتباساً آخر بالمعنى نفسه ولكنهم اختلفوا في المحل المنقولة عنه هذه العبارة فقال بعضهم هو (مزمور ١٨: ٣) وغيرهم (٢صموئيل ٢٢: ٣) لكن ليس في هذه الأماكن إشارة إلى المسيح ولا نسب اليهود هذا الكلام إلى المسيح. فالأصوب أن يقال أن النقل من (إشعياء ٨: ١٧).
وَأَيْضاً هَا أَنَا وَٱلأَوْلاَدُ ٱلَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ ٱللّٰهُ هذه العبارة لاحقة السابقة في (إشعياء ٨: ١٨) ولكن توهم بعضهم من قوله «أيضاً» أنه يلزم من ذلك أن الكاتب نقل من مكان آخر وإلا لما فضل بهذه الكلمة. وهذه النتيجة غير لازمة وقد جاء لهذا الفصل مثال في ما نقل في هذه الرسالة (ص ١٠: ٣٠ عن تثنية ٣٢: ٣٥ و٣٦). ومعنى هذا الاقتباس أنه لما كان الإنسان فقيراً إلى الله ومحتاجاً إلى الاتكال عليه والتسليم إليه وكان المسيح يستعمل هذه الألفاظ المأخوذة عن العهد القديم ثبت أنه قد شاركهم حقيقة في الطبيعة الإنسانية فإنه باعتبار ناسوته كان متوكلاً على الله ومسلماً أمره وأمر شعبه وكنيسته إليه تعالى. فهم إذاً إخوته وهو المعنى المراد بالاقتباس. وأما فصله الآية إلى قسمين بقوله «وأيضاً» فلأنه يُراد أمران متميزان في القسمين فيُراد في القسم الأول مشابهة المسيح بالبشر لسبب اتكاله على الله وفي الثاني نسبته إلى شعب الله التي يظهر منها أيضاً مشابهته لهم.
١٤ «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ ٱلأَوْلاَدُ فِي ٱللَّحْمِ وَٱلدَّمِ ٱشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذٰلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِٱلْمَوْتِ ذَاكَ ٱلَّذِي لَهُ سُلْطَانُ ٱلْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ».
يوحنا ١: ١٤ ورومية ٨: ٣ وفيلبي ٢: ٧ و١كورنثوس ١٥: ٥٤ و٥٥ وكولوسي ٢: ١٥ و٢تيموثاوس ١: ١٠
الفائدة العظيمة الصادرة من تجسُّد المسيح ذكرها الكاتب بنوع أصرح في هذه الآيات (ع ١٤ - ١٨) وهي موته بالجسد كفارة عن خطايا الناس. ولكنه ذكر فائدتين أُخريين تتعلقان بتجسده على الأرض وعمله الفداء. الواحدة أنه خلّص شعبه من الخوف من الموت المستولي على الإنسان وهو في حال الخطية (ع ١٥) فإنه بالمسيح قد زالت شوكة الموت وأهواله التي كانت قد تمكنت من الإنسان لسبب كونه خاطئاً مستحقاً العقاب ولا تزول إلا عند الإيمان بالمسيح ونيل المغفرة بواسطته. والثانية أنه لما تألم وتجرب صار أقرب للمؤلّمين والمجرّبين عندما دعاهم إليه بثقة (ع ١٨) وقد ذكر أن هذه الفوائد إنما ينالها أولئك الذين انتخبهم الله منذ الأزل بحسب مطلق سلطانه وحكمته الفائقة. وهذا التعليم من أسرار الإله التي لا ندركها.
فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ ٱلأَوْلاَدُ أي تلاميذ المسيح وشعبه وسمّاهم «أولاداً» لأنهم هكذا بالروح وقد أشار إليهم بهذا الاسم في الآية السابقة. ومما يقرب إلى هذه التسمية أنهم زرع المسيح (إشعياء ٥٣: ١٠).
فِي ٱللَّحْمِ وَٱلدَّمِ أي في الطبيعة الإنسانية القائمة بجسد مؤلف من لحم ودم وهي طبيعة ضعيفة.
ٱشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذٰلِكَ فِيهِمَا الدوسيتيون الذين أنكروا أن جسد المسيح كان حقيقياً لاعتقادهم أن عالم الهيولي مجلس الشر بدلوا الكلمة الأصلية (كذلك) بكلمة أخرى واتخذوها بمعنى شبيه وقالوا أن جسد المسيح كان بحسب الظاهر فقط لا بالحقيقة وأنه كان يشبه أجساد البشر فقط لا من طبيعتها فكان خيالاً من غير مادة ولذلك يقول «اشترك هو أيضاً كذلك فيهما» أي في جسد حقيقي يقبل الموت وفيه مات ليقهر عدو الأنفس العظيم.
لِكَيْ يُبِيدَ أي يبطل.
بِٱلْمَوْتِ أي بواسطة موت المسيح.
ذَاكَ أي سلطان ذلك.
ٱلَّذِي لَهُ سُلْطَانُ ٱلْمَوْتِ قد اختلفوا في سلطان الشيطان على الموت فقال البعض أنه موكل بقبض الأرواح عند الموت وهو موافق لاعتقاد اليهود أنه يوجد ملك مقام لهذا الأمر فيسمونه ملك الموت واسمه عندهم صمّائيل. ويجري مجراهم الإسلام الذين يسمونه عزرائيل ولا يوجد إشارة واضحة لهذا الأمر في الكتب المقدسة. وقال غيرهم بل المعنى أنه لما كان الشيطان يجرب الناس لارتكاب الخطية ويقتادهم إلى الموت والهلاك فقيل أن له سلطان الموت. وقال غيرهم إنما المراد كونه رئيساً للعصاة في هذه الحياة ورئيس عالم العذاب في الآخرة كما كان رئيس ملائكة في السماء قبل سقوطه وعلى ذلك يكون له سلطان في تنفيذ أحكام القصاص الذي الموت الطبيعي جزء منه ورمز له. وربما كان الصواب بين التفسيرين الآخيرين كما يظهر من التأمل في الخلاص الذي أتى به المسيح لشعبه فإنه خلصهم من سلطان الشيطان في التجربة وساعة الموت وعذابات الآخرة لا من الموت الزمني نفسه فلا يقال عن المسيح أنه تحت سلطان التجربة بمعنى أنه خاضع لها فيسقط كلما جربه الشيطان لأن يمين المسيح تقويه كلما طلبها على أنه يسقط أحياناً كثيرة. وأما في ساعة الموت فالمسيح قد كسر شوكتها لأنه قد أزال عن شعبه الدينونة التي يُخشى منها ولا سيما عند الموت (١كورنثوس ١٥: ٥٥). وأما عذابات الآخرة فلا شيء منها على المسيحي (رومية ٨: ١١).
أَيْ إِبْلِيسَ هو رئيس الشياطين والممتاز بينهم في القوة والحكم والتقدم.
١٥ «وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ خَوْفاً مِنَ ٱلْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ ٱلْعُبُودِيَّةِ».
لوقا ١: ٧٤ ورومية ٨: ١٥ و٢تيموثاوس ١: ٧
وَيُعْتِقَ من العبودية. كما يظهر من نهاية الآية والفعل معطوف على «يبيد» في الآية السابقة والمعنى أن المسيح لم يبد سلطان الشيطان فقط من جهة تجريبه للخطية واقتياده للهلاك ولكنه يعتق أيضاً شعبه من تلك العبودية للخوف من الموت المستولية على كل الناس.
أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ خَوْفاً مِنَ ٱلْمَوْتِ الخوف من الموت عام جميع الناس ومعظمه يعود إلى عواقب الموت لا إلى الموت نفسه.
كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ أي أن الخوف من الموت متمكن من جميع الناس كل مدة الحياة وليس في طاقة الفلسفة العقلية أن تزيل هذه المخاوف لأن جميع براهينها إنما تقتصر على كون الموت شريعة عامة على كل فرد من أفراد البشر وأنه نهاية حياة قصيرة للجميع مملوءة وجعاً وشقاء فلا تمس شوكة الموت الحقيقية التي هي الخطية. وإنما هذا العتق مكفل بالديانة التي تعلم طريقة الخلاص من دينونة الخطية وعقابها.
تَحْتَ ٱلْعُبُودِيَّةِ أي الأسر للخوف من الموت والذل الدائم من جرى استيلائه.
١٦ «لأَنَّهُ حَقّاً لَيْسَ يُمْسِكُ ٱلْمَلاَئِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ».
لأَنَّهُ حَقّاً لَيْسَ يُمْسِكُ ٱلْمَلاَئِكَةَ الكلمة الأصلية المترجمة هنا بقوله «يمسك» تحتمل جملة معان وجميعها يتفرع من القبض والمسك باليد فاتخذها جمهور الآباء بمعنى أن المسيح لم يأخذ على نفسه صورة الملائكة بل الصورة البشرية وخالفهم جمهور المتأخرين الذين يفهمون الكلمة الآن بدون خلاف بمعنى الإغاثة والإجارة على ذلك كان حقها أن تترجم هنا بكلمة «يجير» فكأنه يقول أن المسيح أعرض عن إجارة وإغاثة الملائكة الذين سقطوا ولكنه أجار نسل إبراهيم. والحق أن تفسير الآباء يعود أخيراً إلى هذا.
بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ أي جاء إلى معونتهم. والمراد «بنسل إبراهيم» أن المسيح جاء بالجسد من نسل إبراهيم. ولا يُستنتج من ذلك أن الخلاص لليهود فقط لأن المسيح من نسل آدم أيضاً (لوقا ٣: ٢٣ و٣٨) ولكن الكاتب قال نسل إبراهيم لأنه كلم اليهود. وأما السبب في الإعراض عن الملائكة الساقطين وقصر فوائد الخلاص على الجنس البشري فغير معلوم لأن الكتب المقدسة لم تعلنه. وقد قيل في ذلك -

  • إن ترك الله للملائكة الأشرار مبني على أن تكليفهم للطاعة وسؤالهم عن ذلك كانا على درجة أبلغ من تكليف الإنسان لأن معرفتهم بالله وشريعته وعواقب مخالفته كانت أعظم.
  • إنهم كانوا الطاغين لجنس الإنسان.
  • إنهم ولاة في عالم الظلمة والموت يخاصمون الله على إهلاك الإنسان. وفي كل ذلك نظر وربما كان الأصوب ترجيع الأمر إلى سلطان الله المطلق أو إلى سر من أسرار حكمته لا ندركه نحن.


١٧ «مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيماً، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِيناً فِي مَا لِلّٰهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا ٱلشَّعْبِ».
فيلبي ٢: ٧ وص ٤: ١٥ و٥: ١ و٢
مِنْ ثَمَّ أي أنه لما قصد المسيح إجارة الإنسان.
كَانَ يَنْبَغِي أي لزم وهذا اللزوم من وجه ممارسته لرياسة الكهنوت في التكفير عن الشعب ومشاركته لهم في ضعفاتهم وحاسياتهم حتى يجترئوا على الاقتراب منه بكل ثقة وطمأنينة.
أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ الجنس البشري الذين أراد خلاصهم.
فِي كُلِّ شَيْءٍ جوهري لصيرورته إنساناً حتى لا ينقصه شيء من الضعف الإنساني إذا كان سليماً من الخطإ ومن الإحساسات الإنسانية كما فسر ذلك بعده بقوله «لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» (ص ٤: ١٥).
لِكَيْ يَكُونَ رَحِيماً، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِيناً فِي مَا لِلّٰهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا ٱلشَّعْبِ ذكر هنا الداعي لمشابهته لإخوته في اتخاذه جسداً بشرياً وطبيعة إنسانية. وهو من وجهين الأول أن يكون رحيماً ومعنى هذه الكلمة عن االترفق بحالهم والرثي لهم في حال الضعف والضيق. والثاني أن يمارس عمل رئيس الكهنة عند اليهود التي كان أخص جوهرها التكفير للخطية كما سيأتي. ومعنى «التكفير» التغطية والمراد بها غفران الخطية أو الإيفاء عنها. وسيأتي الكلام في هذه الرسالة تفصيلاً على رئاسة الكهنوت عند اليهود وقيام المسيح بها. وأما قوله «أميناً في ما لله» فمعناه أنه كان قائماً حق القيام بما يتعلق بواجبات هذه الرتبة أمام الله.
١٨ «لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ ٱلْمُجَرَّبِينَ».
ص ٤: ١٥ و١٦ و٥: ٢ و٧: ٢٥
لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً أي بسبب تألمه عندما احتمل التجارب وهي نوعان الواحد التعرّض للأسواء والشرور كما تجرّب إبراهيم لما طُلب منه أن يقدم ابنه إسحاق ذبيحة وأيوب عندما ابتُلي بالمصائب. والآخر التعرّض لسطوة الخطية وتملقاتها. ولا يخفى أن المسيح قد احتمل الأمرين فإنه كان عرضة لكثير من شرور الحياة كالبغض والاضطهاد وتعرّض أيضاً لتجارب الشيطان وغيره ولكنه خرج منها دائماً منصوراً عليها ولم يخضع لواحدة منها.
يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ ٱلْمُجَرَّبِينَ أي أنه لما اختبر حال الإنسان في الطبيعة الإنسانية واحتمل فيها الضيق والتجارب صار أهلاً للرقي لهم والترفق بهم وإمدادهم بالعون والإغاثة عند صراخهم له حين الشدة والضيق والتجربة.
فوائد



  • إنه يجب على الإنسان الذي تبلغه الدعوة المسيحية أن يحذر كل الحذر من إهمالها في ما يتعلق بالإيمان والعمل كليهما فإنه بإهمالها يخسر جميع فوائد العهد الجديد وبركاته ويعرّض نفسه لأشد العقاب. فإنه إذا كان المذنب في العهد القديم يجازي جزاء شديداً كان قصاص المذنب في العهد المسيحي أشد جداً لسبب فضل المتكلم وزيادة النور والتثبيت. ولذلك نرى في الديانة المسيحية تهديدات مخيفة للذين يهملون واجباتها وتحذيرات شديدة من السقوط في عواقب الغفلة والإهمال والوقوع في يدي الله الحي.
  • إنه قد نسي الإنسان الله وأخطأ إليه وهو تعالى لم ينسنا ولم يدخل في الدينونة معنا بل افتقد جنسنا الساقط في إرسال ابنه الوحيد الذي وُضع قليلاً عن الملائكة لكي يذوق الموت لأجل كل واحد. وقد أظهر بذلك فرط محبته للجنس البشري وغنى نعمته بيسوع المسيح لجميع الخطأة.
  • إن المسيح اتخذ طبيعة بشرية لكي يقهر فيها سلطان الموت بموته كفارة للخطايا ولكي يشارك شعبه في طبيعتهم ويختبر ضعفهم فيحق لهم أن يؤمنوا ويثقوا بكونه رحيماً مشفقاً يسمع صراخهم في بلواهم لأنه قد ابتُلي مثهلم. فيا لها من محبة عجيبة وتنازل أعجب لما صار الإله إنساناً لكي يخلص الناس ويعرّض نفسه لهم ويدعوهم إلى طلبه والإيمان به والثقة فيه وليجدوا فيه العون والمدد الذي يحتاجون إليه في بلاياهم ومصائبهم وأحزانهم وتجاربهم وسقطاتهم. فهو خزانه جامعة لكل احتياجاتهم المتنوعة إيفاء لخطاياهم وعون في ضعفاتهم وملجأ في أحزانهم وشفاء لأمراضهم وأخ يسندهم في الخطوب كافة إلى أن يوصلهم بالسلام إلى تلك المنازل السماوية التي ذهب وأعدّها لجميع الذين يؤمنون باسمه ويتكلون عليه.




اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ


لما أثبت الكاتب فضل المسيح على الملائكة الذين ترتب العهد القديم بواسطتهم أخذ في مقابلة المسيح وتفضيله على موسى الذي استخدمه الله في إعلان الشريعة لبني إسرائيل وعلى رئيس الكهنة في المرتبة القديمة. غير أنه لا يذكر في بداءة هذا الأصحاح إلى المقابلة بينه وبين موسى تاركاً مقابلته برئيس الكهنة إلى معظم الرسالة من (ص ٤: ١٤ - ص ١٠). ثم بعد الكلام عليه وعلى موسى في هذا الأصحاح إلى (ع ٦) يقدم للعبرانيين مواعظ تحثهم على الثبات في الديانة المسيحية ولا ينتهي من ذلك إلا في (ص ٤: ١ - ١٤). وأما المقابلة التي أقامها بين المسيح وموسى فهي أن المسيح هو الباني لبيت الله الروحي وهو متسلط فيه تسلط الابن وما كان موسى إلا خادماً فيه (ع ٣ - ٦).
١ «مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ ٱلْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ ٱلدَّعْوَةِ ٱلسَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ ٱعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ ٱلْمَسِيحَ يَسُوعَ».
رومية ١: ٧ و١كورنثوس ١: ٢ وأفسس ٤: ١ وفيلبي ٣: ١٤ و٢تسالونيكي ١: ١١ وتيطس ١: ٩ و٢بطرس ١: ١٠ ورومية ١٥: ٨ وص ٢: ١٧ و٤: ١٤ و٥: ٥ و٦: ٢٠ و٨: ١ و٩: ١١ و١٠: ٢١ و١صموئيل ١٢: ٦
مِنْ ثَمَّ هو في الأصل حرف يدل على المكان ثم على نتيجة مما تقدم وهكذا هو في العربية بدلالة الالتزام فهو قياس في مثل هذا المقام بمعنى بناء على ذلك. والمراد أنه بناء عل ما تقدم من جهة كون المسيح رحيماً ورئيس كهنة أميناً (ص ٢: ١٧) الخ يجب علينا أن ننظر جيداً إلى صفات المسيح قبل أن نرفضه.
أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ في الإيمان المسيحي والذين مؤاساتنا لهم مؤاساة الإخوة.
ٱلْقِدِّيسُونَ تسمية المسيحيين «بالقديسين» كثيرة في العهد الجديد والمراد إما إن كل مسيحي بالحق قد نال من الله بداءة عمل التقديس في قلبه وهي الصفة المستولية عليه فتُنسب إليه أو أن كل مسيحي مفرز لخدمة المسيح بناء على أن الكلمة في استعمالها الأصلي عند العبرانيين تفيد الإفراز حقيقة والقداسة وضعاً ثانياً كما يُدعى شعب اليهود في العهد القديم مقدساً أو مُفرزاً.
شُرَكَاءُ ٱلدَّعْوَةِ ٱلسَّمَاوِيَّةِ نعت آخر للإخوة والمعنى أن لهم نصيباً أو هم متشاركون في بركات العهد الجديد المقدمة لهم في الإنجيل. ووُصفت هذه الدعوة بكونها «سماوية» إما لكونها من السماء والآتي بها هو المسيح النازل من السماء أو لكون منتهاها في السماء وفيها بركات أفضل جداً من بركات كنعان الأرضية. وهنا نرى بداءة ما أتى كثيراً في هذا الرسالة من المقابلة بين الأرض والسماء وبين الجسديات والروحيات وبين الزائل والباقي فإن ما في السماء حقيقي وأما ما على الأرض فهو مثل فقط ورمز (ص ٩: ٢٣) وهناك المسكن الحقيقي والمدينة التي لها أساسات (ص ١٢: ٢٧) وهي الوطن الأفضل الذي ابتغاه الآباء (ص ١١: ١٦) وأُعلنت لنا هذه السماويات بالمسيح الذي أتى من السماء ودخلها أيضاً كسابق لأجلنا (ص ٦: ٢٠) ورئيس كهنة (ص ١٠: ١٩).
لاَحِظُوا أي تأملوا جيداً فإذا تأملتم في صفات المسيح وفضله على موسى لا ترجعون عنه.
رَسُولَ مُرسل على الاستعمال الغالب في العهد القديم والجديد وبناء على ذلك يكون المعنى أن المسيح رسول الله لوضع الديانة المسيحية. وقد تحتمل الكلمة معنى آخر يوافق رتبة إدارة المجمع عند اليهود وبعضهم يقول إن هذا هو المراد هنا بدليل تدبير البيت الذي أشار إليه في الآيات اللاحقة.
ٱعْتِرَافِنَا أي الرسول الذي اعترفنا به وتمسكنا به. وهنا تمييز بين موسى الذي اعترف به اليهود بأن الله أرسله إليهم وبين المسيح الذي يعترف به المؤمنون في العهد الجديد.
وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ ٱلْمَسِيحَ يَسُوعَ قد تسمى المسيح «برئيس كهنة» لأنه سبقت له هذه التسمية في العهد القديم (مزمور ١١٠: ٤) ولأن الكاتب يقابله برئيس الكهنة عند اليهود ولأن هذه الوظيفة كانت عند اليهود رمزاً إلى الوظيفة التي تممها المسيح بتقديمه ذاته ذبيحة عن خطايا الناس. وربما كان هنا إشارة إلى اجتماع وظيفة موسى ووظيفة هرون في المسيح الأولى الرئاسة والإدارة في بيت الله والثانية تقديم الذبائح والاستغفار عن الخطيئة أي أن المسيح أعلن لنا إرادة الله ووضع لنا الديانة المسيحية وقدّم ذاته كفارة للخطايا فكان رسولاً كموسى وكاهناً كهرون.
٢ «حَالَ كَوْنِهِ أَمِيناً لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضاً فِي كُلِّ بَيْتِهِ».
١صموئيل ١٢: ٦ وعدد ١٢: ٧ وع ٥
حَالَ كَوْنِهِ أي المسيح.
أَمِيناً في بناء الكنيسة المسيحية وإدارتها قائماً بذلك حق القيام.
لِلَّذِي أَقَامَهُ أي الآب السماوي «الذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم الخ» (يوحنا ١٠: ٣٦). وقد أُقيم المسيح على ما سبق رسولاً من الله لأجل تأسيس الكنيسة المسيحية.
كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضاً أي أميناً في خدمته في العهد القديم وربما في هذا الكلام إشارة إلى شهادة الله لموسى حيث قال «أَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هٰكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي» (عدد ١٢: ٧).
فِي كُلِّ بَيْتِهِ معنى «البيت» هنا أهله ثم الشعب أو الكنيسة المقامة لله والمراد أن موسى كان أميناً في تعليم شعبه جميع العبارة أن المسيح لم يكن أقل أمانة من موسى في تأسيس كنيسته على دعائم الحق وأنه كما كان موسى أميناً في خدمته في الكنيسة اليهودية هكذا المسيح في الكنيسة المسيحية. غير أنه كما أنهما متساويان في الأمانة من هذا القبيل يفضل المسيح موسى من وجه ذكره في الآية التابعة.
٣ «فَإِنَّ هٰذَا قَدْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي ٱلْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ ٱلْبَيْتِ».
زكريا ٦: ١٢ ومتّى ١٦: ١٨
فَإِنَّ هٰذَا أي المسيح.
قَدْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أي قد نال شرفاً ومقاماً أعلى.
أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى المقابَل هو به.
بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي ٱلْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ ٱلْبَيْتِ المعنى هنا ظاهر نظراً إلى البناء والباني فإن الفضل لا يستقر في نفس البناء بل في الباني الذي رتب البناء. والكاتب يقول أنه لما كان هذا الأمر ظاهراً نتج من ذلك فضل المسيح على موسى لأن موسى كان جزءاً من البيت الذي أقامه أي عضواً من الكنيسة المعروفة بالموسوية ومحتاجاً إلى خدمتها كما كان يحتاج إليها شعب اليهود وأما المسيح فلم يكن محتاجاً إلى خدمة الكنيسة المسيحية أو كان عضواً منها بل كان مؤسسها فقط وقد فسر مراده بعد ذلك بقوله «وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ... وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَكَٱبْنٍ» (ع ٥ و٦).
٤ «لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا، وَلٰكِنَّ بَانِيَ ٱلْكُلِّ هُوَ ٱللّٰهُ».
أفسس ٢: ١٠ و٣: ٩ وص ١: ٢
لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا كلمة «إنسان» لا وجود لها في اليونانية بل كلمة معناها أحدٌ ما.
وَلٰكِنَّ بَانِيَ ٱلْكُلِّ هُوَ ٱللّٰهُ لا يُعلم إن كان المراد هنا «بالكل» جميع البرايا أو كل جماعة دينية إشارة إلى الكنيسة اليهودية والكنيسة المسيحية ولعل القرينة تقتضي المعنى الثاني فإن الكلام فيهما. وعلى ذلك يكون معنى «بيت» في العبارة الأولى من هذه الباب أيضاً. ولكن ما هو المراد بهذا الكلام الذي معناه الظاهري جليّ وإنما موقعه في حجة الكاتب غامض. وقد يكون ذلك على أحد وجهين الوجه الأول أن كل جماعة مبنبة لله لا بد أن يبنيها أحد يقيمه الله لذلك على أن الباني الحقيقي الأصلي هو الله فأقام موسى في بناء كنيسة العهد القديم كخادم (ع ٥) وأقام المسيح في بناء كنيسة العد الجديد كابن (ع ٦). والوجه الثاني أن المراد «بباني الكل» المسيح الذي هو الله فإن موسى كان في بناء رتبته كخادم وأما المسيح فكابن.
٥ «وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ».
ع ٢ خروج ١٤: ٣١ وعدد ١٢: ٧ وتثنية ٣: ٢٤ ويشوع ١: ٢ و٨: ٣١ وتثنية ١٨: ١٥ و١٨ و١٩
وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً فِي كُلِّ بَيْتِهِ قد تقدّم الكلام على أمانة موسى في خدمته (ع ٢). وأما قوله «بيته» فالضمير عائد إلى الله وهكذا في (ع ٢) والمعنى شعب الله المتمسكون بشريعته والعاملون إرادته. والمراد بجميع العبارة أن موسى كان أميناً في خدمته في كنيسة الله القديمة ولكن -
كَخَادِمٍ لا كرئيس على البيت كما كان المسيح (ع ٦) إلا أن الكلمة الأصلية معناها الخدمة الشريفة لا الدنيّة فإذ كان موسى خادماً في بيت الله لا رئيساً عليه كما كان المسيح كانت خدمته شريفة لأنها خدمة الله فإن العبد إذا كان عبداً لمملوك يكون دنيّاً وليس كذلك إذا كان عبداً لملك بل تفيد الكلمة حينئذ الشرف والأشرف من ذلك عبد الله أو رجل الله أو خادم الله. وأما خدمة موسى فكانت أنه اتبع أوامر الله في تعليمه الشعب اليهودي وترتيب رتبتهم الخاصة بهم. وتسمية الله فيه «أما عبدي موسى» الخ (عدد ١٢: ٧) ونتج منها أن موسى لم يكن مشترعاً أي واضعاً الشريعة بل كان مرسلاً من واضعها.
شَهَادَةً ليس المراد «بالشهادة» هنا أكثر من الإنذار والتعليم كما جرى استعمالها كثيراً بهذا المعنى في العهد الجديد (أعمال ٢٠: ٢١ و٢٣ و٢٤).
لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ يحتمل أن يكون المعنى لما كان مأموراً أن يعلّم به بني إسرائيل غير أن هذا التفسير لا يوافق زماناً مستقبلاً مشاراً إليه في كلام العبارة. فالأولى حمله مع جمهور المفسرين على الديانة المسيحية التي كانت تعاليم موسى تشير إليها كما يشير الرمز إلى المرموز إليه. ومما يؤيد هذا التفسير قول المسيح لليهود «لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي» (يوحنا ٥: ٤٦) بمعنى أن معظم ديانة موسى كانت رموزاً وإشارات تمت في المسيح وديانته. وإلى هذا الأمر يتجه أكثر هذا الرسالة.
٦ «وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَكَٱبْنٍ عَلَى بَيْتِهِ. وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ ٱلرَّجَاءِ وَٱفْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى ٱلنِّهَايَةِ».
ص ١: ٢ و١كورنثوس ٣: ١٦ و٦: ١٩ و٢كورنثوس ٦: ١٦ وأفسس ٢: ٢١ و٢٢ و١تيموثاوس ٣: ١٥ و١بطرس ٢: ٥ ومتّى ١٠: ٢٢ و٣٤: ١٣ ورومية ٥: ٢ وكولوسي ١: ٢٣ وع ١٤ وص ٦: ١١ و١٠: ٣٥
وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ في بنائه كنيسة العهد الجديد.
فَكَٱبْنٍ عَلَى بَيْتِهِ الضمير يعود على الأصح إلى الله أي كنيسة الله. وهنا قد ظهرت المقابلة بين موسى في الرتبة القديمة والمسيح في الرتبة الجديدة فالأول كان خادماً في بيت الله وهو عضو منه وخاضع لنظامه والثاني كان رئيساً عليه كابن لا كخادم. وجه الاتفاق بين موسى والمسيح هو الأمانة ووجها الاختلاف ما يأتي (١) إن موسى كان خادماً أما المسيح فابنٌ (٢) إن موسى كان ضمن البيت وأحد أهله وأما المسيح ففوق البيت. وكانت أمانة المسيح آخر أي أمانة ابن. والبيت هو بيت واحد مع اختلاف خدمته فإنه للكنيسة الموسوية الرموز وللكنيسة المسيحية المرموز إليه وللكنيسة الموسوية الصّور وللكنيسة المسيحية الحقيقة.
وَبَيْتُهُ نَحْنُ أي نحن شعب الله وكنيسته ويريد بالضمير جميع الذين يعترفون بالديانة المسيحية يهوداً كانوا أو أمماً.
إِنْ تَمَسَّكْنَا أي نكون من شعب الله بشرط أن تمسك -
بِثِقَةِ ٱلرَّجَاءِ وَٱفْتِخَارِهِ الكلمة المترجمة هنا «ثقة» معناها الأول حرية التكلم بجراءة ثم استعملت للدلالة على الجراءة والثقة و «الرجاء» هو ما يُرجى من نيل المغفرة هنا والخلاص الأبدي بعد الموت «وافتخاره» نعت فيه المعنى للرجاء أي هو رجاء يفتخر به. والمعنى إن تمسكنا بثقة بالرجاء الثمين المجيد الجدير أن يُفتخر به أو الذي يُوثق أن يُفتخر به.
ثَابِتَةً حال من ثقة بحسب تركيب الترجمة العربية وقد يكون المعنى عائداً إلى «التمسك» أي إذا تمسكنا تمسكاً ثابتاً -
إِلَى ٱلنِّهَايَةِ أي إلى نهاية الحياة. والمراد بجميع العبارة أننا نكون من شعب الله وأهله إذا تمسكنا بالإقرار المسيحي والرجاء المجيد الذي تقدمه لنا الديانة المسيحية على الدوام وإلى النهاية ولو احتملنا ما عظُم من الاضطهاد والمقاومة بشأن ذلك. وفي هذا الكلام مناسبة عظيمة لحال العبرانيين المؤمنين بالمسيح الذين كانوا يحتملون المقاومة لأجل إيمانهم وكانوا في خطر من الارتداد عنه.
٧ «لِذٰلِكَ كَمَا يَقُولُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ: ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ».
٢صموئيل ٢٣: ٢ وأعمال ١: ١٦ ومزمور ٩٥: ٧ وع ١٥
هنا الكاتب يخاطب اليهود المؤمنين بكلام منقول عن العهد القديم موافق لحالهم بقصد تثبيتهم في إيمانهم وعدم ارتدادهم عنه.
لِذٰلِكَ أي بناء على ما تقدم من فضل المسيح على موسى أو بناء على ما أتى في الآية السابقة من قوله «وبيته نحن إن تمسكنا» الخ وتكملة الجملة غير واضحة والأرجح أنها في (ع ١٢) والمعنى بما أنكم بيت الله... لذلك... انظروا أن لا يكون الخ.
كَمَا يَقُولُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ (مزمور ٩٥: ٧ - ١١) عندما يقتبس الكاتب هذه الكلمات مرة أخرى في (ص ٤: ٧) يقول أن داود قائلها وهنا ينسب القول إلى الروح القدس فيكون المعنى أن الروح القدس كان يتكلم بفم داود أو بكلام آخر كان داود ملهماً من الروح القدس في ما كتبه. ومن هذا كثير في العهد الجديد والمراد أن الكتب المقدسة ألهم الروح القدس بها.
ٱلْيَوْمَ بمعنى الآن وفيه تمييز للعهد الجديد عن العهد القديم.
إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ أي بينما أنتم تسمعون صوته. صوت الله في العهد القديم وصوت ابنه الآن. والموضوع مقدر ولكنه ظاهر مما سيأتي وهو الدخول إلى راحته. «صوته» أي أقواله المنذرة التي تحثكم على الدخول إلى الراحة.
٨ «فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي ٱلإِسْخَاطِ، يَوْمَ ٱلتَّجْرِبَةِ فِي ٱلْقَفْرِ».
فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ يراد «بالقلب» على طريق المجاز مجلس العواطف والإحساسات فإذا وصل الأمر في الإنسان إلى عدم الإحساس يقال أنه قاسي القلب. والمراد هنا بقساوة القلب أن أوامر الله ووعده ووعيده لا تؤثر فيه. والإنسان قد يأتي بنفسه إلى هذه الحالة بواسطة مبادئ الكفر والرداءة والتصرفات الشهوانية وترك الصلاة والاجتماعات الروحية ومطالعة الكتاب المقدس واستماع الكلمة بدون الطاعة لها. وأما النهي في العبارة فمعناه لا تسلّموا أنفسكم إلى مبادئ غير صحيحة في الدين وإلى التطوّح في الدنيا حتى تقسو قلوبكم فلا يفعل فيكم صوت الله.
كَمَا فِي ٱلإِسْخَاطِ الإغضاب أو المغاضبة الشديدة وإنما الكلمة في المكان الأصلي المنقولة عنه جميع العبارة (مزمور ٩٥: ٧) الخ مريبة حيث خاصم الإسرائيليون الله وتذمروا عليه (خروج ١٧: ٧) فدُعي اسم ذلك المكان مريبة أي الخصام. ولم تكن هذه الواقعة الوحيدة التي فيها أغضب الله بنو إسرائيل وإنما أُشير إليها على الخصوص لأنهم أظهروا عدم إرادتهم في الدخول إلى أرض كنعان فلذلك أقسم الله أن لا يدخلها أهل ذلك الجيل.
يَوْمَ ٱلتَّجْرِبَةِ فِي ٱلْقَفْرِ الإشارة إلى زمان تيه بني إسرائيل في القفر ولا سيما واقعة مريبة.
٩ «حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. ٱخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً».
حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ سلفاؤكم وأما قوله «جربني» فالفعل في اليوناني معناه (١) التملق للخطية وليس هذا المراد هنا. (٢) الامتحان وهو المراد أي أن عدم إيمان الإسرائيليين وتذمّرهم كانا (كما تكلم على الإنسان) امتحاناً لصبر الله وطول أناته.
ٱخْتَبَرُونِي امتحنوني أيضاً والتكرار لزيادة الإيضاح.
وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً الواو هنا بمعنى مع أن أي أنهم كانوا يجربون الله مع أن أعماله وعنايته والمعجزات التي أجراها أمامهم ولأجلهم كانت ظاهرة بينهم مدة أربعين سنة. تعلق الظرف هنا بقوله «أبصروا» أي أنهم أبصروا أعماله مدة هذه السنين المذكورة. وأما في العبراني فبحسب تقسيم المزمور إلى أعداد قد علقوا الظرف بقوله «مقتّ» في العدد التالي ولا فرق في المعنى فإنه تعالى إن كان مقتهم أربعين سنة فذلك لأنهم جربوه أربعين سنة وإن كانوا جربوه أربعين سنة فمقتهم تلك المدة كلها.
١٠ «لِذٰلِكَ مَقَتُّ ذٰلِكَ ٱلْجِيلَ، وَقُلْتُ إِنَّهُمْ دَائِماً يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي».
لِذٰلِكَ أي لأجل تجربتهم إياي وهذه الكلمة ليس لها وجود لا في العبراني ولا في الترجمة السبعينية وقد أضافها الكاتب لبيان المعنى.
مَقَتُّ أي غضبت وكرهت.
ذٰلِكَ ٱلْجِيلَ أي أهله.
وَقُلْتُ القائل هو الله.
إِنَّهُمْ دَائِماً يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ فلم يكن ضلالهم عقلياً من ضعف أو تشويش في القوة الحاكمة فإن هذا يُعذر في أكثر الأحوال بل كان في قلوبهم أي أنه كان ناتجاً عن فساد في القلب وانحراف رديء فيهم كما أن أكثر الضلال الذي في العالم راجع إلى هذا المصدر.
وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي كلمة «ولكن» من صلة قوله «وأبصروا أعمالي» فالمعنى أبصروا أعمال ولكنهم لم يعرفوا سبلي. والبعض يترجمون الحرف الأصلي بحرف عطف على نفي فيقال «ولم يعرفوا سبيلي» أي ولم يفهموا ويستصوبوا طرقي فلم يثقوا بي ويسلموا لي عندما أخرجتهم من أرض مصر لأجل إدخالهم إلى أرض كنعان.
١١ «حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي».
حَتَّى حرف ابتداء يفيد التعليل. والتقدير أنه لأجل عدم إيمانهم وتجربتهم إياي وقصاصاً لهم على ذلك.
أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي الذي حرّكوه بواسطة شرّهم. والقول هنا من جهة الله مجازي من باب أن يُنسب إليه ما يُنسب إلى الإنسان. فالأقسام والغضب ليسا في الله حقيقة وإنما نُسبا إليه كما يُنسبان إلى الإنسان لكي نقدر أن نفهم أعماله تعالى التي كانت من جهة بني إسرائيل كما تكون أعمال الإنسان. فليس المراد أكثر من أن الله حقق لهم أن لا يدخلوا راحته مجازاة عادلة على أعمالهم.
لَنْ يَدْخُلُوا «لن» حرف نفي في العبراني يتبع القسم. وفي العربية قد اختلفوا هل يفيد زماناً مقيداً أو بلا نهاية والصحيح أنه قد تغلب استعماله بالمعنى الآخر وقد ورد أحياناً بالمعنى الأول. والمراد هنا لا يدخلونها أبداً لأنهم ماتوا جميعاً في البرية ما عدا يشوع وكالب ودخلها أولادهم فقط.
رَاحَتِي أما راحته في اقتياد بني إسرائيل إلى كنعان كما قيل أنه «استراح في اليوم السابع» أو هي الراحة التي أعدها لهم بالنظر إلى عبوديتهم في مصر ومشقات الطريق وهو الأصح.
١٢ «اُنْظُرُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ بِعَدَمِ إِيمَانٍ فِي ٱلارْتِدَادِ عَنِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ».
في هذه الآية وما يليها يذكر الكاتب مناسبة الاقتباس الذي سبق من جهة بني إسرائيل لليهود المؤمنين بالإنجيل. فإنه كما أن الإسرائيليين جربوا الله بعدم إيمانهم فأقسم أنهم لن يدخلوا أرض كنعان كذلك المسيحيون من اليهود الذين إذا ربوا عدم الإيمان في قلوبهم فلا يدخلون كنعان السماوية.
اُنْظُرُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ بناء على ما تقدم من حال الإسرائيليين.
أَنْ لاَ يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ كما كان فيهم لما جربوا الله وأخطأوا فنالوا القصاص.
بِعَدَمِ إِيمَانٍ أي غير مؤمن وهو يعود إلى «قلب» ومفسر لقوله «شرير».
فِي ٱلارْتِدَادِ عَنِ ٱللّٰهِ أي الرجوع عنه تعالى إلى الديانة المسيحية والكفر بإنجيله. وربما في ذلك إشارة إلى قول العبرانيين بعضهم لبعض وهم على الطريق «نُقِيمُ رَئِيساً وَنَرْجِعُ إِلَى مِصْرَ» (عدد ١٤: ٤).
ٱلْحَيِّ وقد وُصف تعالى «بالحي» إما لكونه حياً بالنظر إلى الآلهة الكاذبة التي ليس فيها حياة أو لكونه الدائم كما وصف الماء بكونه حياً (يوحنا ٤: ١١ و٧: ٣٨) أي غير منقطع بالنظر إلى المياه التي تتقطع فلا تجري في أزمنة الجفاف مثلاً أو لكونه مصدر الحياة ومعطيها.
١٣ «بَلْ عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ، مَا دَامَ ٱلْوَقْتُ يُدْعَى ٱلْيَوْمَ، لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِغُرُورِ ٱلْخَطِيَّةِ».
بَلْ أي بدلاً من عدم الإيمان والارتداد.
عِظُوا أَنْفُسَكُمْ بمعنى بعضكم بعضاً.
كُلَّ يَوْمٍ أي على الدوام.
مَا دَامَ ٱلْوَقْتُ يُدْعَى ٱلْيَوْمَ أي ما دام لكم الزمان والفرصة.
لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ فيبطل شعور القلب بتأثير الحق.
بِغُرُورِ ٱلْخَطِيَّةِ أي بواسطة خداع الخطية التي تتملق الإنسان وتغشه سواء كان ذلك من خوف الاضطهاد أو من طبيعة الخطية مطلقاً التي شأنها أن تقود الإنسان من طاعة الله إلى ولايتها عليه أو من الوساوس التي يقررها في أذهانهم المعلمون الكذبة.
١٤ «لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ ٱلْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ ٱلثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى ٱلنِّهَايَةِ».
ع ٦
لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ أي قد صار لنا نصيب في -
ٱلْمَسِيحِ أي في بركات ديانة المسيح أو كنيسته.
إِنْ تَمَسَّكْنَا أي بقينا متمسكين.
بِبَدَاءَةِ ٱلثِّقَةِ ترجمة حرفية عن اليوناني واليوناني أسلوب عبراني حيث يجعلون الصفة مضافاً الموصوف مضافاً إليه فيكون المعنى الثقة المبدوء بها أي الإيمان الوثيق الذي ابتدأتم به.
ثَابِتَةً إِلَى ٱلنِّهَايَةِ أي بدون انقطاع إلى نهاية التجربة للعدول عنها أو إلى نهاية الحياة.
١٥ «إِذْ قِيلَ: ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي ٱلإِسْخَاطِ».
ع ٧
إِذْ قِيلَ معنى اليوناني بالنظر إلى ما قيل أو كما قيل والمراد تذكير المخاطبين بما اقتبسه سابقاً ولم يذكر هنا إلا بعضه وقد سبق تفسير قوله -
ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي ٱلإِسْخَاطِ (ع ٨) «اليوم» أي الآن بينما أنتم تسمعون صوته.
١٦ «فَمَنْ هُمُ ٱلَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ أَلَيْسَ جَمِيعُ ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟».
عدد ١٤: ٢ و٤ و١١ و٢٤ و٣٠ وتثنية ١: ٣٤ و٣٦ و٣٨
فَمَنْ هُمُ ٱلَّذِينَ وفي بعض التراجم «بعضهم إذ سمعوا أسخطوا».
إِذْ سَمِعُوا خبر الجواسيس الذين وردت قصتهم في سفر العدد (ص ١٣ و١٤) أو صوت الله المشار إليه في العدد السابق وهو الأقرب.
أَسْخَطُوا أي حركوا غضب الله عليهم.
أَلَيْسَ بحسب مقتضى العبارة الكلام على طريق الاستفهام ولكن من لا يجعل الجزء الأول منها استفهامياً يترجم الكلمة الأصلية هنا بغير أن. وعلى ذلك يكون المعنى أن بعضهم إذ سمعوا أسخطوا الله فمنعهم من الدخول إلى كنعان غير أن ليس جميع الذين خرجوا من مصر أسخطوا ومنعوا من الدخول بل بعضهم دخل. هذا كان تفسير أكثر القدماء وأما المحققون المتأخرون فيفهمون العبارة كما تُرجمت في العربية وهو الأصح لأن الذين أسخطوا لم يكونوا البعض بل الأكثرين.
جَمِيعُ البالغين إلا يشوع وكالب وبعضهم يستثني اللاويين أيضاً لعدم مشاركتهم في الحروب.
ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى أي تحت رئاسته.
١٧ «وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ أَلَيْسَ ٱلَّذِينَ أَخْطَأُوا، ٱلَّذِينَ جُثَثُهُمْ سَقَطَتْ فِي ٱلْقَفْرِ؟».
عدد ١٤: ٢٢ و٢٩ الخ و٢٦: ٦٥ ومزمور ١٠٦: ٢٦ و١كورنثوس ١٠: ٥ ويهوذا ٥
وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً الظرف المعلق هنا «بمقتَ» كان معلقاً في الأصل بقوله «أبصروا أعمالي» (ع ١٠).
أَلَيْسَ ٱلَّذِينَ أَخْطَأُوا لما عصوا الله وتذمروا عليه لعدم إيمانهم.
ٱلَّذِينَ جُثَثُهُمْ في الأصل أعضاؤهم من باب استعمال البعض للكل.
سَقَطَتْ فِي ٱلْقَفْرِ أي هلكوا قبل وصولهم إلى أرض كنعان.
١٨ «وَلِمَنْ أَقْسَمَ لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟».
عدد ١٤: ٣٠ وتثنية ١: ٣٤ و٣٥
وَلِمَنْ أَقْسَمَ لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا الكلمة الأصلية لقوله «الذين لم يطيعوا» قد ترجمها جمهور المفسرين بالذين لم يؤمنوا وأما الترجمة العربية فمسندة إلى قاموس العلامة روبنصن ومثلها في (ص ١١: ٣١) وكثير من المحققين يفهمها بالمعنى المذكور.
١٩ «فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ ٱلإِيمَانِ».
ص ٤: ٦
فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ ٱلإِيمَانِ فكانت جبانتهم ناتجة عن عدم إيمانهم بالله الذي وعدهم بأنه يكون معهم في حروبهم ويعطيهم النجاح والغلبة والتملك مع أن يد الله كانت ظاهرة بينهم بالآيات لإجارتهم وإنقاذهم فكانت الحجة عليهم كما كانت على بني البشر الذين على رغم ما أعلنه الله في نور الطبيعة ونور الوحي من جهة عالم الثواب والعقاب يخطئون لعدم إيمانهم. وهكذا دخلت الخطية في أول الأمر لما عصى أبوانا الأولان الله ولم يؤمنا بأنهما إذا أكلا من الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها يموتان. وكانت غاية الكاتب في جميع هذا الكلام أن يبين أن خطية الكفر عظيمة جداً أمام الله وتؤدي إلى عقاب شديد للذين يسقطون فيها.
فوائد



  • إنه يجب على جميع الذين يسمعون الإنجيل ويقرون به أن يكونوا إخوة مقدسين. وجميع الذين هم شركاء الدعوة السماوية يُقدسون ويتحدون برباطات المحبة.
  • إن الأمانة لله واجبة على كل إنسان مهما كانت خدمته ولا سيما على المقامين لخدمة الله في الأشياء المقدسة. لكن مهما كان الإنسان أميناً فلا يزال قاصراً جداً عن المطلوب منه وعن المثال السامي الذي قدمه لنا المسيح في خدمته على الأرض لأبيه السماوي وللبشر الذين نزل لكي يخلصهم.
  • إنه كما أن الخليقة والإتقان العجيب الذي يُشاهد فيها برهان لا يُرد على أن مصدرها هو الله كذلك جميع ما يُشاهد في حياة المسيحيين من التقوى والصلاح والرحمة وعمل الخير برهان على أن واضع الديانة المسيحية والعامل بها في قلوب البشر لم يكن إنساناً فقط بل كان إلهاً أيضاً.
  • إن عدم الإيمان من الأمور التي يكرهها الله شديد الكره والمضرّة بالنفس. وإذا كان البرهان كافياً لإحداثه وأصرّ الإنسان على الكفر دل ذلك على قساوة القلب. ولما كان عدم الإيمان حينئذ غير معذور عليه فيعامله الله بالسخط والقصاص كما عامل الإسرائيليين أربعين سنة في التيه وحرم ذلك الجيل غير المؤمن من الدخول إلى أرض كنعان.




اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ


في هذا الأصحاح استمرّ الكاتب يستخدم الاقتباسات التي ذكرها في الأصحاح السابق لحال اليهود المؤمنين بقصد تثبيتهم في الإيمان المسيحي ودفعاً لارتدادهم عنه إلى ديانتهم القديمة. ولكن في إعادة النظر إلى الآيات المقتبسة يلتفت إلى معناها الروحي فالراحة التي مُنع بنو إسرائيل من الدخول إليها كانت راحة كنعان الأرضية ولكنها كانت رمزاً إلى راحة أخرى روحية سماوية والدليل على ذلك:
(١) إن الله قد سماها راحته (ع ٣).
(٢) إن داود قد تكلم على هذه الراحة وكان ذلك زماناً طويلاً بعد دخول بني إسرائيل إلى أرض كنعان فإذاً كان المراد بالراحة غير الراحة التي نالوها في الأرض المقدسة بل هي الراحة السماوية (ع ٧). فيكون مراد الكاتب من جميع ذلك أن الكلام الذي كان في أول الأمر في شأن الإسرائيليين هو لجميع الذين يخاطبهم الله في إنجيله وإنه كما أن اليهود الذين خرجوا مع موسى لم يدخلوا كنعان لعدم إيمانهم بأنه تعالى قادر أن يدخلهم إليها وتذمرهم عليه في مشقة السفر وعصيانهم عليه لما أمرهم أن يدخلوا الأرض هكذا في العهد الجديد الذين لا يحتملون مصاعب الديانة المسيحية والمقاومة التي ينشئها أعداء الحق فيضعف إيمانهم بالله وتغويهم الراحة الجسدية عن الراحة السماوية لا يدخلهم الله إلى راحته العليا.
ثم في نهاية الأصحاح يوجه الكاتب أفكارهم إلى يسوع رئيس الكهنة الذي قد جُرّب مثلهم ويرثي لهم في ضعفاتهم ويعطيهم النعمة والعون في زمان الحاجة (ع ١٤). ومناسبة هذا الكلام لغاية الكاتب ظاهرة.
١ «فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِٱلدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ!».
ص ١٢: ١٥
فَلْنَخَفْ الفاء سببية والمعنى إذا مُنع الإسرائيليون من الدخول إلى أرض كنعان لعدم إيمانهم وعصيانهم لنخف أي لنحتذر من أن يصيبنا ما أصابهم.
أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ أي إذ لا يزال الوعد باقياً كما يبرهن الكاتب في هذا الأصحاح أن الوعد بالراحة لم يكن خاصاً ببني إسرائيل ولكنه يمتد إلى العهد الجديد حيث تكون الراحة فيه راحة سماوية لا راحة أرضية.
بِٱلدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ في السماء.
يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ وفي بعض النسخ منّا.
أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ أي قصر عن نيل الوعد أو بركات الخلاص المسيحي الموعود بها. وفي اليوناني يوجد فعل داخل على قوله «خاب» تصعب ترجمته إلى لغة أخرى ويقال أنه يُستعمل أحياناً لتلطيف العبارة كما في هذه الآية على قول ثاوفيلكتوس وغيره.
٢ «لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضاً قَدْ بُشِّرْنَا كَمَا أُولَئِكَ، لٰكِنْ لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ ٱلْخَبَرِ أُولَئِكَ. إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِٱلإِيمَانِ فِي ٱلَّذِينَ سَمِعُوا».
رومية ١: ١٦ و١٧ وغلاطية ٣: ٢ و٥ و١تسالونيكي ٢: ١٣
لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضاً قَدْ بُشِّرْنَا إثبات لقوله أنه لا يزال الوعد باقياً في الآية السابقة فإن الوعد لم يكن للأقدمين فقط بل هو لنا نحن أيضاً الذين بُشرنا ببشارة العهد الجديد أي الأخبار بما يفرح.
كَمَا أُولَئِكَ كالإسرائيليين في العهد القديم.
لٰكِنْ لَمْ تَنْفَعْ أي ما أفادتهم شيئاً.
كَلِمَةُ ٱلْخَبَرِ الكلمة المسموعة عندهم أو كلمة بشارتهم «بالراحة» وهو ما يقتضيه الموضوع. على أن أكثرهم يحملونها على نقل عبراني معناه القول المختبر به.
أُولَئِكَ إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِٱلإِيمَانِ أي لم يصاحبها إيمان عند سماعها. وبعضهم يفهم «الامتزاج» هنا مجازاً عن التمثيل الذي يحصل من تناول الغذاء في الجسد ولا داعي إلى ذلك.
فِي ٱلَّذِينَ سَمِعُوا أي الإسرائيليين غير المؤمنين العصاة.
٣ «لأَنَّنَا نَحْنُ ٱلْمُؤْمِنِينَ نَدْخُلُ ٱلرَّاحَةَ، كَمَا قَالَ: حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي! مَعَ كَوْنِ ٱلأَعْمَالِ قَدْ أُكْمِلَتْ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ».
ص ٣: ١٤ ومزمور ٩٥: ١١ وص ٣: ١١
في هذه الآية وما يليها إلى ع ١٠ يثبت الكاتب أن الراحة التي يشير إليها الاقتباس من العهد القديم (مزمور ٩٥: ١١) لم تكن الراحة الزمنية التي نالها بنو إسرائيل في أرض كنعان بل هي راحة في السماء بواسطة العهد الجديد فكما أن العهد القديم بوجه العموم كان رمزاً إلى العهد الجديد كذلك كانت الراحة المذكورة.
لأَنَّنَا العلاقة بين هذه الآية وما سبقها بحسب الظاهر هي إعادة حرف التعليل في بداءة السابقة.
نَحْنُ ٱلْمُؤْمِنِينَ لما نسب عدم الدخول إلى الراحة لعدم الإيمان قال هنا إن الذين يدخلون الراحة هم المؤمنون دلالة على أن الإيمان هو واسطة التبرير والخلاص.
نَدْخُلُ في اليوناني الفعل في الزمان الحاضر مع أن المستقبل هو المراد وذلك إما لاصطلاح في كثير من اللغات حيث يكون الحاضر للمستقبل وأحياناً للماضي أو كما يقول البيانيّون لتأكيد وقوع الأمر كما قيل مثلاً سقطت بابل (رؤيا ١٨: ٢) والمراد سقوطها في المستقبل.
ٱلرَّاحَةَ السماوية.
كَمَا قَالَ إثبات لقول الكاتب.
حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي فإذ لم يدخلوا لعدم إيمانهم كان الدخول للمؤمنين.
مَعَ كَوْنِ ٱلأَعْمَالِ أي أعمال الخليقة.
قَدْ أُكْمِلَتْ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ أي منذ خلق الله العالم فلم تكن الراحة التي حصل عليها بنو إسرائيل هذه الراحة التي قيل فيها «وَٱسْتَرَاحَ ٱللّٰهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ» (ع ٤) وإنما في تسمية الله لدخول اليهود أرض كنعان راحة كُني بذلك عن راحة أخرى سماوية شبيهة براحة الله.
٤ «لأَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ عَنِ ٱلسَّابِعِ: وَٱسْتَرَاحَ ٱللّٰهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ».
تكوين ٢: ٢ وخروج ٢٠: ١١ و٣١: ١٧
لأَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ (تكوين ٢: ٣) لا هنا ولا في غير مكان يُذكر في العهد الجديد المحل المنقول عنه من العهد القديم وإنما أحياناً يذكر اسم الكتاب المقتبس منه باسم كاتبه. والسبب لذلك أن معرفة اليهود بكتبهم كانت جيدة فلم يلزم أن يُذكر بالتدقيق اسم الكتاب أو الفصل المنقول عنه.
عَنِ ٱلسَّابِعِ اليوم السابع.
وَٱسْتَرَاحَ ٱللّٰهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِه راحة الله في اليوم السابع لم تكن حقيقة بل مجازاً بمعنى أنه كف عن العمل فنُسب إليه ما يُنسب إلى الإنسان كما قيل قبلاً أن «السماوات عمل يديك». وليس المعنى المجازي أكثر من أن الله قد استعمل قوة عظيمة في خلق العالم وعند النهاية كف عن أعماله في الخليقة على أنه تعالى لم يزل معتنياً بالكون ومدبراً له.
٥ «وَفِي هٰذَا أَيْضاً: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي».
وَفِي هٰذَا أَيْضاً الاقتباس الأول كان من (تكوين ٢: ٣) والثاني المشار إليه هنا (مزمور ٩٥: ١١).
لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي وهذه الراحة لم تكن ما نالها الإسرائيليون في أرض كنعان لأن في زمان داود كاتب المزمور كان اليهود قد تملكوها منذ زمان طويل. والمعنى أن الله يتكلم في هذين المكانين عن راحة هي غير راحة بني إسرائيل في أرض كنعان ومراد الكاتب أن يثبت الراحة الأبدية التي كانت راحة الإسرائيليين رمزاً إليها.
٦ «فَإِذْ بَقِيَ أَنَّ قَوْماً يَدْخُلُونَهَا، وَٱلَّذِينَ بُشِّرُوا أَوَّلاً لَمْ يَدْخُلُوا لِسَبَبِ ٱلْعِصْيَانِ».
ص ٣: ١٩
فَإِذْ بَقِيَ للإسرائيليين الذين كانوا حينئذ في أرض كنعان راحة أخرى.
أَنَّ قَوْماً يَدْخُلُونَهَا هم المؤمنون.
وَٱلَّذِينَ بُشِّرُوا أَوَّلاً من الإسرائيليين لما كانوا في البرية.
لَمْ يَدْخُلُوا لِسَبَبِ ٱلْعِصْيَانِ نتج من ذلك أن الذين يدخلون راحته السماوية هم المؤمنون فقط لأنه لا يُنقض قصد الله فإنه أعدّ راحة المؤمنين والإسرائيليون لم يدخلوها لعدم إيمانهم فلا بد من دخول غيرهم إليها.
٧ «يُعَيِّنُ أَيْضاً يَوْماً قَائِلاً فِي دَاوُدَ: ٱلْيَوْمَ بَعْدَ زَمَانٍ هٰذَا مِقْدَارُهُ، كَمَا قِيلَ: ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ».
مزمور ٩٥: ٧ وص ٣: ٧
يُعَيِّنُ علاقة الكلام بحسب الترجمة العربية هي أن الفعل هنا واقع في جواب «إذ» في بداءة العدد السابق وهذا الترتيب ظاهر في الأصل اليوناني.
أَيْضاً أي عَوداً على مثل ما ذُكر والمعنى أن الله قد عيّن يوماً آخر للراحة الخ.
يَوْماً اي زماناً لراحة غير راحته تعالى في اليوم السابع وغير راحة الإسرائيليين في أرض كنعان بل هي الراحة السماوية التي كل احتجاج الكاتب يتجه إليها.
قَائِلاً فِي دَاوُدَ (مزمور ٩٥: ١١) أي بلسان داود أو في الكتاب الذي أكثره لدواد ولذلك نُسب إليه.
ٱلْيَوْمَ هي الكلمة التي حجّة الكاتب من جهة حقيقة الراحة مبنية عليها.
بَعْدَ زَمَانٍ هٰذَا مِقْدَارُهُ لما كُتب المزمور المنقول عنه كان قد صار لليهود نحو ٥٠٠ سنة في أرض كنعان فيكون معنى الكاتب أنه لما قصد داود أو كاتب هذا المزمور حثّ الناس على الإيمان والطاعة ذكر لهم راحة غير الراحة في أرضهم هي الراحة السماوية عند الله.
كَمَا قِيلَ أعاد الشهادة تقريراً للبيان.
ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ قد سبق تفسير العبارة في (ص ٣: ٧ و٨).
٨ «لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَشُوعُ قَدْ أَرَاحَهُمْ لَمَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذٰلِكَ عَنْ يَوْمٍ آخَرَ».
لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَشُوعُ عندما أدخل اليهود إلى أرض كنعان.
قَدْ أَرَاحَهُمْ على تمام المعنى المراد بوعد الله من جهة الراحة.
لَمَا تَكَلَّمَ الروح القدس.
بَعْدَ ذٰلِكَ بخمس مئة سنة في زمان داود.
عَنْ يَوْمٍ آخَرَ للدخول إلى راحة الله. هذه الآية بيان للآية السابقة.
٩ «إِذاً بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ ٱللّٰهِ!».
إِذاً هنا نتيجة كلام الكاتب ومفتاح لمعناه في ما سبق وقد كان غامضاً بسبب تقدير كثير من معانيه فيُترك استنتاجها للقارئ.
بَقِيَتْ ما عدا الراحة في أرض كنعان.
رَاحَةٌ روحية في السماء. الكلمة الأصلية المترجمة بكلمة «راحة» هنا غير المترجمة بكلمة «راحة» سابقاً أي سَبَتِسموس أدخلها الكاتب من العبراني ومعناها حسب استعمالها الدائم في العبراني راحة مقدسة دينية روحية كراحة يوم السبت. وقدماء اليهود فهموا أن السبت رمز إلى الراحة السماوية.
لِشَعْبِ ٱللّٰهِ المؤمنيين. وقد يُعبر عن معنى هذه الآية هكذا «إذاً إذ لم ينل اليهود جميع الراحة المراد بها في الوعد الإلهي ثبت من ذلك وجود راحة في السماء للمؤمنين في جميع العصور». فيكون قول الذين يزعمون أن اليهود لم يكن عندهم معرفة خلود النفس والمجازاة الأخيرة غير صحيح لأن هذه العقائد كانت مضمنة في عهد الله مع إبراهيم وظاهرة في تفاسير الأنبياء لهذا العهد.
١٠ «لأَنَّ ٱلَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ ٱسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضاً مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا ٱللّٰهُ مِنْ أَعْمَالِهِ».
لأَنَّ المؤمن.
ٱلَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ راحة الله في السماء.
ٱسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضاً مِنْ أَعْمَالِه أي أتعابه في هذه الحياة ومشقاته في طريق الخلاص الصعب واحتماله الكروب في خدمة المسيح فينظر إليها جميعها عند وصوله إلى السماء بفرح.
كَمَا ٱللّٰهُ مِنْ أَعْمَالِهِ لما خلق العالم ورأى كل شيء حسناً وفرح بعمله فعُيّر عن جميع ذلك بأنه «استراح في اليوم السابع» وبناء على ذلك قد سُميت راحة المسيحي في السماء «براحة الله» أي أنها شبيهة براحته تعالى. وقد أقام الله يوماً من الأسبوع للراحة وقدّسه وفرضه على الإنسان ليس لأجل تذكر عمل الله للخيلقة في ستة أيام فقط ولكن لأجل أن يعلّمه أن سعادته في الحياة الآتية تقوم بالراحة من شقاء هذه الحياة وأتعابها. وإذ قال إن هذه الراحة تعقب أعماله في هذه الحياة فُهم أن المعنى هو راحة السماء التي راحة السبت رمز إليها وفائدة هذا القول ظاهرة للذين كانوا يكابدون المشقة والاضطهاد ولأجل الإقناع والتحذير من خطر الارتداد للذين كُتبت إليهم هذه الرسالة.
إن المؤمنين يحصلون على الراحة وهم في هذا العالم ولكن راحتهم هنا غير كاملة وهي عربون الراحة السماوية.
١١ «فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ ٱلرَّاحَةَ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ ٱلْعِصْيَانِ هٰذِهِ عَيْنِهَا».
ص ٣: ١٢ و١٨ و١٩
فَلْنَجْتَهِدْ الفاء هنا سببية بمعنى أنه بناء على ما تقدم من أن الراحة السماوية التي يقدمها الإنجيل هي الراحة الحقيقية التي كانت الراحة في أرض كنعان للإسرائيليين رمزاً إليها وهي المشار إليها في قول داود «لنجتهد» أي لنقدم اهتمامنا في تحصيلها على كل اهتمام آخر.
أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ ٱلرَّاحَةَ بقبولنا الإنجيل وتمسكنا به إلى النهاية.
لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ ٱلْعِصْيَانِ هٰذِهِ عَيْنِهَا أي لئلا يسقط أحد في العصيان الذي سقط فيه اليهود عينه لما كانوا في البرية ولم يؤمنوا بأن الله قادر أن يدخلهم الأرض على رغم الجبابرة الذين كانوا سكانها فمنعوا من الدخول إليها لعدم إيمانم وعصيانهم. فإذا شاركهم أحد وسقط في مثال عصيانهم في زمان العهد الجديد يُعاقب كما عُوقبوا ويُمنع من الدخول إلى الراحة السماوية كما مُنعوا هم عن الدخول إلى أرض كنعان.
١٢ «لأَنَّ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ ٱلنَّفْسِ وَٱلرُّوحِ وَٱلْمَفَاصِلِ وَٱلْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ ٱلْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ».
إشعياء ٤٩: ٢ وإرميا ٢٣: ٢٩ و٢كورنثوس ١٠: ٤ و٥ و١بطرس ١: ٢٣ وأمثال ٥: ٤ وأفسس ٦: ١٧ ورؤيا ١: ١٦ و٢: ١٦ و١كورنثوس ١٤: ٢٤ و٢٥
لأَنَّ في الكلام التابع يقدم الكاتب الداعي للخوف من السقوط في العصيان الذي كان قد تكلم عنه في الآية السابقة.
كَلِمَةَ ٱللّٰهِ قد اختلفوا كثيراً في الأزمنة القديمة والحديثة في تفسير هذه الآية ومن الجملة في قوله «كلمة الله» فبعضهم يذهب إلى أن المراد هو المسيح لأنها من الأسماء التي سُمي بها في العهد الجديد ولأن الصفات التي ذُكرت هنا لكلمة الله لا تصح إلا على المسيح وإذا صدقت على كلام الله المعلن فذلك لأنه كلام المسيح. ولكن الأصح أن يُحمل المعنى على كلمة الله بحسب الاستعمال المعتاد. وقد اختلفوا هنا أيضاً في أنه هل المراد تهديدات الله في العهد القديم أو عواقب رفض الإنجيل في العهد الجديد والأكثر يذهبون إلى المعنى الثاني فيكون المعنى على الأصح الإنجيل بما فيه من دعوة الخلاص للمؤمن وعدمه لغير المؤمن.
حَيَّةٌ إما بمعنى مؤثرة إذ يُنسب الفعل دائماً إلى ما فيه الحياة أو دائمة الفعل كما قيل في الله في ما سبق (ص ٣: ١٢) أي أن كلمة الله لم تكن فاعلة في العهد القديم فقط بل هي كذلك في الجديد أيضاً وعلى هذا يُعلق جميع معنى العبارة ويُفهم علاقتها بالآية السابقة.
وَفَعَّالَةٌ ذات فعل عظيم أو قوة عظيمة هو نعت آخر لكلمة الله.
وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ السيف ذو الحدين أمضى من غيره لرقته ولكن كلمة الله أمضى منه (أفسس ٦: ١٧) وكلمة الله تشبه سيفاً لأنها تصل إلى القلب والضمير فتبكت على الخطية وتنشئ في الإنسان الحزن والخوف والرجاء والمحبة والغيرة.
وَخَارِقَةٌ أي داخلة وقاطعة.
إِلَى مَفْرَقِ ليس الكلمة هنا اسم مكان بل هي مصدر ميمي والمعنى أن كلمة الله خارقة حتى أنها تفرق النفس عن الروح أو النفس والروح معاً كلاً على حدته.
ٱلنَّفْسِ وَٱلرُّوحِ كانوا يفهمون «بالنفس» الروح الحيوانية التي يشترك فيها جميع جنس الحيوان و «الروح» النفس العاقلة وعلى ذلك كانوا يعتقدون أن الإنسان مؤلف من الروح التي نسميها الآن النفس العاقلة والنفس التي تسمى الآن بالروح الحيوانية والجسد كما ذُكر ذلك في قول بولس «وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً» (١تسالونيكي ٥: ٢٣) وفي هذا المذهب كلام في كتاب نظام التعليم فارجع إليه (المجلد الثاني الوجه ٣٤).
وَٱلْمَفَاصِلِ وَٱلْمِخَاخِ لما شبّه كلمة الله نظراً إلى قوتها وفعلها بالسيف وقوتها القاطعة أدام التشبيه بالقول أنها خارقة إلى «المفاصل والمخاخ» أي إلى الأماكن العميقة التي لا يصل إليها ويفصلها إلا السيف الحاد جداً وكل ذلك مجاز لما في كلمة الله من القوة في قصاص الذين يعصون أوامرها.
وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ ٱلْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ وصف آخر لكلمة الله أي أن الإنجيل بما فيه من الوعد والوعيد من شأنه أن يميز أفكار الإنسان ونياته. وكما أن المسيح على ما قال سمعان الشيخ «وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ... لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ» (لوقا ٢: ٣٤ و٣٥). هكذا كلمته تفعل في الإنسان فعلاً به تتميز أفكاره ونياته من جهة الإنجيل وواضع الإنجيل. كذا على رأي الأكثرين وأما العلامة ستوارت فذهب إلى أن الذي «يميز أفكار القلب ونياته» هو الله وأنه في هذه العبارة التفات من كلمة الله إلى الله نفسه الذي يميز أفكار الإنسان ونياته واستدل على ذلك من الآية التابعة. وعلى الجملة معنى جميع هذا العدد أن كلمة الله لا تزال حيّة وفعالة في العهد الجديد كما كانت في العهد القديم فإن كان أهل ذلك الزمان مُنعوا من الدخول إلى الراحة لعدم إيمانهم وعصيانهم كذلك الآن من يسمع دعوة الإنجيل يُمنع من الدخول إلى الراحة السماوية إذا كفر بها وارتد عنها.
١٣ «وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذٰلِكَ ٱلَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا».
مزمور ٣٣: ١٣ و١٤ و٩٠: ٨ و١٣٩: ١١ و١٢ وأيوب ٢٦: ٦ و٣٤: ٢١ وأمثال ١٥: ١١
وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ معنى «خليقة» هنا شيء ما من المخلوقات وقد اختلفوا على ما يعود إليه الضمير في قوله «قدامه». فقال البعض هو الله وبحسب ذلك تتفسر جميع العبارة وذهب غيرهم إلى أن ما يعود إليه الضمير هو كلمة الله المذكورة في الآية السابقة والمعنى واحد لأن الله هو في كلمته فيكلم الناس بها.
بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ عبارة تفسيرية لما سبق والمعنى ظاهر.
ذٰلِكَ ٱلَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا أي ذاك الذي نحن مسؤولون له وهو الله الديّان الذي لا يُزدرى به الذي كلمته فعالة وعينه ترى كل البواطن. إن كلمة الله كنور يضيء في الظلمة. ومطالعة الكتاب المقدس تكشف لنا كل خطايانا. ويظهر عدم استحقاقنا من مقابلة أعمالنا الصالحة بشريعة الله الظاهرة وبأعمال المسيح الكاملة. فنضطر إلى أن نأخذ السيف بيدنا وبه نقطع يدنا اليمنى ونقلع عيننا اليمنى. ولكن كلمة الله للحياة لا للموت وبعدما نميت أعضاءنا التي على الأرض يخلق الله فينا قلباً جديداً ويجدد في داخلنا روحاً مستقيماً.
١٤ - ١٦ «١٤ فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ ٱجْتَازَ ٱلسَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِٱلإِقْرَارِ. ١٥ لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. ١٦ فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ ٱلنِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْناً فِي حِينِهِ».
ص ٣: ١ و٧: ٢٦ و٩: ١٢ و٢٤ وص ١٠: ٢٣ وإشعياء ٥٣: ٣ وص ٢: ١٨ ولوقا ٢٢: ٢٨ و٢كورنثوس ٥: ٢١ وص ٧: ٢٦ و١بطرس ٢: ٢٢ و١يوحنا ٣: ٥ وأفسس ٢: ١٨ و٣: ١٢ وص ١٠: ١٩ و٢١ و٢٢
ذهب البعض إلى أن علاقة هذه الآيات هي بما سبق وأنها نتيجة مما تقدم وهكذا يظهر إذا اعتبرنا إضافتها إلى الأصحاح الرابع ونظرنا إلى قوله «فإذ لنا» لأن معنى هذا الحرف في الأصل يفيد غالباً الاستنتاج مما سبق. وذهب بعض المحققين إلى أن هذه الآيات بداءة فصل جديد وأنه يجب وضعها في صدر الأصحاح الخامس بناء على أن الكاتب بعد أن قابل المسيح بالملائكة وأظهر فضله عليهم (ص ١ و٢) وبموسى (ص ٣) وصل به الكلام إلى مقابلته برؤساء الكهنة في العهد القديم ووظائفهم. ومضمون الفصل الجديد الذي بداءته هنا ما يأتي:

  • مقدمة تبين أن للمسيح صفات رئيس كهنة (ص ٤: ١٤ - ٥: ١٠).
  • توبيخ العبرانيين على عدم معرفتهم والتحذير من الارتداد (ص ٥: ١١ - ٦: ٢٠).
  • بيان أن المسيح رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق (ص ٧).
  • بيان الفوائد الناتجة عن خدمة رئيس كهنة كالمذكور (ص ٨: ١ - ١٠: ١٨).


فَإِذْ لَنَا الترجمة العربية تجعل كون المسيح رئيس كهنة سبباً للتمسك بديانته وهو رأي الجمهور.
رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ في الأصل كانت رئاسة الكهنوت لواحد فقط بين جميع الكهنة ثم أُعطي اللقب لنائب الرئيس وللذين خرجوا من الوظيفة ولرؤساء الأربع وعشرين فرقة التي قسم داود الكهنة إليها وهكذا كان الأمر في زمان الكاتب ولكن لما أضاف إليها كلمة «عظيم» تعين أن المقابلة هنا هي بالرئيس الأصلي الذي كان له وحده الحق أن يدخل قدس الأقداس في عيد الكفارة.
قَدِ ٱجْتَازَ ٱلسَّمَاوَاتِ المنظورة إلى الغير المنظورة ليجلس في يمين العظمة في الأعالي (ص ١: ٣). اعتقد اليهود أن السماوات سبع (انظر ص ٧: ١٦) وهو ما يظهر منه أن المسيح اجتاز السماوات بالمعنى أنه صار أعلى منها. وبعضهم يترجم الفعل في الأصل بدخل. وعلى الوجهين الإشارة واضحة إلى مقابلة دخول المسيح إلى القدس السماوي بدخول رئيس الكهنة في العهد القديم إلى قدس الأقداس الأرضي.
يَسُوعُ ٱبْنُ ٱللّٰه بدل من رئيس كهنة للإيضاح.
فَلْنَتَمَسَّكْ بِٱلإِقْرَارِ أي لنحافظ أشد المحافظة والثبات على الديانة المسيحية التي أقررنا بها.
لأَنْ (ع ١٥) أداة للدلالة على أن ما يأتي من الكلام مما يدعو إلى التمسك بالديانة المسيحية والإقبال إلى المخلص بثقة.
لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ لما وجد هنا أداتان للسلب (ليس وغير) كان المعنى الإيجاب أي لنا رئيس كهنة قادر. وقد استعمل الكاتب الشكل السلبي.
أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا أي يرفق بنا وكنا نتوهم العكس لو لم يتأنس المسيح ويشاركنا في الطبيعة البشرية ويختبر صعوبة احتمال المصائب والتجارب.
بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا أي أنه مثل الناس اختبر جميع الضعف الإنساني وذلك على معنيين (١) أنه احتمل المقاومة والبغض والاضطهاد لأجل الحق. (٢) احتمل التجارب من الشيطان ولكن ليس على شكل أنها كانت تفعل فيه كما تفعل فينا لأننا كثيراً ما نخضع لها خضوعاً تاماً أو جزئياً وأما المسيح فلم يخضع لها قط بوجه من الوجوه.
بِلاَ خَطِيَّةٍ قيد صريح لكونه قد تعرّض للتجارب بدون أن يخضع لها. فكان مثلنا في التعرض للتجارب لا في السقوط في الخطية.
كان رئيس الكهنة قادراً أن يرثي لضعفات الشعب لأنه خاطئ مثلهم ولكن كونه خاطئاً جعله غير قادر أن يخلصهم وأما يسوع الكاهن العظيم الكامل في كل صفاته فيقدر أن يرثي لضعفات الشعب لأنه مجرب مثلهم ويقدر أن يخصلهم لأنه بلا خطية.
وأعظم التجارب يصيب الذين لا يسقطون فكان يسوع كمقاتل يبقى يقاتل بعد سقوط كل من سواه من المقاتلين.
ولا أحد يتألم من التجارب كما تألم يسوع منها لأن لا أحد يشعر بشرّ الخطية كما شعر به هو فإن الملوث ثيابه لا يكره الأقذار كاللابس الثياب البيض.
ولا أحد يقدر أن يعرف الخطية كما يعرفها يسوع لأن كل خاطئ ينظر إليها بغرض وميل فاسد. وأما يسوع فلكونه مجرباً بلا خطية ينظرها كما هي بلا غرض ولا ميل.
كان على يسوع تجارب متنوعة فإنه كان ولداً ورجلاً وابناً وخادماً ومعلماً وفقيراً ومحبوباً ومكروهاً جرّبه أعداؤه وأصدقاؤه واجتمع مع الفقراء والمرضى والأغنياء والعلماء. وإذا قيل أن في أيامنا ما لم يكن في يومه نقول أنه كان في يومه جوهر التجارب كلها فلم تختلف عن تجاربنا إلا بالظاهر فقط.
فَلْنَتَقَدَّمْ (ع ١٦) بما أن لنا رئيس كهنة رحيم اختبر ضعفاتنا ويرثي لها وقد قرّب نفسه ذبيحة عن خطايانا وصار وسيطاً وشفيعاً لنا عند الله.
بِثِقَةٍ لأنه قد وضع لنا أساساً لبناء رجاء وثيق عليه.
إِلَى عَرْشِ ٱلنِّعْمَةِ مجاز مبني على الغطاء الذي كان كاروبا المجد يظللانه في قدس الأقداس (ص ٩: ٥ وخروج ٢٥: ١٨) فإن الكاتب يتصور الله جالساً على عرش كما كان يستقر المجد الإلهي على الغطاء «بعرش النعمة» هنا لأنه مجلس الرحمة التي فيها يقابل الله الخاطئ التائب الذي يأتي إليه. فكما أن مجلس الله على سبيل المجاز كان عند اليهود الغطاء حيث كان يسمع صلوات الشعب التي يقدمها رئيس الكهنة ويقبل قرابينهم وذبائحهم هكذا في العهد الجديد يقال أنه جالس على عرش النعمة ورئيس كهنتنا الرب يسوع عن يمينه حتى نستطيع أن نتقدم موقنين بعدم الطرح من أمام وجهه واثقين بالقبول عنده بواسطة المسيح وبواسطة رحمته العظيمة.
لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً مغفرة لخطايانا أو تحنناً على حالنا نظراً إلى ضعفنا والأول هو الأقرب لسبب تغلب هذا المعنى للرحمة.
وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْناً يحتمل الأصل عوناً يُنعم به وأيضاً نعمة لأجل العون أي مساعدة من الله في زمان الشدائد والتجارب.
فِي حِينِهِ وقت الحاجة إلى العون والنجاة.
فوائد



  • إن الإنسان لا يجد راحة حقيقية لنفسه إلا في الله وعنده تعالى ولا يدخل هذه الراحة إلا بالإيمان بمواعيد الله الكريمة في ابنه يسوع المسيح.
  • إن الديانة المسيحية لا تبيح للإنسان الكسل بوجه من الوجوه بل تأمره بالاجتهاد والاقتصاد في كل أموره زمنية كانت أو روحية ولا سيما في طلب خلاص نفسه.
  • إن الله لا يرضى من الإنسان بظواهر التقوى فقط بل يطلب وجودها قبل كل شيء في القلب لأنه لما كان كل شيء مكشوفاً لديه كان المتردي بالتقوى وهو خال منها في الحقيقة مرفوضاً عنده تعالى.
  • إنه قد أُعلن لنا أن الله جالس على عرش النعمة يسمع ويستجيب صلاة الذين يأتون إليه بواسطة المسيح فلنتقدم إليه بتوبة صادقة وإيمان حقيقي طالبين الرحمة والمغفرة والعون الإلهي في جهادنا الروحي وفي تجاربنا الكثيرة.




اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ


بعد أن قابل الكاتب المسيح بالملائكة (ص ١ و٢) وبموسى (ص ٣) وأظهر فضله عليهم جميعاً وذكر في معرض الكلام نصائح كثيرة ذكر في نهاية الأصحاح الذي سبق (ص ٤) إن المسيح رئيس كهنة عظيم فشرع حينئذ في المقابلة بينه وبين كهنة العهد القديم وإظهار فضله عليهم وهذا الكلام يشغل أكثر الرسالة إلى (ص ١٠).
وفي هذا الأصحاح يذكر الكاتب أن رئيس الكهنة في الرتبة اللاوية كان يؤخذ من الناس للقيام بخدمة الله ولا سيما تقديم القرابين والذبائح عن الناس (ع ١). وإذ هو منهم كان يشاركهم في الضعف الإنساني ويقدر أن يترفق بهم (ع ٢). ولذلك كان محتاجاً إلى تقديم الذبيحة عن نفسه كما عن الشعب (ع ٣). ولكن هذه الوظيفة لم يأخذها الإنسان من نفسه بل بدعوة من الله كما دعي هرون وذريته إليها (ع ٤) هكذا المسيح أُقيم لهذه الرتبة من الله (ع ٥ و٦). والتزم فيها التأنس ليكون إنساناً ومشاركاً للإنسان في ضعفه حتى لما كان في الجسد كان معرضاً للتجارب والضيقات كما تشهد صلواته لأجل النجاة ونجاته (ع ٧). ومع أنه كان ابن الله تعلّم الطاعة مما احتمله من الصعوبات لكي يترفق بالذين يطلبون مساعدته على طاعة الله (ع ٨ و٩) ودعوته إلى هذه الوظيفة كانت على رتبة ملكي صادق لا على رتبة هارون (ع ١٠). ثم يلتفت الكاتب إلى الذين كتب لهم ويوبخهم على عدم تقدمهم في المعرفة حتى صار يصعب عليه التكلم لضعف فهمهم الذي يشبه فهم الأطفال لا البالغين وهكذا إلى نهاية الأصحاح (ع ١١ - ١٤).
١ «لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ ٱلنَّاسِ يُقَامُ لأَجْلِ ٱلنَّاسِ فِي مَا لِلّٰهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ ٱلْخَطَايَا».
ص ٢: ١٧ وص ٨: ٣ و٤ و٩: ٩ و١٠: ١١ و١١: ١٤
في هذه الآية وما يليها إلى ع ٤ يتكلم الكاتب في ما يتعلق بتعيين رئيس الكهنة وواجبات وظيفته وأهليته لخدمته وقصد بذلك أن يُظهر في الآيات التابعة أن جميع الأوصاف المطلوبة قد تمت في المسيح الكاهن الحقيقي الذي كان كهنة العهد القديم رمزاً إليه.
لأَنَّ الكلمة الأصلية تفيد السبب لما تقدم (ص ٤: ١٤) كما يُفهم من العربية.
كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ ٱلنَّاسِ أي لما كان مأخوذاً من الناس وهو الشرط الأول في وظيفته.
يُقَامُ أي يُعين أو يُنصب.
لأَجْلِ ٱلنَّاسِ أي ليقوم مقامهم.
فِي مَا لِلّٰهِ معنى «ما» الموصولة هنا أنواع الخدمة المشهورة التي يطلبها الله من شعبه.
لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ ٱلْخَطَايَا هذه كانت أخصّ الخدمة التي كان يقوم بها رئيس الكهنة عوضاً عن الشعب أمام الله. معنى «القرابين» التقدمات الشكرية التي كان يقدمها الشعب في أزمنة مختلفة بحسب ترتيب الشريعة الموسوية. وتُستعمل أحياناً بمعنى أعم فيدخل فيها الذبائح عن الخطية أيضاً ولكن لما ذُكرت الذبائح هنا على حدتها اقتصرت على معناها الأخص. وأما الذبائح فكانت حيوانات معلومة تُذبح لأجل الخطايا. فكان الكاهن في قيامه بهذه الخدمة نائباً عن الشعب أمام الله ووسيطاً بينه تعالى وبينهم وسيأتي التفصيل في ذلك في الجزء التابع من الرسالة.
٢ «قَادِراً أَنْ يَتَرَفَّقَ بِٱلْجُهَّالِ وَٱلضَّالِّينَ، إِذْ هُوَ أَيْضاً مُحَاطٌ بِٱلضُّعْفِ».
ص ٢: ١٨ و٤: ١٥ وص ٧: ٢٨
قَادِراً أَنْ يَتَرَفَّقَ اختلف فلاسفة اليونانيين في كيف يجب أن تكون انفعالات الإنسان بالنظر إلى أفراح وأحزان الدنيا فقال فرقة منهم يجب أن يكون بلا حس وغير مبال بما يحدث. وقال غيرهم وهم أتباع أفلاطون ومنهم أرسطوطاليس بل يجب أن يكون إحساسه معتدلاً لا مفقوداً. فالكلمة التي كان يستعملها هذه الفرقة من الفلاسفة هي الكلمة المستعملة هنا أي أنه يجب أن يكون الكاهن المقام عن الشعب قادراً أن يرثي لضعفهم وأن يعاملهم باللطف لا بالشدة فإذا لم يكن كذلك لا يكون أهلاً لخدمته عنهم في ما لله.
بِٱلْجُهَّالِ وَٱلضَّالِّينَ يحتمل أن يكون المعنى الذين يضلون بغير معرفة لأنه كثيراً ما تُعطف كلمة على كلمة عند العبرانيين ويكون المراد بالعطف الوصف ومما يؤيد ذلك القول الكثير في العهد القديم على الذين يخطئون بجهالة أي بغير معرفة كافية بالشريعة أو بعدم الانتباه لها (لاويين ٤: ١). وقد يكون المعنى ما هو ظاهر من قوله «الجهال» بمعنى الأغبياء عن صوالحهم الحقيقية في طاعة الله والضالين عن سبل البر والاستقامة. وأما من خطئ عمداً وازدرى بالرب فليس له قربان ولا ذبيحة فتكون خطيئته كخطيئة التجديف على الروح القدس لا تُغفر (عدد ١٥: ٣٠ و٣١ ومتّى ١٢: ٣١ و٣٢).
إِذْ هُوَ أَيْضاً مُحَاطٌ بِٱلضُّعْفِ أي أن رئيس الكهنة إنسان كغيره من البشر فيكون بالضرورة معرضاً للتجارب والسقوط وقادراً أن يترفق بالضعفاء.
٣ «وَلِهٰذَا ٱلضَّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ ٱلْخَطَايَا لأَجْلِ ٱلشَّعْبِ هٰكَذَا أَيْضاً لأَجْلِ نَفْسِهِ».
لاويين ٤: ٤ و٩: ٧ و١٦: ٦ و١٥ إلى ١٧ وص ٧: ٢٧ و٩: ٧
وَلِهٰذَا ٱلضَّعْفِ الذي كان رئيس الكهنة محاطاً به.
يَلْتَزِمُ بمقتضى الشريعة والضمير لأنه خاطئ.
أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ الكلمة الأصلية كالعبرانية تفيد جميع أنواع التقدمات لله كالقرابين والذبائح كما مر (ع ١). ومفعولها مقدّر وتقديره التقدمات.
عَنِ ٱلْخَطَايَا لأَجْلِ ٱلشَّعْبِ هٰكَذَا أَيْضاً لأَجْلِ نَفْسِهِ لأنه خاطئ مثلهم. وقد أظهر الكاتب فضل المسيح عليهم من هذا القبيل في (ص ٧: ٢٦ - ٢٨) فإنه كان بلا شر ولا دنس غير محتاج إلى ذبيحة عن نفسه.
٤ «وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هٰذِهِ ٱلْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ ٱلْمَدْعُوُّ مِنَ ٱللّٰهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضاً».
أيوب ٢٦: ١٨ ويوحنا ٢: ٢٧ وخروج ٢٨: ١ وعدد ١٦: ٥ و٤٠ و١أيام ٢٣: ١٣
وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هٰذِهِ ٱلْوَظِيفَةَ أي وظيفة الكهنوت.
بِنَفْسِهِ أي من تلقاء ذاته كما فعل قورح وداثان وإبيرام فهلكوا (عدد ص ١٦).
بَلِ ٱلْمَدْعُوُّ مِنَ ٱللّٰهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضاً الذي اختاره الله ونسله ليكونوا كهنة له (خروج ٢٨: ١). وهكذا في رتبة العهد الجديد لا يجوز لأي كان أن يقتحم خدمة الإنجيل بل الذي دعاه الله بفعل نعمته وتأهيله للخدمة وعنايته في الأحوال الخارجة التي تجعل طريق الإنسان واضحاً لهذه الخدمة السامية. وإنما مراد الكاتب هنا ليس هذا الأمر بل وجود الأوصاف التي ذكرها آنفاً من جهة كهنة اليهود في المسيح على ما سيأتي.
٥ «كَذٰلِكَ ٱلْمَسِيحُ أَيْضاً لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ ٱلَّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ٱبْنِي أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ».
يوحنا ٨: ٥٤ ومزمور ٢: ٧ وص ١: ٥
كَذٰلِكَ أي كما أنه في العهد القديم لم يدعُ أحدٌ نفسه لرئاسة الكهنوت بل كان الأمر منوطاً بالله الذي دعا هارون ونسله هكذا -
ٱلْمَسِيحُ أَيْضاً لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ في أنه دعا نفسه إلى هذه الوظيفة.
بَلِ الذي دعاه إليها ومجده فيها هو الله.
ٱلَّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ٱبْنِي أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ اقتباس من (مزمور ٢) وهو يشير إلى تأنسه لا إلى ولادته الأزلية (راجع تفسير ص ١: ٥) والمراد أن المسيح صار إنساناً ليصير رئيس كهنة ويقدم نفسه ذبيحة عن الخطايا.
٦ «كَمَا يَقُولُ أَيْضاً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ».
مزمور ١١٠: ٤ وص ٧: ١٧ و٢١
كَمَا يَقُولُ أَيْضاً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ من المزامير (مزمور ١١٠: ٤) وهذا المزمور يشير على ما ذهب جمهور المفسرين من المسيحيين واليهود إلى المسيح.
أَنْتَ كَاهِنٌ لم يقل رئيس كهنة لأن الرتبة التي صار فيها كاهناً كانت أعظم من رئاسة الكهنوت في الرتبة اللاوية كما سيأتي.
إِلَى ٱلأَبَدِ أي بدون نهاية لكهنوته (ص ٧: ٣ و٢٤) غير أن الكلام هنا مجازي لأن كهنوت المسيح ينتهي عند نهاية العالم والخطيئة ولزوم الذبيحة والاستغفار (١كورنثوس ١٥: ٢٤ - ٢٨) فعند ذلك ينتهي مُلك المسيح من حيث هو وسيط بين الله والناس.
عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ أي على شكل وظيفة ملكي صادق وسيأتي الكلام على ذلك مفصلاً في (ص ٧) أو على مقام ملكي صادق الأرفع من مقام الرتبة اللاوية فإن الكاتب يذكر ما سيأتي المعنيين. أثبت الكاتب في الآيتين السابقتين أن المسيح أُقيم للكهنوت من الله كما أقيم هارون في العهد القديم. وذكر أن رتبته لم تكن كرتبة هارون ولكن كرتبة ملكي صادق وسيرجع إلى الكلام على هذا. وأما في الآيات الثلاث الآتية فيذكر أهلية المسيح لهذه الوظيفة بالنظر إلى مشاركته للإنسان في الطبيعة الإنسانية كما كان يقدر رئيس الكهنة في الرتبة اللاوية أن يترفق بالجهال والضالين إذ هو أيضاً محاط بالضعف (ع ٢).
٧ «ٱلَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ ٱلْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ».
مزمور ٢٢: ١ ومتّى ٢٧: ٤٦ و٥٠ ومرقس ١٥: ٣٤ و٣٧ متّى ٢٦: ٣٩ و٤٢ و٤٤ ومرقس ١٤: ٣٦ و٣٩ ويوحنا ١٧: ١ متّى ٢٦: ٥٣ ولوقا ٢٢: ٤٢ و٤٣ ويوحنا ١٢: ٢٧
ٱلَّذِي أي المسيح.
فِي أَيَّامِ أو زمان.
جَسَدِهِ أي تجسُّده لما كان معرضاً لأسواء وتجارب الطبيعة الإنسانية.
إِذْ ظرفية والمراد بها زمان التجسد.
قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ الإشارة إلى ما يظهر إلى ليلة جثسيماني.
طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ بعضهم يميز بين الكلمتين في المعنى وليس ذلك ظاهراً وربما لم يُرد من التكرار إلا تقرير المعنى فيُعبر عنهما بقولنا طلبات حارة جداً.
لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ ٱلْمَوْتِ أي الله الذي بيده الحياة والموت. ومن هذه العبارة يظهر موضوع طلب المسيح وصلواته وهو الخلاص من الموت بدليل قوله «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هٰذِهِ ٱلْكَأْسُ» (متّى ٢٦: ٣٩).
وَسُمِعَ لَهُ أي أجاب الله طلباته ولكنهم اختلفوا في كيفية ذلك. فقال بعضهم أن المسيح طلب الخلاص من الموت فاستجابه الله لما أقامه من الموت أو لما أعانه في أهوال الموت. وقال غيرهم أن المسيح كان خائفاً من الموت فاستجابه في أنه أزال الخوف منه. والذين يقولون بالتفسير الثاني لا يتبعون الترجمة العربية في قوله -
مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ بل يترجمونها بالنظر إلى خوفه لأننا نرى المسيح مضطرباً جداً بالنظر إلى ما كان أمامه من الموت وأحواله التي منها ما يمكننا ومنها ما لا يمكننا أن نفهمه فطلب الخلاص من هذه الكأس مع التسليم إذ قال «ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت» فسمع الله له ليس على شكل أنه خلّصه من الكأس ولكن في أنه أزال ذلك الاضطراب والخوف منه فإننا بعد تلك الصلاة في البستان نراه قابل المحاكمة ثم الصلب والموت بكل جراءة وشجاعة إلا دقيقة واحدة لما صرخ قائلاً «أَيْ: إِلٰهِي إِلٰهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» (متّى ٢٧: ٤٦). ويجب أن يكون التفسير هنا بكل تواضع ليس لأن الموضوع من أسمى ما يكون بل لأنه كان في أحوال ذلك اليوم الأخير من حياة المخلص على الأرض ما لا يستطيع الإنسان أن يفهمه والترجمة العربية هنا توافق تفسير أكثر المفسرين.
٨ «مَعَ كَوْنِهِ ٱبْناً تَعَلَّمَ ٱلطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ».
ص ٣: ٦ وفيلبي ٢: ٨
مَعَ كَوْنِهِ ٱبْناً تَعَلَّمَ ٱلطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ أي ولئن كان ابن الله فقد تعلّم الطاعة في الشدائد مختبراً ذلك عند آلامه ولا سيما الأخيرة. فيكون معنى جميع العبارة أن المسيح لما كان في الجسد وقع في ضيقات وتجارب مختلفة فقدم لله طلبات حارة لكي تعبر عنه إذا أمكن هذه الكأس فسمع له لما خلّصه من مضض الموت وعلى ذلك تعلّم الطاعة في وسط آلامه واختباره بالفعل مرارة التجارب والضيقات. وصار من الناس كرئيس الكهنة في العهد القديم قادراً أن يرثي للذين هم معرضون للتجارب والمحن المختلفة لأنه ذاقها وعرفها وتعلّم الطاعة فيها.
٩ «وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ».
ص ٢: ١٠ و١١: ٤٠
وَإِذْ كُمِّلَ تكلم في الآية السابقة في أيام جسده وهنا يتكلم في حال مجده لما قام من الموت وصعد إلى السماء وقد مرّ الكلام على هذه الكلمة في (ص ٢: ١٠) بمعنى ارتفاع المسيح بعد اتضاعه أي ارتفاعه في السماء وتمجيده بعد اتضاعه على الأرض.
صَارَ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ الطاعة المقرونة بالإيمان.
سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ أي حصّل لهم هذا الخلاص غير أنه خلاص من الموت الأبدي لا الموت الزمني على أنه يخلص شعبه من خوف الموت الزمني أيضاً.
١٠ «مَدْعُوّاً مِنَ ٱللّٰهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ».
ع ٦ وص ٦: ٢٠
مَدْعُوّاً مِنَ ٱللّٰهِ كان معيّناً كاهناً من الله كما سبق الكلام (ع ٥) ولكن المراد هنا أي الله خاطبه باعتبار كونه كاهناً كما يستدل من الكلمة الأصلية.
رَئِيسَ كَهَنَةٍ حسب الترجمة السبعينية. والكلمة التي كان استعملها في (ع ٦) أي كاهن كان حقها أن تقال هنا ولكن لما كانت الكلمة الأصلية في العبراني تحتمل المعنين جاز ترجمتها إلى اليونانية ثم إلى العربية «برئيس كهنة».
عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ هذه الآية مكرر قول سابق (ع ٦) لأنه الموضوع الذي قصد الكاتب أن يتكلم فيه وهو يرجع إليه بالتفصيل في (ص ٧) وعدل عنه الآن لأجل توبيخ العبرانيين على عدم تقدمهم في المعرفة لأجل إدراك المعاني التي يتضمنها هذا الموضوع.
١١ «اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ ٱلْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا، وَعَسِرُ ٱلتَّفْسِيرِ لِنَنْطِقَ بِهِ، إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي ٱلْمَسَامِعِ».
يوحنا ١٦: ١٢ و٢بطرس ٣: ١٦ ومتّى ١٣: ١٥
اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ الضمير يعود إلى المسيح والكلام فيه هو بالنظر إلى كونه رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق.
ٱلْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا أي لنا كلام كثير في هذا الشأن.
وَعَسِرُ ٱلتَّفْسِيرِ أي صعب التوضبح وذلك ليس لسمو الموضوع فقط ولكن على الخصوص لعدم إدراك المخاطبين.
لِنَنْطِقَ بِهِ حتى تفهموه.
إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي ٱلْمَسَامِعِ أي صرتم بطيئي الفهم لأنه كثيراً ما يأتي معنى السمع كذلك.
١٢ «لأَنَّكُمْ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ ٱلزَّمَانِ، تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ ٱللّٰهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى ٱللَّبَنِ لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ».
ص ٦: ١ و١كورنثوس ٣: ١ - ٣
لأَنَّكُمْ تعليل لقوله أنهم كانوا بطيئي الفهم.
إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ قادرين أن تعلموا غيركم الديانة المسيحية.
لِسَبَبِ طُولِ ٱلزَّمَانِ الذي مرّ عليكم في اتباعكم لها.
تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ الأصول الأولية التي لا يسبقها شيء. وفي بعض النسخ «يعلمكم أحد أركان بداءة» الخ.
أَقْوَالِ ٱللّٰهِ تعاليمه المعلنة.
وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى ٱللَّبَنِ لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ أي كما أن الأطفال يغتذون باللبن ولا يستطيعون أن يتناولوا طعاماً أقوى هكذا أنتم في الأمور الروحية لا تفهمون منها إلا أصولها الأولية فلا تستطيعون أن تفهموا معانيها العالية أو الغامضة لأنكم بمنزلة الأطفال في عدم استطاعتهم للتغذية والقوت بغير اللبن.
١٣ «لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ ٱللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ ٱلْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ ٱلْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ».
١كورنثوس ١٣: ١١ و١٤: ٢٠ وأفسس ٤: ١٤ و١بطرس ٢: ٢
لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ ٱللَّبَنَ اتباع لتشبيهه السابق من جهة كونهم كالأطفال الذين لا يدركون إلا أبسط الحقائق وأصولها الأولية.
هُوَ عَدِيمُ ٱلْخِبْرَةِ عديم الاستطاعة الكافية أو الخبرة بالشيء حتى ينتج من ذلك عدم فهمه بالكفاية لأجل التصرف أو النفع به.
فِي كَلاَمِ ٱلْبِرِّ أي تعاليم الديانة المسيحية التي تعلم الطاعة وطريقة التبرير بنعمة الله المجانية بواسطة المسيح.
لأَنَّهُ طِفْلٌ عديم المعرفة الكافية لفهم المطلوب.
١٤ «وَأَمَّا ٱلطَّعَامُ ٱلْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، ٱلَّذِينَ بِسَبَبِ ٱلتَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَـهُمُ ٱلْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى ٱلتَّمْيِيزِ بَيْنَ ٱلْخَيْرِ وَٱلشَّرِّ».
١كورنثوس ٢: ٦ وأفسس ٤: ١٣ وفيلبي ٣: ١٥ وإشعياء ٧: ١٥ و١كورنثوس ٢: ١٤ و١٥
وَأَمَّا ٱلطَّعَامُ ٱلْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ الذين بلغوا أشدهم في النمو فيستطيعون أن يدركوا التعاليم السامية ويستفيدوا منها.
ٱلَّذِينَ بِسَبَبِ ٱلتَّمَرُّنِ الكلام راجع للبالغين في النمو الجسدي ومعناه معاطاة التعاليم الروحية واختبارهم إياها في حياتهم المسيحية السرّية.
قَدْ صَارَتْ لَـهُمُ ٱلْحَوَاسُّ هي الحواس الجسدية المشهورة بالخمس غير أن المراد هنا هو الإحساس النفساني الباطني في المسيحي.
مُدَرَّبَةً أي ماهرة مستقيمة نظراً إلى خبرتهم بالأمور الروحية.
عَلَى ٱلتَّمْيِيزِ بَيْنَ ٱلْخَيْرِ وَٱلشَّرِّ العبارة منقولة عن اصطلاح عبراني في العهد القديم والمراد هنا ليس الوضع الأصلي الذي يتعلق بأوائل المعرفة الروحية ولكن بحالة متقدمة في المعرفة والخبرة المسيحية كما يظهر من مراجعة ما يقتضيه سياق الكلام.
فوائد



  • إنه يجب على جميع خدمة الدين أن يكونوا رحماء يرثون لضعف الخطاة وجهلهم وضلالهم ويترفقون بهم. فإن كهنة العهد القديم كانوا محاطين بالضعف كغيرهم والمسيح شارك البشر في طبيعتهم لكي يختبر ضعفهم فيجترئوا على التقدم إليه وطلب الرحمة والمعونة منه. فلا يجوز لخدمة العهد الجديد أن يكونوا أقل رفقاً فيعاملوا الساقطين بالقساوة لأنهم هم أيضاً ضعفاء معرضون للسقوط وخطأة في عيني الله.
  • إنه لما أطاع المسيح الشريعة في ناسوته في الآلام الشديدة علّمنا كيف نطيع الله في وسط الشدائد والمصائب التي كثيراً ما تحدث لنا وإننا لا نستطيع أن نتعلم أفضل أنواع الطاعة إلا في الاحتمال للمصائب التي تأتينا. هذا وإن الطاعة لله من أخص فرائض الديانة التي لا نستطيع أن نرضيه تعالى بدونها.
  • إنه كثيراً ما يبقى المسيحي في حال الضعف وعدم المعرفة زماناً طويلاً وربما بقي كذلك إلى زمن موته فلا يتقدم نحو الكمال المسيحي بل يدوم كالطفل ويحتاج إلى تكرير مبادئ الديانة المسيحية الأولى. ولذلك يجب على خدَمة الإنجيل أن لا يملوا من الإنذار الدائم بوجوب التوبة إلى الله والإيمان بالمسيح وحياة البر والتقوى. وعلى المخدومين أن يجتهدوا في مطالعة الكتاب المقدس واستعمال وسائط التعليم فإن الأمور الروحية كالعلوم العالمية تستلزم الدرس المدقق والتفتيش والتأمل لا مجرد الاستماع للواعظ.
  • إن الضمير الذي يدل الإنسان على التمييز بين الخير والشر قابل للتربية والتدريب. وكيفية ذلك أنه إذا تعودت النفس سمع تنبيهاته والطاعة لأحكامه صار شديد الحس دائم التنبية وإذا لم تتعود الانتباه لصوته الباطني كف عن العمل وذهب الإنسان في طريق الإثم من غير أن يعارضه شيء. وهو أول قوة من قوى النفس تشعر بأثقال الخطيئة وتستيقظ من غفلة الإنسان الطبيعية عند رجوعه إلى الله بالتوبة. ولذلك كان من أهم الأمور للخاطئ وللمسيحي أن يلتفت إلى ما ينادي به الضمير في أعماق النفس فإنه نائب الله في إرشاد الإنسان في طريق الحياة ولا خطر على من يتبعه إذا كان مستنيراً بما أعلنه الله في كتابه من حيث ما يجب على الإنسان من عمل الخير والابتعاد عن الشر.




اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ


كان الكاتب قد ذكر مراده بالكلام في كهنوت المسيح المرموز إليه بملكي صادق (ص ٥: ١١) وهو عسر التفسير وممثل بالطعام القوي الذي لا يناسب الأطفال بل البالغين. فقال في هذا الأصحاح أولاً أنه تارك كلام بداءة المسيح أي التعاليم الأولية البسيطة في الديانة فيتقدم إلى الكمال أي التعليم الكامل. وليس قصده أن يضع أيضاً أساس التعليم في التوبة والإيمان والمعموديات الخ لأن الذين كانوا قد قبلوا هذا التعليم ثم ارتدوا لم يكن تجديدهم أيضاً ولا ينفعهم تكرار التعليم نفسه. وبما أن الارتداد المشار إليه أمر مخيف جداً أطال الكلام فيه وأعلن رجاءه بثبات المخاطبين الأحباء. ثم لأجل إنهاض رجاءهم يذكر لهم ثبات مواعيد الله المبنية على صدقه تعالى وعدم تغيره في أقواله وعلى قَسَم عظيم منه يمكن الإنسان من الرجاء غير المتزعزع بمواعيده الصادقة الكريمة والثقة الكاملة بأقواله تعالى ولو في وسط العواصف التي تهيج على إيماننا وتحاول اقتلاع رجاءنا والإفضاء بنا إلى ظلمة اليأس والخراب (ع ١٣ - ١٩) ومما يؤيد هذا الرجاء دخول المسيح كسابق إلى السماء لأجلنا وككاهن عظيم على رتبة ملكي صادق (ع ٢٠). وهذا الموضوع الأخير يشرع فيه بالتفصيل في الأصحاح السابع.
١ «لِذٰلِكَ وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ ٱلْمَسِيحِ لِنَتَقَدَّمْ إِلَى ٱلْكَمَالِ، غَيْرَ وَاضِعِينَ أَيْضاً أَسَاسَ ٱلتَّوْبَةِ مِنَ ٱلأَعْمَالِ ٱلْمَيِّتَةِ، وَٱلإِيمَانِ بِٱللّٰهِ».
فيلبي ٣: ١٢ - ١٤ وص ٥: ١٢ وص ٩: ١٤
لِذٰلِكَ وَنَحْنُ أشار الكاتب إلى نفسه بصيغة الجمع كقوله في (ص ٥: ١١) «اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ ٱلْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا الخ». وقوله هنا أنه قاصد ترك الكلام في الأمور الأولية البسيطة.
لِنَتَقَدَّمْ إِلَى ٱلْكَمَالِ سمى هنا تعاليم الإنجيل المرتقية الكمال إشارة إلى قوله آنفاً الطعام القوي للبالغين.
غَيْرَ وَاضِعِينَ أَيْضاً أَسَاسَ أي غير راجعين إلى الكلام الأساسيي أو الأولي في -
ٱلتَّوْبَةِ مِنَ ٱلأَعْمَالِ ٱلْمَيِّتَةِ أي الرجوع إلى الله عن الأعمال المحرّمة التي من شأنها أن تقتاد الإنسان إلى الشقاء والموت الأبدي. أو الأعمال غير المثمرة العديمة الفائدة (أفسس ٥: ١١).
وَٱلإِيمَانِ بِٱللّٰهِ بما يتعلق بالله وبأقوال الله من جهة ابنه مخلص العالم.
٢ «تَعْلِيمَ ٱلْمَعْمُودِيَّاتِ، وَوَضْعَ ٱلأَيَادِي، قِيَامَةَ ٱلأَمْوَاتِ، وَٱلدَّيْنُونَةَ ٱلأَبَدِيَّةَ».
مرقس ٧: ٨ وأعمال ١٩: ٤ و٥ وص ٩: ١ وأعمال ٨: ١٤ إلى ١٧ و١٩: ٦ وأعمال ١٧: ٣١ و٣٢ وأعمال ٢٤: ٢٥ ورومية ٢: ١٦
تَعْلِيمَ ٱلْمَعْمُودِيَّاتِ بصيغة الجمع فذهب البعض إلى أن المراد أنواع الغسل والتطهيرات بالماء التي كانت تأمر بها الشريعة الموسوية. وقال غيرهم لا مدخل لذلك هنا لأن الكاتب يتكلم في أركان الديانة المسيحية لا اليهودية. ولذلك كان الأصح فهم الكلمة بمعنى المعمودية المسيحية. وأما استعمالها بصيغة الجمع فهذا كثير منه في الكتب المقدسة على اصطلاح لغاتها القديمة. منها في العهد القديم تسمية الله بالآلهة وفي العهد الجديد الدم بالمفرد في العربية في (يوحنا ١: ١٣) وكذلك الزنا في (١كورنثوس ٧: ٢) بصيغة الجمع في اليوناني. ويصح في العربية أن يراد بالمعموديات الأمور المتعلقة بالمعمودية.
وَوَضْعَ ٱلأَيَادِي الإشارة في ذلك إلى مواهب الروح التي كانت تُعطى بوضع أيدي الرسل وغيرهم (أعمال ٨: ١٤ - ١٩).
قِيَامَةَ ٱلأَمْوَاتِ اليهود كانوا على اختلاف في مسئلة القيامة في زمان المسيح ورسله فكان الفريسيون يؤمنون بها والصدوقيون ينكرونها ولذلك كان الرسل يعلّمونها جلياً وجعلوها من الأركان الأصلية في الديانة المسيحية.
وَٱلدَّيْنُونَةَ ٱلأَبَدِيَّةَ أي الدينونة التي جزاؤها أبديٌ إن كان خيراً أو شراً.
٣ «وَهٰذَا سَنَفْعَلُهُ إِنْ أَذِنَ ٱللّٰهُ».
أعمال ١٨: ٢١ و١كورنثوس ٤: ١٩
وَهٰذَا سَنَفْعَلُهُ إِنْ أَذِنَ ٱللّٰهُ أشار إلى التقديم الذي ذكره في (ع ١) حيث قال «وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ ٱلْمَسِيحِ لِنَتَقَدَّمْ إِلَى ٱلْكَمَالِ» فيكون المعنى وهذا التقدم سنفعله أن أذن الله.
٤ «لأَنَّ ٱلَّذِينَ ٱسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا ٱلْمَوْهِبَةَ ٱلسَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».
ص ١٠: ٣٢ ويوحنا ٤: ١٠ و٦: ٣٢ وأفسس ٢: ٨ وغلاطية ٣: ٢ و٥ وص ٢: ٤
لأَنَّ العلاقة بين هذا الكلام وما سبق هي على ما يظهر هكذا: يجب أن نتقدم في المعرفة والخبرة المسيحية ولا نرجع إلى الوراء أو نرتد عن الإيمان المسيحي لأن المرتد في الأحوال التي ذكرها لا يمكن تجديده ثانية للتوبة.
ٱلَّذِينَ ٱسْتُنِيرُوا مَرَّةً هذا أول وصف للذين إذا ارتدوا لا يمكن تجديدهم ثانية. ومعنى «الاستنارة» هنا تعلم الديانة المسيحية والوقوف على مبادئها الخلاصية. والكلمة «مرة» تشير إلى عدم تثنية الاستنارة المشار إليها فإنها مختصة بالتجديد من الروح القدس فلا يتجدد الإنسان ثانية على أن المتجدد التجديد الحقيقي لا يرتد ولا يهلك أبداً بل يحفظه الله بنعمته إلى النهاية.
وَذَاقُوا ٱلْمَوْهِبَةَ ٱلسَّمَاوِيَّةَ معنى «ذاقوا» هنا عرفوا بالاختبار. والأرجح أن «الموهبة السماوية» هي غفران الخطايا بدليل ما في (إرميا ٣١: ٣٣ و٣٤) وهو قوله «هٰذَا هُوَ ٱلْعَهْدُ ٱلَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ... لأَنِّي أَكُونُ صَفُوحاً عَنْ آثَامِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطَايَاهُمْ فِي مَا بَعْدُ» (عبرانيين ٨: ١٠ - ١٢ و١٠: ١٧).
وَصَارُوا شُرَكَاءَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ أي شركاء في عطايا الروح القدس التي بها كانوا يتكلمون بألسنة غريبة إلى غير ذلك من المعجزات وقد أشار إلى ذلك في (ع ٢) بقوله «ووضع الأيادي».
٥ «وَذَاقُوا كَلِمَةَ ٱللّٰهِ ٱلصَّالِحَةَ وَقُوَّاتِ ٱلدَّهْرِ ٱلآتِي».
ص ٢: ٥
وَذَاقُوا كَلِمَةَ ٱللّٰهِ ٱلصَّالِحَةَ الوعد بالخير أي مواعيد الإنجيل الكريمة الصالحة.
وَقُوَّاتِ ٱلدَّهْرِ ٱلآتِي (انظر تفسير ص ٢: ٥). إن هذه القوات وإن كانت مستقبلة يذوقها المؤمنون في الزمان الحاضر فإنهم ينظرون إليها بالإيمان ويحققونها ويعيشون بموجبها ويتعزون ويتشجعون ويفرحون بها. وقد عدد الكاتب الخيرات المار ذكرها هكذا:

  • تعلموا مبادئ الديانة المسيحية.
  • تمتعوا بوسائط النعمة التي يقدمها الإنجيل.
  • نالوا عطايا الروح القدس.
  • ذاقوا لذة رجاء مواعيد الإنجيل.
  • شاهدوا المعجزات العظيمة التي كانت تثبت صحة الديانة المسيحية. فبناء على ذلك كان لهم جميع الأدلة الباطنة والخارجة فإقناعهم إقناعاً تاماً بصحة الديانة المسيحية فإذا سقطوا بعد ذلك وارتدوا عنها لم يبق لهم وسيلة للرجوع إليها.


٦ «وَسَقَطُوا، لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضاً لِلتَّوْبَةِ، إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمِ ٱبْنَ ٱللّٰهِ ثَانِيَةً وَيُشَهِّرُونَهُ».
متّى ١٢: ٣١ و٣٢ وص ١٠: ٢٦ و٢بطرس ٢: ٢٠ و٢١ و١يوحنا ٥: ١٦ وص ١٠: ٢٩ وعدد ٢٥: ٤ ومتّى ١: ١٩
وَسَقَطُوا انظر قوله في (ص ١٠: ٢٦) «إِنْ أَخْطَأْنَا بِٱخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ ٱلْحَقِّ الخ».
لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضاً لِلتَّوْبَةِ قوله «التجديد أيضاً للتوبة» بمعنى الرجوع إلى الحالة التي سقطوا منها أي الإيمان بالديانة المسيحية والتمتع بالرجاء الذي تقدمه للإنسان. وقوله «لا يمكن» قد اختلفوا عليه كثيراً فمنهم من يقول أن ذلك يستحيل على الإنسان ولكنه لا يستحيل على الله ويستندون في هذا القول على قوله في (متّى ١٩: ٢٣ - ٢٦) «الغير مستطاع عند الناس مستطاع عند الله». وبعضهم يقول «لا يمكن» بمعنى الصعوبة العظيمة لا عدم الإمكان بالحصر ولكن الكلمة الأصلية لا تحتمل ذلك. وبعضهم وهو الأصح أن المعنى هو عدم الإمكان بالحصر. هذا وأنه بحسب الظاهر هنا صعوبة لاهوتية وهي أن الذين أُشير إليهم في الآيات السابقة كانوا مسيحيين فهل يمكن إذا سقوط المسيحي إلى درجة يستحيل رجوعه منها فيهلك أليس ثبات المسيحيين في النعمة من تعاليم الكتب المقدسة. بلى فإن المتجددين التجديد الحقيقي لا يتركون المسيح والمسيح لا يتركهم ولكن عليهم أن يسهروا ويصلوا في كل حين. قال بولس (١كورنثوس ٩: ٢٧) «أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضاً». وعرف بولس جيداً أنه لا يسقط ولكنه شعر بوجوب السهر والجهاد ومقاومة الشهوات. ولكل مسيحي حقيقي رجاء أكيد أنه لا يسقط إلى النهاية ومع ذلك يلزمه التعليم أنه إذا سقط لا يمكن تجديده أيضاً فلا يتكبر ولا يتكاسل بل يلتجئ إلى الله ويتكل عليه دائماً ويثبت فيه.
إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمِ ٱبْنَ ٱللّٰهِ ثَانِيَةً أي يرتكبون خطيئة اليهود الذين صلبوا المسيح في إنكارهم إياه فيوافقوهم بالفعل إن كان ليس بالقول على عملهم إلا أن اليهود صلبوا المسيح وهم لم يعرفوا أنه كان المسيح الحقيقي وأما الذين قد عرفوا صحة دعواه وآمنوا به إذا أنكروه كانت خطيتهم أعظم من خطية اليهود. قوله «لأنفسهم» أما بمعنى عاراً لأنفسهم أو لزيادة إظهار الفاعل.
وَيُشَهِّرُونَهُ أي المسيح للعار والافتراء على صدق ديانته كما يفعل الأعداء عند ارتداد أحد من المسيحيين.
٧ «لأَنَّ أَرْضاً قَدْ شَرِبَتِ ٱلْمَطَرَ ٱلآتِيَ عَلَيْهَا مِرَاراً كَثِيرَةً، وَأَنْتَجَتْ عُشْباً صَالِحاً لِلَّذِينَ فُلِحَتْ مِنْ أَجْلِهِمْ، تَنَالُ بَرَكَةً مِنَ ٱللّٰهِ».
مزمور ٦٥: ١
لأَنَّ أَرْضاً قَدْ شَرِبَتِ ٱلْمَطَرَ ٱلآتِيَ عَلَيْهَا مِرَاراً كَثِيرَةً كما يكون مجازاً حال الذين يسمعون الإنجيل.
وَأَنْتَجَتْ عُشْباً صَالِحاً معنى الكلمة الأصلية حاصل العشب وهو البزر بحسب استعمالها العبراني ولكن بحسب استعمال اليونانين لها فالمعنى العشب أو الخضرة بدون نظر إلى البزور.
لِلَّذِينَ فُلِحَتْ مِنْ أَجْلِهِمْ أو منهم مع أن الكلمة في المتن على وفق اليوناني.
تَنَالُ بَرَكَةً مِنَ ٱللّٰهِ يحتمل المعنى أن يُراد زيادة خصبها ببركة الله أو أن الله ينظر إلى مثل هذه الأرض بالرضا والسرور والإشارة المعنوية هي إلى الذين يسمعون كلام الله ويأتون بثمر كثير فيباركهم الله يزيادة الأثمار (يوحنا ١٥: ٢) أو ينظر إليهم بعين الرضا والسرور.
٨ «وَلٰكِنْ إِنْ أَخْرَجَتْ شَوْكاً وَحَسَكاً، فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ ٱللَّعْنَةِ، ٱلَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ».
إشعياء ٥: ٦ وتثنية ٢٩: ٢٢ و٢٣
وَلٰكِنْ إِنْ أَخْرَجَتْ شَوْكاً وَحَسَكاً بعد الفلاحة والتعب عليها كما يبين من العدد السابق.
فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ أي تُهمل كما يهمل الفلاحون الأرض العقيمة.
وَقَرِيبَةٌ مِنَ ٱللَّعْنَةِ ربما كانت الإشارة في ذلك إلى لعن الله للأرض عند سقوط الإنسان والقول له أنها ستنبت له شوكاً وحسكاً.
ٱلَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ بعضهم يجعل اسم الموصول عائداً إلى «اللعنة» التي تنتهي بالحريق وبعضهم إلى «الأرض» وهذا الأخير ربما كان الأصح لأننا نرى الفلاحين يحرقون الأرض التي تُخرج الشوك والحسك بقصد إصلاحها لأنه إذا أُحرقت هذه الأعشاب المضرة كان رمادها مصلحاً للتربة. والإشارة المعنوية هي إلى الذين يتمتعون بنور الإنجيل ولا يأتون بثمر فإن نهايتهم الهلاك.
٩ «وَلٰكِنَّنَا قَدْ تَيَقَّنَّا مِنْ جِهَتِكُمْ أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ أُمُوراً أَفْضَلَ، وَمُخْتَصَّةً بِٱلْخَلاَصِ، وَإِنْ كُنَّا نَتَكَلَّمُ هٰكَذَا».
وَلٰكِنَّنَا قَدْ تَيَقَّنَّا مِنْ جِهَتِكُمْ أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ أُمُوراً أَفْضَلَ مما ذكره في الأعداد السابقة عن خطيئة الارتداد. وفي هذه الآية لا غيرها دعا الكاتب المخاطبين «أحباء» فإن ذكر الهلاك هو مما حرّك عواطفه نحوهم وشوقه إلى نجاتهم من السقوط الموصوف.
وَمُخْتَصَّةً بِٱلْخَلاَصِ تؤول إلى الخلاص لا إلى الهلاك كما يؤول أمر الأرض التي نهايتها للحريق.
وَإِنْ كُنَّا نَتَكَلَّمُ هٰكَذَا بصرامة على الذين يرتدون عن الإيمان المسيحي فإن غايتنا تنبيهكم لئلا تسقطوا في هذه الحالة المخيفة.
١٠ «لأَنَّ ٱللّٰهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ ٱلْمَحَبَّةِ ٱلَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ ٱسْمِهِ، إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ ٱلْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ».
أمثال ١٤: ٣١ ومتّى ١٠: ٤٢ و٢٥: ٤٠ ويوحنا ١٣: ٢٠ ورومية ٣: ٤ و٢تسالونيكي ١: ٦ و٧ و١تسالونيكي ١: ٢ ورومية ١٥: ٢٥ و٢كورنثوس ٨: ٤ و٩: ١ و١٢ و٢تيموثاوس ١: ١٨
لأَنَّ ٱللّٰهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ ٱلْمَحَبَّةِ ٱلَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ ٱسْمِهِ أي نحو الله فإن قوله «اسم» كثيراً ما يأتي بمعنى الذات أو الشخص (متّى ٦: ٩) وهكذا في الاصطلاح العبراني (خروج ٢٣: ٢١).
إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الفعل هنا في الأصل معناه ليس المساعدة بالمال فقط ولكن من كل جهة تصل إليها يد الإنسانية والرأفة.
ٱلْقِدِّيسِينَ المسيحيين المغفورة خطاياهم والمبرّرين ببر المسيح الغالبة فيهم صفة القداسة أو المُفرزين لله (ص ٣: ١).
وَتَخْدِمُونَهُمْ أي لا تزالون تفعلون ذلك. ومعنى جميع العبارة أنهم إذ كانوا يظهرون أثمار الإيمان في أعمال المحبة والخدمة لشعب الله يتيقن الكاتب من جهتهم أنه تعالى لا يمنع عنهم تأثير نعمته لحفظهم في وسط الشدائد والاضطهاد والتجارب من السقوط والارتداد. ولا يوجد هنا وجه لقول اللاهوتيين التقليدين استناداً على هذه الآية إن الإنسان المسيحي يستطيع أن يعمل أعمالاً صالحة تامة تستحق من الله الجزاء العادل وزيادة النعم الروحية. فدفعاً لهذا الغلط العظيم المضاد لأقوال الله الصريحة يرد اللاهوتيين الإنجيليون عليهم بأن الإنسان في أفضل حالته المسيحية أعماله الصالحة غير تامة وملطخة بالخطيئة فضلاً عن كونها واجبة عليه فالجزاء الذي أقامه الله لهذه الأعمال ليس من باب الجزاء المستحق ولكن من باب النعمة. وقال بعضهم (وهو ابرارد) إن الله يكون ظالماً للمسيح لا لنا لو ترك أحداً من شعب المسيح للهلاك فإننا ما دمنا للمسيح وأعمالنا تُظهر صدق إيماننا لا يمكن أن الله يهملنها كل الإهمال لقوة التجارب أو للهلاك.
١١ «وَلٰكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هٰذَا ٱلاجْتِهَادَ عَيْنَهُ لِيَقِينِ ٱلرَّجَاءِ إِلَى ٱلنِّهَايَةِ».
ص ٣: ٦ و١٤ وكولوسي ٢: ٢
وَلٰكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هٰذَا ٱلاجْتِهَادَ عَيْنَهُ الذي ذكره في الآية السابقة من جهة الأعمال الصالحة وعلى كل منهم الاجتهاد في حفظ إيمانه وحياته الروحية الداخلية كما كان مجتهداً في خدمته للمحتاجين.
لِيَقِينِ ٱلرَّجَاءِ أي لأجل نيل رجاء يقيني ثابت ولأجل الثبوت فيه بناء على أن القاعدة التي وضعها المخلص من جهة معرفة الإنسان بواسطة أثماره هي قاعدة نعرف بها صحة رجائنا أو فساده فإن كنا مثمرين بالأعمال الصالحة نرى بذلك دليلاً على كوننا بحال النعمة ووجهاً لرجاء صحيح بأننا مسيحيون بالحق بالعكس إذا كانت أعمالنا غير مستقيمة لدى الله.
إِلَى ٱلنِّهَايَةِ متعلق إما «بالرجاء» أي رجاء دائم إلى نهاية الحياة أو «بالاجتهاد» أي مجتهدين في الأعمال الصالحة إلى آخر العمر.
١٢ «لِكَيْ لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِينَ بَلْ مُتَمَثِّلِينَ بِٱلَّذِينَ بِٱلإِيمَانِ وَٱلأَنَاةِ يَرِثُونَ ٱلْمَوَاعِيدَ».
ص ١٠: ٣٦
لِكَيْ لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِينَ عن تتميم الواجبات المسيحية.
بَلْ مُتَمَثِّلِينَ بِٱلَّذِينَ بِٱلإِيمَانِ اليقين بالأمور المرجوة.
وَٱلأَنَاةِ أي الصبر في الانتظار وعدم الملل في الرجاء تحت شدة أتعاب الحياة ومصاعبها.
يَرِثُونَ ٱلْمَوَاعِيدَ أي ينالون البركات والخيرات الكثيرة المتنوعة الموعود بها. ومن الذين يُتمثل بهم إبراهيم الذي ذكره في الآية التابعة.
١٣ «فَإِنَّهُ لَمَّا وَعَدَ ٱللّٰهُ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْظَمُ يُقْسِمُ بِهِ، أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ».
تكوين ٢٢: ١٦ و١٧ ومزمور ١٠٥: ٩ ولوقا ١: ٧٣
لما قصد الكاتب تثبيت العبرانيين في الإيمان المسيحي وذكر لهم في الآية السابقة (ع ١٢) مثال الذين بالإيمان والأناة ينالون أو بالحري قد نالوا المواعيد ساقه الكلام إلى ذكر أمرين الأول وعد الله لإبراهيم مقسماً بنفسه والثاني صبر إبراهيم في الرجاء ونيله الموعد ومن ذلك يُظهر متانة الأساس الذي يُبنى عليه الرجاء المسيحي وهو وعد الله الصادق وإقسامه بنفسه.
فَإِنَّهُ الحرف الأصلي في اليوناني المقابل للفاء كثيراً ما يدخل على جملة يكون المقصود منها إيضاح ما سبق وهو أيضاً معنى هذا الحرف في الترجمة العربية فكأن ما يتبعه شاهد أو مثال على ما سبق. فإنه لما ذكر الكاتب الذين بالإيمان والأناة يرثون المواعيد قدم مثالاً أو شاهداً على ذلك أمر إبراهم الذي وعده الله بوعد معلوم فآمن وتأنى ونال الموعد (ع ١٢).
لَمَّا وَعَدَ ٱللّٰهُ إِبْرَاهِيمَ عندما قدم ابنه إسحاق للذبح لأن هذه هي الحادثة الوحيدة التي فيها وعد الله إبراهيم بقَسم.
إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْظَمُ يُقْسِمُ بِهِ فإنه لا شيء أعظم من الله.
أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ لما قال «بذاتي أقسمت» (تكوين ٢٢: ١٦).
١٤ « قَائِلاً: إِنِّي لأُبَارِكَنَّكَ بَرَكَةً وَأُكَثِّرَنَّكَ تَكْثِيراً».
قَائِلاً: إِنِّي لأُبَارِكَنَّكَ بَرَكَةً وَأُكَثِّرَنَّكَ تَكْثِيراً أي أعطينّك ذرية كثيرة العدد (تكوين ٢٢: ١٧) تكرير العبارة للتوكيد واللام في أباركنّك للقَسم.
١٥ «وَهٰكَذَا إِذْ تَأَنَّى نَالَ ٱلْمَوْعِدَ».
وَهٰكَذَا أي بناء على تلك المواعيد.
إِذْ تَأَنَّى صبر صبراً طويلاً.
نَالَ ٱلْمَوْعِد الله وعد إبراهيم مرّات متعددة وأما الموعد المذكور فمقيّد بالمرة التي فيها أقسم الله بنفسه وكان ذلك بعد تقديم إسحاق فيكون المراد إذاً تكثير نسله. وإبراهيم نال هذه الموعد كما نعلم أنه من ذريّة إسحاق أعطاه الله نسلاً كثيراً ولو أنه لم يشاهد من إنجاز هذا الوعد إلا بداءته.
١٦ «فَإِنَّ ٱلنَّاسَ يُقْسِمُونَ بِٱلأَعْظَمِ، وَنِهَايَةُ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ عِنْدَهُمْ لأَجْلِ ٱلتَّثْبِيتِ هِيَ ٱلْقَسَمُ».
خروج ٢٢: ١١
فَإِنَّ ٱلنَّاسَ يُقْسِمُونَ بِٱلأَعْظَمِ أي بمن هو أعظم منهم لأنهم يخافون غضبه إذا حلفوا كذباً كما إذا حلف الإنسان بالملك أو برئيس. وإذا أقسموا بالله يشهدونه تعالى على صدق قولهم ويتوقعون لعنته وغضبه إذا كانوا من الكاذبين.
وَنِهَايَةُ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ عِنْدَهُمْ لأَجْلِ ٱلتَّثْبِيتِ هِيَ ٱلْقَسَمُ قد جرت العادة في ما بين الناس أن في كثير من مشاجراتهم لا يتثبت السلام بينهم إلا بإشهاد الله عليهم وهو القَسم. ولذلك كان كل كلام المسيحي بالحق من باب القسم لأنه يتكلم وهو موقن بوجود الله الشاهد عليه وبانتقامه منه إذا تكلم بالكذب فيجوز القَسم إذا كان للحق وباحترام وفي أمور تستحق القسم ولكنه لا يجوز في الحديث المعتاد وبلا احترام كما هو جار في أيامنا.
١٧ «فَلِذٰلِكَ إِذْ أَرَادَ ٱللّٰهُ أَنْ يُظْهِرَ أَكْثَرَ كَثِيراً لِوَرَثَةِ ٱلْمَوْعِدِ عَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَائِهِ، تَوَسَّطَ بِقَسَمٍ».
ص ١١: ٩ ورومية ١١: ٢٩
فَلِذٰلِكَ اي لما كان القَسم يقطع كل مشاجرة وشك أو لما كان الناس يقسمون بمن هو أعظم منهم.
إِذْ أَرَادَ ٱللّٰهُ تنازلاً منه لأجل زيادة يقينهم بمواعيده.
أَنْ يُظْهِرَ أو يبرهن.
أَكْثَرَ كَثِيراً بنوع وافر جداً.
لِوَرَثَةِ ٱلْمَوْعِدِ أي المسيحيين.
عَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَائِهِ إرادته فإن إرادته وقضائه تعالى واحد.
تَوَسَّطَ بِقَسَمٍ جعل نفسه وسيطاً بينه وبين ورثة الموعد أو بالحري أشهد تعالى نفسه على نفسه بأنه ينجز مواعيده لهم لكي يطمئنوا واثقين بصدقه تعالى فيها.
١٨ «حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ ٱلتَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ ٱللّٰهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ ٱلَّذِينَ ٱلْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِٱلرَّجَاءِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا».
ص ١٢: ١
حَتَّى بِأَمْرَيْنِ الوعد والقَسم والله هو الواعد وهو كفيل الوعد أيضاً.
عَدِيمَيِ ٱلتَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ ٱللّٰهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا لما كان الله صادقاً ولا يتغير كان وعده كافياً ليقين الإنسان بدون أن يلتزم إلى قَسم فلما شاء تنازلاً ورحمة منه أن يضيف إلى ذلك قَسماً كان من باب أولى أن يُصدق بمواعيده.
تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ عندما تضطرب ضمائرنا بالنظر إلى خطايانا وما توجبه علينا من القصاص.
نَحْنُ ٱلَّذِينَ ٱلْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِٱلرَّجَاءِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا وهو رجاء المغفرة والخلاص الذي يقدمه الله لنا بواسطة المسيح في إنجيله المثبّت بصدقه تعالى وقسمه. أو قد يكون المعنى إذا اتخذنا كلمة تعزية بمعنى المحثة وهي تحتمله في الأصل أنه لما قدم الله كل ما يلزم لخلاص الذين يتمسكون بالمسيح وأثبته بمواعيد وأقسام كان ذلك محثة عظيمة لدوام التمسك برجاء الخلاص لكل من التجأ إلى ديانة المسيح طالباً فيها الفرار من سلطة خطاياه وأثقالها وعواقبها.
١٩ «ٱلَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ ٱلْحِجَابِ».
لاويين ١٦: ١٥ وص ٩: ٧
ٱلَّذِي الاسم الموصول يعود إلى «الرجاء» المستقر على الرب يسوع المسيح وحده.
هُوَ لَنَا الملتجئين للمخلص.
كَمِرْسَاةٍ هي الحديد الذي به تتعلق السفن في الأرض بحيث لا تدفعها العواصف فتصدم الصخور أن تطرحها إلى البر فتتكسر.
لِلنَّفْسِ أي كما أن المرساة تحفظ السفن من الانكسار هكذا الرجاء المسيحي فإنه يحفظ النفس من الهلاك عند فعل التجارب وغرور الدنيا ومحاربة الأفكار الكفرية والاضطهاد لأجل المسيح. والقدماء كانوا يشبهون الرجاء بالمرساة.
مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ لا يُخشى عليها أي المرساة من أن تتزحزح فتقع النفس في خطر من سلامتها بل هي مؤتمنة لا تخيب الأمل وثابتة متشبثة في الأرض لا تقتلعها الرياح والأمواج.
تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ ٱلْحِجَابِ في التشبيه الأول كانت النفس كسفينة والعالم كبحر يتلاعب بها والرجاء بمواعيد الله كمرساة وأما هنا فالإشارة إلى قدس الأقداس الذي كان يفصله عن الهيكل حجاب والمراد أن الرجاء المسيحي يمتد إلى السماء حيث الله هناك وهناك كمرساة يتشبث بعرش النعمة وتحفظ النفس من أخطار هذه الحياة إلى أن تُسحب بالسلامة إلى الميناء الأمين في السماء. وهذا نصيب كل من يتمسك بهذا الرجاء إلى النهاية.
٢٠ «حَيْثُ دَخَلَ يَسُوعُ كَسَابِقٍ لأَجْلِنَا، صَائِراً عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ، رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى ٱلأَبَدِ».
ص ٤: ١٤ و٨: ١ و٠: ٢٤ ٢ ٣: ١ و٥: ٦ و٧: ١٧
حَيْثُ أي إلى قدس الأقداس ما داخل الحجاب إلى السماء بعينها (ص ٩: ٢٤).
دَخَلَ يَسُوعُ بجسده الممجّد بعد قيامته.
كَسَابِقٍ دخل قبلنا وعلى هذه الآية قال ثيودوريتوس «قصد الكاتب بتسمية المسيح سابقاً» زيادة ثقتهم لأنه إذا كان سابقهم وذهب إلى هناك لأجلهم فيجب على المسيحيين أن يتبعوه لينالوا غاية سيرهم.
لأَجْلِنَا ليشفع فينا بعد أن قدّم ذاته على الأرض ذبيحة لأجل خطايانا وفي ذلك يمارس عملاً كان يُشار إليه في وظيفة الكهنوت في العهد القديم.
صَائِراً عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ، رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى ٱلأَبَدِ فإن لرئيس الكهنة فقط كان يجوز الدخول إلى قدس الأقداس. والآن قد وصل الكاتب إلى الكلام في كهنوت المسيح ومقابتله بكهنوت اليهود وهو الموضوع الذي سيأتي في الأصحاحات التابعة غير أنه قبل المقابلة المذكورة يذكر نسبة كهنوت ملكي صادق الرمزية إلى كهنوت المسيح في (٧: ١ - ١٠).
فوائد



  • إن عمل النعمة في قلب المسيحي عمل تدريجي يقدم الإنسان في المعرفة والتقوى إلى أن يصير أخيراً كاملاً في المسيح.
  • إن لأعمال الخير على جميع أنواعه جزاء عظيماً في السماء غير أن هذا الجزاء هو من فضل الله ونعمته لا من مجرد استحقاق الإنسان - وهذا الأمر بعيد جداً عن مذهب الذين يزعمون أن الأعمال الصالحة إيفاء عن الخطايا.
  • إنه لا خوف على الذين قد التجأوا إلى المسيح ووضعوا اتكالهم عليه واتبعوا سيرته الصالحة - لأن رجاءهم مبني على وعد الله الصادق غير المتغير أبداً فهو كالمرساة التي أُلقيت داخل الحجاب وتعلّقت بكرسي نعمة الله.
  • إن العبرانيين الذين كُتبت إليهم هذه الرسالة كانوا في الضيق (ص ١٠: ٣٢ - ٣٤) فكان لهم استعداد للكلام في رجائهم بالمسيح (ع ١٨ - ٢٠). فإننا لا نعرف قيمة مواعيد الله حتى تقع في الضيق ولا لذة التعزية حتى نختبر الأحزان ولا عظمة الخلاص إن لم نتأكد أننا هالكون.




اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ


لما ذكر الكاتب (ص ٥: ٦ و١٠ و٦: ٢٠) إن المسيح كاهن على رتبة ملكي صادق ولم يدخل في هذا البحث لاشتغاله بغيره أتى هنا إلى الكلام فيه. وإذ كان مراده أن يُظهر فضل كهنوت المسيح على كهنوت اللاويين أتى المقابلة في هذا الأصحاح بين كهنوت ملكي صادق وكهنوت هارون وذريته وأظهر فضل الأول الذي كان كهنوت المسيح على رتبته على الثاني وذلك من جملة وجوه (١) إن إبراهيم أبا المؤمنين قدم له العشور. (٢) أنه قبل البركة منه. (٣) أنه لم يقبل كهنوته على سبيل الوراثة بل بتعيين الله (ع ١ - ١٠).
وأما كهنوت المسيح فكان أفضل من كهنوت العهد القديم لأسباب (١) أنه كان على رتبة ملكي صادق كما مرّ. (٢) أن قيام كهنوت بعد الكهنوت اللاوي دليل على عدم كمال الأول وفضل الثاني عليه (ع ١١ - ١٧). (٣) إن كهنوت المسيح كان يقسم والكهنوت اللاوي لم يكن كذلك (ع ٢١). (٤) إن كهنوت المسيح دائم وكهنوت أولئك كان محدوداً بواسطة الموت (ع ٢٣). (٥) إن الكهنة في العهد القديم كانوا خطأة وأما المسيح فكان بلا خطيئة فلم يضطر مثلهم أن يقدّم ذبائح عن نفسه بل الذبيحة التي قدمها كانت عن خطايا غيره. وهم قدموا ذبائح كثيرة وأما هو فقدّم ذبيحة واحدة فقط (ع ٢٧ و ٢٨).
١ «لأَنَّ مَلْكِي صَادِقَ هٰذَا، مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ ٱللّٰهِ ٱلْعَلِيِّ، ٱلَّذِي ٱسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعاً مِنْ كَسْرَةِ ٱلْمُلُوكِ وَبَارَكَهُ».
تكوين ١٤: ١٨ الخ
لأَنَّ اللام للتعليل تفيد أن ما يتبع من الكلام برهان على ما سبق من جهة فضل كهنوت ملكي صادق على الكهنوت اللاوي ففضل كهنوت المسيح عليه أيضاً لأنه كان على رتبة كهنوت ملكي صادق.
مَلْكِي صَادِقَ هٰذَا المشار إليه في الآية السابقة في نهاية (ص ٦).
مَلِكَ سَالِيمَ وصف أول لملكي صادق الذي كان ملكاً وكاهناً معاً. وأما ساليم فذُكرت باسم شاليم في (تكوين ١٤: ١٨). وذهب جمهور الآباء وأكثر المفسرين الحديثين إلى أن المراد بها أورشليم فإنه ما عدا مشابهة الاسم ذُكر في المزامير (مزمور ٧٦: ٢) إن «مظلة الله في ساليم ومسكنه في صهيون» على أن مظلته ومسكنه واحد بحسب الأسلوب العبراني في الإنشاء الشعري (انظر تفسير هذه الرسالة ص ٢: ٦). وهكذا يقول يوسيفوس اليهودي أيضاً. وقد ذهب القديس إيرونيموس وتبعه البعض إلى أن المراد مدينة في شكيم (يوحنا ٣: ٢٣).
كَاهِنَ ٱللّٰهِ ٱلْعَلِيِّ وصف ثانٍ لملكي صادق. وكان اتحاد الوظيفتين أي المُلك والكهنوت في شخص واحد كثيراً عند الوثنيين. وهكذا كان الأمر عند اليهود على عهد الملوك المكابيين كما ذكر يوسيفوس. وبالنظر إلى هذا الشرف المزدوج قد سمي المسيحيون «كهنوتاً ملوكياً» (١بطرس ٢: ٩) وفي الرؤيا قيل أن المسيح «جعل شعبه ملوكاً وكهنة لله» (رؤيا ١: ٦). وفي كهنوت ملكي صادق أمران جوهريان وهما أنه كهنوت ملوكي وأنه كهنوت أبدي. وقوله «العلي» معناه أن ملكي صادق كان كاهناً حقيقياً للإله الحقيقي خالق السماوات والأرض.
ٱلَّذِي ٱسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعاً أي وهو راجع.
مِنْ كَسْرَةِ ٱلْمُلُوكِ الأربعة (تكوين ١٤: ١٧ - ٢٠).
وَبَارَكَهُ مراد الكاتب إظهار شرف كهنوت ملكي صادق الذي يُرى في أنه بارك إبراهيم أبا المؤمنين وجد لاوي الذي نتج منه ذرية الكهنوت عند اليهود (انظر ع ٧).
٢ « ٱلَّذِي قَسَمَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عُشْراً مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. ٱلْمُتَرْجَمَ أَوَّلاً «مَلِكَ ٱلْبِرِّ» ثُمَّ أَيْضاً «مَلِكَ سَالِيمَ» أَيْ مَلِكَ ٱلسَّلاَمِ».
ٱلَّذِي قَسَمَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عُشْراً مِنْ كُلِّ شَيْءٍ اغتنمه من الملوك الأربعة (ع ٤) كما كان يُعطى عُشر الأغلال لقيام خدمة الهيكل. وقد أظهر إبراهيم بذلك إقراره بكون ملكي صادق كاهن الله العلي.
ٱلْمُتَرْجَمَ أَوَّلاً نظراً إلى لقبه ملكي صادق من العبراني.
مَلِكَ ٱلْبِرِّ هذه ترجمة حرفية من اليوناني وهو من العبراني وهذا التركيب من المضاف والمضاف إليه بمعنى الصفة والموصوف وهو كثير في العبراني والعربي. ومن هذا الباب القول إله الرحمة أي الإله الرحيم وإله المجد أي الإله المجيد وقال الشيخ ابن الفارض «آهِ واشوقي لضاحي وجهها» أو لوجهها الضاحي. غير أنه هنا إضافة الصفة للموصوف وفي الآية إضافة الموصوف للصفة إذ المراد «بملك البر» الملك البار.
ثُمَّ يقال له -
أَيْضاً مَلِكَ سَالِيمَ أَيْ مَلِكَ ٱلسَّلاَمِ ترجمة ساليم عن العبراني. وهذا الوصفان أي «البر والسلام» يناسبان المسيح تمام المناسبة مع أننا لا نقول أن الكاتب قصد بذكرها التعليم أنهما رمزان إلى صفات المسيح (انظر مزمور ٧٢: ١ و٢ وإشيعاء ٩: ٧ و٣٢: ١ وإرميا ٢٣: ٥) وهذه الآيات تذكر بر المسيح (وانظر أيضاً إشعياء ٥٣: ١١ وإرميا ٢٣: ٦ ودانيال ٩: ٢٤) وهي آيات تذكر البر المنسوب إلى شعبه. ونتيجة البر هي السلام (انظر مزمور ٧٢: ٣ و٧ وإشعياء ٩: ٥ وزكريا ٩: ٩). ولاحظ أن البر أولاً ثم السلام لأن لا سلام حقيقي إلا السلام المؤسس على البر.
٣ «بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِٱبْنِ ٱللّٰهِ. هٰذَا يَبْقَى كَاهِناً إِلَى ٱلأَبَدِ».
بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ اختلفوا كثيراً في تفسير هذا العبارة من الزمن القديم إلى الآن. والظاهر ليس المراد أنه لم يكن لملكي صادق أب وأم بالحقيقة بل أن كهنوته لم يتصل إليه من أبيه وأمه وسلفائه كما كان الأمر في الكهنوت اللاوي الذي كان محصوراً في نسل لاوي رئيس أحد الأسباط وفي ذرية هارون أخي موسى الذي أقامه الله وذريته لهذه الخدمة. ومما يؤيد ذلك قوله -
بِلاَ نَسَبٍ أي سلف كهنوتي خلفه ملكي صادق في الوظيفة بل إنما أتته من الله رأساً (انظر ع ٦).
لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ لا يذكر الكتاب ولادته ولا موته.
بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِٱبْنِ ٱللّٰه المسيح غير مخلوق ومنذ الأزل وإلى الأبد فالأمر واضح أن لا أحد من بني البشر يقدر أن يشبهه في هذه الأمر ولكن الكاتب ذكر ملكي صادق وجعله رمزاً إلى المسيح لأسباب (١) أنه ملك وكاهن. (٢) أن اسمه واسم مدينته يناسبان صفة البر في المسيح ونتيجة البر أي السلام. (٣) إن عدم ذكر ولادته وموته يناسب كون المسيح غير مخلوق وهو كاهن إلى الأبد. والأمر الجوهري في التشبيه هو دوام كهنوت المسيح.
٤ «ثُمَّ ٱنْظُرُوا مَا أَعْظَمَ هٰذَا ٱلَّذِي أَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ رَئِيسُ ٱلآبَاءِ عُشْراً أَيْضاً مِنْ رَأْسِ ٱلْغَنَائِمِ».
تكوين ١٤: ٢٠
ثُمَّ حرف للانتقال إلى قول أو معنى جديد.
ٱنْظُرُوا النظر هنا بمعنى التأمل.
مَا أَعْظَمَ في الرتبة والمقام.
هٰذَا أي ملكي صادق.
ٱلَّذِي أَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ رَئِيسُ ٱلآبَاءِ الاثني عشر الذين كانوا أصل شعب اليهود.
عُشْراً كما كان يُقدم الغلاّت لله على يد الكهنة.
أَيْضاً بحسب وضع الكلمة في العربية يكون المراد أن إبراهيم أعطى ملكي صادق الإكرام الواجب له وأيضاً عشراً من الغنائم وهو المعنى المراد حسب قول المحققين.
مِنْ رَأْسِ ٱلْغَنَائِمِ أي من أفضلها. معنى الكلمة الأصلية «رأس الكومة» فإن ملوك الوثنيين القدماء بعد انتصارهم على أعدائهم كانوا يجمعون الغنيمة في كومة ثم يأخذون ما في رأس الكومة لآلهتهم فكانت بمنزلة تقديم أبكار الأغلال عند العبرانيين. وأما مراد الكاتب من جميع العبارة فتعظيم ملكي صادق وتخفيض مقام إبراهيم بالنسبة إليه بناء على أنه لما كان إبراهيم خليل الله وأصل شعب اليهود وقد أعطى ملكي صادق عشراً فكان ذلك دليلاً على فضل كهنوته على كهنوت اللاويين وإذ كان المسيح على رتبة ملكي صادق في الكهنوت فكان أسمى مقاماً من كهنة اليهود. وكل ذلك ظاهر من الكلام التابع.
٥ «وَأَمَّا ٱلَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي لاَوِي، ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلْكَهَنُوتَ، فَلَهُمْ وَصِيَّةٌ أَنْ يُعَشِّرُوا ٱلشَّعْبَ بِمُقْتَضَى ٱلنَّامُوسِ أَيْ إِخْوَتَهُمْ، مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ».
عدد ١٨: ٢١ و٢٤ و٢٦
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي لاَوِي الكلام ليس على جميع اللاويين بل على الكهنة الذين كانوا من ذرية هارون بدليل قوله -
ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلْكَهَنُوتَ أي الذين إذ كانوا من ذريّة هارون قبلوا الوظيفة الكهنوتية الخاصة بهم.
فَلَهُمْ وَصِيَّةٌ من الله.
أَنْ يُعَشِّرُوا يأخذوا عشور أغلال -
ٱلشَّعْبَ بِمُقْتَضَى ٱلنَّامُوسِ (ع ١٨: ٢١).
أَيْ إِخْوَتَهُمْ بني إسرائيل.
مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ فكانوا مساوين لهم في الجنسية ولكنهم كانوا مكلفين بتقديم العشور لإخوتهم اللاويين. وأما مراد الكاتب في كل ذلك فهو أن أشرف سبط من أسباط اليهود كان أدنى من رتبة ملكي صادق وكان كهنوته أعلى من كهنوتهم.
٦ «وَلٰكِنَّ ٱلَّذِي لَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مِنْهُمْ قَدْ عَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ ٱلْمَوَاعِيدُ!».
تكوين ١٤: ١٩ ورومية ٤: ١٣ وغلاطية ٣: ١٦
وَلٰكِنَّ ٱلَّذِي لَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مِنْهُمْ الكلام على ملكي صادق الذي لم يأخذ الكهنوت عن سلسلة وراثية رأسها هارون بل كهنوته معطى له من الله بدون أن يسلفه أو يخلفه أحد فيه.
قَدْ عَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ أي أخذ العشور منه كما كان يأخذ اللاويون أعشار أغلال الشعب اليهودي (ع ٥).
وَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ ٱلْمَوَاعِيدُ! أي إبراهيم الذي وعده بمواعيد لم يعد بها أحداً آخر. ومن ذلك يُنتج الكاتب فضل ملكي صادق الذي كان كهنوت المسيح على رتبته.
٧ «وَبِدُونِ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ: ٱلأَكْبَرُ يُبَارِكُ ٱلأَصْغَرَ».
وَبِدُونِ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ أي بغير أدنى خلاف.
ٱلأَكْبَرُ يُبَارِكُ ٱلأَصْغَرَ لا يطيق اليهود أن ينكروها وبمقتضاها كان ملكي صادق أرفع مقاماً من إبراهيم لأنه كان ملكاً وكاهناً وإبراهيم لم يكن شيئاً من ذلك. هذا وإن الصغر والكبر هنا لا يرجعان إلى أكثر من المقام والرتبة فلا تعرُّض في ذلك إلى التقوى أو إلى مقاصد الله من جهة إبراهيم وذريته. فمن جهة الرتبة الكهنوتية كان ملكي صادق أعلى مقاماً من إبراهيم ولكننا لا نقرأ أنه كان أقرب إلى الله أو أنه تمّت بواسطته مواعيد كريمة كما كان الأمر في إبراهيم الذي جاء منه المسيح وبنسله تباركت شعوب الأرض. قيل في (تكوين ١٤: ١٨) أن ملكي صادق أخرج خبزاً وخمراً ولا نقدر أن نرى في ذلك رمزاً بل هو على سبيل الإضافة فقط.
٨ «وَهُنَا أُنَاسٌ مَائِتُونَ يَأْخُذُونَ عُشْراً، وَأَمَّا هُنَاكَ فَٱلْمَشْهُودُ لَهُ بِأَنَّهُ حَيٌّ».
ص ٥: ٦ و٦: ٢٠
وَهُنَا أُنَاسٌ مَائِتُونَ الخ الكهنة من اللاويين كانوا بشراً فماتوا كما يموت جميع الناس وأما ملكي صادق فالمشهود له بأنه حي أن موته غير مذكور في الكتاب مع أنه مات بلا شك. ولكن جوهر الكلام هو في المرموز إليه وليس في الرمز لأن المسيح هو حي إلى الأبد فيكون كهنوت المسيح أفضل من كهنوت اللاويين. فإذا مات ملكي صادق أو لم يمت لا فرق لأن مدار البحث هو المسيح. فلا نقول إن عدم موته بل عدم ذكر موته مما جعل ملكي صادق رمزاً إلى المسيح.
٩ «حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً: إِنَّ لاَوِي أَيْضاً ٱلآخِذَ ٱلأَعْشَارَ قَدْ عُشِّرَ بِإِبْرَاهِيمَ!».
حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً جملة معترضة لتلطيف المقول أو الاعتذار عنه. وربما يكون المعنى دعوني أقول شيئاً على أسلوبكم.
إِنَّ لاَوِي أَيْضاً ٱلآخِذَ ٱلأَعْشَارَ المراد بلاوي السبط وعلى الخصوص ذرية هارون وكان يأخذ الأعشار من بقية الأسباط.
قَدْ عُشِّرَ بِإِبْرَاهِيمَ أي أُخذ منه لما أعطى إبراهيم ملكي صادق عشراً مما اغتنمه من الملوك الأربعة. وقد يؤخذ على الكاتب هنا أنه يستعمل برهاناً أشبه بالبراهين التلمودية المبنية على الظاهر الحرفي لا على الجوهر المعنوي فمن جملة ما يُرد على ذلك أن صدر العبارة (حتى أقول كلمة) يفيد أن الكاتب لم يقصد بكلامه ما يؤخذ هنا يحتجّ على الأسلوب العبراني وأشار إليه في بداءة القول. ومنهم من يقول بل المعنى صريح وحقيقي أن إبراهيم لاوي عشر لملكي صادق فكان كهنوته أرفع من كهنوت نسل إبراهيم.
١٠ «لأَنَّهُ كَانَ بَعْدُ فِي صُلْبِ أَبِيهِ حِينَ ٱسْتَقْبَلَهُ مَلْكِي صَادِقَ».
لأَنَّهُ أي لاوي الذي الكاتب يقابل كهنوته بكهنوت ملكي صادق.
كَانَ بَعْدُ فِي صُلْبِ أَبِيهِ أي على نوع ما كان موجوداً.
حِينَ ٱسْتَقْبَلَهُ مَلْكِي صَادِقَ عند رجوع إبراهيم من كسرة الملوك الأربعة فكأنّ لاوي أيضاً أعطى عشوراً لملكي صادق. وكثيراً ما يعمل الإنسان ما يُنسب إلى أولاده وهم لم يولدوا بعد كبناء بيت أو بيعه أو الدخول في جنسية أو فعل ما يجب الكرامة أو ما يجلب الهوان على نسله. فيصح القول أن نسل إبراهيم أعطوا الأعشار فيه بالاعتبار الخاص بهذا التشبيه كله إلى أمرين أولهما أن المسيح يستحق أن يكون كاهناً ليس بناء على ما أخذه من السلف بل على ما فيه. وثانيهما أن كهنوت المسيح إلى الأبد وكما أنه لم يأخذه من أناس قبله لا يسلمه لأناس يأتون بعده.
١١ «فَلَوْ كَانَ بِٱلْكَهَنُوتِ ٱللاَّوِيِّ كَمَالٌ إِذِ ٱلشَّعْبُ أَخَذَ ٱلنَّامُوسَ عَلَيْهِ مَاذَا كَانَتِ ٱلْحَاجَةُ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ، وَلاَ يُقَالُ: عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ؟».
غلاطية ٢: ٢١ وع ١٨ و١٩ وص ٨: ٧
فَلَوْ «الفاء» هنا عاطفة لا سببية تدل على انتقال إلى قول جديد بمنزلة ثم. و «لو» حرف امتناع فإن المعنى أنه لما امتنع الكمال بالكهنوت اللاوي لزم قيام كاهن آخر على رتبة جديدة.
كَانَ بِٱلْكَهَنُوتِ ٱللاَّوِيِّ أي الكهنوت الهاروني الذي كان منحصراً في سبط لاوي وإنما تسمى باللاوي وهو الاسم الأعم لأن جميع السبط كان قائماً بخدمة هذا الكهنوت.
كَمَالٌ أي نيل الكمال وقد اختلفوا على معنى الكمال هنا والأرجح فهم الكلمة بحسب استعمالها في ما يلي من هذه الرسالة (قابل ص ٩: ٩ بعدد ١٤) وهو أن في العهد القديم لم يكن في الكهنوت الكفاءة لراحة ضمائر الناس من جهة خطاياهم بل إنما كانت فاعلية ذلك الكهنوت وتلك الذبائح التي كانت مرتبطة به مأخوذة من الكهنوت والذبيحة اللذين تما في عمل المسيح.
إِذِ ٱلشَّعْبُ أَخَذَ ٱلنَّامُوسَ عَلَيْهِ جملة معترضة أي أن الشعب اليهودي أخذ الناموس عن يد الكهنة ومنوطاً بهم بحيث إذا تغيّر الكهنوت تغيّر الناموس أيضاً.
مَاذَا كَانَتِ ٱلْحَاجَةُ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ، وَلاَ يُقَالُ «عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ»؟ أي لو أكمل الكهنوت اللاوي والشريعة المرتبطة به جميع ما يلزم من جهة التطهير من الخطية وتطمين الضمير فلماذا يُقال في المزامير أنه سيقوم كاهن أخر من رتبة أخرى غير رتبة هارون فإنه ذا دليل واضح على أن كهنوت هارون لم يكن كافياً لتتميم جميع المطلوب.
١٢ «لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ ٱلْكَهَنُوتُ فَبِٱلضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضاً».
لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ ٱلْكَهَنُوتُ فَبِٱلضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضاً قوله «تغير» في الأصل نُقل والمراد نُقل الكهنوت من ذرية هارون إلى المسيح. ولما ذكر الكاتب في الآية السابقة أن الناموس أتى مع الكهنوت وبه قال هنا أن تغير الكهنوت يوجب تغير الناموس أيضاً. وإنما المراد بالناموس هنا ليس الناموس الأدبي ولكن الناموس الرسمي المعروف بالطقسي الذي كان مرتبطاً بخدمة الكهنة اللاويين وموقوفاً عليهم فإننا الآن نشاهد اليهود تاركين كثيراً من رسومهم وشرائعهم لعدم وجود الكهنة فيهم كالذبائح وغيرها.
١٣ «لأَنَّ ٱلَّذِي يُقَالُ عَنْهُ هٰذَا كَانَ شَرِيكاً فِي سِبْطٍ آخَرَ لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ ٱلْمَذْبَحَ».
لأَنَّ ٱلَّذِي يُقَالُ عَنْهُ هٰذَا وهو المسيح المقول فيه أنه يكون كاهناً على رتبة ملكي صادق.
كَانَ شَرِيكاً فِي سِبْطٍ آخَرَ أي كان من سبط آخر غير سبط لاوي والمراد سبط يهوذا الذي أتى منه المسيح بالجسد.
لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ ٱلْمَذْبَحَ أي لم يخدم أحد من هذا السبط خدمة المذبح أي خدمة الكهنوت.
١٤ «فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أَنَّ رَبَّنَا قَدْ طَلَعَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، ٱلَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ مُوسَى شَيْئاً مِنْ جِهَةِ ٱلْكَهَنُوتِ».
إشعياء ١١: ١ ومتّى ١: ٣ ولوقا ٣: ٣٣ ورومية ١: ٣ ورؤيا ٥: ٥
فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أي أنه من المعلوم.
أَنَّ رَبَّنَا يسوع المسيح.
قَدْ طَلَعَ أو خرج.
مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا الذي منه كانت مريم أم المسيح.
ٱلَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ مُوسَى شَيْئاً مِنْ جِهَةِ ٱلْكَهَنُوتِ بل كان قد حُضر الكهنوت في سبط لاوي وذرّية هارون (عدد ١٨: ٧). ذكر ذلك الكاتب وصمت عن النتيجة على أنها واضحة وهي إذ انتقل الكهنوت من ذرّية هارون وسبط لاوي إلى واحد من سبط يهوذا على رتبة جديدة فقد تغير أيضاً الكهنوت بتمامه والشرائع الكهنوتية معه.
١٥ «وَذٰلِكَ أَكْثَرُ وُضُوحاً أَيْضاً إِنْ كَانَ عَلَى شِبْهِ مَلْكِي صَادِقَ يَقُومُ كَاهِنٌ آخَرُ».
ع ١٢ وأعمال ٢٦: ٨ و٢٣
وَذٰلِكَ أي تغير الكهنوت.
أَكْثَرُ وُضُوحاً أَيْضاً في الآية السابقة ذكر تغيُّر الكهنوت من انتقاله من سبط لاوي إلى سبط يهوذا وفي هذه الآية يذكر هذا التغيُّر من انتقاله من رتبة إلى رتبة أخرى وهو المراد بقوله «أيضاً».
إِنْ كَانَ عَلَى شِبْهِ مَلْكِي صَادِقَ يَقُومُ كَاهِنٌ آخَرُ فإنه بذلك يزيد وضوح أن الكهنوت قد تغيّر لأنه انتقل من جهتين الجهة الأولى السبط والثانية الرتبة.
١٦ «قَدْ صَارَ لَيْسَ بِحَسَبِ نَامُوسِ وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ، بَلْ بِحَسَبِ قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ».
قَدْ صَارَ أي أُقيم الكاهن المذكور في نهاية الآية السابقة.
لَيْسَ بِحَسَبِ نَامُوسِ وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ الكهنة من نسل هارون وصاروا كهنة لأنهم من نسله وأما المسيح فبحسب قوة حياة لا تزول والمراد بذلك ما يأتي:
(١) إن كهنوت المسيح لا ينتهي كما انتهى كهنوت أبناء هارون عند موتهم لأن المسيح بعد ما قدم نفسه ذبيحة عن الخطايا قام من الأموات وهو الآن عن يمين الله يشفع في شعبه فتدوم هذه الشفاعة حتى يكون جميع شعبه قد خلص فيسلم الملك لله الآب.
(٢) إن في المسيح حياة منذ الأزل وإلى الأبد فلا يمكن الموت أن يسود عليه (أعمال ٢: ٢٤) فحياة المسيح هذه غير المحدودة قوة أيضاً غير محدودة وخدمته للعالم خدمة مؤثرة وللخلاص وهو ينشئ الحياة الروحية في جميع المؤمنين به. وليست هذه الحياة البقاء فقط بل المجد والسعادة وكل ما له قيمة حقيقية في الحياة.
١٧ «لأَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّكَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ».
مزمور ١١٠: ٤ وص ٥: ٦ و١٠ و٦: ٢٠
لأَنَّهُ يَشْهَدُ أي الله في الكتب المقدسة والسفر المراد هنا هو المزامير.
أَنَّكَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ إثبات لنقل الكهنوت إلى المسيح وتغيُّر الشرائع الكهنوتية بتغيُّر الشخص المقام لها. وأما قوله «إلى الأبد» فإليه يتجه جميع المعنى المراد بذكر الاقتباس من المزامير مرة أخرى وهو تفسير لقوله في الآية السابقة «بحسب قوة حياة لا تزول». فإن الكاتب أراد زوال الكهنوت الأول وعدم زوال كهنوت المسيح. والآن إذ أثبت نقل الكهنوت وتغيّر شرائعه أتى إلى الكلام على عدم كفاءة جميع الشرع القديم لنيل المغفرة وطمأنينة الضمير فإلى لزوم شريعة جديدة روحية توافق حال الإنسان بالنظر إلى أنه خاطئ.
١٨ «فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَالُ ٱلْوَصِيَّةِ ٱلسَّابِقَةِ مِنْ أَجْلِ ضَعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا».
ع ١٦ ورومية ٨: ٣ وغلاطية ٤: ٩
قد ذكر الكاتب هنا إبطال الشرائع الكهنوتية وسببه وإقامة شريعة أفضل مكانها فقال -
فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَالُ ٱلْوَصِيَّةِ ٱلسَّابِقَةِ كلمة «يصير» هنا ترجمة حرفية عن اليوناني وليس المراد بها أكثر من وقوع الإبطال. وقوله «السابقة» يعنى الشريعة التي سبقت الشريعة المسيحية.
مِنْ أَجْلِ ضَعْفِهَا أي عدم وجود قوة فيها لمحو الخطيئة وتسكين ضمير الخاطئ.
وَعَدَمِ نَفْعِهَا من هذا الوجه لأن لها منافع من غير وجوه ذكرها بولس الرسول في رسالته إلى غلاطية (غلاطية ٣: ١٩ - ٢٤) وفي رسالته الأولى إلى تيموثاوس (١تيموثاوس ١: ٨ و٩) فإن الشريعة الأولى وُضعت ليس لتطهر الإنسان من خطاياه بذات فعلها بل لكونها مرشدة إلى المسيح الذي هو غاية الناموس للبر لكل من يؤمن (رومية ١٠: ٤). وكلام بولس الرسول أكثره في الناموس الأدبي كالوصايا العشر وغيرها. وقوله هنا أن هذه الشريعة تقدر أن تعلّم الإنسان ما يجب عليه وتُظهر له خطيئته لعدم قيامه بالواجبات ولكنها لا تقدر أن تخلص من الخطيئة ولا تقدر أن تغيّر طبيعته الفاسدة المشار إليها بالجسد. وأما كلام كاتب الرسالة إلى العبرانيين فأكثره في الناموس الرمزي وكون الذبائح والفرائض لا تقدر من ذاتها أن تطهّر الإنسان من الخطيئة.
١٩ «إِذِ ٱلنَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئاً. وَلٰكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى ٱللّٰهِ».
أعمال ١٣: ٣٩ ورومية ٣: ٢٠ و٢١ و٢٨ و٨: ٣ وغلاطية ٢: ١٦ وص ٩: ٩ وغلاطية ٣: ٢٤ وص ٦: ١٨ و٨: ٦ ورومية ٥: ٢ وأفسس ٢: ١٨ و٣: ١٢ وص ٤: ١٦ و١٠: ١٩
إِذِ للتعليل.
ٱلنَّامُوسُ الرمزي على وجه الإطلاق فإن جميعه كان متعلقاً بالكهنوت ومؤسساً عليه.
لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئاً أي أحداً ومعنى «التكميل» هنا التطهير من الخطيئة أو التبرير أو التأهيل لنيل كمال السماء.
وَلٰكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ مقابلة لقوله في ما سبق «يصير إبطال». والمعنى حدوث الإبطال والإدخال ووقوعهما.
رَجَاءٍ أَفْضَلَ من الرجاء الضعيف الذي كان في العهد القديم.
بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى ٱللّٰهِ عن ثقة لأنه مبني على إعلان رحمة الله على نوع أوضح وعلى ذبيحة المسيح التي يحق أن يُركن إليها. فهذا الرجاء هو الذي يكمل الإنسان - الناموس لم يكمل شيئاً ولكن الرجاء المسيحي الأفضل يكمل الإنسان (انظر تفسير ص ٦: ١٩).
٢٠ «وَعَلَى قَدْرِ مَا إِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ قَسَمٍ».
إثبات آخر لفضل كهوت المسيح على كهنة العهد القديم وذلك أنه صار كاهناً بقسم إلهي خلافاً لهم.
وَعَلَى قَدْرِ مَا إِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ قَسَمٍ تتمة هذه العبارة متضمنة في (ع ٢٢) فيكون التركيب هكذا وعلى قدر ما أنه ليس بدون قسم صار يسوع كاهناً على قدر ذلك قد صار ضامناً لعهد أفضل. وأما (ع ٢١) فمعترض للتفسير. والمراد بالسلبين في العبارة توضيح الإيجاب بمعنى أنه صار كاهناً بقسَم.
٢١ «لأَنَّ أُولَئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً، وَأَمَّا هٰذَا فَبِقَسَمٍ مِنَ ٱلْقَائِلِ لَهُ: أَقْسَمَ ٱلرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ».
مزمزر ١١٠: ٤
لأَنَّ أُولَئِكَ أي كهنة العهد القديم.
بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً، وَأَمَّا هٰذَا أي المسيح.
فَبِقَسَمٍ مِنَ ٱلْقَائِلِ لَهُ: أَقْسَمَ ٱلرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ هنا الأمر الذي يتجه إليه كلام الكاتب وهو أن كهنوت المسيح كان بقسم كما أن ما اتجه إليه كلامه في (ع ١٧) كان أن كهنوت المسيح إلى الأبد. والندم في الآية بمعنى عدم التغيُّر. وعدم القسم للعهد القديم مما يدل على أنه سيتغير ووجود القسم للعهد الجديد يدل على أنه لا يتغيّر.
٢٢ «عَلَى قَدْرِ ذٰلِكَ قَدْ صَارَ يَسُوعُ ضَامِناً لِعَهْدٍ أَفْضَلَ».
ص ٨: ٦ و٩: ١٥ و١٢: ٢٤
عَلَى قَدْرِ ذٰلِكَ هنا الشطر الثاني للآية ٢٠ الذي لا يتم المعنى بدونه. والمراد أنه كما أن كهنوت المسيح كان أفضل من الكهنوت اللاوي لأنه كان بقسَم هكذا العهد الجديد أفضل من القديم والرجاء المبني عليه أفضل من الرجاء المبني على العهد القديم لأن يسوع صار ضامناً له وذلك لأن جميع مواعيد العهد الجديد مبنية على المسيح الذي قد اشتراها لنا بآلامه وموته.
قَدْ صَارَ يَسُوعُ ضَامِناً لِعَهْدٍ أَفْضَلَ من العهد القديم وهو الجديد. الضمانة لله هي بمعنى أن المسيح ضامن لصدق مواعيد الله في إنجيله للخطأة. وأما قوله «عهد» فمعاهدة من الله لتتميم مواعيده.
٢٣ «وَأُولٰئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ لأَنَّ ٱلْمَوْتَ مَنَعَهُمْ مِنَ ٱلْبَقَاءِ».
بعد أن ذكر الكاتب فضل العهد الجديد على القديم من جهة تثبيت كهنوته بقسم ذكرها هنا فضله من جهة أخرى وهي تغيُّر أشخاص الكهنوت في العهد القديم ودوام شخص الكاهن في الجديد.
وَأُولٰئِكَ أي كهنة العهد القديم.
قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ الكلام على رؤساء الكهنة الذين تسموا هنا بالاسم الجنسي للوظيفة الكهنوتية.
لأَنَّ ٱلْمَوْتَ مَنَعَهُمْ الذي كان يصيب كل فرد منهم.
مِنَ ٱلْبَقَاءِ في الوظيفة الكهنوتية فلذلك كان يخلف الواحد منهم الآخر عند الموت لأجل دوام الوظيفة.
٢٤ «وَأَمَّا هٰذَا فَلأَنَّهُ يَبْقَى إِلَى ٱلأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ».
وَأَمَّا هٰذَا أي المسيح.
فَلأَنَّهُ يَبْقَى إِلَى ٱلأَبَدِ كاهناً على التقدير الصحيح لأن بقاءه مطلقاً ليس المراد هنا فإن جميع المنتقلين إلى العالم الثاني باقيين في الوجود ومنهم الكهنة أنفسهم الذين يقابل الكاتب المسيح بهم.
لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ أي لا يفرغ إلى غيره كما كان الأمر في رؤساء الكهنة وكهنة العهد القديم الذين تركوا وظيفتهم لغيرهم عند الموت. فلم يبق إذاً في الكنيسة المسيحية كاهن حقيقي غير المسيح الذي لا يزال يمارس وظيفة الكهنوت إلى نهاية العالم.
٢٥ «فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً إِلَى ٱلتَّمَامِ ٱلَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى ٱللّٰهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ».
رومية ٨: ٣٤ و١تيموثاوس ٢: ٥ وص ٩: ٢٤ و١يوحنا ٢: ١
فَمِنْ ثَمَّ أي لسبب كونه كاهناً أبدياً.
يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً من دينونة الخطيئة وعقابها.
إِلَى ٱلتَّمَامِ قد ترجم البعض الأصل اليوناني على الدوام والأصح أن المراد هو الخلاص التام. وأما قوله «يقدر» فمبني على أنه لما كان رئيس الكهنة يدخل إلى قدس الأقداس في الهيكل مرة في السنة لأجل الاستغفار عن نفسه وعن الشعب كان الأَولى أن المسيح الذي دخل إلى السماء نفسها بعد أن قدّم نفسه قرباناً لأجل خطايا العالم يقدر أن يخلص خلاصاً تاماً كاملاً.
ٱلَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى ٱللّٰهِ أي بواسطته ككاهنهم وشفيعهم. الذين إذ يشعرون بخطاياهم وعدم استحقاقهم يفرّون إلى المسيح وبواسطته إلى مراحم الله لنيل الخلاص.
إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ والمراد هنا كهنوته أي لا يزال ممارساً لهذه الوظيفة بدون انقطاع. وقوله «إذ» تعليل لقوله «يقدر» أي أنه قادر على تخليص الذين يأتون إلى الله بواسطته لأنه لا يزال في الوظيفة الكهنوتية المتوقف عليها الخلاص.
لِيَشْفَعَ فِيهِمْ أي ينوب عنهم ويقوم مقامهم أمام الله ويتوسل لأجلهم ويستغفر لهم وهو المراد بوساطة المسيح عند الله لأجل الخطأة على أننا لا نقدر أن نفهم هذا الأمر العظيم تمام الفهم ولا أن نعبر بألفاظ بشرية عما يجري في السماء. ومن الأمور الجوهرية المذكورة في هذه الرسالة أن المسيح أخذ طبيعتنا البشرية وجُرّب مثلنا في كل شيء فيقدر أن يرثي لضعفاتنا وهو قدّم نفسه مرة ذبيحة عن الخطيئة. وهو ابن الله. ونتيجة شفاعته النعمة عوناً في حينه. ولنا في (يوحنا ١٧) مثال شفاعته وهو على الأرض في الجسد ومنه نقدر أن نفهم شيئاً من أمور شفاعته في السماء.
٢٦ «لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هٰذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ ٱنْفَصَلَ عَنِ ٱلْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ».
أعمال ٢: ٢٧ وص ٤: ١٥ وأفسس ١: ٢٠ و٤: ١٠ وص ٨: ١
في هذه الآية وما يليها يقابل الكاتب المسيح برؤساء الكهنة في العهد القديم ويذكر علة جديدة لفضله عليهم وهي أنهم كانوا معرّضين للخطيئة وهو لم يكن كذلك بل كان قدوساً بريئاً من الخطإ.
لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا المراد هنا كما يستدل من القرينة اللزوم أي أنه كان لازماً لنا.
رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هٰذَا الإشارة إلى المسيح. قال سابقاً «كاهن» وهنا «رئيس كهنة» لأن الكلام السابق كان في الصفات التي فيها لا فرق بين الكهنة ورئيس الكهنة وأما الكلام هنا ففي الأعمال المختصة بالوظيفة وفيها فرق بين رئيس الكهنة والكهنة.
قُدُّوسٌ أي طاهر في الباطن والقلب.
بِلاَ شَرٍّ غير مضر لأحد وهي صفة الطهارة أو القداسة أو الاستقامة في الخارج كما أن كلمة «قدوس» تدل على الاستقامة والطهارة الباطنة.
وَلاَ دَنَسٍ الإشارة الأولى في الكلمة هي إلى الطهارة الرمزية حسب الشريعة الموسوية والمراد هنا الخلو من العيب والخطيئة والخطإ فهي مفسرة للكلمتين السابقتين.
قَدِ ٱنْفَصَلَ عَنِ ٱلْخُطَاةِ أي مع أنه عاشرهم وخالطهم لم يشاركهم في الخطيئة بل كان دائماً منفصلاً عنهم في السيرة لأنه لم يظهر منه في كل حياته مرة واحدة ما يقرب من الخطيئة أو ما يشبهها. وفي الجملة المعنى أنه لم يتدنس بواسطة مخالطته للخطأة بل كان دائماً نقياً طاهراً. وقال بعضهم المراد هنا أن المسيح انفصل عن الخطأة عند صعوده إلى السماء فليس عليه الآن تجارب ولا مقاومة كما كان وهو على الأرض في الجسد فلا شيء يعيقه عن إتمام وظيفة رئيس الكهنة.
وَصَارَ أَعْلَى مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ أي رُقي إلى يمين العزة (ص ٢: ٩) لسبب طهارته وليتمم هناك وظيفة رئاسة كهنوته.
٢٧ «ٱلَّذِي لَيْسَ لَهُ ٱضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلاً عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا ٱلشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هٰذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ».
لاويين ٩: ٧ و١٦: ٦ و١١ وص ٥: ٣ و٩: ٧ ولاويين ١٦: ١٥ ورومية ٦: ١٠ وص ٩: ١٢ و٢٨ و١٠: ١٢
ٱلَّذِي لَيْسَ لَهُ ٱضْطِرَارٌ الكلام على المسيح والمراد أنه لما كان بريئاً من الخطيئة والخطإ لم يكن محتاجاً أو مضطراً إلى تقديم ذبيحة عن نفسه.
كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ قد اختلفوا كثيراً على معنى قوله «كل يوم» لأن المشهور أن رؤساء الكهنة لم يقدموا ذبيحة مشتهرة إلا مرة في السنة وهنا يقول كل يوم فتفسيراً لذلك قال بعهضم قوله كل يوم متعلق بالمسيح والمعنى لم يكن المسيح مضطراً لتقديم ذبيحة كل يوم كما كانت تفعل رؤساء الكهنة كل سنة. وقال غيرهم بل كان رئيس الكهنة يقدم ذبائح يومية ما عدا الذبيحة السنوية ويظنون أنهم يرون أثراً لذلك في التوراة ويستشهدون قول فيلو اليهودي الذي كان معاصراً للرسل وهذه عبارته «ورئيس الكهنة بحسب الشرائع يقدم طلبات وذبائح يومية». وقال آخرون المراد برؤساء الكهنة عموم الكهنة الذين كانوا يقدمون ذبائح يومية (خروج ٢٩: ٣٨ - ٤٢).
أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلاً عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا ٱلشَّعْبِ كما كان يفعل رئيس الكهنة عند اليهود.
لأَنَّهُ فَعَلَ هٰذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ عن خطايا الشعب. وقوله «مرة واحدة» لا يسمح بتكرار أو إعادة للذبيحة مطلقاً.
٢٨ «فَإِنَّ ٱلنَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاساً بِهِمْ ضَعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ ٱلْقَسَمِ ٱلَّتِي بَعْدَ ٱلنَّامُوسِ فَتُقِيمُ ٱبْناً مُكَمَّلاً إِلَى ٱلأَبَدِ».
ص ٥: ١ و٢ ص ٢: ١٠ و٥: ٩
فَإِنَّ ٱلنَّامُوسَ الموسوي.
يُقِيمُ أُنَاساً بِهِمْ ضَعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ المراد بالضعف هنا الضعف الأدبي أي الميل إلى السقوط في الخطيئة.
وَأَمَّا كَلِمَةُ ٱلْقَسَمِ (مزمور ١١٠: ٤).
ٱلَّتِي بَعْدَ ٱلنَّامُوسِ نظراً إلى الزمان.
فَتُقِيمُ لرئاسة الكهنوت.
ٱبْناً هو ابن الله الطاهر والأشرف من جميع رؤساء كهنة العهد القديم.
مُكَمَّلاً أي ممجداً وفوق كل عيب.
إِلَى ٱلأَبَدِ أي كهنوته بلا نهاية بمعنى أنه لا يعقبه أحد فيه كما كان الأمر عند اليهود في العهد القديم.
فوائد



  • الإشارة والرموز في العهد القديم التي كانت تدل على رئيس كهنة العهد الجديد كثيرة جداً ويظهر منها الفضل العظيم الذي لابن الله على جميع الكهنوت القديم.
  • إنه لما كان المسيح الكاهن العظيم الحي إلى الأبد بطل الكهنوت الموسوي الذي كان يشير إليه واستحال وجود كهنوت آخر في الكنيسة المسيحية. ولما كانت ذبيحته كافية للوفاء عن خطايا العالم وتقدمت مرة واحدة فقط لم تمكن إعادتها بنوع من الأنواع. وأما قول الذين يزعمون أن في العشاء السري ذبيحة تُقدم عن الأحياء والأموات وأنها نفس الذبيحة التي قدمها المسيح على الصليب وتذكارها معاً وأنها تُقدم مراراً لا تحصى كل يوم وأن الذبيحة الأصلية كانت استغفارية فدائية وذبيحة القداس موصلة للبشر ما حصل من فوائد تلك الذبيحة فمن الأقوال المنافية لنص الكتاب منافاة محضة بل هو من باب التخليط الذي يخفي ما لا معنى له تحت ستر كلام العلم والفلسفة الكاذبة.
  • إنه ليس لأسقف رومية شيء من الحق بتسميته نفسه الحبر الأعظم فإن ذلك اختلاس صريح للقب اختص بالمسيح بعد ظهوره على الأرض. وبما أنه حي أبداً فليس له خليفة يخلفه كما كان الأمر في العهد القديم لا في الاسم ولا في الوظيفة.
  • إنه لما صار المسيح ضامناً للعهد الجديد وشفيعاً في الخطأة تيسر لهم الاقتراب إلى عرش النعمة بكل ثقة وطمأنينة فغاية ما يطلب منهم هو التوبة عن خطاياهم والإيمان بمواعيد الله الصادقة والاتكال على دم المسيح واتباع خطوات ذلك الذي لم يفعل خطيئة ولا وُجد في فمه مكر الذي كان قدوساً بلا شر ولا دنس منفصلاً عن الخطأة.
  • إن يسوع يقدر أن يخلص إلى التمام أي من جميع الخطايا مهما كانت كثيرة وعظيمة وجميع الناس البرابرة والمتمدنين في جميع الأماكن ومن جميع الأجناس وفي كل العصور ومن جميع عواقب الخطيئة فلا شيء من الدينونة على الذين هم في المسيح يسوع لا في جهنم ولا في المسمى مطهراً ولا يُطلب من الإنسان شيء من الأعمال أو من الآلام على سبيل الكفارة لخطاياه.




اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنُ


في الأصحاح الثامن كان يقابل الكاتب رئاسة كهنوت المسيح برئاسة كهنوت العهد القديم وأظهر فضل الأول على الثاني من جملة وجوه. وفي بداءة هذا الأصحاح يذكر وجهاً آخر لهذا التفضيل وهو أن خدمة رئاسة كهنوت العهد القديم كانت على الأرض ورمزاً لخدمة المسيح التي يمارسها في السماء نفسها وعلى شكل حقيقي لا رمزي (ع ١ - ٦). ثم يذكر فضل العهد الجديد على العهد القديم في الوظيفة الكهنوتية لسبب أن دخول العهد الجديد على القديم دليل على نقص الأول (ع ٧). وأما وجه الفضل فهو أن الأول كان يتعلق بخيرات زمنية والثاني بمواعيد روحية ونسبة الأول إلى الثاني نسبة الرمز إلى المرموز إليه والإشارة إلى المشار إليه وفي هذا القول يستند إلى اقتباس من العهد القديم نفسه (ع ٧ - ١٣).
١ «وَأَمَّا رَأْسُ ٱلْكَلاَمِ فَهُوَ أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هٰذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ ٱلْعَظَمَةِ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
أفسس ١: ٢٠ وكولوسي ٣: ١ وص ١: ٣ و١٠: ١٢ و١٢: ٢
وَأَمَّا رَأْسُ ٱلْكَلاَمِ قد اتخذ بعضهم قوله «رأس» بمعنى خلاصة ما تقدم بناء على أن الكلمة الأصلية تحتمل هذا المعنى وأن الكاتب يذكر خلاصة الكلام السابق في ما يأتي. وليس هذا هو المعنى على الأصح لأنه بعد أن ذكر في الأصحاح الماضي وجوهاً كثيرة لفضل كهنوت المسيح على الكهنوت اللاوي وذكر هنا أمراً أهم منها جميعها وسماه «رأس الكلام» لأنه العمدة في ما يقال في هذه الشأن وهو أنه في ما مضى كان يتكلم على فضل كهنوت المسيح من جهة كونه على رتبة ملكي صادق وإقامته بقسم من الله وكونه كاهناً دائماً لا يعقبه خلف وكون المسيح الكاهن العظيم قدوساً بلا شر ولا دنس. وأما هنا فالبرهان من نوع أعلى فإن خدمة المسيح الكهنوتية إنما تمارس في السماوات نفسها لا على الأرض بل بمحضر الله في السماء حيث كان يُعلن الله حضوره بنور منظور لعين الجسد دلالة على نوره الإلهي الذي لا يستطيع أن يراه بشر في الجسد.
فَهُوَ ضمير فصل يفصل بين المُسند والمُسند إليه. وأما المُسند فهو ما يأتي.
أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هٰذَا أي متصفاً بالأوصاف التي ذكرها آنفاً.
قَدْ جَلَسَ ذهب البعض إلى أن في قوله هذا مقابلة بين جلوس المسيح في السماء ووقوف رئيس الكهنة اللاوي مدة خدمته في الهيكل. والأصح أن كلمة «جلس» تفيد أمرين (١) رفعة المقام بدليل قوله «قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي: ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ» (مزمور ١١٠: ١). (٢) دوام كهنوته بدليل قوله «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ» (مزمور ١١٠: ٤).
فِي يَمِينِ عَرْشِ ٱلْعَظَمَةِ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ عبارة مجازية تدل على رفعة المقام التي نالها المسيح في الناسوت بسبب خدمته الكهنوتية وربما المراد المشاركة في الحكم والسلطان. وعلى أي وجه كان يظهر من العبارة ارتفاع المسيح وتتميم خدمته الكهنوتية على نوع أرقى جداً مما ناله رؤساء كهنة اليهود.
٢ «خَادِماً لِلأَقْدَاسِ وَٱلْمَسْكَنِ ٱلْحَقِيقِيِّ ٱلَّذِي نَصَبَهُ ٱلرَّبُّ لاَ إِنْسَانٌ».
ص ٩: ٨ و١٢ و٢٤ وص ٩: ١١
خَادِماً لِلأَقْدَاسِ قوله «خادماً» هو خادم الجمهور لا خادم شخص معلوم. والمراد «بالأقداس» قدس الأقداس أو المكان المقدس المقام لعبادة الله لا الأشياء المقدسة كما قال بعض المفسرين فاستغنى عن قدس الأقداس بقوله الأقداس. وإنما ليس المراد هنا القدس الأرضي في خيمة الاجتماع أو الهيكل بل السماء عينها.
وَٱلْمَسْكَنِ ٱلْحَقِيقِيِّ الإشارة إلى خيمة الاجتماع وما كان يقابله في الهيكل. وبقوله «الحقيقي» أراد المسكن السماوي الذي كان يشير إليه المسكن الأرضي على سبيل الرمز.
ٱلَّذِي نَصَبَهُ أي أقامه.
ٱلرَّبُّ لاَ إِنْسَانٌ فهو المسكن الحقيقي والقدس الحقيقي الذي كانت تشير إليه ما نصبته أيدي الناس من خيمة الاجتماع وهيكل سليمان.
٣ «لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ يُقَامُ لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ. فَمِنْ ثَمَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِهٰذَا أَيْضاً شَيْءٌ يُقَدِّمُهُ».
ص ٥: ١ وأفسس ٥: ٢ وص ٩: ١٤
لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ يُقَامُ لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ هذه كانت أخص أعمال وظيفته.
فَمِنْ ثَمَّ أي ولسبب أن تقديم القرابين والذبائح كان الأمر الجوهري في خدمة رئيس الكهنة.
يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِهٰذَا أي المسيح الكاهن العظيم.
أَيْضاً أي مثلهم.
شَيْءٌ يُقَدِّمُهُ ذبيحة يقدمها وسيأتي الكلام على الذبيحة التي قدمها المسيح مفصلاً في (ص ٩: ١١ - ١٤).
٤ «فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى ٱلأَرْضِ لَمَا كَانَ كَاهِناً، إِذْ يُوجَدُ ٱلْكَهَنَةُ ٱلَّذِينَ يُقَدِّمُونَ قَرَابِينَ حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ».
الكلام هنا في أن خدمة المسيح الكهنوتية ليست في الأرض ولكن في السماء وأن الخدمة اللاوية على الأرض رمز إلى خدمة المسيح السماوية.
فَإِنَّهُ الضمير عائد إلى المسيح.
لَوْ كَانَ عَلَى ٱلأَرْضِ أي يخدم الخدمة الكهنوتية على الأرض.
لَمَا كَانَ كَاهِناً أي لم يكن لزوم ولا إمكان لكونه كاهناً والسبب لذلك ذكره في العبارة التالية وهي-
إِذْ يُوجَدُ ٱلْكَهَنَةُ الشرعيون اللاويون. ولم يميز الكاتب والسبب لذلك ذكره في العبارة التالية وهي-
وصيغة الفعل «يوجد» لا تثبت أن خدمة الهيكل كانت حيئنذ قائمة والرسالة كُتبت قبل خراب أورشليم غير أن ذلك من المحتمل بل كلام الكاتب هو في الكهنوت اللاوي وذلك على سبيل البحث لا على سبيل تاريخ. والإشارة في كلامه إلى خيمة الاجتماع لأنها الأصل الذي منه الهيكل وفرائضه.
ٱلَّذِينَ يُقَدِّمُونَ قَرَابِينَ كلمة «قرابين» تشمل جميع أنواع التقدمات لله ومن جملتها الذبائح كما ذُكر في (ع ٣).
حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ الموسوي فلم يكن لزوم لكهنوت المسيح على الأرض.
٥ «ٱلَّذِينَ يَخْدِمُونَ شِبْهَ ٱلسَّمَاوِيَّاتِ وَظِلَّهَا، كَمَا أُوحِيَ إِلَى مُوسَى وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْنَعَ ٱلْمَسْكَنَ. لأَنَّهُ قَالَ: ٱنْظُرْ أَنْ تَصْنَعَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ ٱلْمِثَالِ ٱلَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي ٱلْجَبَلِ».
كولوسي ٢: ١٧ وص ٩: ٢٣ و١٠: ١ وخروج ٢٥: ٤٠ و٢٦: ٣٠ و٢٧: ٨ وعدد ٨: ٤ وأعمال ٧: ٤٤
ٱلَّذِينَ أي الكهنة اللاويين.
يَخْدِمُونَ على الأرض في ذلك الهيكل الذي كان-
شِبْهَ أي صورة.
ٱلسَّمَاوِيَّاتِ ترجمة حرفية عن الأصل والإشارة إلى الأقداس المذكور في (ع ٢) والمراد قدس الأقداس أو في الجملة الهيكل السماوي.
وَظِلَّهَا أي رسمها وهو أقل وضوحاً من الصورة والمعنى أن ترتيب الهيكل الأرضي وخدمته كان صورة منقولة عن السماوي كما تفيد العبارة التالية.
كَمَا أُوحِيَ إِلَى مُوسَى الكلمة المترجمة هنا «أوحي» معناها إعلان إلهي لإنسان.
وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْنَعَ ٱلْمَسْكَنَ المعروف الذي صنعه موسى لما كان بنو إسرائيل في البرية لأجل إقامة خدمة الله فيه والذي على هيئته صنع سليمان الهكيل نظراً إلى تقسيمه وترتيب أواني الخدمة فيه.
لأَنَّهُ قَالَ القائل الله والمقول منقول عن (خروج ٢٥: ٤٠).
ٱنْظُرْ أَنْ تَصْنَعَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ ٱلْمِثَالِ ٱلَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي ٱلْجَبَلِ أي جبل سيناء. وأما المثال الذي أُظهر لموسى فلم يكن بناء حقيقياً لا يزال قائماً على الجبل كما ذهب بعض كتبة التلمود بل كان رسماً رآه موسى بالوحي فأقام المسكن حسب الشكل الذي رآه.
٦ «وَلٰكِنَّهُ ٱلآنَ قَدْ حَصَلَ عَلَى خِدْمَةٍ أَفْضَلَ بِمِقْدَارِ مَا هُوَ وَسِيطٌ أَيْضاً لِعَهْدٍ أَعْظَمَ، قَدْ تَثَبَّتَ عَلَى مَوَاعِيدَ أَفْضَلَ».
٢كورنثوس ٣: ٦ إلى ٩ وص ٧: ٢٢
وَلٰكِنَّهُ الضمير عائد إلى المسيح.
ٱلآنَ بعد صعوده إلى السماء لأجل إتمام خدمته الكهنوتية هناك.
قَدْ حَصَلَ عَلَى خِدْمَةٍ أَفْضَلَ من الخدمة الكهنوتية اللاوية إذ ليس هو كاهناً في الهيكل الأرضي بل السماوي فكانت خدمته أفضل من خدمتهم.
بِمِقْدَارِ مَا هُوَ وَسِيطٌ أَيْضاً لِعَهْدٍ أَعْظَمَ العهد هنا اتفاق بين اثنين بموجبه كل واحد منهما يعطي الآخر شيئاً ويأخذ منه شيئاً وقد يكون بين متساويين كالعهد بين ملك وملك آخر وقد يكون بين أكبر وأصغر وهكذا العهد بين الله وشعبه. وبموجب هذا العهد الله يسميهم شعبه ويحفظهم ويعطيهم كل البركات. والمشروط عليهم أنهم يتخذونه إلهاً ويعبدونه ويحفظون وصاياه. أي في العهد مواعيد وواجبات. والعهدان هما العهد الأول الذي قطعه الله مع شعبه في حوريب أو سيناء (تثنية ٥: ٢) وفي موآب (تثنية ٢٩: ١) فأعطاهم الناموس عن يد موسى. والعهد الثاني هو الذي قطعه مع شعبه المؤمنين بالمسيح. وكان العهد الأول بفرائض جسدية لا تقدر من ذاته أن تخلص بل كانت رموزاً إلى المسيح وأكثر مواعيده يتعلق بخيرات زمنية وأما العهد الجديد فله مواعيد أفضل روحية أبدية.
ومن فوائد العهد الجديد (١) أن ذبيحة واحدة كافية قدمت عن الخطايا بموت المسيح. (٢) كتابة ناموس الله على قلوب شعبه فيحفظونه لا عن اضطرار بل عن محبة. والمؤمنون لا يكملون في القداسة ما داموا في هذا العالم فلهم من يشفع فيهم على الدوام أي المسيح ومن يعزيهم ويرشدهم ويقدسهم ويمكث معهم أي الروح القدس فيثبتون إلى النهاية ويدخلون الراحة السماوية.
وللكتاب المقدس جزآن يسمى أولهما العهد القديم لأن موضوعه العهد الأول وثانيهما العهد الجديد لأن موضوعه العهد الثاني.
٧ «فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذٰلِكَ ٱلأَوَّلُ بِلاَ عَيْبٍ لَمَا طُلِبَ مَوْضِعٌ لِثَانٍ».
ص ٧: ١١ و١٨
فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذٰلِكَ ٱلأَوَّلُ أي العهد الأول القديم الذي أقامه الله مع بني إسرائيل على يد موسى.
بِلاَ عَيْبٍ أو خالياً من النقص والمراد بهذا الوصف للعهد القديم أنه لم يُوضع لأجل تبرير الإنسان من خطاياه كما اتخذه اليهود ولا ليكون دائماً وإنما وُضع ليكون سابقاً ورمزاً إلى الذي سيأتي. هذا وإن القول لم يكن للكاتب ولكن لله نفسه كما سيرد في العبارة المأخوذة من إرميا النبي.
لَمَا طُلِبَ مَوْضِعٌ لِثَانٍ أي لم يكن محل لعهد ثانٍ أقامه الله عوضاً عن الأول وأقام الدليل على ذلك من كتب العهد القديم.
٨ «لأَنَّهُ يَقُولُ لَـهُمْ لاَئِماً: هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ ٱلرَّبُّ، حِينَ أُكَمِّلُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْداً جَدِيداً».
إرميا ٣١: ٣١ إلى ٣٤
لأَنَّهُ تعليل لما سبق.
يَقُولُ القائل الله.
لَـهُمْ لليهود.
لاَئِماً اليهود على قول يوحنا فم الذهب وكثيرين غيره من المفسرين والأصح أنه يلوم أي يجد نقصاً في العهد القديم (وليس المراد بالعهد القديم هنا الجزء الأول من الكتاب المقدس بل العهد الذي هو موضوع ذلك الجزء من الكتاب) وذلك ليس لأنه لم يكن من الله أو لأنه لم يوضع بفطنة ومناسبة لحال الناس ولكن لأنه لم يكن كافياً للتبرير ولأن وضعه كان إلى حين وهو دخول العهد الجديد على يد المسيح الكاهن الحقيقي والذبيحة الحقيقية الذي كانت تشير إليه جميع ترتيبات العهد القديم ولأن الروح القدس لم يعمل عمله الكامل في قلوب الناس للتجديد والتقديس كما في العهد الجديد. وأما النقل فعن إرميا النبي (ص ٣١: ٣١ - ٣٤) من الترجمة السبعينية والترجمة والنقل صحيحان.
هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي قوله «هوذا» ترجمة لفظة عبرانية هي حرف تنبيه. وقوله «أيام تأتي» عن العبراني أيضاً والمراد زمان مستقبل غير معيّن.
يَقُولُ ٱلرَّبُّ، حِينَ أُكَمِّلُ أي فيه أصنع.
مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا أي مع جميع شعب اليهود الذين كانوا منقسمين حينئذ إلى أسباط فرقة إسرائيل وأسباط فرقة يهوذا وهذا الانقسام حدث في زمان رحبعام بن سليمان الذي خلعت طاعته عشرة أسباط وأقاموا يربعام ملكاً عليهم وبقي تحت ملك رحبعام سبطان فقط يهوذا وبنيامين.
عَهْداً جَدِيداً ليس باعتبار الزمان فقط كان هذا العهد جديداً بل باعتبار الماهية أيضاً (انظر تفسير ع ٦).
٩ «لاَ كَٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي عَمِلْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَهْدِي، وَأَنَا أَهْمَلْتُهُمْ يَقُولُ ٱلرَّبُّ».
لاَ كَٱلْعَهْدِ أي العهد الجديد لا يكون كالعهد القديم.
ٱلَّذِي عَمِلْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ أي سلفائهم.
يَوْمَ أَمْسَكْتُ بِيَدِهِمْ دلالة على عناية الله بإخراجهم من أرض مصر.
لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ فإنه لما كانوا على الطريق أعطاهم الله الشريعة التي عبر عنها هنا بالعهد.
لأَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَهْدِي أي نقضوه وقوله «لأنهم» تعليل للحاجة إلى العهد الجديد فإنهم لما نقضوه كان ذلك داعياً إلى وضع عهد جديد معهم.
وَأَنَا أَهْمَلْتُهُمْ يَقُولُ ٱلرَّبُّ الإشارة إلى أنواع القصاص الكثيرة التي عاقبهم الله بها جزاء على نقضهم للشريعة.
١٠ «لأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلْعَهْدُ ٱلَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ ٱلأَيَّامِ يَقُولُ ٱلرَّبُّ: أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا أَكُونُ لَـهُمْ إِلٰهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً».
ص ١٠: ١٦ وزكريا ٨: ٨
لأَنَّ أو ولكن.
هٰذَا اسم إشارة لما سيأتي من العهد بعد قوله «يقول الرب».
هُوَ ٱلْعَهْدُ الجديد.
ٱلَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ المراد إسرائيل الروحي الذي كان يشير إليه إسرائيل الجسدي فإنه كما أن العهد القديم كان رمزاً إلى الجديد كان الإسرائيليون أنفسهم رمزاً إلى شعب الله في العهد الجديد إذ لم يبق في المسيح حاجز بين اليهودي والأممي (كولوسي ٣: ١١).
بَعْدَ تِلْكَ ٱلأَيَّامِ أي أيام العهد القديم.
يَقُولُ ٱلرَّبُّ: أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ حتى لا ينسوها.
وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ حتى يحفظوها. والعبارتان مجاز بمعنى أن الله روح الطاعة الدائمة في قلوب شعبه. وهنا تظهر مزية العهد الجديد على القديم فإنه في هذا كان يُعطى بنو إسرائيل شرائع ونواميس كثير منها رسوم فكان كثير لم يستطع أحد حمله (أعمال ١٥: ١٠) وأما في ذلك فأعطى الله شعبه قلباً مائلاً إلى طاعته تعالى قبل أن أعطاهم أمراً ليحفظوه كما يقول أوغسطينوس «أعطني ما تأمر به ثم مر بما تشاء» وهذا عكس الترتيب في العهد القديم.
ولنا من كتابة نواميس الله على القلوب نتيجتان (١) إن الديانة للناس أفراداً فإن النواميس مكتوبة على كل قلب. وأن لكل إنسان ضميراً وعلى كل إنسان مسؤولية. وأما النواميس المكتوبة على صفحات الكتب فمن المحتمل أن كثيرين من الشعب لا يعرفونها. وفي العهد القديم أكثر الكلام للشعب إجمالاً وفي العهد الجديد أكثر للناس أفراداً.
وتمتاز الديانة المسيحية الإنجيلية عن غيرها بأن خلاص النفس ليس بيد الرؤساء فلا يكون شيء على الشعب إلا الخضوع بل على كل فرد أن يعرف ويفهم ويختار ويعمل.
(٢) بأن الديانة المسيحية الإنجيلية توافق جميع الناس من كل الشعوب وفي كل العصور فإن الفرائض اليهودية زالت وتزول جميع الفرائض البشرية والرسوم الخارجية وأما الطبيعة البشرية فطبيعة عامة لا تتغير وما يُكتب على القلوب فهو لجميع الناس.
وَأَنَا أَكُونُ لَـهُمْ إِلٰهاً اي أمنحهم حماية وبركات خاصة.
وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً طائعاً لأوامري عزيزاً عندي.
١١ «وَلاَ يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلاً: ٱعْرِفِ ٱلرَّبَّ، لأَنَّ ٱلْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ».
إشعياء ٥٤: ١٣ ويوحنا ٦: ٤٥ و١يوحنا ٢: ٢٧
وَلاَ يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ التكرار هنا في قوله «كل واحد قريبه وكل واحد أخاه» على الأسلوب العبراني الذي مرّ ذكره في تفسير (ص ٢: ٦) حيث يعاد المعنى بكلمات مختلفة لزيادة الإيضاح وهو من أساليب البلاغة ومثله التذييل في العربية.
قَائِلاً الواحد منهم للآخر.
ٱعْرِفِ ٱلرَّبَّ، لأَنَّ ٱلْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ أي أنه في العهد المسيحي تنتشر معرفة الله بين جميع الناس انتشاراً عاماً حتى تكون المبادئ الأولى في الديانة معروفة عند الجميع ولا يحتاج عامة الناس أن يتعلموها كما يحتاجون الآن لأننا لم نبلغ بعد الزمان المشار إليه في العهد المسيحي. فليس المراد إذاً كل عصر من أعصر العهد المسيحي بل ما تأخر منها وليس المراد أن العلم حينئذ يأتي الناس على سبيل الوحي حتى لا يحتاجوا إلى أن يعلم أحدهم الآخر بل أنه في تلك الأزمنة يكون العلم عاماً بين الناس فلا يحتاجون إلى أن يسألوا عن المبادئ الأولى في الديانة.
١٢ «لأَنِّي أَكُونُ صَفُوحاً عَنْ آثَامِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ».
رومية ١١: ٢٧ وص ١٠: ١٧
لأَنِّي أَكُونُ صَفُوحاً عَنْ آثَامِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ هنا أيضاً التكرار العبراني المشار إليه في العدد السابق فإن الصفح عن الآثام وعدم ذكر الخطايا والتعديات بمعنى واحد. والمراد بجميع العبارة أن في العهد الجديد يصفح الله عن خطايا شعبه المؤمنين به نظراً إلى ذبيحة المسيح التامة عن خطايا الناس. وإن قيل ألم يكن الله صفوحاً وغفوراً في العهد القديم حيث كانت الذبائح والخدمة المرتبة من الله لأجل الوصول إليه ونيل الصفح والمغفرة منه فالجواب نعم وإنما لم تكن طريق الخلاص واضحة في العهد القديم كما في العهد الجديد ولم تكن مواعيد الله بالمغفرة مبنية على ذبائح العهد القديم ولكن على ذبيحة العهد الجديد فلذلك كانت هنا أوضح وأوثق للخاطئ.
١٣ «فَإِذْ قَالَ «جَدِيداً» عَتَّقَ ٱلأَوَّلَ. وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ ٱلاضْمِحْلاَلِ».
٢كورنثوس ٥: ١٧
فَإِذْ قَالَ «جَدِيداً» أي عهداً جديداً في الأعداد السابقة المنقولة عن إرميا النبي (ع ٨).
عَتَّقَ ٱلأَوَّلَ أي جعل العهد السابق له عتيقاً. والنتيجة من هذه الألفاظ التي قالها الله بلسان نبيه ما ذكره الكاتب بقوله-
وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ ٱلاضْمِحْلاَلِ أي الزوال والمعنى أنه لما قال الله أنه سيضع عهداً جديداً مع بني إسرائيل أظهر إرادته تعالى بإبطال الأول للإتمام أي وضع الأحسن موضع الحسن حسب الوعد.
وفي أيام إرميا ظهر ضعف العهد القديم لأن الهيكل احترق وخدمته بُطلت وشعب الله ذهب إلى السبي فكانت النبوءة بإقامة عهد جديد مناسبة جداً في تلك الأيام ومما عزى شعب الله المتفرقين وثبت إيمانهم.
فوائد



  • لما أقام الله برحمته العظيمة لنا نحن الخطأة الساقطين رئيس كهنة مناسباً لحالتنا المحزنة وقبل تقدمته عنا ورفعه إلى يمين العظمة في السموات وجعله وسيط العهد الجديد لم يجز لنا أن نلتجئ إلى غيره بل وجب علينا أن نتكل على مراحم الله بواسطة بره الكامل وأن نطلب البركات التي وعد بها تعالى واثقين بأنه سامع مستجيب.
  • العدول عما أمر الله وأوحى به إلى البشر يؤدي إلى الخطر العظيم ولذلك كان من الواجب على المسيحي أن يثبت في التعاليم التي يراها في الكتب المقدسة ولا يلتفت إلى أقوال البشر ولا سيما إذا كانت مضادة للنصوص الإلهية.
  • ما أُبطل من العهد القديم إنما كان الناموس الطقسي فقط وقد أُبدل في العهد الجديد بخدمة روحية سماوية. فليس لنا الآن ذبائح دموية وكهنوت بشري وهيكل أرضي بل ذبيحة الصليب وكهنوت المسيح وعبادة روحية. فإنه لما أعلن لنا المسيح أن الله روح والذين يسجدون لله يسجدون بالروح والحق وأن عبادته تعالى غير مقيدة بمكان عرفنا أن تلك العبادات الجسدية المذكورة في العهد القديم كانت زمنية رمزية وقد بطلت عند إقامة الديانة المسيحية فإبطاله إكمال لا نسخ لأنه إذا جاء المرموز إليه بطل الرمز. فإذا وضعنا شيئاً من ذلك في عبادتنا المسيحية نكون قد رجعنا إلى ما أبطله الله وعدلنا عن الخدمة الروحية التي كاهنها في السماء والتي لا تحتاج إلى رسوم جسدية.
  • لا يستطيع الإنسان الفاسد الطبيعة أن يقوم بخدمة الله الروحية أو يحفظ شريعته الطاهرة إلا إذا كتبها الله على قلبه ولذلك يجب أن تكون صلاة المسيحي على الدوام ما قاله داود «قلباً نقياً اخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي».
  • أعظم مواعيد الله للجنس البشري هو زمن افتقاده إيانا عندما تنتشر معرفته بين الجميع فيعرفونه من صغيرهم إلى كبيرهم وهو يكون لهم إلهاً وهم يكونون له شعباً جاعلاً نواميسه في أذهانهم وكاتباً إياها على قلوبهم.




اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ


كان أكثر كلام الكاتب في ما مضى يتعلق بفضل العهد الجديد على القديم من وجوه كثيرة. ثم أخذ في نهاية الأصحاح السابق يذكر نسبة جديدة بينهما وهي أن العهد القديم كان في الجملة شبهاً أو رمزاً للجديد. وهنا في هذا الأصحاح وفي الأصحاح العاشر يذكر بالتفصيل المقابلة الرمزية. وأما في هذا الأصحاح فمعظم كلامه هو على كون الهيكل الأرضي وخدمته (ع ١ - ١٥) العهد بجملته (ع ١٦ - ٢٨) رمزاً إلى المسيح وعهده الجديد. فإنه أولاً يصف الهيكل وأقسامه وآنيته (ع ١ - ٥) ثم يذكر أن الكهنة كانوا يخدمون كل يوم في القسم الذي كان يقال له القدس (ع ٦) وأما رئيس الكهنة فكان يدخل إلى المسكن الثاني الداخلي الذي كان يُسمى قدس الأقداس مرة واحدة في السنة لتقديم الذبيحة السنوية عن نفسه وعن الشعب (ع ٧). وكان هذا الدخول السنوي إلى قدس الأقدس دليلاً على أن الوصول إلى الله دائماً لم يكن يُعلن في العهد الجديد (ع ٩ و١٠) فكان ذلك رمزاً إلى المسيح الكاهن العظيم الذي دخل السماء بعينها بدم نفسه لتطهير الخطأة من خطاياهم تطهيراً تاماً حقيقياً (ع ١١ - ١٤). هذا هو القسم الأول من الأصحاح. وأما القسم الثاني فهو أنه أُثبت العهدان بسفك الدم للتطهير (ع ١٥ - ٢٢) وأن النسبة بين ذبائح العهد القديم وذبيحة الجديد هي نسبة الإشارة إلى المشار إليه أو المشبه إلى المشبه به أو الرمز إلى المرموز إليه (ع ٢٣ - ٢٨).
١ «ثُمَّ ٱلْعَهْدُ ٱلأَوَّلُ كَانَ لَهُ أَيْضاً فَرَائِضُ خِدْمَةٍ وَٱلْقُدْسُ ٱلْعَالَمِيُّ».
خروج ٢٥: ٨
وصف الكاتب في (ع ١ - ٥) ترتيب المكان الذي كانت تُقام فيه خدمة الله في زمن العهد القديم وضع الآنية التي كانت فيه. وهذا الترتيب كان واحداً في المسكن الذي نصبه موسى في البرية وفي الهيكل الذي بناه سليمان. وأما المراد بهذا الوصف فكان إظهار المقابلة الرمزية التي يأتيها بعد.
ثُمَّ ٱلْعَهْدُ ٱلأَوَّلُ قوله «ثم» أي ما عدا ما كان ذكره من جهة العهد الأول أتى هنا إلى ذكر شيء جديد. وقوله «العهد» ليس لها وجود في اليوناني بل هي مقدرة فيه كما يظهر من سياق الكلام وأظهروها في الترجمة العربية لإيضاح المعنى. والمراد بالعهد هنا الرتبة أي رتبة الديانة في العهد القديم الذي يسميه هنا «الأول» بالنظر إلى الرتبة الثانية وهي العهد الجديد.
كَانَ لَهُ أَيْضاً قوله «أيضاً» إظهار للمعنى المراد بقوله «ثم» وصيغة الماضي في كلمة «كان» لا تفيد أن الهيكل كان قد خرب وزالت رسومه قبل تأليف هذه الرسالة بل تشير إلى إقامة الفرائض أصلاً وقصد الله بها.
فَرَائِضُ خِدْمَةٍ الفرائض هنا تشير إلى ما كان الله قد رسمه.
وَٱلْقُدْسُ ٱلْعَالَمِيُّ المراد «بالقدس» ليس المكان المعلوم الذي كان يسمى بهذا الاسم في الهيكل الذي كان وراءه قدس الأقداس بل على الجملة المكان المقام لعبادة الله بدون تخصيص جزء منه فاستعمل الكاتب هنا الكلمة بالمعنى الأعم وسيأتي في الآية التابعة ذكرها بالمعنى الأخص. ومعنى قوله «العالمي» نسبة إلى هذا العالم لكي يتميز الهيكل الأرضي عن السماوي الواقعة المقابلة بينهما.
٢ «لأَنَّهُ نُصِبَ ٱلْمَسْكَنُ ٱلأَوَّلُ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ «ٱلْقُدْسُ» ٱلَّذِي كَانَ فِيهِ ٱلْمَنَارَةُ، وَٱلْمَائِدَةُ، وَخُبْزُ ٱلتَّقْدِمَةِ».
خروج ٢٦: ١ وخروج ٢٥: ٢٣ و٣٠ و٣١ و٢٦: ٣٥ و٤٠: ٤ ولاويين ٢٤: ٥ و٦
لأَنَّهُ تعليلية لقوله في الآية السابقة أن العهد الأول كان له خدمة مربوطة بفرائض في هيكل أو معبد أرضي.
نُصِبَ ٱلْمَسْكَنُ سماه مسكناً وربما المراد أن خيمة الاجتماع أو الهيكل هو المكان الذي كان يظهر الله حضوره فيه إظهاراً خاصاً حتى كان يقال مجازاً أن الهيكل مسكن الله بين شعبه فيتيسر لها الوصول إليه تعالى.
ٱلأَوَّلُ وهو الذي كان يسمى بالقدس تمييزاً عن الثاني الذي كان يُسمى بقدس الأقداس ولأنه كان تجاه العابدين وأما الثاني فكان داخله أو وراءه. فكان ترتيب المسكن الذي أقامه موسى والهيكل الذي بناه سليمان على الوجه الآتي: كان اتجاه الهيكل إلى الشرق ومدخله من الغرب فكان فيه أولاً الدار لاجتماع الشعب للعبادة وشرقاً وهو جهة تولي وجوههم حجاب وراءه المكان الذي كان يقال له القدس وهو المشار إليه في هذه الآية بالمسكن الأول. ثم إلى شرقي هذا المسكن الأول كان الثاني وهو قدس الأقداس.
ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ ٱلْقُدْسُ أي المسكن الأول.
ٱلَّذِي كَانَ فِيهِ ٱلْمَنَارَةُ، وَٱلْمَائِدَةُ، وَخُبْزُ ٱلتَّقْدِمَةِ كانت المنارة موضوعة إلى شمال من يدخل وبما أنه كان متجهاً إلى الشرق كان إلى الشمال وكانت حاملة ستة سرج على الجانبين وواحداً في الوسط (خروج ٢٥: ٣١ - ٣٩) ولما كانت جميع خدمة الهيكل رمزية كان القصد من إيقاد هذه السرج في المسكن الذي أقامه موسى ليلاً (خروج ٢٧: ٢١) وفي الهيكل نهاراً وليلاً على ما قال يوسيفوس «الدلالة على أنه يجب على كنيسة الله أن تحمل صورته تعالى إذ تسلك في نور كلامه وتضيء بأثواب البر لتعليم الغير وبنيانهم» اه. وعلى هذا النوع من التشبيه قال السيد لتلاميذه «ليضيء نوركم قدام الناس» - وأما المائدة فكانت موضوعة من الجانب الآخر إلى الجنوب وكان عليها اثنتا عشرة ملة من الخبز مقسومة إلى قسمين بعضها فوق بعض كل منها ست. وكان يُسمى خبز التقدمة أو الوجوه لأنه كان موضوعاً أمام الله (خروج ٢٥: ٣٠). ويظهر أيضاً أنه كان على تلك المائدة كؤوس لسكب الخمر. وكان يتجدد ذلك كل يوم سبت وإذ كان الخبز مقدساً لم يحل أكله إلا للكهنة. وأما المعنى الروحي المراد بهذا الترتيب فهو أنه كان تقدمة دائمة لله من الشعب وإقراراً بأن جميع خيرات الحياة التي الخبز أخصها إنما تأتي من عنده تعالى وهو رمز إلى وجوب تقديم الشعب الأثمار الصالحة لله على الدوام. وكان بين المنارة والمائدة وإلى الوراء منهما إلى جهة الحجاب الفاصل القدس عن قدس الأقداس مذبح البخور والكاتب لم يذكره هنا إلى الآن إما أنه لم يتكلم بالتفصيل (ع ٥) أو لعلة أخرى لا نعلمها.
٣ «وَوَرَاءَ ٱلْحِجَابِ ٱلثَّانِي ٱلْمَسْكَنُ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ: قُدْسُ ٱلأَقْدَاسِ».
خروج ٢٦: ٣١ و٣٣ و٤٠: ٣ و٢١ وص ٦: ١٩
وَوَرَاءَ ٱلْحِجَابِ ٱلثَّانِي الحجاب الأول كان يفصل المسكن الأول المسمى بالقدس أو المكان المقدس عن الدار التي كان يجتمع فيها الشعب لعبادة الله. وأما الحجاب الثاني المشار إليه هنا فكان فاصلاً للمسكن الثاني وهو قدس الأقداس عن الأول.
ٱلْمَسْكَنُ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ قُدْسُ ٱلأَقْدَاسِ والمعنى المكان الأقدس لأنه هناك كان تابوت العهد المغطى بكروبين وما بينهما كانت سحابة نورانية تظهر دلالة على الحضور الإلهي بين شعبه وبالقرب منهم.
٤ « فِيهِ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَتَابُوتُ ٱلْعَهْدِ مُغَشّىً مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِٱلذَّهَبِ، ٱلَّذِي فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ ٱلْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ ٱلَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا ٱلْعَهْدِ».
خروج ٢٥: ١٠ و٢٦: ٣٣ و ٤٠: ٣ و٢١ وخروج ١٦: ٣٣ و٣٤ وعدد ١٧: ١٠ وخروج ٢٥: ١٦ و٢١ و٣٤: ٢٩ و٤٠: ٢٠ وتثنية ١٠: ٢ و٥ و١ملوك ٨: ٩ و٢١ و٢أيام ٥: ١٠
فِيهِ أي في هذا المسكن الداخلي وهو قدس الأقداس.
مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ كان يدخل بها رئيس الكهنة في العيد السنوي للتبخير.
وهذه المبخرة لم تُذكر في العهد القديم ومذبح البخور المذكور في ذلك العهد لم يُذكر هنا ولذلك ذهب بعضهم إلى أن المراد بالكلمة الأصلية هو مذبح البخور لا المبخرة. وأما قوله الكاتب أنه في قدس الأقداس فمعناه أن هذا المذبح كان بالحقيقية خاصاً بالمسكن الثاني ولو كان وضعه في الأول (لاويين ١٦: ١٢ - ١٤).
وَتَابُوتُ ٱلْعَهْدِ مُغَشّىً مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِٱلذَّهَبِ كان التابوت صندوقاً من خشب مغشى بصفائح من ذهب (خروج ١٥: ١ - ١٦) وسمي بتابوت العهد لأنه وُضع فيه لوحا العهد أي الوصايا كما مر في تفسير كلمة «عهد» (ص ٨: ٨). وكانا يسميان أيضاً لوحي الشهادة أو الأحكام (خروج ٣١: ١٨).
ٱلَّذِي نعت للتابوت لا للمسكن كما قال البعض على قراءة ضعيفة.
فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ ٱلْمَنُّ وخبر ذلك في (خروج ١٦: ٣٢ - ٣٤) وإنما لم يذكر هناك أنه كان من ذهب لكن من المحقق أنه كان كذلك. «والقسط» وعاء حُفظ فيه المن الذي سقط على بني إسرائيل لما كانوا في البرية لكي يذكرهم بعناية الله بهم والمعجزات التي أجراها لإعالتهم وهم في أرض القحط.
وَعَصَا هَارُونَ ٱلَّتِي أَفْرَخَتْ خبر هذه العصا أنه لما اقتحم قورح وداثان وأبيرام الرتبة الكهنوتية وانشقت الأرض وابتلعتهم أمر الله موسى بأن يقيم لكل سبط عصا في تابوت العهد وفي الغد أخرجها فكانت علامة لبني إسرائيل أن الله اختار هارون وذريته للكهنوت (عدد ١٧: ١ - ١٠) وكان حفظها شهادة للكهنوت الشرعي في ذرية هارون. وقد ذُكر في (١ملوك ٨: ٩ و٢أيام ٥: ١٠) أنه لم يكن في التابوت إلا اللوحان فصار ذلك مشكلاً عند المفسرين وحلّه أن الكاتب يصف هنا المسكن الذي أقامه موسى قبل أن سلبه الفلسطينيون وقبل سلب هيكل سليمان ودثاره فإنه بعد هذه الحوادث فُقدت جميع الأواني إلا اللوحان.
وَلَوْحَا ٱلْعَهْدِ هما اللوحان اللذان كتب الله عليهما الوصايا العشر وكانا من حجر ووُضعا في تابوت العهد أو الشهادة الذي أخذ اسمه منها (خروج ٣١: ١٨).
٥ «وَفَوْقَهُ كَرُوبَا ٱلْمَجْدِ مُظَلِّلَيْنِ ٱلْغِطَاءَ. أَشْيَاءُ لَيْسَ لَنَا ٱلآنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا بِٱلتَّفْصِيلِ».
خروج ٢٥: ١٨ و٢٠ و٢٢ ولاويين ١٦: ٢ و١ملوك ٨: ٦ و٧
وَفَوْقَهُ أي فوق تابوت العهد.
كَرُوبَا ٱلْمَجْدِ وصف الكروبين في (خروج ٢٥: ١٨ - ٢٠ و١ملوك ٨: ٦ و٧). كانا صورة ملاكين الواحد مقابل الآخر موضوعين على غطاء التابوت وأجنحتهما منتشرة فكانا من الجهة السفلى مظللين لوحي الشهادة ومن الجهة العليا مجلساً للسحابة النورانية التي كانت تحل على الغطاء. وأما قوله «المجد» فيحتمل أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة بمعنى الكروبين المجيدين وهذا كثير في العبرانية وكلام العهد الجديد في اليونانية. ويحتمل أن يعود المعنى إلى المجد الناتج عن السحابة النورانية وهو الأصح (خروج ٤٠: ٣٤).
مُظَلِّلَيْنِ ٱلْغِطَاءَ أي غطاء التابوت (خروج ٢٥: ١٧ و٢١). إن الكلمة العبرانية التي تفيد معنى «الغطاء» مشتقة من يكفّر أي كفّر عن الخطيئة فترجموا الغطاء في السبعينية بكلمة معناها الكفارة لأنه على هذا الغطاء كان يرش رئيس الكهنة من دم الذبيحة السنوية لتكفير الخطايا. وقد ترجموه إلى الانكليزية بقولهم مجلس الرحمة. والمراد أنه هناك أمام المحضر الإلهي كان يحصل التكفير عن الخطايا بواسطة النضح الدموية.
أَشْيَاءُ لَيْسَ لَنَا ٱلآنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا بِٱلتَّفْصِيلِ الأشياء المذكورة هنا تشير إلى أواني ذلك المقدس الذي لم يذكر الكاتب إلا بعضها استغناء عن الكل وليس على سبيل التفصيل فإن مراده أن يذكر المبدأ العام من جهة كون العهد القديم كان في خدمته الدينية رمزاً إلى ما حصل في الديانة المسيحية فيستغني بذكره للأهم فيها ولتكون دلالة على البقية.
٦ «ثُمَّ إِذْ صَارَتْ هٰذِهِ مُهَيَّأَةً هٰكَذَا، يَدْخُلُ ٱلْكَهَنَةُ إِلَى ٱلْمَسْكَنِ ٱلأَوَّلِ كُلَّ حِينٍ، صَانِعِينَ ٱلْخِدْمَةَ».
عدد ٢٨: ٣ ودانيال ٨: ١١ ولوقا ١: ٨ و٩
لما وصف الكاتب المسكنين وهما القدس وقدس الأقداس وأخص الموجودات التي كانت فيهما أتى هنا إلى ذكر الخدمة الكهنوتية التي كانت تقام فيهما وبعد ذلك إلى الرموز التي كانت هذه الخدمة تتضمنها.
ثُمَّ إِذْ صَارَتْ هٰذِهِ أي المسكنان المذكوران وما يتعلق بهما.
مُهَيَّأَةً هٰكَذَا أي على الوصف المذكور آنفاً.
يَدْخُلُ ٱلْكَهَنَةُ إِلَى ٱلْمَسْكَنِ ٱلأَوَّلِ وهو القدس.
كُلَّ حِينٍ أي ليس مرة واحدة في السنة كما كان الأمر في الخدمة التي كانت تُقام في قدس الأقداس بل على الدوام.
صَانِعِينَ ٱلْخِدْمَةَ اليومية والأسبوعية فكانت خدمتهم اليومية إصلاح السرج صباحاً وإشعالها مساء وتقديم البخور على مذبحه وأما الخدمة الأسبوعية فكانت قائمة بوضع الخبز على المائدة. هذا وأن استعمال الفعل بصيغة الحاضر لا يستلزم ضرورة أن الهيكل كان لا يزال قائماً لما كُتبت هذه الرسالة غير أن ذلك من المحتمل والمرجّح أن الكلام هو على سبيل التخيل فإن خيمة الاجتماع وكل أوانيها وخدمتها كانت قائمة بتصور المتكلم والسامعين وكانت حاضرة في أخيلتهم.
٧ «وَأَمَّا إِلَى ٱلثَّانِي فَرَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ فَقَطْ مَرَّةً فِي ٱلسَّنَةِ، لَيْسَ بِلاَ دَمٍ يُقَدِّمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ جَهَالاَتِ ٱلشَّعْبِ».
خروج ٣٠: ١٠ ولاويين ١٦: ٢ و١١ و١٢ و١٥ و٣٤ وع ٢٥ وص ٥: ٢ و٧: ٢٧
وَأَمَّا إِلَى ٱلثَّانِي أي المسكن الثاني وهو قدس الأقداس.
فَرَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ فَقَطْ أي لم يكن يجوز لأحد الدخول إليه للخدمة الكهنوتية سوى رئيس الكهنة.
مَرَّةً فِي ٱلسَّنَةِ وهي في اليوم العاشر من الشهر السابع من السنة وكان ذلك عيداً سنوياً من الأعياد الثلاثة المشهورة عند اليهود واسمه يوم التفكير (لاويين ١٦: ٢٩).
لَيْسَ بِلاَ دَمٍ يُقَدِّمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ جَهَالاَتِ ٱلشَّعْبِ كان يقدم ثوراً عن نفسه وتيساً عن الشعب وينضح من دمهما على الغطاء وأمامه مما يلي الشرق (لاويين ص ١٦) وأما التعليم الرمزي الذي كان يتضمنه ذلك فواضح كما سيأتي في الآيات الآتية.
٨ «مُعْلِناً ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ بِهٰذَا أَنَّ طَرِيقَ ٱلأَقْدَاسِ لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ، مَا دَامَ ٱلْمَسْكَنُ ٱلأَوَّلُ لَهُ إِقَامَةٌ».
يوحنا ١٤: ٦ وص ١٠: ١٩ و٢٠
مُعْلِناً ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ بِهٰذَا أي أن الروح القدس الذي علم موسى ترتيب المسكن وقصد به أن يكون رمزاً وإشارة لما يعلم به العهد الجديد من جهة الأول لم يدخله إلا الكهنة والثاني رئيس الكهنة فقط إن الشعب لم يمكنهم الوصول إلى الله وأنهم كانوا باقين في حال القداسة النسبية فقط لا المطلقة فكانوا لا يزالون في دار الهيكل فقط لا في محضر الله.
أَنَّ طَرِيقَ ٱلأَقْدَاسِ الحقيقي أو السماوي.
لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ، مَا دَامَ ٱلْمَسْكَنُ ٱلأَوَّلُ لَهُ إِقَامَةٌ أي ما دامت الرتبة الأولى موجودة لم يكن معلوماً عند الناس الطريق الوحيد إلى السماء بواسطة يسوع المسيح.
٩ «ٱلَّذِي هُوَ رَمْزٌ لِلْوَقْتِ ٱلْحَاضِرِ، ٱلَّذِي فِيهِ تُقَدَّمُ قَرَابِينُ وَذَبَائِحُ لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ ٱلضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ ٱلَّذِي يَخْدِمُ».
غلاطية ٣: ٢١ وص ٧: ١٨ و١٩ و١٠: ١ و ١١
ٱلَّذِي أي المسكن الأول والمراد به هنا ليس مجرد مكان العبادة بل الرتبة القديمة على الجملة.
هُوَ رَمْزٌ لِلْوَقْتِ ٱلْحَاضِرِ الوقت الحاضر ممتاز عن وقت الإصلاح أي الرتبة القديمة كانت وقتية رمزية ولم تفتح للناس طريق الأقداس الحقيقي السماوي. ولما قال الكاتب «للوقت الحاضر» جعل نفسه والسامعين في زمان العهد القديم وذلك لأجل البحث.
ٱلَّذِي فِيهِ تُقَدَّمُ قَرَابِينُ وَذَبَائِحُ الاسم الموصول نعت «للمسكن الأول» أو رتبة العهد القديم والمعنى الذي كانت تقدم في زمانه قرابين وذبائح بحسب الشريعة المنزلة على يد موسى. بعض المحققين يفضلون ترجمة الأصل لا «بالذي فيه» على الترجمة العربية بل الذي بمقتضاه أي بمقتضى الرمز المذكور في صدر العبارة فيكون المعنى أنه بحسب ذلك الرمز كانت تقدم ذبائح وقرابين.
لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ ٱلضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ ٱلَّذِي يَخْدِمُ المراد أن تلك القرابين والذبائح لم يمكنها أن تعطي اطمئناناً كاملاً لضمير الخاطئ من جهة مغفرة خطاياه ولو قدّم الخدمة اللازمة من الذبائح وغيرها. ومعنى «التكميل» هنا إزالة كل اضطراب من ضمير الخاطئ. وقوله «يخدم» أي الذي يعبد الله على الطريقة الموسوية. ومعنى جميع العبارة أن الرتبة اليهودية بجمتلها إنما كانت رمزاً إلى الرتبة المسيحية وأنها لم تكن كافية بالذات لمنح الخاطئ الاطمئنان من جهة نيله المغفرة من الله.
١٠ «وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَطْعِمَةٍ وَأَشْرِبَةٍ وَغَسَلاَتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَفَرَائِضَ جَسَدِيَّةٍ فَقَطْ، مَوْضُوعَةٍ إِلَى وَقْتِ ٱلإِصْلاَحِ».
لاويين ١١: ٢ وكولوسي ٢: ١٦ وعدد ١٩: ٧ الخ وأفسس ٢: ١٥ وكولوسي ٢: ٢٠ وص ٧: ١٦
وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَطْعِمَةٍ وَأَشْرِبَةٍ الأطمعة والأشربة المشار إليها هي ما كانت الشريعة القديمة تحلله أو تحرمه من المآكل والمشارب (كولوسي ٢: ١٦ ولاويين ١١: ٣٤).
وَغَسَلاَتٍ مُخْتَلِفَةٍ كانت تتعلق بطهارة الجسد الخارجة من أنواع الغسل في ما كان يُعد نجساً شرعاً (خروج ٢٩: ٤ ولاويين ١١: ٢٥ و٢٨ و٣٢ و٤٠).
وَفَرَائِضَ جَسَدِيَّةٍ أي فرائض خارجية تتعلق باللباس وأحوال أُخر كثيرة كإطلاق اللحية وغيرها.
فَقَطْ أي أن الشريعة الطقسية لأجل التطهير كانت قائمة كلها بهذه الأمور التي ذكرها.
مَوْضُوعَةٍ إِلَى وَقْتِ ٱلإِصْلاَحِ أي إلى العهد الجديد الذي كان قد أشار إليه أو الزمان الإنجيلي الذي فيه انتهت تلك الترتيبات وسمي «وقت الإصلاح» لأن فيه أُظهرت الديانة على حقيقتها الروحية التي كانت الرتبة القديمة الطقسية رمزاً وإشارة إليها.
١١ «وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ ٱلْعَتِيدَةِ، فَبِٱلْمَسْكَنِ ٱلأَعْظَمِ وَٱلأَكْمَلِ، غَيْرِ ٱلْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ ٱلَّذِي لَيْسَ مِنْ هٰذِهِ ٱلْخَلِيقَةِ».
ص ٣: ١ وص ١٠: ١ وص ٨: ٢
وَأَمَّا كلمة تدل على المقابلة المشار إليها.
ٱلْمَسِيحُ مبتدأ وخبره في العدد التابع وما بين المتبدإ والخبر كلام معترض.
وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ ٱلْعَتِيدَةِ المقابلة هنا بين رئاسة الكهنوت في العهد القديم ورئاسة كهنوت المسيح وبين الخيرات الزمنية التي كانوا ينالونها في ذلك العهد والخيرات الروحية التي سماها هنا «العتيدة» باعتبار تلك التي كانت تشير إليها والتي ينالها المسيحيون في العهد الجديد بواسطة رئاسة كهنوت المسيح.
فَبِٱلْمَسْكَنِ ٱلأَعْظَمِ وَٱلأَكْمَلِ، غَيْرِ ٱلْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ ٱلَّذِي لَيْسَ مِنْ هٰذِهِ ٱلْخَلِيقَةِ قوله «فبالمسكن» متعلق «بدخل» في الآية التالية والباء على الأصح ظرفية والمعنى أنه لما كان رئيس الكهنة في العهد القديم ملتزماً أن يدخل أولاً إلى المسكن الأول وهو القدس لكي يستطيع الوصول إلى الثاني وهو قدس الأقداس دخل المسيح أيضاً إلى مسكن أول قبل دخوله إلى محضر الله السماوي المشار إليه في قوله «دخل إلى الأقداس» في الآية التابعة غير أنه لما كان هذا المكان الأقدس سماوياً لا أرضياً كان المسكن الأول أيضاً كذلك وإلى هذا الإشارة في قوله «الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد» أي ليس بهذا المسكن الأول الذي مرّ به المسيح ليدخل إلى قدس الأقداس السماوي فقال البعض هو السماء الهيولية التي يمر بها قبل الوصول إلى السماء غير المنظورة الحقيقية (ص ٤: ١٤). وقال آخرون وربما كان هذا الأصح أنها عبارة مجازية لا يُراد بها أكثر من تتمة المقابلة الرمزية بين دخول رئيس الكهنة اللاوي إلى المكان الأقدس في الهيكل الأرضي ودخول المسيح إلى محضر الله السماوي المرموز إليه بالهيكل الأرضي.
١٢ «وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى ٱلأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيّاً».
ص ١٠: ٤ وأعمال ٢٠: ٢٨ وأفسس ١: ٧ وكولوسي ١: ١٤ و١بطرس ١: ١٩ ورؤيا ١: ٥ و٥: ٩ وزكريا ٣: ٩ وع ٢٦ و٢٨ وص ١٠: ١٠ ودانيال ٩: ٢٤
وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ تقدم أن رئيس الكهنة كان يدخل إلى قدس الأقداس مرة في السنة لينضح دم ذبيحتين الواحدة ثور عن نفسه والأخرى تيس عن الشعب وهنا قال الكاتب إن المسيح لم يقدم ذبيحة من هذا النوع بل قدم حياته عن خطايا الناس. وأما قوله «دم نفسه» فمعناه أن الدم مستعار للحياة والموت لأنه لما كان على رأي الجمهور مجلس الحياة كان سفكه استعارة للموت فالمراد إذاً أن المسيح بموته قدم ذبيحة عن خطايا العالم ودخل السماء ليقدم تلك الذبيحة أمام الله لأجل فداء الناس.
دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى ٱلأَقْدَاسِ السماوي وهذا الدخول لم يكن سنوياً كما كان دخول رئيس الكهنة في العهد القديم بل كان مرة واحدة.
فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيّاً أي بدخوله السماء على هذه الحال حصل للناس فداء أبدياً فكان الفداء متوقفاً على موت المسيح الذي قام مقام موت البشر قصاصاً لخطاياهم. ومن النظر إلى هذا القول نرى أربع قضايا وقعت المقابلة فيها:

  • الأول: إنه كان دخول رئيس الكهنة بدم تيوس وعجول وأما دخول المسيح فبدم نفسه.
  • الثاني: إنه كان دخول رئيس الكهنة مرة في كل سنة وأما المسيح فدخل مرة واحدة فقط فلا تتكرر ذبيحته ولا تُعاد.
  • الثالث: إنه كان دخول رئيس الكهنة إلى الأقداس الأرضي ودخول المسيح إلى الأقداس السماوي.
  • الرابع: إنه كان دخول رئيس الكهنة ليحصل فداء سنوياً وأما الفداء الذي حصّله المسيح للمؤمنين فأبدي. هذا وقوله «فداء» ترجمة كلمة يونانية معناها الأول فداء العبد الرقيق بالمال وعتقه من سلطان سيده فيكون المراد بالفداء الذي فعله المسيح تقدمة موته وفاء لخطايا الناس وعتقهم من سلطان الخطيئة والحكم بعقابها. وسُمي هذا الفداء «أبدياً» إما لأن نتائجه أبدية أو لأنه خلاص من عقاب أبدي وإدخال إلى سعادة أبدية.


١٣ «لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى ٱلْمُنَجَّسِينَ يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ ٱلْجَسَدِ».
لاويين ١٦: ١٤ و١٦ وعدد ١٩: ٢ و١٧ الخ
لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ قد سبق الكلام في الآية التي قبل هذه على التطهير بدم الثور والتيس السنويين - وأما رماد العجلة فخبرها في سفر العدد (ص ١٩: ٢ - ٩) وهو أنها كانت تُحرق عجلة حمراء ويُحفظ رمادها لأجل الذين كانوا يتنجسون بملامسة أجساد الموتى فكانوا يتطهرون برش الماء المحلول فيه من ذلك الرماد.
مَرْشُوشٌ عَلَى ٱلْمُنَجَّسِينَ وصف الرماد لا للدم كما يظهر من مراجعة القول في التوراة فإن الذي كان يُرش لا الدم ولكن الرماد المحلول بالماء - النجاسة المذكورة هنا هي النجاسة الشرعية من جهة ملامسة الموتى وغير ذلك.
يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ ٱلْجَسَدِ كما أن النجاسة كانت جسدية خارجية لا قلبية هكذا كان التطهير فالأمران متعلقان بطقوس شريعة يُنظر فيها إلى نجاسة الجسد التي كانت تمنع العبادة لله مدة وجودها والطهارة التي كانت تمكن الإنسان من أن يشترك في عبادة الساجدين.
١٤ «فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلّٰهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا ٱللّٰهَ ٱلْحَيَّ!».
١بطرس ١: ١٩ و١يوحنا ١: ٧ ورؤيا ١: ٥ ورومية ١: ٤ و١بطرس ٣: ١٨ وأفسس ٥: ٢ وتيطس ٢: ١٤ وص ٧: ٢٧ وص ١: ٣ و١٠: ٢٢ وص ٦: ١ ولوقا ١: ٧٥ ورومية ٦: ١٣ و٢٢ و١بطرس ٤: ٢
فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ الفاء هنا داخلة على جواب الشرط وهو جميع الجملة السابقة.
يَكُونُ دَمُ ٱلْمَسِيحِ ذبيحته التي كانت تشير إليها ذبائح العهد القديم ورماد العجلة الحمراء.
ٱلَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلّٰهِ بِلاَ عَيْبٍ كما أن الذبيحة التي كانت تُقدم كان يُشترط فيها أن تكون سليمة من كل عيب. كان المسيح بلا عيب أدبي أي أنه كان قدوساً طاهراً بلا خطيئة. قد اختلفوا على المعنى المراد بقوله «بروح أزلي» فقال بعضهم أن المراد بهذا الروح الأزلي هو الروح القدس أو روح القداسة الذي جعل المسيح خالياً من كل عيب وبريئاً من كل خطإ. وقال آخرون أنه قدم نفسه في السماء بحالة روحانيته الأزلية لا بذبيحة جسدية فإن هذه قدمها على الأرض وأما دخوله إلى السماء فلم يكن بدم حقيقي بل بالحالة الروحية وهذا الأصح والاعتبار الخاص حسب ترتيب الكلمات في الأصل لقوله «نفسه» أي قدم نفسه من تلقاء ذاته لا بإجبار أو غير معرفة كما كانت تقدم الذبائح في العهد القديم (يوحنا ١٠: ١٨).
يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ أي يخلصكم من تبكيت الضمير أو يعطيكم راحة الضمير من جهة مغفرة خطاياكم.
مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ أي الخطايا التي من شأنها أن تؤدي إلى الموت أو الأعمال الأثيمة التي تنجس من يرتكبها فإنه كما أن الرجل الذي كان يمس ميتاً في العهد القديم كان يتنجس بذات الفعل ولا يتطهر إلا برش رماد العجلة الحمراء عليه هكذا الخطيئة تنجس الإنسان فلا يتطهر إلا برشاش دم المسيح.
لِتَخْدِمُوا ٱللّٰهَ ٱلْحَيَّ! أي كما أن المتنجس في العهد القديم لم يستطع أن يدخل الهيكل ويعبد الله إلى أن يكون قد طهر من نجاسته بواسطة رماد العجلة هكذا يتطهر الإنسان بدم المسيح ويصير أهلاً ليخدم الله ويعبده ويدخل أخيراً إلى محضره السماوي.
١٥ «وَلأَجْلِ هٰذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ ٱلْمَدْعُوُّونَ إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ ٱلتَّعَدِّيَاتِ ٱلَّتِي فِي ٱلْعَهْدِ ٱلأَوَّلِ يَنَالُونَ وَعْدَ ٱلْمِيرَاثِ ٱلأَبَدِيِّ».
١تيموثاوس ٢: ٥ وص ٧: ٢٢ و٨: ٦ و١٢: ٢٤ وص ٣: ١ ورومية ٣: ٢٥ و٥: ٦ و١بطرس ٣: ١٨
ذكر الكاتب في الأصحاح الثامن أن الله وعد بأن يعقد مع شعبه عهداً جديداً يبطل القديم وأن الخدمة الكهنوتية كانت في العهد القديم بجملته كان رمزاً للجديد. ثم في بداءة هذا الأصحاح ذكر على الجملة تركيب المسكن الأول وخدمته وكون ذلك رمزاً للمسكن السماوي وخدمته السماوية. والآن في هذه الأعداد التي لا ينتهي معناها إلا في (ع ٢٢) يبرهن أنه بموت المسيح قد تثبت العهد الجديد.
وَلأَجْلِ هٰذَا أي لسبب ما ذُكر سابقاً وهو أن المسيح لم يدخل إلى مقدس أرضي بل سماوي ولم يقدم دم تيوس وعجول بل دم نفسه ولم يحصل للمؤمنين تطهيراً شرعياً خارجياً بل تطهيراً حقيقياً أبدياً يخلص من عقاب الخطيئة وسلطانها.
هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ أفضل من القديم كما أن جميع متعلقاته أفضل من تلك التي كانت تتعلق بالقديم. والمراد بقوله «وسيط» من يدخل في أمر بين اثنين ليقضيه.
لِكَيْ يَكُونَ ٱلْمَدْعُوُّونَ هم المختارون من الله بقصده الأزلي للحياة الأبدية والمراد بهم هنا شعب الله في العهد القديم كما سيأتي.
إِذْ صَارَ مَوْتٌ هو موت المسيح.
لِفِدَاءِ ٱلتَّعَدِّيَاتِ أي كفارة عن خطايا جميع الأجيال ومن جملتها التعديات.
ٱلَّتِي فِي ٱلْعَهْدِ ٱلأَوَّلِ أي التي ارتكبت في العهد القديم.
يَنَالُونَ وَعْدَ ٱلْمِيرَاثِ ٱلأَبَدِيِّ خبر «يكون» التي اسمها «المدعوون» ومعنى جميع العبارة أنه بناء على فضل توسط المسيح في العهد الجديد الذي كان القديم بكهنته وخدمته وكليته رمزاً له قد حصل كفارة حقيقية قادرة على تطهير حقيقي ليس لأهل الزمان الذي بعد موت المسيح فقط ولكن لأهل الزمان القديم أيضاً فصار للمدعوين الذين كانوا قبل زمان المسيح والذين بعده وعد كريم بالميراث الأبدي في السماء بناء على ذبيحة العهد الجديد القائمة بموت المسيح. وهذا التفسير ثابت من قول الرسول في رومية (ص ٣: ٢٥) «ٱلَّذِي قَدَّمَهُ ٱللّٰهُ كَفَّارَةً بِٱلإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ ٱلصَّفْحِ عَنِ ٱلْخَطَايَا ٱلسَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ ٱللّٰهِ». وعلى ذلك كان التطهير الذي يحصل عليه بنو إسرائيل بواسطة رتبة عهدهم رمزياً للتطهير الحقيقي الذي تم بواسطة المسيح في العهد الجديد.
١٦ «لأَنَّهُ حَيْثُ تُوجَدُ وَصِيَّةٌ يَلْزَمُ بَيَانُ مَوْتِ ٱلْمُوصِي».
لأَنَّهُ حَيْثُ تُوجَدُ وَصِيَّةٌ يَلْزَمُ بَيَانُ مَوْتِ ٱلْمُوصِي لا يوجد هنا إشكال في المعنى بحسب الظاهر فإنه لما ذكر الكاتب في العدد السابق بناء العهد الجديد على موت المسيح فداء عن الناس قال هنا أن ذلك لا بد منه فإن الوصية تفرض موت الموصي بحيث لا يُعمل بها إلا عند بيان موت واضعها فلزم من ذلك موت المسيح لتصح وصيته بالميراث الأبدي لشعبه وبنيه - غير أنه يوجد في هذا الكلام ما ظاهره ضعف في الحجة فإنه قد يُرد على الكاتب أن الكلام في العهد لا في الوصية فإن لزم موت الموصي لأجل العمل شرعاً بالوصية لا يلزم من ذلك موت واضع العهد فلا يكون مناسبة في كلام الكاتب للموضوع الذي يتكلم فيه. هذا وأنه قد انتقل من معنى الكلمة على ما استعملها به في ما مضى إلى معنى جديد لا يحتمله الأصل العبراني ولو احتمله اليوناني وبناء على ذلك ذهب بعض المفسرين إلى أنه يجب ترجمة الكلمة اليونانية بعهد لا وصية ولكننا لا نرى في ذلك معنى لقوله موت المعاهد على قول من يقول بهذا المعنى. فالأصح أن تؤخذ الكلمة مع جمهور الشراح بمعنى وصية وأن تتفسر العبارة بمقتضاها ويُحمل الكلام على معنى القياس التشبيهي لا المنطقي ويظهر المعنى إذا قدرنا «كما» بعد قوله «لأنه» في بداءة العدد فتكون تتمة العبارة في قوله «فمن ثم» في (ع ١٨) أي لأنه كما يلزم الموصي لأجل إجراء الوصية هكذا كان الموت في إثبات العهد الجديد.
١٧ «لأَنَّ ٱلْوَصِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَى ٱلْمَوْتٰى، إِذْ لاَ قُوَّةَ لَـهَا ٱلْبَتَّةَ مَا دَامَ ٱلْمُوصِي حَيّاً».
غلاطية ٣: ١٥
لأَنَّ ٱلْوَصِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَى ٱلْمَوْتٰى الكلمة المترجمة بقوله «على» تحتمل معنى بعد وعلى ذلك قد ترجمها البعض لموافقة المعنى المراد وهو أن الوصية يُعمل بها بعد موت الموصي.
إِذْ لاَ قُوَّةَ لَـهَا ٱلْبَتَّةَ مَا دَامَ ٱلْمُوصِي حَيّاً تعليل للجزء الأول من العدد وهو قوله «الوصية ثابتة على الموتى فقط». والمراد أنه كما أن الوصية لا تثبت إلا بعد موت الموصي لأنها كُتبت لكي يُعمل بها بعد موته فقط على أن له الخيار في تغييرها مدة حياته هكذا العهد الجديد فإنه كوصية يُعمل بها بموت من حصّل الميراث الأبدي لشعبه أي المسيح. وعلى ذلك يكون القياس تشبيهاً للإيضاح لا البرهان. وهكذا كان الأمر في العهد القديم كما يبين الكاتب في العدد التابع.
١٨ «فَمِنْ ثَمَّ ٱلأَوَّلُ أَيْضاً لَمْ يُكَرَّسْ بِلاَ دَمٍ».
خروج ٢٤: ٦ الخ
فَمِنْ ثَمَّ أي بناء على ما ذُكر في الأعداد السابقة من تشبيه العهد بالوصية.
ٱلأَوَّلُ أَيْضاً أي العهد الأول وهو القديم كالثاني أي الجديد.
لَمْ يُكَرَّسْ بِلاَ دَمٍ لما كان الحرفان السلبيان يقومان مقام الإيجاب كان المعنى هنا أن العهد القديم تكرّس بدم. «التكريس» هو الإفراز لقصد معين وقد يغلب استعماله في الأمور الدينية كتكريس الكنائس لخدمة الله والخبز والخمر في العشاء السري والأساقفة لخدمة المسيح وإنجيله وهنا المعنى أن العهد القديم عُقد وأُقيم لأجل فائدة الناس مبنياً على خدمة الذبائح التي كان معناها سفك دم الحيوانات تكفيراً عن الخطايا. وكان المقصود بها للدلالة على ذبيحة العهد الجديد. ولا يخفى أن الكلام هنا جميعه مجازي إذ المراد أن الطريقة التي أقامها الله لأجل خلاص الناس هي موت المسيح العوضي عن القصاص الذي توجبه الشريعة على الخطاة وأما ترتيب العهد القديم فكان رمزياً لهذا العمل العظيم الذي تم في العهد الجديد.
١٩ «لأَنَّ مُوسَى بَعْدَمَا كَلَّمَ جَمِيعَ ٱلشَّعْبِ بِكُلِّ وَصِيَّةٍ بِحَسَبِ ٱلنَّامُوسِ، أَخَذَ دَمَ ٱلْعُجُولِ وَٱلتُّيُوسِ، مَعَ مَاءٍ وَصُوفاً قِرْمِزِيّاً وَزُوفَا، وَرَشَّ ٱلْكِتَابَ نَفْسَهُ وَجَمِيعَ ٱلشَّعْبِ».
خروج ٢٤: ٥ و٦ و٨ ولاويين ١٦: ١٤ و١٥ و١٨ ولاويين ١٤: ٤ و٦ و٧ و٤٩ و٥١ و٥٢
لأَنَّ تعليل لقوله في العدد السابق أن العهد القديم تكرس بدم أي كان مبنياً على ذبائح دموية.
مُوسَى بَعْدَمَا كَلَّمَ جَمِيعَ ٱلشَّعْبِ بِكُلِّ وَصِيَّةٍ الوصايا المشار إليها مذكورة بالتفصيل في (خروج ص ٢٠ - ٢٣) فتلاها موسى على الشعب أولاً شفاهاً ثم كتبها ثم قرأها وأعادها على بني إسرائيل وإلى ذلك الإشارة في قوله -
بِحَسَبِ ٱلنَّامُوسِ أي بعدما قرأها من الكتاب الذي كتبها فيه وسماه سفر العهد (خروج ٢٤: ٧). غير أن الكلمة المترجمة هنا «الناموس» قد يكون المراد بها أمر من الله لموسى بأن يتلو الوصايا على الشعب.
أَخَذَ دَمَ ٱلْعُجُولِ وَٱلتُّيُوسِ، مَعَ مَاءٍ وَصُوفاً قِرْمِزِيّاً وَزُوفَا لم يُذكر من ذلك الخبر (خروج ٢٤) إلا دم العجول ولكن سياق الكلام يتضمن ما ذكره الكاتب هنا ولا سيما إذا قُرئ الخبر المذكور بالمقابلة مع غيره من التوراة فيظهر أن الذبائح التي قدموها وقتئذ كانت عجولاً وتيوساً لأن المحرقات المذكورة (خروج ٢٤: ٥) وأما الماء والصوف القرمزي والزوفا فكان يُستعمل في الرش (لاويين ١٤: ٥١) على شكل أنه كان يؤخذ غصن من الزوفا ويُعلق عليه من الصوف القرمزي ثم يُغمس بالماء والدم ويرش بهما.
وَرَشَّ ٱلْكِتَابَ نَفْسَهُ وَجَمِيعَ ٱلشَّعْبِ لم يُذكر في خبر التوراة رش الكتاب وإنما ذُكر رش الشعب ولكن لا يستلزمك ذلك عدم رش الكتاب الذي قرأ منه موسى في إنه معلوم أن الرش كان جزءا معتبراً في كل خدمة العهد القديم. وقوله «جميع الشعب» لا يُراد به إلا تسمية البعض باسم الكل وهو مجاز كثير الاستعمال منه قوله «خرج كل أهل اليهودية وأورشليم ليعتمدوا من يوحنا» (متّى ٣: ٥) وهو محال فلا حجة صحيحة إذا لقول من يعترض كيف رش موسى ثلاثة ملايين من الناس.
٢٠ «قَائِلاً: هٰذَا هُوَ دَمُ ٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي أَوْصَاكُمُ ٱللّٰهُ بِهِ».
خروج ٢٤: ٨ ومتّى ٢٦: ٢٨
قَائِلاً: هٰذَا هُوَ دَمُ ٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي أَوْصَاكُمُ ٱللّٰهُ بِهِ هكذا الترجمة السبعينية كما اقتبسها الكاتب ثم ترجمها المترجمون إلى العربية. وفي الأصل العبراني «هوذا دم العهد الذي عقده الرب معكم» والمراد أن الدم الذي رشه موسى على الشعب كان لتثبيت العهد الذي عقده الله معهم وهم قبلوه إذ قالوا «كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ٱلرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ» (خروج ٢٤: ٧) فكان هذا العمل من حيث هو من الله للدلالة على تطهيره تعالى إياهم ومن حيث هو عملهم للدلالة على معاهدتهم بأن يحفظوا وصايا الله. وعلى هذا النمط كان القدماء يتعاهدون فإنهم كانوا يقطعون حيواناً إلى نصفين ويجتازون بين القطعتين لأجل الإشهاد على أنفسهم بأنهم يحفظون شروط المعاهدة ومن ذلك جاءت العبارة «قطع عهداً».
٢١ «وَٱلْمَسْكَنَ أَيْضاً وَجَمِيعَ آنِيَةِ ٱلْخِدْمَةِ رَشَّهَا كَذٰلِكَ بِٱلدَّمِ».
خروج ٢٩: ١٢ و٣٦ ولاويين ٨: ١٥ و١٩ و١٦: ١٤ إلى ١٩
وَٱلْمَسْكَنَ أَيْضاً وَجَمِيعَ آنِيَةِ ٱلْخِدْمَةِ رَشَّهَا كَذٰلِكَ بِٱلدَّمِ في الخبر الذي ورد من جهة نصب المسكن وتكريسه (خروج ص ٤٠) لم يذكر إلا مسحها بالزيت. غير أن هذا لا يستلزم عدم رشها بالدم لأننا نرى في خروج (ص ٢٩: ٢٠ و٢١) إن هارون مُسح بالدم والزيت وكذلك لاويين (ص ٨: ٢٤ و٣٠) إنه رُش عليه بالدم والزيت أيضاً. والكاتب لم يذكر أمراً كان منكراً في أيامه لأن يوسيفوس ذكر هذا الرش للمسكن والأواني كما ذكره الكاتب (قديمات اليهود كتاب ٣ راس فصل ٦).
٢٢ «وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ بِٱلدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!».
لاويين ١٧: ١١
وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ بِٱلدَّمِ التطهير يفرض وجود النجاسة في الإنسان وهي كانت في ناموس موسى على نوعين النجاسة الشرعية كمس أجساد الموتى والأبرص والنجاسة الأدبية وهي التي كانت تلحق الإنسان من جرى ارتكاب الخطيئة باعتبار الأوامر والنواهي الأدبية التي أصولها الوصايا العشر. وكان يتطهر الإنسان من النجاسة الشرعية بواسطة الذبائح وهي سفك دم الحيوانات وبرشاش الدم غالباً وهو المراد بقوله «تقريباً» لأنه كان بعض أنواع النجاسات يتطهر بواسطة الماء (لاويين ١٦: ٢٦ و٢٨ وعدد ٣١: ٢٤) وبعضها بواسطة النار والماء (عدد ٣١: ٢٢ و٢٣) وإنما كان الغالب الدم.
وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ أي أن مغفرة الخطايا كان نيلها في الناموس الموسوي دائماً بواسطة سفك الدم أي الذبائح وهذه كانت على أنواع:

  • الأول: ذبيحة الخطيئة وقد ذُكرت بالتفصيل في (لاويين ٤ و٥: ١ - ١٣) وكانت لأجل النجاسة الجسدية (ص ٥: ٢) والأدبية أيضاً (ص ٤: ٢) بشرط أن يكون فعلها سهواً وهو لا يعلم أي على غير معرفة (لاويين ٤: ١٣ و١٤) ونقيضها ارتكاب الخطيئة بيد رفيعة (عدد ١٥: ٣٠ و٣١) أي بالتعمد والازدراء بالله وبشريعته ولا سيما إذا كانت ضد وصايا الله العشر. فهذه الأخيرة لم يكن لها ذبيحة تُقدم عنها بل كانت تُقطع تلك النفس المرتكبة من شعبها (عدد ١٥: ٣٢ - ٣٦ ولاويين ٢٠: ٩ و١٠) وإنما كان المراد بالأولى ليس الخطيئة بلا معرفة فقط بل كل خطيئة لم تُرتكب بيد رفيعة أي بقصد احتقار الله وبدون سؤال عن إغاظته تعالى.
  • الثاني: ذبيحة الإثم ولا يظهر أنها كانت تختلف عن ذبيحة الخطيئة بأكثر من أنها كانت تقدم لأجل الخطيئة بمعرفة والخطايا التي يمكن تعويض ضرر القريب فيها (لاويين ٥: ١٦ وص ٦: ٥) وقد ذُكر أيضاً أنها لأجل التكفير عن الخطايا التي بلا معرفة ولكن وصفها بالتفصيل يؤدي إلى أنها كانت تُرتكب لسبب قوة التجربة أو الشهوة بمعرفة ولكن ليس بقصد احتقار الله.
  • الثالث: ذبيحة المحرقة وهي التي كانت تُقدّم صباحاً ومساء في خيمة الاجتماع وفي الهيكل على المذبح النحاسي في صحن الدار (لاويين ٦: ٩) وكان المراد بها ذبيحة عامة عن الخطايا لأن من يقدمها كان مكلفاً بأن يضع يده على رأس الذبيحة لأجل الاعتراف (لاويين ١: ٤).
  • الرابع: ذبيحة السلامة وكانت تُقسم إلى ثلاثة أنواع (١) ذبيحة الشكر وكانت تقدم لأجل خيرات الله. (٢) ذبيحة النذر لأجل خلاص من شدة يُنذر فيها لله. (٣) الاختيارية التي كانت عامة في صفاتها. وفيها جميعها كان يُذبح الحيوان ويُرش من دمه حول المذبح فيظهر من ذلك أنها كانت مبنية على كون الإنسان خاطئاً لأنه كان يجب عليه أن يضع يده على رأس الحيوان قبل الذبح (لاويين ص ٤) وعلى ذلك كان تطهير الإنسان من الخطيئة بحسب الناموس الموسوي في كل حال بواسطة سفك دم. ويُضاف إلى ذلك الذبائح السنوية التي كان يقدمها رئيس الكهنة لأجل التكفير عن نفسه وعن الشعب. فهي جميعها مبنية على موت الحيوان البريء عن الإنسان المذنب المستحق القصاص والموت. والآن يأتي الكاتب لذكر ذبيحة المسيح التي كانت هذه جميعها رمزاً لها.


٢٣ «فَكَانَ يَلْزَمُ أَنَّ أَمْثِلَةَ ٱلأَشْيَاءِ ٱلَّتِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ تُطَهَّرُ بِهٰذِهِ، وَأَمَّا ٱلسَّمَاوِيَّاتُ عَيْنُهَا فَبِذَبَائِحَ أَفْضَلَ مِنْ هٰذِهِ».
ص ٨: ٥
ذُكر في هذه الآية وما يليها أن ذبائح اليهود كانت رمزاً لذبيحة المسيح التي هي أفضل من ذبائح العهد القديم من وجوه كثيرة كما سيأتي.
فَكَانَ يَلْزَمُ أَنَّ أَمْثِلَةَ ٱلأَشْيَاءِ ٱلَّتِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أي صورها كما أظهر الله لموسى وهو في الجبل على ما مر في (ص ٨: ٥) والمراد بهذه الصور الهيكل الأرضي وأوانيه وخدمته.
ِتُطَهَّرُ بِهٰذِه أي بما ذُكر من الذبائح ورشاش الدم ورماد العجلة الحمراء. وكان هذا التطهير طقسياً لأجل النجاسة الشرعية والمراد بكل ذلك التقرير في أذهان الإسرائيليين أنهم كانوا خطأة ودنسين (لاويين ١٥: ٣١ و١٦: ١٩) وأنه لا اقتراب من الله إلا بأن يكون الإنسان بحال الطهارة التي لا يحصل عليها إلا بدم المسيح الذي كان يشير إليه دم ذبائح اليهود كما أن النجاسة الطقسية الشرعية كانت تشير إلى نجاسة الإنسان الأدبية وتطهير الإنسان من الواحدة يدل على التطهير من الأخرى.
وَأَمَّا ٱلسَّمَاوِيَّاتُ عَيْنُهَا فَبِذَبَائِحَ أَفْضَلَ مِنْ هٰذِهِ المراد «بالسماويّات» تلك التي كانت المساكن الأرضية صورة لها ومجلسها في السماء ولا يخفى أن الكلام هنا جميعه مجازي لأننا إذا فهمنا بالسماويات محضر الله في السماء كيف يُطهّر وهو غير نجس وكيف مست ذبيحة المسيح ذلك المكان فليس المعنى أكثر من أن الخاطئ لا يستطيع أن يقترب من الله بدون تطهيره بدم المسيح فالتطهير هنا ليس تطهير مكان بل إصلاح النسبة بين الله والإنسان. وقال بعضهم أن السماوات نفسها تطهرت بدم كفارة المسيح بمعنى إزالة غضب الله على الجنس البشري وتحويل ظلمة ذلك الغضب إلى أنوار الرحمة والمغفرة. وأما صيغة الجمع في قوله «فبذبائح» فمن باب جمع الجنس ويراد به المفرد وهو كثير في العبراني واليوناني (انظر ع ٢٦) لأن ذبيحة المسيح واحدة لا تتكرر ولا تُعاد. وجميع الذبائح مجموعة في ذبيحة المسيح وكانت كلها وإن كانت كثيرة وعلى أنواع مختلفة رموزاً إلى تلك الذبيحة الواحدة.
٢٤ «لأَنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ ٱلآنَ أَمَامَ وَجْهِ ٱللّٰهِ لأَجْلِنَا».
ص ٦: ٢٠ ص ٨: ٢ ورومية ٨: ٣٤ وص ٧: ٢٥ و١يوحنا ٢: ١
لأَنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ الإشارة في ذلك إلى الأقداس الأرضية التي كانت مصنوعة بيد (ع ١١) وشبهاً لما رآه موسى في الجبل (ص ٨: ٥) فالكاتب قال أن المسيح لم يدخل إليها.
بَلْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ عَيْنِهَا التي كانت الأقداس الأرضية شبهاً لها فنتح من ذلك أن المسيح لما دخل إلى السماء ليخدم خدمته الكهنوتية كانت ذبيحته أفضل من ذبائح اليهود التي كانت تقدم في هيكل أرضي.
لِيَظْهَرَ ٱلآنَ أَمَامَ وَجْهِ ٱللّٰهِ لأَجْلِنَا قوله «ليظهر» معناه في الأصل في مثل هذه القرينة الظهور لأجل الاحتجاج وقيام الدعوى إما لأحد كما هنا أو عليه كما في (أعمال ٢٤: ١) وقوله «الآن» العهد الحاضر أو من الزمان الذي دخل فيه إلى السماء فصاعداً. وقوله «أمام وجه الله» اصطلاح عبراني مأخوذ عن وقوف رئيس الكهنة أمام الله في قدس الأقداس ليكفر عن الشعب. وقوله «لأجلنا» أي أن دخول المسيح إلى السماء بعدما قدم نفسه ذبيحة على الأرض هو لأجل التفكير عن المؤمنين به والفداء الأبدي الذي كان قد ذكره سابقاً (ع ١٢).
٢٥ «وَلاَ لِيُقَدِّمَ نَفْسَهُ مِرَاراً كَثِيرَةً، كَمَا يَدْخُلُ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ إِلَى ٱلأَقْدَاسِ كُلَّ سَنَةٍ بِدَمِ آخَرَ».
ع ٧
وَلاَ لِيُقَدِّمَ نَفْسَهُ مِرَاراً كَثِيرَةً الكلام على المسيح الذي يُظهر الكاتب فضل ذبيحته وخدمته الكهنوتية من وجوه المشابهة ووجوه المناقضة التي بينها وبين ذبائح رئيس الكهنة. وإلى هذه الأخيرة يتجه الكلام في هذا العدد كما سيأتي.
كَمَا يَدْخُلُ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ إِلَى ٱلأَقْدَاسِ كُلَّ سَنَةٍ هذا هو الوجه الأول لفضل دخول المسيح إلى السماء على دخول الكاهن العظيم إلى الأقداس فإن هذا كان يدخل مرة في كل سنة بدم ذبيحة جديدة وأما دخول المسيح فكان مرة واحدة بذبيحة واحدة.
بِدَمِ آخَرَ هذا هو الوجه الثاني فإن رئيس الكهنة كان يدخل بدم ذبيحة ثور عن نفسه وتيس عن الشعب وأما المسيح فدخل بدم ذبيحة نفسه.
٢٦ «فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَاراً كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ، وَلٰكِنَّهُ ٱلآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ ٱنْقِضَاءِ ٱلدُّهُورِ لِيُبْطِلَ ٱلْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ».
ع ١٢ وص ٧: ٢٧ و١٠: ١٠ و١بطرس ٣: ١٨ و١كورنثوس ١٠: ١١ وغلاطية ٤: ٤ وأفسس ١: ١٠
فَإِذْ ذَاكَ أي لما كان موت المسيح لأجل الأجيال السالفة كما كان لأجل الأجيال التابعة (انظر ع ١٥ ورومية ٣: ٢٥).
كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَاراً كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ لأجل خطايا شعبه في العصور السالفة لو لم تكن ذبيحته أفضل من الذبائح التي كان يقدمها رئيس الكهنة بحيث كانت كافية أن تُقدم مرة واحدة عن جميع الأجيال.
وَلٰكِنَّهُ ٱلآنَ مقابلة لقوله «إنه كان يجب أن يتألم مراراً كثيرة منذ تأسيس العالم».
قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً واحدة ليقدم ذبيحته لأنها كافية للإيفاء عن خطايا جميع الأجيال.
عِنْدَ ٱنْقِضَاءِ ٱلدُّهُورِ أي عند انقضاء الدهر اليهودي المعروف بالعهد القديم فكان ظهور المسيح عند انقضاء ذلك العهد أو الدهر. وعند كتبة العهد الجديد مجيء المسيح هو انقضاء الدهور لأنه لا يكون عهد آخر بعد العهد الجديد وبما أنهم لم يعرفوا وقت مجيء المسيح الثاني ظنوا أنه يكون عن قريب ومن المحتمل أنه يكون في أيامهم فكانت أيامهم كما ظنوا الأيام الأخيرة. وأما استعماله صيغة الجمع عوضاً عن المفرد فاصطلاح عند اليونانيين واليهود كما قيل سبوت في السبت والسماوات في السماء (انظر ع ٢٤).
لِيُبْطِلَ ٱلْخَطِيَّةَ أي ليزيل قصاص الخطيئة وسلطانها.
بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ أي أبطل القصاص عن شعبه باحتماله الموت عنهم.
٢٧ «وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذٰلِكَ ٱلدَّيْنُونَةُ».
تكوين ٣: ١٩ وجامعة ٣: ٢٠ و٢كورنثوس ٥: ١٠ ورؤيا ٢٠: ١٢ و١٣
وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً أي مرة واحدة لا تتكرر وهو ظاهر. قوله «وضع» أي أن الله رتّب العالم على شكل أن كل إنسان يموت وأن هذا الموت لا يكون أكثر من مرة واحدة. قوله «كما» للمقابلة بين موت الناس مرة واحدة وموت المسيح كذلك فينتج من ذلك أن ذبيحة المسيح كانت واحدة لا تُعاد ولن تُعاد.
ثُمَّ بَعْدَ ذٰلِكَ ٱلدَّيْنُونَةُ أي بعد الموت الدينونة الأبدية التي فيها يثبت حال الإنسان على نمط واحد لا يتغير فليس فيه موت أيضاً. وهنا وفي الآية التابعة مقابلة بين الدينونة والخلاص فإنه كما يثبت حال الإنسان بعد موته فيكون إما في السعادة الأبدية أو في الشقاء الأبدي هكذا الخلاص أيضاً بالمسيح فإنه يثبت للمؤمنين ولا يحتاجون بعد إلى ذبيحة عن الخطيئة.
٢٨ «هٰكَذَا ٱلْمَسِيحُ أَيْضاً، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ».
رومية ٦: ١٠ و١بطرس ٣: ١٨ و١بطرس ٢: ٢٤ و١يوحنا ٣: ٥ ومتّى ٢٦: ٢٨ ورومية ٥: ١٥ وتيطس ٢: ١٣ و٢بطرس ٣: ١٢
هٰكَذَا ٱلْمَسِيحُ أَيْضاً هنا تتمة المقابلة بين موت الناس مرة واحدة وموت المسيح أيضاً مرة واحدة فإنه لما كان المسيح مشاركاً للإنسانية في الجسد فلم يكن ممكناً أن يقع عليه الموت أكثر من مرة واحدة.
بَعْدَمَا قُدِّمَ ويجوز أن يقال بعدما قدّم نفسه لأن وزن الفعل في اليوناني يحتمل ذلك. وأما التقديم المذكور فتقديم نفسه ذبيحة.
مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ أي خطايا جميع الشعوب بدون تمييز بين اليهودي والأممي ولجميع الأجيال السالفة والتابعة. قوله «لكي يحمل خطايا» أي يحمل قصاص خطايا كثيرين (انظر ع ٢٦).
سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً ظهوره في المرة الأولى كان لكي يقدم نفسه ذبيحة عن خطايا الناس وأما ظهوره في المرة الثانية فيكون -
بِلاَ خَطِيَّةٍ أي بدون أن يحمل الخطيئة أو قصاصها وهو المراد أو بدون تقديم نفسه لأجل الخطيئة كما يقتضي سياق الكلام والتقدير المضمن هنا.
لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ أي ليعطي الخلاص الأبدي للذين يؤمنون به ويقاومون غرور العالم وخداع الخطيئة ويثبتون في انتظار الخلاص. وفي ذلك حث للعبرانيين المؤمنين ليثبتوا ولا يحيدوا عن الإيمان بالمسيح.
فوائد



  • الخلاص الذي أتى به المسيح خلاص كافٍ ثابت أبدي فلا يحتاج الناس إلى ذبيحة أخرى ولا إلى شفيع آخر ولا إلى أعمال أخرى كعلة أجريّة للخلاص.
  • الخطيئة شر عظيم لأنها قد أبعدتنا عن الله بعداً عظيماً فلا يمكننا الوصول إلى كرسي النعمة ومحضر الله إلا بواسطة بر المسيح ولا ننال المغفرة منه تعالى إلا بواسطة دم ذبيحة الصليب ولا نتخلص من سلطان الخطيئة علينا إلا بعمل روح الله القدوس في قلوبنا. وكان يُشار إلى ذلك في العهد القديم بالحجاب الفاصل قدس الأقداس عن القدس والقدس عن الدار التي كان يجتمع فيها العابدون وأما الآن فقد صار لنا بواسطة المسيح قدوم إلى الآب وثقة تامة في الاقتراب منه تعالى (أفسس ٢: ١٨ وعبرانيين ٤: ١٦).




اَلأَصْحَاحُ ٱلْعَاشِرُ


يُقسم هذا الأصحاح إلى قسمين الأول تتمة ما ذكره سابقاً من جهة ذبائح اليهود وذبيحة المسيح وخلاصة قوله في هذه الشأن هي أن الذبائح الدموية لم تكن كافية للتطهير من الخطيئة بدليل إعادتها وبدليل أن جرم الخطيئة عظيم فلا يمكن الإيفاء عنها بدم تيوس وعجول (ع ١ - ٤). وأنه من جرى ذلك لزم مجيء المسيح وتقديمه ذبيحة أفضل من تلك الذبائح وذلك بحسب ما ذُكر في كتب العهد القديم نفسها وأن هذه الذبيحة الواحدة العظيمة كانت ما سر الله به وقد أُبطلت ذبائح اليهود التي كانت رمزاً لها وبها الآن فقط نتقدس من خطايانا (ع ٥ - ١٠) ثم يقول أنه لما كانت ذبيحة المسيح واحدة كافية للتطهير بطلت كل القرابين القديمة عن الخطيئة (ع ١١ - ١٨) وهذا القسم خلاصة ما تقدم في الرسالة. والقسم الثاني تحريض للمؤمنين مبني على ما سبق من جهة كفاءة ذبيحة المسيح على التقدم إلى هذا المخلص العظيم ووجوب الثبات فيه والخوف من الارتداد عنه (ع ١٩ - ٣١) وفي ذلك يذكرهم بالخسارة التي احتملوها لأجل المسيح وبوجوب الصبر إلى النهاية لأجل نيل الخلاص (ع ٣٢ - ٣٩).
١ «لأَنَّ ٱلنَّامُوسَ، إِذْ لَهُ ظِلُّ ٱلْخَيْرَاتِ ٱلْعَتِيدَةِ لاَ نَفْسُ صُورَةِ ٱلأَشْيَاءِ، لاَ يَقْدِرُ أَبَداً بِنَفْسِ ٱلذَّبَائِحِ كُلَّ سَنَةٍ، ٱلَّتِي يُقَدِّمُونَهَا عَلَى ٱلدَّوَامِ، أَنْ يُكَمِّلَ ٱلَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ».
كولوسي ٢: ١٧ وص ٨: ٥ و٩: ٢٣ وص ٩: ١١ وص ٩: ٩ ع ١٤
لأَنَّ حرف تعليل لما سبق من جهة كون العهد القديم رمزاً للتجديد وغير كامل.
ٱلنَّامُوسَ المشار إليه هنا هو الشريعة الطقسية المنزلة لبني إسرائيل.
إِذْ حرف تعليل أو حينية متضمنة معنى الشرط وهي على الوجهين متعلقة «بيقدر» المنفي.
لَهُ اللام للملك أي إذ كان للناموس.
ظِلُّ ٱلْخَيْرَاتِ ٱلْعَتِيدَةِ لاَ نَفْسُ صُورَةِ ٱلأَشْيَاءِ المقابلة هنا واقعة بين «الظل» و «الصورة» والفرق بينهما أن الظل يراد به هنا رسم غير تام كالخيال أو الظل والصورة التصوير التام بكل أجزائه. والمعنى أن الشريعة الأولية في ما يتعلق بالذبائح لم تكن أكثر من رسم خيالي لبركات العهد الجديد حتى أنها لم تكن صورة الأشياء بالوضوح بل كانت ظلاً فقط. وقوله «الخيرات العتيدة» معناه خيرات العهد الجديد التي أتى بها المسيح وهي عتيدة بالنسبة إلى وضع العهد القديم الذي وُضع إلى زمان يعقبه العهد الجديد.
لاَ يَقْدِرُ أَبَداً بِنَفْسِ ٱلذَّبَائِحِ كُلَّ سَنَةٍ، ٱلَّتِي يُقَدِّمُونَهَا عَلَى ٱلدَّوَامِ المراد الذبائح السنوية التي كان يدخل بدمها رئيس الكهنة إلى قدس الأقداس والتي كانت تُعد عند الإسرائيليين أعظم ذبائحهم باعتبار مقامها السامي في ناموسهم.
أَنْ يُكَمِّلَ ٱلَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ إلى الله بواسطتها وعدم قدرتها على تكميل أي تطهير ضمائر المتقدمين لله وبُين في (ص ٩: ٩ و١٠).
٢ «وَإِلاَّ، أَفَمَا زَالَتْ تُقَدَّمُ؟ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ٱلْخَادِمِينَ، وَهُمْ مُطَهَّرُونَ مَرَّةً، لاَ يَكُونُ لَـهُمْ أَيْضاً ضَمِيرُ خَطَايَا».
وَإِلاَّ أي وإن لم يكن الأمر كما ذُكر من جهة عدم قدرة الذبائح اللاوية أن تكمل الذين يقدّمونها.
أَفَمَا زَالَتْ تُقَدَّمُ أي أما كان زال تقديمها والمعنى أنه لو كانت تلك الذبائح قادرة على تكميل الذين يقدمونها لكان يجب أن لا تقدم بعد فلما كانت تقدّم سنة بعد سنة دل ذلك على عدم قدرتها على التكميل.
مِنْ أَجْلِ أَنَّ ٱلْخَادِمِينَ أي الذين يقدّمون الذبائح.
وَهُمْ مُطَهَّرُونَ مَرَّةً أي إذ تطهروا تطهيراً كاملاً مرة كافية.
لاَ يَكُونُ لَـهُمْ أَيْضاً ضَمِيرُ خَطَايَا أي لا يشعرون بالخوف من عقاب الخطيئة (انظر التفسير على قوله «ليبطل الخطية» ص ٩: ٢٦) أو بذنب الخطيئة وتوبيخ الضمير.
٣ «لٰكِنْ فِيهَا كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرُ خَطَايَا».
لاويين ١٦: ٢١ وص ٩: ٧
لٰكِنْ فِيهَا أي في تلك الذبائح السنوية.
كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرُ خَطَايَا فلم تكن تُوفي بالحقيقة عن خطاياهم ولم تحملهم على الاطمئنان بنيل المغفرة بل إنما كان تقديمها السنوي يذكرهم بخطاياهم ويرمز لهم إلى الذبيحة الحقيقية الواحدة الكافية للتطهير والاطمئنان.
٤ «لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا».
ميخا ٦: ٦ و٧ وص ٩: ١٣ وع ١١
لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا أي يزيل القصاص المرتب على الخطيئة لأن هذه الذبائح كانت غير كافية لذلك فغاية ما كان لدم الثيران والتيوس من الفائدة التطهير الناموسي لخدمة الله والدلالة على مجيء المسيح ليوفي عن خطايا العالم (انظر ميخا ٦: ٧) فكانت فائدتها ناشئة عن ذبيحة المسيح التي كانت هي رمزاً لها. ولا يمكن أن الذبائح الحيوانية ترفع الخطايا أولاً لأنه لا علاقة بين الحيوان وبين الذين يقدمونه بل هو جنس وهم جنس آخر. ومن المحتمل أن إنساناً يفدي إنساناً لأن الواحد يقدر أن يجعل نفسه مكان الآخر ولكن لا يمكن أن خروفاً أو ثوراً يجعل نفسه مكان إنسان فيفتديه. وثانياً لأنه ليس للحيوان إرادة فيقدم نفسه بإرادته ذبيحة عن خطايا الناس وأما المسيح فتجسد وصار إنساناً مثلنا وبإرادته قدم نفسه. وبما أن الله غير محدود وكامل في كل صفاته كان لهذه الذبيحة قيمة غير محدودة فهي كافية لتطهير خطايا العالم.
٥ «لِذٰلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى ٱلْعَالَمِ يَقُولُ: ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلٰكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً».
مزمور ٤٠: ٦ الخ و٥٠: ٨ الخ وإشعياء ١: ١١ وإرميا ٦: ٢٠ وعاموس ٥: ٢١ و٢٢
لِذٰلِكَ أي إذ لم يكن قوة في دم الثيران والتيوس لرفع الخطيئة ذكر الروح القدس بلسان داود (مزمور ٤٠: ٧ الخ) في المسيح -
عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى ٱلْعَالَمِ يَقُولُ القائل داود كأنه عن لسان المسيح بروح النبوءة والإشارة إلى تجسد المسيح.
ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ أي أن ذبائح الحيوانات والقرابين لم تكن كافية على أنواعها المختلفة في ذاتها للتكفير عن الخطيئة فلم يرض الله بها.
وَلٰكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً نقل الكاتب عن الترجمة السبعينية وفي الأصل العبراني «أذنيّ فتحت» ولا يُعلم الآن كيف دخلت هذه الترجمة إلا إن كان عن قراءة قديمة غير معروفة الآن فيها بُدلت آذان «بجسد» لسبب عدم انتباه النساخ.
هيأ الله للمسيح جسداً لكي يموت بالجسد لأن موت الحيوانات لم يكن كافياً للتطهير من الخطايا وقول المسيح هذا لم يكن في زمان من حياته بل كان قول حياته كلها وروحه الدائم.
وإذا راجعنا المزمور كله نرى فيه ما لا يناسب المسيح (مزمور ٤٠: ١٢ حاقت بي آثامي) والظاهر أن المرنم أولاً تكلم على نفسه ولكن روح الله الذي تكلم فيه جعل بعض الكلام يناسب المرنم ويناسب المسيح أيضاً.
٦ «بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ».
بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ أي أن الله لم يرض بالذبائح اللاوية عن الخطيئة بل هو يطلب ذبيحة أفضل وإيفاء أعظم لأجل الخطيئة وهذه الذبيحة هي ذبيحة المسيح (انظر مزمور ٥٠: ٧ - ١٥ و٥١: ١٦ وإشعياء ١: ١١ وإرميا ٦: ٢٠ و٧: ٢١ - ٢٣ وميخا ٦: ٦ - ٨).
٧ «ثُمَّ قُلْتُ: هَئَنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ ٱلْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللّٰهُ».
ثُمَّ قُلْتُ: هَئَنَذَا أَجِيءُ أي لما لم يرض الله بإيفاء الذبائح عن الخطيئة قدّم المسيح نفسه لذلك لما جاء إلى العالم لفداء الناس.
فِي دَرْجِ ٱلْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي يُراد به كتابة الكتب القديمة على دروج من رق تُلف والمعنى أنه سبقت الكتب المقدسة وتكلمت في مجيء المسيح.
لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللّٰهُ مشيئة الله المذكورة هنا هي موت المسيح عوضاً عن الناس لأجل خلاصهم (انظر ع ١٠) وقوله «يا الله» بالنظر إلى تجسد المسيح لا إلى لاهوته لأنه بالجسد يصح أن يقال ذلك (متّى ٢٧: ٤٦).
٨ «إِذْ يَقُولُ آنِفاً: إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلاَ سُرِرْتَ بِهَا. ٱلَّتِي تُقَدَّمُ حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ».
إِذْ يَقُولُ آنِفاً هذه عبارة الكاتب التي فيها ينتج ما اقتبسه من المزامير أن مجيء المسيح أبطل الذبائح. وجواب «إذ» قوله «ينزع الأول» الخ في (ع ٩).
إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلاَ سُرِرْتَ بِهَا مقول الاقتباس السابق.
ٱلَّتِي تُقَدَّمُ حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ جملة تفسيرية من الكاتب أي هذه الذبائح المشار إليها هي التي كان الناموس يأمر بها ويتكل اليهود عليها فكانوا يبدلون آداب الديانة بطقوسها الناموسية.
٩ «ثُمَّ قَالَ: هَئَنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللّٰهُ. يَنْزِعُ ٱلأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ ٱلثَّانِيَ».
ثُمَّ قَالَ والمقول هو الاقتباس السابق.
هَئَنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللّٰهُ (انظر ع ٧).
يَنْزِعُ ٱلأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ ٱلثَّانِيَ أي بهذا القول قد أُبطلت الذبائح القديمة بذبيحة المسيح التي هي مشيئة الله في إرساله المسيح إلى العالم كما سيأتي في العدد التابع.
١٠ «فَبِهٰذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً».
يوحنا ١٧: ١٩ وص ١٣: ١٢ وص ٩: ١٢
فَبِهٰذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ أي مشيئة الله التي لم ترض بدم تيوس وعجول إيفاء عن الخطيئة والتي جاء المسيح ليفعلها ويفدي الناس بذبيحته (انظر ع ٧).
نَحْنُ مُقَدَّسُونَ أي نكرس لله بمعنى التطهير والتكفير عن الخطيئة الفاصلة بيننا وبينه تعالى.
بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ذبيحة على الصليب لأجل التكفير عن الخطيئة. وعلى ذلك يكون معنى حجة الكاتب إن الذبائح الطقسية على ناموس موسى لا يقبلها الله إيفاء عن القصاص الواجب لشر الخطيئة ولكن طاعة المسيح لمشيئة الله حتى الموت (انظر فيلبي ٢: ٨) كافية لذلك وقد أبطلت جميع الذبائح.
مَرَّةً وَاحِدَةً وقد تكررت هذه العبارة كثيراً في كلام الكاتب بهذا المعنى وينتج منها أن ذبيحة المسيح لا تعاد بوجه من الوجوه ولذلك قول من يقول أن في القداس ذبيحة المسيح حقيقة لا مجازاً ولا تذكاراً ولا شبهاً لا يوافق قول الكاتب. وفي هذا الصدد يقول يوحنا فم الذهب في تفسيره لهذه الرسالة «فإن سأل سائل ماذا تقول أفنحن ما نقدم كل يوم. بل نصنع مراجعة لذكر موته. وهذه التضحية واحدة لا كثيرات فإن قلت وكيف هي واحدة لا كثيرات قلت لك لأجل أنها دفعة واحدة قُدمت كتلك في مقادس القديسين. فهذا رسم لتلك وهذه أيضاً لتلك. هذا يصير للتذكار الذي صار في ذلك الوقت. لأنه يقول كرئيس الكهنة حينئذ بل هي نصنعها دائماً بل إننا نصنع تذكار الضحية» (المقابلة السابعة عشرة في الفصل العاشر من الرسالة إلى العبرانيين نقلاً عن نسخة خط بحروفها).
١١ «وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَاراً كَثِيرَةً تِلْكَ ٱلذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، ٱلَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ ٱلْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ ٱلْخَطِيَّةَ».
عدد ٢٨: ٣ وص ٧: ٢٧ ع ٤
في هذه الآية وما يليها إلى ع ١٨ خلاصة ما كان ذكره الكاتب من جهة كون ذبائح اليهود متعددة لأنها لم تكن كافية للإيفاء عن الخطيئة وكون ذبيحة المسيح واحدة لذلك الإيفاء. وقد انتهى من احتجاجه في هذا المعنى بالقول أنه إذا حصل المؤمنون على المغفرة التامة بالمسيح لم يبق محل لقرابين أو ذبائح جديدة عن الخطيئة.
وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَاراً كَثِيرَةً تِلْكَ ٱلذَّبَائِحَ عَيْنَهَا في بعض النسخ وكل رئيس كهنة ولكنها قراءة ضعيفة مختلف عليها ولا سيما أن الذبائح اليومية كانت منوطة بالكاهن لا برئيس الكهنة على أنه قد مر علينا أن رئيس الكهنة كان يقدم ذبائح يومية (ص ٧: ٢٧). والمراد أن الذبيحة اللاوية كانت تكرر ولم تقدر أن توفي عن الخطيئة.
ٱلَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ ٱلْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ ٱلْخَطِيَّةَ أي قصاص الخطيئة كما مرّ وكذلك قد مرّ عدم كفاءة الذبائح للإيفاء عن الخطيئة.
١٢ «وَأَمَّا هٰذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ ٱلْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى ٱلأَبَدِ عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ».
كولوسي ٣: ١ وص ١: ٣
وَأَمَّا هٰذَا المقابلة بين قوله «كل كاهن» في الآية السابقة وقوله «هذا» والمشار إليه هو المسيح.
فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ ٱلْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً لأنها فاعلة على الدوام فلا حاجة لإعادتها كما كان الأمر في ذبائح اليهود.
جَلَسَ إِلَى ٱلأَبَدِ عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ المقابلة هنا بين قوله «يقوم» و «يخدم» عن الكاهن اللاوي وهو ما يليق بالخادم وقوله هنا «جلس» فإن الجلوس لا يليق إلا بالسيّد بخلاف الخادم. وهذا الجلوس مجازي معناه الارتقاء والحكم والتسلّط.
١٣ «مُنْتَظِراً بَعْدَ ذٰلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْهِ».
مزمور ١١٠: ١ وأعمال ٢: ٣٥ و١كورنثوس ١٥: ٢٥ وص ١: ١٣
مُنْتَظِراً بَعْدَ ذٰلِكَ أي بعد جلوسه عن يمين الله المشار إليه في الآية السابقة.
حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ أعداء المسيح هم المقاومون لديانته وحكمه.
مَوْطِئاً لِقَدَمَيْهِ عبارة مجازية للدلالة على الخضوع الكامل له (يشوع ١٠: ٢٤) ولا شك أن المراد هو الزمان الذي فيه تبطل مقاومة الناس لديانة المسيح فيقبلونها وتعم كل وجه الأرض بحسب ما أعلن الله في كتابه. ويظهر من هنا أنه عند نهاية هذه المحاربة بين ملكوت النور وملكوت الظلمة أي عند نهاية العالم يبطل هذا الجلوس عن يمين الله بمعنى الحكم والسلطان المُعطى للمسيح من حيث هو وسيط الخلاص ويصير الملك الله الآب (١كورنثوس ١٥: ٢٤ و٢٥).
١٤ «لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى ٱلأَبَدِ ٱلْمُقَدَّسِينَ».
ع ١
لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ أي تقدمة.
وَاحِدٍ هو موته مرة واحدة على الصليب.
قَدْ أَكْمَلَ أي طهّر من الخطيئة.
إِلَى ٱلأَبَدِ كما أنه قدم جسده قرباناً واحداً عن الخطيئة هكذا فاعلية هذا القربان دائمة أبدية وذلك بالنظر إلى الأفراد والعموم فإن من غُفرت خطاياه فقد غُفرت له إلى الأبد وإيفاء الصليب عن الخطيئة لا يقتصر على زمان بل يمتد إلى كل زمان من بداءة العالم إلى نهايته.
ٱلْمُقَدَّسِينَ أي المفديين بنعمة الله وبدم المسيح.
١٥ «وَيَشْهَدُ لَنَا ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ أَيْضاً. لأَنَّهُ بَعْدَمَا قَالَ سَابِقاً».
وَيَشْهَدُ لَنَا على صحة ما ذُكر من جهة كون ذبائح العهد القديم غير قادرة على تطهير الضمير واطمئنان الخاطئ من جهة مغفرة خطاياه وكون ذبيحة المسيح الواحدة هي الواسطة المقامة من الله لأجل ذلك.
ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ الذي ألهم وعلّم رجال الله أن يكتبوا الأسفار المقدسة التي يستشهد الأن منها.
أَيْضاً أي فضلاً عن اقتباسات أُخر استشهد بها في ما مضى.
لأَنَّهُ بَعْدَمَا قَالَ سَابِقاً قوله «بعد» ظرف متعلق «بيقول الرب» في العدد التابع على مذهب البعض فيكون المعنى أنه بعدما قال أولاً «هذا هو العهد الذي أعهده بعد تلك الأيام» قال أيضاً «أجعل نواميسي» الخ والمراد أن الله علّق المغفرة الحقيقية على دخول العهد الجديد كما يُرى في (ع ١٧).
١٦ «هٰذَا هُوَ ٱلْعَهْدُ ٱلَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَهُمْ بَعْدَ تِلْكَ ٱلأَيَّامِ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي قُلُوبِهِمْ وَأَكْتُبُهَا فِي أَذْهَانِهِمْ».
إرميا ٣١: ٣٣ و٣٤ وص ٨: ١٠ و١٢
هٰذَا هُوَ ٱلْعَهْدُ ٱلَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَهُمْ الاقتباس من (إرميا ٣١: ٣١ - ٣٤). وقد ذكره الكاتب في ما مضى (ص ٨: ٨ - ١٢) غير أنه في الأصل «مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا» وفي الاقتباس السابق كذلك وهنا «معهم» والمعنى واحد وهو أن العهد الذي يعهده الله في الدور المسيحي مع شعبه الروحي يكون كما سيأتي.
بَعْدَ تِلْكَ ٱلأَيَّامِ أي عند نهاية الدور الموسوي.
يَقُولُ ٱلرَّبُّ الذي لا يتغير في قوله وأمانته والفائدة من ذكر هذه العبارة تأكيد وقوع الأمر.
أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي قُلُوبِهِمْ أي أنه تعالى يضع روح الطاعة الدائمة في قلوب شعبه.
وَأَكْتُبُهَا فِي أَذْهَانِهِمْ تكرار لأجل البيان وقد سبق تفسير جميع هذا العدد في (ص ٨: ١٠).
١٧ «وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ».
وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ هو تتمة الاقتباس من إرميا. والشاهد الذي يريده الكاتب هو أن في العهد الجديد يحصل لشعب الله غفران كامل لا يصاحبه تردد ولا يعقبه ندم (انظر تفسير هذه الآية في ص ٨: ١٢).
١٨ «وَإِنَّمَا حَيْثُ تَكُونُ مَغْفِرَةٌ لِهٰذِهِ لاَ يَكُونُ بَعْدُ قُرْبَانٌ عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ».
وَإِنَّمَا بمعنى ولكن مع التوكيد. والكلام هنا نتيجة مما سبق من الاقتباس.
حَيْثُ تَكُونُ مَغْفِرَةٌ لِهٰذِهِ أي للخطايا والتعديات المذكورة في (ع ١٧).
لاَ يَكُونُ بَعْدُ قُرْبَانٌ عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ أي لا يبقى حاجة ولا محل له على أنه في العهد القديم كانت تكرّر الذبائح لأن غاية ما كان يحصل بواسطتها تطهير طقسي خارجي رمزي يؤهل الإنسان لعبادة الله في الهيكل الأرضي. وأما ذبيحة المسيح فإنها تحصل للإنسان غفراناً كاملاً في كل العصور وهي الواحدة الكافية التي تمت فيها الذبائح الرمزية.
إلى هنا انتهى كلام الكاتب في القسم الجدلي من الرسالة الذي يتعلق بمقاومة أفكار اليهود من جهة فضل شريعتهم وثباتها. فإنه قد برهن لهم بنوع جلي وبحجج كثيرة أن العهد القديم بالجملة وبالتفصيل من حيث شرائعة الطقسية لا الأدبية التي لا تتغير أبداً كان رمزاً للجديد الأفضل منه من كل جهة. ومن جملة ما ذكره في هذا المعنى أن الشريعة القديمة نزلت بواسطة ملائكة وأنبياء والديانة المسيحية بابن الله وإن الكهنوت اللاوي إنما كان رمزاً ضعيفاً لكهنوت المسيح الذي كان على رتبة كهنوت ملكي صادق. وهكذا الذبائح والخدمة في الهيكل فإنها كانت تشير إلى ذبيحة وإلى خدمة أفضل منها جداً. وأخيراً إن الخير الذي ناله اليهود بواسطة القيام بتلك التكاليف الشرعية كان زمنياً يشير إلى خير روحي أبدي يناله المؤمنون بالمسيح. فجميع ما ناله شعب الله في العهد القديم من الخيرات الروحية كالمغفرة والتطهير والسعادة الأبدية في السماء إنما صار لهم بفعل ذبيحة المسيح وخدمته المزمعة لا بدم التيوس والعجول التي كانوا يقدمونها في هيكل أرضي. وعلى الجملة نقول إن الكلام يظهر على نوع جلي جداً إن جميع الشريعة الطقسية إنما وُضعت لغاية محدودة الزمان وكانت هذه الغاية الإشارة إلى ما تم في العهد الجديد من الفداء العظيم فلما جاء المسيح وتكملت الحقائق بطلت بالضرورة جميع الرموز الموضوعة للدلالة عليها وصار الوصول إلى عرش النعمة ممكناً لكل خاطئ يأتي بالتوبة إلى الله عن الخطيئة والإيمان بذبيحة المسيح وشفاعته.
وإذ فرغ الكاتب من كلامه في هذا الشأن شرع في الوعظ والحث للعبرانيين المؤمنين على الثبات في الديانة المسيحية وذلك إما لأن الإيمان والثبات ينتهيان في الخلاص الأبدي أو لأن الارتداد والرجوع إلى الوراء يفضيان بالإنسان إلى الهلاك. وإلى هذا يتجه كلامه في ما بقي من هذا الأصحاح.
١٩ «فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِٱلدُّخُولِ إِلَى «ٱلأَقْدَاسِ» بِدَمِ يَسُوعَ».
رومية ٥: ٢ وأفسس ٢: ١٨ و٣: ١٢ ص ٩: ٨ و١٢
فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِٱلدُّخُولِ إِلَى «ٱلأَقْدَاسِ» بِدَمِ يَسُوعَ المترجمة هنا «ثقة» معناها الأول في الأصل اليوناني الحرية بمعنى عدم المنع والحجز ثم تأتي كما أتت هنا بمعنى الثقة أي تيقّن القبول وعدم الرفض عند الدخول إلى الأقداس. والأقداس المذكور هو السماوي الحقيقي الذي كان يشير إليه قدس الأقداس الأرضي. قوله «بدم يسوع» أي بواسطة دم يسوع. فيكون معنى العبارة أنه إذا حصلنا على حرية كاملة للاقتراب إلى محضر الله السماوي ولمخاطبته بواسطة دم المسيح ليمكننا الوصول إليه تعالى في الصلاة بثقة من جهة قبولنا لديه وعدم رفضنا من أمام وجهه لنتقدّم بقلب صادق الخ.
٢٠ «طَرِيقاً كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثاً حَيّاً، بِٱلْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ».
يوحنا ١٠: ٩ و١٤: ٦ وص ٩: ٨ وص ٩: ٣
طَرِيقاً كَرَّسَهُ لَنَا أي أن الدخول إلى الأقداس السماوي المذكور في العدد السابق إنما هو على طريق كرسه لنا المسيح أي فتحه وجعله مشاعاً لكل الذين يريدون أن يُقبلوا إلى الله فيه. ثم لما ذكر في العدد السابق أن الدخول إلى الأقداس هو بدم المسيح كان الطريق المذكور هنا تفسيراً لقوله دم المسيح.
حَدِيثاً وصف للطريق بمعنى أنه كان حديث العهد وبعضهم يفهمون الكلمة بمعنى المقابلة للطريق القديم في العهد الأول وآخرون دوام الفاعلية فهو حديث أبداً لا يعتق ولا يضعف في فعله من توالي الزمان.
حَيّاً وصف ثان للطريق وهو يحتمل جملة معان. فقد يكون بمعنى أن هذا الطريق يوصل إلى الحياة وقد أثبت هذا التفسير ثيوفيلكتوس من النظر إلى العهد القديم لأن من اجتاز إلى قدس الأقداس إلا رئيس الكهنة كان يموت أي يقاص بالموت. وقد يكون بمعنى ثبوت الفعل أي دوامه كما يُراد بالماء الحي الذي يجري على الدوام ولا يجف في الحر. وقد يكون بمعنى الفاعلية لأن الحياة الأبدية لكل من يؤمن بالمسيح فدخل به إلى القدس الحقيقي وليس إلى ما يُرمز إليه.
بِٱلْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ أي كما أنه كان الاجتياز بالحجاب الفاصل قدس الأقداس عن القدس ضرورياً لرئيس الكهنة في العهد القديم كذلك الوصول إلى الله كان في العهد الجديد بواسطة جسد المسيح أي موته. وكما انشق حجاب الهيكل عند موت المسيح وكُشف قدس الأقداس (متّى ٢٧: ٥١) انفتح للخطأة الباب للوصول إلى الله بموت المسيح على الصليب ذبيحة عن الخطايا. ولا يخفى أن الكلام هنا مجازي مبني على الإشارات والرموز والأسماء التي كانت في العهد القديم.
٢١ «وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ ٱللّٰهِ».
ص ٤: ١٤ و١تيموثاوس ٣: ١٥
وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ ٱللّٰهِ عطف جملة على جملة والمعطوف عليه ما بعد «إذ» في (ع ١٩) والمعنى وإذ لنا كاهن عظيم الخ. قوله «كاهن عظيم» ترجمة حرفية فعن الأصل العبراني والمراد به رئيس الكهنة إلا إذا كان المراد هنا الكاهن العظيم الذي تمت فيه كل رموز الكهنوت اللاوي بقطع النظر عن رئاسة الكهنوت. قوله «بيت الله» أي بيته الروحي وهو شعب الله الذين يعرفونه ويخافونه ويقتربون إليه بالطريق الوحيد الذي أعلنه للناس. وهذا البيت هو ما تتألف منه كنيسة المسيح الروحية الحقيقية التي هو وحده يعرفها لأنه وحده يعرف من هم الذين له (يوحنا ١٠: ١١٤ و١٥ و٢تيموثاوس ٢: ١٩).
٢٢ «لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ ٱلإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ».
ص ٤: ١٦ أفسس ٣: ١٢ ويعقوب ١: ٦ و١يوحنا ٣: ٢١ ص ٩: ١٤ حزقيال ٣٦: ٢٥ و٢كورنثوس ٧: ١
لِنَتَقَدَّمْ إلى الله والعبارة مجازية مبنية على اقتراب الإسرائيليين من القدس حيث كان محضر الله.
بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ ٱلإِيمَانِ الصدق المنسوب هنا للقلب ضد المخادعة في الدين ومعناه الإخلاص. والقلب الجسدي هو مركز الحياة الجسدية والقلب الروحي هو مركز الحياة الروحية والمراد به عواطف الإنسان ومقاصده الداخلية الروحية فيجب أن تكون صادقة لأن الله يعرفها وينظر إليها لا إلى مجرد الكلام والفعل. وقوله «يقين الإيمان» من باب إضافة الصفة إلى الموصوف بمعنى الإيمان اليقين والمراد به ضد التردد في الإيمان والسقوط أخيراً في الكفر وعدم الشك بالوصول إلى الله بواسطة دم المسيح.
مَرْشُوشَةً أي مطهرة وهي عبارة مجازية مبنية على التطهير برش الدم وغيره في العهد القديم والمراد هنا التطهير بدم المسيح.
قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ أي ضمير مثقل بالشر ويحتمل أن يكون معنى الكلمة الأصلية الإحساس بالشر والمراد أن الإنسان يتخلص من تونيب الضمير وتثقله بالخطيئة ويشعر أن خطاياه مغفورة له بواسطة دم المسيح.
وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ عبارة أخرى مجازية مأخوذة من التطهير بالماء حسب الناموس الموسوي فيتطهر الإنسان كله ظاهراً وباطناً فتطهر أفكاره وعواطفه وكلامه وأفعاله أيضاً. وربما كانت الإشارة هنا إلى المعمودية المسيحية. وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها حسب الترجمة العربية وقد اختار بعضهم تعلّقها بالعدد التابع فيقدرون «إذ» ويسبكون العبارة هكذا وإذا اغتسلت أجسادنا بماء نقي لنتمسك بإقرار الرجاء الخ. واليوناني يحتمل هذا التركيب.
٢٣ «لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ ٱلرَّجَاءِ رَاسِخاً، لأَنَّ ٱلَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ».
ص ٤: ١٤ و١كورنثوس ١: ٩ و١٠: ١٣ و١تسالونيكي ٥: ٢٤ و٢تسالونيكي ٣: ٣ وص ١١: ١١
لِنَتَمَسَّكْ معطوف على الأصح على قوله «لنتقدم» في العدد السابق.
بِإِقْرَارِ ٱلرَّجَاءِ رَاسِخاً قوله «راسخاً» حال من «إقرار» والمعنى لنتمسك بالرجاء الذي نقر به الإقرار راسخاً أي وطيداً لا يتزعزع.
لأَنَّ ٱلَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ أي لما كان الذي وعد أميناً في إنجاز مواعيده وجب أن نتمسك برجائنا المسيحي غير متزعزعين عنه.
٢٤ «وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضاً لِلتَّحْرِيضِ عَلَى ٱلْمَحَبَّةِ وَٱلأَعْمَالِ ٱلْحَسَنَةِ».
وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضاً لِلتَّحْرِيضِ عَلَى ٱلْمَحَبَّةِ وَٱلأَعْمَالِ ٱلْحَسَنَةِ أي أنه يجب على المسيحيين أن يهتم بعضهم ببعض ولا سيما بالنظر إلى خيرهم الروحي وقد ذكر الكاتب جوهر الأمر في قوله «المحبة والأعمال الحسنة» لأن الإيمان المسيحي يفعل الحب ومن المحبة تصدر الأعمال الحسنة. وكانت هذه النصيحة مناسبة للعبرانيين خاصة لأنهم كانوا محاطين بأخطار المقاومة والارتداد فكان يجب عليهم أن يسهر بعضهم على بعض وأن يتحركوا للفضائل المسيحية التي تظهر منها قوة الحياة الروحية الباطنة. والجملة معطوفة على ما سبق من قوله «لنتقدم» (ع ٢٢) و «لنتمسك» (ع ٢٣) ولا يزال الكلام متعلقاً بقوله «وإذ لنا ثقة» الخ (ع ١٩) و «كاهن عظيم» الخ (ع ٢١).
٢٥ «غَيْرَ تَارِكِينَ ٱجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضاً، وَبِٱلأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ ٱلْيَوْمَ يَقْرُبُ».
أعمال ٢: ٤٢ وويهوذا ١٩ ورومية ١٣: ١١ وفيلبي ٤: ٥ و٢بطرس ٣: ٩ و١٠ و ١١ و١٤
غَيْرَ تَارِكِينَ ٱجْتِمَاعَنَا أي غير متهاملين عن الاجتماعات للصلاة لأن هذا هو مدلول الكلمة اليونانية.
كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ أي كما كان يتهامل بعض العبرانيين المؤمنين خوفاً من الاضطهاد.
بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضاً لوجوب الحضور للاجتماعات المذكورة والتحريض المذكور في العدد السابق.
وَبِٱلأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ ٱلْيَوْمَ يَقْرُبُ أي وعلى الخصوص يجب ذلك عليكم نظراً للأوقات الصعبة المقبلة على فلسطين. وهذا مما يؤيد القول بأن هذه الرسالة كُتبت ليهود فلسطين الذين كانوا قد آمنوا بالديانة المسيحية. والأوقات المشار إليها في النص بقوله «اليوم» هي على الأصح أوقات ضيقة اليهود العظيمة عند إخراب الرومانيين لأورشليم وجميع فلسطين الذي تم بعد زمان كتابة هذه الرسالة بقليل من الزمان. والحجة المبنية على ذلك كانت باعتبار أخطار الموت وانقلاب الأمور التي بالنظر إليها يجب على الإنسان أن يكون في حال يرضاها الله.
٢٦ «فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِٱخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ ٱلْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ ٱلْخَطَايَا».
لاويين ٤: ٢ وعدد ١٥: ٣٠ وص ٦: ٤ و٢بطرس ٢: ٢٠ و٢١
فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِٱخْتِيَارِنَا الخطيئة المشار إليها هنا هي الارتداد عن الديانة المسيحية بسبب الاضطهاد وقيّدها بقوله «باختيارنا» بناء على التمييز الموجود في العهد القديم بين الخطايا سهواً والخطايا بيد رفيعة أي بقصد ثابت لارتكابها لا بسبب التجربة القوية التي تستولي على الإنسان وتسوقه إلى الخطيئة.
بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ ٱلْحَقِّ أي بعد معرفتنا واقتناعنا بالديانة المسيحية الحقيقية.
لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ ٱلْخَطَايَا جواب الشرط. أي أنه إذا أنكر الإنسان الديانة المسيحية وترك رجاءه في المسيح لم يبق له ذبيحة أخرى تقدم عن خطاياه لأنه لا يوجد غيرها فالارتداد إذاً يؤدي إلى الهلاك. ويظهر من علاقة الكلام بما سبق أن الارتداد كثيراً ما ينشأ عن إهمال صلوات الاجتماع. وقال بعض الآباء المراد بقوله «لا تبقى ذبيحة» عدم إعادة معمودية المسيحيين الذي سقطوا وتابوا.
٢٧ «بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ ٱلْمُضَادِّينَ».
حزقيال ٣٦: ٥ وصفنيا ١: ١٨ و٣: ٨ و٢تسالونيكي ١: ٨ وص ١٢: ٢٩
بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ أي أن نتيجة الارتداد هو قبول دينونة الله في القصاص العادل.
وَغَيْرَةُ نَارٍ (صفنيا ١: ١٨) وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف والمعنى نار حارة شديدة ويحتمل أنه من باب إضافة الموصوف إلى الصفة بمعنى غيرة نارية.
عَتِيدَةٍ أي في اليوم الأخير.
أَنْ تَأْكُلَ ٱلْمُضَادِّينَ أي تهلك المضادين لله فإنه ينسب الأكل للنار بمعنى الإهلاك (تثنية ٣٢: ٢٢) والمراد بالمضادين لله المقاومون لديانة المسيح وصفاته وتعاليمه وامتداد ملكوته على الأرض.
٢٨ «مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ».
ص ٢: ٢ وتثنية ١٧: ٢ و٦ و١٩: ١٥ ومتّى ١٨: ١٦ ولوقا ٨: ١٧ و٢كورنثوس ١٣: ١
مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى مخالفة تستحق القتل بقصد ثابت أو بيد رفيعة (عدد ١٥: ٣٠ و٣١).
فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ أي إذا وُجد شهود ليس أقل من اثنين كان يعاقب المجرم بالقتل بدون رأفة بشرط أن يكون الذنب مستحقاً للموت. والذنب المشار إليه في هذا القول هو الارتداد عن الله إلى عبادة الأصنام كما يظهر من مراجعة (تثنية ١٧: ٢ - ٦) حيث يُذكر جميع الأحوال التي ذكرها الكاتب هنا. والحجة هنا من باب الانتقال من قول إلى قول أقوى كما يُرى من تمام العبارة في (ع ٢٩). ويُشاهد مثال هذه النتيجة في (ص ٢: ٢ و٣ و١٢: ٢٥).
٢٩ «فَكَمْ عِقَاباً أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقّاً مَنْ دَاسَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ، وَحَسِبَ دَمَ ٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِساً، وَٱزْدَرَى بِرُوحِ ٱلنِّعْمَةِ؟».
ص ٢: ٣ و١٢: ٢٥ و١كورنثوس ١١: ٢٩ وص ١٣: ٢٠ ومتّى ١٢: ٣١ و ٣٢ وأفسس ٤: ٣٠
فَكَمْ عِقَاباً أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقّاً في قوله «تظنون» يرفع الحكم إلى الذين يخاطبهم فكأنه يقول إن كان الإنسان الذي يرتد عن عبادة الله في العهد القديم يُعاقب بالموت فما تقولون في من يفعل هذا الفعل نفسه في العهد الجديد الأفضل ألا يستحق عقاباً أعظم من العقاب المرتب في العهد القديم. ثم يذكر الأحوال التي تجعل ذنبه عظيماً مستحقاً لعقوبة شديدة وهي كما يأتي.
مَنْ دَاسَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ عبارة مجازية تدل على الاحتقار العظيم والرفض للديانة المسيحية التي رأسها ومؤسسها ابن الله. هذا هو الوصف الأول للمرتد عن الديانة المسيحية والثاني قوله -
وَحَسِبَ دَمَ ٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِساً لما جدد بنو إسرائيل عهدهم مع الله رشّهم موسى بالدم (خروج ٢٤: ٨) وسمي ذلك «دم العهد» (انظر ص ٩: ١٩ و٢٠ من هذه الرسالة) وأما في العهد الجديد فلما تقدّس الإنسان بدم المسيح كان المرتد يحسب أن هذا الدم دنس أي بدون فاعلية لتطهير الإنسان. والوصف الثالث للمرتد عن الديّانة المسيحية هو قوله -
وَٱزْدَرَى بِرُوحِ ٱلنِّعْمَةِ أي بالروح الذي يهب النعم الروحية وهو روح الله القدوس. وقد يكون المراد الخطيئة ضد الروح القدس (متّى ١٢: ٣١). ومعنى جميع العبارة أن المرتد عن ديانة العهد القديم كان يُعاقب بالقتل فلما كان العهد الجديد هو المشار والمرموز إليه في القديم كان الإنسان الذي يرتد عن الديّانة المسيحية مستحقاً لعقاب أعظم لأنه يكون قد احتقر ابن الله ودمه الكريم الذي به يتطهّر الإنسان من خطاياه وروح النعم الذي يهب الخيرات الروحية.
٣٠ «فَإِنَّنَا نَعْرِفُ ٱلَّذِي قَالَ: لِيَ ٱلانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. وَأَيْضاً: ٱلرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ».
تثنية ٣٢: ٣٥ ورومية ١٢: ١٩ وتثنية ٣٢: ٣٦ ومزمور ٥٠: ٤ و١٣٥: ١٤
فَإِنَّنَا نَعْرِفُ ٱلَّذِي قَالَ أي إننا نعرف صدق الله في وعيده كما في وعده ولذلك يجب أن نخاف من القول التالي الذي يقتبسه الكاتب من (تثنية ٣٢: ٣٥).
لِيَ ٱلانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي وفي العبراني «لي النقمة والمجازاة». وهذا القول المنسوب إلى الله هو من باب المجاز به يُنسب إلى الله ما يحسّ به الإنسان كما قيل مثلاً في الله أنه ندم وهو لا يندم والمراد هنا أن الله يفعل ما يشبه فعل الإنسان حين ينتقم من آخر ويجري عليه شراً فإنه تعالى يجري القصاص والشر على المذنب. ثم في تقديم المجرور على ما يتعلق به ما يسميه البيانيون القصر فيفهم كثيرون العبارة بمعنى أن لله وحده الانتقام فلا يجوز ذلك للإنسان وهكذا نقتبس كثيراً بين العامة ولكن هذا المعنى لا يُستفاد من الأصل كما يُرى من القرينة ولو كان المعنى صحيحاً في ذاته.
يَقُولُ ٱلرَّبُّ عبارة من الكاتب غير موجودة في الأصل.
وَأَيْضاً أي إن ما يتلو اقتباس آخر.
ٱلرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ (تثنية ٣٢: ٣٦ ومزمور ١٣٥: ١٤) فإن كان من الأول فقوله «أيضاً» لفصل هذا الاقتباس عن قوله «لي النقمة» الخ بكلام متوسط في الأصل لم يذكره الكاتب. وإن كان من الثاني فسبب قوله «أيضاً» يكون ظاهراً. ومعنى «يدين» هنا إجراء الدينونة والقصاص على المذنبين ولو كانوا من شعبه وتكملة الجملة في (تثنية ٣٢: ٣٦) «الرب يدين شعبه وعلى عبيده يشفق» أي دينونة الرب على أعدائه ولشعبه. ولكن تصح النتيجة أنه يعامل شعبه معاملة الأعداء إذا ارتدوا عنه.
٣١ «مُخِيفٌ هُوَ ٱلْوُقُوعُ فِي يَدَيِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ!».
لوقا ١٢: ٥
مُخِيفٌ هُوَ ٱلْوُقُوعُ فِي يَدَيِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ أي الوقوع تحت قصاصه الرهيب فيجب على الإنسان إذاً الحذر من تحريك قصاص الله العادل الرهيب عليه. ولا مناقضة بين هذه العبارة وقول داود «أَسْقُطْ فِي يَدِ ٱلرَّبِّ لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ، وَلاَ أَسْقُطُ فِي يَدِ إِنْسَانٍ» (١أيام ٢١: ١٣) لأن سقوط المؤمن في يدي الله رحمة وأما سقوط الشرير في يديه تعالى فغضب مخيف.
٣٢ «وَلٰكِنْ تَذَكَّرُوا ٱلأَيَّامَ ٱلسَّالِفَةَ ٱلَّتِي فِيهَا بَعْدَمَا أُنِرْتُمْ صَبِرْتُمْ عَلَى مُجَاهَدَةِ آلاَمٍ كَثِيرَةٍ».
غلاطية ٣: ٤ و٢يوحنا ٨ ص ٦: ٤ وفيلبي ١: ٢٩ و٣٠ وكولوسي ٢: ١
في هذه الآية وما يليها يذكر الكاتب أمراً جديداً لتحريض العبرانيين على الثبات في الإيمان فإنه في ما سبق ان يتكلم في وجوب الثبات من جهة المواعيد في العهد الجديد والنتائج المخيفة للذين يرتدون عن الديانة المسيحية وأما هنا فيذكرهم باحتمالهم السابق وثباتهم في الضيقات الكثيرة ويحثهم على ملازمة إيمانهم لكي لا يخسروا أتعابهم التي احتملوها لأجل المسيح والتي لها مجازاة عظيمة في السماء.
وَلٰكِنْ حرف انتقال هنا فإن الكاتب ينتقل من الكلام على الارتداد ومخاوفه إلى الكلام على وجوب الثبات باعتبار تصرفهم السابق.
تَذَكَّرُوا ٱلأَيَّامَ ٱلسَّالِفَةَ أي ما مضى من الزمان والفعل في اليوناني بمعنى التذكر الدائم.
ٱلَّتِي فِيهَا بَعْدَمَا أُنِرْتُمْ أي تنورتم بتعاليم الحق والإنجيل.
صَبِرْتُمْ عَلَى مُجَاهَدَةِ آلاَمٍ كَثِيرَةٍ أي اضطهادات حصلت لهم بسبب اتّباعهم للديانة المسيحية. ومعنى العبارة لا تخافوا من الاضطهاد في المستقبل بل اذكروا الزمان الذي مرّ فيه عليكم مثل ذلك وبقيتم ثابتين في إيمانكم فافعلوا الآن كما فعلتم سابقاً. وأما قوله مجاهدة الآلام فيفسره العدد التالي.
٣٣ «مِنْ جِهَةٍ مَشْهُورِينَ بِتَعْيِيرَاتٍ وَضِيقَاتٍ، وَمِنْ جِهَةٍ صَائِرِينَ شُرَكَاءَ ٱلَّذِينَ تُصُرِّفَ فِيهِمْ هٰكَذَا».
١كورنثوس ٤: ٩ وفيلبي ١: ٧ و٤: ١٤ و١تسالونيكي ٢: ١٤
مِنْ جِهَةٍ مَشْهُورِينَ بِتَعْيِيرَاتٍ وَضِيقَاتٍ أي ما أصابكم كان منه شيء أنكم شُهرتم للاحتقار وافتخار الأعداء لما احتملتم تعييرات وضيقات من المضادين للإنجيل. والكلمة اليونانية تفيد القصاص المشهر في الملاعب.
وَمِنْ جِهَةٍ أي مما أصابكم أيضاً.
صَائِرِينَ شُرَكَاءَ ٱلَّذِينَ تُصُرِّفَ فِيهِمْ هٰكَذَا أي شاركتم إخوانكم في الإيمان في المصائب التي احتملوها فيحتمل أن يكون المعنى أنكم حزنتم على أحزانهم وأصبتم في مصائبهم أو أن المصائب والتعييرات والضيقات المذكورة قبلاً حلت بكم أيضاً والأول هو الأفضل لأن ما احتملوه من الجهة الثانية كان غير ما احتملوه من الجهة الأولى.
٣٤ «لأَنَّكُمْ رَثَيْتُمْ لِقُيُودِي أَيْضاً، وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ، عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالاً أَفْضَلَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَبَاقِياً».
تيطس ١: ٧ و٢تيموثاوس ١: ١٦ ومتّى ٥: ١٢ وأعمال ٥: ٤١ ويعقوب ١: ٢ ومتّى ٦: ٢٠ و١٩: ٢١ ولوقا ١٢: ٣٣ و١تيموثاوس ٦: ١٩
لأَنَّكُمْ رَثَيْتُمْ لِقُيُودِي أَيْضاً قراءة «قيودي» هنا ضعيفة والأصح بدون الضمير بمعنى المأسورين أو المقيدين أي كنتم شركاء الذين أصابهم ما أصابكم لأنكم رثيتم للمقيدين لأجل الحق فتكون هذه العبارة تفسيرية لما سبق في العدد الماضي.
وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ هذا كان من جملة الضيقات المذكورة في العدد السابق التي احتملوها والكاتب يقول أنهم قبلوا خسارة أموالهم بكل رضى.
عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالاً أَفْضَلَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَبَاقِياً أي وسبب قبولكم تلك الخسارة برضى وفرح هو أنكم مقتنعين بأن لكم مالاً وثروة في السماوات أفضل وأبقى من أموالكم وثروتكم الأرضية فلم تسألوا عن هذه بل كان رجاؤكم وفرحكم في تلك. وتُرك في بعض النسخ القديمة الكلمتان «في السموات» فيكون المعنى أن لهم ما هو أفضل من المال وبلا تقييد في زمان ومكان. انظر قول يسوع (مرقس ١٠: ٣٠) «يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ ٱلآنَ فِي هٰذَا ٱلّزَمَانِ... وَفِي ٱلدَّهْرِ ٱلآتِي ٱلْحَيَاةَ ٱلأَبَدِيَّةَ» (مرقس ١٠: ٣٠).
٣٥ «فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ ٱلَّتِي لَـهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ».
متّى ٥: ١٢ و١٠: ٣٢
فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ أي رجاءكم بالمسيح ويقينكم بأن لكم ما هو أفضل وأبقى من المال في الزمان الحاضر وفي السماوات.
ٱلَّتِي لَـهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ أي للثقة فإن الله يطلب منا الإيمان والاتكال الدائم عليه ومن يفعل ذلك يجازيه الله. وهكذا من يخسر شيئاً لأجل المسيح في هذه الحياة فإنه ينال عوضاً عنه أضعاف كثيرة.
٣٦ «لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى ٱلصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ ٱللّٰهِ تَنَالُونَ ٱلْمَوْعِدَ».
لوقا ٢١: ١٩ وغلاطية ٦: ٩ وص ١٢: ١ وكولوسي ٣: ٢٤ وص ٩: ١٥ و١بطرس ١: ٩
لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى ٱلصَّبْرِ أي أنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الضيقات في الإيمان عليكم بدون صبر لأنها كانت كثيرة وصعبة.
حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ ٱللّٰه على الخصوص من جهة الثبات في الإيمان بالمسيح والإقرار به جهراً أمام الناس.
تَنَالُونَ ٱلْمَوْعِدَ أي الشيء الموعود به من الحياة الأبدية والمجازاة السماوية لا نفس الوعد لأن هذا كانوا قد نالوه قبل الرسالة بل هو دائماً نصيب المسيحي بالحق وأما الوصول إلى غاية المواعيد فذلك إنما يكون في السماء.
٣٧ «لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيلٍ جِدّاً سَيَأْتِي ٱلآتِي وَلاَ يُبْطِئُ».
إشعياء ٢٦: ٢١ ولوقا ١٨: ٨ و٢بطرس ٣: ٩ وحبقوق ٢: ٣ و٤
لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيلٍ جِدّاً سَيَأْتِي ٱلآتِي وَلاَ يُبْطِئُ ظاهر العبارة اقتباس من حبقوق النبي (ص ٢: ٣) غير أن المعنى في النبي المذكور يتجه إلى الضيقة المقبلة على اليهود من الكلدانيين والمعنى هنا يتجه إلى خراب أورشليم وتلاشي قوة اليهود حتى يتخلص المسيحيون من اضطهاداتهم فكان في ذلك ما يحرك العبرانيين للصبر في الشدة لأن زمانها كان ينتهي عند نهاية سلطة اليهود. وربما استخدم الكاتب كلام حبقوق لحالة شبيهة بالحالة التي كان يشير إليها النبي فلم يقصد تثبيت قرب زمان الخراب المقبل على اليهود بل مناسبة كلام النبي لحالة اليهود في زمان الكاتب.
٣٨ «أَمَّا ٱلْبَارُّ فَبِٱلإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ٱرْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي».
رومية ١: ١٧ وغلاطية ٣: ١١
أَمَّا ٱلْبَارُّ فَبِٱلإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ٱرْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي وهذه أيضاً بحسب الظاهر عبارة منقولة عن حبقوق (ص ٢: ٤) أما الجزء الأول منها وهو قوله «إن البار بالإيمان يحيا» فنقل حرفي وليس كذلك الجزء الأخير وهو قوله «وإن ارتد لا تسرّ به نفسي» لأنه لا يوجد في الأصل التي عبارته مقدمة على الجزء الأول في الاقتباس وهي قوله «هوذا منتفخة غير مستقيمة نفسه فيه». والظاهر أن الكاتب نقل المعنى المراد لا العبارة الحرفية وقد يحتمل أن قوله «وإن ارتد لا تسرّ به نفسي» منه بدون التفات لقول النبي. وخلاصة الأمر أن الكاتب يقول أن الإنسان بثباته في الإيمان يتبرر ويحيا فإذا أتته المقاومة وارتد بها لا يرضى الله عليه بل يتركه.
٣٩ «وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ ٱلارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ ٱلإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ ٱلنَّفْسِ».
٢بطرس ٢: ٢٠ و٢١ وأعمال ١٦: ٣٠ و٣١ و١تسالونيكي ٥: ٩ و٢تسالونيكي ٢: ١٤
وَأَمَّا نَحْنُ المؤمنون الذين جمع الكاتب نفسه إليهم لتلطيف الخطاب.
فَلَسْنَا مِنَ ٱلارْتِدَادِ أي من الذين يرتدون عن الديانة لعدم ثباتهم.
لِلْهَلاَكِ فإنهم يهلكون.
بَلْ مِنَ ٱلإِيمَانِ أي من أصحاب الإيمان.
لاقْتِنَاءِ ٱلنَّفْسِ أي الخلاص فإنه نقيض الهلاك الذي هو نصيب المرتدين.
فوائد



  • لم تكن الذبائح في العهد القديم كفارة عن الخطيئة بل رمزاً للكفارة الحقيقية التي قدمها المسيح بذبيحته على الصليب. ولم تكن تقدم لأجل مخالفة الشريعة الأدبية المضمّنة في الوصايا العشر بل لأجل مخالفة وصايا الشريعة الطقسية أو المدنية المبنية على التمييز بين الحلال والحرام أي الطاهر والنجس. فكانت النجاسات الشرعية دليلاً على النجاسة الأدبية التي التطخ بها جميع الجنس البشري وابتعادهم عن الله وسقوطهم تحت طائلة القصاص الشرعي وكانت ذبائح الحيوانات التي وُضعت لأجل التطهير الشرعي أو الطقسي دليلاً على ذبيحة المسيح التي وُضعت لأجل تطهير الإنسان من أدناس الخطيئة أي لأجل خلاصه من عقابها وتوبيخ الضمير وسلطان الإثم في النفس.
  • اجتماع الجمهور للصلاة في المعابد المقامة لذلك من الأمور الجوهرية وحرمان الإنسان نفسه عن وسائط النمو والتقدم في القداسة. بل قد يؤدي ذلك إلى الارتداد عن الديانة وهلاك النفس.
  • إن بيان الخطر العظيم الناشئ من ارتداد الإنسان عن الديانة هو من الوسائط الفعالة لتنبيه المسيحيين وابتعادهم عن كل ما يسوق الإنسان إليه. ولذلك كان من الواجب عليه أن يطلب من الله على الدوام نعمة الثبات التي وعد بها تعالى جميع الذين يطلبونها بالحق.
  • النفس موضوع الحياة والخلاص. والإيمان يخلصها لأنه يربطها بالله الحي ينبوع الحياة. والإنسان غير المؤمن يخسر نفسه لأنها لما لم تكن لله لم تكن له أيضاً فتعدم الحياة وتسقط تحت غضب الله وتحتمل جميع ما يؤدي إليه الابتعاد عنه تعالى.




اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي عَشَرَ


لما ذكر الكاتب الإيمان في نهاية (ص ١٠) وقال إنه صفة الذين يثبتون في الديانة المسيحية (وأما نحن فلسنا من الارتداد للهلاك بل من الإيمان لاقتناء النفس) أتى هنا للكلام في حقيقة الإيمان. وبعد أن عرّفه بقوله إنه «الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى» ذكر أنه كان صفة رجال الله في العهد القديم وقدم أمثلة كثيرة له يظهر منها أن الإيمان لا يُقتصر على المعتقد ولكنه يستولي على أعمال الإنسان ويسوقه إلى طاعة الله والسيرة الحسنة. وقد أظهر أيضاً في الأمثلة المذكورة عمل الإيمان في تقوية رجال الله وتنشيطهم ونصرهم في وسط التجارب والضيقات والمصاعب التي أحاطت بهم (ع ١ - ٣١) ثم ينتهي بجملة على غاية ما يكون من الفصاحة يجمع فيها أعمال الإيمان العظيمة التي أتوا بها والتي لم يمكنه الزمان من ذكرها فرداً فرداً (ع ٣٢ - ٤٠) وكانت غايته في كل ذلك حث العبرانيين على الاقتداء بالذين أشار إليهم في إيمانهم وثباتهم إلى النهاية ونيلهم الجزاء الصالح.
١ «وَأَمَّا ٱلإِيمَانُ فَهُوَ ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَٱلإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى».
رومية ٨: ٢٤ و٢٥ و٢كورنثوس ٤: ١٨ و٥: ٧
وَأَمَّا ٱلإِيمَانُ فَهُوَ ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى أي أن الإنسان يعتقد اعتقاداً وثيقاً نيل أمر يرجوه. ويمتاز عن الرجاء فإننا نرجو نيل خيرات في المستقبل ولكننا نؤمن بأننا أخذناها في الوقت الحاضر وبالإيمان نحققها فتصير الأمور المستقبلة كأنها حاضرة.
والإيمان الموصوف هنا يمتاز عن الإيمان بيسوع المسيح وهو النعمة الخلاصية التي بها نقبل المسيح كما هو مقدم لنا في الإنجيل ونتكل عليه وحده للخلاص فإن الإيمان هنا ما ظهر في حياة الأفاضل القدماء وأعمالهم وهو تيقن أمور مستقبلة فحققوها وفضلوها على أمور العالم الزائلة.
وَٱلإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى أي أن يؤمن إيماناً ثابتاً بوجود أشياء لا يراها بعينه. هذا نظراً إلى المعنى الثاني للإيقان وأما المعنى الأول فهو البرهان والحجة القاطعة ومن ذلك أتى المعنى المذكور في العدد أي الإيقان وهو حالة في العقل ناتجة عن فعل البرهان القاطع. ولا يختلف هذا الحد عن تعريف العلماء للإيمان بأنه التصديق المبني على الشهادة لا على الحواس لأن الكاتب يقول أن الإيمان هو الثقة بما يرجوه وهو لا يراها فخرج بهذا القيد ما كان الإنسان حاصلاً عليه أو ما كان يراه ولما كان موضوع الإيمان ما يُرجى وما لا يُرى عُرف أنه مبني على شهادة الغير لنا لا على شهادة حواسنا. وعلى ذلك يكون الإيمان بالله مثلاً الإيقان بوجوده بناء على شهادة أعماله تعالى والإيمان بقيامة الموتى اليقين المبني على شهادة الله لنا في كتابه والإيمان بالسماء التي نرجوها ولا نراها الإيقان بوجودها بناء على شهادة الكتب لها.
٢ «فَإِنَّهُ فِي هٰذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ».
عدد ٣٩
فَإِنَّهُ فِي هٰذَا أي في الإيمان المذكور في العدد السابق.
شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ شهادة حسنة لأن الكلمة الأصلية كثيراً ما تأتي بهذا المعنى ومعنى «القدماء» رجال الله الصالحين الذين كانوا مدة العهد القديم. ومعنى جميع العبارة أنهم قد اشتهروا بالإيمان ومُدحوا لأجله. والكاتب يذكر أمثلة لذلك في ما يأتي.
٣ «بِٱلإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ ٱلْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ».
تكوين ١: ١ ومزمور ٣٣: ٦ ويوحنا ١: ٣ وص ١: ٢ و٢بطرس ٣: ٥
بِٱلإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ ٱلْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ أي لما لم نكن مشاهدين خلقة الله للموجودات كانت معرفتنا بذلك من فعل الإيمان فهو شاهد واضح لقوله في (ع ١) أن الإيمان هو الإيقان بأمور لا تُرى وليس المراد بقوله «العالمين» إثبات قول من يقول إن عالمنا واحد بين عوالم كثيرة كالنجوم التي يظن بعض العلماء أنها مسكونة بل معناه عالم الوجود الممتد إلى أباعد الكون. وقوله «بكلمة الله» أي بأمره تعالى لما قال لها «كوني فكانت». وقوله «أتقنت» يعم الإيجاد من العدم أولاً ثم الإتقان والتجهيز هلى هيئتها الحاضرة بدليل العبارة الآتية.
حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ أي بحيث أن الأشياء المنظورة لم تتكون من أشياء أخر أزلية لا بداءة لها كما كان يقول الفلاسفة القدماء بقدم الهيولي بل إنما نفهم بالإيمان أن الله خلقها من العدم ثم أتقنها على هيئتها الحاضرة. وفي هذا العدد بدأ الكاتب يذكر الإيمان العام بالله الخالق ولم يذكر إيمان أبوينا الأولين لأنه لم يرد شيء من هذا القبيل في الكتب. وبعد ذلك يذكر القدماء الذين اشتهروا بالإيمان حسب ترتيبهم التاريخي.
٤ «بِٱلإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلّٰهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ، فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ ٱللّٰهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!».
تكوين ٤: ٤ و١يوحنا ٣: ١٢ وتكوين ٤: ١٠ ومتّى ٢٣: ٣٥ وص ١٢: ٣٤
بِٱلإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلّٰهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ هذا هو المثل الأول الذي ذُكر على الإيمان وهو شاهد عليه لأن ذبيحة هابيل إذ تقدمت بالإيمان كانت أفضل من تقدمة قايين التي كانت بغير إيمان وقدم هابيل من أبكار غنمه وسمانها وأما قايين فقدم قربانه من أثمار الأرض. وقد اختلفوا من جهة العلة لفضل ذبيحة هابيل على تقدمة قايين فقال بعض لأن ذبيحة هابيل كانت تقدمة ينظر فيها إلى الترضية عن الخطيئة والإشارة إلى ذبيحة المسيح المبني عليها القبول لدى الله وأما تقدمة قايين فلم تكن كذلك. ولعل الله كان قد أمر الناس بتقديم ذبائح وأطاع هابيل أمره وأما قايين فقدم حسب استحسانه أي من أثمار الأرض على خلاف أمر الله. وقال غيرهم إن فضل الواحدة على الأخرى كان عائداً إلى النية فقدم هابيل بنية مقبولة لدى الله الفاحص القلوب والعالم بالنوايا وهي الحالة التي سُميت هنا «الإيمان» وأما تقدمة قايين فكانت بغير إيمان لأن نيته وحالة قلبه وإحساساته على الجملة لم تكن مرضية لله.
فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ ٱللّٰهُ لِقَرَابِينِهِ الباء في قوله «فبه» سببية والمعنى أنه بسبب إيمانه شُهد له أنه مؤمن بالله ويخافه تعالى والدليل على ذلك أن الله شهد لقرابينه بأنها مقدمة على طريقة يرضى الله بها لأنه تعالى قبلها. ولم يُذكر في الخبر (تكوين ٤: ٤) كيف ظهر قبوله تعالى لها إلا أن القرينة تُفهم أن ذلك كان باحتراقها بنار نزلت من السماء كما كان يحدث في مثل هذه الأحوال (انظر لاويين ٩: ٢٤ وقضاة ٦: ٢١).
وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ أي وبإيمانه لا يزال هابيل ولو كان قد مات يتكلم للذين بعده إذ يقدم لهم مثال الإيمان وشاهداً على أن الله لا ينظر إلى التقدمات الخارجة إذا لم يصاحبها نية صالحة وخشية منه تعالى. وقال بعضهم إن الإشارة في قوله «وبه وإن مات يتكلم بعد» هي إلى قوله «صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ ٱلأَرْضِ» (تكوين ٤: ١٠) وإن الكاتب يعيد المعنى في قوله (ص ١٢: ٢٤) «وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ». وعلى ذلك يكون المراد أن موت هابيل شهيداً يكلم المؤمنين ويحثهم إلى اثبات في الإيمان والطاعة لله.
٥ «بِٱلإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى ٱلْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ ٱللّٰهَ نَقَلَهُ إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى ٱللّٰهَ».
تكوين ٥: ٢٢ و٢٤
بِٱلإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى ٱلْمَوْتَ أي إن الله نقل أخنوخ من هذه الحياة بدون أن يرى الموت لسبب إيمانه بالله وسيرته الصالحة الصادرة عن إيمان صحيح بالله. وأما نقله بدون موت فمبني على عبارة الكتاب «أخذه الله» التي فهمها جميع المفسرين قديماً وحديثاً يهوداً ومسيحيين بمعنى انتقاله بدون موت.
ذكر الكتاب اثنين فقط انتقلا بدون موت وهما أخنوخ وإيليا. ولا نقول أن الانتقال هكذا ينتج ضرورة عن الإيمان لأن كثيرين آمنوا كما آمنا وماتوا. ولكن جميع المؤمنين يحققون أمور الأبدية وهم أحياء فإيمانهم هو الانتقال الروحي الحقيقي الذي رمز إليه انتقال أخنوخ وإيليا الجسدي.
وَلَمْ يُوجَدْ أي اختفى عن الأرض بغتة ولم يُشاهد بعد ذلك بين الناس.
لأَنَّ ٱللّٰهَ نَقَلَهُ من هذه الدنيا إلى الآخرة ومن الفساد إلى عدم الفساد.
إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى ٱللّٰهَ لأنه قيل أن «أخنوخ سار مع الله» (تكوين ٥: ٢٤) أي أنه لما كان أخنوخ سائراً مع الله ومرضياً له كان ذلك دليلاً على إيمانه به تعالى الذي لا يتأنى أن يرضي الله بدونه كما يظهر في العدد التابع.
٦ «وَلٰكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ ٱلَّذِي يَأْتِي إِلَى ٱللّٰهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي ٱلَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ».
وَلٰكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ الكلام هنا على هيئة قضية أولية لا تحتمل الشبهة كقوله «ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا ٱللّٰهَ» (رومية ٨: ٨) ولما كان ذلك غير ممكن وكان أخنوخ مرضياً لله لزم من ذلك أنه كان مؤمناً فإن الإيمان يسبق السيرة الصالحة المرضية.
لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ ٱلَّذِي يَأْتِي إِلَى ٱللّٰهِ في العبادة والاتكال والخدمة أو يقترب منه تعالى لينال مغفرته ورضاه.
يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وإلا كيف يأتي وإن أتى رياء كيف يقبله الله.
وَأَنَّهُ يُجَازِي ٱلَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ في الصلاة والخدمة له. وعلى ذلك يكون الإيمان بوجود الله وعنايته الأساس المبني عليه جميع الواجبات الدينية وإرضاؤه تعالى فهو للمؤمن كما عرفه الكاتب «ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَٱلإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى» (ع ١) والأجر حسب الإيمان أجر هو بالأمور غير المنظورة أي الفضائل الروحية الداخلية وليس بالخيرات الجسدية الخارجية.
قيل إن المؤمنين يطلبون الله لا الأجر فيعطيهم نفسه وهو أعظم أجر ويعطيهم أيضاً ما لم يطلبوه ولم يفتكروا فيه أي جميع الخيرات. ونستنتج من هذا إن الله لم يُظهر نفسه لأخنوخ قبل انتقاله فآمن كما يؤمن غيره من المؤمنين بمن لم يره.
٧ «بِٱلإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكاً لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ ٱلْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثاً لِلْبِرِّ ٱلَّذِي حَسَبَ ٱلإِيمَانِ».
تكوين ٦: ١٣ و٢٢ و١بطرس ٣: ٢٠ ورومية ٣: ٢٢ و٤: ١٣ وفيلبي ٣: ٩
بِٱلإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ (تكوين ٦: ١٣) وكانت هذه الأمور التي أُوحيت إلى نوح أن الله كان مزمعاً أن يهلك العالم بالطوفان وكان هذا الوحي له قبل الطوفان بمئة وعشرين سنة فلم يكن يراه لما آمن بكلمة الله وجّهز طريقاً للخلاص من الغرق.
خَافَ من غضب الله الذي كان مزمعاً أن يفتقد الناس.
فَبَنَى فُلْكاً كما أمره تعالى وبناء على إيمانه بحكمة الله.
لِخَلاَصِ بَيْتِهِ أي لنجاته مع أهل بيته من الطوفان. وظهرت عظمة إيمان نوح بما يأتي (١) إنه كان مؤمناً وحده دون غيره في كل العالم. (٢) إنه ثبت في إيمانه مدة مئة وعشرين سنة على رغم ازدراء العالم. (٣) إنه لم يكن لإيمانه أساس إلا مجرد كلمة الله.
فَبِهِ دَانَ ٱلْعَالَمَ أي بإيمانه بوعيد الله دان العالم لما أخذ يبني الفلك مدة مئة وعشرين سنة وأهل العالم أي الخطأة متوغلون في الخطيئة والكفر والاستهزاء به على عمله ونظره للمستقبل فكانت سيرته هذه الناتجة عن إيمانه شهادة على العالم بكفرهم وعدم اكتراثهم بإنذاره. ودان العالم لأنه برهن بنجاته أنه كان يمكنهم الخلاص أيضاً لمن آمنوا كما آمن هو.
وَصَارَ وَارِثاً لِلْبِرِّ أي حصل على التبرير أمام الله حتى عامله الله كأنه بار فلم يحسب عليه خطيئة.
ٱلَّذِي حَسَبَ ٱلإِيمَانِ أي البر أو التبرير الذي يناله الإنسان من الله إنما هو بواسطة الإيمان أو بالنطر إليه. ولما كان هذا هو نفس التبرير الذي يناله الإنسان بإيمانه بالمسيح نتج من ذلك أن الخاطئ يتبرر بالإيمان بما يعلنه الله فلم يكن يلزم معرفة المسيح لتبرير نوح بل كفاه أن يؤمن بما أوحى الله إليه. إلى هنا ذكر الكاتب الذين اشتهروا بالإيمان قبل الطوفان والآن يأتي إلى الذين كانوا بعده.
٨ «بِٱلإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثاً، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي».
تكوين ١٢: ١ و٤ وأعمال ٧: ٢ إلى ٤
بِٱلإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ كان موطن إبراهيم بين النهرين فلما دعاه الله ليخرج منه ويترك شعبه ويذهب إلى أرض كنعان وهي المشار إليها بقوله -
إِلَى ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثاً أطاع إبراهيم الأمر لسبب إيمانه بالله إيماناً كان يسوقه إلى طاعته تعالى على أنه لم يُوعد بأن نسله يرث الأرض المذكورة إلا بعد وصوله إليها (تكوين ١٢: ٧).
فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي أي إلى أرض غريبة لم يعرفها قبلاً وكان هذا الأمر دليلاً على قوة إيمان إبراهيم. وأشبهت أحوال المخاطبين في هذه الرسالة أحوال إبراهيم فإنهم كانوا مدعوين من الله أن يخرجوا من المذهب اليهودي ويدخلوا المذهب المسيحي فكان عليهم أن يطيعوا دعوة الله وهم غير عارفين ما يصيبهم من الاضطهاد والتجارب.
٩ «بِٱلإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ ٱلْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِناً فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ٱلْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهٰذَا ٱلْمَوْعِدِ عَيْنِهِ».
تكوين ١٢: ٨ و١٣: ٣ و١٨ و١٨: ١ و٩ وص ٦: ١٧
بِٱلإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ ٱلْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ أي أن إبراهيم جاور تلك الأرض غريباً فيها مؤمناً بوعد الله أنها ستكون له ولذريته.
سَاكِناً فِي خِيَامٍ أي عائشاً فيها عيشة الغريب لأنه لم يكن فيها حينئذ ملك.
مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ٱلْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهٰذَا ٱلْمَوْعِدِ عَيْنِهِ فإن الوعد كان له ولذرّيته فأقاموا فيها إقامة الغرباء وسكنوا في خيام لا في بيوت إشارة إلى غربتهم.
١٠ «لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ ٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي لَهَا ٱلأَسَاسَاتُ، ٱلَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا ٱللّٰهُ».
ص ١٢: ٢٢ و١٣: ١٤ ورؤيا ٢١: ١٩ و٢٠ وص ٣: ٤ ورؤيا ٢١: ٢ و١٠
لأَنَّهُ حرف تعليلي للدلالة على أن السبب الذي لأجله رضي إبراهيم أن يتغرب عن أرضه ويعيش عيشة الغرباء إنما كان ما ذكره في العبارة التالية.
كَانَ يَنْتَظِرُ ٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي لَهَا ٱلأَسَاسَاتُ، ٱلَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا ٱللّٰهُ وهذا الوصف لا يصح على أورشليم الأرضية كما يصح على أورشليم السماوية ولذلك يجب فهم القول أن إبراهيم إذ كان مؤمناً بالله والآخرة أطاعه تعالى لما أمره بالخروج من أرضه والتغرب في أرض غريبة غير مبال بالمشقات التي أكسبته إياها الغربة لأن قلبه لم يكن في هذه الدنيا بل في السماء. وكان هذا الإيمان متسلطاً على حياته وأعماله فرضي أن يسكن في الخيام لسبب إيمانه بالوصول إلى المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله.
١١ «بِٱلإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضاً أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْلٍ، وَبَعْدَ وَقْتِ ٱلسِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ ٱلَّذِي وَعَدَ صَادِقاً».
تكوين ١٧: ١٩ و١٨: ١١ و١٤ و٢١: ٢ ولوقا ١: ٣٦ ورومية ٤: ٢١ وص ١٠: ٢٣
بِٱلإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضاً أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْلٍ بحسب الظاهر هذا القول مخالف للواقع كما نرى في الخبر (تكوين ١٨: ١٢) حيث قيل أن سارة ضحكت لما سمعت قول الملاك لإبراهيم «ويكون لسارة امرأتك ابن» ولكنه بحسب الظاهر فقط لأن بعد الوهلة الأولى من الريبة التي داخلتها من أن امرأة في سنها تحمل وتلد يظهر أنها آمنت بوعد الله لها. قوله «سارة نفسها أيضاً» أي بالنظر إلى كبر سنها وخرق العادة في حملها وولادتها أو بالنظر إلى كونها شريكة إبراهيم في إيمانه. قوله «أخذت قدرة» الخ يدل على أن ما حصل من هذا القبيل كان على سبيل المعجزة.
وَبَعْدَ وَقْتِ ٱلسِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ ٱلَّذِي وَعَدَ صَادِقاً أي وبعد أنها فاتت الزمان الذي فيه تحمل النساء وتلد حملت وولدت بقدرة الله لأنها آمنت بصدق مواعيده تعالى.
١٢ «لِذٰلِكَ وُلِدَ أَيْضاً مِنْ وَاحِدٍ، وَذٰلِكَ مِنْ مُمَاتٍ، مِثْلُ نُجُومِ ٱلسَّمَاءِ فِي ٱلْكَثْرَةِ، وَكَالرَّمْلِ ٱلَّذِي عَلَى شَاطِئِ ٱلْبَحْرِ ٱلَّذِي لاَ يُعَدُّ».
رومية ٤: ١٩ وتكوين ٢٢: ١٧ ورومية ٤: ١٨
لِذٰلِكَ أي لسبب إيمان سارة وإبراهيم والأعجوبة التي أجراها الله فيهما.
وُلِدَ أَيْضاً مِنْ وَاحِدٍ أي من شخص واحد والمراد إبراهيم.
وَذٰلِكَ مِنْ مُمَاتٍ أي من شخص كأنه ميت لأن إبراهيم كان ابن مئة سنة حين وُلد إسحاق.
ُمِثْلُ نُجُومِ ٱلسَّمَاءِ فِي ٱلْكَثْرَةِ، وَكَالرَّمْلِ ٱلَّذِي عَلَى شَاطِئِ ٱلْبَحْرِ ٱلَّذِي لاَ يُعَدّ عبارة مبالغة تدل على كثرة الذرّية التي وُلدت من إبراهيم والمبالغة كثيرة الاستعمال في اللغات الشرقية (يوحنا ٢١: ٢٥).
١٣ «فِي ٱلإِيمَانِ مَاتَ هٰؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا ٱلْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى ٱلأَرْضِ».
ع ٣٩ ويوحنا ٨: ٥٦ وع ٢٧ وتكوين ٢٣: ٤ و٤٧: ٩ و١أيام ٢٩: ١٥ ومزمور ٣٩: ١٢ و١٩: ١٩ و١بطرس ١: ١٧ و٢: ١١
فِي ٱلإِيمَانِ مَاتَ هٰؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ أي إبراهيم وسارة ويعقوب المذكورون في الأعداد السابقة.
وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا ٱلْمَوَاعِيدَ أي إنهم ماتوا على الإيمان مع أنهم لم ينالوا المواعيد بل نالها نسلهم. هذا إذا كانت المواعيد المذكورة هي التي كانت تتعلق بملك أرض كنعان وكثرة الذرية وولادة المسيح من نسلهم (تكوين ١٧: ٥ - ٨ و٢٦: ٣ و٤) غير أن الكلمات تحتمل معنىً آخر روحياً وهو أنهم وهم على الأرض لم ينالوا المواعيد السماوية بل ماتوا وهم مؤمنون بها.
بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا بإيمانهم بها كما يحيّي الغريب منزله عند العودة وهو يراه من بعيد.
وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى ٱلأَرْضِ وذلك بالنظر إلى كنعان الأرضية والسماوية.
١٤ «فَإِنَّ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هٰذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَناً».
ص ١٣: ١٤
فَإِنَّ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هٰذَا القول بأنهم غرباء ونزلاء.
يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَناً أي دار إقامة. وهذا الوطن لم يكن عندهم أرضياً بل كان سماوياً كما يظهر من العدد التابع. وقد أقرّ إبراهيم لبني حثّ (تكوين ٢٣: ٤) ويعقوب لفرعون (تكوين ٤٧: ٩) إنهما كانا غريبين.
١٥ «فَلَوْ ذَكَرُوا ذٰلِكَ ٱلَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، لَكَانَ لَـهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ».
ُفَلَوْ ذَكَرُوا ذٰلِكَ ٱلَّذِي خَرَجُوا مِنْه أي لو كان مطلوبهم الوطن الأرضي لكان يمكنهم نيله بالسهولة.
لَكَانَ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ وذلك لأنه كان لهم أن يرجعوا من الأرض التي تغربوا منها إلى الوطن الذي خرجوا منه ولكنهم لم يفعلوا ذلك لأنهم كانوا يطلبون وطناً ليس أرضياً سماوياً.
١٦ «وَلٰكِنِ ٱلآنَ يَبْتَغُونَ وَطَناً أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيّاً. لِذٰلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ ٱللّٰهُ أَنْ يُدْعَى إِلٰهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَـهُمْ مَدِينَةً».
خروج ٣: ٦ و١٥ ومتّى ٢٢: ٣٢ وأعمال ٧: ٣٢ وفيلبي ٣: ٢٠ وص ١٣: ١٤
وَلٰكِنِ ٱلآنَ يَبْتَغُونَ وَطَناً أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيّاً أي ولكنهم مدة غربتهم المشار إليها بقوله «الآن» كان مطلوبهم وطناً أفضل من كنعان باقياً في السموات.
لِذٰلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ ٱللّٰهُ أَنْ يُدْعَى إِلٰهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَـهُمْ مَدِينَةً أي نظراً إلى إيمانهم بمواعيده وتغربهم إطاعة لأوامره لا يستحي أن يُدعى إلههم كما قيل كثيراً «إله إبراهم وإله إسحاق وإله يعقوب» بل قد أعدّ لهم مدينة في السماء باقية على وفق مرادهم وشهوتهم فلم يخيب آمالهم بمواعيده تعالى.
١٧ «بِٱلإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ قَدَّمَ ٱلَّذِي قَبِلَ ٱلْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ».
تكوين ٢٢: ١ و٩ ويعقوب ٢: ٢١
بعد أن ذكر ما سبق إيمان رؤساء الآباء على الجملة أتى هنا إلى الكلام في كل منهم فرداً فرداً.
بِٱلإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ للذبح ولكنه لم يذبحه لأن الله أوحى إليه أن يعدل عن ذلك. فيقال أن إبراهيم قدّم ابنه لأنه كان بالحقيقة كأنه قدّمه لما مدّ يده ليذبحه.
وَهُوَ مُجَرَّبٌ الكلمة الأصلية تحتمل معنيين الأول التجريب للخطيئة وهذا لا يُنسب إلى الله أبداً (يعقوب ١: ١٣) والثاني الامتحان وهو المراد في الخبر أي أن الله امتحن إيمان إبراهيم لا ليعرف تعالى ما كان يعرفه بل ليُظهر إيمانه مثالاً للعالم وليتمرّن بالعمل.
قَدَّمَ ٱلَّذِي قَبِلَ ٱلْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الذي قبل المواعيد من إبراهيم وهو الذي قدم ابنه الوحيد فللأمن من اللبس كان يجب أن تكون العبارة والذي قبل المواعيد قدم وحيده. والمعنى أن ذلك الذي قبل المواعيد من الله نظراً إلى كثرة نسله أُمر بأن يذبح ابنه الوحيد الذي منه وحده يمكن أن يأتي النسل الموعود به. فأطاع إلى أنه لم يبق لإجراء الأمر إلا لحظة واحدة فيها عدل عن عمله بأمر من الله فكان ذلك دليلاً عجيباً على إيمان إبراهيم بالله لأنه كان يقدم ابنه الوحيد للذبح وبحسب الظاهر يقطع كل آماله بوعد الله له بأنه يعطيه نسلاً من إسحاق (تكوين ٢١: ١٢).
١٨ «ٱلَّذِي قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ».
تكوين ٢١: ١٢ ورومية ٩: ٧
ٱلَّذِي قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ أي أن إبراهيم قدم ابنه الذي وعده الله أن يقيم له نسلاً به كما سبق.
١٩ «إِذْ حَسِبَ أَنَّ ٱللّٰهَ قَادِرٌ عَلَى ٱلإِقَامَةِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ أَيْضاً، ٱلَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضاً فِي مِثَالٍ».
رومية ٤: ١٧ و١٩ و٢١
إِذْ حَسِبَ أَنَّ ٱللّٰهَ قَادِرٌ عَلَى ٱلإِقَامَةِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ أَيْضاً أي أنه لم يمتنع عن تقديم ابنه ولو تعلقّت به جميع مواعيد الله له لأنه كان يؤمن بأنه تعالى لا يمكن أن يُخلف الوعد فلما أمره أن يذبح ابنه كان في قصده أن يقيمه من الموت.
ٱلَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضاً فِي مِثَالٍ والمعنى على الأرجح هو أن إبراهيم قبل ابنه حياً من المذبح الذي كان وضعه عليه فلم يمت إسحاق موت حقيقي بل كان وضعه على المذبح مثال موت حقيقي وقيامته من المذبح مثال القيامة من موت حقيقي. وأما امتحان إبراهيم فهو حقيقي فإنه لم يعلم أن الله سينهاه عن ذبح إسحق.
٢٠ «بِٱلإِيمَانِ إِسْحَاقُ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ عَتِيدَةٍ».
تكوين ٢٧: ٢٧ و٣٩
بِٱلإِيمَانِ إِسْحَاقُ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو أي لما آمن إسحاق بمواعيد الله له ولنسله (تكوين ٢٦: ٤) طلب بركة الله على ابنيه يعقوب وعيسو لما شاخ.
مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ عَتِيدَةٍ أن تحدث لنسلهما (تكوين ص ٢٧) وذُكر يعقوب قبل عيسو أخيه الأكبر إما لسبب فضله أو لسبب نيله بركة أعظم.
٢١ «بِٱلإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ٱبْنَيْ يُوسُفَ، وَسَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ».
تكوين ٤٨: ٥ و١٦ و٢٠ وتكوين ٤٧: ٣١ حسب ٧٠
بِٱلإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ٱبْنَيْ يُوسُفَ خبر ذلك في (تكوين ٤٨: ١٤ و١٧) حيث قيل أنه «خالف يديه» فكانت يده اليمنى على رأس أفرايم الأصغر لسبب معرفته بالوحي أن سبطه سيكون الأكبر وكان ذلك قبل مرضه الأخير وقبل مباركته لرؤوس الأسباط. وقيل أنه باركهما عند موته بمعنى قرب موته.
وَسَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ إشارة إلى الصلاة السرّية التي قدمها وهو متوكئ على عصا شيخوخته لما حلف له يوسف بأن يدفن جثته في أرض كنعان أرض الموعد. وقد اتبع الكاتب قراءة السبعينية لأن القراءة العبرانية الموجودة هي «على رأس فراشه» وهاتان القراءتان تختلفان بحركتين والترجمة السبعينية بلا حركات. وأما سجود يعقوب فعبر عن إيمانه بأن الرب يفي بكل مواعيده وشكره على المراحم السابقة واتكاله عليه في وقت موته. وكانت هذه الحادثة قبل مباركته لأفرايم ومنسى ولكنها ذُكرت هنا لعلاقتها بوصيته ليوسف من جهة عظامه. ولمباركته ابني يوسف علاقة مع مباركته يعقوب وعيسو.
٢٢ «بِٱلإِيمَانِ يُوسُفُ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَوْصَى مِنْ جِهَةِ عِظَامِهِ».
تكوين ٥٠: ٢٤ و٢٥ وخروج ١٣: ١٩
بِٱلإِيمَانِ يُوسُفُ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أي إذ كان يوسف مؤمناً بمواعيد الله من جهة خروج بني إسرائيل من أرض مصر وذهابهم إلى كنعان وامتلاكهم إياها ذكر ذلك عند نهاية حياته.
وَأَوْصَى مِنْ جِهَةِ عِظَامِهِ أي أوصى أن تُحمل عظامه إلى كنعان فكان يعد نفسه غريباً في مصر على أنه كان قد نال رتبة سامية فيها. وربما كان ذلك لسببين الواحد أنه أراد أن تُدفن عظامه مع آبائه وهو طبيعي للإنسان. والثاني أنه قصد أن يكون ذلك ذكراً لبني إسرائيل أن لا ينسوا مواعيد الله من جهة أرض كنعان (خروج ١٣: ١٩ ويشوع ٢٤: ٣٢).
٢٣ «بِٱلإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا ٱلصَّبِيَّ جَمِيلاً، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ ٱلْمَلِكِ».
خروج ٢: ٢ وأعمال ٧: ٢٠ وخروج ١: ١٦ و٢٢
بِٱلإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ في خبر موسى (خروج ص ٢) ذُكر أن أمه فقط حاولت خلاصه ولكن هذا يستلزم موافقة أبيه لها.
لأَنَّهُمَا رَأَيَا ٱلصَّبِيَّ جَمِيلاً تعليق إخفاء موسى على جماله كان أمراً طبيعياً ولعلهم رأوا في جمال الصبي علامة تدل على أنه مختار من الله فتُحفظ حياته لأجل خدمة خاصة.
وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ ٱلْمَلِكِ أي أنهما كانا يثقان بأن الله يخلصهما من يده ويستطيعان أن يختفيا في مخالفتهما لأمر الملك بأن يُقتل كل ولد ذكر من أولاد الإسرائيليين (خروج ١: ٢٢).
٢٤ «بِٱلإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ٱبْنَ ٱبْنَةِ فِرْعَوْنَ».
خروج ٢: ١٠ و ١١
بِٱلإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أي صار رجلاً وهو ابن أربعين سنة (أعمال ٧: ٢٣).
أَبَى أَنْ يُدْعَى ٱبْنَ ٱبْنَةِ فِرْعَوْنَ ورد في الخبر أن ابنة فرعون ربته كأنه ابنها (خروج ٢: ١٠) ولم يقل أنه أبى هذه التسمية ولكن عمله في مشاركته لشعبه لما قتل المصري (خروج ٢: ١١) وتركه مصر أخيراً لأجلهم يدل على أنه رفض المقام العالي الذي كان قد ناله في بيت فرعون.
٢٥ «مُفَضِّلاً بِٱلأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ ٱللّٰهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِٱلْخَطِيَّةِ».
مزمور ٨٤: ١٠
مُفَضِّلاً بِٱلأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ ٱللّٰهِ الإسرائيليين الذين كانوا حينئذ في حال الذل والعبودية للمصريين يقاسون أشد مصاعب الظلم (خروج ١: ٨ - ٢٢).
عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِٱلْخَطِيَّةِ أي اختار مشاركة شعبه في الذل على التنعم بالخطيئة في قصور فرعون قوله «تمتُّع وقتي بالخطية» يشير إلى أن هذه اللذّات الأثيمة قصيرة وكثيرة ما يتبعها القصاص السريع وإن طالت فتنتهي عند نهاية الحياة خلافاً لرضى الله فإنه ينبوع فرح دائم في هذه الحياة ويمتد إلى الآخرة ولا ينتهي إلى الأبد. وليس التمتع بالخيرات الجسدية خطيئة بذاته لأن الله خلقها لتُتناول بالشكر من المؤمنين ولكنه خطيئة على من يترك خدمة الله لينالها.
٢٦ «حَاسِباً عَارَ ٱلْمَسِيحِ غِنىً أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى ٱلْمُجَازَاةِ».
ص ١٣: ١٣ وص ١٠: ٣٥
حَاسِباً عَارَ ٱلْمَسِيحِ غِنىً أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ أي أن موسى بواسطة الإيمان الذي اتصل إليه من مخالطته لأبويه وشعبه كان يحسب أن العار الذي احتمله معهم في العبودية للمصريين غنىً أعظم من خزائن مصر التي كان له وصول إليها لما كان ابن ابنة فرعون. والكاتب يُسمي هذا العار «عار المسيح» إما لأنه كان كعار المسيح الذي تعير لأجل خيرنا أو لأنه احتمله لأجل المسيح رئيس شعبه أو لأنه عار الإسرائيليين وعار شعب الله في جميع الأجيال عائد بالحقيقة إلى شخص المسيح الذي احتمل العار في نفسه وفي شعبه أيضاً (مزمور ٨٩: ٥٠ و٥١ و٢كورنثوس ١: ٥ وكولوسي ١: ٢٤).
لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى ٱلْمُجَازَاةِ أي كان يوقن بها وينتظرها فإنه تعالى قد وعد أنه يجازي كل خدمة له وكل خسارة واحتمال لأجله (متّى ١٩: ٢٩ و٢٥: ١٤ الخ) وذلك ليس على سبيل التكفير للخطيئة بل على سبيل المجازاة من فضل الله وكرمه. ومجازاة المؤمنين في الزمان الحاضر تقوم بما ينالونه من التعزية والفرح في محبة الله وخدمته (انظر قول المسيح في مرقس ١٠: ٣٠) «يأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان» ولها مجازاة أيضاً في الدهر الآتي أي الحياة الأبدية. فلا شك أن موسى نظر إلى المجازاة بنوعيها.
٢٧ «بِٱلإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ ٱلْمَلِكِ، لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى».
خروج ١٠: ٢٨ و٢٩ و١٢: ٣٧ و١٣: ١٧ و١٨ ع ١٣
بِٱلإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ ٱلْمَلِكِ يحتمل أن يكون المراد هرب موسى من مصر لما قتل المصري وذهب إلى مديان واثقاً بالله أن يخلصه من غضب الملك وقوته. ويحتمل أن يكون خروجه مع الإسرائيليين من مصر واثقاً بأن الله معهم فلم يخف من غضب الملك وربما كان القول الأول هو الأصحّ.
قيل في (خروج ٢: ١٤ و١٥) «فخاف موسى... فهرب من وجه فرعون» أي لم يقدر أن يقاوم الملك فيبقى في مصر وهو متحد بشعب إسرائيل. وقيل هنا أنه «غير خائف من غضب الملك» أي كان يمكنه لو أراد أن يطلب منه السماح عن ما كان فعله فيبقى في مصر ويتجنب شعب الله ولكنه اختار الاتحاد بشعب الله وإن كان ذلك يفصله عن الملك ويجلب على نفسه غضبه. فخاف في الأمر الجسدي الوقتي ولم يخف في ما يتعلق بالإيمان.
لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى أي لأن إيمانه حمله إلى هذه الأعمال فإنه كان يعتقد بالله الذي لا يُرى وإنه تعالى يكون معه ويخلّصه من طائلة الملك فكان إيمانه على ما قال الكاتب في بداءة هذا الأصحاح «إيقان بأمور لا ترى» (ع ١).
٢٨ «بِٱلإِيمَانِ صَنَعَ ٱلْفِصْحَ وَرَشَّ ٱلدَّمَ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ ٱلَّذِي أَهْلَكَ ٱلأَبْكَارَ».
خروج ١٢: ٢١ الخ
بِٱلإِيمَانِ صَنَعَ ٱلْفِصْحَ وَرَشَّ ٱلدَّمَ أي بناء على أمر الله ووحيه إليه أقام الفصح بذبح الحمل ورش الدم على قوائم وأسكفة الأبواب.
لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ ٱلَّذِي أَهْلَكَ ٱلأَبْكَارَ ليجتاز الملاك القاتل عن أبواب الإسرائيليين في إهلاكه لأبكار المصريين (خروج ص ١٢) فآمن بأن الله سيفعل بالمصريين كما قال ويخلص الإسرائيليين بالوسائط التي أمرهم باستعمالها.
ونظر بالإيمان إلى المسيح الموعود به وهو حمل الله الحقيقي الذي يرفع خطيئة العالم. وتظهر عظمة إيمان موسى مما يأتي:

  • ترك أعظم المقامات في مصر فإنه كان محسوباً من أهل بيت الملك وكانت مصر أُولى ممالك العالم في الغنى والمجد والعلوم.
  • تولى عملاً لا أصعب منه وهو أن يقود نحو مليونين من العبيد معهم نساء وأطفال ومواش في قفر بلا ماء وبلا طعام مسافة ٢٠٠ ميل على الأقل على رغم أعظم ملك في العالم. وكان عليه أيضاً أن يقنع الإسرائيليين فيسمعوه ويطيعوه.
  • عمل هذا العمل العظيم واحتمل أخطاراً وأتعاباً كثيرة مدة ٤٠ سنة ولم يأخذ أجراً لنفسه ولا لأولاده ولم يقصد ذلك ولا استنظره.


٢٩ «بِٱلإِيمَانِ ٱجْتَازُوا فِي ٱلْبَحْرِ ٱلأَحْمَرِ كَمَا فِي ٱلْيَابِسَةِ، ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ ٱلْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا».
خروج ١٤: ٢٢ و٢٩
بِٱلإِيمَانِ ٱجْتَازُوا فِي ٱلْبَحْرِ ٱلأَحْمَرِ كَمَا فِي ٱلْيَابِسَةِ آمنوا بأن الله قادر أن يخلصهم من البحر وآمنوا بأنه إلههم وما عملوه فهو بأمره.
ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ ٱلْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا لأن عملهم ليس بأمر الله ولا وعد لهم منه فصار البحر للإسرائيليين يابسة وصارت اليابسة للمصريين بحراً (انظر نبأ مشي بطرس على الماء متّى ١٤: ٢٥ - ٣٣).
٣٠ «بِٱلإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ».
يشوع ٦: ١٢ إلى ٢٠
بِٱلإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وذلك أن الله وعد يشوع أنهم إذا أحاطوا بها وطافوا حولها سبعة أيام تسقط أسوارها من نفسها وبناء على إيمانهم بهذا فعلوا ما أمرهم الله به وافتتحوا المدينة. وظهرت قوة إيمانهم بأنهم ضربوا بالأبواق التي ليس فيها قوة لإسقاط الأسوار وإنهم طافوا حول المدينة سبعة أيام بالسكوت مع أن أهل المدينة كانوا بلا شك يستخفون بهم.
٣١ «بِٱلإِيمَانِ رَاحَابُ ٱلزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ ٱلْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ ٱلْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ».
يشوع ٢: ١ و٦: ٢٣ ويعقوب ٢: ٢٥
بِٱلإِيمَانِ رَاحَابُ ٱلزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ ٱلْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ ٱلْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ والمعنى أنه لما آمنت راحاب بأن الله إله إسرائيل قد أعطاهم أرض كنعان ملكاً قبلت الجاسوسين وأخفتهما وبعهد عقدته معهما خلصت هي وبيت أبيها ودخلت بين شعب الله. فكان كل ذلك لسبب إيمانها. وكان الزنى من أعمال العبادة الوثنية والأمر واضح أن راحاب تركت هذه الخطيئة لما آمنت وانضمت إلى شعب إسرائيل غير أنها لم تزل تلقب بالزانية. وأما العصاة المذكورون فهم شعب الأرض الذين عصوا على إرادة الله في مقاومتهم لإسرائيل مع أن الله بأفعاله الخارقة كان قد أعطاهم برهاناً واضحاً على إرادته تعالى.
٣٢ «وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضاً؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي ٱلْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَٱلأَنْبِيَاءِ».
قضاة ٦: ١١ وقضاة ٤: ٦ وقضاة ١٣: ٢٤ وقضاة ١١: ١ و١٢: ٧ و١صموئيل ١٦: ١ و١٣ و١٧: ٤٥ و١صموئيل ١: ٢٠ و١٢: ٢٠
وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضاً انتقال مبني على بلاغة في صناعة الإنشاء والخطاب فإنه كان يحدث ملل لو أطال الكلام في تقديم أمثلة للإيمان الظاهر في حوادث خصوصية تتعلق برجال الله في العهد القديم ولذلك عدل هنا إلى ذكر أسماء بعض الذين اشتهروا في الإيمان.
لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي ٱلْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وأعمالهم مذكورة بالتفصيل في العهد القديم ومعروفة عند جميع هذه الرسالة فنرى -
(١) إن هؤلاء الأفاضل كانوا غير كاملين في صفاتهم الأدبية والروحية فلا نفهم أن الكاتب مدحهم على كل ما فعلوه بل على إيمانهم الذي ظهر في طاعتهم للرب واتكالهم عليه على رغم ضعفهم وقوة المقاومين.
وَٱلأَنْبِيَاءِ كإيليا وأليشع ودانيال وغيرهم.
٣٣ «ٱلَّذِينَ بِٱلإِيمَانِ قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرّاً، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ».
٢صموئيل ٧: ١١ الخ وقضاة ١٤: ٥ و٦ و١صموئيل ١٧: ٣٤ و٣٥ ودانيال ٦: ٢٢
ٱلَّذِينَ بِٱلإِيمَانِ قَهَرُوا مَمَالِكَ انتقل الكاتب من أسماء إلى أعمال اشترك فيها كثيرون منها قهر الممالك فإن ذلك جرى كثيراً في زمان بني إسرائيل.
صَنَعُوا بِرّاً أي عدلاً في أحكامهم مثل صموئيل وغيره من قضاة إسرائيل وداود وغيره من الملوك الأتقياء.
نَالُوا مَوَاعِيدَ والمعنى (١) أنهم أُعطيوا مواعيد أجراً لإيمانهم وشجاعتهم. (٢) إنهم بإيمانهم نالوا المواعيد التي أُعطيت لهم سابقاً.
سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ الإشارة إلى دانيال (دانيال ٦: ٢٢) وربما كانت أيضاً إلى شمشون (قضاة ١٤: ٦) وداود (١صموئيل ١٧: ٣٤).
٣٤ «أَطْفَأُوا قُوَّةَ ٱلنَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ ٱلسَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي ٱلْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ».
دانيال ٣: ٢٥ و١صموئيل ٢٠: ١ و١ملوك ١٩: ٣ و٢ملوك ٦: ١٦ و٢ملوك ٢٠: ٧ الخ وأيوب ٤٢: ١٠ ومزمور ٦: ٨ وقضاة ١٥: ٨ و١٥ و١صموئيل ١٤: ١٣ الخ و١٧: ٥١ و٥٢ و٢صموئيل ٨: ١ الخ
أَطْفَأُوا قُوَّةَ ٱلنَّارِ الإشارة إلى الفتيان الثلاثة أصحاب دانيال الذين عصوا أمر ملك بابل بالسجود لصنمه الذهبي فطُرحوا في أتون النار ولم يهلكوا لأنهم آمنوا بالله وأطاعوه.
نَجَوْا مِنْ حَدِّ ٱلسَّيْفِ كما نجا داود (١صموئيل ١٨: ١١ وص ١٩: ١٠) وإيليا (١ملوك ١٩: ١ و١٠) وأليشع (٢ملوك ٦: ١٤ و٣١) وأستير ومردخاي وكثير من اليهود من مكيدة هامان.
تَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفٍ كما حدث لحزقيا الملك لما مرض وصلى بإيمان وشُفي (٢ملوك ص ٢٠ وإشعياء ٣٨: ٣ و٥).
صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي ٱلْحَرْبِ أكثر قضاة بني إسرائيل كانوا كذلك وهكذا شاول وداود ويوناثان وغيرهم.
هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ كما جرى كثيراً في حروب بني إسرائيل مع أعدائهم.
٣٥ «أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ. وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا ٱلنَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ».
١ملوك ١٧: ٢٣ و٢ملوك ٤: ٣٥ وأعمال ٢٢: ٢٥
أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ كما جرى لأرملة في صرفة صيدون التي أقام إيليا ابنها (١ملوك ص ١٧) وللشونمية امرأة أخرى صالحة أقام ابنها أليشع النبي (٢ملوك ص ٤).
وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا ٱلنَّجَاةَ لا يُعلم إلى من الإشارة بهذا الكلام فإن في الكتب القانونية لم يُذكر شيء من ذلك بالتوضيح ولا سيما إذا نظرنا إلى الكلمة الأصلية التي تفيد التمدد على آلة للضرب بالسياط على الأصح. وبعضهم يفهم الإشارة إلى ما حدث لشهداء زمان المكابيين فإنه لما جاء أنطوخيوس أبيفانيوس وأخذ أورشليم ونجس الهيكل أمر اليهود بإبطال عبادة الله وبأن يعبدوا الأصنام وأن لا يختتنوا فأطاعه كثير من اليهود إلا بعضهم وأبوا ولذلك عُذبوا وضُربوا وتمزقت أجسادهم وصُلبوا أحياء (يوسيفوس قديمات اليهود كتاب ١٢ فصل ٥: ٤).
لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ من قيامة الجسد لهذه الحياة كما قام ولدا الامرأتين المذكورتين في تفسير هذا العدد فإنهم كانوا يتوقعون قيامة الأبرار في السماء.
٣٦ «وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضاً وَحَبْسٍ».
تكوين ٣٩: ٢٠ وإرميا ٢٠: ٢ و٣٧: ١٥
وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ كما جرى في زمان المكابيين (١مكابيين ٩: ٢٦ و٢مكابيين ٧: ٧).
وَجَلْدٍ (٢مكابيين ٦: ١٠ و٧: ١)،
ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضاً وَحَبْسٍ (١مكابيين ١٣: ١٢ و١ملوك ٢٢: ٢٧ وإرميا ٣٧: ١٨).
٣٧ «رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِٱلسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ».
١ملوك ٢١: ١٣ و٢أيام ٢٤: ٢١ وأعمال ٧: ٥٨ و١٤: ١٩ و٢ملوك ١: ٨ وزكريا ١٣: ٤ ومتّى ٣: ٤
رُجِمُوا كما جرى لزكريا بن يهودياداع (٢ أيام ٢٤: ٢١).
نُشِرُوا قيل على تقليد عند اليهود إن إشعياء نُشر بأمر منسى الملك.
جُرِّبُوا لترك الدين الحقيقي وعبادة الأصنام.
مَاتُوا قَتْلاً بِٱلسَّيْفِ كالأنبياء الذين قُتلوا بأمر إيزابل وغيرهم على عهد منسى وأنطيوخوس أبيفانوس.
طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى إذ لم يكن لهم لباس يلبسونه في هربهم وطول غربتهم.
مُعْتَازِينَ ضروريات الحياة في غربتهم كما حدث لإيليا في هربه من أمام وجه آخاب وغيره.
مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ من الاضطهاد والحاجة والغربة. والإشارة في هذا العدد إلى كثير مما حصل في ملك منسى وآخاب وأنطيوخوس.
٣٨ «وَهُمْ لَمْ يَكُنِ ٱلْعَالَمُ مُسْتَحِقّاً لَـهُمْ. تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَالٍ وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ ٱلأَرْضِ».
١ملوك ١٨: ٤ و١٩: ٩
وَهُمْ لَمْ يَكُنِ ٱلْعَالَمُ مُسْتَحِقّاً لَـهُمْ جملة معترضة قطع الكاتب فيها كلامه من جهة الشدائد التي قاساها بعض رجال الله ولم يعبأوا بها لسبب إيمانهم بالله والآخرة. ومعنى العبارة أن العالم الذي كان يضطهدهم لم يكن يستحقهم لأن الاضطهاد الذي أثاره عليهم كان بالحقيقة على مبادئ الديانة والحق والبر فلم يستحق أن يرسل إليه أنبياء ولما أرسلهم الله لم يقبلوهم بإكرام بل عاملوهم بالقساوة والطرد ولذلك لم يستحقوهم.
تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَالٍ وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ ٱلأَرْضِ علاقة هذه العبارة بما سبق في العدد السابق ومعناها أن أهل العالم الخطأة طردوهم من مساكن البشر فذهبوا تائهين في البراري كما جرى الأمر أحياناً كثيرة منها ما ذُكر في (١ملوك ١٨: ٤ و١٣ و٢مكابيين ٥: ٢٧ و٦: ١١).
٣٩ «فَهٰؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُوداً لَـهُمْ بِٱلإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا ٱلْمَوْعِدَ».
ع ٢ و١٣
فَهٰؤُلاَءِ كُلُّهُمْ المؤمنون الذين سبق ذكرهم في هذا الأصحاح.
مَشْهُوداً لَـهُمْ بِٱلإِيمَانِ أي وهم ممدوحون لأجل إيمانهم الذي أظهروه بسيرة توافق الإيمان في أوقات التجارب والشدائد والاحتمال.
لَمْ يَنَالُوا ٱلْمَوْعِدَ ظن بعضهم المراد «بالموعد» الأرض المقدسة. وبعضهم كنعان السماوية أي أنهم بقوا في مكان متوسط بعد الموت لحين صعود المسيح إلى السماء فصعدوا هم أيضاً معه. والأرجح أن المعنى هو أنهم أخذوا المواعيد بمجيء المسيح في الجسد وكفارته للخطيئة والخلاص به والاقتراب به إلى الله والحياة الأبدية ولكنهم لم يروا وفاء هذه المواعيد كما رآه المخاطبون في هذه الرسالة.
٤٠ «إِذْ سَبَقَ ٱللّٰهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئاً أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا».
ص ٧: ٢٢ و٨: ٦ وص ٥: ٩ و١٢: ٢٣ ورؤيا ٦: ١١
إِذْ سَبَقَ ٱللّٰهُ فَنَظَرَ لَنَا أي الذين كانوا في العهد المسيحي.
شَيْئاً أَفْضَلَ هو النور الأعظم الذي أشرق بمجيء المسيح والذي لم ينله أهل العهد القديم والذي يتعلق عليه بركات كثيرة.
لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا قد اختلفوا على معنى هذه العبارة. فقال بعضهم المراد أن الأتقياء في العهد القديم لم ينالوا السماء إلى حين صعود المسيح وليس منها يخالف هذا المعتقد كصعود أخنوخ وإيليا (انظر أيضاً رومية ٣: ٢٥ وهذه الرسالة ٩: ١٥) حيث يظهر أن فوائد موت المسيح كانت تمتد إلى الزمان الماضي كما تمتد إلى الزمان المستقبل. هذا وإن التكميل في قوله «لا يكملوا» له معنى خاص في هذه الرسالة وهو التطهير من الخطيئة وراحة الضمير من جهة نيل المغفرة (انظر ص ٧: ١١ و ٩: ٩ و١٤) وبناء على ذلك يتعين معنى قوله «بدوننا» أي بدون العهد المسيحي الذي تم في زماننا. ويكون معنى جميع العبارة أن رجال الله في العهد القديم لم ينالوا بركات العهد الجديد عياناً ولكنهم نالوا مفاعليها الخلاصية معنا نحن الذين جرى عمل الفداء في أيامنا. ومراد الكاتب بذلك أن التزام المسيحيين بالإيمان وأثماره بناء على ما تقدم من الفرق بين أهل العهدين هو أعظم من الذين اشتهروا في العهد القديم بالإيمان.
فوائد



  • الإيمان ركن الديانة الذي لا تقوم بدونه لأنه لما كان موضوعها الأمور التي تُرجى ولا تُرى كان من المستحيل وجودها من غير إيمان. وركن الإيمان هو الشهادة فإن اعتقادنا بالله مثلاً مبني على شهادة عقولنا مما يُرى من الموجودات وإتقانها إلى ما لا يُرى من موجدها الذي أتقنها ويسوسها على الدوام. واعتقادنا بقيامة الأموات مبني على شهادة الله لنا على ذلك في كتابه وبواسطة أنبيائه ورسله ولذلك كان من المستحيل أن نقترب منه تعالى أو نرضيه من غير إيمان.
  • العلاقة بين الإيمان والعمل شديدة جداً كما نرى من الأمثلة التي قدمها الكاتب في الأصحاح السابق. لأننا نرى أن إيمان نوح مثلاً أدى به ليس إلى تصديق ما أوحى الله إليه به فقط بل إلى بناء الفلك الذي شرع فيه قبل الطوفان بمثة وعشرين سنة. وإيمان إبراهيم ساقه إلى تقديم ابنه ذبيحة وهكذا في ما بقي. فيظهر من ذلك أنه إذا لم يكن الإيمان عاملاً في السيرة وكانت الديانة غير عاملة في العيشة الصالحة كان كلاهما باطلَين.
  • معظم مواعيد الديانة تتعلق بالحياة الآتية حتى أنه قد لا يجد الإنسان ثمرة من إيمانه وديانته إلا في الآخرة. فإن كثيرين من رجال الله القدماء لم ينالوا مواعيد تمت في زمانهم وكانت تلك المواعيد الزمنية رمزا إلى ما نالوه في السماء.
  • قد يكون الإيمان سبباً للعار والذل والاضطهاد في هذه الحياة. وأما رجل الله فلا يعبأ بذلك ولا يتحيّر إذا أصابه لأن كل القرون شاهدة على بغض العالم لشعب الله ومقاومته لهم. فليس له أن يتذمر إذا التفت إلى العدد الذي لا يُحصى من المضطهدين لأجل البر ولا سيما إذا نظر إلى المسيح الذي احتمل أمر المقاومة وأشد الاضطهاد لأجل الشهادة بالحق. وليس العبد أفضل من سيده.
  • لإيمان ضعف أحياناً وغلبات أحياناً أخرى. وهذه الغلبات مكتوبة في سفر الحياة وهي موضوع دائم لتسابيح أهل السماء على ما ورد في (سفر الرؤيا ٧: ٩ - ١٧) غير أن المسيحي لا ينالها إلا بالإيمان الوثيق بذلك الذي حارب قوات الظلمة وغلب وصار ينبوع القوة والغلبة لجميع شعبه الذين يلتجئون إليه.




اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي عَشَرَ


في الأصحاح الماضي أمثلة من العهد القديم على حقيقة الإيمان وتسلُّطه على سيرة شعب الله ولو في مدة الامتحان الشديد والتجارب والضيقات. وكان المراد بذلك تحريك إيمان العبرانيين المؤمنين للثبات في الإقرار المسيحي لما كانوا في حال الاضطهاد وخطر السقوط كما سيظهر من الاطلاع على هذا الأصحاح. فإنه في أول الأمر يشبههم بالذين يتبارون في الميدان والناس تنظر إليهم فكأنهم يركضون في الجهاد المسيحي وكأن رجال العهد القديم الذين جاهدوا ونالوا إكليل الغلبة ينظرون إليهم من السماء (ع ١). وعلى الخصوص يوجه أفكارهم إلى المسيح الذي جاهد جهاداً أعظم من جهادهم لكي يقتدوا به (ع ٢ و٣). ثم يقول الكاتب أن الشدائد التي كانوا يحتملونها مرسلة من الله لأجل تأديبهم وخيرهم الروحي فلا يجوز أن يضجروا بل يجب أن يتخذوا ذلك واسطة لتنشيطهم وتقويتهم في السعي المسيحي (ع ٤ - ١٧). ومما ينهضهم للثبات أن الله لا يخاطب الناس في العهد الجديد كما خاطبهم في العهد القديم بالتخويف والإرهاب بل بلسان المحبة وبمواعيد كريمة سامية (ع ١٨ - ٢٤). ولكن على شكل يوجب على المسيحيين أعظم مما يوجب على أهل العهد القديم لأن المتكلم هنا ليس بشراً بل هو ابن الله فمن يزدري بكلامه يقع تحت طائلة الجرم العظيم (ع ٢٥ - ٢٩).
١ «لِذٰلِكَ نَحْنُ أَيْضاً إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ ٱلشُّهُودِ مِقْدَارُ هٰذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَٱلْخَطِيَّةَ ٱلْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِٱلصَّبْرِ فِي ٱلْجِهَادِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا».
كولوسي ٣: ٨ و١بطرس ٢: ١ و١كورنثوس ٩: ٢٤ وفيلبي ٣: ١٣ و١٤ ورومية ١٢: ١٢ وص ١٠: ٣٦
الكلام في هذا العدد مجازي مبني على السباق في الركض وهو من جملة الملاعب التي كانت جارية عند الرومانيين واليونانيين وأدخلها الملوك الهيرودسيون بين شعب اليهود.
لِذٰلِكَ نَحْنُ أَيْضاً إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ ٱلشُّهُودِ مِقْدَارُ هٰذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا كان يحضر هذه الملاعب جمهور عظيم من الناس للتفرُّج يحيطون بالساحة التي يتراكض فيها اللاعبون. والإشارة في هذا المجاز إلى رجال الله في العهد القديم الذين سعوا سعيهم وظفروا والآن ينظرون من السماء إلى سعي من يعقبهم في الجهاد المسيحي فكأنهم سحابة. والكلمة الأصلية تحتمل معنى شهود ومعنى شهداء أيضاً. والشهود هم الشهداء المذكورون في الأصحاح السابق. وكما ينظرون إلينا ننظر نحن أيضاً إليهم ونتشجع ونتقوى عندما نتذكر سعيهم وظفرهم.
لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَٱلْخَطِيَّةَ ٱلْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ العبارة الأولى وهي قوله «لنطرح كل ثقل» عبارة مجازية مستعارة من عادة الذين كانوا يتراكضون وقد نزعوا أثوابهم وكل ما كان يعيقهم في المحاضرة. وليس من الضرورة أن المشار إليه بلفظة «ثقل» يكون خطيئة بذاته فإن الخيرات الحقيقية الجائزة قد تكون خطيئة إذ تعلّقت قلوبنا بها أكثر من الواجب. وقوله «والخطية المحيطة بنا بسهولة» المعنى الحقيقي المراد بالمجازي أن الذين يحاضرون في الجهاد المسيحي يجب أن يلقوا عنهم كل ما يعيقهم في سعيهم ويؤدي بالإنسان إلى البطوء في سيره المسيحي فهي كالأثقال التي كان المتراكضون يخلعونها عنهم لئلا تعارضهم في سباقهم وعلى الخصوص الخطيئة المحيطة بنا بسهولة أي الخطيئة التي نحن معرضون لها أكثر من سواها. وكانت هذه الخطيئة للعبرانيين خطر الارتداد عن الإيمان المسيحي.
وَلْنُحَاضِرْ بِٱلصَّبْرِ فِي ٱلْجِهَادِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا عبارة أخرى مجازية معناها المثابرة والمواظبة في الجهاد المسيحي بدون ملل أو انقطاع كالذين كانوا يتسابقون في الركض فإنهم كانوا يجدون فيه إلى النهاية راجين نيل إكليل الغلبة. ومعنى جميع العدد أنه بما أن جمهوراً وافراً من الآباء والأنبياء والشهداء سبقونا في الجهاد المسيحي وحافظوا على إيمانهم في وسط الشدائد والتجارب فنحن أيضاً لنلق عنا كل تملقات الدنيا والخطيئة ولنحافظ على رجائنا وإيماننا وسعينا إلى النهاية.
٢ «نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ ٱلإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِ ٱلسُّرُورِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ ٱحْتَمَلَ ٱلصَّلِيبَ مُسْتَهِيناً بِٱلْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ ٱللّٰهِ».
لوقا ٢٤: ٢٦ وتيطس ٢: ٨ الخ و١بطرس ١: ١١ ومزمور ١١٠: ١ وص ١: ٣ و١٣ و٨: ١ و١بطرس ٣: ٢٢
نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ ٱلإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ أي متمثلين بالمسيح الذي وضع الإيمان المسيحي وأكمله في العمل إلى درجة تامة. أو المعنى أنه بين الذين اشتهروا بالإيمان من زمان هابيل إلى زمان هذه الرسالة كان المسيح فيه رئيساً ومكملاً.
ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِ ٱلسُّرُورِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ جزاء له باعتبار عمله سر الفداء وكونه وسيط العهد الجديد. وليس السرور الموضوع أمام يسوع السرور بمجرد تمجيده بل السرور أيضاً بخلاص شعبه الذي مات لأجلهم والذين يشفع فيهم على الدوام. قال الله «مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي ٱلْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ» (إشعياء ٥٣: ١١). وبعضهم يفسر قوله «من أجل» بمعنى عوض و «السرور» هو ما كان حائزاً عليه في السماء قبل انحداره إلى الأرض. والأول هو الأصح لما فيه من رائحة المجاز السابق فإن الذين كانوا يتحاضرون كانوا إنما يفعلون ذلك لنيل إكليل الغلبة الموضوع أمامهم في نهاية السعي.
ٱحْتَمَلَ ٱلصَّلِيبَ أي آلام الصليب.
مُسْتَهِيناً بِٱلْخِزْيِ أي مزدرياً بالعار الذي احتمله في حياته على الأرض وموته على الصليب.
فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ ٱللّٰهِ أي نال أسمى مقام في المجد السماوي وارتفع إلى أعالي المجد بعد اتضاعه العجيب مكافأة له على ما احتمله من الآلام والعار والموت لأجل خلاص البشر. ومعنى جميع العبارة انظروا إلى يسوع واضع الديانة المسيحية والمقياس الأعلى والقدوة العظمى للإيمان فإنه لأجل نيل السرور السماوي احتمل كثيراً فنال الغلبة والجزاء هكذا أنتم افعلوا كما فعل لتشاركوه في مجده العظيم.
٣ «فَتَفَكَّرُوا فِي ٱلَّذِي ٱحْتَمَلَ مِنَ ٱلْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هٰذِهِ لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ».
متّى ١٠: ٢٤ و٢٥ ويوحنا ١٥: ٢٠ وغلاطية ٦: ٩
فَتَفَكَّرُوا فِي ٱلَّذِي ٱحْتَمَلَ مِنَ ٱلْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هٰذِهِ الفاء هنا الفاء الفصيحة وهي ما أفصحت عن جواب شرط مقدر أي إن كنتم تريدون أن تعرفوا الجهاد الواجب فتفكروا الخ. ومعنى العبارة انظروا إلى المسيح الذي احتمل من الخطأة مقاومة وصلت إلى درجة القتل الفظيع طلباً لخلاص العالم.
لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ أي إذا تأملتم بما احتمله المسيح وبما حازه من المجد بعد ذلك لم تضعفوا ولم تيأسوا وتسقطوا وترتدوا عن الإيمان المسيحي فإن التأمل في ذلك ينهض رجاءكم ويقوي عزمكم ويثبتكم في جهادكم المسيحي.
٤ «لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى ٱلدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ ٱلْخَطِيَّةِ».
١كورنثوس ١٠: ١٣ وص ١٠: ٣٢ إلى ٣٤
لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى ٱلدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ ٱلْخَطِيَّةِ يحتمل المعنى أن يكون أحد أمرين الأول أنهم لم يقاوموا كل المقاومة الخطيئة بمعى الخطأة الذين كانوا يضطهدونهم بقصد تحويلهم عن الإيمان المسيحي وهو مبني على المجاز السابق من المجاهدة فإنهم لم يبلغوا جميع ما تؤدي إليه مقاومة أضدادهم. والثاني إن في مقاومتهم تجربة الارتداد عن إيمانهم لم يبلغوا أقصى ما يُحتمل من الاضطهاد أي القتل كما احتمل غيرهم فإن حيل الأعداء وبغضهم وضررهم لم يصل بعد حتى الدم أي إلى القتل. والمعنى الأخير هو الأفضل عند جمهور المفسرين.
٥ «وَقَدْ نَسِيتُمُ ٱلْوَعْظَ ٱلَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ: يَا ٱبْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ ٱلرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ».
أيوب ٥: ١٧ وأمثال ٣: ١١
في هذه الآية وما يليها إلى ع ١١ يذكر الكاتب أمراً جديداً لتحريضهم على الثبات في الإيمان المسيحي وهو إن الشدائد والاضطهادات التي كانوا يقاسونها لأجل إيمانهم كانت مرسلة من الله لأجل خيرهم كما يُقصد من تأديب الوالد لولده فإنه تعالى يقصد في تأديبات شعبه أولاً امتحان إيمانهم وإظهاره للوجود شهادة على كونه صحيحاً ومفعولاً من نعمته. وثانياً تقوية إيمانهم بواسطة التمرن والممارسة كما قصد في امتحانه لإيمان إبراهيم. وبناء على ذلك يقول إن النظر إلى الشدائد من هذا القبيل يجب أن يُنهض إيمانهم إلى احتمالها بالصبر والشجاعة فلا يصح أنها تقتادهم إلى الضعف والسقوط والارتداد.
وَقَدْ نَسِيتُمُ ٱلْوَعْظَ ٱلَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ أي إنكم ولو سمعتم كثيراً كلام الله في كتب العهد فد نسيتم ما قيل لكم في هذا الشأن وهو -
يَا ٱبْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ ٱلرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ عبارة من (سفر الأمثال ٣: ١١). هذا كلام سليمان ونُسب في الآية هنا إلى الله لأن سليمان تكلم بالوحي فكان كلامه كلام الله. وأهمية الاقتباس هنا في القول «يا ابني» فيجب أن نعتبر الشدائد كتأديب من أب محب لأولاده فلا نقلق منها بل ننظر إلى قصد الله فيها ونحولها إلى فائدة أنفسنا فإذا وبخنا على أعمالنا أو افتقدنا بمصيبة لم يجُز لنا أن نخور أي يضعف إيماننا ورجاؤنا بالله بحيث نعدل عن سيرنا المسيحي.
٦ «لأَنَّ ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ٱبْنٍ يَقْبَلُهُ».
مزمور ٩٤: ١٢ و١١٩: ٧٥ وأمثال ٣: ١٢ ويعقوب ١: ١٢ ورؤيا ٣: ١٩
لأَنَّ ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ٱبْنٍ يَقْبَلُه تتمة العبارة السابقة المنقولة عن (أمثال ٣: ١٢) على الترجمة السبعينية ولا خلاف جوهري فيها عن الأصل وهكذا الغالب في النقل عن العهد القديم إلى العهد الجديد فإنه يُنظر إلى المعنى أكثر من النقل الحرفي. ومعنى العبارة أن التأديب لا يدل على غضب الله بل على محبته لأنه تعالى إنما يقصد خير شعبه فإذا احتيج إلى التأديب كان ذلك من باب المحبة.
٧ «إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ ٱلتَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ ٱللّٰهُ كَٱلْبَنِينَ. فَأَيُّ ٱبْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟».
تثنية ٨: ٥ و٢صموئيل ٧: ١٤ وأمثال ١٣: ٢٤ و١٩: ١٨ و٢٣: ١٣
إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ ٱلتَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ ٱللّٰهُ كَٱلْبَنِينَ أي إذا احتملتم التأديب بصبر فيجعله الله لخيركم فتكون معاملته لكم معاملة البنين خلافاً لما إذا ضجرتم وارتددتم عن طريق البر فلا يعاملكم حينئذ كالبنين بل كالعصاة لأوامره هذا رأي بعضهم. وقال أخرون بل المعنى إذا أصابكم تأديب من الله فلا يدل ذلك على بغضه تعالى لكم بل على محبته فإنما في هذا التأديب يعاملكم كالبنين وهو التفسير المرجح.
فَأَيُّ ٱبْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ جملة تفسيرية للمعنى السابق الأخير يظهر منها صحته.
٨ «وَلٰكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ ٱلْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ».
مزمور ٧٣: ١٥ و١بطرس ٥: ٩
وَلٰكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، (قَدْ صَارَ ٱلْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ) فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ تكرار العدد السابق على شكل سلبي. وقد وضعنا قوله «قد صار الجميع شركاء فيه» بين هلالين للدلالة على أنها جملة معترضة بين الشرط وجوابه. قوله «نغول» أو أولاد غير شرعيين. ومعنى جميع العبارة أنه لما كان الأب يؤدب بنيه دائماً لأجل خيرهم وهذا التأديب أعظم دليل على محبته لهم هكذا أنتم إنما يؤدبكم الله كبنيه لأجل خيركم كما قد أدب جميع بنيه وهو المراد بقوله «قد صار الجميع شركاء فيه». فإن لم تنالوا تأديباً لا تكونون بني الله ولا يعترف بكم تعالى بأنكم بنوه. نظن أحياناً أننا مؤدبون أكثر من غيرنا ونفتكر أنه لا مصيبة كمصيبتنا ولكن الله يؤدب جميع أولاده. ولو عرفنا مصائب غيرنا حق المعرفة كنا نقر بأنها ليست أقل من مصائبنا.
٩ «ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِٱلأَوْلَى جِدّاً لأَبِي ٱلأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟».
عدد ١٦: ٢٢ و٢٧: ١٦ وأيوب ١٢: ١٠ وجامعة ١٢: ٧ وإشعياء ٤٢: ٥ و٥٧: ١٦ وزكريا ١٢: ١
ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ المراد أنه إذا كان التأديب الذي حصل لنا من آبائنا الطبيعيين مقبولاً وممدوحاً ومصحوباً بالهيبة والطاعة فمن باب أولى أن نخضع لله الذي هو أبو أرواحنا ويعرف الذي هو خير لنا أكثر من الآباء الجسديين كما يقول في العبارة الآتية.
أَفَلاَ نَخْضَعُ بِٱلأَوْلَى جِدّاً لأَبِي ٱلأَرْوَاحِ والمقابلة ظاهرة بين أبي الجسد وأبي الروح في الولادة الثانية. فجاء في (عدد ١٦: ٢٢) «إِلٰهَ أَرْوَاحِ جَمِيعِ ٱلْبَشَرِ» وفي (زكريا ١٢: ١) «جَابِلُ رُوحِ ٱلإِنْسَانِ فِي دَاخِلِهِ» أي إن الله خلق الإنسان وجعل فيه روحه فيعرف روح الإنسان ويقدر أن يعلمه ويطهره بواسطة التأديب.
فَنَحْيَا لأن حياة الروح هي بالاتحاد مع الله.
١٠ «لأَنَّ أُولَئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّاماً قَلِيلَةً حَسَبَ ٱسْتِحْسَانِهِمْ، وَأَمَّا هٰذَا فَلأَجْلِ ٱلْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ».
لاويين ١١: ٤٤ و١٩: ٢ و١بطرس ١: ١٥ و١٦
لأَنَّ أُولَئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّاماً قَلِيلَةً حَسَبَ ٱسْتِحْسَانِهِمْ تعليل لما قاله في العدد السابق والمعنى أن آباءنا الجسديين كانوا يؤدبوننا مدة صغرنا وكثيراً ما يكون تأديبهم حسب استحسانهم بدون فائدة حقيقية لنا فإنه مهما كان الأب الأرضي حريصاً على نفع أولاده قد لا يكون حكيماً في نوع التأديب وأسلوبه.
وَأَمَّا هٰذَا فَلأَجْلِ ٱلْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ أي وأما تأديب أبي أرواحنا فليس حسب استحسان قد لا يكون مصيباً بل هو دائماً لنفعنا الروحي الذي يقوم بزيادة القداسة فينا. ومعنى القداسة الأصلي هو الانفصال. وغاية التأديب هي انفصال أبناء الله عن عالم الخطيئة فلا يشتركون في خطايا العالم بل في قداسة الله. ولا ينفصل أبناء الله عن العالم من جهة المكان لأنهم في العالم غير أنهم ليسوا من العالم. ونسبة الأولاد إلى والديهم نسبة وقتية وزمان التربية والتأديب محدود وغاية التأديب هي استقلال الأولاد عن والديهم وأما نسبة أبناء الله إلى الآب السماوي فنسبة أبدية وغاية تأديبه هي الاتحاد به والاتكال عليه على الدوام. ولا قوة للإنسان ولا فرح ولا راحة كالتي تأتيه من اتحاده بالله. ومع ذلك لا يطلب الإنسان هذا الاتحاد إلا إذا اضطر إليه بواسطة الضيق والحزن وعلى ذلك تكون نتيجة التأديب خيراً.
١١ «وَلٰكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي ٱلْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيراً فَيُعْطِي ٱلَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلاَمِ».
يعقوب ٣: ١٨
وَلٰكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي ٱلْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ هذا صحيح في كل حال فإنه مدة الشدة يصعب على الإنسان أن يرى خيراً في التأديب أو فرحاً كما يصعب على الولد مدة القصاص.
وَأَمَّا أَخِيراً فَيُعْطِي ٱلَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلاَمِ المقابلة بين زمان القصاص والزمان الذي يعقبه ففي الأول يضجر المتأدب وفي الثاني ينال ثمر التأديب في خيره وسلامته وسعادته الحقيقية. والمشابهة شديدة بين تربية الأولاد من هذا القبيل وتربية المسيحيين بعناية أبيهم السماوي.
١٢ «لِذٰلِكَ قَوِّمُوا ٱلأَيَادِيَ ٱلْمُسْتَرْخِيَةَ وَٱلرُّكَبَ ٱلْمُخَلَّعَةَ».
أيوب ٤: ٣ و٤ وإشعياء ٣٥: ٣
لِذٰلِكَ قَوِّمُوا ٱلأَيَادِيَ ٱلْمُسْتَرْخِيَةَ وَٱلرُّكَبَ ٱلْمُخَلَّعَةَ هذه العبارة مقتبسة من (إشعياء ٣٥: ٣) ومعناها أنه إذا كان التأديب الأبوي قد أصابكم على شكل الاضطهاد وقد أرسله الله لنفعكم فتشددوا ولا تلقوا بأنفسكم إلى الحزن والهم والاسترخاء. قوله «الأيادي المسترخية والركب المخلعة» للدلالة على ما يصيب الإنسان من الضعف واليأس مدة الشدة. وعلى كل إنسان أن يقوّم أيادي نفسه ثم يقوّم أيادي غيره.
١٣ «وَٱصْنَعُوا لأَرْجُلِكُمْ مَسَالِكَ مُسْتَقِيمَةً، لِكَيْ لاَ يَعْتَسِفَ ٱلأَعْرَجُ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ يُشْفَى».
أمثال ٤: ٢٦ و٢٧ وغلاطية ٦: ١
وَٱصْنَعُوا لأَرْجُلِكُمْ مَسَالِكَ مُسْتَقِيمَةً الظاهر أن هذه العبارة مقتبسة من (أمثال ٤: ٢٦) وهي قريبة من الترجمة السبعينية وتختلف في اللفظ لا في المعنى عن العبراني والمراد بالأصل اليوناني ليكن سيركم ثابتاً مستقيماً يبقى له أثر واضح يستدل به الذين يرافقونكم ويتبعونكم. ولعل المخاطبين كانوا مترددين بين الديانة اليهودية والديانة المسيحية أحياناً يميلون إلى الواحدة وأحياناً إلى الأخرى. أو كانوا غير ثابتين في سلوكهم الأدبي فكانت مسالكهم هذه غير مستقيمة وعثر فيها الضعفاء الذين تبعوا خطواتهم.
لِكَيْ لاَ يَعْتَسِفَ ٱلأَعْرَجُ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ يُشْفَى أي لكي لا يضل الأعرج وهو هنا كناية عن ضعيف الإيمان والمتردد فيه فإنه إذا كان الطريق مستقيماً كان المشي فيه سهلاً للصحيح والأعرج الذي قد يشفي فيه خلافاً لما إذا كان في طريق متعرجة مضلة. والكلام هنا مجازي والمعنى اسلكوا طريقاً مستقيماً لنفع أنفسكم ونفع الضعفاء المترددين الذين تيسرون أمامهم وهم يقتفون أثركم.
١٤ «اِتْبَعُوا ٱلسَّلاَمَ مَعَ ٱلْجَمِيعِ، وَٱلْقَدَاسَةَ ٱلَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ ٱلرَّبَّ».
مزمور ٣٤: ١٤ ورومية ١٢: ١٨ و١٤: ١٩ و٢تيموثاوس ٢: ٢٢ ومتّى ٥: ٨ و٢كورنثوس ٧: ١ وأفسس ٥: ٥
اِتْبَعُوا ٱلسَّلاَمَ مَعَ ٱلْجَمِيعِ السلام هنا ضد الخصام والمراد حياة لجميع الناس ولا سيما إخوتهم الضعفاء المسيحيين.
وَٱلْقَدَاسَةَ السلام المأمور به هنا هو السلام مع القداسة أي لا يجوز لنا أن نترك القداسة لنحصل على السلام. والسلام وإن كان مرغوباً فيه هو بعد القداسة. انظر قول المسيح (متّى ١٠: ٣٤) «مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً» أي الذين يتبعون المسيح لا يقدرون أن يرضون الناس فيما يمس الإيمان. غير أن السلام الحقيقي هو من نتائج القداسة.
ٱلَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ ٱلرَّبَّ (١) لأن الرب لا يرتضي بالخطأة كما نتعلم من مثل عرس ابن الملك (متّى ٢٢: ١ - ١٤) فإن كل من يدنو من الملك يجب عليه أن يلبس لباس العرس أي أن يخلع خطاياه وبرّه الذاتي ويلبس بالإيمان ثوب بر المسيح. (٢) لأن الدنسين وغير التائبين وغير المؤمنين لا يقدرون أن يروا لأن كلاً منهم كالأعمى الذي لا يقدر أن يرى النور لأن ليس فيه قوة البصر وهم كذلك لا يقدرون أن يروا لأن ليس فيهم قوة البصر الروحي. فإن كثيرين رأوا المسيح وهو على الأرض في الجسد ولم يروا فيه ما يسرهم. وإن كثيرين اليوم لا يرون في الكتاب المقدس ما يستلزم الاحترام لأن ليس لهم قوة الإدراك الروحي.
١٥ «مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ ٱللّٰهِ. لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ ٱنْزِعَاجاً، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ».
٢كورنثوس ٦: ١ وغلاطية ٥: ٤ وتثنية ٢٩: ١٨ وص ٣: ١٢
مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ ٱللّٰهِ أي انظروا أن لا يميل أحد منكم عن طريق القداسة التي لن يرى أحد الرب بدونها فيخيب من نعمة الله أي من رضاه.
لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ ٱنْزِعَاجاً كلام مجازي معناه انظروا أن لا يظهر بينكم أحد سيرته رديئة فيزعجكم ويقلقكم.
فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ أي إن وجود مثل هذه السيرة في الكنيسة تفسد كثيرين. وقال بعضهم أن المراد هنا خطيئة الانشقاق والخصام لسبب ما أشار إليه الكاتب في العدد السابق من أتباع السلام. وقال غيرهم بل المراد خطيئة الارتداد تبعاً للموضوع العام (تثنية ٢٩: ١٨) ولا يظهر ذلك جلياً لأن الكاتب يتكلم في العدد التالي على خطيئة الزنا. فالأوفق أن يُحمل كلامه على القداسة وضدها (انظر ع ١٤).
١٦ «لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِياً أَوْ مُسْتَبِيحاً كَعِيسُو، ٱلَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ».
أفسس ٥: ٣ وكولوسي ٣: ٥ و١تسالونيكي ٤: ٣ و١تيموثاوس ١: ٩ وتكوين ٢٥: ٣٣
لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِياً زناء روحياً وهو الارتداد عن عبادة الله على رأي الأكثرين. وقد يكون المراد الزناء الحقيقي على رأي غيرهم.
أَوْ مُسْتَبِيحاً الكلمة الأصلية تفيد الاحتقار بالدين والهزء به.
كَعِيسُو، ٱلَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ أي البركة التي كانت في ذلك الوقت تُعطى للبكر فإنه ازدرى بها بقوله «هَا أَنَا مَاضٍ إِلَى ٱلْمَوْتِ، فَلِمَاذَا لِي بَكُورِيَّةٌ» (تكوين ٢٥: ٣٢) فيكون قد أتى الكاتب بخبر عيسو شاهداً على الاستباحة والهزء بالدين. وبعضهم يظن أن عيسو كان أيضاً مثالاً لا يحتذر منه في أمر الزناء ويأتون بما ورد في (تكوين ٢٦: ٣٤ و٣٥) إثباتاً لذلك وليس هذا واضحاً. والمعنى المراد أن انظروا لئلا يزدري أحد منكم بالديانة المسيحية وببركاتها الروحية ويتعلق بخيرات هذه الدنيا فيكون كعيسو الذي استهان ببكوريته وباعها بأكلة واحدة لأنه لم يعدها شيئاً.
١٧ «فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضاً بَعْدَ ذٰلِكَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ ٱلْبَرَكَةَ رُفِضَ، إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ».
تكوين ٢٧: ٣٤ و٣٦ و٣٨ وص ٦: ٦
فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضاً بَعْدَ ذٰلِكَ أي بعد ما باع بكوريته ليعقوب.
لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ ٱلْبَرَكَةَ وجاء وطلبها من أبيه.
رُفِضَ أي لم ينلها.
إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَاناً أي إن تأسفه على الماضي لم يفده شيئاً. وبعضهم يفهم «التوبة» بمعنى تغيير القصد وينسبون ذلك إلى إسحاق أي ولم يجد عيسو في أبيه إسحاق تغييراً في قصده بعد أن كان أعطى البركة ليعقوب. واليوناني يحتمل هذا المعنى.
مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ أي أنه طلب البركة بدموع ولكن بدون فائدة (تكوين ص ٢٧). والمعنى المراد هنا انظروا لا تستهينوا بالديانة المسيحية وتتعلقوا بالدنيا من جهة طرق الخطيئة في الجملة أو من جهة الارتداد عن الديانة الحقيقية فإنكم إذا فعلتم ذلك يصيبكم ما أصاب عيسو تتأسفون على الماضي ولا يجديكم الأسف نفعاً.
١٨ «لأَنَّكُمْ لَمْ تَأْتُوا إِلَى جَبَلٍ مَلْمُوسٍ مُضْطَرِمٍ بِٱلنَّارِ، وَإِلَى ضَبَابٍ وَظَلاَمٍ وَزَوْبَعَةٍ».
خروج ١٩: ١٢ و١٨ و١٩ و٢٥: ١٨ وتثنية ٤: ١١ و٥: ٢٢ ورومية ٦: ١٤ و٨: ١٥ و٢تيموثاوس ١: ٧
من جملة ما ذكره الكاتب لتثبيت إيمان العبرانيين ووقايتهم من الارتداد ما ورد هنا وهو المقابلة بين العهد القديم والعهد الجديد ويظهر منها أن غرض العهد القديم (١) ما يُرى ويُسمع ويُمس فأموره أرضية ووقتية ورموز فقط. وغرض العهد الجديد إعلان المرموز إليه والأمور الثابتة والحقيقية والروحية والسماوية. (٢) إنه على المخاطبين مسؤولية أعظم من مسؤولية القدماء لكونهم في العهد الجديد ولهم معرفة ووسائط أفضل مما كان للقدماء وإذا استعفوا من المتكلم من السماء ولم يسمعوا الكلام الذي شهد به ربوات من الملائكة والمفديين ورفضوا محبة الله المعلنة في ابنه يسوع المسيح يستحقون عقاباً أشد من عقاب الذين رفضوا الكلام من جبل سيناء.
لأَنَّكُمْ لَمْ تَأْتُوا إِلَى جَبَلٍ مَلْمُوسٍ والمراد جبل سيناء كما يظهر من الوصف التابع وسماه ملموساً أي واقعاً تحت الحواس الظاهرة بحيث يمكن لمسه خلافاً لجبل صهيون المعنوي المراد به ملكوت المسيح على الأرض وفي السماء كما سيأتي.
مُضْطَرِمٍ بِٱلنَّارِ، وَإِلَى ضَبَابٍ وَظَلاَمٍ وَزَوْبَعَةٍ هذه الحوادث مذكورة في خبر نزول الشريعة (خروج ص ١٩ وتثنية ص ٥).
١٩ «وَهُتَافِ بُوقٍ وَصَوْتِ كَلِمَاتٍ، ٱسْتَعْفَى ٱلَّذِينَ سَمِعُوهُ مِنْ أَنْ تُزَادَ لَـهُمْ كَلِمَةٌ».
خروج ١٠: ١٩ وتثنية ٥: ٥ و٢٥ و١٨: ١٦
وَهُتَافِ بُوقٍ (خروج ١٩: ١٦ و١٩) المصاحبات المذكورة لنزول الشريعة كانت مما تجعل تلك الحادثة لدى أعين الناس منظراً مهيباً فاعلاً فيهم التأثير الصالح والتذكر الدائم لأوامر الله ونواهيه المتضمنة في الوصايا العشر (خروج ٢٠: ٢٠) وربما كان لها معنى رمزي وهو أن اضطرام الجبل بالنار كان دليلاً على قوة الله في قصاص الخطأة وإهلاكهم. «والضباب والظلام» كانا دليلاً على إخفاء الله نفسه عن الناس في الشريعة الأدبية وعدم ظهوره لهم إلا في الإنجيل حيث سُفك دم الفداء لأجلهم. «والزوبعة» كانت دليلاً على المخاوف التي تقوم في ضمير الإنسان من جرى فعل الشريعة التي يخالفها. «وهتاف البوق» كان دليلاً على صوت الشريعة الذي هو كبوق يبوق في أذن الخاطئ بكونه عاصياً ومحتاجاً إلى رحمة الله المعلنة في إنجيله الكريم.
وَصَوْتِ كَلِمَاتٍ، ٱسْتَعْفَى ٱلَّذِينَ سَمِعُوهُ مِنْ أَنْ تُزَادَ لَهُمْ كَلِمَةٌ أي لما سمعوا صوت الله الرهيب وصوت البوق وشاهدوا تلك المناظر الهائلة خافوا وقالوا لموسى «تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا ٱللّٰهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ» (خروج ٢٠: ١٨ و١٩).
٢٠ «لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَمِلُوا مَا أُمِرَ بِهِ، وَإِنْ مَسَّتِ ٱلْجَبَلَ بَهِيمَةٌ تُرْجَمُ أَوْ تُرْمَى بِسَهْمٍ».
خروج ١٩: ١٣
لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَمِلُوا مَا أُمِرَ بِهِ أي نظراً إلى ما سبق لم يستطيعوا أن يسمعوا ما كان الله يأمر به وهو أمره تعالى القائل -
وَإِنْ مَسَّتِ ٱلْجَبَلَ بَهِيمَةٌ تُرْجَمُ أَوْ تُرْمَى بِسَهْمٍ (خروج ١٩: ١٣) فإن ذلك الأمر أوقع الرعبة في قلوبهم لأن المنع عن الدنو من الجبل لم يكن لهم فقط بل للبهائم أيضاً وكان القصاص لمخالفته صارماً جداً وهو القتل.
٢١ «وَكَانَ ٱلْمَنْظَرُ هٰكَذَا مُخِيفاً حَتَّى قَالَ مُوسَى: أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ!».
خروج ١٩: ١٦
وَكَانَ ٱلْمَنْظَرُ هٰكَذَا مُخِيفاً حَتَّى قَالَ مُوسَى: أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ أي وكان منظر الجبل حينئذ مخيفاً جداً حتى قيل إن الشعب ارتعد جداً (خروج ١٩: ١٦). وكان موسى معهم غير أنه لم يقل في الخبر أنه قال أنا مرتعب ومرتعد فعرف الكاتب ذلك على سبيل النتيجة أو على سبيل الوحي أو ربما كانت إشارة إلى ذلك في (تثنية ٩: ١٩). وقوله «مرتعب ومرتعد» أي مرتعب جداً على الاصطلاح العبراني الذي كثيراً ما يظهر في اليوناني المستعمل في العهد الجديد وهو من باب العطف بمعنى الوصف والبيان.
٢٢ «بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ: أُورُشَلِيمَ ٱلسَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ».
غلاطية ٤: ٢٦ ورؤيا ٣: ١٢ و٢١: ٢ و١٠ وفيلبي ٣: ٢٠ وتثنية ٣٣: ٢ ومزمور ٦٨: ١٧ ويهوذا ١٤
بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ من هنا بدأ الكاتب المقابلة بين قوله «لأَنَّكُمْ لَمْ تَأْتُوا إِلَى جَبَلٍ مَلْمُوسٍ» الخ (ع ١٨) وقوله هنا «بل قد أتيتم إلى جبل صهيون» الخ والمراد المقابلة بين العهد القديم والعهد الجديد تحت كناية جبل سيناء وجبل صهيون.
وَإِلَى مَدِينَةِ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ: أُورُشَلِيمَ ٱلسَّمَاوِيَّةِ تفسير لجبل صهيون أي كما أنه يُراد بجبل صهيون أورشليم المبنية عليه هكذا يُراد الآن بجبل صهيون المعنوي أورشليم السماوية وهي كناية عن السماء بعينها على نوع أن أورشليم الأرضية كانت مركز ديانة اليهود حيث كان هيكلهم والمقام الذين كانت تتجه إليه جميع آمالهم والمكان الذي كان يظهر الله فيه على نوع خاص لشعبه في العهد القديم وأما أورشليم السماوية فهي مدينة الله الحي كما كانت أورشليم الأرضية مدينة الملك العظيم (متّى ٥: ٣٥).
وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ الربوة بحسب وضعها الأصلي بمعنى عشرة آلاف وكانت تُستعمل في الاصطلاح اليوناني بمعنى العدد العظيم غير المحدود وهو المراد هنا. والكاتب هنا يقابل مصاحبة الملائكة لظهور الإلهي على جبل سيناء راجع هذه الرسالة (ص ٢: ٢) بمحفل الملائكة في السماء فلم يكن لليهود وصول للملائكة ولمعاشرتهم وأما شعب الله في العهد الجديد فيرونهم الآن بعين الإيمان ثم عند انتقالهم إلى السماء يرونهم بنوع أتمّ.
٢٣ «وَكَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، وَإِلَى ٱللّٰهِ دَيَّانِ ٱلْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ».
خروج ٤: ٢٢ ويعقوب ١: ١٨ ورؤيا ١٤: ١٤ لوقا ١٠: ٢٠ وفيلبي ٤: ٣ ورؤيا ١٣: ٨ وتكوين ١٨: ٢٥ ومزمور ٩٤: ٢ وفيلبي ٣: ١٢ وص ١١: ٤٠
وَكَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ المراد «بالكنيسة» في أصل استعمالها المحفل أو الجماعة ثم شعب الله وهو معطوفة على «ربوات» في العدد السابق والتقدير وإلى «كنيسة أبكار». قوله «أبكار» مجاز مبني على أن في الزمان القديم كان للبكر حقوق خاصة يمتاز بها عن بقية إخوته فصارت الكلمة على معنى ثانوي أن يحوز الإنسان نعماً خاصة وبركات عظيمة. وبناء على ذلك تسمى إسرائيل «بكر الله» (خروج ٤: ٢٢) وكذلك أفرايم (إرميا ٣١: ٩) والشعب المسيحي (يعقوب ١: ١٨) وربما كان المراد بها هنا أنفس الآباء والأنبياء والرسل والشهداء الذين اشتهروا بأعمال التقوى والصلاح. قوله «مكتوبين في السماوات» أي لهم حقوق أهل المدينة السماوية كما كان يُكتب أسماء أصحاب الحقوق في مدن الرومانيين في دفتر مخصوص فمن يُكتب في سفر السماء يكن له جميع حقوق أهل المدينة السماوية (رؤيا ٢٢: ١٩). وقد اختلفوا في أنه هل المراد هنا الكنيسة المحاربة على الأرض والكنيسة المنتصرة في السماء في المعنى المقصود. وبعضهم لا يقدّرون كلمة «إلى» في أول الآية ٢٣ فيفهمون أن المشار إليه جماعة واحدة فيها ملائكة وفيها مفديون من الناس أي كنيسة أبكار وعدد هذه الجماعة كلها ربوات أي ما لا يحصى.
وَإِلَى ٱللّٰهِ دَيَّانِ ٱلْجَمِيعِ أي أنه في العهد الجديد يُقترب من الله ديّان جميع البشر بدون خوف لأنه قد صالحنا بدم ابنه حتى لم يبق علينا شيء من الدينونة (رومية ٨: ١).
وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ أي أرواح الذين قد تبرروا بدم المسيح وقد رآهم يوحنا (رؤيا ٧: ٩ - ١٧) وفي هذه الكلام إشارة إلى الفوز في الجهاد الروحي الذي ذكره الكاتب في بداءة الأصحاح وإلى ما يعقبه من المجد لكن لا يكمل مجدهم إلا عند القيامة (١تسالونيكي ٤: ١٥ - ١٧ و١كورنثوس ١٤: ٢٣ و٥١ - ٥٤).
٢٤ «وَإِلَى وَسِيطِ ٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ: يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ».
ص ٨: ٦ و٩: ١٥ وخروج ٢٤: ٨ وص ١٠: ٢٢ و١بطرس ١: ٢ وتكوين ٤: ١٠ وص ١١: ٤
وَإِلَى وَسِيطِ ٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ: يَسُوعَ أي وسيط عهد النعمة الذي فيه ننال فوق المغفرة القوة لحفظ وصايا الله وذلك بالنظر إلى ذبيحة المسيح الكافية وإلى وساطته وشفاعته لنا.
وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يطهر من الخطيئة تطهيراً حقيقياً لا مجازياً خارجياً كما كان الأمر في رتبة العهد القديم.
يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ لأن دم هابيل كان يصرخ من الأرض طالباً النقمة من سافكه وأما دم المسيح فإنما يصرخ من الصليب لأجل مغفرة خطايا العالم حتى خطيئة الذين صلبوه ودم المسيح يكفر الخطيئة.
٢٥ «اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ ٱلْمُتَكَلِّمِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولَئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ ٱسْتَعْفَوْا مِنَ ٱلْمُتَكَلِّمِ عَلَى ٱلأَرْضِ، فَبِٱلأَوْلَى جِدّاً لاَ نَنْجُو نَحْنُ ٱلْمُرْتَدِّينَ عَنِ ٱلَّذِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ».
ص ٢: ٢ و٣ و٣: ١٧ و١٠: ٢٨ و٢٩
المراد بذلك تثبيت العبرانيين في إيمانهم المسيحي وعدم ارتدادهم إلى الديانة الموسوية. فإن الكلام الذي من السماء لا بد من أن يكون له تأثير أكثر من تأثير الكلام الذي على الأرض.
اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ ٱلْمُتَكَلِّمِ لكم في الإنجيل أو بدمه إشارة إلى ما ذُكر في نهاية العدد السابق. والمعنى انظروا أن لا تتنحوا عن المسيح وترتدوا عن الإيمان به.
لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولَئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ ٱسْتَعْفَوْا مِنَ ٱلْمُتَكَلِّمِ عَلَى ٱلأَرْضِ الإشارة إلى العهد القديم في الرتبة التي كان موسى المتكلم بها على الأرض فإن كانوا لم ينجوا من القصاص على المخالفة ولا سيما الارتداد عن عبادة الله إلى الأصنام كما مرّ في تفسير مثل هذه العبارة في (ص ١٠: ٢٨).
فَبِٱلأَوْلَى جِدّاً لاَ نَنْجُو نَحْنُ ٱلْمُرْتَدِّينَ عَنِ ٱلَّذِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ أي الذي نزل من السماء وهو المسيح والمعنى أنه نظراً إلى فضل المسيح على موسى والعهد الجديد على العهد القديم ينتج من ذلك أنه إن كان المرتدون عن الديانة الموسوية لم ينجوا من القصاص فبالأولى لا ينجو المرتدون عن الديانة المسيحية. وأما المتكلم فهو الله إن كان في العهد القديم أو في العهد الجديد. وكان الملائكة والأنبياء والرسل مرسلين من قبله فتكلموا عنه لا من أنفسهم. كان كلامه في العهد القديم بواسطة رموز وفرائض جسدية كانت تُظهر أموراً وتستر أخرى وأما الآن أي في العهد الجديد فيتكلم من السماء وهي مسكنه الحقيقي ويُعلن نفسه على نوع أوضح ويُعلن الأمور السماوية الحقيقية الثابتة المرموز إليها بفرائض العهد القديم. وكان صوت الله في العهد القديم لآذانهم الجسدية ولكنه في العهد الجديد لقلوبنا فيجب أن يكون تأثيره أشد وعلى من يرفضه خطية أعظم. والكاتب هنا يضم نفسه إلى المخاطبين لتلطيف العبارة في الخطاب (انظر ص ٢: ٣).
٢٦ «ٱلَّذِي صَوْتُهُ زَعْزَعَ ٱلأَرْضَ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا ٱلآنَ فَقَدْ وَعَدَ قَائِلاً: إِنِّي مَرَّةً أَيْضاً أُزَلْزِلُ لاَ ٱلأَرْضَ فَقَطْ بَلِ ٱلسَّمَاءَ أَيْضاً».
خروج ١٩: ١٨ وحجي ٢: ٦
ٱلَّذِي صَوْتُهُ زَعْزَعَ ٱلأَرْضَ حِينَئِذٍ أي حين نزول الشريعة على جبل سيناء (ع ١٩).
وَأَمَّا ٱلآنَ أي في العهد المسيحي.
فَقَدْ وَعَدَ قَائِلاً في (حجي ٢: ٦).
إِنِّي مَرَّةً أَيْضاً أُزَلْزِلُ لاَ ٱلأَرْضَ فَقَطْ بَلِ ٱلسَّمَاءَ أَيْضاً كلام النبي يعود إلى زمان مجيء المسيح إلى الأرض ليبني ملكوته الروحي مدة وجود الهيكل الثاني الذي بناه عزرا والزلزال المشار إليه في الآية كناية عن خراب أورشليم ومملكة اليهود الذي جرى في بداءة العهد المسيحي. وقد يكون في هذا الكلام تلميح إلى نهاية الدنيا أو إلى هدم ممالك الأرض لبناء ملكوت المسيح. لا نفهم أن السماء التي فيها مسكن الله وكرسيه تتزلزل بل سماء الدنيا أي التي تلي الأرض وتتبعها. والقول «الأرض والسماء» يشير إلى انقلاب عام لا مجرد أمور مادية كخراب مدينة أورشليم والهيكل وزوال العبادة والفرائض الموسوية وتشتت شعب اليهود وما أشبه ذلك.
٢٧ «فَقَوْلُهُ «مَرَّةً أَيْضاً» يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ ٱلأَشْيَاءِ ٱلْمُتَزَعْزِعَةِ كَمَصْنُوعَةٍ، لِكَيْ تَبْقَى ٱلَّتِي لاَ تَتَزَعْزَعُ».
مزمور ١٠٢: ٢٦ ومتّى ٢٤: ٣٥ و٢بطرس ٣: ١٠ ورؤيا ٢١: ١
فَقَوْلُهُ «مَرَّةً أَيْضاً» في العبارة المنقولة عن حجي النبي في العدد السابق.
يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ ٱلأَشْيَاءِ ٱلْمُتَزَعْزِعَةِ أي التي تقبل التغيير والانقلاب.
كَمَصْنُوعَةٍ أي زمنية فإن كونها مصنوعة يدل على قبولها التغيير لأن كل مصنوع متغير غير دائم. والمعنى أن مع تغيير المملكة اليهودية وخراب هيكلهم يتم أيضاً خراب جميع رتبتهم الطقسية.
لِكَيْ تَبْقَى ٱلَّتِي لاَ تَتَزَعْزَعُ أي لتدخل رتبة هي الرتبة المسيحية التي تبقى إلى آخر الزمان. والقول «مرة أيضاً» يعني مرة واحدة فقط أي أنه بعد التزعزع المشار إليه لا يكون تزعزع أيضاً بل يثبت ملكوت المسيح وسعادة المفديين. ويجب أن لا تضطرب قلوبنا لأن ما يزول ليس من الأمور الحقيقية بل رموز وظلال. وأما تلك الأمور فتبقى جميعها. ومن أمثلة ذلك كسر القالب وبناء المسبوك فيه وهدم ما تبنى عليه القنطرة وبقاء القنطرة. وكل ما في هذا العالم استعداد لملكوت الله فيزول وأما ملكوت الله فيبقى إلى الأبد.
٢٨ «لِذٰلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتاً لاَ يَتَزَعْزَعُ لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ ٱللّٰهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى».
لِذٰلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتاً لاَ يَتَزَعْزَعُ أي بما أننا حاصلون على الرتبة المسيحية التي لا تتزعزع كما تزعزعت ونُسخت الرتبة اليهودية.
لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ أي لنشكر الله على هذه النعمة العظيمة التي بها نلنا الرتبة السامية ودخلنا ملكوت المسيح الذي هو كنيسته وجسده السري. وهذا الشكر بعيد عن الضعف والارتداد الذي كان العبرانيون في خطر منه.
بِهِ نَخْدِمُ ٱللّٰهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً أي أننا إذا شكرنا الله على هذه النعمة العظيمة فإنما يكون ذلك خدمة منا مرضية له تعالى لأنه يسر بذبيحة الشكر.
بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى متعلق بقوله «شكر» على الأصح والمعنى لنشكره تعالى بتقوى خشوعية لأنه يُقصد بالكلمات المترادفة على الاصطلاح العبراني الذي يُتبع على جانب عظيم في إنشاء هذه الرسالة زيادة البيان في المعنى المقصود فيكون المعنى بخشوع تقوّي أو بتقوى خشوعية والثاني هو الأصح لمطابقته للعبارة الآتية.
٢٩ «لأَنَّ إِلٰـهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ».
خروج ٢٤: ١٧ وتثنية ٤: ٢٤ و٩: ٣ ومزمور ٥٠: ٣ و٩٧: ٣ وإشعياء ٦٦: ١٥ و٢تسالونيكي ١: ٨ وص ١٠: ٢٧
لأَنَّ إِلٰـهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ أي إن الله يقاص الكفر والارتداد والخطيئة قصاصاً صارماً يهلك فيه العصاة فهو كنار تأكل وتهلك جميع ما أمامها. والعبارة منقولة عن (تثنية ٤: ٢٤) ومراد الكاتب بذكرها إظهار نتيجة الارتداد عنه تعالى الهائلة كما أظهر من الجهة الأخرى البركات التي ينالها المؤمنون الثابتون في المسيح. والنار قد تكون للخير أيضاً فإنها تخدم الإنسان في إعداد مأكولاته وتلطيف هواء بيته وفي بعض صناعاته وهي واسطة للتطهير. وهكذا صفات الله الكاملة تُنشى الخوف في قلوب أعدائه وتنشئ التعزية والفرح والرجاء اليقيني في قلوب المؤمنين.
فوائد



  • لكل إنسان خطيئة أو خطايا يميل إليها أكثر من ميله إلى سواها وقوة تجربتها شديدة فيه ولذلك ينبغي عليه شديد الحذر منها. فقد تكون الكبرياء أو الحسد أو محبة المال أو الشهوة الأثيمة أو غير ذلك لا يقتلعها شيء من الإنسان أو يحفظه من السقوط في غوائلها إلا الصلاة الدائمة والسهر على تجنب أسبابها ولا سيما إبعاد الأفكار الأولى فيها. فإنه إذا أخذ يتردد فيها بالفكر أولاً فلا يلبث زمناً طويلاً أن يجريها بالفعل إذا مكنته الأحوال من ذلك «فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ ٱحْفَظْ قَلْبَكَ لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ ٱلْحَيَاةِ» (أمثال ٤: ٢٣).
  • الصبر في الشدة على جميع أنواعها من الواجبات المسيحية. ولما كانت جميع هذه الحياة مملوءة شقاء ومصاعب ولا يخلو أحدٌ من بعض أنواعها كان لا بد من أن يلاقيها الإنسان العاقل بالشجاعة والاحتمال. وللمسيحي وجه غير ذلك وهو أنه يؤمن بأنها من الله فلا تكون إلا للخير مهما كانت مرة أو صعبة أو كانت بحسب الظاهر مخالفة لمقتضى محبة الله الأبوية.
  • مصائب المسيحي تأديبات آتية من أبيه السماوي ولا ينتج منها إن الذي تصيبه يكون قد ارتكب خطيئة عظيمة كما توهم أصحاب أيوب لما رأوا يد الله قد اشتدت عليه وكما يتوهم كثير من الناس. وإنما هي في قضاء الله السري الذي لا تُدرك أحكامه. فغاية ما نعلمه من هذا القبيل إن الله يرسلها لخير بني البشر فإذا احتملها الإنسان بالصبر والتسليم أدت إلى تقدُّمه في طاعة الله وقرب السير معه تعالى وزهده في الدنيا ورفع قلبه نحو الآخرة.
  • الكتاب المقدس أي العهد القديم والعهد الجديد كله كتاب واحد وكله موحى به من الله وإله العهد القديم هو إله العهد الجديد والله واحد فنرى في العهد القديم عدله ومحبته الفائقة وكذلك في العهد الجديد. غير أننا نرى تقدماً في إعلان الله نفسه للبشر. فإن في العهد القديم ذبائح وفرائض ورموزاً ونبوءات وفي العهد الجديد الحقائق المشار إليها. وفي العهد الجديد ظهرت محبة الله بأكثر وضوح وظهر أيضاً غضبه على الخطيئة بأكثر وضوح.




اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ عَشَرَ


هذا الأصحاح مؤلف من وصايا كثيرة تتعلق بالسيرة المسيحية من جهة وجوب المحبة (ع ١). وإضافة الغرباء (ع ٢). ومشاركة المُضطهدين في أحزانهم (ع ٣). والطهارة (ع ٤). والقناعة مع الاتكال على الله (ع ٥ و٦). والتمثل بسيرة الصالحين (ع ٧). وطاعة المرشدين الروحيين (ع ١٧). والصلاة لأجل الذي كتب لهم هذه الرسالة (ع ١٨ و١٩). والعمل بموجب هذه الوصايا (ع ٢٢). مع عبارات الدعاء والسلام. وأما الكلام من (ع ٨ إلى ع ١٦) فوصية جديدة للثبات في الإيمان المسيحي معترضة بين الوصايا الأخر ومبنية على ما كان قد ذكره في ما تقدم من جهة كون الشريعة القديمة رمزاً إلى دين المسيح الذي لا يتغير وأن المآكل والمشارب التي أُمر بها في العهد القديم لا تصلح القلب بل تصلحه نعمة الله. وإن الذبائح قد تمّت في ذبيحة المسيح الواحدة وأنه لم يبق لنا الآن ذبيحة نقدمها إلا ذبيحة التسبيح وعمل الخير.
١ «لِتَثْبُتِ ٱلْمَحَبَّةُ ٱلأَخَوِيَّةُ».
رومية ١٢: ١٠ و١تسالونيكي ٤: ٩ و١بطرس ١: ٢٢ و٢: ١٧ و٣: ٨ و٤: ٨ و٢بطرس ١: ٧ و١يوحنا ٣: ١١ الخ و٤: ٧ و٢٠ و٢١
لِتَثْبُتِ ٱلْمَحَبَّةُ ٱلأَخَوِيَّةُ في قوله «لتثبت» تلميح إلى أن المحبة الأخوية كانت محفوظة عند العبرانيين المسيحيين (راجع ص ١٠: ٣٣ و٣٤) والكاتب هنا يحثهم على المواظبة عليها لأنها ركن الفضائل المسيحية. والمراد «بالمحبة الأخوية» محبة جميع الناس الذين هم إخوتنا بالولادة ولا سيما محبة إخوتنا بالإيمان الذين قد تبناهم الله وإيانا في عشيرته الروحية. وهذه الوصية كانت ضرورية لهم أولاً من جهة أهل العالم الذين كانوا يبغضون بعضهم بعضاً فكان يجب على المسيحيين مقابلة ذلك بمحبتهم بعضهم بعضاً. ونعرف من التاريخ أن أهل العالم لاحظوا محبة المسيحيين بعضهم لبعض وتعجبوا وتأثروا منها. وثانياً من جهة إخوتهم في الإيمان لكي يبقوا مرتبطين برباطات المحبة والمساعدة والمشاركة في الأحزان في تلك الأزمنة الصعبة.
٢ «لاَ تَنْسَوْا إِضَافَةَ ٱلْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ».
متّى ٢٥: ٣٥ ورومية ١٢: ١٣ و١تيموثاوس ٣: ٢ و١بطرس ٤: ٩ وتكوين ١٨: ٣ و١٩: ٢
لاَ تَنْسَوْا إِضَافَةَ ٱلْغُرَبَاءِ ولا سيما في ذلك الوقت لأن تلك الأيام كانت أيام الاضطهاد وكان كثير من المسيحيين قد خسروا كل مالهم وكانوا في خطر من حياتهم فاضطروا للهرب والاحتياج إلى مساعدة إخوتهم المسيحيين.
لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ وأمثلة ذلك ما ذُكر في (تكوين ١٨: ٢ الخ و١٩: ١ الخ) والمعنى ثابروا على إضافة الغرباء لأنه يتبع ذلك جزاء أكثر مما تظنون كما لم يظن إبراهيم ولوط أنهما أضافا ملائكة.
٣ «اُذْكُرُوا ٱلْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَٱلْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً فِي ٱلْجَسَدِ.
متّى ٢٥: ٣٦ ورومية ١٢: ١٥ و١كورنثوس ١٢: ٢٦ وكولوسي ٤: ١٨ و١بطرس ٣: ٨
اُذْكُرُوا ٱلْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ المراد «بالمقيدين» الذين كانوا يحتملون الاضطهاد والسجون لأجل الديانة الذي كان حينئذ ثائراً على المسيحيين ومعنى الكاتب أنه يجب على إخوتهم أن يذكروهم في صلواتهم وأن يشاركوهم في أحزانهم وأن يبذلوا لهم كل المساعدة الممكنة في تعزيتهم وتخفيف مصيبتهم.
وَٱلْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً فِي ٱلْجَسَدِ أي اذكروا الذين يحتملون العار وكلمة السوء الكاذبة لأجل المسيح ومعنى «الذكر» هنا كما سبق في العبارة المتقدمة. وأما قوله «كأنكم أنتم أيضاً في الجسد» فبمعنى أنكم أنتم أيضاً معرّضون لهذا الذل نفسه فيجب أن تشاركوهم في هذه النوع من مصيبتهم. ويحتمل المعنى أن يكون أيضاً أنه يجب أن تذكروهم لأنكم معهم أعضاء جسد المسيح فكما أن في الجسد الطبيعي لا يتألم عضو إلا ويتألم بقية الأعضاء أيضاً هكذا أنتم في الجسد السري. قال أصحاب الوقوف الكامل على كتب الفلاسفة المشهورين في الأزمنة القديمة أن في هذه الوصايا حُسناً في الإنشاء وبلاغة تضاهي أحسن ما أتوا به. وأما الحِكم الأدبية التي تأمر بها فإنها أسمى جداً مما يظهر في تصانيفهم وتشير إلى أن مصدرها هو الله لا الإنسان. وهذا القول صحيح من جهة كل آداب الدين المسيحي التي لا يُشاهد لها مثيل في سائر الأديان.
٤ «لِيَكُنِ ٱلزَّوَاجُ مُكَرَّماً عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَٱلْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ. وَأَمَّا ٱلْعَاهِرُونَ وَٱلزُّنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ ٱللّٰهُ».
١كورنثوس ٦: ٩ وغلاطية ٥: ١٩ و٢١ وأفسس ٥: ٥ وكولوسي ٣: ٥ ورؤيا ٢٢: ١٥
لِيَكُنِ ٱلزَّوَاجُ مُكَرَّماً عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ أي ليعتبر الجميع الزواج حالة كريمة خلافاً لقول البعض أنه لا يجوز وهو وهمٌ كان عند فرقة من اليهود تُدعى الأسينيين دخل عليهم من فلسفة كاذبة وثنية الأصل تعلّم أن الجسد مجلس الفساد والخطيئة فيجب كفه عن جميع شهواته فلم تكن المقدمة ولا النتيجة صحيحة كما هو ظاهر.
وَٱلْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ أي المضجع الزواجي والمعنى أنه لا يجوز أن يُعد نجساً وهو الأقرب. وبعضهم يفهمون بهذه العبارة وجوب حفظ المضطع المذكور خالياً من كل دنس وأعمال غير لائقة.
وَأَمَّا ٱلْعَاهِرُونَ وَٱلزُّنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ ٱللّٰهُ والظاهر أن المراد هنا «بالعهر» زنى غير المتزوج «وبالزنى» زنى المتزوج فيكون المعنى أن جميع أنواع الزنى موضوع لدينونة الله العادلة وإن كانت مستترة عن الناس. وكثيراً ما يتبع هذه الخطيئة الدنسة قصاص حاضر قبل الوصول إلى الدينونة الأخيرة.
٥ «لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ ٱلْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: «لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ».
متّى ٦: ٢٥ و٣٤ وفيلبي ٤: ١١ و١٢ و١تيموثاوس ٦: ٦ و٨ وتكوين ٢٨: ١٥ وتثنية ٣١: ٦ و٨ ويشوع ١: ٥ و١أيام ٢٨: ٢٠ ومزمور ٣٧: ٢٥
لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ ٱلْمَالِ أي لتكن سيرتكم بين الناس وحياتكم في الجملة خالية من محبة المال المستولية على قلوب كثيرين من الناس لأنها لا تجتمع مع محبة الله بل تضعفها أو تطردها من القلب (متّى ٦: ٢٤).
كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ ولو كان ذلك قليلاً أو لو بقي لهم قليل بسبب الخسائر التي احتملوها لأجل المسيح والمعنى ليس أن لا يكد الإنسان ويتعاطى وسائل الربح ولكن أن لا يطمع في الدنيا ويهتم بكثرة المال ويغتم لقلة ما عنده.
لأَنَّهُ قَالَ: لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ لا يُعلم من أين نقل هذه العبارة لأنها موجودة في أسفار كثيرة من العهد القديم (تثنية ٣١: ٦ ويشوع ١: ٥ و١أيام ٢٨: ٢٠ وإشعياء ٤١: ١٠ و١٧) والمعنى أن الذي يكون ماله قليلاً فلا يتلهف عليه ويتحسر لأجله بل ليتكل على الله الذي لا يهمل أحداً من شعبه في الحاجة.
٦ «حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: ٱلرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟».
مزمور ٢٧: ١ و٥٦: ٤ و١١ و١٢ و١١٨: ٦
حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ مع داود النبي الذي في مدة ضيقته كان يقول -
ٱلرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ (مزمور ١١٨: ٦) أي أنه في وسط المصاعب والضيقات والفقر لا يجوز أن نقع في حالة الهمّ لأن الله لا ينسانا بل هو سندنا في الخطوب ومعيننا في حين الأحزان.
٧ «اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ ٱلَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ. ٱنْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ».
ع ١٧ ص ٦: ١٢
الفصل من (ع ٧ - ١٦) كله متعلق بعضه ببعض. قال الكاتب أولاً أنه يجب أن يذكروا الذين كانوا مرشديهم وانتقلوا إلى الأبدية فلا يساقوا بتعاليم متنوعة وغريبة التي منها ما يختص بالأطعمة والذبائح. فإن القلب يثبت بالنعمة. وأما الذين لم يزالوا يتمسكون بالرسوم الموسوية فليس لهم نصيب في فوائد الفداء بدم المسيح. فعلى المخاطبين أن يخرجوا من تلك الطقوس الجسدية الوقتية ويتحدوا بالمسيح حاملين عاره وناظرين لا إلى خيرات هذا العالم الزائلة بل إلى الخيرات الحقيقية الباقية.
اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ ٱلَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ المرشدون المذكورون هنا هم الواعظون بكلمة الله والظاهر أن الإشارة إلى أناس كانوا قد انتقلوا من هذه الحياة كما يظهر من العبارة الآتية.
ٱنْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ أي اذكروا تعليمهم المستقيم وحياتهم الصالحة وموتهم بالسلام.
فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ أي واقتدوا بإيمانهم الذي كان متسلطاً على تعليمهم وحياتهم وموتهم وأعطاهم الثبات في وسط الشدائد فتشبهوا بهم واثبتوا إلى النهاية في الإيمان الحقيقي والسيرة الصالحة لكي تنالوا أخيراً معهم إكليل الغلبة في السماء. وربما كانت الإشارة هنا إلى استفانوس ويعقوب بن زبدي (أعمال ٧ وص ٢: ٢).
٨ «يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَٱلْيَوْمَ وَإِلَى ٱلأَبَدِ».
يوحنا ٨: ٥٨ وص ١: ١٢ ورؤيا ١: ٤
يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَٱلْيَوْمَ وَإِلَى ٱلأَبَدِ أي لن يتغير أبداً ولكن من أي جهة أمن جهة طبيعته الإلهية أو من جهة صفاته أو من جهة تعاليمه. لا يًُعلم مراد الكاتب إلا من قرينة الكلام وقد اختلفوا عليها فبعضهم يعلق معنى العبارة بما سبق فيكون سياق الكلام هكذا إن المسيح الذي اتكل عليه المرشدون المذكورون (ع ٧) وغلبوا حتى الموت هو هو الآن لا يتغير في كونه سنداً للواقعين في الأخطار وتعزية للمصابين بالأحزان وقوة للضعفاء. وبعضهم يعلق بالكلام التالي وهو قوله «لا تساقوا بتعاليم متنوعة وغريبة» إذ المراد انظروا أن لا يسوقكم أحد إلى تعاليم الضلال لأن المسيح لن يتغير في تعاليمه التي وضعها فيجب الثبات فيها. وهكذا ذهب أصحاب هذه الترجمة لأنهم فصلوا هذا العدد عما سبق وعلقوه بالعدد التالي.
٩ «لاَ تُسَاقُوا بِتَعَالِيمَ مُتَنَوِّعَةٍ وَغَرِيبَةٍ، لأَنَّهُ حَسَنٌ أَنْ يُثَبَّتَ ٱلْقَلْبُ بِٱلنِّعْمَةِ، لاَ بِأَطْعِمَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا ٱلَّذِينَ تَعَاطَوْهَا».
أفسس ٤: ١٤ و٥: ٦ وكولوسي ٢: ٤ و٨ و١يوحنا ٤: ١ ورومية ١٤: ١٧ وكولوسي ٢: ١٦ و١تيموثاوس ٤: ٣
لاَ تُسَاقُوا بِتَعَالِيمَ مُتَنَوِّعَةٍ وَغَرِيبَةٍ العلاقة أما بما سبق أو هي منقطعة ككثير من الوصايا الموجودة في هذا الأصحاح. قوله «لا تساقوا» أي لا تنقادوا بخداع التملق إلى الرجوع إلى التعاليم الموسوية المتنوعة الغريبة عن الديانة المسيحية وعن جوهرها فإنها كانت تتعلق بما يؤكل وما لا يؤكل ما يظهر من العبارة التابعة.
لأَنَّهُ حَسَنٌ أَنْ يُثَبَّتَ ٱلْقَلْبُ بِٱلنِّعْمَةِ، لاَ بِأَطْعِمَةٍ أي أن القلب يثبت في الإيمان والبر والقداسة لا بملاحظة الأطعمة والتمييز بين الطاهر والنجس منها حسب الشريعة الموسوية بل بنعمة الله في يسوع المسيح أصل ومصدر الآية المسيحية والتقوى الصحيحة.
لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا ٱلَّذِينَ تَعَاطَوْهَا أي إن الذين كانوا يحافظون أشد المحافظة على مسئلة الأطعمة وظنوا أنهم بواسطة ذلك يتخلصون من سلطان الخطيئة عليهم لم يجدوا نفعاً بها على أن هذا كان قصد الذين كانوا يريدون أن يسوقوا العبرانيين البسطاء لتعاليمهم المتنوعة الغريبة عن جوهر الديانة المسيحي وروحها ولذلك يحذّرهم الكاتب من الانقياد إلى هذا الضلال. لأن تمييز الأطعمة في العهد القديم لم يوضع لأجل تقديس الإنسان ولكن لغايات طقسية رمزية ووقتية ولأجل انفصالهم بعاداتهم عن الشعوب المجاورة لهم وسلامتهم من التشبه بهم. وما قاله الكاتب هنا في الأطعمة قد قابله أيضاً من جهة الناموس الطقسي كله (راجع ص ٧: ١٨ وص ٩: ١٠).
١٠ «لَنَا «مَذْبَحٌ» لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ ٱلْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ».
١كورنثوس ٩: ١٣ و١٠: ١٨
لَنَا «مَذْبَحٌ» أي للمسيحيين مذبح أفضل من مذابح اليهود هو صليب المسيح التي تقدّمت عليه ذبيحته الكريمة وقد أشار إلى ذلك قول المسيح «أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَداً» (يوحنا ٦: ٣٥).
لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ ٱلْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ أي أنه كما لم يُبح أكل خبز التقدمة إلا للكهنة فقط ولم يجز للمقدم أن يأكل إلا جزءاً معلوماً من الذبيحة والباقي للكاهن ولم يحز أكل شيء من الذبيحة إذا كانت محرقة ولا سيما محرقة الكفارة السنوية (لاويين ٦: ٢٦ وص ١٦: ١٤ - ١٦ وع ٢٧: وص ٤: ٣ - ١٢). كذلك من هذا الخبز السماوي والذبيحة الإلهية لا يستفيد الآن الذين يخدمون المسكن الأرضي أي الذين لا يزالون يتبعون الطقوس اليهودية. والمعنى على الجملة أن مسئلة الأطعمة في ذاتها لم تكن شيئاً فمن يتمسك بها الآن بعد زوالها يحرم الفوائد الناتجة عن الذبيحة الإلهية ولا يكون له وصول إلى الخبز الذي نزل من السماء ويهب الحياة للعالم.
١١ «فَإِنَّ ٱلْحَيَوَانَاتِ ٱلَّتِي يُدْخَلُ بِدَمِهَا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ إِلَى «ٱلأَقْدَاسِ» بِيَدِ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ تُحْرَقُ أَجْسَامُهَا خَارِجَ ٱلْمَحَلَّةِ».
خروج ٢٩: ١٤ ولاويين ٤: ١١ و ١٢ و٢١ و٦: ٣٠ و٩: ١١ و١٦: ٢٧ وعدد ١٩: ٣
فَإِنَّ ٱلْحَيَوَانَاتِ ٱلَّتِي يُدْخَلُ بِدَمِهَا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ إِلَى «ٱلأَقْدَاسِ» بِيَدِ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ الإشارة في هذا الكلام إلى الذبيحة السنوية عن الخطيئة التي كانت ثوراً عن خطيئة رئيس الكهنة وتيساً عن الشعب وكان يدخل رئيس الكهنة بدمهما إلى قدس الأقداس للاستغفار (راجع ما قيل في هذا الشأن في تفسير ص ٩: ٧).
تُحْرَقُ أَجْسَامُهَا خَارِجَ ٱلْمَحَلَّةِ بناء على الأمر الإلهي بإحراقها (لاويين ١٦: ٢٧) للدلالة على الصفح الكامل عن الخطيئة وعدم بقاء شيء من الدينونة عليها كما لم يبق شيء من تلك الذبائح التي أُحرقت بالنار. وأما الإحراق خارج المحلة التي كان ينزلها بنو إسرائيل فربما إشارة رمزية لصلب المسيح خارج أبواب المدينة كما سيأتي في العدد التابع.
١٢ «لِذٰلِكَ يَسُوعُ أَيْضاً، لِكَيْ يُقَدِّسَ ٱلشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ ٱلْبَابِ».
يوحنا ١٩: ١٧ و١٨ وأعمال ٧: ٥٨
لِذٰلِكَ أي وفقاً للذبيحة الرمزية التي كانت تشير إلى المسيح.
يَسُوعُ أَيْضاً، لِكَيْ يُقَدِّسَ ٱلشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ كما كانت خطايا بني إسرائيل تكفر بالذبيحة السنوية تكفيراً رمزياً.
تَأَلَّمَ خَارِجَ ٱلْبَابِ أي باب المدينة (يوحنا ١٩: ١٧ و١٨) كما كان يحرق بقايا الثور والتيس خارج المحلة وبذلك قدم تكفيراً تاماً حقيقياً لخطايا العالم فكانت المطابقة تامة لأن دم الذبيحة السنوية كان يُقدم في قدس الأقداس كما أن دم المسيح قُدم في الأقداس السماوي والذبيحة أحرقت خارج المحلة والمسيح تألم خارج أبواب مدينة أورشليم.
١٣ «فَلْنَخْرُجْ إِذاً إِلَيْهِ خَارِجَ ٱلْمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ».
ص ١١: ٢٦ و١بطرس ٤: ١٤
فَلْنَخْرُجْ إِذاً إِلَيْهِ أي إلى المسيح.
خَارِجَ ٱلْمَحَلَّةِ خارج محلة اليهود.
حَامِلِينَ عَارَهُ أي عار كعاره أو لأجله. والمعنى لنثبت في الإقرار المسيحي ولو كان ذلك يجلب علينا العار فإن المسيح قد تعيّر قبلنا لأجلنا فلنخرج إليه من الرتبة اليهودية نطرح نصيبنا فيه لأننا نؤمن أن بعد إكليل الشوك هنا ننال إكليل المجد في السماء.
١٤ «لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لٰكِنَّنَا نَطْلُبُ ٱلْعَتِيدَةَ».
ميخا ٢: ١٠ وفيلبي ٣: ٢٠ وص ١١: ١٠ و١٦ و١٢: ٢٢
لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا أي في هذا العالم.
مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ لنا أو نحن لها فإن جميع أملاك هذه الحياة وخيراتها قد تفارقنا وإذا لم تفارقنا فنحن نفارقها لا محالة بالموت ومن جملتها الوطن المشار إليه في العبارة بقوله «مدينة».
لٰكِنَّنَا نَطْلُبُ ٱلْعَتِيدَةَ أي المدينة المعدة والمراد الوطن السماوي في العالم الثاني. وعلاقة هذا العدد بما سبق أن الكاتب كان قد قال إننا لأجل المسيح نلتزم أن نخرج من محلة الشعب ومسكنهم كما خرج المسيح من المدينة لكي يُصلب وهنا يقول أن ليس هذا الأمر عظيماً لأننا إن طُردنا من مسكننا بين معارفنا وأهلنا ومن وطننا الأرضي فلنا وطن ثابت أبدي في السماويات لن نُطرد منه ابداً.
١٥ «فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلّٰهِ ذَبِيحَةَ ٱلتَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِٱسْمِهِ».
أفسس ٥: ٢٠ و١بطرس ٢: ٥ ولاويين ٧: ١٢ ومزمور ٥٠: ١٤ و٢٣ و٦٩: ٣٠ و٣١ و١٠٧: ٢٢ و١١٦: ١٧ وهوشع ١٤: ٢
فَلْنُقَدِّمْ بِهِ أي بالمسيح رئيس كهنتنا.
فِي كُلِّ حِينٍ أي على الدوام لا في أوقات متقطعة كما كان يفعل اليهود في ذبائحهم.
لِلّٰهِ ذَبِيحَةَ ٱلتَّسْبِيحِ لا ذبائح مادية حقيقية بل روحية مجازية لأن تلك قد تمت وبطلت في ذبيحة المسيح الواحدة فلم يبق للمسيحيين الآن ذبائح التسبيح لله والشكر على ذبيحته العظيمة التي قدمها ابنه الوحيد عنا والبركات التي أعلنها لنا في إنجيله الكريم.
أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِٱسْمِهِ تفسير لقوله السابق «ذبيحة المسيح» ولمنع الوهم أن الذبيحة التي ذكرها كانت ذبيحة حقيقية. قوله «ثمر شفاه» أي الكلام الذي يقوله الإنسان والمراد به هنا تعبير اللسان عن إحساسات القلب. وقوله «معترفة باسمه» أي الشكر الذي يعترف فيه بأن الله مصدر كل الخيرات التي يتمتع بها الإنسان إذ الاسم هنا كناية عن الله نفسه وهو اصطلاح كثير في الكتب المقدسة.
١٦ «وَلٰكِنْ لاَ تَنْسَوْا فِعْلَ ٱلْخَيْرِ وَٱلتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هٰذِهِ يُسَرُّ ٱللّٰهُ».
رومية ١٢: ٣ و٢كورنثوس ٩: ١٢ و١٣ وغلاطية ٦: ٦ وأفسس ٤: ٢٨ وفيلبي ٤: ١٨ وص ٦: ١٠
وَلٰكِنْ لاَ تَنْسَوْا فِعْلَ ٱلْخَيْرِ وَٱلتَّوْزِيعَ أي لا تظنوا أن الذبائح المسيحية الروحية تُقتصر على الشكر والتسبيح لله بل يدخل فيها أيضاً فعل الخير أي أفعال الرحمة نحو الفقراء والمحتاجين والمصابين والمحزونين وأفعال الصدقة والإحسان بحسب الاستطاعة وأحياناً يجب أن نبذل من ضروريتنا في أحوال عير معتادة.
لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هٰذِهِ يُسَرُّ ٱللّٰهُ أي هذه هي الذبائح التي يرضى بها الله ويجازي فاعلها بأفضل مما بذل للفقير لا الذبائح اليهودية. وقد أُشير إلى هذا الأمر مراراً كثيرة في كتب العهد القديم (ميخا ٦: ٦ - ٨ وإشعياء ١: ١١ - ١٧ و٥٨: ٣ - ٧).
١٧ «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَٱخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَاباً، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذٰلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هٰذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ».
فيلبي ٢: ٢٩ و١تسالونيكي ٥: ١٢ و١تيموثاوس ٥: ١٧ وع ٧ وحزقيال ٣: ١٧ و٣٣: ٧٢ وأعمال ٢٠: ٢٦ و٢٨ ومرقس ٧: ٣٤ ورومية ٨: ٢٣ و٢كورنثوس ٥: ٢ و٤
أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَٱخْضَعُوا المرشدون المشار إليهم هنا هم القسوس أو الرعاة الأحياء. وأما المرشدون المذكورون في (ع ٧) فهم الذين كانوا قد انتقلوا من هذه الحياة. والفرق بين الطاعة والخضوع في قوله «أطيعوا واخضعوا» هو أن الأول يشير إلى طاعة المرشدين في تعليمهم والثاني إلى عدم المقاومة لما يستحسنون من الترتيب لأجل خير الشعب. والمعنى أطيعوا مرشديكم في جميع ما يعلمونكم من تعاليم الإنجيل وفي ما يؤول إلى نظام الكنيسة وحسن الترتيب وأخضعوا لسلطانهم الذي يستعملونه لأجل خير الشعب في التأديب الكنسي واحترموهم في جميع أقوالهم وآرائهم المتعلقة بخير الجمهور. ويجب الخضوع لهم وإن كان ذلك أحياناً يخالف ما يستحسنه الرعية من جهة نظام أو عمل مما لا يمس جوهر إيمانهم. ولعل الكاتب رأى في المخاطبين ما يستدعي هذا الإنذار.
لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كما يسهر الرعاة على رعيتهم ولذلك كان خير الشعب موضوعاً دائماً لأفكارهم وعنايتهم فيجب الانقياد لهم واحترامهم وعدم مقاومتهم.
كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَاباً أي إن سهرهم لأجلكم مبني على وكالة مقامون هم لها من الله ومسؤولون له تعالى عنها. فإذاً من الجهة الواحدة يجب عليهم أن يستعملوا هذا السلطان الروحي بكل حكمة ووداعة ومقاصد خيرية لأنهم سيعطون حساباً عن وكالتهم ومن الجهة الأخرى يجب عليكم الطاعة لهم لأن المفهوم أنهم يسهرون لأجل خيركم فإذا أرادوا أن يقتادوكم إلى طرق الضلال أو يفرطوا في حقوقهم ويقصدوا مجرد السلطة عليكم فلستم مكلفين بطاعتهم.
لِكَيْ يَفْعَلُوا ذٰلِكَ بِفَرَحٍ أي لكي يسهروا عليكم بفرح لأن طاعتكم وخضوعكم مما يسهل عملهم ويقرنه بالنجاح فيكون ذلك سبباً لفرحهم. فلا يكون معظم فرح المرشد برئاسته ومجد نفسه بل بنجاح الخدمة وخلاص النفوس وبنيانها.
لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هٰذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ المعنى فإذا لم تطيعوهم بل قاومتموهم فيكون ذلك سبباً لحزنهم وأنينهم وهذا لا يكون نافعاً لكم بل مضراً بخيركم الروحي في هذه الحياة أو موقفكم أخيراً أمام الله. فإنه كما أنهم مسؤولون لله عن حسن التصرف في وكالتهم هكذا أنتم أيضاً في طاعتكم لرؤسائكم الروحيين الذين يريدون خيركم ويسهرون على أنفسكم.
١٨ «صَلُّوا لأَجْلِنَا، لأَنَّنَا نَثِقُ أَنَّ لَنَا ضَمِيراً صَالِحاً، رَاغِبِينَ أَنْ نَتَصَرَّفَ حَسَناً فِي كُلِّ شَيْءٍ».
رومية ١٥: ٣٠ وأفسس ٦: ١٩ وكولوسي ٤: ٣ و١تسالونيكي ٥: ٢٥ و٢تسالونيكي ٣: ١ وأعمال ٢٣: ١ و٢٤: ١٦ و٢كورنثوس ١: ١٢
صَلُّوا لأَجْلِنَا الكاتب يطلب الصلاة لأجله من المؤمنين ولو كانوا ضعفاء محتاجين إلى إرشاده وتثبيته إياهم في الإيمان المسيحي كما فعل في هذه الرسالة. وكذا بولس في كل رسائله طلب من الإخوة أن يصلوا لأجله (رومية ١٥: ٣٠ و٢كورنثوس ١: ١١ وأفسس ٦: ١٩ الخ) فينتج من ذلك أن الشعب يجب أن يصلي لأجل الرعاة الروحيين وأن مثل هذه الصلاة مفيدة لدى الله ولو كانت صادرة من أناس ضعفاء وأنه يجب على جميع المسيحيين أن يصلي بعضهم لأجل بعض.
لأَنَّنَا نَثِقُ أَنَّ لَنَا ضَمِيراً صَالِحاً تعليل لطلبه الصلاة منهم لأجله إذ كان له ضمير صالح في خدمة الله فيجب أن يصلوا لأجله لكي يتم هذه الخدمة بأمانة وأهلية ونجاح. «الضمير الصالح» هنا بمعنى النية المستقيمة والقصد المخلص ولعله أشار إلى مقاومة البعض وبقوله هذا أكد لهم أنه كلما كان علم وفعل هو من ضمير صالح ونية مخلصة.
رَاغِبِينَ أَنْ نَتَصَرَّفَ حَسَناً فِي كُلِّ شَيْءٍ تفسير «للضمير الصالح» المذكور أي إن قصد الكاتب الثابت كان أن يتمم خدمته على حقها في كل جزء من أجزائها ولذلك كان يحتاج إلى صلاة إخوته المسيحيين لأنها كانت خدمة صعبة لا يقدر عليها الإنسان بدون المساعدة الإلهية ولا ينجح فيها بدون بركة الله وكان هذا القصد المخلص في الكاتب داعياً لمساعدة المسيحيين إياه بواسطة صلواتهم.
١٩ «وَلٰكِنْ أَطْلُبُ أَكْثَرَ أَنْ تَفْعَلُوا هٰذَا لِكَيْ أُرَدَّ إِلَيْكُمْ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ».
فليمون ٢٢
وَلٰكِنْ أَطْلُبُ أَكْثَرَ أَنْ تَفْعَلُوا هٰذَا أي وعلى الخصوص اطلب أن تصلوا لأجلي (فضلاً عما ذُكر من الغابات السابقة).
لِكَيْ أُرَدَّ إِلَيْكُمْ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ مما تقتضيه داوعي العاقة التي منعت الكاتب من الحضور إليهم بقوله هذا أظهر ثقته بمحبة المخاطبين له واشتياقهم إليه.
٢٠ «وَإِلٰهُ ٱلسَّلاَمِ ٱلَّذِي أَقَامَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ رَاعِيَ ٱلْخِرَافِ ٱلْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ ٱلْعَهْدِ ٱلأَبَدِيِّ».
رومية ١٥: ٣٣ و١تسالونيكي ٥: ٢٣ وأعمال ٢: ٢٤ و٣٢ ورومية ٤: ٢٤ و٨: ١١ و١كورنثوس ٢: ١٤ و١٥: ١٥ و٢كورنثوس ٤: ١٤ وغلاطية ١: ١ وكولوسي ٢: ١٢ و١تسالونيكي ١: ١٠ و١بطرس ٢: ٢١ وإشعياء ٤٠: ١١ وحزقيال ٣٤: ٢٣ و٣٧: ٢٤ ويوحنا ١٠: ١١ و١٤ و١بطرس ٢: ٢٥ و٥: ٤ وزكريا ٩: ١١ وص ١٠: ٢٩
وَإِلٰهُ ٱلسَّلاَمِ دعاء من الكاتب لأجل العبرانيين وقد سمى الله «إله السلام» لأنه كذلك لجميع شعبه الذين قد تصالحوا معه بواسطة دم المسيح. والسلام هنا يعم سلامة الضمير وجميع بركات الخلاص.
ٱلَّذِي أَقَامَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ قيامة المسيح من الموت منسوبة لله لأنها إنما تمت بقدرة إلهية وهذا لا ينافي القول بأن المسيح قام بقوته الإلهية لأن الجوهر الإلهي واحد في الأقانيم الثلاثة.
رَاعِيَ ٱلْخِرَافِ ٱلْعَظِيمَ اسم من جملة الأسماء المجازية التي يُلقب بها المسيح في العهد الجديد (انظر يوحنا ص ١٠) دلالة على حمايته ورعايته لشعبه. وسماه «العظيم» ليس بالنظر إلى ذاته فقط ولكن بالنظر إلى كونه عظيم الرعاة الذين أقامهم ليرعوا رعيته.
رَبَّنَا يَسُوعَ بدل من راعي الخراف.
بِدَمِ ٱلْعَهْدِ ٱلأَبَدِيِّ لا يُعلم بماذا يجب أن يُعلق هذا القول على أنه بحسب الظاهر بقوله «أقام» ولكن يتعسر فهم المعنى من هذه العلاقة ولذلك علّقه بعضهم بقوله «راعي الخراف» أي أنه صار كذلك بواسطة دم العهد الجديد الى سفكه لأجل الخراف. وبعضهم يجعل الباء هنا بمعنى مع أي أنه أقامه مع الدم الذي فاعليته إلى الأبد. وبعضهم يجعل العلاقة بالعبارة الآتية وهو وجه ضعيف وربما الأول هو الأصح.
٢١ «لِيُكَمِّلْكُمْ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ لِتَصْنَعُوا مَشِيئَتَهُ، عَامِلاً فِيكُمْ مَا يُرْضِي أَمَامَهُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي لَهُ ٱلْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ. آمِينَ».
٢تسالونيكي ٢: ١٧ و١بطرس ٥: ١٠ وفيلبي ٢: ١٣ وغلاطية ١: ٥ و٢تيموثاوس ٤: ١٨ ورؤيا ١: ٦
لِيُكَمِّلْكُمْ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ أي ليعطيكم إله السلام كل الأهلية والقوة لتعيشوا عيشة صالحة كما يليق بالمسيحيين.
لِتَصْنَعُوا مَشِيئَتَهُ أي لتتموا واجباتكم في كل عمل صالح فإن هذا مشيئته تعالى.
عَامِلاً فِيكُمْ مَا يُرْضِي أَمَامَهُ تفسير لقوله السابق فإن المسيحي لا يستطيع من تلقاء ذاته أن يقوم بواجباته ويعيش العيشة الصالحة المرضية أمام الله بل يحتاج أن يعمل الله فيه الإرادة الفعالة لكي يتمم أوامره تعالى.
بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ الذي باستحقاقه تُعطى لنا المواهب الإلهية.
ٱلَّذِي لَهُ ٱلْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ. آمِينَ قد تعود هذه التسبيحة لله إله السلام المذكور في بداءة العدد السابق أو إلى يسوع وهو الأصح لغة لقرب ذكر اسمه وقد نُسب ذلك إليه أيضاً في أماكن أُخر كثيرة منها (رؤيا ١: ٦ و١بطرس ٤: ١١ و٢بطرس ٣: ١٨).
٢٢ «وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنْ تَحْتَمِلُوا كَلِمَةَ ٱلْوَعْظِ، لأَنِّي بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ».
١بطرس ٥: ١٢
وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنْ تَحْتَمِلُوا كَلِمَةَ ٱلْوَعْظِ التي كان قد قدمها لهم في ما مضى من هذه الرسالة من جهة وجوب الثبات في الإيمان المسيحي وتنبيهه إياهم من جهة خطر الارتداد عنها. والكاتب يطلب منهم أن يقبلوا كلامه بهذا الشأن بروح المحبة لا بروح الغيظ.
لأَنِّي بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فلم يتيسر لي أن ألتفت إلى عبارات التلطيف فأرجو منكم أن تقبلوا الكلام الوجيز الذي نظرت فيه إلى المعنى وأهمية الموضوع لا إلى عبارات الملاطفة وتستفيدوا مما ذكرته لكم. وهذه الرسالة التي يمكننا أن نقرأها كلها في ساعة من الزمان مختصرة بالنسبة إلى أهمية موضوعها.
٢٣ «اِعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أُطْلِقَ ٱلأَخُ تِيمُوثَاوُسُ، ٱلَّذِي مَعَهُ سَوْفَ أَرَاكُمْ، إِنْ أَتَى سَرِيعاً».
١تيموثاوس ٦: ١٢ و١تسالونيكي ٣: ٢
اِعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أُطْلِقَ ٱلأَخُ تِيمُوثَاوُسُ من السجن ولا نعلم الآن المكان الذي كان مسجوناً فيه ولا أحوال سجنه فإن جميع ما يظهر من هذه العبارة أنه سُجن وأُطلق وإن ذلك كان في مدينة غير التي كُتبت منها هذه الرسالة لأن الكاتب كان ينتظر قدومه إليه.
ٱلَّذِي مَعَهُ سَوْفَ أَرَاكُمْ، إِنْ أَتَى سَرِيعاً أي أن الكاتب كان مزمعاً أن يصحب تيموثاوس معه إذا لم يتأخر عن الحضور إليه عند سفره. ويظهر من هذه العبارة أن الكاتب كان قد سُجن وأُطلق أو أنه كان ينتظر الإطلاق حالاً (ع ١٩).
٢٤ «سَلِّمُوا عَلَى جَمِيعِ مُرْشِدِيكُمْ وَجَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ إِيطَالِيَا».
ع ٧ و١٧
سَلِّمُوا عَلَى جَمِيعِ مُرْشِدِيكُمْ الذين مرّت الإشارة إليهم في (ع ١٧) فيظهر أن الرسالة لم تُرسل إلى المرشدين بل إلى رعيتهم.
وَجَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ أي المسيحيين الذين أفرزهم الله ودعاهم إلى حياة القداسة وغرس مبادئها في قلوبهم وهي ظاهرة فيهم على نوع ما. ويُستنتج أنه في مدينة المخاطبين كان جماعات أخرى من المسيحيين.
يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ إِيطَالِيَا لهذه العبارة تفسيران (١) إن الكاتب كان في إيطاليا والإخوة الذين في إيطاليا بلغوا السلام إلى العبرانيين. (٢) إن الكاتب كان في مكان غير إيطاليا ومعه إخوة مستوطنون أصلهم من إيطاليا.
٢٥ «اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ».
٢تيموثاوس ٤: ٢٢ وتيطس ٣: ١٥ ورؤيا ٢٢: ٢١
اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِكُمْ أي رضوان الله وبركاته وحمايته تكون معكم.
آمِينَ أي ليكن كذلك. وهذه الخاتمة كثيرة في الرسائل.
(إِلَى ٱلْعِبْرَانِيِّينَ، كُتِبَتْ مِنْ إِيطَالِيَا، عَلَى يَدِ تِيمُوثَاوُسَ)
قوله إِلَى ٱلْعِبْرَانِيِّينَ، كُتِبَتْ مِنْ إِيطَالِيَا، عَلَى يَدِ تِيمُوثَاوُس عبارة كغيرها في بقية الرسائل ملحقة بالرسائل ليست جزءاً منها وليس لها فائدة عند العلماء لأن بعضها أُلحق بعد زمان الكتابة الأصلية بمدة طويلة وبعضها غلط ظاهر.
فوائد



  • المحبة لإخوتنا البشر ولا سيما المسيحيين من الواجبات الأولى في الديانة بل هي أخصها جميعها. فإذا وُجدت في الإنسان كانت دليلاً على عمل نعمة الله في القلب وإذا لم توجد كان ذلك دليلاً على بطل ديانة من يدّعي التقوى وهو خال من قوتها. فإن الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه وإن قال أحد إني أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب (١يوحنا ٤: ١٦ و٢٠).
  • يُعلم وجود المحبة من ثمارها فإذا أدت إلى احتمال إخوتنا في ضعفهم والصفح عن ذنوبهم إلينا وبذل المساعدة لهم في زمن حاجتهم وميسرتنا ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم كانت محبة صادقة. وإذا لم تكن كذلك كانت باطلة في أعين البشر وشراً من باطلة في عيني الله.
  • لا شيء من العيب أو الدنس في الزواج وقد كان أشهر رجال الله في العهد القديم والجديد متزوجين. والذين يمنعون الزواج بناء على فضل الحالة الرهبانية والنذر بها إنما يعرضون الخاضعين لهم لأسباب الزناء ولدينونة الله الرهيبة.
  • القناعة هي الارتضاء بما قسمه الله لنا والاكتفاء بما عندنا مع الاتكال على مواعيده تعالى بأنه لا يهملنا ولا يتركنا للحاجة والضيقة. ونقيضها هو محبة المال التي تسوق الإنسان إلى التعلق المفرط به والاشتغال عن الالتفات إلى مصالح النفس والبخل ومحبة اللذّات وعدم الاكتراث بضيقة الفقراء وطرد محبة الله من القلب.
  • ليس تأثير المرشدين من فصاحتهم ولا من علومهم بل مما فيهم من الحياة الروحية. وقوتهم الحقيقية هي من حلول الروح القدس عليهم. وعليهم أن يتبعوا المسيح قبلما يطلبون من الناس أن يتبعوهم.
  • طاعة المرشدين الروحيين إذا كان تعليمهم بحسب الحق والتمثل بهم إذا كانت سيرتهم سيرة الصلاح من الأمور المفيدة للمسيحيين والواجبة عليهم. وقد أُقيموا لهذه الوظيفة بقصد الفائدة المذكورة فيُطلب منهم السهر الدائم على رعيتهم وأخيراً الحساب على كيفية التصرف بها.
  • بما أن يسوع هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد لا يتغير فالذين يلتجئون إليه الآن ينالون الرحمة والمغفرة والحياة الروحية والغلبة في هذه الحياة والخلاص الأبدي في الآخرة كما نالها شعبه في الأزمنة القديمة. لأن محبته للخطأة لا تزال غير متغيرة وكذلك فاعلية ذبيحته على الصليب عنا وشفاعته أمام الله فينا.
  • لا يثبت القلب من الأطعمة أي الطقوس والفرائض الجسدية ولا من الاعتقاد الديني كقوانين الإيمان بل بنعمة الله التي لا تتغير. وكما أن الجسد يتقوى بواسطة الطعام أولاً بتناوله ومضغه ثم بهضمه وانضمام جوهره إلى الجسم هكذا حياة الإنسان الروحية تتقوى بكلام الله أولاً وبإدراكه والتأمل فيه ثم بقبوله بالإيمان والعمل بموجبه.
  • قد بطلت جميع الذبائح بذبيحة المسيح الواحدة. وهذه الذبيحة لا تعاد ولا تُكرر لأنها لما تقدمت على الصليب مرة واحدة كانت كافية لتطهير الخطأة إلى نهاية الدهور. فما بقي من ذلك في الكنيسة المسيحية إنما هو الإيمان الدائم بها وتذكرها المتصل في العشاء السري مع تقديم ذبائح التسبيح والشكر والرحمة وفعل الخير والإحسان للفقراء والمحتاجين.
  • وعلى المؤمنين أن يخرجوا من جماعة غير المؤمنين أولاً لئلا تفسد أخلاقهم من المعاشرات الرديئة وثانياً ليكونوا مع المسيح.
  • إن غاية الإنسان العظمى أن يفعل مشيئة الله لأن هذه المشيئة تتضمن كل خير فمنها النور والحياة والمحبة والرجاء والتعزية والسلام والحق.



Call of Hope
P.O.Box 10 08 27
D-70007
Stuttgart
Germany