النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: تفسيرانجيل متى

  1. #1

    تفسيرانجيل متى

    مقدمة لبشارة متّى

    الكاتب


    كتب هذه البشارة رجل يهودي من الجليل اسمه متّى، وهو لاوي بن حلفي (مرقس ٢: ١٤) استوطن كفرناحوم وكان عشاراً، أي جامع الضرائب للرومان. دعاه المسيح وهو يمارس وظيفته (متّى ٩: ٩) وقصته بعد يوم الخمسين غير أكيدة، تعتمد على التقليد التاريخي فقط.

    زمن الكتابة


    زمن كتابة بشارة متّى غير معروف بالتحقيق، ويُرجح أنه بين سنة ٦٠ و٦٦م. وبما أنها لا تذكر خراب أورشليم سنة ٦٦ (وهي سنة ٧٠ على الحساب المشهور) فقد استنتج المفسرون أنها كُتبت قبل وقوع تلك الحادثة. وفي قوله «إلى هذا اليوم» (ص ٢٧: ٨ و٣٨: ١٥) إشارة إلى أن التاريخ كُتب بعد حدوث الأمور المذكورة بمدة طويلة.

    لغتها الأصلية


    بشارة متّى التي عندنا اليوم كُتبت أصلاً باليونانية، ومنها جاءت الترجمة العربية وسائر الترجمات المعروفة. لكن لنا أدلة كثيرة على وجود نسخة عبرانية قديمة فُقدت منذ عهد طويل. ولا مانع من الظن أن هذا البشير كتب بشارته في لغتين. فثبوت النسخة العبرانية لا يناقض قانونية النسخة اليونانية التي عندنا. ولا دليل على أن تلك النسخة اليونانية تُرجمت من نسخة أخرى.

    خواصها


    كُتبت هذه البشارة في اليهودية لليهود. وهي تُعلن أن يسوع هو أعظم الأنبياء والمشترعين، ومتممٌ بذاته كل نبوات العهد القديم من أنه هو المسيح ملك إسرائيل. وترتيب حوادثها ليس بحسب زمان حدوثها ولكن باعتبار مواضيعها. فإن الكاتب يجمع أعمال المسيح وأقواله المتشابهة، ويروي نبأ المسيح كجزء من تاريخ الأمة اليهودية، إتماماً للبركة التي وعد الله إبراهيم بها.
    وتستحق هذه البشارة أن تُسجَّل قبل غيرها في العهد الجديد، لأنها توضح العلاقة بين العهدين القديم والجديد، أي بين الشريعة والإنجيل. وقد كُتبت لليهود لتبرهن لهم أن يسوع هو المسيح، بدليل:

    • أنها اقتبست من العهد القديم نحو خمس وسبعين آية.
    • أنها لا تتعرض لذكر عادات اليهود، بل تحسبها معروفة للقارئ.
    • أنها تعلن إرسالية يسوع الخاصة لليهود.


    ومتّى هو الإنجيلي الوحيد الذي يذكر سلسلة نسب يوسف، ومجيء المجوس، وهروب يسوع مع عائلته إلى مصر، وقتل الأطفال في بيت لحم، ومَثل العشر العذارى، وحلم زوجة بيلاطس، وقيامة بعض القديسين، وارتشاء الحراس الرومان، وإرسال المسيح تلاميذه ليذهبوا ويُعمدوا كل من يؤمن بشهادتهم له.

    كلمة تمهيدية


    الإنجيل أو البشارة تتناول عادة إما عملاً أو حادثة جرت، وهي مفرحة لمن يقولها ولمن يسمعها على السواء. وأي خبر مفرح أكثر من هذه البشارة، لأن الله القدير يريد أن يفتدي شعبه من خطاياهم «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيد» (يوحنا ٣: ١٦). وهذه «بشارة متّى» أي أنه المسؤول عن تنسيق روايتها. وإن كُتبت بالروح القدس فالعامل البشري موجود أيضاً.
    لا بد لمن يدخل على الإنجيل المقدس أن يشعر أنه داخل إلى حرمٍ مقدس، فيتساءَل: تُرى هل يحتاج الإنجيل إلى تفسير، وهو البشارة المفرِّحة المعلنة لكل البشر بأبسط عبارة وأوضح أسلوب؟! وهل بعد قصص المسيح وأمثاله الإلهية العجيبة زيادة لمستزيد، فيقف البيان البشري صامتاً أمام الحكمة الإلهية، ويتورع اللسان مهما بلغت فصاحته إلا أن يصت أمام «ابن الله ابن الإنسان» ليقول له: تكلم يا رب لأن عبيدك سامعون.
    ولكن القصد من هذا التفسير هو جلاء بعض النقاط بالنسبة للترجمة أولاً، وبالنسبة لِما قد يطرأ على بعض العبارات من إيضاحات تتطلبها عوامل الزمان والمكان واختلاف البيئة والأشخاص عما كان في زمن المسيح. فيقتضي، والحالة هذه، أن نفسر بعض الأشياء، زيادة في روعة الرسالة المسيحية وقدسيتها.

    الأصحاح الأول


    ١ «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِ دَاوُدَ ٱبْنِ إِبْرَاهِيمَ».
    لوقا ٣: ٢٣ ومزمور ١٣٢: ١١ وإشعياء ١١: ١ وإرميا ٢٣: ٥ و٢٢: ٤٢ ويوحنا ٧: ٤٢ وأعمال ٢: ٣٠ و١٣: ٢٣ ورومية ١: ٣ وتكوين ١٢: ٣ و٢٢: ١٨ وغلاطية ٣: ١٦
    كِتَابُ مِيلاَدِ أي جدول نسب. واستعمال «كتاب ميلاد» بهذا المعنى اصطلاح عبري كما في تكوين ٥: ١. وتاريخ نسب المسيح من جهة ناسوته مجموع في عدد ١ - ١٧ من هذا الأصحاح. وكان اليهود يهتمون للغاية في حفظ كتب مواليدهم. ولا ريب في أن هذا الكتاب نُقِل عن الأنساب العائلية العامة. وبعد نقله بست وستين سنة هُدمت مدينة أورشليم والهيكل، وفُقدت كل كتب المواليد اليهودية. فلو وُلد المسيح بعد ذلك الوقت لكان إثبات تسلسله من داود حسب الوعد في العهد القديم من الأمور المستحيلة. راجع عزرا ٢: ٦٢ من اعتبار اليهود لهذه الجداول.
    وفي الإنجيل جدولان لأسلاف المسيح من جهة ناسوته، كتب متّى أحدهما وكتب الآخر لوقا. والأول يبدأ من إبراهيم، لأن متّى كتب لليهود. ويبدأ لوقا من آدم أبي البشر كلهم لأن لوقا كتب للذين هم أمم أصلاً. فيسوع المسيح متسلسل من إبراهيم وداود ومريم بحسب الناسوت، وهو ابن الله الأزلي بحسب اللاهوت. واقتصر يوحنا على ذكر نسبه الإلهي. ومع أن جدولي متّى ولوقا ينتهيان في يوسف، إلا أنهما يختلفان، لأن الواحد يذكر أن يوسف ابن يعقوب، والآخر يذكر أنه ابن هالي.
    فمن جهة هذا الخلاف الظاهر نقول إن متّى كتب لليهود الذين كانوا يعتبرون أن جدول الذكور هو الجدول الشرعي، فاضطُر متّى أن يثبت تسلسله الشرعي، وذكر جدول أسلاف يوسف. وبما أن لوقا كتب للأمم فقد ذكر النسب الحقيقي، أي التسلسل من هالي أبي مريم أم يسوع فصاعداً، وهذا هو الأرجح. فجدول متّى هو الشرعي، لأنه اعتمد فيه على الأغلب على الترجمة السبعينية، وجدول لوقا هو الجدول الحقيقي.
    ويهمل متّى في جدوله أشخاصاً كانوا في السلسلة، ولا ندري سبب هذا. الأرجح أنه كان مفهوماً في وقته. فنقل متّى هذا الجدول كما وجده في الجداول الشرعية، ولم يعترض عليه أحدٌ من اليهود أو المؤلفين الأوَّلين الذين أنكروا دعوى المسيح بتسلسله من داود. فكانت نسبته إلى داود أمراً مسلَّماً به عند الجميع. ولم يقدر الذين رفضوا الإيمان بالمسيح أن ينكروا نسبته إلى داود بدعوى عدم كمال الجدول. ولو أن هذا كان الحال لما تأخروا عن الطعن فيه.
    لقد أكمل متّى غايته تماماً، وقدَّم البينات المقنعة على أن يسوع شرعاً وحقيقة ابن إبراهيم وابن داود. ولم يكن من قصده أن يجاوب كل المسائل المتعلقة بهذا الجدول.
    يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ في اجتماع هذين الاسمين فحوى الإنجيل كله، وهو الإعلان أن يسوع هو المسيح الموعود، وإثبات ذلك هو غاية هذه البشارة.
    يَسُوعَ الاسم الإنساني للمسيح (انظر ع ٢١). وهي تشبه كلمة يشوع في العبراني، ومعناها مخلِّص.
    ٱلْمَسِيحِ أي الممسوح، وهو لقب وظيفته. وكان الذين يُمسحون في النظام الموسوي ثلاثة أنواع: الأنبياء (١ملوك ١٩: ١٦) والكهنة (لاويين ٤: ٣) والملوك (١صموئيل ٢٤: ٧، ١١). وقد اجتمعت هذه الوظائف الثلاث في المسيح، فمُسح نبياً وكاهناً وملكاً لنا. وكانت المسحة رمزاً للتأثير الإلهي الذي جعله استعداداً لإتمام عمله، وعلامة سلطانه على ممارسة وظيفته.
    ٱبْنِ دَاوُد أي داود الملك (ع ٦) حسب النبوات. ومن داود تسلسل المولود ملك اليهود (متّى ٢: ٢). وكان هذا الاسم أكثر استعمالاً للدلالة على المسيح المنتظر (متّى ٢٢: ٤٢ و٢١: ٩، ١٥ و٢٢ و٢٠: ٣٠) بناءً على مثل النبوة في إشعياء ٩: ٧ و١١: ١ ومزمور ١٣٣: ١١، ١٧ وإرميا ٢٣: ٥.
    ٱبْنِ إِبْرَاهِيم قد اتضحت نسبته إلى إبراهيم لأن المواعيد به كانت لإبراهيم ولنسله تكوين ١٢: ٣ و٢٢: ١٨ وغلاطية ٣: ١٦. وقد تمت كلها جلياً في يسوع.
    ٢ «إِبْرَاهِيمُ وَلَدَ إِسْحَاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ».
    تكوين ٢١: ٢، ٣ و٢٥: ٢٦ و٢٩: ٣٥
    تُرك من هذا الجدول اسما إسماعيل وعيسو، لأنه لا دخل لهما في السلسلة المقصودة، وهما خارجان عن العهد مع إبراهيم بدليل قوله «بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ» (تكوين ٢١: ١٢). وذكر «إخوة يهوذا» لأن جميع الذين تسلسل منهم المسيح اشتركوا في انتظاره.
    ٣ «وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارَصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ».
    تكوين ٣٨: ٢٧ الخ ، راعوث ٤: ١٨ الخ و١أخبار ٢: ٥، ٩ الخ
    زَارَحَ هذا الاسم ليس في سلسلة المسيح وإنما ذُكر وفقاً للجدول الذي في ١أخبار ٢: ٤.
    ثَامَار يندر ذكر أسماء النساء في جداول أنساب اليهود، فمثال ذكره في تكوين ٢٥: ١ و٣٦: ١٠، ٢٢ و١أخبار ٢: ١٨، ٤٩. وورود اسم ثامار في الجدول الذي في ١أخبار ٢: ٤، وفي مباركة العرس في راعوث ٤: ١٢. وغاية ذكرها كذكر راحاب وبثشبع المقصودة من قوله «التي لأوريا» هدم كبرياء اليهود، وإظهار استقلال الله في «وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى... لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ» (١كورنثوس ١: ٢٨ و٢٩).
    ٤ «وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ».
    َنَحْشُونَ هو أخو أليشع امرأة هارون، وهو رئيس بيت يهوذا. عدد ١: ٧ و٢: ٣ و١أخبار ٢: ١٠
    ٥ «وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى».
    رَاحَاب ذُكرَت في يشوع ٢: ١ ولم تذكر تواريخ العهد القديم خبر زواجها بسلمون. ويُحتمل أن سبب ذلك هو أنه حين كتابة هذه الجداول كان ذكر امرأة كنعانيَّة بين أسلاف الأمَّة المختارة يُعدُّ عاراً. وقد ظنَّ البعض أن سلمون هو أحد الجاسوسين اللذين خبأتهما على السطح. وفي يعقوب ٢: ٢٥ يُذكر اسمها مقروناً بالاحترام. وذُكرَت بين نسل إبراهيم لسبب إيمانها (عبرانيين ١١: ٣١).
    بُوعَزَ السلسلة هنا كما وردت في راعوث ٤: ٢١ ويحتمل أن زواج سلمون من راحاب مهَّد السبيل إلى زواج ابني نعمة من امرأتين موآبيتين، وزواج بوعز من راعوث. ولنا مما ذُكر في أعمال ١٣: ٢٠ أنه مضت ٤٥٠ سنة بين راحاب وداود. ولكن رغم طول هذه المدة لم تُذكر إلا أربعة أجيال، فقال البعض إن بعض الأجيال تُركت لأسباب مجهولة عندنا. ولعلَّ هذا الظن في محلهِ.
    ٦، ٧ «٦ وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ ٱلْمَلِكَ. وَدَاوُدُ ٱلْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ ٱلَّتِي لأُورِيَّا. ٧ وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحُبْعَامَ. وَرَحُبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا».
    ١صموئيل ١٦: ١ و١٧: ١٢ ، ٢صموئيل ١٢: ٢٤ ، ١أخبار ٣: ١٠
    دَاوُدَ ٱلْمَلِكَ ذُكر لقبه لأنه أعظم ملوك اليهود ورمز للملك يسوع.
    ٱلَّتِي لأُورِيَّا لم يكن من العادة أن تُذكر أسماء النساء، فذِكر هذه ومثيلاتها له معنى خاص. وذكر هنا: راحاب وراعوث وبثشبع. وما أعظم التفاوت بينهنَّ. والتي لأوريا تعني بثشبع (٢صموئيل ١١: ١) وهذه كانت شريكة داود في خطيته، ولا بدَّ أنها اشتركت معهُ في توبته. وقصد متّى من ذكر اسمها هنا أنه كما أنها لم تُرفض من سلسلة أسلاف المسيح، كذلك لا تكون مرفوضة من الاشتراك مع المسيح في ملكوته. وكذلك كل من أخطأ مثلها وتاب.
    ٨ «وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا».
    يورام ولد عزيا: استولى على العرش ثلاثة ملوك بين هذين الملكين، هم أخزيا ويوآش وأمصيا. وقد أُهملت أسماؤهم من الجدول، لا سهواً من متّى، ولا لزيادة شرهم، لأن يكنيا الذي ذكره لم يكن أقل شراً منهم. بل أُهملوا لأنهم تُركوا من الجدول الأصلي الذي نُقل عنه، أو لأن أسماءهم كانت معلومة لعامة الناس، وأراد أن يجعل القسم الأول أربعة عشر جيلاً مثل القسمين الأخيرين. فنرى من ذلك أن المقصود بكلمة «ولد» ليس المعنى الحرفي، بل الدلالة على التسلسل.
    ٩ - ١١ «٩ وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حَزَقِيَّا. ١٠ وَحَزَقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. ١١ وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ».
    ٢ملوك ٢٠: ٢١ و١أخبار ٣: ١٣، ١٥، ١٦ و٢ملوك ٢٤: ١٤ - ١٦ و٢٥: ١١ و٢أخبار ٣٦: ١٠، ٢٠ وإرميا ٢٧: ٢٠ و٣٩: ٩ و٥٢: ١١، ١٥، ٢٨ - ٣٠ ودانيال ١: ٢
    وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا أهمل هنا اسم يهوياقيم ابن يوشيا (١أخبار ٣: ١٥) وهو ابن يهوياكين (٢ملوك ٢٣: ٣٤). ويُسمَّى أيضاً ألياقيم ولعل سبب الإهمال أن بسببه فقدت المملكة استقلالها (٢ملوك ٢٤: ٤، ١٠).
    عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ أي قرب ذلك الزمان أي سنة ٥٨٨ ق.م ولا يمكن تعيين الوقت بالتدقيق لأن اليهود سُبوا مرات عديدة، والمدة بين السبي الأول والآخر ليست أقل من عشرين سنة.
    ١٢ «وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ».
    ١أخبار ٣: ١٧، ١٩ وعزرا ٣: ٢ و٥: ٢ ونحميا ١٢: ١ وحجّي ١: ١
    يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ ويُسمَّى أيضاً كونيا. وأما قول إرميا في ٢٢: ٣٠ «اكْتُبُوا هذَا الرَّجُلَ عَقِيمًا» فمعناه أنه لا يُترَك من نسله من يتولى المُلك، بدليل قوله بعد ذلك «لاَ يَنْجَحُ مِنْ نَسْلِهِ أَحَدٌ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ» ونتحقق ذلك مما جاء في أخبار أيام الأول من أنه «ابْنَا يَكُنْيَا: أَسِّيرُ وَشَأَلْتِئِيلُ ابْنُهُ» (١أيام ٣: ١٧ - ١٩).
    وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ جاء في ١أخبار ٣: ١٩ أن زربَّابل هو ابن فدايا أخي شألتئيل، وشرح الأمر أن زربابل هذا هو غير ذاك، أو أن شألتئيل أقام نسلاً شرعياً لأخيه الذي مات بلا نسل.
    ١٣ - ١٦ «١٣ وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. ١٤ وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. ١٥ وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. ١٦ وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ ٱلَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ ٱلَّذِي يُدْعَى ٱلْمَسِيحَ».
    يوسف هو أبو يسوع الشرعي، وقد قال لوقا إنه ابن هالي (متّى ٣: ٢٣). والمحتمل أنه كان صهر هالي أو ابنهُ بالتبني أو كليهما، وهو الأرجح.
    وظل متّى يقول فلان ولد فلان إلى أن وصل إلى يوسف. وحينئذ لم يقل «يوسف ولد يسوع» بل «يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ» (متّى ١: ١٦). وبذلك أثبت أن يسوع من نسل داود ليس بحسب الشريعة فقط (أي بأن يوسف حُسِب أباه في تلك السلسلة) بل بتسلسلهِ الحقيقي من داود بواسطة مريم أمه.
    إن سرَّ ولادة فادينا من عذراء لم يُفهَم دفعة واحدة، بل بالتدريج. فكانت الحاجة ماسةً إلى ما يدرأ عنه العار مدة بقاء ذلك السر مكتوماً. فكان الاحتياج شديداً إلى ستر الزواج المكرَّم. ولهذا كان وجود جدول يوسف المحسوب أباه، وهو أبوه الشرعي رجل مريم، ضرورياً جداً. وقد ظنَّ الأكثرون أن مريم كان يتيمة، وكان يوسف وصياً عليها بناءً على عدم ذكر والديها.
    ١٧ «فَجَمِيعُ ٱلأَجْيَالِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى ٱلْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً».
    قسم متّى الأجيال التي بين إبراهيم ويسوع إلى ثلاثة أقسام، في كل قسم منها ١٤ جيلاً، تسهيلاً لتذكُّرها في زمنٍ ندر فيه وجود الكتب والجداول. وليجعل عدد أجيال القسم الثاني ١٤ جيلاً كرَّر اسم داود مرتين. فذكره في آخر القسم الأول وفي بدء القسم الثاني كما ترى في هذا الجدول:
    ١ إبراهيم ١ داود ١ يكنيا
    ٢ إسحاق ٢ سليمان ٢ شألتئيل
    ٣ يعقوب ٣ رحبعام ٣ زربابل
    ٤ يهوذا ٤ أبيّا ٤ أبيهود
    ٥ فارض ٥ آسا ٥ ألياقيم
    ٦ حضرون ٦ يهوشافاط ٦ عازور
    ٧ آرام ٧ يوررام ٧ صادوق
    ٨ عميناداب ٨ عزيا ٨ أخيم
    ٩ نحشون ٩ يوئام ٩ أليهود
    ١٠ سلمون ١٠ آحاز ١٠ أليعازر
    ١١ يوعز ١١ حزقيا ١١ متّان
    ١٢ عوبيد ١٢ منسى ١٢ يعقوب
    ١٣ يسى ١٣ أمون ١٣ يوسف
    ١٤ داود ١٤ يوشيا ١٤ يسوع



    وظنَّ البعض أن متّى قسم الجدول إلى أقسام كل منها أربعة عشر لأن الأربعة عشر ضعفي السبعة، والسبعة عدد مقدَّس. وقد أهمل بعض الأسماء ليتمكن من هذا التقسيم. وليست الغاية من الجدول ذكر كل حلقات السلسلة، بل ذكر ما يكفي منها ليبرهن أن يسوع بحسب ناسوته ابن داود شرعاً وحقيقة. وانتظار اليهود أن المسيح يولد من بينهم كان السبب الوحيد لذلك الأمر الغريب، وهو حفظ الجداول تماماً نحو ألفي سنة.
    والأقسام الثلاثة التي ذكرها متّى من الأسماء تقترن بالأقسام الثلاثة العظمى في تاريخ الأُمَّة اليهودية. ففي مدة الأربعة عشر جيلاً الأولى كانت الأمة تحت حكم القضاة والأنبياء، وفي الثانية كانت تحت حكم الملوك، وفي الثالثة تحت حكم الولاة المكابيين. وقد بلغت الأمة ذروة مجدها في نهاية المدة الأولى تحت رئاسة داود، وانحطت إلى درجة دنيئة بالسبي إلى بابل في نهاية المدة الثانية، ثم عادت فبلغت مجدها السابق في نهاية المدة الثالثة بمجيء المسيح. وابتدأت المدة الأولى من إبراهيم صاحب الوعد وانتهت بداود الذي كرر الوعد له بأشد وضوح. وابتدأت الثانية ببناء الهيكل وانتهت بهدمه. وابتدأت الثالثة بنجاة الأُمَّة من السبي الزمني وانتهت بظهور من ينجيها وينجي كل البشر من السبي الروحي.
    ملاحظات على نسب المسيح



    • نرى مما تقدَّم صِدق الله في حفظ وعده، فقد وعد قبل ذلك بألفي سنة أَنَّه بنسل إبراهيم تتبارك كل قبائل الأرض. وهذا يتضمَّن قيام مخلِّص من بيت داود. وقد تبرهن مما سبق أن يسوع كان ابن داود وابن إبراهيم، فيكون قد تم وعد الله، ولم تعقه شيخوخة إبراهيم ولا عقم سارة، ولا عبودية نسله في مصر، ولا كفرهم في البريَّة، ولا خطية داود ولا خطايا الملوك الذين خلفوه، ولا سبي الشعب بعد انحطاط مملكتهم. فالله يتمم وعده ووعيده، وإن أبطأ. فقد قصد وامتحن إيمان شعبهِ اليوم كما امتحن إيمان شعبه اليهود في أمر مجيء المسيح.
    • تنازل ربنا ورحمتُه، فعندما نقرأ أسماء أسلاف المسيح نجد بينهم من ارتكب خطايا فظيعة، ولا تنازل مثل تنازل من رضي أن يولد وهو ابن الله من امرأة، متخذاً صورة جسد خاطئ (رومية ٨: ٣).
    • شفقة يسوع واستعدادهُ لقبول التائبين مهما كانت خطاياهم، لأنه إن كان لم يستحِ أن يُحسب من نسل خطاة كبعض هؤلاء، فلا يستحي أن يعترف أنه أخ ومخلِّص لمذنبين آخرين، إن رجعوا إليه تائبين.
    • وجود مثل راحاب وراعوث اللتين ليستا من نسل إسرائيل في نسب المسيح، يبين أنه مخلِّصٌ لليهود والأمم معاً.
    • عدم تعرُّض متّى ولوقا لبيان سبب الفرق بين جدوليهما، يبرهن أنه لم يقف أحدهما على كتابة الآخر، ولا على إنجيل آخر أقدم مما كتباه، ليكونا قد اقتبسا منه.
    • هذا الجدول الذي نُقل عن كتب اليهود بأمر الروح القدس يثبت لنا حقائق واجبة التصديق، فهو يثبت حقيقة جوهرية تقدمت في افتتاح الإنجيل، وهي تجسد المسيح، أي اتحاد طبيعته الإلهية والبشرية وسلطانه بالوراثة عن داود. فلا يظن أحد أن لا قيمة لهذا الجزء من الإنجيل.


    ١٨ «أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فَكَانَتْ هٰكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».
    لوقا ١: ٢٧، ٣٥
    كان يسوع آدم الثاني ومخلص العالم، فوجب ألاَّ يولد كما يولد بقيَّة الناس، فلذلك وُلد من عذراء بقوة الروح القدس (لوقا ١: ٣٥). ووُلد من عذراء ليولد بلا خطية، ومن مخطوبة ليكون اسمها محفوظاً من التهم إذ تجد الحماية من خطيبها، وليكون الزواج مكرَّماً.
    مَخْطُوبَةً كانت المدَّة بين الخطبة والزواج وقتئذٍ سنةً على الأغلب، ولكن كان يمكن تطويلها أو تقصيرها كما تقتضي الأحوال. وكانت هذه المدة تمر على البنت وهي في بيت أبيها (تثنية ٢٠: ٧). وكان عدم أمانتها في خلال تلك المدة يُعد زناً يوجب القصاص. وإذا أبى خطيبها أن يُتمم وعدهُ كان عليه أن يسلمها كتاب طلاق حسب سنَّة الطلاق بعد الزواج.
    وُجِدَتْ حُبْلَى يُرجح أن يكون ذلك بعد رجوعها من زيارتها لأليصابات بنحو ثلاثة أشهر (لوقا ١: ٣٩). ومعنى ذلك أن أمرها ظهر لها وليوسف، ويُحتمل أن آخرين عرفوا ذلك، أخبرتهم هي به.
    مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ هذا هو الحق، ولكن يوسف وأصحابه لم يعرفوه وقتئذٍ.
    ١٩ «فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارّاً، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرّاً».
    تثنية ٢٤: ١
    رَجُلُهَا أي خطيبها حسب اصطلاح اليهود زمن الخطبة، لأن الخطيب كان يُحسب عندهم كالزوج.
    بَارّاً أي عادلاً يعمل ما هو مستقيم. لأنه لو حكم بظاهر الأمر لكان ظالماً. لكنه كان باراً فلم يحكم عليها بدون أن يعطيها فرصة لتبرر نفسها، دون أن يغض الطرف عن ظواهر الأمر.
    وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا أي أنه لم يرد أن يشتكي عليها للحكام ويعرضها للاحتقار والرجم كزانية (تثنية ٢٢: ٢٣، ٢٤) مع احتمال براءتها.
    تخليتها: كان له حق بذلك بإعطائه إياها كتاب طلاقٍ حسب ما قيل في تثنية ٢٤: ١.
    ٢٠ «وَلٰكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هٰذِهِ ٱلأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: يَا يُوسُفُ ٱبْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ ٱمْرَأَتَكَ، لأَنَّ ٱلَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».
    لوقا ١: ٣٥
    وفِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ لم يفعل شيئاً بالطيش والغضب بل فكر بتؤدة كيف يتصرَّف. والله ينير عقول جميع الذين يحبون معرفة واجباتهم.
    مَلاَكُ ذُكر اسم الملاك الذي أُرسل إلى مريم وهو جبرائيل، ولم يُذكر اسم الذي ظهر ليوسف. وكان الملائكة الذين هم أرواح للخدمة يظهرون قبل المسيح للناس ليعلنوا إرادة الله.
    فِي حُلْمٍ ظهر الملاك لمريم في اليقظة، لأن تسليم إرادتها وإظهار إيمانها كانا ضروريين في الأمر المُعلن لها. وظهر ليوسف في الحلم، لأنه كان محتاجاً لقبول الإعلان بالإيمان. وهذه هي الطريقة المعتادة التي عليها كان الله يُظهر إرادته للأنبياء الأقدمين ولشعبه. ولكن بعد ما أتى المسيح وحلَّ الروح القدس لم يبقَ احتياج إلى ظهور الملائكة. ولا نستطيع أن نعرف بأي طريقة كانوا يميزون بين الأحلام التي من الله والأحلام المعتادة. والقول بأن الله يُعلن إرادته الآن في الأحلام وهمٌ محض.
    يُوسُفُ ٱبْنَ دَاوُدَ بتسميته «ابن داود» تذكيرٌ بمواعيد الله لداود من جهة المسيح، وتهيئة لقلبه لينتظر إتمامها بواسطة خطيبته، وتأكيد له أن ما يأمره به لا يخالف هذا الانتظار.
    لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ أي لا تشكّ. وهذا يعلمنا أن الله لا يأتي بشعبه إلى الضيق والشك إلا بعد أن يجهز لهم باب الفرج. فمن تبرير مريم نتعلم أن ذوي الضمائر الصالحة يجب ألا يخافوا، بل يجب أن يتكلوا على الله، وهو يبررهم من كل تهمة باطلة.
    مريم امرأتك: تسمية الملاك لها بذلك دلالة على استحقاقها له، وأنها لم تقترف ذنباً يحرمها تلك النسبة.
    مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ولادته كانت بقوة الله، فقد صار ابنُ الله ابنَ الإنسان حقيقةً، إلا أنه لم يشترك في الطبيعة الفاسدة التي تعم كل من تسلسل من آدم تسلسلاً طبيعياً. وهكذا صار حَمل الله المُنزَّه عن العيب والدنس ذبيحة لائقة بأن تتقدم عن خطايا الناس.
    ٢١ «فَسَتَلِدُ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ يَسُوعَ، لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».
    لوقا ١: ٣١، أعمال ٤: ١٢ و٥: ٣١ و١٣: ٢٣، ٣٨
    يَسُوع أي مخلِّص. لُقِّب المسيح في العهد القديم بألقاب كثيرة، ولكنه لم يلقَّب بيسوع إلا من الملاك جبرائيل عندما بَشَّر أمه به قبلما حبلت به (لوقا ١: ٣١). وهو اسم كان مألوفاً بين اليهود.
    يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُم انتظر اليهود مسيحاً ينقذهم من نير استعمار الرومان. أما الملاك فأخبر يوسف بمخلص روحاني ينجيهم من عبودية الخطية وسلطتها ودنسها وقصاصها الهائل، وذلك ببذل حياته فداءً عنهم، وإعطاء روحه لتقديسهم (يوحنا ١٦: ٧، ٨). ولم يقل الملاك إنه «يخلص شعبه وهم في خطاياهم» بل «من خطاياهم». فما دام الإنسان تحت سلطة الخطية لا يمكن أن يكون من شعب المسيح.
    يخلص: وحده، بسلطانه المطلق، دون معونة من أحد غيره.
    شَعْبَهُ اليهود أولاً (١بطرس ٢: ٩) وبعد ذلك كل من يؤمنون به من كل أمةٍ (أعمال ١٣: ٤٧).
    ٢٢ «وَهٰذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ ٱلرَّبِّ بِٱلنَّبِيِّ».
    إشعياء ٧: ١٤
    هذه الآية ليست من قول الملاك، بل ملاحظة أضافها متَّى. وقد صار ميلاد المسيح بموجب قصد إلهي أُعلن في نبوَّة، تمَّ بعضها جزئياً في أيام إشعياء، وتمت كلها في أيام المسيح.
    ٢٣ «هُوَذَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْناً، وَيَدْعُونَ ٱسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (ٱلَّذِي تَفْسِيرُهُ: ٱللّٰهُ مَعَنَا)».
    وردت هذه النبوة في إشعياء ٧: ١٤ وأُوحي بها نحو سنة ٧٤٠ ق. م والعبارة منقولة عن الترجمة السبعينية (وهي ترجمة نقلها من العبرانية إلى اليونانية بعض علماء اليهود في الإسكندرية بين سنة ٢٠٠ و٣٠٠ ق.م، وهي النسخة التي غلب استعمال اليهود لها في أيام المسيح، وفي القرون الأولى للكنيسة المسيحية). وظن البعض أن هذه النبوة تمت أولاً في أيام آحاز الملك في ولادة ولد من فتاة كانت حينئذ عذراء لكنها تزوجت فيما بعد، ثم تمَّت ثانياً بأسمى معنى بولادة المسيح. وظنَّ آخرون أن إشعياء لم يُشر إلا إلى يسوع ابن مريم. والرأي الأول هو الأرجح، لأننا رأينا كثيراً أن النبوة الواحدة تمت مرات عديدة.
    عِمَّانُوئِيلَ معنى هذا الاسم «الله معنا» وهو يناسب طبيعة المسيح، الذي في شخصه يقف الله مع شعبه، يحميهم ويهديهم ويسوسهم. والأسماء الثلاثة التي هي: «المسيح» أي الكاهن الممسوح، و «عمانوئيل» أي الله معنا، و «يسوع» أي المخلص. وهي تشتمل على التعاليم العظمى في الإنجيل المتعلقة بربنا. فإنه كفارة عن خطايانا في الماضي، ورفيقنا في الحاضر، ومنقذنا من سلطة الخطية وعقابها في المستقبل. ونحن محتاجون إلى مخلِّص يكون إلهاً تاماً وإنساناً تاماً. ولا نجد ذلك إلا في شخص يسوع المسيح، الذي هو الله معنا.
    ٢٤ «فَلَمَّا ٱسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ ٱلنَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ ٱلرَّبِّ، وَأَخَذَ ٱمْرَأَتَهُ».
    ثبَّت حلمُ يوسف بشارةَ الملاك لمريم، وجعله يتيقَّن عفتها، فذهب شكُّه وتردده في أن يأخذها إلى بيته ويقوم باحتفال العرس العادي، يقدم لها العناية والحماية الواجبة حفظاً لصيتها. ونحن، لننال الاطمئنان الحق في زمن التجربة يجب أن نسلم أنفسنا إلى الله، وهو يقودنا إلى ما به كل خير.
    ٢٥ «وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ٱبْنَهَا ٱلْبِكْرَ. وَدَعَا ٱسْمَهُ يَسُوعَ».
    خروج ١٣: ٢ ولوقا ٢: ٧، ٢١
    وَلَمْ يَعْرِفْهَا أي لم يعش معها كزوج. والأمر الجوهري الذي يجب ملاحظته في هذه الآية هو أن مريم بقيت عذراء حتى ولدت ابنها البكر.
    وَدَعَا ٱسْمَهُ يَسُوع تعيَّن له هذا الاسم بأمر إلهي (ع ٢١) وسُمي به يوم الختان الذي هو اليوم الثامن من ميلاده.


    الأصحاح الثاني


    ١ «وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ ٱلْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ».
    لوقا ٢: ٤ - ٧ ، تكوين ١٠: ٣٠ و٢٥: ٦ و١ملوك ٤: ٣٠
    وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ حدثت الحوادث المذكورة هنا بعد زيارة الرعاة، والإتيان بالطفل إلى الهيكل، لأنه بعدما هاجت وساوس هيرودس لم يعد ممكناً ليوسف ومريم أن يأتيا به إلى الهيكل آمنين. وكانت نتيجة هذه الوساوس أن أمر هيرودس بقتل أطفال بيت لحم، فهربت العائلة المقدسة إلى مصر. ثم ذكر متّى الرجوع إلى الناصرة بدلاً من الرجوع إلى بيت لحم، وقصَّ بالاختصار حوادث أخرى تتعلق بميلاد المسيح (ذُكرت مفصلة في لوقا ٢: ١ - ٢١) منها خبر ولادته، وسكنى مريم ويوسف قبلاً في الناصرة. فإن متّى اقتصر على توضيح يُثبت أن يسوع هو المسيح. من ذلك إتيان نوَّاب من العالم الوثني ليؤدّوا له السجود باعتباره ملك اليهود. وقد ذكر الرحالة «ماركو بولو» عن قرية فارسية يدَّعي أهلُها أن المجوس خرجوا منها وجاءوا إلى اليهودية.
    بَيْتِ لَحْمِ ٱلْيَهُودِيَّة ضيعة صغيرة في الجنوب الغربي من أورشليم، وتبعد عنها نحو ثمانية كيلومترات. ظنَّ بعضهم أنها سُمِّيت بذلك لخصب أرضها. وأُضيفت إلى اليهودية تمييزاً بينها وبين بيت لحم أُخرى في الجليل (يشوع ١٩: ١٥). وسُميت بيت لحم اليهودية أفراتة (تكوين ٣٥: ٩، ميخا ٥: ٢) وسميت مدينة داود (لوقا ٢: ٤) لأن داود وُلد فيها (راعوث ١: ١ - ١٩). وقد أشار النبي ميخا إلى الفرق بين حقارتها وعظمتها (ميخا ٥: ٢) وهو ما اقتبسه الكتبة في جوابهم على هيرودس (متّى ٢: ٦).
    وقد جاء يوسف ومريم إلى بيت لحم وقت الاكتتاب طاعةً لأمر أوغسطس قيصر (لوقا ٢: ٢ - ٧).
    مَجُوس ويمكن إبدالها بالمنجِّمين. أُطلِق هذا الاسم أولاً على بعض كهنة بين مادي وفارس كانوا قد عكفوا على درس الفلك والطب وعلوم أخرى طبيعية، ثم أُطلق على كل العلماء والفلاسفة في الشرق. وكان دانيال ورفقاؤه منهم (دانيال ٢: ٤٨). وقصد الله بمجيء المجوس تنبيه أفكار اليهود وتهيئة عقولهم لقبول المسيح، وتقوية إيمان ورجاء يوسف ومريم مع أتقياء آخرين بالملك المولود جديداً، وتقديم وسائط النعمة لأولئك المجوس، ولأمم أُخرى تؤمن بالمسيح بمجرد شهادتهم له.
    وخبر زيارة المجوس واسطة نعرف به وقت ولادة يسوع، لأنها حدثت قبل موت هيرودس الكبير سنة ٧٥٠ لتأسيس رومية، أي قبل بدء التاريخ المسيحي بأربع سنين. والمرجَّح أن النجم ظهر للمجوس في الوقت الذي وُلد فيه المسيح. وإن كان المقصود من «المشرق» أرض الكلدانيين يكون سفرهم نحو أربعة أشهر (عزرا ٧: ٩). وإن كان من بلاد الفرس فأكثر من ذلك.
    هِيرُودُس ويُلقَّب غالباً في التاريخ بـ «الكبير» وهو ابن أنتيباتر الأدومي. كانت عائلته يهوداً دُخلاء، وعُيّن بأمر السناتوس الروماني ملكاً على اليهودية، فملك ٣٧ سنة. كان شجاعاً قوياً مولعاً بإقامة الأبنية الفاخرة، قاسياً غيوراً كثير الوساوس والهواجس، قتل امرأته مريمني وابنيه إسكندر وأرستوبوليس. وقبل وفاته بخمسة أيام قتل ابنه أنتيباتر، وتوفي في سن السبعين. وقبل وفاة هذا الذي عيَّنه الرومان ملكاً وُلد آخر عيَّنه الله ملك اليهود وفقاً للقول «لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ» (تكوين ٤٩: ١٠). فقد زال حينئذ قضيب السلطة من يهوذا، وصار الوقت لإتيان «شيلون» إذ ملك أوغسطس قيصر إمبراطور روما وخضع له أكثر العالم. وكان الناس وقتها في غاية الأمن والراحة، وامتدَّت اللغة اليونانية حتى صارت لغة الجميع. وصار كل شيء مناسباً لدخول الإنجيل وامتداده.
    مِنَ ٱلْمَشْرِقِ قد تعني بلاد العرب أو الفرس أو الكلدانيين، لأنه في كل هذه الأماكن كان مجوس وأُناس ينتظرون مجيء رئيس عظيم أو منقذ.
    إِلَى أُورُشَلِيمَ أتوا أورشليم لأنها عاصمة اليهودية والمكان الذي فيه يمكن لهم أن يفحصوا بأكثر تدقيق عن مطلوبهم، أو لأنهم ظنوا أنه فيها يولد المسيح ملك اليهود.
    ٢ «قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ ٱلْمَوْلُودُ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي ٱلْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ».
    لوقا ٢: ١١ ، عدد ٢٤: ١٧ وإشعياء ٦٠: ٣
    قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ؟ يدل قولهم على انتظارهم ملكاً، وهو انتظار مبني إما على نبوَّة دانيال الذائعة بينهم (دانيال ٧: ١٤) وتعليمه الذي كان أثرهُ باقياً بينهم، أو على تعليم اليهود الباقين بينهم منذ سبيهم، أو على نبوَّة بلعام (عدد ٢٤: ١٧) لأن هذا النبي كان من بلاد الشرق (تثنية ٢٣: ٤).
    ويظهر من سؤالهم أنه كانوا واثقين بميلاد المسيح، فتجشموا مشاق السفر الطويل. ولا بد أن اعتقادهم لم يكن عن حدس أو ظن، والأغلب أنه كان إلهاماً إلهياً. لأن الذي ألهم بلعام أن ينطق بهذه النبوة الغريبة يقدر أن يلهم هؤلاء المجوس أن يأتوا ويسجدوا له عند ظهوره.
    ولا دليل لنا على تعيين عددهم أو أسماءهم أو أنهم ملوك. ولكن نستنتج من هداياهم أنهم كانوا أثرياء. وسهَّلت وفرة معارفهم لهم أن يتكلموا بلغة اليهود، مع أنها تختلف عن لغتهم.
    ٱلْمَوْلُودُ مَلِكُ توصَّل كثيرون من الملوك إلى عروشهم بفتوحاتهم وخداعهم ومكرهم، وأما هذا الملك فقد عيَّنه الله ملكاً منذ ولادته.
    فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي ٱلْمَشْرِقِ أي رأوا نجمه وهم في المشرق، فهداهم. ولا نعلم ما هو ذلك النجم، هل سياران مقترنان، أم نجم من ذوات الأذناب، أم نيزك؟ والذي نعلمه أنه كان علامة معينة من الله كالنجم منظراً ليدلهم إلى حيث يولد المسيح. وقد يكون نوراً غير عادي. ولا شكَّ أنهم انتظروا أن يجدوا أهل أورشليم عارفين بولادة المسيح ومسرورين بها.
    و من هذا نرى أن الله يهدي الناس إليه بما اعتادوه أو بما يحتاجون إليه، فهدى المجوس بواسطة نجم، وبطرس بصيد السمك، والمرضى بشفاء أمراضهم.
    وَأَتَيْنَا لِنَسْجُد لا يدل هذا التعبير دلالة قاطعة على تقديم عبادة دينية، فقد يُقصَد به إكرام سامٍ لملك أو لذي مكانة، بالركوع أو الانطراح على الأرض. ولكن القرينة تدل على أن السجود الذي قدمه المجوس كان أسمى من السجود الذي يقدَّم لملك من البشر. ومنه نرى أن الله يهدي الذين يريدون أن يجدوا المسيح ولو كانوا بعيدين عنه، وكانت معرفته به قليلة. وأن أقرب الناس إلى المسيح قد يجهلونه، وأن البعيدين عنه يطلبونه ويكرمونه ويخدمونه. وعمل المجوس هذا مثال واضح لنا في الاجتهاد الروحي لنقتدي بهم، فما كان أطول سفرهم، وما كان أشد الأتعاب والأخطار التي قاسوها. فعلى المسيحي أن يظهر الغيرة وإنكار الذات في اتباع المسيح كما أظهر هؤلاء.
    ٣ «فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ ٱلْمَلِكُ ٱضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ».
    لَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ ٱلْمَلِكُ ٱضْطَرَب بلغ هيرودس في الحال خبر المجوس وسؤالهم، فاضطرب وهو في السبعين من عمره من ولادة طفل. لا بد أنه ظنَّ ذلك الطفل سيكون ملكاً زمنياً. ولعل ضميره بكَّته لأنه قتل امرأته وبعض أولاده، وحصل على المُلك بالظلم وسفك الدماء، فخاف جداً. ونبأ ظهور النجم واعتبار الناس ظهوره علامة لولادة ملك جديد لليهود والاعتقاد أنه حان زمن ظهور المسيح، جعله يخاف من أن ملكه على وشك الانقراض.. ويُحتمل أنه خاف من أن يثور اليهود عليه، رغبةً في ملكهم الجديد، وكرهاً له لأنه أجنبي لا حقَّ له في ميراث الملك.
    وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَه ولا سيما أصحابه الملازمون له المشاركون له في الانفعالات. وخاف كل الشعب لأنهم كانوا قد تعبوا من الحروب والفتن وقتل بعضهم ومظالم هيرودس العديدة، وخافوا تولُّد حركات ومذابح جديدة ناتجة عن وساوس الملك. والقول إن «جميع أورشليم» اضطربت لا ينفي وجود مَن فرح بعلامات مجيء المسيح في أورشليم. فقد كان مجيء المسيح الأول لاضطراب الأشرار وفرح الأبرار. وهكذا سيكون مجيئه الثاني.
    ٤ «فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ ٱلشَّعْبِ، وَسَأَلَهُمْ: أَيْنَ يُولَدُ ٱلْمَسِيحُ؟».
    ٢أخبار ٣٦: ١٤ ، ٢أخبار ٣٤: ١٣ ، ملاخي ٢: ٧
    رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ هذا يشمل رئيس الكهنة حينئذ، وجميع الذين بلغوا هذه الرتبة قبله ثم عُزلوا، وكل رؤساء فرق الكهنة وعددها أربع وعشرون ( انظر ٢أخبار ٢٣: ٨ ولوقا ١: ٥).
    وَكَتَبَةِ ٱلشَّعْبِ هم خلفاء عزرا، ووظيفتهم نسخ الكتب المقدسة وتفسيرها، وجمع تقاليد اليهود وهم علماء الشعب، ولم يكن غيرهم وغير رؤساء الكهنة أكثر أهلية لإجابة سؤال هيرودس. وكان أكثرهم من حزب الفريسيين، وليس واضحاً إن كانوا من أعضاء مجلس السبعين (السنهدريم).
    أَيْنَ يُولَدُ ٱلْمَسِيحُ؟ اتخذ هيرودس سؤال المجوس سؤالاً له. وبهذا أقرَّ أن المسيح موعود به من الله، وتظاهر بالاشتراك مع الآخرين في الرجاء. والظاهر من سؤاله أنه كان يجهل كتب اليهود الدينية. فقد جمع هذا الحشد العظيم ليسألهم سؤالاً يستطيع كلٌّ منهم أن يجيبه عليه. وكانت غايته العظمى من السؤال معرفة المكان الذي عيَّنه الأنبياء مولداً للمسيح لكي يقتله ويطمئن.
    ٥ «فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، لأَنَّهُ هٰكَذَا مَكْتُوبٌ بِٱلنَّبِيِّ».
    ميخا ٥: ٢ ويوحنا ٧: ٤٢
    فِي بَيْتِ لَحْم وهي قرية جنوب أورشليم وتبعد عنها نحو ثمانية كيلو مترات. ويدل قول اليهود في يوحنا ٧: ٤٢ بعد ذلك بثلاثين سنة أنهم بقوا على هذا الاعتقاد من حيث مكان مولد المسيح. ولا شكَّ أن اليهودية كانت سعيدة بأن يولد المسيح فيها. وأسعد منها القلب الذي يولد هو فيه. ومع أن شرف ولادته الجسدية انحصر في مكان واحد، إلا أن كل نفس تقدر أن تحصل على هذا الشرف روحياً.
    لأَنَّهُ هٰكَذَا مَكْتُوبٌ بهذا أظهروا أن كلام النبوة فصل الخطاب الذي ينفي كل شك. وقد عرف هؤلاء الرؤساء حرفية النبوة، ولكنهم جهلوا روحها. فاجتهاد المجوس كان توبيخاً لهم على توانيهم. فقارن جوابهم الآن مع قولهم بعد ذلك «وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَمَتَى جَاءَ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ هُوَ» (يوحنا ٧: ٢٧).
    ٱلنَّبِيِّ هو ميخا، ولم يُذكر متّى اسمه لأنه معلوم للجميع (ميخا ٥: ١، ٢). ونرى مما قيل هنا أنه يمكن أن يعرف العقل الكتاب المقدس معرفة دقيقة، بينما يخلو القلب من النعمة. فما أسرع رؤساء الكهنة في جواب سؤال هيرودس، وما أحسن معرفتهم بالنبوات. ولكن لم يطلبوه في بيت لحم وقتئذٍ، ولم يؤمنوا به بعدئذٍ لما علَّم في أورشليم وصنع عجائب هناك. فما أعظم دينونة الذين يعلمون ولا يعملون!
    ٦ «وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ ٱلصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ».
    رؤيا ٢: ٢٧
    ما كُتب هنا هو معنى النبوَّة لا لفظها، وذكر متّى جواب المجلس، ولا يقول إنه نقل كلام النبوة تماماً، فإن فيها نقابل بساطة المكان مع عظمة ما جرى فيه. فولادة المسيح جعلت له إكراماً لم تحصل عليه المدن العظيمة بسلطتها وغناها وبهائها وكثرة سكانها. وولادة عظيم في مكان تجعله شهيراً. ولذلك تخاصمت سبع مدن في آسيا بأن ادَّعى كل منها أن هوميروس وُلد فيها.
    ذكر الكتبة جزءاً من نبوءة ميخا، وتركوا جزءاً، هو قوله «ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل». لم يذكروه إما لعدم رغبتهم في أن يوجِّهوا أفكار هيرودس نحو صفة من صفات المسيح المنتظر، أو لأنهم لم يريدوا أن يتأملوا فيه. وقد أوحى الله بهذه النبوة لدينونة عظماء الكهنة بعد ذلك، ولتعزية أتقياء بني إسرائيل، ولتعليم المجوس وبقية الأمم.
    ٧ «حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ ٱلْمَجُوسَ سِرّاً، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ ٱلنَّجْمِ ٱلَّذِي ظَهَرَ».
    حِينَئِذٍ أي حين حصل على الجواب من العلماء. والمرَّجح أنه من حين سمع سؤال المجوس عزم على قتل الولد.
    سِرّاً لأنه خجل من أن يظهر مخاوفه علانية، أو لخوفه من أن يحدث شيءٌ يمنع إنجاز قصده الخبيث، أو لظنه أنه إذا أظهر اجتهاداً زائداً في الوقوف على المسألة تتولد الشكوك في أحد منهم فينذر المجوس أقرباء الولد بالخطر. إن الأشرار يحبون كتمان أعمالهم لأن ضمائرهم تجعلهم جبناء.
    وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ ٱلنَّجْمِ ليعرف عمر الولد على فرض أن ولادته صارت وقت ظهور النجم، فينفذ قصده الرديء. لقد عرف من علماء اليهود المكان، فأراد أن يعرف من المجوس الزمان.
    ٨ «ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَقَالَ: ٱذْهَبُوا وَٱفْحَصُوا بِٱلتَّدْقِيقِ عَنِ ٱلصَّبِيِّ، وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضاً وَأَسْجُدَ لَهُ».
    أَرْسَلَهُمْ عرف المكان من جواب العلماء فوجه المجوس وأرسلهم ليشاهدوا المسيح عياناً، ويرجعوا ليخبروه، فيحصل على الخبر اليقين بالمسيح الذي هو سبب خوفه. ولكنه تظاهر بالاشتراك معهم في غاية زيارتهم.
    ٱفْحَصُوا بِٱلتَّدْقِيق أظهر رغبة كأنه أراد أن يكرم الطفل.
    فَأَخْبِرُونِي كانت كل تحرياته ليخدع المجوس الذين كانوا يجهلون هدفه. ولكن خداعه لم يخفَ على الله. وكثيراً ما يتخذ الأشرار الدين ستراً لهم لإجراء مقاصدهم الشريرة، ولكن مهما أظهروا من الحكمة في تدبير الوسائل للحصول على غاياتهم فالله يعرف نواياهم ويحبط مساعيهم.
    ٩ «فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ ٱلْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا ٱلنَّجْمُ ٱلَّذِي رَأَوْهُ فِي ٱلْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ ٱلصَّبِيُّ».
    يظهر أن هيرودس دعاهم ليلاً ليكون الأمر مخفيَّاً، وأنهم سافروا بعد مقابلتهم له لأن المسافة لم تكن أكثر من ساعتين. من الغريب أنه لم يرافقهم أحدٌ من بلاط الملك، ولا من الهيكل، ولا من المدينة.
    وَإِذَا ٱلنَّجْم إذا حسبناه نوراً عجيباً أي غير عادي بهيئة نجم، سهُل علينا فهم هذا القول. ووقوفه يحتمل أن يكون فوق القرية، أو فوق نفس البيت حيث كان الطفل مضطجعاً. ولا يهدينا اليوم إلى المسيح نجمٌ ماديٌ أبكم بل كلامه (٢بطرس ١: ٩). وكل من يطلب المسيح، الذي هو الطريق والحق والحياة بكل قلبه، يجدهُ. فكان نجم بيت لحم رمزاً للمسيح «كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ» (رؤيا ٢٢: ١٦).
    وليس جميع الذين امتازوا بنوال الوسائط الدينيَّة يسبقون غيرهم في تقديم الإكرام للمسيح، فكنا ننتظر أن رؤساء اليهود الدينيين يسبقون الكل إلى بيت لحم عند سماعهم خبر ولادة المسيح. ولكن العكس حدث، فقد أتى الغرباء من بلاد بعيدة لاستقباله، وأولئك لم يذهبوا. فمن هذا نتعلم أنه يجب أن نطلب المسيح ونتبعه ولو كنا وحدنا ولم يتبعنا أحد.
    ١٠ «فَلَمَّا رَأَوُا ٱلنَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّاً».
    فَلَمَّا رَأَوُا ٱلنَّجْم يظهر من هذا أنهم لم يروه مدَّة، ويحتمل أنه ظهر لهم في بدء سفرهم ليوجِّههم إلى أورشليم، ثم اختفى عنهم.
    فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّا هذا يُظهر فرط اجتهادهم في أن يجدوا الولد. وظهور النجم ثانيةً فرَّحهم لأنه كان علامة صدق انتظاراتهم وبلوغ غايتهم، وبرهاناً على الإرشاد الإلهي لهم، علاوة على الإرشاد البشري. وإذا كان فرحهم بالنجم الهادي عظيماً، فكم كان فرحهم أعظم عندما رأوا الطفل الملكي نفسه. فكل علامة إرشاد إلهي فرح للذين يحبون الله، ولا سيما العلامة التي تأتي بهم إلى المسيح. فيجب أن تمتلئ قلوبنا فرحاً عظيماً باهتدائنا إلى المسيح، إذ ليس بدونه طريق إلى الحياة.
    ١١ «وَأَتَوْا إِلَى ٱلْبَيْتِ، وَرَأَوُا ٱلصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ، فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ، ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَباً وَلُبَاناً وَمُرّاً».
    مزمور ٧٢: ١٠، إشعياء ٦٠: ٦
    ٱلْبَيْت الأرجح أن ذلك ليس المذود الذي وُلد فيه المسيح بل منزلٌ استأجره يوسف ومريم بعد انصراف الجموع التي أتت للاكتتاب.
    فَخَرُّوا وَسَجَدُوا يُرجَّح أن ذلك السجود كان أسمى من السجود الذي يقدَّم عادة للملوك. فإنهم لم يقدموا مثل هذا السجود لهيرودس في أورشليم، مع أن جلالته الملكية كانت في غاية العظمة. ولم تجعلهم حالة يوسف ومريم الفقيرة يشكُّون في أهليته لسجودهم، ولم يرتابوا قط مع أنهم شاهدوا فتوراً زائداً في الكتبة ورؤساء الكهنة.
    َسَجَدُوا لَه لأنه هو وحده موضوع سجودهم. ولو كان سجودهم للمولود خطأً لكان الله أرشدهم إلى الصواب، كما أرشدهم في أمور أخرى.
    فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ أي الصناديق أو الأكياس الحاوية كنوزهم
    ذَهَباً يُقدَّم غالباً للملوك وللآلهة.
    َلُبَانا صمغ عطر الرائحة يستخرج من شجرة في بلاد العرب والهند، ويستعمل غالباً وقت الذبائح والعبادة الهيكلية (خروج ٣٠: ٨ ولاويين ١٦: ١٢ ورؤيا ١٨: ١٣).
    وَمُرّاً صمغ آخر عطر الرائحة مر الطعم، يستخرج من بعض مناجم بلاد العرب والحبش (إشعياء ٢: ١٢ ومزمور ٤٥: ٨)، ويستعمل بخوراً، ويُتخذ منه شراب مسكن للوجع (مرقس ١٥: ٢٣)، ومُصلح لطعم الخمر، ويدخل في مواد تحنيط الموتى (يوحنا ١٩: ٣٩) وفي تركيب نوع من المراهم. وهو غالي الثمن (خروج ٣٠: ٢٣).
    فهذه الهدايا كلها ثمينة يليق أن تُهدى إلى الملوك على يد السفراء، فقد قدَّمت ملكة سبا مثل هذه الهدايا لسليمان. وتنبأ إشعياء (٦٠: ٦) بتقديم الذهب واللبان للمسيح. وكان إيمان المجوس عظيماً لأنه قدَّرهم أن يروا مجداً إلهياً في ذلك الطفل وهو على ذراعي مريم في منزلها الفقير. لقد حصلت هذه العائلة المقدسة بعناية الله على لوازم السفر إلى مصر، إذ أرسل الله أجانب وثنيين من بعيد ليقدموها. فعلينا أن نقدم للمسيح أفضل الهدايا: قلوبنا وكل ما لنا.
    ١٢ «ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، ٱنْصَرَفُوا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ».
    ما أحسن القدوة التي نراها في إيمان المجوس. لقد آمنوا به أولاً قبلما رأوه (والكتبة والفريسيون لم يؤمنوا). وآمنوا به ثانية وهو طفل على ذراعي أمه لا يلوح على وجهه شيءٌ من علامات السلطة الملكية، وسجدوا له كملك وإله. فباتِّباعهم النجم وجدوا المسيح شمس البر ونور العالم. والله يقود جميع الذين يتبعون أقل أشعة من النور الروحاني ليوصِّلهم إلى النور الكامل.
    إذ أوحي إليهم في حلم: هذا الحلم كان لجميعهم، أو لواحد منهم أفاد به الآخرَيْن.
    أَنْ لاَ يَرْجِعُوا لم تخطر مقاصد هيرودس الخبيثة على بالهم، ولم يكن لهم أدنى معرفة بها حتى أفادهم هذا الحلم. فلولاه لرجعوا وأخبروه بما رأوا، وأرسل حالاً من يقتل الولد. ولا يظهر أنهم وعدوه بالرجوع. ويُرجَّح أن الله حذرهم بهذا الحلم ليلة وصولهم إلى بيت لحم وسجودهم فيها. وفي صباح الغد رجعوا في طريقهم. والموجب لهذه السرعة نجاة الولد من يدي هيرودس الذي كان يشتعل حسداً.
    فِي طَرِيقٍ أُخْرَى رجعوا إلى وطنهم بغير مرورٍ بأورشليم. وبعد انصرافهم لا نسمع من أمرهم شيئاً في الإنجيل. ولكن من يقول إن الإله الذي هداهم إلى بيت لحم ليسجدوا للمخلص الطفل في اتضاعه لم يهدِ نفوسهم إلى المدينة السماوية لكي يسجدوا له في مجده وارتفاعه؟
    ١٣ «َبَعْدَمَا ٱنْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَٱهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ ٱلصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ».
    متّى ١: ٢
    ذكر متّى وحده حادثة الهروب إلى مصر، لأنه أراد أن يثبت تحقيق إحدى النبوات عن بالمسيح.
    إِذَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ لأن يوسف رأس العائلة. وظهوره في الحلم كما سبق وظهر. ولا شك أن المجوس أخبروه بحلمهم، فاستعدَّ ولم يتعجب عندما بلغه الخبر.
    ٱهْرُب في هذا إشارة إلى الخطر ووجوب السرعة. إن الله يعرف كل مكر أعدائه وأعداء كنيسته، فقال لسنحاريب «ولكنني عالم بجلوسك وخروجك ودخولك وهيجانك عليَّ» (إشعياء ٣٧: ٢٨). لقد ابتدأت ضيقات المسيح وهو في سريره بعد زمن قصير من ولادته.
    إِلَى مِصْرَ لأنها قريبة إليهم، فلا تزيد المسافة إليها عن سفر ثلاثة أيام (نحو ٦٠ ميلاً). ولأنها لم تكن تحت سلطة هيرودس بل تابعة للرومان، ولأن عدداً كبيراً من اليهود كانوا يسكنونها وكان لهم هيكل في مدينة ليونتوبوليس بُني قبل ذلك بنحو ١٦٠ سنة. وفي الإسكندرية التي هي من أمهات مدن مصر تُرجم العهد القديم من العبرانية إلى اليونانية. وكانت مصر ملجأ للناس في ضيقاتهم، فلجأ إليها إبراهيم ثم يعقوب وبنوه، ثم يربعام (١ملوك ١١: ٤٠) ويوحانان ورفقاؤه (إرميا ٤٣: ٧). ولا شك أن يهوداً كثيرين هربوا إليها في زمن هيرودس خوفاً من مظالمه. ولا نعرف المكان الذي استوطنت فيه العائلة المقدسة. ويُظن من التقاليد أنه كان قرب القاهرة.
    ١٤ « فَقَامَ وَأَخَذَ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَٱنْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ».
    فَقَامَ وَأَخَذَ هذا يبرهن ثقة يوسف الكاملة بإعلان الله، وسرعة طاعته، لأنه حالما استيقظ تهيأ للسفر.
    ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ ذكر الصبي أولاً إجلالاً له.
    لَيْلاً المرجَّح أنه ليلة الرؤيا ذاتها، وكان السفر ليلاً لكيلا يعلم هيرودس. وبما أن يوسف ومريم كانا غريبين في بيت لحم لم يحتاجا إلا إلى استعداد زهيد للسفر.
    وَٱنْصَرَف هي نفس الكلمة التي أُسندت إلى المجوس. ولم تُذكر مدَّة سفرهم لأنه لم يكونوا محتاجين إلا لاجتياز الحدود بين اليهودية ومصر فيبلغوا محل الأمان.
    ١٥ «وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ ٱلرَّبِّ بِٱلنَّبِيِّ: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ٱبْنِ».
    هو ١١: ١
    وَكَانَ هُنَاكَ ظهرت طاعة يوسف حينئذ بمكثه في مصر كما ظهرت قبلاً في سفره إليها.
    ٱلنَّبِيِّ هوشع ١١: ١. كان هذا القول (١) إشارة إلى بني إسرائيل الذي كان بمنزلة ابن الله (خروج ٤: ٢٢، ٢٣). و(٢) إشارة رمزية إلى المسيح. وبقاء ذلك الشعب مدة في مصر كان رمزاً إلى مكث المسيح هناك، وبه جعل حياته مطابقة لحياة شعبه.
    ينسب كتبة العهد الجديد إلى المسيح أكثر نبوات العهد القديم كأنها تمَّت به أكمل إتمام. فإن إسرائيل كان جسداً رأسه المسيح. وكما أن وجود إسرائيل كأُمةٍ ابتدأ وقت الخروج من مصر، هكذا كانت أوائل المسيح الذي كان إسرائيل رمزاً له. إلاَّ أن الأرض التي كانت لليهود أرض تنهُّد وعبودية صارت لملك اليهود المولود جديداً أرض ملجإٍ وراحة. وعين المحبة التي جعلت الله يُخرج إسرائيل من مصر جعلته أيضاً يُخرج يسوع من ذلك المكان. والكلمات التي نطق بها هوشع يصح أن تستعمل من جهة كلٍّ من الحادثتين.
    مِنْ مِصْرَ إن لتلك البلاد مقاماً عظيماً في تاريخ شعب الله، فمنها خرج بنو إسرائيل وذلك المخلص الذي كانوا رمزاً إليه. ومنها نشأ التمدن والعلوم، واستعدَّ العالم بها لقبول الإنجيل.
    مؤامرة الأشرار باطلة! فعلى قدر ما اجتهد هيرودس في أن يحصل على غايته كانت زيادة العقاب الشديد عليه, ولم تنفعه تلك المؤامرة. إن عناية الله في حفظ محبيه تملأ قلوب المؤمنين فرحاً وتعزية عظيمة، فانظر كيف كانت حال كلٍّ من هيرودس والطفل في بدء هذا الأصحاح، وتأمل كيف بدل الله حال كلِّ من المرتفعين والمتضعين بسرعة.
    ١٦ «حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى هِيرُودُسُ أَنَّ ٱلْمَجُوسَ سَخِرُوا بِهِ غَضِبَ جِدّاً، فَأَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ ٱلصِّبْيَانِ ٱلَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا، مِنِ ٱبْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَبِ ٱلزَّمَانِ ٱلَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ ٱلْمَجُوسِ».
    ما ذُكر هنا بدء اضطهادات المسيح التي انتهت بتعليقه على الصليب.
    لَمَّا رَأَى رأى عدم رجوعهم إليه.
    سَخِرُوا بِه هذا ما اعتبره هيرودس، لا المجوس. وبعدما أكمل متّى نبأ الهرب إلى مصر والبقاء هناك عاد يخبر بأحوال هيرودس بعد رجوع المجوس إلى وطنهم بدون أن يخبروه.
    غَضِب لأنه لم يجد الولد، ولأنه أُهين بعدم طاعة المجوس له. وكانت بعض أسباب غضبه سياسية، وبعضها شخصية، وكلها نتيجة شدَّة غيرتِه.
    وَقَتَلَ جَمِيعَ ٱلصِّبْيَان فالذي قتل امرأته وبعض أولاده لا يصعب عليه أن يقتل أولاد الآخرين عند احتدام غضبه. وروى عنه يوسيفوس المؤرخ أنه عندما مرض مرضه الأخير جمع إليه كثيرين من وجوه اليهود وأعيانهم وسجنهم في مكان واحد، وأمر بقتلهم ساعة موته لكي تكون مناحة في كل أنحاء المملكة بدل الفرح. ولا يذكر يوسيفوس مذبحة بيت لحم: إما لأن الأمر بها كان سراً لم يبلغ مسامعه، أو لأنه عدَّ ذلك قطرة من بحر أعمال هيرودس الشنيعة. فإن فرضنا عدد سكان بيت لحم ألفين فلا يزيد عدد الذكور الذين لهم من العمر سنتان فما دون عن الثلاثين طفلاً. فلا عجب إذا لم يشر يوسيفوس إلى هذه الحادثة التي جرت قبل كتابة تاريخه بثمانين أو تسعين سنة.
    تُخُومِهَا ادخل التخوم تحت الأمر الذي أصدره لكي يوصد كل باب دون نجاة المسيح.
    مِنِ ٱبْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ لا نستنتج من هذا أنه قد مضى سنتان من ظهور النجم للمجوس، بل أن هيرودس زاد على الزمان كما زاد على المكان (بقوله تخومها) حتى لا يمكن أن ينجو يسوع بطريقة من الطُرق. وذلك لأنه خاف أن المجوس لم يدققوا في الحساب، أو أن عساكره يخطئون في تقدير عمر الأولاد. وكان يفضِّل خطأه في تكثير عدد القتلى على تقليله.
    لاحظ قوة سلطة الغضب، فلا يشفق الغضوب على الأطفال الأبرياء، ولا يهمه حزن أمهاتهم، ولا يبالي بصوت ضميره. وهكذا كل من سلَّم نفسه إلى سلطان الغضب لا يعلم أين مصيره. ويسوع كان رجل الأوجاع منذ طفولته، فهو المخلص الذي نحتاج إليه في ضيقاتنا.
    ١٧ «حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا ٱلنَّبِيِّ».
    إرميا ٣١: ١٥
    إِرْمِيَا ٣١: ١٥. هذه النبوة منقولة عن الترجمة السبعينية، وهي وفق الأصل معنىً لا لفظاً، أُريد بها أولاً الإشارة إلى سبي بابل، لأن اتخاذ نبوَّة واحدة للدلالة على حادثتين أو أكثر هو وفق عادة العلماء اليهود وكتبة العهد الجديد.
    ١٨ «صَوْتٌ سُمِعَ فِي ٱلرَّامَةِ، نَوْحٌ وَبُكَاءٌ وَعَوِيلٌ كَثِيرٌ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا وَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَتَعَزَّى، لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ».
    ٱلرَّامَةِ قرية على الحدود بين سبطي بنيامين ويهوذا، شمال أورشليم، على بعد ساعتين منها (قضاة ١٩: ١٣). وهي المكان الذي أَخذ إليه نبوزردان الأسرى وقت سبي بابل، وقتل الذين تعينوا للموت، ونقل الباقين للسبي (إرميا ٤٠: ١). وكان ذلك وقت ضيقة عظيمة وحزن شديد للأسرى. فتصوَّر النبي أن راحيل إحدى أمهات إسرائيل التي دفنت بالقرب من بيت لحم (تكوين ٣٥: ١٩) اضطربت في قبرها، وقامت واشتركت في الحزن. فمتَّى يشير إلى حوادث السبي كأنها تكرَّرت ثانية، وكأن راحيل جدَّدت حزنها وبكاءها على الأولاد المقتولين، كما حزنت على الأسرى قبل ذلك بنحو ٦٠٠ سنة. وقد تكون الرامة وطن يوسف الرامي الذي طلب جسد المسيح ليدفنه (متّى ٢٧: ٥٧).
    لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ يعني ليسوا أحياء. مات أطفال بيت لحم بضربة كان الغرض منها قتل المسيح، فهم الشهداء الأولون. ولا شكَّ أنه ليست مسرَّة المسيح أن تهلك نفس أحد منهم، فما خسروه على الأرض ربحوه في السماء. وقد مات لأجله في زمن الاضطهاد ألوف من أولاد المسيحيين. ولا نشك في رحمة الله بالمسيح في أن جميع الذين يموتون في الطفولية يخلصون.
    ١٩ «فَلَمَّا مَاتَ هِيرُودُسُ، إِذَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ فِي حُلْمٍ لِيُوسُفَ فِي مِصْرَ».
    لَمَّا مَاتَ هِيرُودُس المرَّجح أنه مات في أريحا بعد المذبحة بأشهر قليلة، في ربيع سنة ٧٥٠ لبناء رومية، أي ٤ ق م، لأن الناس كانوا يؤرخون من يوم تأسيس رومية ولم يبدأوا الحساب المسيحي إلا بعد المسيح بخمس مئة سنة، فجعلوا السنة الأولى للميلاد سنة ٧٥٤ لتأسيس رومية. فلا عجب إذا وقع خطأ أربع سنين مع طول المدَّة. وملك هيرودس ٣٧ سنة ومات في سن السبعين.
    فِي مِصْر حيث قيل له أن يبقى حتى يبلغهُ خبر. فظهور الملاك كان إتماماً للوعد (ع ١٣). ولا نعلم كم بقوا في مصر، والأغلب أن بقاءهم لم يزد عن السنتين، وقد يكون أقل.
    ٢٠ «قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَٱذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ ٱلصَّبِيِّ».
    الأمر هنا كالمذكور في ع ١٣ سوى أنه قيل هناك «اهرب» وقيل هنا «اذهب» لأن السفر هنا ليس هرباً بل رجوعاً إلى الوطن.
    أَرْضِ إِسْرَائِيلَ إشارة إلى الأرض المقدسة بجملتها.
    ٱلَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ ٱلصَّبِيِّ قيل هذا بصيغة الجمع، بمعنى هيرودس ومشيروه الذين رغبوا في مرضاته، أو هيرودس وابنه أنتباتر الذي كان في مثل أخلاق أبيه الفاسدة ومشاركاً في طلب قتل من يدَّعي حق المُلك على إسرائيل، وهو الذي قتله أبوه قبل وفاته بخمسة أيام. أو أن متّى كتب بصيغة الجمع بقصد التعظيم كالعادة في ذكر الملوك.
    مات جميع هؤلاء وبقي الصبي حيّاً. وكثيراً ما يبقى المسيحيون المضطهدون ليدوسوا قبور مضطهديهم، فإن للموت سلطاناً على الملوك كما على غيرهم.
    قاتل الأطفال مات، وغلبة الأشرار وقتيَّة. أما الرب فباقٍ إلى الأبد. فقد صحَّ القول قديماً «مَاتَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ» (متّى ٢: ٢٠) وسيبقى صحيحاً إلى النهاية. تآمر كثيرون على المسيح وديانته ولكن كان كل ذلك عبثاً (مزمور ٢). قوة الأشرار للضرر لا بد أن تنتهي مع نهاية حياتهم القصيرة (أمثال ١٤: ٢٢).
    ٢١ «فَقَامَ وَأَخَذَ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَجَاءَ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ».
    فَقَام إشارة إلى طاعته للأمر.
    ٢٢ «وَلٰكِنْ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ أَرْخِيلاَوُسَ يَمْلِكُ عَلَى ٱلْيَهُودِيَّةِ عِوَضاً عَنْ هِيرُودُسَ أَبِيهِ، خَافَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى هُنَاكَ. وَإِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي حُلْمٍ، ٱنْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي ٱلْجَلِيل».
    ص ٣: ١٣ ولوقا ٢: ٣٩
    لَمَّا سَمِعَ أَنَّ أَرْخِيلاَوُس سمع الخبر وهو في الطريق، أو عندما وصل اليهودية. وأرخيلاوس هذا ابن هيرودس الأكبر من امرأته السامرية ملثاسي. وهبه أبوه مملكته ولقبه، ولكن أوغسطس قيصر لم يعترف بذلك إلاَّ جزئياً، فأعطاهُ اليهودية وأدومية والسامرة فقط، وأبى أن يلقبه بملك قبل أن يُظهر ما يجعله مستحقاً لذلك. وانقسمت بقيَّة المملكة بين أخويه فيلبس وأنتيباس. وملك أرخيلاوس سنتين على رأي البعض وتسع سنين على رأي آخرين، ثم دُعي إلى رومية للمحاكمة بسبب قساوته، ونُفي إلى فيان في بلاد الغال حيث مات. فتولى شئون الحكم على اليهودية والٍ روماني.
    خَافَ يعني خاف أن أرخيلاوس ينفذ مقاصد أبيه الشريرة، لأنه كان قاسياً مكاراً مثله. وأرسل عساكره في الفصح الأول بعد جلوسه لكي يشتت الجموع في أورشليم، وقتل منهم عدداً لا يقل عن ثلاثة آلاف نفس.
    أوحي إليه في حلمٍ: هذه مرة رابعة علَّمه الله بالحلم. وسياق القصة يدل على أن هذا الكلام جواب سؤال.
    ٱنْصَرَفَ أي حاد عن الخطأ. فإنه كان يقصد الرجوع إلى اليهودية إلى بيت لحم أو المرور بها. ولعلهُ ظنَّ أن المسيح الذي من سبط يهوذا يسكن في أرض يهوذا، للاعتقاد أنها أكثر قداسة من غيرها ولقربها من الهيكل، فيقدر أن يخالط الكهنة وعلماء الدين.
    نَوَاحِي ٱلْجَلِيل هي القسم الشمالي من أرض إسرائيل التي كانت تنقسم إلى ثلاثة أقسام: اليهودية جنوباً، والجليل شمالاً، والسامرة بينهما. فنظراً لبُعد الجليل عن أورشليم، ولكونها تحت رياسة أنتيباس ظهرت ليوسف أنها أكثر أمناً، لأن أخلاق أنتيباس كانت ألطف من أخلاق أرخيلاوس، ولأنه كان بينهما اختلاف فلا خوف أن يسلم أحدهما بطلب الآخر.
    وكان سكان الجليل يهوداً مختلطين بالأمم، فحسبهم سائر اليهود أقل شرفاً وطهارة منهم.
    ٢٣ «وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَـهَا نَاصِرَةُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيّاً».
    مزمور ٢٢: ٦ و٦٩: ٩ وإشعياء ٥٢: ١٤ و٥٣: ١، ٢ وزكريا ١١: ١٢، ١٣ ويوحنا ١: ٤٥، ٤٦ وأعمال ٢٤: ٥
    أَتَى وَسَكَنَ النَاصِرَةُ أي استقر في سكنه السابق. والناصرة بلدة في الجليل قرب سهل يزرعيل (أي مرج ابن عامر). فلا يذكر متّى ما ذكرهُ لوقا من أنها كانت مسكناً لمريم ويوسف سابقاً. ولكن عدم ذكر ذلك لا يبرهن عدمه، لأن تاريخه بدأ بولادة يسوع في بيت لحم، فلم تكن هناك حاجة إلى ذكر ما حدث قبل ذلك. فيسمي متّى الناصرة وطن يسوع (متّى ١٣: ٥٤ و٥٧).
    لِكَيْ يَتِمَّ إشارة إلى قصد الله في إتمام النبوة وليس إلى قصد يوسف. وهذه هي النبوة الخامسة التي ذكر متّى أنها تمت بالمسيح.
    ٱلأَنْبِيَاءِ بصيغة الجمع لأن الكلام إتمام نبوات كثيرة، وليس كلام نبي واحد.
    سَيُدْعَى نَاصِرِيّا هكذا دُعي في أعمال ٢٤: ٦ وفي العنوان على الصليب. وهذه الكلمات ليست بحروفها في نبوات العهد القديم، بل في ما يتضمن معناها، وهو أن المسيح يكون مهاناً ومحتقراً مثل أهل الناصرة. ومن هذه النبوات إشعياء ٥٣ وزكريا ١٢: ١٠ ومما يدل على أن أهل الجليل كانوا محتقرين ما ورد في يوحنا ١: ٤٧ و٤: ٤٦ و٧: ٥٢. فالناصرة لم تكن مشهورة، وكان سكانها أشراراً جهلاء.
    ظنَّ البعض النبوءة المذكورة في سفر إشعياء ١١: ١ وهي قوله «ويُخرج قضيب من جذع يسَّى وينبت غصن من أصوله» قد تمت حرفياً بأن تسمَّى المسيح «غصناً» أي «ناصراً» في الأصل العبراني. فيحتمل أن متّى لاحظ الأمرين (أي اسم المكان وحقارته في عيون الجميع) مطابقة النبوءة. ورأى أن كل النبوات التي تشير إلى المسيح كناصري تمت حقيقة ومجازاً.
    ع ٢٣: سيرة المسيح في الناصرة مثالٌ لنا في التواضع، فلم يطلب المدن الكبيرة لتكون مسكناً له، بل سكن تلك القرية الحقيرة حيث شبَّ وبقي حتى بلغ الثلاثين من عمره. ولا نعرف إلا القليل من أخبار حياته في هذه المدة. والمرجح أنه اشتغل بالنجارة، وصرف خمسة أسداس حياته في الانفراد ومسكن الفقر. وهذا يعلمنا التواضع والقناعة. فلا يحسن أن يستحي شعب المسيح بالفقر ولا يصعب عليهم تعيير الناس ما دام معلمهم صرف حياته فقيراً وسُمي ناصرياً.
    قائمة بأسماء عائلة هيرودس الكبير

    الأصحاح الثالث


    ١ «وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ».
    مرقس ١: ٤، ١٥ ولوقا ٣: ٢، ٣ ويوحنا ١: ٢٨ ويشوع ١٥: ٦١، ٦٢
    وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ الأيام التي كان يسوع ساكناً في الناصرة. وهذا لا يدل على مدة معينة لكن المدة بعد الحوادث المذكورة في الأصحاح السابق نحو خمس وعشرين سنة، ولم يحدث أثناءها تغيير في الأحوال، ولم يحفظ من حوادثها إلا واحدة جرت قبل ذلك بثماني عشرة سنة (ذُكرت في لوقا ٢: ٤٢ - ٥٢). وأراد متّى بتلك «الأيام» وقت كان طيباريوس قيصر امبراطوراً في رومية، وبيلاطس والياً خامساً على اليهودية. وسكوت الكتاب عن حوادث هذه المدة يُعلّم الأولاد مُثل الطاعة والإكرام لوالديهم، ويعلمنا جميعاً الصبر والمواظبة على الدرس في استعدادنا لأعمال الحياة.
    جَاء أو ظهر. يرجح أنّه حينئذ كان قد بلغ سن الثلاثين. وهو الوقت الشرعي لممارسة الكاهن وظيفته (عد ٤: ٣، ٤٧).
    يُوحَنَّا في العبراني «يوحنان» أي عطية الله. ذُكر نبأ ولادته في لوقا ١.ولم يذكر متّى ترجمة يوحنا قبل كرازته، إما لأن ذلك كان معروفاً جيداً عند الذين كتب لهم بشارته، أو لأنه كان غير ضروري للقصد من كتابته. وهو يوحنا ابن زكريا وأليصابات، أكبر من المسيح بستة أشهر، صرف كل زمن حداثته بالسكوت، ولم يُذكر من أمره شيء إلا ما ورد في لوقا ١: ٨٠ «وكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ». فالظاهر أنه صرف وقته بالانفراد ودرس الكتاب المقدس والصلاة والتأمل استعداداً للقيام بأمر وظيفته. وكان من أنسباء أم يسوع (لوقا ١: ٣٦) وذُكرت شهادته ليسوع في يوحنا ١: ٦ - ٨ و١٩ - ٣٧.
    ٱلْمَعْمَدَان ذِكر متّى هذا اللقب لأنه كتب للذين يعرفونه به، واعتادوا مشاهدة المعمودية التي كانت مقترنة بكرازته على نوع خاص. ويبين مما ورد في خروج ٢٩: ٤ ولاويين ٨: ٦ و١٤: ٨ و١٥: ٣١، ٣٢ أن التطهيرات بالماء كانت شائعة في النظام الموسوي وعند الأسينيين. وكان اليهود يعمدون المتهودين من الأمم، ولكن كان لمعمودية يوحنا معنى أعظم مما سبقها. فكانت إشارة إلى التوبة ورجاء الغفران. وهي تختلف عن المعمودية المسيحية، لأن تلاميذ يوحنا تعمدوا ثانية عندما آمنوا بالمسيح (أعمال ١٩: ٥). وسؤال الكهنة واللاويين ليوحنا يوحنا ١: ٢٥ يشير إلى أن المعمودية من علامات مجيء المسيح.
    يَكْرِزُ ينادي كرسول. كان يوحنا أحد أنبياء العهد القديم. ومضت ٤٠٠ سنة لم يظهر فيها نبي غيره. وهو نبيٌ جمع صفات موسى وإشعياء كناية عن الشريعة والموعد. وهو آخر أنبياء لعهد القديم والأقرب إلى المسيح الذي هو خاتم الشريعة والأنبياء، ولذلك قيل إنه أعظم المولودين من النساء. وهذه المقارنة ليست مبنيَّة على صفات خاصة بل على درجة وظيفته، إذ قد أتى بروح إيليا (لوقا ١: ١٧) فهو سابق المسيح الذي فاقت كرازته كرازة جميع الذين سبقوه. وكانت غايتها تجهيز الناس لقبول المسيح كمخلص لهم من خطاياهم.
    فِي البَرِّيَّةِ هذه البرية شرقي أورشليم قرب بحر لوط، تربى فيها يوحنا (لوقا ١: ٨٠). والمشار إليها في لوقا ٣: ٣ بالمنطقة المحيطة بالأردن، وكانت قليلة السكان وأكثرها مراعٍ للمواشي.
    ولا نستنتج من عمل يوحنا وجوب التنسك، لأن هذا كان بأمر الله ليوحنا لا من استحسانه. وقد مارس يوحنا الكرازة في البرية ولم يلازم الصمت والبطالة.
    ٢ «قَائِلاً: تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    دانيال ٢: ٤٤
    تُوبُوا هذا جوهر كرازته التي كانت تتنوع كتنوع الأحوال والناس الذين يخاطبهم، ولم تكن بتكرار كلمة «توبوا». والتوبة التي أشار إليها لم تكن مجرد الحزن والندامة، بل مع الحزن إصلاح السيرة، وتجديد القلب بالرجوع عن الخطية إلى الله. ومعنى الكلمة في الأصل اليوناني «تغيير الفكر أو القلب» فهي تدل على الإصلاح الكلي للقلب والسلوك. وقد نادى يوحنا بمغفرة الخطايا بواسطة المسيح الآتي قائلاً: قد اقترب الوقت، وأتى زمان التوبة، لأن الفادي مزمع أن يحضر، وبه وحده غفران الخطايا.
    كانت مناداته ضرورية لأن بني إسرائيل كانوا قد توغلوا في الفساد، وفي شعائر وعوائد وتقاليد كثيرة، ونسوا وجوب الطاعة الروحية لله. ونادى قبله هذه المناداة عينها ملاخي، آخر الأنبياء (ص ٤، ٥، ٦) وابتدأ يسوع وعظه بها (متّى ٤: ١٧).
    ولو أمر يوحنا اليهود بجمع الجيوش والاستعدادات الحربية لاتَّفق تعليمه مع آرائهم وانتظاراتهم في تعليم «سابق المسيح» لأنهم كانوا ينتظرون منقذاً سياسياً يبدد أعداءهم ويرفعهم إلى ذروة الفخار.. ومع أن هذا كان الرأي الغالب بينهم، جاء في أحد كتبهم «إن تاب إسرائيل يوماً واحداً فقط، ففي ساعة يحضر المسيح».
    لم يقُل يوحنا، هذا المصلح اليهودي العظيم، شيئاً عن تقديم الذبائح التي تطلبها الشريعة، ولا عن ممارسة الشعائر اليهودية، بل نادى بوجوب عمل روحي قلبي. فالتوبة استعداد ضروري لإتيان المسيح شخصياً، كما أنها استعداد ضروري لإتيانه روحياً إلينا ومكثه في قلوبنا وسكنه فينا.
    ٱقْتَرَب اقترب زمن ظهوره، وذلك بناءً على ما حدث، من ولادة يسوع، وقرب زمن إعلان ذاته، وإتمام كل نبوة من نبوات هذا الملكوت.
    مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَات أي ملكوت المسيح الروحاني، الذي يُسمى أيضاً ملكوت الله. ويكرر متّى هذه اللفظة ثلاثين مرة في بشارته. ويحتمل أنه نقلها من دانيال ٧: ١٣، ١٤، ٢٧ و٢: ٤٤. ويُسمى ملكوت السماوات لأنه ليس من العالم، فمصدره وصفاته ونتائجه كلها سماوية، ولأن المسيح الملك فيه أتى من السماء. ولكن اليهود ظنوا أنه يكون ملكوتاً أرضياً، ولذلك رفضوا مخلِّصاً متواضعاً. فسمّاه متّى سماوياً ليصلح هذا الخطأ. ولم يسلم الرسل من هذا الخطأ إلا بعد يوم الخمسين.
    ولم يقصد يوحنا بذلك ملكوتاً مستقبلياً محضاً، بل ملك المسيح من بدء مجيئه إلى هذه الأرض إلى مجيئه الثاني، وتكميله ملكوته في السماء. فالمقصود به هنا بدء الملكوت، وفي أماكن أخرى نهايته المجيدة. وكانت أكثر آراء يوحنا في هذا الملكوت روحية، ولكن أفكاره لم تخْلُ من آراء اليهود الشائعة في أمر المسيح.
    وقد أُقيم هذا الملكوت وبُشِّر به منذ أيام يوحنا إلى الآن، وكل واحد يغتصب نفسه إليه (لوقا ١٦: ١٦). فعلينا أن نصلي «ليأتِ ملكوتك» ليتقدم ملكوت النعمة ويأتي ملكوت المجد.
    ٣ «فَإِنَّ هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ. ٱصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً».
    إشعياء ٤٠: ٣ ومرقس ١: ٣ ولوقا ٣: ٤ ويوحنا ١: ٢٣ ، لوقا ١: ٧٦
    فَإِنَّ هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي قِيلَ هذه شهادة متّى لكرازة يوحنا الذي أُرسل ليتمم هذه النبوة التي تُنبِّئ بها قبل ذلك بسبع مئة سنة، وهكذا فسرها البشيرون الأربعة، ويوحنا نفسه، وهي مذكورة في إشعياء ٤٠: ٣. فإن كانت تشير جزئياً إلى رجوع بني إسرائيل فقد تمت أعظم إتمام بشخص يوحنا.
    صَوْتُ ظن البعض أن يوحنا تسمى بهذا الاسم تمييزاً بينه وبين المسيح الذي هو الكلمة، وظنَّ آخرون أن هذه التسمية تدل على أن حياته كلها صُرفت في المناداة بعد صمت الأنبياء منذ زمن ملاخي.
    أَعِدُّوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ الرب هنا هو المسيح الآتي وهو إله. وقوله «أعدوا طريق الرب» ترديد للعادة القديمة عند إتيان ملك، فكان يُرسل منادٍ أمامه، يدعو الشعب للاستعداد لقدومه بأن يزيلوا الموانع من الطرق. فمعنى هذه النبوة الروحية: تهيئة قلوب الناس لقبول الملك يسوع، بتوبتهم وتواضعهم وشعورهم بالاحتياج إلى مخلِّص، وبتركهم الخطية والعصيان. فإعداد طريق الرب الآن يكون بإزالة الكبرياء والاتكال على الذات والكفر واليأس. فإن لم تزُل هذه من قلوبنا لا يمكن حلول المسيح فيها.
    ٤ «وَيُوحَنَّا هٰذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ ٱلإِبِلِ، وَعَلَى حَقَوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ. وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَاداً وَعَسَلاً بَرِّيّاً».
    ٢ملوك ١: ٨ وزكريا ١٣: ٤ ومرقس ١: ٦ ، لاويين ١١: ٢٢، ١صموئيل ١٤: ٢٥، ٢٦
    يوحنا يشبه إيليا في ملابسه وعاداته، وكان ذلك موافقاً لوظيفته.
    وَبَرِ ٱلإِبِلِ نستنتج من سفر زكريا (١٣: ٤) أن ذلك كان لبس الأنبياء الخاص في العهد القديم، وكانت الثياب المصنوعة منه خشنة ورخيصة يلبسها الفقراء وأهل الحِداد. وكان النبي إيليا يلبس منها (٢ملوك ١: ٨). ويحتمل أن قصد يوحنا بهذا الملبس الإشارة إلى التبكيت والحداد على خطايا إسرائيل، ليرجع ذلك الشعب إلى بساطة الأزمنة القديمة التي كان لبسه وأكله يشيران إليها.
    مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْد أي كمنطقة (حزام) إيليا، واختلفت بأنها من جلد، ومناطق غيره التي يرجح أنها كانت ثمينة لدقة صنعها ونفاسة مادتها.
    جَرَاداً وهو المعروف لنا، وأجازت الشريعة الموسوية أكله (لاويين ١١: ٢٢). ويأكله الفقراء الآن في بعض البلدان. وأما شراب يوحنا فيُعلم من بشارة لوقا (١: ١٥).
    عَسَلاً بَرِّيّا يكثر العسل البري في شقوق الصخور في البرية حيث كان يوحنا مقيماً. فعلى هذا أتى يوحنا «لا يأكل ولا يشرب» أي نذيراً. فلا يكلف غيره بأن يعمل عمله، لأنه كان يعيش بمقتضى وظيفته، وكان كله مثالاً للتوبة.
    ٥ «حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ ٱلْكُورَةِ ٱلْمُحِيطَةِ بِٱلأُرْدُنِّ».
    مرقس ١: ٥ ولوقا ٣: ٧
    خَرَج تركوا بيوتهم ليذهبوا إليه في البرية، أي إلى شاطئ الأردن.
    أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ ٱلْيَهُودِيَّة أي سكانها. وسمحت له كثرة عددهم أن يقول «كلهم».
    ٱلْكُورَةِ ٱلْمُحِيطَةِ بِٱلأُرْدُنّ لعل المقصود السامرة والجليل وعبر الأردن مع اليهودية، لأن اشتهار اسمه كنبي جعل الناس يُقبلون إليه من الأماكن القريبة والبعيدة. وذلك دليل واضح على الانتباه الشديد، والتأثير العظيم الذي أحدثه ظهور يوحنا. وأتى إليه كثيرون من سكان تلك البلدان من أنباء حياته وحال معيشته وتوجيهه الكلام إلى الضمير.
    وكان انتباه أفكار الشعب يومئذ عظيماً، وقلوبهم تتأثر من كل شيء غريب وجديد، فلا ريب أن روح الرب أغراهم لسماع هذا الرسول. فكان لهم بذلك دعوتان: دعوة داخلية، ودعوة بفم يوحنا. ودام تيقُّظ الناس وخروجهم إلى البرية مدة لا نعرف مداها.
    ٦ «وَٱعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي ٱلأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ».
    أعمال ١٩: ٤، ١٨
    وَٱعْتَمَدُوا كانت هذه المعمودية رمزية تشير إلى التطهير الأخلاقي، واستُعملت قديماً مقرونة بتقديم الذبائح، برهاناً على ارتباط عمل الفداء بعمل التقديس. وقد مارسها يوحنا بأمر إلهي (يوحنا ١: ٣٣) وبذلك لُقب بالمعمدان. وقيل إن اليهود كانوا يمارسونها وقت قبول المتهودين. وفي ممارستهم لهم إشارة إلى عدم طهارة الأُمة اليهودية واحتياجها إلى التطهير بواسطة التوبة، وكانت المعمودية إشارة إليه.
    فِي ٱلأُرْدُنّ لا يدل هذا الكلام على كيفية العماد، فلا يظهر منه أن العماد كان بالرش أو بالسكب على الواقف عند ضفتي النهر، أو بتغطيسهم فيه. ولا نجد في كل الإنجيل شيئاً يدل على مقدار الماء المستعمل، أو على كيفية استعماله. والكلمات اليونانية المترجم عنها معناها «غسل رمزي». واجتماع الناس عند الأردن بقصد الاعتماد من يوحنا ليس دليلاً على التغطيس في النهر، فمن الضروري أن يكون ألوف الناس معهم كثير من الماشية بالقرب من نهر، نظراً لقلَّة الينابيع والسواقي في تلك الأماكن. والأمر معلوم أن معموديته ليست المعمودية المسيحية، ولم تكن بدلاً من الختان.
    مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ لم تكن معموديتهم مجرد رسم ذي بركة من ذاته أو من قداسة النبي الذي مارسه، بل كانت مقترنة باعتراف عام بالزيغان عن الديانة الأصلية، كأفراد وكأمة، والإقرار بأنهم يستحقون الدينونة التي أعلنها النبي. ويُفهم من قول متّى أن هذا الاعتراف كان علناً لا سراً. ولا حاجة إلى بيان أنه في وقت كهذا تزدحم الجموع فيه لم تكن فرصة للاعتراف الانفرادي. وهذا الاعتراف كان (١) اختياراً لا اضطراراً (٢) لله لا ليوحنا (٣) إجمالاً لا مفصَّلاً (٤) جهاراً لا سراً (٥) اعترافاً بالخطايا التي ارتكبوها قبل المعمودية.
    وجوهر الفرق بين معمودية يوحنا والمعمودية المسيحية، هي أن الأولى علامة التوبة على الخطايا، والثانية الإقرار بالمسيح والاعتراف به مخلصاً.
    ٧ «فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: يَا أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ ٱلْغَضَبِ ٱلآتِي؟».
    متّى ١٢: ٣٤ و٢٣: ٣٣ ولوقا ٣: ٧ - ٩ ، رومية ٥: ٩ و١تسالونيكي ١: ١٠
    فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ رآهم المعمدان يطلبون المعمودية بدون الاستعداد اللازم. فالانتباه الديني لا ينحصر في طائفة واحدة لأنه كان يعمُّ أناساً مختلفين. ومن هذا تظهر شدة تأثير تعليم يوحنا، فإنه وفَّق بين المتخالفين الذين أتوا لمجرد التفرج، أو اقتداءً بغيرهم، أو ليكونوا زعماء هذه الحركة الجديدة إذا نجحت. وعلى كل حال فإنهم أتوا بلا ميل إلى التوبة.
    ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ طائفتان كانتا غالب الأحيان في خصام، ولكنهما اتفقتا حينئذ وبعدئذ على مقاومة المسيح. قال يوسيفوس إنهما نشأتا نحو سنة ١٥٠ ق.م. وكان الفريسيون غيورين على حفظ الطقوس اليهودية أحسن حفظ، مع التمسك بتقاليد رؤساء اليهود. ومعنى اسمهم المفروزون. وهو لا يشير إلى أن غايتهم فرز أنفسهم عن بقية اليهود بل عن بقية الشعوب. وكانت ضلالتهم الدينية الاعتبار الفائق لحرف الناموس وإهمال روحه، واحترام للتقاليد وتسليم أنفسهم بذلك للأوهام وللبر الذاتي والرياء وصورة الدين لا حقيقته. وحين كان المسيح على الأرض كان هؤلاء أشد خصومه.
    وسُمي الصدوقيون كذلك نسبة إلى صدُّوق رئيسهم. وكانت ديانتهم ديانة الشكوك والكفر واعتماد المبادئ العقلية، ولذلك رفضوا التقاليد. والأرجح أنهم رفضوا بعض أسفار العهد القديم الأخيرة، وأنكروا القيامة وخلود النفس ووجود الملائكة، وتبعوا بعض العوائد الوثنية.
    وكان هناك غير هاتين الفرقتين فرقة أخرى غير مذكورة في الإنجيل، وهي جماعة الأسينيين. وكانوا بين اليهود بمثابة الباطنيين في بعض الأديان. مارسوا التطهيرات اليهودية، واعتنقوا الفلسفة اليونانية، وكثيراً ما تمسكوا بالتقشُّفات الجسدية، وتجنبوا مخالطة الناس، وكانوا قليلي العدد والأهمية. وهذا هو سبب عدم ذكرهم في الإنجيل.
    أما الفرقتان الأوليان فأظهرتا في بادئ الأمر احتراماً ليوحنا كنبي، ولكن قلَّ اعتبارهم له بعد قليل بسبب مواعظه. ولما نادى بأن يسوع هو المسيح أنكروا نبوَّته وسلطانه فعلاً إن لم يكن قولاً (لوقا ٧: ٣٠ ومتّى ٢١: ٢٥ - ٢٧). والأرجح أن قليلين منهم استفادوا من مجيء المسيح (لوقا ٧: ٣٠ ومتّى ١١: ١٨). وكان بينهم بعض الأتقياء (يوحنا ٣: ١ وأعمال ٥: ٣٥).
    أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي نوع من الحيات شديدة الاحتيال والضرر. ولم يستعمل يوحنا هذا الوصف للفريسيين والصدوقيين كراهية واحتقاراً، بل توبيخاً لهم على صفاتهم العامة وعدم إخلاص نواياهم في مجيئهم إليه، وإشارة إلى ضرر تعليمهم الذي هو كالسم الناقع. واستعمل سيدنا هذا الوصف عينه في متّى ٢٣: ٣٣. فالأرجح أن كلامه كان مبنياً على ما قيل في «نسل الحية» (تكوين ٣: ١٥). فمع أنهم أبناء إبراهيم أشبهوا نسل الحية في مقاومتهم «نسل المرأة».
    مَنْ أَرَاكُمْ تعجب يوحنا من أن أناساً قساة القلوب مثلهم مرائين، يخافون حتى يتظاهروا بالتوبة ويرغبوا في أن يتَّصفوا بصفاتها.
    أَنْ تَهْرُبُوا أي تجتهدوا في أن تهربوا. فبسؤاله هذا يظهر الشكَّ في صدق مقاصدهم، فإن كان ما يدَّعونه صحيحاً فهو يبيِّن لهم أنهم يحتاجون إلى وسائط أكثر فاعلية لنوال غايتهم. فكأنه قال: أي رجاء لمن كان مثلكم؟
    ٱلْغَضَبِ ٱلآتِي أي غضب الله وقصاصه على الخطية. تنبأ ملاخي (٣: ٢ و٤: ٥) بإظهار غضب الله عند إتيان «سابق المسيح» ولذلك انتظر الناس أياماً مضطربة. فسبب خوف الفريسيين والصدوقيين هو من هذه الحركات المنتظرة، لا القصاص على خطاياهم الخاصة. وبولس يستعمل هذه العبارة في ١تسالونيكي ١: ١٠. ومعنى غضب الله هذا نجده في خراب أورشليم، وفي قصاص الخطاة يوم الدين.
    ٨ « فَٱصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِٱلتَّوْبَةِ».
    فَٱصْنَعُوا أَثْمَاراً أي إن كنتم بالحقيقة هاربين، كما ادَّعيتم، فاعملوا أعمالاً تطابق ذلك. أي توبوا التوبة الحقيقية واتَّقوا الله وانفعوا الناس، ولا تظنوا المعمودية بالماء والإقرار باللسان يجديان نفعاً. فإن العلامة الحقيقية للتوبة هي حياة التقوى، والثمار الجيدة تستلزم شجرة جيدة. لقد كانوا محتاجين إلى ولادة جديدة، لأن تسلسلهم الطبيعي من إبراهيم لا يكفيهم.
    ٩ «وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَباً. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ٱللّٰهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هٰذِهِ ٱلْحِجَارَةِ أَوْلاَداً لإِبْراهِيمَ».
    وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُم أي لا تقولوا ولا تظنوا في قلوبكم أن مجرد كون إبراهيم أباكم يفيدكم شيئاً عند الله.
    لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبا أي أننا نخلص طبعاً لأننا ورثة حقيقيون لذاك الذي كان له الوعد. هذا كان افتخارهم (يوحنا ٨: ٣٣، ٣٧، ٣٩). فيوحنا لم ينكر نسبتهم إلى إبراهيم، بل أنكر أنها تكفيهم لنوال رضى الله بغضّ النظر عن صفاتهم. وقد تبيَّن استنادهم على هذه النسبة في أحد تقاليدهم وهو أن إبراهيم جالس أمام الباب المؤدي إلى الجحيم فلا يسمح بانحدار أحد نسله المختونين إلى هناك.
    ولنا من ذلك أن فضائل الوالدين الأتقياء لا تنفع أولادهم، إلا بشرط أن يقتفي هؤلاء خطوات والديهم. فاستناد البعض الآن على عضويتهم في الكنيسة عبث، كما كان استناد الناس قديماً على عضويتهم في الكنيسة اليهودية. فيجب على كل إنسان بمفرده أن يتوب ويؤمن.
    لأَنِّي أَقُولُ لَكُم كان فكر اليهود أن الله ملتزم بتخليص شعبه المختار. ولو أراد رفضهم ما أمكنه ذلك. فقال يوحنا: ولو هلكوا جميعاً لا يكون الله بلا شعب، إذ يمكنه أن يقيم له شعباً مما لا يخطر على بال إنسان أن يكون ذلك منه.
    يُقِيمَ أي ينقل من عدم الحياة إلى الحياة بنفس السهولة التي بها صنع آدم من التراب.
    مِنْ هٰذِهِ ٱلْحِجَارَة إشارة إلى حجارة حقيقية كانت على الأرض قريبة منه. والمعنى أن الله لا يحتاج إلى اليهود، فيمكنه أن يجدد النسل إذا هلك الأفراد، أو يتخذ أمة أخرى بدلاً من أمتهم. وهنا تلميح إلى إمكانية دعوة الأمم التي صارت فيما بعد بالفعل. فتسلسلنا من الأتقياء لا يفيدنا شيئاً بل يزيد دينونتنا إذا لم تنتج منه طهارة الحياة.
    أَوْلاَداً لإِبْراهِيم أعني مستحقين أن يأخذوا اسمه وميراثه والمواعيد المعطاة له ومشابهين إياه روحا (غلاطية ٣: ٢٩).
    ١٠ «وَٱلآنَ قَدْ وُضِعَتِ ٱلْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ ٱلشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّار».
    متّى ٧: ١٩ ولوقا ١٣: ٧، ٩ ويوحنا ١٥: ٦
    وَٱلآنَ أي ليس في وقت مستقبل أو بعيد، بل في نفس الساعة التي أكلمكم فيها.
    وُضِعَتِ ٱلْفَأْس اتخذ اسم آلة معتادة كناية عن الدينونة الإلهية. وقوله «وُضعت» إشارة لقصد الواضع أن يقطع الشجرة فيما بعد. ويحتمل أن يكون المعنى أنه قد بوشر قطعها، أي ابتدأت الدينونة. أو أنها وُضعت بدون استعمال استعداداً لرفعها واستعمالها في أي دقيقة كانت. وفي كل ذلك دلالة على قُرب الخطر منهم لأن الشجرة بلا ثمر. ولا رجاء إلا بالتوبة السريعة.
    عَلَى أَصْلِ ٱلشَّجَر يعني بالشجر الناس الذين ينتظر الله منهم ثمراً وهم كل الأمة اليهودية، ولا سيما الذين كان يخاطبهم، أي الفريسيون والصدوقيون ورؤساء الشعب والجماعات التي أتت إلى يوحنا للمعمودية. وقال «أصل الشجر» لأن الأصل المحل الأنسب لقطع الشجرة وملاشاتها بالكلية. فليس المقصود إذاً تهذيب الشجرة، أي قطع بعض أغصانها، إشارة إلى إصلاح بعض العوائد الرديئة والأعمال الخارجية ووقوع القصاص على البعض من الأفراد، بل الشجرة برمتها أي الأمة بأسرها.
    ثَمَراً جَيِّدا أي ثمار تليق بالتوبة (ع ٨) «وجيداً» أي صالحاً ومقبولاً لدى الله، ومفيداً لمن يصنعه وللآخرين.
    تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّار تُقطع من أصلها حتى لا يبقى منها شيء. وزيدَ «تُلْقَى فِي النَّارِ» (لوقا ٣: ٩) دلالة على هلاك الأشرار، بسبب غضب الله عليهم (ع ٧) وبسبب ضرر الخطية للخاطئ (عبرانيين ١٢: ٢٩).
    ١١ «أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلٰكِنِ ٱلَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، ٱلَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَنَار».
    مرقس ١: ٨ ولوقا ٣: ١٦ ويوحنا ١: ١٥ وأعمال ١: ٥ وإشعياء٤: ٤ و٤٤: ٣ وملاخي ٣: ٢ وأعمال ٢: ٣، ٤ و١كورنثوس ١٢: ١٣
    أَنَا أُعَمِّدُكُمْ لم يكن قول يوحنا تهديداً لهم من عنده، ولا بسلطانه، فهو مجرد «سابق للمسيح». إنما الذي سيعاقبهم هو السيد الآتي. وهنا يقارن يوحنا بين خدمته وخدمة المسيح، فيُظهر أنها أقل من خدمة المسيح وأن شخصه دون شخصه في الاعتبار. فمعمودية يوحنا للتوبة كانت خارجية، بينما معمودية المسيح داخلية. ومعمودية يوحنا كانت بالماء إشارة إلى تلك التوبة التي لا يمكنه أن يمنحها، بينما معمودية المسيح كانت بقوة الروح القدس الفعالة المجددة.
    ٱلَّذِي يَأْتِي بَعْدِ عرف الجميع أن غيره آتٍ بعده، ولو أنهم كانوا يجهلون العلاقة بينهما، وأن ذلك الآتي هو ملاك العهد (ملاخي ٣: ٣).
    أَقْوَى مِنِّ أي أقدر منه فعلاً، وأعظم منه شرفاً.
    لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَه العلاقة بينهما ليست مجرد علاقة سابق بلاحق أو عبد بسيده، لأن أدنى عبد يمكنه أن يحمل حذاء سيده. وهو يحسب هذه الخدمة التي هي أدنى الخدمات شرفاً لا يستحقه!
    فاعتراف يوحنا جهاراً ومراراً بأنه أصغر من المسيح، يرينا أنه كان يقنع سامعيه بأنه ليس المسيح الآتي، وأنه كان يعرف العلاقة الصحيحة بينه وبين المسيح وأنه يعترف بها دوماً، وأنه انتصر على تجربة الافتخار الناتجة عن مدح الناس له. فهو الشخص المناسب ليكون سابقاً للمسيح الوديع والمتواضع القلب. وتواضع يوحنا مثال لكل من يخدمون المسيح. فكلما رفعوا شأن سيدهم يرفعهم سيدهم. والذين يكرمهم الله ليكونوا وسائط لعمل خير جزيل يكونون صغاراً في عيون أنفسهم. والعظمة الحقيقية مقرونة بالتواضع دائماً.
    هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ هناك فرق بين أعمالها كما كان بين شخصيهما. وليس الفرق بين المعموديتين في كيفية ممارستهما، بل في أن معمودية المسيح هي معمودية النفوس بقوة روحية وحلول الروح القدس، وليس نتيجتها التوبة وحدها بل أنها مصحوبة بالخلاص. فالتأثير الذي يترتب على مجيء المسيح أعظم من التأثير الذي صار بوعظ يوحنا، وهذا ما حدث يوم الخمسين، واستمر بعد ذلك إلى الآن بأعدادٍ أكبر جداً.
    بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُس أي الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس.
    وَنَار ليست نار غضب الله (ع ١٢) بل إشارة إلى قوة فاعلية النار في التطهير (إشعياء ٤: ٤ وإرميا ٥: ١٤ وملاخي ٣: ٢). وقد ظهر تأثيرها في أعمال ٢: ١٣. وقد ذكر يوحنا الماء والنار كعلامتين لفعل الروح القدس في النفس.
    ١٢ «ٱلَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى ٱلْمَخْزَنِ، وَأَمَّا ٱلتِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأ».
    ملاخي ٣: ٣، ٤: ١
    ٱلَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ الرفش هو الآلة التي يُذرَّى بها الحَبُّ في الهواء لفصله عن التبن. شبَّه يوحنا أمة اليهود بالشجرة التي تُقطع وتُلقى في النار (ع ١٠). وهنا يشبِّههم بتبن أُتلف بنفس الطريقة. إلا أنه لم يقتصر على ذكر الهالكين المعبر عنها بالتبن، فذكر المخلَّصين الذين شبَّههم بالقمح.
    وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَه تشير الكلمة اليونانية إلى تنقية البيدر تنقية تامة لا يترك معها شيء منه غير مذرَّى، كناية عن نهاية العمل كله. ويمكن أن يكون القصد من هذا التشبيه الإشارة إلى تأديب الله الناس وقصاصه لهم في هذه الحياة وفي نهاية العالم. ولكنه يشير بالأكثر إلى تعليمه الذي يمتحن به القلوب، وإرسال روحه القدوس ليوقظ الضمائر ويقودها إلى سُبُل التوبة والإصلاح، وإرسال الضيقات، وأخيراً الدينونة. فبكل هذا ينقي الله بيدره تمام التنقية.
    يَجْمَع بواسطة ملائكته متّى ٢٥: ٣٢، ٣٣.
    قَمْحَهُ دلالة على قيمته، وإشارة إلى المخلَّصين. وإضافة القمح إلى الضمير يشير إلى أنهم خاصته، وثمر تعبه. وأما التبن فلم يقُل إنه تبنُه لأنه بلا قيمة.
    إِلَى ٱلْمَخْزَن وهذا يحتمل معنيين: (١) كنيسة المسيح على الأرض (١بطرس ١: ٥). و(٢) السماء.
    وَأَمَّا ٱلتِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأ التبن هو الأشرار، وإحراقهم أي هلاكهم كلي، ونارهم لا يمكن إطفاؤها. وهذا مجاز يشير إلى حقيقة مخيفة، لأن نيران غضب الله التي تظهر في الدينونة الزمنية هنا لا تزال تحتدم إلى الأبد في جهنم الأبدية (متّى ٢٥: ٤١ و٢تسالونيكي ١: ٨، ٩). ويظهر مما ذُكر أن إرسال المسيح هو للرحمة وللدينونة. فالرحمة للذين يقبلونه، والدينونة للذين يرفضونه.
    ومن وعظ يوحنا هنا نرى رداءة الخطية، وضرورية التوبة لخلاص. وتُعرَف التوبة الحقيقية من أثمارها. وعظَّم يوحنا شخص المسيح وعمله كمخلص، ونادى بالروح القدس، وباحتياجنا إلى المعمودية به، وأنذر الأشرار بنهايتهم الرهيبة، وبشَّر المؤمنين الحقيقيين بحسن العاقبة. ويوحنا مثال حسن لنا، لأنه واعظ أمين أنبأ سامعيه بالحق، وبيَّن لهم حقيقتهم، ولم يلتفت إلى شيء من غناهم أو شرفهم أو سطوتهم، وكشف الحجاب عن خطاياهم ونتائجها الهائلة. كما أن يوحنا مثال لنا في التواضع، فلم يفتخر بأن الجماهير أقبلت إليه، بل سُرَّ بأن يعظم شأن المسيح، وبأن يضع كل ما أحرزه من الإكرام عند قدميه.
    ١٣ «حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ ٱلْجَلِيلِ إِلَى ٱلأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ».
    متّى ٢: ٢٢
    حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ معمودية يسوع كانت أهم الحوادث التي جرت في خدمة يوحنا، وكانت استعداداً لبدء خدمة المسيح، الذي اعتمد وهو بلا خطية، وبلا حاجة إلى التوبة، ليُظهر خضوعه التام للشريعة، وليكرم يوحنا كنبي وسابق له، وليبين أنه مشترك مع شعبه في كل شيء: في معموديته كما في موته. وأشار بقوله «حينئذ» إلى الوقت الذي فيه كان يوحنا يكرز ويعمد أو (وهو الأرجح) إلى المدة التي مرَّت بين ظهور يوحنا وموته، وهي ثلاث سنين، مضى نصفها ويوحنا في السجن. وقوله «جاء» يشير إلى ظهوره جهاراً على غير انتظار وإلى أنه لم يعتمد خفية (لوقا ٣: ٢١).
    مِنَ ٱلْجَلِيل من ناصرة الجليل حيث أقام منذ طفولته (مرقس ١: ٩ ومتّى ٢: ٢٩).
    إِلَى ٱلأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا ذكر هنا المكان والشخص اللذين أتى إليهما. فالمكان عند نهر الأردن، لأنه كان لا بدَّ لمثل أولئك الجموع الكثيرة من مياه غزيرة تكفيهم وتكفي مواشيهم. ولا مياه غزيرة في تلك الجهات إلا في الأنهار. ومخرج النهر المذكور من سفح جبل الشيخ، وهو يجري جنوباً ويمر أولاً في مياه ميروم (أي بحيرة الحولة) ثم في بحر الجليل. وبعد تعاريج كثيرة يصب في بحر لوط، حيث يصير طوله مئتي ميل.
    لِيَعْتَمِدَ مِنْه الغرض من مجيئه أن يعتمد بمعمودية التوبة، وهو البار. فوضع ذاته تحت الشريعة كجزءٍ من اتِّضاعه، باعتباره فادينا. والذي «أُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ» (إشعياء ٥٣: ١٢) «وجَعَلَ خَطِيَّةً لأَجْلِنَا» (٢كورنثوس ٥: ٢١) «وكان في صورة عبد خاطئ» اقتضى أن يمارس الرسوم والتطهيرات المكلف بها الإنسان.
    ١٤ «وَلٰكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً: أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ».
    لٰكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ لم يذكر ذلك من البشيرين الأربعة سوى متّى. وكان منعه له قبل أن يقتنع بكلامه. فيوحنا لم يعتبر معموديته نافعة بذاتها، بل علامة لأمر روحي. وقد تحقق أن يسوع كان بلا خطية، فلا يحتاج إلى المعمودية التي هي علامة التوبة عن الخطية والتطهير منها.
    أنا محتاج: عرف يوحنا نفسه أنه أقل من المسيح مقاماً، فرأى احتياجه إلى أن يعتمد منه، لأن المسيح أفضل (ع ١١) ولأن يوحنا رأى أنه خاطئ يحتاج إلى غفران من حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يوحنا ١: ٢٩، ٣٦)، ويحتاج إلى المعمودية الروحية ممن شهد هو له أنه يعمد بالروح القدس ونار (ع ١١). فيوحنا الذي سمع الاعتراف من غيره اعترف هنا للمسيح.
    وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيّ! قوله هذا يُظهر التعجب من مجيئه. فكأنه يقول: أيأتي الذهب إلى الطين ليكسب بهاء، أم الشمس إلى السراج لتقتبس نوراً، أم السيد إلى العبد لينال شرفاً، أم البار إلى الأثيم ليُعطَى براً؟ ويظهر أيضاً أنه عرف من نبأ يسوع السابق ما هو كافٍ لأن يقنعه أنه هو المسيح، وذلك لا يناقض قوله «وأنا لم أكن أعرفه» (يوحنا ١: ٣٣) لأنه إلى ذلك الحين لم يرَ العلامة الموعود بها من السماء التي تعلن رسمياً أنه المسيح.
    ١٥ «فَقَالَ يَسُوعُ لَهُ: ٱسْمَحِ ٱلآنَ، لأَنَّهُ هٰكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ. حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ».
    ٱسْمَحِ ٱلآن أي سلِّم بذلك. وبهذا لم يشر إلى أن يوحنا لا يحتاج أن يعتمد منه، ولا إلى أن تمنُّع يوحنا بلا سبب كافٍ. ولكن المسيح بيَّن له أنه يجب أن يسلِّم بطلبه ولو كان ذلك غريباً وفوق إدراكه. وقوله «الآن» يدل على أن السبب وقتي، بالنظر إلى مقتضى الحال، وهو اتِّضاع المسيح بدلاً من البشر.
    هٰكَذَا يَلِيقُ بِنَا أي بيسوع ويوحنا، بناءً على العلاقة بينهما وعلاقتهما بالله. أي يليق بالمسيح نائباً عن الخطاة، وبيوحنا سابقاً للمسيح، ليتمِّما ما يطلبه الله.
    نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ أي كل مطالب الشريعة التي رضي باختياره أن يكملها. وذلك أمر لو رفض القيام به لكان ذلك نقصاناً في ما يجب فعله. فأراد يسوع أن يكرم المعمودية بقبوله إياها. ويحتمل أن كلمة «بر» مأخوذة بمعناها المستعمل في رومية ٣: ٢١، ٢٣ حيث تشير إلى الترتيب الذي نظمه الله لتبرير الخاطئ بواسطة المسيح، وهو يتضمن معمودية المسيح كأحد لوازمه. وهذه المعمودية هي علامة رسمية لابتداء المسيح ممارسة وظيفته. فاستعداده الداخلي لممارسة وظيفته لم يُغن عن استعمال الطقوس الخارجية. فالمعمودية طقس موقَّر تثبت رسوليته، وأشار إلى تكريسه بها. وكما أطاع الشريعة هنا أطاعها في ختانه، والقيام بواجباته في الهيكل والمجمع، وفي إيفاء الجزية، وحفظ عيد الفصح وبقية الأعياد. فعلَّمنا بذلك كيف يجب أن نعم كخدمة أمناء لله. ولنا من ذلك أن الكمال الحقيقي يظهر في الطاعة الكاملة.
    حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ ليس فقط أنه عمده، بل أطاع أمره وامتثل لسلطانه وصدَّق ما قاله المسيح بوجوب إجراء العمل برضاه. فالتواضع والشعور بعدم الاستحقاق لا يمنع من إتمام الواجبات.
    ١٦ «فَلَمَّا ٱعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ ٱلْمَاءِ، وَإِذَا ٱلسَّمَاوَاتُ قَدِ ٱنْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ ٱللّٰهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ».
    مرقس ١: ١٠ إشعياء ١١: ٢ و٤٢: ١ ولوقا ٣: ٢٢ ويوحنا ١: ٣٢ و٣٣
    فَلَمَّا ٱعْتَمَد حالما اعتمد يسوع أعلن الله بعلامة منظورة وبصوت مسموع أنه هو المسيح. وذكر لوقا علاوة على ما ذكره متّى أنه كان يصلي (لوقا ٣: ٢١).
    صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ ٱلْمَاء إما من شاطئ النهر أو من النهر ذاته حيث اعتمد. فقوله «من الماء» لا يلزم منه أنه كان تحت الماء. لأن «من» هنا كمن في قوله صعد من الجليل (لوقا ٢: ٤). فلا يدل الكلام على كيفية المعمودية.
    وَإِذَا إشارة إلى حادثة فجائية غريبة.
    ٱلسَّمَاوَاتُ قَدِ ٱنْفَتَحَتْ أي لوح السماء المنظور، إشارةً إلى أن الطريق مفتوحة بين الأرض والسماء، وأن هناك سبيلاً لنزول البركات. ومثل هذا ما جاء في أعمال ٧: ٥٦ و١٠: ١١ ورؤيا ١٩: ١١.
    لَه أي ليسوع، لأن هذه الرؤية كانت بسببه. وكانت أيضاً شهادة ليوحنا (يوحنا ١: ٣٢، ٣٣) وللشعب (لوقا ٣: ٢١). ولكن مضمونها الخاص كان إكرام يسوع والشهادة له أنه هو المسيح، وأن عمله مقبول.
    فَرَأَى أي يسوع. ولكن هذا لا ينافي إن الآخرين رأوا، لأن هذه ليست رؤيا ظهرت ليسوع أو ليوحنا كما في غيبة، بل رؤية حسية ظاهرة لجميع المشاهدين.
    رُوحَ ٱللّٰه وهذا أيضاً ليس تأثيراً روحياً إلهياً لا تشعر به الحواس، بل أقنوماً إلهياً هو الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس. فقد مسح الروح يسوع حينئذ لأجل ممارسة وظائفه كنبي وكاهن وملك، كما تنبأ إشعياء (٦١: ١).
    نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَة ظنَّ البعض أن الروح نزل كما تنزل الحمامة، إشارة إلى كيفية النزول بالهدوء مثل رفرفته على وجه المياه يوم تكوين العالم (تكوين ١: ٢). وقال آخرون إن الروح أخذ هيئة حمامة كما أخذ هيئة ألسنة النار في يوم الخمسين. وكان قصد الروح بعمله هذا بيان الاتصال الحقيقي بينه وبين المسيح. وقال البعض إن الروح اختار هذه الهيئة لأن الحمامة موصوفة بالطهارة والوداعة والسلام، فيليق أن تكون الحمامة إشارة إلى تأثيرات الروح القدس والروح الذي أظهره المسيح، وإشارة إلى أن النظام الذي وضعه يختلف عن النظام السابق الذي ابتدأ في رعود وبروق.
    وكانت العلامة وقتية، لكن حلول الروح القدس عليه كان حلولاً أبدياً.
    آتِياً عَلَيْه فالمقصود بهذه الرؤية هو المسيح. والأمر الجوهري في ذلك أن الروح القدس ظهر بهيئة جسدية (لوقا ٣: ٢٢) وإنه نزل من السماء واستقر على يسوع ليدل على أنه هو الشخص المخصص من بين هذا كل الحاضرين، معلناً أنه دخل معه في علاقة جديدة، باعتباره فادياً، مع أنهما واحد منذ الأزل. فحلول الروح القدس على «المولود من الروح» سرٌ عظيم. وهذا الروح كان علامة خارجية للروح الذي كان فيه سابقاً. وبما أنه كان قد أتى الوقت لبدء ممارسة وظيفته أُعطيت له علامة منظورة تدل على أنه ممسوح من الروح القدس.
    ١٧ «وَصَوْتٌ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ قَائِلاً: هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».
    يوحنا ١٢: ٢٨ مزمور ٢: ٧ وإشعياء ٤٢: ١ ومتّى ١٢: ١٨ و١٧: ٥ ومرقس ١: ١١ ولوقا ٩: ٣٥ وأفسس ١: ٦ وكولوسي ١: ١٣ و٢بطرس ١: ١٧
    صَوْتٌ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ لم يكن هذا الصوت تخيُّلياً كما يُسمع أحياناً في الرؤيا ، بل كان حقيقياً، شهادة من الآب. ويرَّجح أن كل الحاضرين سمعوها. ولم يُسمع هذا الصوت منذ إعطاء الشريعة على جبل سيناء حتى ذلك الوقت، أي وقت بداءة الإنجيل. وسُمع مثله وقت التجلي (متّى ١٧: ٥) وقبل موت المخلِّص بقليل (يوحنا ١٢: ٢٨، ٣٠).
    قَائِلاً: هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ابني حبيبي ومختاري.. هو الذي نزل الروح عليه. وقيل في مرقس ولوقا «أنت ابني» فقال البعض إن في هذا تناقضاً يبيِّن خطأ البشيرين. ولكن تفاوت كيفية التعبير عن حادثة ما لا ينفي صدق الشهود، فقد يكون أن الواحد ذكر نبأ الحادثة بلفظها، وآخر ذكره بمعناه، كما يحدث كثيراً في تأدية الشهادات.
    ٱبْنِي هذا هو اللقب المنسوب إلى المسيح في الوعد لداود ٢صموئيل ٧: ١٤ ومزمور ٢: ٧. وبناءً على ذلك يُسمى غالباً في الإنجيل «ابن الله». وأما العلاقة بين الآب والمسيح (البنوَّة) فهي أزلية وليست مبنية على ولادة يسوع غير الطبيعية. فلا يدخل تحت هذه التسمية شيءٌ مما يتعلق بالولادة في زمان من الأزمنة. وليس فيها أدنى تشبيه إلى ولادة طبيعية من والدين بشريين. ولكنها إشارة إلى المحبة بين الآب والابن، والقرابة الشديدة، والاتحاد في الجوهر، والمساواة في الرتبة والمقام.
    ٱلْحَبِيبُ المحبوب منذ الأزل لأنه ابنٌ منذ الأزل. وهذا ما أشار إليه يوحنا بقوله «في حضن الآب» (يوحنا ١: ١٨)، وما ورد في أمثال ٨: ٣٠ «كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا، وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ، فَرِحَةً دَائِمًا قُدَّامَهُ». وإشعياء ٤٢: ١ ويوحنا ١٠: ١٧. ومع أنه كان دائماً محبوباً إلى الله، زادت محبته ظهوراً حينئذ، بأنه باشر عمل الفداء.
    ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْت هذا يوافق ما قيل في إشعياء ٤٢: ١ «الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي» ويشير إلى تمام الرضى به. وهو ليس مجرد تكرار معنى قوله «الحبيب» الدال على الاتفاق الأزلي في الشعور، بل يشير أيضاً إلى مسرة الله بالمسيح عندما ابتدأ عمل الفداء باعتبار أنه ابن الإنسان والوسيط والمسيح (أفسس ١: ٤ ويوحنا ١٧: ٢٤).
    ويُسر الآب بنا عندما نقترب إليه بواسطة ابنه يسوع المسيح وسيطنا. وهذه المناداة الإلهية يجب أن تكون عندنا ذات قيمة واعتبار، لأنها تؤكد أن عمل يسوع لأجل خلاصنا قد ثبَّته الآب، وأن ذبيحته لأجلنا قُبلت، وقد صدَّقت السماء على الغفران المنادى به في الفداء.
    وقد أعلنت هذه الحادثة علناً العلاقة بين أقانيم الثالوث الثلاثة في جوهر إلهي. فأظهر الآب وجوده بصوت مسموع، وظهر الروح القدس نازلاً بهيئة منظورة على ابن الله المتجسد. ويتبرهن تعليم الثالوث أيضاً من الكلمات المعطاة لنا للاستعمال في رسم المعمودية (متّى ٢٨: ٢٠). ويحق لكل واحد من الأقانيم عبادة أبدية واحدة وإكرام واحد. فنرى من هذه الحادثة أن الأقانيم الثلاثة مشتركون في عمل الفداء متفقون عليه في قصدهم الأزلي ثم على إجرائه في زمان معيَّن.

    الأصحاح الرابع


    ١ «ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ مِنَ ٱلرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ».
    مرقس ١: ١٢ ولوقا ٤: ١ و١ملوك ١٨: ١٢ وحزقيال ٣: ١٤ و٨: ٣ و١١: ١، ٢٤ و٤٠: ٢ و٤٣: ٥ وأعمال ٨: ٣٩
    ثُمَّ أي بعد المعمودية (مرقس ١: ١٢ ولوقا ٤: ١). فبعدما نتمتع بعلامات رضى الله الفائقة يجب أن نقاسي أشد التجارب.
    أُصْعِد طاعة لتأثيرٍ فيه متميِّز عن مشيئته، لكن غير مخالف لها. فلم يدخل في التجربة من تلقاء نفسه. فيجب علينا أن لا نعرِّض ذواتنا للتجارب. فبين اقتياد المسيح إلى البرية ليجرَّب وذهاب لوط إلى سدوم محل التجربة فرقٌ عظيم.
    مِنَ ٱلرُّوح ليس من روحه بل من الروح القدس الذي نزل حينئذ واستقرَّ عليه (متّى ٣: ١٧) فهذا أنشأ فيه ذلك التأثير. قد امتلأ من ذلك الروح الذي أشار إليه يوحنا في قوله «كنت في الروح يوم الرب» (رؤيا ١: ١٠) والذي خطف فيلبس (أعمال ٨: ٣٩).
    إِلَى ٱلْبَرِّيَّة أي إلى القفر العاري من النبات والخالي من الناس ومسكن الوحوش (مرقس ١: ١٣). ولعلها البرية التي تاه فيها بنو إسرائيل أربعين سنة، أو أنها البرية الواقعة إلى الجنوب الغربي من أريحا. وقد جرت التجربة على نائب الجنس البشري الأول في جنة عدن، وجرت على نائبه الثاني في البرية.
    لِيُجَرَّب أي يُمتحَن. وهذه كانت غاية اقتياد الروح القدس له وفقاً لإرادة الله الآب. قد تجرَّب المسيح بدلاً منا، فإن آدم الأول تجرَّب وسقط، وبسقوطه سقط الجنس البشري، فلزم أن آدم الثاني يُجرَّب ليُظهر استحقاق كونه فادياً للبشر، يرفعهم من هاوية ذلك السقوط. فالتجربة حدثت حقيقة، ولم تكن رؤيا أو تمثيل محاربة داخلية في أفكار المسيح. والأرجح أن ما رواه متّى ولوقا من نبأ هذه التجربة نقلاه عن رواية المسيح إياها لتلاميذه.
    وقد جعل ناسوت المسيح التجربة ممكنة. وجعلت نيابتهُ عنا ذلك ضرورياً. فليست التجربةُ خطيةً، إنما الخطية هي التسليم لهما. ولا ينتظر أحد أولاد الله العفو من التجربة، لأن المسيح جُرِّب، وليس التلميذ أفضل من المعلم.
    مِنْ إِبْلِيس وهو رئيس الشياطين (متّى ٩: ٣٤ و١٢: ٢٤) ورئيس الملائكة الساقطة (متّى ٢٥: ٤١ ورؤيا ١٢: ٩ و٢٠: ١٠) والحية القديمة (رؤيا ١٢: ٩) الشيطان (أي ١: ٦) وبعلزبول (متّى ١٢: ٢٤) ورئيس سلطان الهواء (أفسس ٢: ٢) الذي خدع أبوينا الأوَّلين (٢كورنثوس ١١: ٣) ويُسمى العدو. وهو عدو الله والناس.
    كانت تجربة المسيح قسماً ضرورياً من اتِّضاعه في إجرائه عمل الفداء، وجزءاً من محاربته العظيمة التي تنبأ الأنبياء أنها ستكون بين نسل المرأة ونسل الحية، إذ قد برز للمحاربة النائبان عن كل منهما. وبما أن يسوع أتى إلى العالم لينقض أعمال إبليس (١يوحنا ٣: ٨) وجب أن يغلبه أولاً. والمسيح بتجرُّبِه جعل علاقة متينة بينه وبين شعبه المجرَّب، وفيما هو قد تألم يقدر أن يعين المجرَّبين (عبرانيين ٢: ١٨). فإذا تحقق الشعب أنهم يجربون يؤكد لهم أنهم ينتصرون وينجون بواسطته إذ قد انتصر قبلهم.
    ٢ «فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيراً».
    فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً (لوقا ٤: ٢). لم يكن يصوم نصف النهار ويأكل في النصف الآخر كما كان صوم اليهود أحياناً جرياً على تقاليدهم، بل صام الأيام الأربعين كلها. وهذا الصوم كان فوق الطبيعة، فلا يصح أن يكون مثالاً لشعبه. ولم يأمرنا الإنجيل أن نفعل شيئاً سنوياً مثل ذلك. فالمسيح صام مرة في حياته وذلك نيابة عنا. وهذا لا ينافي كون الصوم من الواجبات المسيحية (متّى ٦: ١٦). ولكن لا يتحتم علينا أن نجعل أعجوبة المسيح قياساً لواجباتنا، ولا يستحق تبديل الأطعمة أن يسمى صوماً.
    جَاعَ أَخِيراً أي بعد نهاية الأربعين يوماً. ونستنتج من ذلك أنه لم يجُع أثناءها، فانقطاعه عن الطعام كل تلك المدة أمر خارق للطبيعة، لا من باب إنكار الذات المؤلم. فذلك لم يكن لنقتدي به. وعندما صار من تلك الحال إلى حال الطبيعة البشرية جاع. وهذه أول مرة ذكر الإنجيل أن سيدنا شاركنا في الاحتياجات الجسدية، فقد حارب عدوَّه وانتصر عليه، مع أن التجربة كانت في عظيم قوتها وجسده أقل قوة منها. واحتمل الجوع لأجلنا في البرية والعطش على الصليب. وكثيراً ما تأتينا التجارب اليوم من الاحتياج الجسدي، ولكن يمكن أن الإنسان يعوزه الخبز ويكون عزيزاً لدى الله.
    ٣ «فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هٰذِهِ ٱلْحِجَارَةُ خُبْزاً».
    فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلْمُجَرِّبُ لم يقل إن هذا كان بداءة تجربة المسيح، فلا تناقض بين قوله وقول مرقس في ١: ١٣ وقول لوقا ٤: ٢ إنه تجرَّب أربعين يوماً، لأنه من المحتمل أن التجارب الثلاث التي ذكرها متّى كانت نهاية سلسلة التجارب، أو أنها هي الوحيدة التي فيها ظهر المجرب شخصياً. فالذي سُمي هنا مجرِّباً هو الذي دُعي إبليس في ع ١، فهو المجرِّب الذي جرَّب المسيح، والذي عمله الخاص إلقاء كل البشر في التجارب. لقد تجاسر على ابن الله، فهل ينتظر أحدٌ أن لا يجرَّب؟ قد دخل الشيطان العالم مجرِّباً (تكوين ٣) فلا شك أنه سيجرِّبنا.
    وَقَالَ لم يكن صوتاً مسموعاً من متكلم غير منظور، لكن صوت شخص أتى إليه، إما بصورة إنسان أو بصورة ملاك نور (٢كورنثوس ١١: ١٤). ولم يذكر متّى أن الشيطان اتَّخذ جسداً، ولكن القول إنه جرب المسيح كروح لا ينطبق على تفاصيل الخبر.
    إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰه في هذا القول تلميحٌ إلى الصوت الذي أتى من السماء وقت المعمودية (متّى ٣: ١٧). وقوله «ان كنت» يدل على تشكيك في الأمر يفتقر إلى برهان ينفيه، فكأنه قال: هل يمكن أن يتعرَّض ابن الله للجوع؟ إن جوعك ينزع حق تسميتك «ابن الله». إن لك سلطاناً على الطبيعة، فلماذا لا تستعمله لتخلُص من جوعك وتحفظ حياتك من الموت القادم عليك بعد هذا الصوم الطويل؟ فمن كان ابن الله يقدر على كل شيء. فإن كنت ابن الله فهينٌ عليك أن تبرهن ذلك وتنجو من الضيق.
    فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هٰذِهِ ٱلْحِجَارَةُ خُبْزاً الإشارة إلى حجارة قريبة منهما «تصير خبزاً» أي تتحول إلى خبز. فلم يحثه المجرب على أن يصنع لذاته طعاماً فاخراً، بل خبزاً فقط يشبع جوعه ويصون حياته من الخطر. فالخطية التي أراد الشيطان أن يرتكبها المسيح هي عدم الاتكال على الله وعدم الثقة بعنايته. وهنا تظهر حيلة المجرِّب بأن حثَّ المسيح على أمرٍ ليس إثماً بذاته، لأن مخاطبة الحجارة ليست خطية! نرى من هذا أن الشيطان يغتنم الفرصة ليجرب الناس بما يحتاجون إليه، فيجرب الفقراء والجياع ليتذمروا على الله ويسرقوا، ويظهر أن كلامه مناسب للموقف. وهذا يعلِّمنا أن المناسب للموقف ليس دائماً صحيحاً.. فالذي حوَّل الماء خمراً بعد ذلك كان قادراً على أن يجعل الحجارة خبزاً، ولكن ما كان يصنعه لغيره لم يصنعه لذاته. لقد أشبع ألوف الناس ولم يصنع لنفسه رغيفاً واحداً. فيجب إذن أن نخاف من التجربة التي تظهر كأنها ناتجة عن حب المجرب لنا.
    ٤ «فَأَجَابَ: مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱللّٰهِ».
    مَكْتُوبٌ في تثنية ٨: ٣ ولم يزل مكتوباً، فقد شهد المسيح لصدق كُتب موسى باستناده على كلام الله، وهو يعلمنا بذلك كيف يجب أن نقاوم مثل هذه التجارب، بأن نضع الحق مقابل الضلال، وكلمة الله مقابل وساوس المجرب. فالمسيح وهو مكمل الناموس أجاب الشيطان من الناموس، وغلبه في هجومه الثلاثي بتلك الأسلحة التي اتخذها من أدوات الحرب الروحية. وعمله هذا يعلمنا أننا يجب أن نكون عارفين أقوال الكتاب المقدس حسناً لنقدر أن نقاوم إبليس ونغلبه بواسطة تلك الآيات.
    لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلإِنْسَانُ معنى هذا الكلام الأصلي أن بني إسرائيل لم يعيشوا بالخبز المعتاد الذي حصلوا عليه بمجهودهم، فطحنوه وعجنوه وخبزوه، بل عاشوا بالقوت الذي أوجدته لهم كلمة الله، وهو المن. فالمقارنة هنا ليست بين خبز مادي وخبز روحي، بل بين قوتٍ عادي كالخبز وقوت آخر يمكن لله أن يقدمه بواسطة أخرى. فلم يقل المسيح في جوابه للشيطان «أنا ابن الله» بل جعل ذاته بمنزلة إنسان. كأنه قال: ليس السؤال عن قوتي كابن الله، بل عن واجباتي كإنسان وقت الاحتياج. فلم يستخدم قوته الإلهية للحصول على ما يحتاج إليه من الضروريات البشرية، بل جعل ذاته إنساناً كباقي الناس، وغلب الشيطان كإنسان لأجل الجنس البشري. لأنه عندما اتخذ طبيعة الإنسان رضي أن يشارك الناس في احتمال احتياجاتهم، وفي الالتجاء إلى الله لسد هذه الاحتياجات مثلهم. فلو خلَّص ذاته من الضيق بمعجزة لارتكب نفس الخطية التي ارتكبها بنو إسرائيل عندما شكوا في قدرة الله وعنايته. وكما كان جواب المسيح هنا كان روح تعليمه فيما بعد (متّى ٦: ٢٥، ٣٢ و١٠: ٣٩).
    ٥ «ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ ٱلْهَيْكَلِ».
    نحميا ١١: ١، ١٨ وإشعياء ٤٨: ٢ و٥٢: ١ ومتّى ٢٧: ٥٣ ورؤيا ١١: ٢
    ثُمَّ في ترتيب لوقا التجربة الثانية هي الأخيرة، والأرجح أن متّى تبع الترتيب الذي جرى.
    أَخَذَه ليس بالرغم منه، بل كرفيق. فمن اتِّضاعه الاختياري رضي أن يُقاد من مكان إلى آخر، كما رضي بعدئذٍ أن يُقاد للجلد والصلب. وتسليمه بالإهانة الكبرى أن يجرَّب من إبليس تتضمن التسليم بالإهانة الصغرى وهي أن يُقاد منه.
    ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُقَدَّسَة هي أورشليم، لأنها المركز المقدس ومدينة الملك العظيم (متّى ٥: ٣٥). وسفره إلى أورشليم لم يكن رؤيا بل حقيقة، ولعله أتى من البرية إليها.
    أَوْقَفَه ليس بقوة أو بسلطة، بل جعله أن يقبل ذلك بالالتماس، أو بطريقة أخرى لم تُذكر.
    جَنَاح ذلك إما جزء ناتئ من سطح الهيكل إلى أمامه، أو من رواق سليمان الذي بُني مشرفاً على وادي يهوشافاط من علوٍ شاهق. قال يوسيفوس كان علو الجناح ٤٠٠ ذراعاً، يعتري الناظر منه إلى أسفل دوار.
    ٱلْهَيْكَل حضر الشيطان ليجرِّب المسيح في أقدس موضع من المدينة المقدسة. فإذاً لا نخلو من التجارب ولو في أقدس الأماكن.
    ٦ «وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ فَٱطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ».
    مزمور ٩١: ١١، ١٢
    ٱطْرَحْ نَفْسَكَ أي من على سطح الهيكل إلى الدار الوسطى، أو من سطح الرواق إلى الوادي العميق دون خوف، طمعاً في الحماية الإلهية وحفظ الملائكة لك. فكانت هذه التجربة عكس الأولى، لأنها للطمع الذي هو الاتكال على الحماية الإلهية في الأحوال التي لم يعِد الله فيها بالحماية. وذلك عندما يدخل الإنسان في الخطر عمداً. فجرَّب إبليس المسيح ليمتحن صدق الوعد، ويبرهن أنه هو المسيح. فإن كان هو حقيقة فلا يحصل له أذية، بل يُقنع جميع الحاضرين بهذا العمل أكثر مما يقنعهم باحتماله الاضطهاد والتعب والفقر سنين عديدة.
    لأَنَّهُ مَكْتُوب اقتدى الشيطان بالمسيح، فاقتبس آية من مزمور ٩١: ١١، ١٢ ليغلبه بها، ومضمونها طمأنينة أتقياء الله في كل الضيقات، وهو وعد لجميع المتكلين عليه لا سيما المسيح. لكن ذلك لم يكن وعداً بالوقاية من أخطار نأتيها اختياراً. فهو لا يجعل الأمر الذي جرَّب الشيطان المسيح به جائزاً، لأنه ترك جزءاً جوهرياً منه، وهو في «كل طرقك». فطرح نفسه من جناح الهيكل ليس من طُرق المسيح المعينة له من الله. والشيطان لا يألو جهداً في صيد النفوس بواسطة آيات الكتاب المقدس، كما فعل في تجربته للمسيح.
    مَلاَئِكَتَه إشارة إلى وظيفتهم باعتبارهم أرواحاً للخدمة (عبرانيين ١: ١٤). ولا نتعلَّم من هذه الآية أن لكل مؤمن ملاكاً حارساً.
    يَحْمِلُونَك كلام مستعار مما نشاهده من اعتناء الأمهات بأطفالهن العاجزين.
    لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَك كما يفعل الوالدون بأولادهم في الأماكن الصعبة خشية من عثورهم.
    ٧ «قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ».
    قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ في تثنية ٦: ١٦. دفع سيدنا هذه التجربة كما دفع الأولى بجواب من كتاب الله.
    لاَ تُجَرِّبِ أي لا تطلب برهاناً لما لا يحتاج إلى زيادة برهان. لا تطلب من الله أن يبرهن اعتناءه عندما تلقي ذاتك في خطر تُدخِل نفسك فيه. فكأنه قال: لا يجوز لي أن أجرب عناية الله وصدقه بطرح نفسي من فوق إلى أسفل، لأن هذا يكون طمعاً وليس اتكالاً.
    وكل من طلب برهان محبة آخر له أظهر الشكَّ في تلك المحبة. فطلب برهان كهذا لا يكرم الله ولا يُظهر الاتكال التام عليه وعلى وعده، بل الشك فيه. ولم يطلب المسيح فيما بعد معونة الملائكة (متّى ٢٦: ٥٣). فلشعب الله الآن حق أن ينتظروا حمايته في كل خطر بأمره، وإلا فلا.
    ٨ «ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلْعَالَمِ وَمَجْدَهَا».
    ثُمَّ ترتيب للتجربة الثالثة. والمرجح أنها حدثت بعد الثانية.
    أَخَذَهُ إِلَى جَبَل معنى ذلك (كما في ع ٥) أنه أخذه كرفيق. ظنَّ بعض الذين حسبوا التجربتين الأوليين أنهما حدثتا حقيقة وأن هذه حدثت في الرؤيا ، ولكن لا داعي إلى مثل هذا الظن. ويحتمل أن الجبل المذكور هو جبل نبو (تثنية ٣٤: ١) أو جبل تابور أو حرمون (جبل الشيخ) الذي تُرى منه كل الأرض المقدسة وبعض سوريا. أو ربما جبل الزيتون العالي بالنسبة إلى ما حوله من الجبال.
    أَرَاهُ ليس في رسم أو رؤيا ، بل جعله يمدُّ نظره باختياره وبطريقة غير طبيعية على كل ممالك الأرض. أو أنه أراه بعضها عياناً وبعضها تخيُّلاً، إذ شخَّصها أمامه بطريقة واضحة ليراها بعين ذهنه، ويرى عظمتها وغناها ومجدها.
    جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلْعَالَم أي ممالك فلسطين التي كانت أمام عينيه أولاً، وبقية المملكة الرومانية وغيرها من ممالك الأرض التي تصورَّها المسيح أمام عقله بمجرد وصف المجرب لها.
    وَمَجْدَهَا بعدد مدنها وقراها وقوّتها ودلائل غناها وفخرها.
    ٩ «َقَالَ لَهُ: أُعْطِيكَ هٰذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي».
    أُعْطِيكَ هٰذِهِ جَمِيعَهَا ادَّعى أن له الحق أن يفعل ذلك (لوقا ٤: ٦). ويظهر أن له شبه الحق في ما قال (يوحنا ١٢: ٣١ و١٤: ٣٠ و١٦: ١١ و٢كورنثوس ٤: ٤ وأفسس ٦: ١٢) فهذه الآيات تدل على أن له ممالك العالم. ولا نعلم حدود سلطته ولا كيفية ممارستها، إنما نعلم أن العالم لم يكن تحت سلطانه المطلق قط، ولن يكون كذلك أبداً.
    إن أفضل أسلحة إبليس خلطه الحق بالباطل، فبعد ما أظهر جودة ممالك العالم وفخرها، عرضها على المسيح عطيَّة له، فكأنه قال له: أنت تنتظر أن تسترد هذه الممالك لسلطانك بواسطة الآلام والموت، ولكني أقدمها لك في هذه الساعة بدون أن تقاسي أية مشقات. فهذه تجربة حقيقية قدَّمها ليوقعه في خطية حب الرئاسة، لأنه عرض عليه هذا وهو بغير أسلحة وجيوش، وفي حالة الفقر، ليس له أين يسند رأسه، فيعرض عليه أن يجعله ملكاً بين ملوك الأرض، أعظم من قياصرة روما، وبذلك يكون قادراً أن ينجي شعبه من ظالميهم، ويعطيهم المجد الموعود لهم بالأنبياء. وجوهر التجربة أن يكون يسوع ذات المسيح الذي انتظره اليهود بدون أن يحتمل الآلام والموت. فوعد الشيطان المسيح بأكثر مما له، وبما ليس له أدنى قصد أن يعطيه إياه.
    خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ قال البعض إنه سأله عبادة دينية، لأنه طلب منه أن يقبله مكان الله، ويتكل عليه في تأسيس مملكته. فلو أخذ المسيح ممالك الأرض هبةً منه لوجب عليه أن يؤدي الإكرام اللائق بالآخذ للمعطي. وقال آخرون إنه سأله سجوداً سياسياً كسجود الرعيَّة للملك. والقولان يتفقان في أن من كان على المسيح ملكاً وجب أن يكون له إلهاً. وهنا جرَّب الشيطان المسيح بما كان للشيطان أعظم التجارب، وهو حب الرئاسة الذي أسقطه من كرسيه السماوي. وتلك التجربة ليست سوى عبادة وثن، والزيغان عن الله ملكنا الحقيقي، وإقامة أعظم أعدائه مكانه. وتتضمن علاوة على ذلك محبة الرئاسة العالمية. ولا يزال الشيطان يجعل أمجاد هذا العالم فخاً يصيد به الناس على اختلاف أجناسهم. وهو يطلب جزاءً فاحشاً على ما يعِد به، فيعدنا بربح العالم لخسارة أنفسنا.
    ١٠ « حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ٱذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ».
    تثنية ٦: ١٣ و١٠: ٢٠ ويشوع ٢٤: ١٤ و١صموئيل ٧: ٣
    ٱذْهَبْ دلالة على احتقاره للمجرِّب ومقتهِ له على جسارته بالتجديف في هذه التجربة. وقد جاوب المسيح بطرس بمثل هذا الجواب (متّى ١٦: ٢٣) عندما أراد أن يجدد إبليس التجربة بواسطته، إذ أراد أن يبعده عن طريق الآلام المعيَّنة له.
    َيَا شَيْطَانُ معناه المقاوم، وهو اسم يليق بالمسمَّى. وهو عدو الله والإنسان. وبهذه التجربة كشف الشيطان حقيقته، ففي التجربتين السابقتين أظهر صورة التقوى، وأما في الأخيرة فجاء بها مضادة لإرادة الله تماماً.
    لأَنَّهُ مَكْتُوب في تثنية ٦: ١٣ على ما في الترجمة السبعينية. فالمسيح مع أنه ذكر اسم المجرب لا يزال يأتي بدفاع الآيات من الكتاب المقدس لدرء سهام الشيطان الخبيثة.
    لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ تَسْجُدُ الخ في هذا القول نهي عن كل أنواع العبادة لغير الله حتى العبادة التي هي دون غيرها من العبادات التي زعم البعض أنه يجوز تقديمها للأيقونات والصور، فهي لا تنهي عن «اللاتريا» التي هي العبادة لغير الحق فقط بل أيضاً عن «الذوليا» التي هي روح العبودية. فحين أذن يسوع الناس أن يسجدوا له صرّح بذلك أنه هو الله.
    ١١ «ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُه».
    عبرانيين ١: ١٤
    ثمَّ: أي بعد نهاية التجربة الأخيرة ودفعها.
    تَرَكَه لينقطع عن التجربة إلى حين (لوقا ٤: ١٣). فإنه جرَّبه بعد ذلك في بستان جثسيماني وعلى الصليب (يوحنا ١٢: ٣١ و١٤: ٣٠ ولوقا ٢٢: ٥٣). فالحمد لله أن لكل تجربة حداً ونهاية «فيكون لكم ضيق عشرة أيام».
    وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَت كأنهم فارقوه وقت الحرب ليكون مجد الغلبة وفخرها للمسيح وحده. والظاهر أنه حالما طُرد الشيطان حضرت الملائكة.
    تَخْدِمُه قدَّموا له كل لوازمه ولا سيما القوت كما فعلوا لإيليا (١ملوك ١٩: ٥). وإذا لم يكن ما قدموه له قوتاً فإنهم بواسطة المخاطبة الروحية كانوا يعززون ويشددون روحه كما في بستان جثسيماني (لوقا ٢٢: ٤٣). فبعد ضيقات البرية وجوعها وإغواء إبليس حصل المسيح على مرافقة الملائكة ومساعدتهم. فقد شبع الذي لم يُرِد أن يحوِّل الحجارة خبزاً، ونال عوناً من ملائكة لم يطلب أن يحملوه. وسجد له خَدَم الله بعد إعلانه أن السجود لله وحده. واليوم يرسل الله لشعبه أفضل علامات محبته بعدما يفتقدهم بضيقاته. ولا تزال حتى الآن مقاومة الشيطان تفتح باباً لخدمة الملائكة.
    ١٢ «وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، ٱنْصَرَفَ إِلَى ٱلْجَلِيلِ».
    مرقس ١: ١٤ ولوقا ٣: ٢٠ و٤: ١٤، ٣١ ويوحنا ٤: ٤٣
    شرع متّى في الكلام عن خدمة المسيح الجهارية منذ أُلقي يوحنا في السجن، فبدأ كلامهُ بذكر الحوادث التي حدثت في الجليل، وترك الأعمال التي عملها في اليهودية، مع أنها شغلت بضعة أشهر. وقد ذكرها يوحنا في بشارته. فترك متّى شهادة المعمدان للمسيح (يوحنا ١: ٢٩، ٣٢) وعرس قانا الجليل (يوحنا ٢: ١٢) وحضوره إلى أورشليم في عيد الفصح وإخراجه الباعة من الهيكل (يوحنا ٢: ١٣ - ١٧) وحديثه مع نيقوديموس (يوحنا ٣: ١ - ١٢) ومع المرأة السامرية (يوحنا ٤: ٤ - ٤٢) وشفاؤه ابن الرئيس (يوحنا ٤: ٤٦ - ٥٤) وإتيانه إلى الناصرة وطرد الشعب إيَّاهُ.
    ولعلَّ غاية عمل المسيح في اليهودية كانت إظهار علاقة خدمته بخدمة المعمدان، وإظهار أن النظام الموسوي والمسيحي نظام واحد، وهما متساويان في المصدر والسلطة والغاية، فلا يناقض أحدهما الآخر بل يكمله، ولذلك ظهر يسوع مدة مرافقاً ليوحنا المعمدان، فقبِل شهادةً منه، وأخذ بعض تلاميذه ليكونوا معه (يوحنا ١: ٣٧). وبعدما أُلقي يوحنا في السجن، ولم تبقَ صلة ليشاركه في العمل، ذهب أولاً إلى الناصرة حيث تربى فرفضه أهل وطنه.
    وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ اقتصر متّى هنا على ذكر سجن يوحنا، وأما أسبابه فذكرها بعد ذلك (متّى ١٤: ٣ - ٥). ويظهر من هذا الكلام أن يسوع لم يكن قريباً من يوحنا عندما أُسلم مع أنه كان في اليهودية. «أُسلم» أي أسلمه هيرودس إلى السجان (لوقا ٣: ٢٠) وهو الأرجح. لكن يُحتمل أن عناية الله أسلمته إلى هيرودس كدلالة هذه الكلمة في سفر الأعمال (٢: ٢٣).
    ٱنْصَرَف لا خوفاً من هيرودس، لأنه دخل حكمه هناك. ولا أن الخطر في اليهودية زاد عليه بعد سجن يوحنا، بل لمقاومة الفريسيين (يوحنا ٤: ١). وكون أرض الجليل بعيدة عن اليهودية حيث يقيم الفريسيون جعلها أنسب مكان للتبشير ولعمل الخير.
    ٱلْجَلِيل هو القسم الشمالي من الأرض المقدسة، ويمتدُّ من نهر الأردن شرقاً إلى سهل عكا غرباً، ومن دان (بانياس) شمالاً إلى جبال السامرة والكرمل جنوباً، وينقسم إلى قسمين شمالي وجنوبي، وحدوده تشتمل على أنصبة أربعة أسباط من بني إسرائيل، هي يساكر وزبولون وأشير ونفتالي. وأعظم مدنه الناصرة وقانا وطبرية. فهذه البلاد كانت مسكن المسيح ومحل أكثر أعماله. وقلما ذكرت البشائر الثلاث من الحوادث غير ما صُنع فيها.
    ١٣ «وَتَرَكَ ٱلنَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ ٱلَّتِي عِنْدَ ٱلْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ».
    تَرَكَ ٱلنَّاصِرَة هي وطنه منذ رجوعه من مصر. وبيَّن لوقا أسباب تركه إياها (لوقا ٢: ٢١ - ٢٣).
    أَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُوم أي جعلها مسكنه منذ ذلك الوقت. فاتخذ هذه المدينة مركزاً لخدمته بدل الناصرة، ومكاناً يعود إليه بعد انقضاء سفراته.
    كفرناحوم: اختلف الناس في موقع هذه المدينة القديم لأنها هُدمت منذ قرون عديدة. والأرجح أن موقعها مكان يُسمى الآن «خربة تل حوم» وهو شمالي سهل جنيسارت وبحيرة طبرية وعلى الجانب الغربي من نهر الأردن بالقرب من مصبهِ في البحيرة. وكانت محل سكن ابني زبدي، وأندراوس وبطرس (مع أنهما وُلدا في بيت صيدا). وسُميت في متّى ٩: ١ «مدينة المسيح» وقد تمت نبوته عليها في متّى ١١: ٢٣.
    ٱلَّتِي عِنْدَ ٱلْبَحْرِ أي بحر طبرية، ويسمى أيضاً بحر الجليل، وبحيرة جنيسارت.
    فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيم لا يمكننا الآن أن نقف على حدود هذين السبطين تماماً. لكن ما قيل هنا يوافق ما قيل في يشوع ١٩: ١٠ - ١٢ و٣٢ - ٣٩، أي أنهما متلاصقان.
    ١٤ «لكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ».
    إشعياء ٩: ١، ٢ و٤٢: ٧ ولوقا ٢: ٣٢
    هذا القول مقتبس من إشعياء ٩: ١، ٢ وهي النبوءة السادسة التي ذكر متّى أنها تمَّت في المسيح، فأهمل ذكر حوادث أخرى ليبادر إلى ذكر ما يثبت إتمام النبوات. وقوله لكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ يتضمن أن النبوَّة تمت كل التمام، وتم ما هو أعظم من ذلك، أي مقاصد الله في النبوة. وأشار إشعياء بهذه النبوة أولاً إلى الضيقة الجزئية التي حدثت لليهود من بنهدد، ثمَّ إلى ضيقة أشد منها من الأشوريين، أتى بعدها الفرج. فدلَّ متّى بكلمات هذه النبوة على البركات العظمى الناتجة من مجيء المسيح.
    ١٥ «أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ ٱلْبَحْرِ، عَبْرُ ٱلأُرْدُنِّ، جَلِيلُ ٱلأُمَمِ».
    زَبُولُونَ، وَنَفْتَالِيم الابنان العاشر والخامس من أولاد يعقوب، وأرضهما غرب الأردن وشمال بحر طبرية.
    طَرِيقُ ٱلْبَحْر أي مجاور للبحر، بحر الجليل لا البحر المتوسط.
    عَبْرُ ٱلأُرْدُنّ تشير غالباً إلى الجانب الغربي بحسب موقف الكاتب من النهر. فالظاهر أن النبي كتب ما كُتب هنا وهو شرقي الأردن. وبقوله عبر الأردن يشير إلى الجانب الغربي.
    جَلِيلُ ٱلأُمَم سُمي بهذا الاسم لأنه قريب إلى أراضي الأمم، ولوجود بعض الأمم بين سكانه. وهذه البلاد تشتمل على المدن العشرين التي وهبها سليمان لحيرام ملك صور، مكافأة له على إسعافاته في بناء الهيكل (يشوع ٢٠: ٧ و١ملوك ٩: ١١) فسكنها الأمم منذ وُهبت ولذلك أُضيفت إلى الأمم (إشعياء ٩: ١). والأرجح أن الأمم كثروا هناك مدة السبي.
    ١٦ «ٱلشَّعْبُ ٱلْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً، وَٱلْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ ٱلْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ».
    ٱلشَّعْبُ أي يهود الجليل.
    ٱلْجَالِس هذا إشارة إلى أنهم ماكثون في الظلمة وراضون بها. وقال إشعياء «السالك في ظلمة» فمتّى ذكر أن حالهم أردأ من ذلك.
    ظُلْمَة هذه الكلمة تُستعار في الكتاب المقدس للجهل والضلال والخطية والشقاء.
    نُوراً يُستعار في الكتاب المقدس للمعرفة والهدى والطهارة والسعادة. فقد أبصر هذا الشعب نوراً عظيماً لأنه أبصر يسوع نور العالم (يوحنا ١: ٩ و٨: ١٢).
    عَظِيماً أي كافياً لتبديد الظلمة الكثيفة عقلياً وروحياً، ممتداً من قطر إلى قطر، دائماً إلى الأبد.
    أَشْرَق كالشمس عند طلوعها لا كإضاءة السراج.
    كُورَةِ ٱلْمَوْتِ وَظِلاَلِه هذا زيادة على قوله الأول، مع الإشارة إلى مصدر هذه الظلمة ونتيجتها. فتلك المنطقة حيث يستقر الموت ويكون كل شيء مظللاً بظلاله. وعلى هذا القول لا يُعدُّ الظلام أقل من موت روحي. وهذا حال جميع الأراضي التي هي بدون الإنجيل. وأول ما قيلت هذه النبوة كان إشارة إلى انحطاط الجليليين من خارج، ومخالطة الأمم من داخل. فقصد متّى أن يشير بها إلى ظلمتهم الروحية التي شاركهم فيها جميع اليهود، وإلى جهالتهم الخاصة التي عيرهم بها بقية اليهود (يوحنا ٧: ٤١، ٤٩) ففي وسط هذا الشعب الغبي المهان أظهر أعظم الأنبياء مجده، وحصل بينهم على نجاح. فاحتقرهم أهل اليهودية أولاً لسبب جهالتهم، وثانياً لسبب لغتهم (متّى ٢٦: ٧٣) ومخالطتهم للأمم. ولما تنبأ إشعياء ببزوغ هذا النور تنبأ بأنه مستقبل، ولما تكلم به متّى نظره كأنه أشرق.
    ١٧ «مِنْ ذٰلِكَ ٱلزَّمَانِ ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    متّى ٣: ٢ و١٠: ٧، مرقس ١: ١٤، ١٥
    مِنْ ذٰلِكَ ٱلزَّمَانِ أي من الزمان المذكور في ع ١٢ حين أُلقي يوحنا في السجن. وهذا لا يحدد الوقت بالضبط، بل يُظهر علاقة خدمة يوحنا المعمدان، إذ بدأت الواحدة حين انتهت الأخرى، كما قيل أيضاً في أعمال ١: ٢٢ و١٠: ٣٧ و١٨: ٢٥.
    ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِز بدأ يسوع باستعمال كلمات يوحنا ٣: ٢ وكان هذا جزءاً من تعليمه أو افتتاحه، كأن كل تعليم يوحنا كان مقدمة لتعليم المسيح، ولذلك تابع الموضوع من حيث تركه يوحنا وتقدم به. وبعد ذلك أرسل يسوع تلاميذه ينادون بنفس هذه الكلمات (متّى ١٠: ٧) مناداة يجب على كل خدام المسيح اليوم أن ينادوا بها، غير قاصدين بث تعاليم جديدة يُدهش الناس بها، لأن التوبة هي الخطوة الأولى نحو الإيمان الذي به نوال التبرير. وكلاهما هبة الله.
    قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوت وضع يسوع أساس هذه المملكة حينئذ، ولكن لم تثبت للناس حتى قام من الموت وأُقيم ملكاً حقيقياً لكل العالم، يسود عليه بالروح والحق.
    ١٨ «وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِياً عِنْدَ بَحْرِ ٱلْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي ٱلْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ».
    مرقس ١: ١٦ - ١٨ ولوقا ٥: ٢ ويوحنا ١: ٤٢
    لم ينظم المسيح كنيسته في حياته على الأرض، لكنه علَّم أناساً استخدمهم بعد موته لتنظيم الكنيسة. أولاً تعرَّف بهم، ثم دعاهم ليتبعوه، وأخيراً عينهم رسلاً. وأنبأ يوحنا البشير بالوقت الذي فيه تعرَّف بهم (يوحنا ١: ٣٥ - ٤٢). وأما البشيرون الثلاثة الآخرون فغضوا النظر عن تلك المدة، وبدأوا بالمدة التي فيها جعلهم رفقاءه وتابعيه.
    مَاشِياً ليس بلا قصد بل منادياً بملكوته.
    بَحْرِ ٱلْجَلِيلِ هو البحر الذي يمر فيه نهر الأردن، وهو الحد الشرقي لبلاد الجليل، ويسمى أيضاً «جنيسارت» (لوقا ٥: ٤) وكنارة (عدد ٣٤: ١١ وتثنية ٣: ١٧) وكنروت (١ملوك ١٥: ٢٠) وبحر طبرية (يوحنا ٦: ١). طوله نحو ١٣ ميلاً وعرضه ٦ أميال ومعظم عمقه ١٦٥ قدماً، وسطحه أوطأ من سطح البحر الأبيض المتوسط بنحو ٦٥٣ قدماً. وقامت على شاطئه تسع مدن. قال يوسيفوس إنه في أيامه لم يكن فيه أقل من أربعة آلاف سفينة من أنواع مختلفة. ولا يزال هذا البحر شهيراً حتى اليوم لوفرة سمكه وتعرضه للاضطرابات الشديدة الفجائية. ومن صياديه اختار المسيح بعض تلاميذه الذين ذُكر أربعة منهم هنا.
    سِمْعَانَ كان يُعرف بهذا الاسم عندما كتبت هذه البشارة، ومعناه «سامع». ولقبَّه يسوع ببطرس حينما أحضره إليه أندراوس أخوه (يوحنا ١: ٣٧). ومعنى بطرس كمعنى صفاً في السريانية مشتق من «بتروس» وهي كلمة يونانية معناها «صخرة» إشارة إلى مكانته في الكنيسة التي بُنيت على المسيح أساسها الأصلي (أفسس ٢: ٢٠) ثم على الاثني عشر رسولاً، ثم على جمهور المؤمنين. ولأن بطرس أحد هؤلاء الاثني عشر ومن الذين دُعوا أولاً، لاق أن يكون السابق بينهم، بسبب غيرته وشجاعته، ولذلك لقَّبه بهذا الاسم. ولم يكن مستحقاً أن يُسمى بالصخرة بالنظر إلى طبيعته، كما يظهر من أخبار حياته، ولم ينل من هذا اللقب سلطة على سائر الرسل كما يظهر من التاريخ التالي، ولم يكن له وظيفة متعلقة به ليمارسها ويورثها لغيره بعد موته.
    لقد جعل يسوع أمام هؤلاء التلاميذ هدفاً أعظم جداً من مجرد تحصيل الرزق، مع أن من أهم واجبات الإنسان أن يحصل على رزقه بعرق جبينه (تكوين ٢: ١٧). ولكنه قرن هذا العمل بالملكوت الذي يؤسسه على الأرض، فليصطادوا الناس، مثلما الحقول قد ابيضت للحصاد. فالجوهر يبقى واحداً.
    وَأَنْدَرَاوُسَ اسم يوناني، وهو الذي عرَّف بطرس أخاه بالمسيح. ولا نعرف من كان أكبرهما سناً. واسم أبيهما يونا (يوحنا ٢١: ١٥ - ١٧) وُلد في بيت صيدا (يوحنا ١: ٤٤) وكانا من تلاميذ المعمدان سابقاً. فتبارك هذا الإخاء الذي لم ينتج عن قرابة جسدية فقط، بل عن ولادة روحية أيضاً.
    شَبَكَة يظهر أنها كانت كبيرة، لأن الكلمة اليونانية التي تُرجمت منها كلمة «يلقيان» تشير إلى أن الشبكة كانت ملقاة في دائرة.
    صَيَّادَيْن أن صيد السمك كان عملها الخاص. وربما تعرَّف المسيح على هذين الشخصين قبلاً وعلمهما شيئاً، ثم أخبرهما أن يرجعا إلى عملهما مدة حتى يدعوهما. وأنهما كانا حينئذ ينتظران تلك الدعوة. ويزيد لوقا على ما ذكره متّى وعظ المسيح في سفينتهما وصيد السمك العجيب (لوقا ٥: ١ - ١١).
    ١٩ «فَقَالَ لَــهُمَا: هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ ٱلنَّاسِ».
    هَلُمَّ وَرَائِي أي لازماني وتعلما مني وأطيعاني وكونا تلميذين لي. كأنه قال: أنصتا لتعاليمي واهتديا بنصيحتي وتمثلا بقدوتي وتجندا معي للحق على الشيطان. ونتائج هذه الدعوة كانت أعظم من نتائج دعوة إبراهيم أو دعوة موسى.
    صَيَّادَيِ ٱلنَّاسِ أشار بألفاظ مأخوذة من مهنتهما العتيقة نظراً للمشابهة بينهما في كيفية العمل، إلا أن الجديدة كانت أرفع شأناً من العتيقة، وعندما صارا مبشرين بقيا صيادين، ولكن ليس صيادي سمك بل صيادي الناس، الذين هم غنيمة أعظم من السمك، لأنهما لا يهلكانهم بصيدهم، بل يحييانهم بالخلاص. ووجه الشبه بين عملهما وعمل الصيادين هو الاحتياج إلى التعب والحذق والانتباه وأمل النجاح. وربما لم يفهما كل ما قصده المسيح بهذه التسمية.
    وإذا قيل: لماذا لم يدعُ المسيح بعضاً من الكتبة والعلماء ليكونوا أولاً تابعيه وبعدئذ رسله؟ فالجواب لأنهم كانوا أقل تأثراً من تعليمه، وليظهر فيما بعد أن تقدم إنجيله لم ينتج من علمٍ بشري أو فصاحة لسان، بل من قوة الله. فلهذا اختار الله جهال العالم ليخزي حكمة الفهماء.
    ٢٠ «فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا ٱلشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ».
    فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الخ أطاعا هذه الدعوة التي أتتهما بغتة لوجود دعوة إلهية داخل قلبيهما. ويحتمل أنهما كانا مستعدين لكي يقبلاها مما سمعاه من يسوع قبلاً. وهذه الطاعة السريعة من دلائل التقوى الحقيقية (لوقا ٩: ٥٧ - ٦٢). فالذي يدعوه المسيح حقاً يجلبه إليه فعلاً. وقول متّى إنهما تركا شباكهما يعني أنهما تركا كل ما لهما، وتركا مهنة صيد السمك، إذ حسبا ما لهما كلا شيء بالنسبة إلى خدمة سيدهما. ومن ذلك الوقت تبعاه في الاضطهادات والسجون والإهانات حتى الموت.
    ٢١ «ثُمَّ ٱجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي ٱلسَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا».
    ثم اجتاز: أي على شاطئ البحر، وذلك لمسافة قصيرة، لأن ابني زبدي وابني يونا كانوا شركاء. وصيد السمك يحتاج للمشاركة حتى ينجزوا العمل بطريقة أفضل وأربح (لوقا ٥: ١٠). وكانت إحدى السفينتين في ذلك الوقت قريبة من الأخرى (مرقس ١: ١٩).
    زَبْدِي معناه هذا الاسم مثل زبدي المذكور في يشوع ٧: ١، ومعناه «الرب أعطى».
    يُوحَنَّا أَخَاهُ ظنَّ الكثيرون أنه «التلميذ الآخر» ليوحنا المعمدان الذي تبع المسيح مع أندراوس حينما أشار إليه يوحنا وأنبأ بأنه حمل الله. واسم أمهما سالومة التي تبعت المسيح بعدئذ وخدمته (متّى ٢٧: ٥٦).
    يُصْلِحَانِ إما يصلحان ما تمزَّق من الشِّباك أو يجهزانها للعمل، أو أتيا لإسعاف شريكيهما وقت الصيد القريب ثم رجعا إلى عملهما الذي كانا يمارسانه حينما دعاهما.
    فَدَعَاهُمَا إن خدمة المسيح أوجب من كل خدمة (متّى ١٩: ٢٩). ومَن جعل الأمانة والاجتهاد ديناً له في خدمته مهما كانت دنيئة، يستحق أن يُرقَّى إلى خدمة أسمى منها.
    ٢٢ «فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا ٱلسَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاه».
    أطاع ابنا زبدي دعوة المسيح بسرعة كما أطاعها ابنا يونا، إلا أن الآخرين لم يتركا فقط سفينتهما وشباكهما كالأولين بل أباهما أيضاً. وليس في ذلك ما يدل على عدم إكرامهما الواجب لوالدهما، لأنه لم يكن عاجزاً محتاجاً إليهما ولأنه يستنتج مما قيل في مرقس ١: ٢٠ أنه كان له عمال، وكان قادراً على ممارسة مهنة الصيد بعد ذهاب ولديه. ويظهر من يوحنا ١٨: ١٥ أنه كان لعائلة زبدي شيءٌ من المقام. وكيفما كانت الأحوال يجب أن يُسمع صوت دعوة المسيح قبل كل دعوة أرضية. ولو عرف المسيح أن زبدي يفتقر إلى مساعدة ولديه لكان أمدَّه بطريقة أخرى. فإذا أردنا أن نتبع المسيح الآن وجب أن نكون مستعدين لأن نترك كل شيء من أجله.
    ٢٣ «وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ ٱلْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي ٱلشَّعْبِ».
    متّى ٩: ٣٥ و٢٤: ١٤ ومرقس ١: ١٤، ٢١، ٣٤، ٣٩ ولوقا ٤: ١٥، ٤٤
    ما قيل هنا ليس خبراً عن شيء حدث في وقتٍ معين بل قيل شرحاً عاماً لخدمة المسيح في الجليل بعدما دخل إليها (كما في ع ١٢ - ١٧). وذكر متّى أن المسيح لم يُجرِ هذه الخدمة في موضع واحد بل في كل بلاد الجليل التي كان يجول فيها. قال يوسيفوس إنه كان في تلك الأرض ٢٠٤ مدينة كبيرة وصغيرة، أصغرها يسكنها ١٥ ألف نسمة. فإذاً كان في تلك البلاد نحو ثلاثة ألف من السكان.
    يَطُوفُ ليس وحده بل مع بعض تلاميذه. كانت خدمة المسيح في الجليل متعبة جداً، لأننا نقرأ أنه في أثناء إقامته فيها ١٨ شهراً خرج من كفر ناحوم للتبشير تسع مرات، وأنه سافر ثلاث سفرات طويلة، وخمساً أو ستاً قصيرة ليجول ويعلم.
    يُعَلِّم كان التعليم الجزء الأول من خدمة المسيح كنبي، وكان تعليماً دينياً فيما هو ضروري للخلاص وأساساً لتعليم الرسل الشفاهي والكتابي في رسائلهم.
    فِي مَجَامِعِهِم أماكن العبادة. ابتدأ اليهود باستعمالها على ما هو المرجح من سبي بابل، واستمروا على ذلك بعد رجوعهم. وفي مدة وجود المسيح هنا وُجدَت مجامع في كل المدن والقرى التي لليهود. قال يوسيفوس: انه وقت خراب أورشليم كان في تلك المدينة وحدها ٤٨٠ مجمعاً. وكان للمجامع شيوخ (لوقا ٧: ٣) ورؤساء (لوقا ٨: ٤١، ٤٩). وكيفية العبادة فيها كانت بسيطة تشتمل على الصلاة وقراءة التوراة وبعض الإنذارات. وربما رُخص لسيدنا بأن يكرز في المجامع، إما لأن الحرية كانت معطاة لكل إنسان، أو لأن صيته ذاع بأنه معلم ماهر وصانع عجائب (لوقا ٤: ٤٦ وأعمال ١٣: ١٥).
    يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوت أي بالخبر المفرح بأن المسيح قد أسس ملكوته الروحي وأبان حقيقته وشرائعه. فالإنجيل هو العهد الملكي الذي به أعلن ملك الملوك ما يمنحه لشعبه وما ينتظره منهم، فلا وظيفة أشرف من الوظيفة التي مارسها ابن الله في كرازته، والتي خلفها للمبشرين بالإنجيل.
    وَيَشْفِي كان الشفاء الجزء الثاني من خدمة المسيح، وهو يساعد الجزء الأول الذي هو التعليم. ومارسه المسيح لإثبات سلطانه كمعلم إلهي، وإشارة إلى وظيفته العظمى كطبيب النفوس، وليجذب إليه قلوب الناس بالشكر والمحبة ويفتحها لقبول كلامه. ولم يقتصر على إجراء المعجزات لتكون دلائل قدرته، بل أظهر بها رقة قلبه وشفقته ومحبته واشتراكه مع الناس، وأنه لم يأت ليُهلك بل ليخلص. ولا يزال المسيح حتى الآن مخلصاً شفوقاً مقتدراً كما كان منذ نحو ١٩٠٠ سنة.
    ٍكُلَّ مَرَض أي كل الأسقام التي تعتري البشر. شفى المسيح جميع الذين أتوا، وجميع الذين أتى بهم أصحابهم. ولم نسمع قط أنه طرد أحداً من بين الذين أتوا إليه بغية الشفاء.
    وَكُلَّ ضَعْفٍ يحتمل أن الضعف يشير إلى الأمراض الخفيفة والحديثة. والمرض إلى ما هو مزمن ومؤلم.
    ٢٤ «فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ ٱلسُّقَمَاءِ ٱلْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَٱلْمَجَانِينَ وَٱلْمَصْرُوعِينَ وَٱلْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ».
    ذَاعَ خَبَرُهُ بأن المسيح معلم وشافٍ ليس في الجليل وأرض إسرائيل فقط بل في الخارج أيضاً شمالاً وشرقاً.
    سُورِيَّةَ كانت ولاية كبيرة رومانية في ذلك الوقت، وكانت أرض إسرائيل جزءاً منها. ولا يمكننا معرفة حدودها تماماً، لأن الذين يستعملون هذه الكلمة لا يستخدمونها لشيء واحد. وكانت غاية متّى أن يخبر أنه بلغ صيت المسيح كل دانٍ وقاص، حتى اجتمع إليه كثيرون طالبين الشفاء لهم ولأصحابهم.
    وَأَوْجَاعٍ تختلف عن الأمراض آنفاً بكونها مؤلمة جداً.
    وَٱلْمَجَانِينَ وَٱلْمَصْرُوعِينَ وَٱلْمَفْلُوجِينَ من بين المرضى الذين شفاهم المسيح ذكر متّى هذه الأنواع الثلاثة، لأن مرضهم أكثر تأثيراً وأكثر شيوعاً. وذكر المجانين أولاً لأن الجنون كان آخذاً في الامتداد الغريب في ذلك الوقت. وكان يعد من شر الأمراض لأنه يشتمل على شرين: أخلاقي وجسدي، ولأنه متعلق بعالم آخر وجنس آخر من الخلائق الروحية التي تسمَّت أحياناً «أرواحاً نجسة» بمعنى روحي، لأنهم فاسدون ومفسدون. وهم يخدمون إبليس الذين سقطوا بسقوطه، وهم يجربون البشر، وبوسعهم أن يصلوا إلى الناس دائماً. وكانت معاملتهم للناس في أيام المسيح أكثر ظهوراً وأشد فعلاً ممتدة إلى العقل والجسد. فالشياطين ليسوا هم الأمراض بل علتها، وحركاتهم الزائدة في مدة خدمة المسيح مع قلة ذكرهم قبلها وبعدها ناتجة عن أن تلك المدة هي مدة الحرب الشديدة بين نسل المرأة ونسل الحية (تكوين ٣: ١٥).
    فاستعمل الشيطان كل ما في طاقته من فعل الشر ليقاوم المسيح، وأذن له الله بذلك ليجعل انتصار المسيح أشد وضوحاً. فإخراج الشياطين من الناس كان انتصاراً على الشيطان (لوقا ١٠: ١٧، ١٨ ويوحنا ١٢: ٣١ و١٦: ١١) وأعجب أعمال الشفاء، وبرهان أن يسوع مسيح وإله.
    ٢٥ «فَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ ٱلْجَلِيلِ وَٱلْعَشْرِ ٱلْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَٱلْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ ٱلأُرْدُنِّ».
    مرقس ٣: ٧، ٨
    ليس المقصود في هذه الآية مجرد تكرار معنى الآية السابقة، أي أن الناس أتوا لكي يشفوا، ففيها زيادة على ذلك أنه بقي معه كثيرون يجولون من موضع إلى آخر لينظروا ويسمعوا.
    جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ كان هؤلاء بين ذهاب وإياب، فلم يكونوا جيوشاً منظمة. ولذلك لم يكن للمسيح فرصة للانفراد. ولم يكونوا كلهم تلاميذ حقيقيين له، بل تبعه كثيرون منهم للتفرج ومشاهدة شيء جديد غريب.
    وَٱلْعَشْرِ ٱلْمُدُن هذا اسم بلاد وُجد فيها عشر مدن، حصلت على امتيازات من الرومان، وموقعها شرقي الأردن واسمها الآن «الجولان» وكان أكثر سكانها وثنيين. روى بعض المؤرخين أن عساكر الإسكندر الكبير سكنتها بعد نهاية خدمتهم العسكرية، ثم سكنها خلفاؤهم بعدهم.
    وَمِنْ عَبْرِ ٱلأُرْدُنِّ أي شرقه، جنوب العشر المدن، وتسمى اليوم «السلط». وذُكرت كل هذه الأماكن دلالة على كون تلك الجموع مؤلفة من يهود وأمم.

    الأصحاح الخامس


    يشتمل هذا الأصحاح مع الأصحاحين التاليين على الموعظة المعروفة بالموعظة على الجبل، والكلام في الأصحاحات الثلاثة حول ملكوت المسيح الجديد. فأصحاح ٥ يُظهِر من هم أصحاب هذا الملكوت وعلاقتهم بالعالم. ونسبة المسيح إلى الناموس، مبيِّناً أن شريعة هذا الملكوت أرفع شأناً من تلك التي بها علَّم الفريسيون والكتبة. وما يبينه أصحاح ٥ من شريعة هذا الملكوت يبينه أصحاح ٦ من جهة الواجبات الدينية، ووجوب القيام بها أمام الله لا أمام الناس، وكيفية معالجة الهموم الدنيوية المقلقة. وأصحاح ٧ يتضمن توبيخاً للفريسيين لقساوة حكمهم على الآخرين، وشرحاً للصلاة، وخلاصة ما تقدم من جهة الناموس، وإنذاراً لإنكار الذات، وتحذيراً من المعلمين المضلين، ومن إهمال تعاليمه. وهذا الوعظ كان أحد المواعظ الكثيرة التي كرز بها المسيح في الجليل أشار إليها متّى (٤: ١٧، ٢٣).
    ولا شك أن المسيح كرر جوهر هذا الوعظ مرات كثيرة، مغيِّراً الكلام بحسب الأحوال ومعرفة السامعين. وغايته منه أن يفسر ماهية ملكوت السماوات، وعلاقته بالنظام الموسوي، لا كناقضٍ له بل مكملاً إياه، بإظهار معناه الروحي. وفي أثناء كلامه على ذلك يبين الفرق بين تعليم هذا الملكوت وتعليم اليهود التقليدي الملتوي. وأما بيان علاقة هذا الكلام بما قيل في لوقا ٦: ٢ - ٤٩، فنبقيه إلى شرح إنجيل لوقا.
    ١ «وَلَمَّا رَأَى ٱلْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى ٱلْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ».
    مرقس ٣: ١٣، ٢٠
    ٱلْجُمُوع هم الذين ذكرهم في متّى ٤: ٢٤، ٢٥.
    ٱلْجَبَل الأرجح أنه جبل بالقرب من كفر ناحوم. وظن البعض أنه جبل «قرن حطين» غرب طبرية، ولا يعرف من أمره شيء بالتأكيد. ولم يكن قصد المسيح من صعوده على الجبل الاعتزال عن الشعب، بل أن يجمع إليه الراغبين في سماع أقواله.
    جَلَس الجلوس هي عادة المعلم وقت التعليم.
    تَقَدَّمَ إِلَيْه لا يفهم من ذلك أنهم كانوا غائبين، لكنهم دنوا منه ليسمعوا. ويصدق هذا على التلاميذ وغيرهم.
    تَلاَمِيذُه خطابه لتلاميذه خصوصاً لم يمنع غيرهم من الجموع أن يسمعوا أقواله.
    ٢ «فَفَتَحَ فَاهُ وَعَلَّمَهُمْ قَائِلاً».
    فَفَتَحَ فَاهُ تعبير يُستعمل في استهلال خطاب ذي شأن. وحينما يفتح سيدنا فاه ليتكلم ينبغي أن نفتح آذاننا لنسمع.
    وَعَلَّمَهُم يشير هذا إلى كلام متتابع متميزاً عن الحديث المعتاد الذي هو حوار المتحدثين، وعن الخطاب المتقطع.
    ٣ «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوحِ، لأَنَّ لَـهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    مزمور ١٥: ٢ و٣ وأمثال ٢٩: ٢٣ وإشعياء ٥٧: ١٥ و٦٦: ٢ ولوقا ٦: ٢٠
    طُوبَى هذه الكلمة هي استهلال سفر المزامير. والتطويبات المذكورة في الأعداد العشرة الأولى من هذا الأصحاح لا تشير إلى امتياز لأشخاص مخصوصين، بل تتضمن ما يجب أن يكونه كل مؤمن، مع ذكر البركات المتعلقة طبعاً بتلك الصفات. فعلينا أن نجتهد في إحراز كل هذه الصفات التي لا تكمل الفضيلة المسيحية إلا بمجموعها، فإن نقص واحدة منها يبطل أن يكون الإنسان كاملاً.
    يعلن المسيح هنا صفات الذين لهم حق أن يفرحوا بإتيان ملكوته. فليس الذين يحسبهم العالم سعداء هم السعداء، كالأغنياء الدنيويين، أو القائمين بشعائر الدين الظاهرة، الأبرار في عيون نفوسهم. وليست الصفات الممدوحة من الناس هي التي تستحق المدح الحقيقي، كالحكمة والشجاعة والقوة، بل الصفات التي يمدحها المسيح هي التواضع وانسحاق القلب والحلم والعواطف الروحية والطهارة ومحبة السلام والصبر. فالذين يباركهم المسيح هم السعداء حقاً، فلا يفيدهم تصريح العالم بهذه الغبطة التي لا يؤكد حصولهم عليها إلا تصريح المسيح. وهى تفوق السعادة، لأنه يمكن أن يكون الإنسان سعيداً بحصوله على جانب من خيرات هذه الدنيا. ولا يمنحها إلا الله مقترنة برضاه. والمسيح لا يضع شروطاً لإدراك السعادة، بل يذكر صفات الذين يستحقون أن يحسبوا سعداء.
    ويظن البعض أن في جعل التطويبات سبعاً معنى روحياً لاعتبار هذا العدد في التوراة مقدساً، لأنه يدل على الكمال.
    لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوح يشعرون بحاجتهم الروحية ولا يكتفون بحالتهم. بدأ بهؤلاء أولاً لينفي زعم البعض أن ملكوت السماوات مختص بالأغنياء ووجوه القوم. وليس المراد بالمساكين فقراء المال أو المواهب العقلية، بل الذين يشعرون باحتياجات نفوسهم وفقرهم إلى الصلاح الأخلاقي والقوة الروحية والغذاء الروحاني. وهم المساكين روحاً، سواء أكانوا مساكين في هذا العالم أم لا. فطوبى لهم لأن هذا الملكوت جاء ليسدَّ أعوازهم.
    وروح هؤلاء «المساكين» غير روح الفريسيين المتكبرين «الأصحّاء» الذين لم يأتِ المسيح ليدعوهم، والذين روحهم كروح بولس قبل تجديده (كما وصفه في فيلبي ٣: ٦) روح الاكتفاء بخيرات هذا العالم وحكمته، وبأنهم أولاد إبراهيم. وهذا روح كنيسة لاودكية (رؤيا ٣: ١٧) التي ظنت أنها غنية وليس لها شيء.
    وأما العشار الذي وقف بعيداً في الهيكل، وقرع على صدره قائلاً «اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ» (لوقا ١٨: ١٣). فهو من المساكين بالروح المذكورين هنا. فيشترط على الذين يأتون إلى الله يبتغون نعمة أن يشعروا بشدة الحاجة.
    لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَات أي أن الملكوت معيَّن ومناسب لهم ومختصٌ بهم وجميل في عيونهم، وبه يحصلون على ما يحتاجون إليه. وأما للفريسيين، الأبرياء في عيون أنفسهم، فليس فيه شيء يُحبّ، لأنهم أحبوا ملكوتاً ذا مجد خارجي وخير زمني. وملكوت السماوات مثل ملكوت الله (متّى ٣: ٢) وسُمى ملكوت السماوات لأنه هو النازل من السماء، وروحه كروح السماء، ويحبه كل الذين في السماء، ولأن وقايته ووسائط نجاحه من السماء، ولأنه الملكوت الذي يقود إلى السماء.
    ٤ «طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ».
    إشعياء ٦١: ٢، ٣ ولوقا ٦: ٢١ ويوحنا ١٦: ٢٩ و٢كورنثوس ١: ٧ ورؤيا ٢١: ٤
    لِلْحَزَانَى أي الذين يحزنون على الخطية والشرور الناتجة عنها، وعلى فقرهم الروحي المذكور في ع ٣. فلمثل هؤلاء الطوبى والسعادة، لأن هذا الملكوت ينجيهم من جرم الخطية وسلطتها. فليس كل الحزانى مغبوطين، لأنه يوجد حزن يؤدي إلى الموت (٢كورنثوس ٧: ١٠) فالمغبوطون لحقاً هم منسحقو القلب على خطيتهم إلى الله، الذين يحزنون على خطايا غيرهم، وعلى خراب صهيون الروحي (إرميا ٩: ١).
    يحزن الناس أحياناً لعدم حصولهم على ما يشتهونه من مطالب محبة الذات والكبرياء والطمع، ولكن الله لا يمسح إلا دموع التوبة والتواضع. فبعض أنواع الحزن شر لمجاوزتها الحدود، أو لأنها ناتجة عن عدم إمكاننا أن نتمم مقاصدنا الشريرة. وبعضها طبيعي كحزننا على فقدنا بعض الأصحاب، وهذا قد يعود علينا بالنفع أو بالضرر. أما الحزن المذكور هنا فهو الحزن على الخطية (زكريا ١٢: ١٠).
    لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ يتعزون الآن لشعورهم بالمغفرة (مزمور ٣٢) وسيتعزون في السماء (رؤيا ٧: ١٣ - ١٧) لأن أسباب حزنهم تكون قد زالت، ولأن الله يعزيهم، لا أفكارهم ولا كلام الناس. فإذاً طوبى لهم.
    ٥ «طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ».
    مزمور ٣٧: ١١ ورومية ٤: ١٣
    لِلْوُدَعَاءِ بركات ملكوت المسيح ليست للذين يدَّعون أن لهم حقاً فيها، ولا الذين يتقاتلون عليها كالشجعان والطماعين الذين يغتصبون فوائد الممالك الأرضية، بل هي للودعاء الهادئين (١بطرس ٣: ٤) لأن هذه صفات ملكهم (زكريا ٩: ٩).
    والودعاء هم الذين لا يطلبون الرياسة والتسلط على الأرض، وروحهم كروح المسيح خالية من روح الانتقام من الذين يؤذونهم (١بطرس ٢: ٢٣) ومن روح الضجر ومحبة الخصام. وأعظم نصرة هي نصرة الإنسان على نفسه.
    يَرِثُونَ ٱلأَرْض يرثون من أبيهم ما يحصله غيرهم بقوة أيديهم، فاستعار المسيح مواعيد العهد القديم ليعبر بها عن مواعيد العهد الجديد. فقد عبر بإرث اليهود أرض كنعان عما يشتمل على البركات الزمنية (إشعياء ٦٠: ٢١). ولكن كان الوعد لهؤلاء بجزء من الأرض، وأما للودعاء فبالكل. ونتعلم من هذا أن القوة التي ستغلب الأرض هي قوة الوداعة والمحبة، التي تتقدم رويداً رويداً في العالم، وتغيِّر صورة الهيئة الاجتماعية. وأما روح الخصومات فيهيج الغضب، ويكلف صاحبه تضحية ماله ووقته وراحة باله بدون أن يبلغ مقصده. ويحتمل أن الوعد بالأرض يتضمن أيضاً الوعد بكنعان السماوية، التي كانت كنعان الأرضية رمزاً لها.
    ٦ «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ».
    إشعياء ٥٥: ١ و٦٥: ١٣
    لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاش كناية عن الأشواق الشديدة (مزمور ٤٣: ١، ٢ و٦٣: ١، ٢). إن الاحتياج إلى الطعام والشراب أشد من غيره، ويسبِّب ألماً قوياً إذا طالت مدته.
    كان الكلام في ع٣ على الذين يشعرون بفقرهم الروحي، ويزيد هذا العدد على ما ذُكر هناك أنهم يشتاقون كل الاشتياق إلى الموهبة الإلهية. وعندما يرون أنفسهم خالية من البر أمام الله يشتاقون إليه. فلو قال المسيح «طوبى للأبرار» لما وُجد من يتقدم لنوال البركة الموعودة، ولذلك قال «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ» لأنه كما أن الذي يتعرض للجوع والعطش لا يفتكر بشي. غيرهما، هكذا الجياع والعطاش إلى البر لا يبالون بالأمور الدنيوية. وهذان الشعوران علامة الحياة الروحية التي لا تكون إلا في الذين وُلدوا ثانية من الروح القدس (يوحنا ٣: ٣، ٥).
    إن الجياع والعطاش إلى العلوم ومقتضيات الحياة الدنيا وحشد الأموال وإحراز الشرف الرفيع كثيرون، ولكن الجياع والعطاش إلى البر قليلون.
    ٱلْبِرِّ ليس المقصود هنا بر الناموس، بل بر الله (إشعياء ٥١: ٥ ودانيال ٩: ٢٤) وهو يتضمن الديانة القلبية والقداسة والتسليم التام لإرادة الله.
    يُشْبَعُون لا قيمة في عيون الجياع والعطاش إلا لما يشبعهم ويرويهم. ولذلك وعدهم بمقتضيات الحياة الروحية، ليشبعوا مما كانوا يتوقون إليه ويحتاجونه.
    ٧ «طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ».
    مزمور ٤١: ١ وص ٦: ١٤ ومرقس ١١: ٢٥ و٢تيموثاوس ١: ١٦ وعبرانيين ٦: ١٠ ويعقوب ٢: ١٣
    لِلرُّحَمَاء هذا وصف آخر للذين لهم شركة في ملكوت المسيح الجديد. إن الذين ينجحون غالباً في الممالك الأرضية هم أهل البأس المنتقمون، وأما شركاء المملكة السماوية فهم الرحماء المساكين الذين يحبون الغير، ويشاركون الناس في أحزانهم، وهم الذين يشعرون معهم بالاحتياجات الروحية والجسدية. ورحمتهم فعالة (أيوب ٢٩: ١١ - ١٦ ومتّى ٥: ٤٤ - ٤٧ و١٠: ٤٢) ومصدر هذه الرحمة قلب الله، ورحمتنا قطرة من بحرها. وما نفعله من الرحمة نحو البشر لنطيعه ونرضيه يحسبه كأننا عملناه معه.
    يُرْحَمُون الرحمة التي يرحمون الغير بها يرحمهم الله بها، ليس على سبيل الأجرة، لأن للمستحقين لهم أجرة لا رحمة. فالله يحبهم ويرحمهم مجاناً، وهم يرحمون دائماً، ويرحمهم الناس غالباً. ولا رحمة لمن لا يرحم ولا يغفر للمذنبين إليه.
    ٨ «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللّٰهَ».
    مزمور ١٥: ٢ و٢٤: ٤ وعبرانيين ١٢: ١٤ و١كورنثوس ١٣: ١٢ و١يوحنا ٣: ٢، ٣
    لِلأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ ادَّعى اليهود أنهم أنقياء لأنهم منفصلون عن الأمم الذين تدنسوا بعبادة الأوثان، ولكنهم ليسوا أنقياء القلب (لوقا ١١: ٣٩).
    إن لشركاء المسيح طهارة أعظم من الطهارة الطقسية الجنسية، وهى طهارة القلب التي لا تنتج عن غسل الجسد حسب شريعة موسى، بل عن تطهير القلب بواسطة التوبة والإيمان وفعل الروح القدس (عبرانيين ٩: ١٣، ١٤ وأفسس ٥: ٢، ١ و١يوحنا ٣: ٩). قديماً كان في مملكة مادي وفارس سبعة أشخاص مقرَّبون، يحق لهم وحدهم أن يروا الملك وجهاً لوجه (أستير ١: ١٤). و نقاوة القلب هذه تتضمن البساطة والصدق، وعكسها يتضمن الغش والرياء. وأفكار أهلها وغاياتهم ومبادئهم طاهرة. والله ينظر إلى القلب بينما ينظر الإنسان إلى الخارج (١صموئيل ١٥: ٧).
    لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللّٰه أي سيقفون أمامه كأصدقائه وأصفيائه، ويدركون صفاته تماماً، وينالون القرب إليه. وكما أن الذين ليسوا أطهاراً حسب الشريعة الطقسية لا يمكنهم أن يدخلوا هيكل الله على الأرض، هكذا القلب غير الطاهر من الداخل لا يدخل هيكله السماوي ليتمتع بحضرته الإلهية.
    يحسب الناس المثول بحضرة الملوك الأرضيين من أعظم الإنعام، فكم تكون نعمة الذين في حضرة ملك الملوك إلى الأبد! (٢ملوك ٢٥: ١٨).
    قال الحكيم: «أَرَأَيْتَ رَجُلاً مُجْتَهِدًا فِي عَمَلِهِ؟ أَمَامَ الْمُلُوكِ يَقِفُ. لاَ يَقِفُ أَمَامَ الرَّعَاعِ!» (أمثال ٢٢: ٢٩) وقال صاحب الرؤيا «وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ» (رؤيا ٢٢: ٤) فهم يبتدئون «يُعَايِنُونَ اللهَ» هنا (أفسس ١: ١٨) ويعاينون في ما بعد «وَجْهًا لِوَجْهٍ» (١كورنثوس ١٣: ١٢).
    ٩ «طُوبَى لِصَانِعِي ٱلسَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ ٱللّٰهِ يُدْعَوْنَ».
    لِصَانِعِي ٱلسَّلاَمِ ظنَّ اليهود أن ملكوت المسيح ملكوت الحرب والفتوحات، وأن الذين يحرزون قصب السبق في الجهاد والانتقام من الأمم بسبب تعدياتهم على إسرائيل يجازون خير جزاء. ولكن المسيح يقول إن الإكرام الأعظم هو لمجيء السلام. وليس لهم فقط، بل لصانعيه الذين يبذلون كل جهدهم في إخماد الخصومات ومصالحة المتخاصمين. وعلى ذلك فالذين يبشرون بإنجيل السلام ويجتهدون في المصالحة بين الله والإنسان هم صانعو السلام، لأن هذه المصالحة استعداد لمصالحة الناس بعضهم بعضاً.
    أَبْنَاءَ ٱللّٰهِ يُدْعَوْن ذكرنا أن أتقياء القلب يعاينون الله، أي يدخلون إلى حضرته. فكذلك صانعو السلام هم أبناؤه وورثته. فليسوا في الملكوت الجديد عبيداً مجهولين محتقرين، لأنه يقول عنهم إنهم عملوا عمله، وإنهم مشابهون له ومستحقون أن يدعوا بنيه. فإذن أولاد مَن الذين يهيجون الخصومات بين العائلات وفي الكنيسة؟ وقوله «يدعون» يشير إلى أنه يصرح بهم علانية كأولاده.
    ١٠ «طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ ٱلْبِرِّ، لأَنَّ لَـهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    ٢ كولوسي ٤: ١٧ و٢تيموثاوس ٢: ١٢ و١بطرس ٣: ١٤
    لِلْمَطْرُودِينَ انتظر اليهود أن كل أمتهم تتمتع ببركات ملكوت المسيح التي تتضمن النجاة التامة من الظلم. وأما المسيح فيقول إن نصيب شعبه تحمُّل المظالم. والمطرودون هنا هم المضطهدون بسبب ديانتهم. وقد يقع الاضطهاد تارة على صيتهم ومالهم، وطوراً على حياتهم. وقول المسيح يشير إلى أن شعبه يكونون محرومين من شرف الممالك الأرضية، وليس ذلك فقط بل إن قوات هذه الممالك تكون عليهم، ويكونون مبغَضين وعرضة للأذى. لأن الطرد ليس من المساوين لهم في المقام والرتبة، بل من الكبراء والأعيان. وجميع الذين ذكروا سابقاً في التطويبات هم عرضة لهذا الاضطهاد، ولا سيما صانعو السلام الذين يبشرون بإنجيل السلام فكل «الذين يعيشون بالتقوى يُضطهدون».
    مِنْ أَجْلِ ٱلْبِرِّ لا يطوِّب المسيح المطرودين لأي سبب، لكن بل المطرودين من أجل تمسكهم بالحق وأمانتهم لله ولواجباتهم. فليس كل من قتل شهيداً لمجرد القتل، بل من قتل لأجل الدين الحق.
    لا يكلفنا المسيح أن نعرِّض أنفسنا للاضطهاد، ونهيِّج عليها مقاومة أعدائنا، بل يقول إنه إذا وقع علينا الاضطهاد ونحن مجتهدون في أن نعيش كمسيحيين، يجب أن نحسبه بركة.
    لَـهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَات ومعناه (كما في ع ٣) أي أنهم يكونون مميَّزين في ملكوت السماء، فمطرودو الأرض لأجل الله يلقون الترحيب في السماء. والذين احتملوا المظالم لأجل الإنجيل برهنوا أنهم مسيحيون حقيقيون. فما أعظم الفرق بين تطويبات المسيح (ولا سيما الأخيرة منها) وما انتظره اليهود، فقد توقَّعوا الغلبة والمجد، ووعدهم المسيح بالعار والاضطهاد. والمسيح لا يخدع تابعيه بمواعيد فارغة.
    ١١ «طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِين».
    لوقا ٦: ٢٢ و١بطرس ٤: ١٣، ١٤
    طُوبَى لَكُمْ بعدما وجَّه المسيح كلامه إلى عموم التلاميذ، قال إن ذلك يطلق على سامعيه فرداً فرداً. وهذا التصريح وإن لم يذكر إلا في التطويبة الأخيرة فهو مقصود في كل التطويبات، ويطلق على كل السامعين. وكلامه يدل على أنه لا بد من أنهم يعرفون ذلك بالاختبار. والمضطهدون الأولون كانوا اليهود غير المؤمنين. وفي هذا القول نبوة ووعد.
    عَيَّرُوكُمْ أي شتموكم على مسمع منكم، ودعوكم بألقاب مهينة وشريرة. كل ذلك لكونكم مسيحيين.
    كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ أي أنهم يقيمون عليكم الدعاوى الكاذبة، وينسبون إليكم كل أنواع الشر. وقد تمت نبوة المسيح كما يُعرف من تاريخ الكنيسة، إذ لم يبق نوع من الشرور إلا واتُّهم المسيحيون به.
    مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِين أي لأنكم تلاميذي، ولأنكم تؤمنون بأني المسيح الموعود به. فيجب أن تتوقعوا هذه المعاملة، ومع ذلك تحسبون أنفسكم مطوبين في قبولكم إياها. ومعنى «من أجلي» كما في العدد السابق. ولا نحسب مطوبين إذا انتقدنا الناس باستحقاق (١بطرس ٣: ١٣ - ١٨). ولكن إن كنا نتحمل الآلام من أجل البر فذلك يُحسب من أجل المسيح. وبمجرد صبر المسيحيين المضطهَدين وحِلمهم صدَّق كثيرون من المقاومين صحة الديانة المسيحية.
    ١٢ «اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هٰكَذَا طَرَدُوا ٱلأَنْبِيَاءَ ٱلَّذِينَ قَبْلَكُم».
    لوقا ٦: ٢٣ وأعمال ٥: ٤١ ورومية ٥: ٣ ويعقوب ١: ٢ و١بطرس ٤: ١٣ و٢أخبار ٣٦: ١٦ ونحميا ٩: ٢٦ ومتّى ٢٣: ٣٤، ٣٧ وأعمال ٧: ٥٢ و١تسالونيكي ٢: ١٥
    يتضمن هذا العدد نصحا مبيناً على ما قيل في ع ١١، فضيقاتهم لا تستوجب الحزن والاحتمال بالصبر فقط، بل تستوجب الفرح والتهلل، لأن المسيح يأمرهم بذلك.
    تَهَلَّلُوا دلالة على أقصى درجات الفرح بدلاً من الخوف والكآبة التي تنتج طبعاً من معاملة كهذه. وهذه الكلمات شجَّعت ألوفاً في ضيقاتهم.
    لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيم إن الاضطهادات بذاتها ليست سبباً للفرح، ولكن نتيجتها الموعود بها تسبب ذلك، وتُسمَّى هذه النتيجة أجراً، ليس كأنهم استحقوها، ولكن كأنها ربح يقابل ما خسروه.
    فِي ٱلسَّمَاوَات إن أكثر الثواب هناك، لأن الأرض مكان التعب والضيق. وأما السماء فمحل خير الجزاء. وقوله هذا لا يقتصر على أن هذا الأجر سيُعطى في مستقبل ما، بل يبين أنه يُعطى في دار الملك العظيم، وفي حضرته علامة لرضاه. فيجب أن يفرحوا في ضيقاتهم بسبب الأجر الجزيل المعيَّن لهم والمحفوظ لأجلهم. ومن وصفه بالعظمة يظهر أنه يفوق ضيقاتهم واستحقاقهم جداً.
    فَإِنَّهُمْ هٰكَذَا طَرَدُوا الطاردون هنا هم اليهود الذين لم يؤمنوا.
    ٱلأَنْبِيَاءَ ٱلَّذِينَ قَبْلَكُم كان هؤلاء نواب جميع اليهود الأتقياء، وقد احتملوا نفس هذه الضيقات (عبرانيين ١١: ٣٥ - ٣٨). وبقوله هذا جعل المسيح مؤمني العهد الجديد خلفاء أنبياء العهد القديم في آلامهم ومجازاتهم. ولا شيء يقوي المؤمنين وقت الاضطهاد إلا شعورهم بأنهم أبرياء، وأن المسيح معهم، وأنه هو الذي يعزيهم. وقد جعل هذا التشجيع ألوفاً ينتصرون على الآلام والموت. فما حصلوا عليه في الماضي يجب أن يشجعنا حينما يهددنا الناس بالاضطهادات.
    إن المسيحيين يشاركون في الآلام الأنبياء والرسل بل المسيح نفسه، لأنهم يشربون من الكأس التي شربها.
    ١٣ «أَنْتُمْ مِلْحُ ٱلأَرْضِ، وَلٰكِنْ إِنْ فَسَدَ ٱلْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ ٱلنَّاسِ».
    مرقس ٩: ٥٠ ولوقا ١٤: ٣٤، ٣٥
    يبين المسيح هنا علاقة تلاميذه بالعالم.
    أَنْتُمْ أي تلاميذي عموماً وليس الرسل فقط. أنتم الذين تؤمنون بي. فما أنتم عليه ليس من تلقاء ذواتكم أو من نظامكم، ولكن من قوتي العاملة فيكم.
    مِلْحُ ٱلأَرْض ذلك ليس في المستقبل بل الآن، كأن الانفصال بين العالم وأتباعه قد بدأ. ولا بد أن في هذا إشارة إلى تأثير كنيسته في المستقبل.
    وللملح فائدتان: (١) أنه يطيب الطعام به. و(٢) أنه يحفظ من الفساد ما هو قابل الفساد. والمقصود هنا بالأكثر الثانية، ويصح قصد الاثنين من جهة تأثير الكنيسة التي تهب الجمال حيثما حلَّت، فتعطي العلم رونقاً جديداً، وترقّي كل أعمال الناس. وأفضل تأثير لها توقيف ميل الناس إلى السقوط في هاوية الفساد. وما شاهدناه من منفعة الملح واحتياجنا إليه دليل على الفائدة العظمى للكنيسة في العالم. ولا يصح هذا التشبيه إلا بشرط أن تكون الكنيسة في العالم لنفعه، فإن الملح لا يفيد الطعام شيئاً ما لم يخالطه.
    وَلٰكِنْ إِنْ فَسَدَ بُني الجزء الأول من هذا العدد على أن يقوم الملح بالفائدة المقصودة منه. والجزء الثاني على فرض عدم حدوث هذا، مع ذكر نتيجة ذلك. وفي قوله «إن فسد» فرض غير الواقع، لأن الملح الخالص لا يفسد. ولكن لو صح أنه فسد تكون النتيجة كما ذكر. على أن الملح المجموع على وجه الأرض كثيراً ما يكون مخلوطاً بمواد تشبه الملح في الهيئة، فإذا ذاب الملح بالرطوبة بقيت تلك المواد كأنها الملح، ولكن لا ملوحة لها. ويُظهِر هذا التشبيه ما يترتب على عدم قيام المؤمنين بحفظ من حولهم من الفساد.
    بِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ فأي مادة أخرى تقوم مقامه؟ وماذا يحفظ ذلك الملح الذي فقد ملوحته من الفساد؟ ولوضوح الجواب لم يذكره المسيح، فمضمون سؤاله هذا أنه قد ضل معلمو الشعب ومرشدوه، فمن ذا الذي يهديهم؟ قال هذا ليُنهض ضمائر تلاميذه ليسهروا لئلا يضلوا (عبرانيين ٦: ١ - ٦).
    يُطْرَحَ خَارِجاً عندما تتوقف الكنيسة أو بعض أعضائها عن أن تؤثر التأثير الذي أراده الله من وجودها لا تكون بلا نفع فقط، بل موضوع ازدراء الناس أيضاً.
    ١٤ «أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ».
    أمثال ٤: ١٨ وفيلبي ٢: ١٥
    أَنْتُمْ نُورُ هذا تشبيه ثان لبيان وظيفة الكنيسة. يؤثر الملح داخلياً، ويؤثر النور خارجياً. وهو بركة أعظم من الملح، ومثل للحق والقداسة. فالكنيسة نور لأنها تمنح العالم علماً، وتنفي الضلالة، وتمزق الجهالة الروحية، وتستمد نورها من الله فتشبه القمر الذي يستمد نوره من الشمس ويعكسه إلى الأرض (يعقوب ١: ١٧) وتبعث نوراً لأنها تتمسك بكلمة الحياة التي هي نور (مزمور ١١٩: ١٠٥، ١٣٠ وفيلبي ٢: ١٥ و١٦ و١بطرس ١: ١٩). وترسل نوراً بتعليمها وقدوتها. وأما النور الحقيقي فهو المسيح (يوحنا ١: ٩ و٨: ١٢). والمسيحيون شركاء نوره (أفسس ٥: ٨) فيطلق هذا الكلام على الكنيسة بأسرها، وعلى أفراد المسيحيين. ولا ينفع النور ما لم يكن ظاهراً. فعلى المسيحيين أن يُظهروا تأثيرهم وقدوتهم للعالم ليرى ذلك ويستفيد، وإلا فلا نفع من نورها أكثر من نفع الملح إن فسد.
    مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل قصد الله أن تكون كنيسته في تاريخ العالم بمنزلة مدينة على جبل، لأنها منارة العالم العظيمة.
    ١٥ «وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ ٱلْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى ٱلْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْبَيْتِ».
    مرقس ٤: ٢١ ولوقا ٨: ١٦ و١١: ٣٣
    القصد من السراج أن يُرى وإلا فلا فائدة منه. وإضاءته ووضعه تحت مكيال عبث، فكذلك إخفاء تلاميذ المسيح ما قبلوه منه، لأن الله قصد أن يكونوا واسطة نشر العلم الإلهي للعالم.
    ١٦ «فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
    ١بطرس ٢: ١٢ ويوحنا ١٥: ٨ و١كورنثوس ١٤: ٢٥
    يجب أن يتخذ المسيحيون نور الحق في هذا العالم المظلم كما يتخذ الناس السُّرج في بيوتهم فيضيئوا للناس باعترافهم وفضائلهم.
    قُدَّامَ ٱلنَّاس أي أمام عيونهم لا خفية عنهم.
    لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ أي ليكون عملكم الحسن ظاهراً لا خفياً. فالمسيحيون مجبورون أن يحفظوا صيتهم من العار بين الناس.
    وَيُمَجِّدُوا يجب أن يكون هدفهم بذلك ليس كهدف الفريسيين أن يمدحهم الناس، بل أن يتمجد الله بهم، أي أن ينشروا معرفته وحمده بين خلائقه. ففي البيت المنير ليس المجد للأضواء بل لصاحب البيت، وفي المدينة العامرة ليس المجد للبنّاء بل للباني.
    أَبَاكُم يعلمنا المسيح ابن الله الوحيد الذي بواسطته وحده صرنا أبناء الله أن ندعو الله أبانا. وهذه هي المرة الأولى التي فيها علَّم هذا التعليم، فهو يقوي ثقتنا بالصلاة وينشطنا في طاعته.
    ١٧ «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ ٱلنَّامُوسَ أَوِ ٱلأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ».
    رومية ٣: ٣١ و١٠: ٤ وغلاطية ٣: ٢٤
    أظهر المسيح في هذا العدد وما يليه علاقته بالناموس والأنبياء، أي بالعهد القديم. وكأنه يجاوب سؤال سائل: ما هي الأعمال الصالحة التي يتمجد بها الله؟ هل ما أمر به العهد القديم هو ما يأمر به العهد الجديد؟
    لاَ تَظُنُّوا زعم البعض أن المسيح يرتب قواعد جديدة للاعتقاد والأعمال ويلغي العتيقة. فتوقع الكثيرون التحرر من وجوب طاعة الناموس، فقال: لا تتوقعوا ذلك ولا تخافوا. قد أتى الدين المسيحي إلى العالم ليحفظ كل ما فيه من الصلاح ويوسع دائرته.
    أَنِّي جِئْتُ أعني كمعلم من الله يوحنا ٣: ٢
    لأَنْقُض أي لأُلغي أو أُبطل.
    ٱلنَّامُوس أي ناموس موسى، وهو كل تعاليمه لا رموزه فقط.
    أَوِ ٱلأَنْبِيَاءَ المرَّجح أنه قصد كل كتبة العهد القديم الملهمين، لا الذين أنبأوا بالحوادث المستقلة وحدهم. وهاتان الكلمتان «الناموس والأنبياء» تتضمنان كل كلام الله المعلن بالوحي للناس مما أعلن لموسى أولاً إلى ما أعلن لآخر الأنبياء أخيراً.
    لقد أبطل الفريسيون الناموس بتقاليدهم، وأبطل الصدوقيون أقوال الأنبياء بإنكارهم ما أوحى إليهم، فلم يعترفوا إلا بالطاعة للناموس.
    مَا جِئْتُ أي سواء كان مجيئي للتجسد (يوحنا ١٦: ٢٨) أم للتعليم (يوحنا ٣: ٢).
    لأَنْقُض فلم ينقض المسيح شيئاً إلا الخطية.
    بَلْ لأُكَمِّل بكلامه وأفعاله، لأن غايته كانت أن يطيع الناموس ويتمم المقصود منه. فلم يقصد أن الناموس ناقص، بل إنه جاء ليتمم بفعله ما لم يكمل، وذلك بتعليمه ومثاله وطاعته وموته عنا، فقال إن اعتبار الناموس لا يقل في ملكوته، بل يبقى له أعظم الإكرام وأفضل الطاعة. وهذا يناقض ما قاله بعضهم إن العهد القديم قد زال، وإنه لذلك ليس دستور إيمان المسيحيين، وإنهم ليسوا مكلَّفين أن يطيعوه. فالكتاب المقدس كتاب واحد، فإن سقط بعضه سقط كله، وإذا ثبت البعض ثبت الكل. وقد كمل المسيح الناموس بخمسة أمور:
    الأول طاعته له (غلاطية ٤: ٤) والثاني تتميمه كل رموزه ونبواته، والثالث فداؤه إيانا من قصاص الناموس الذي خالفناه ومن لعنته، فإنه بذلك أكمل الناموس أفضل تكميل، لأن الناموس يقول إن «اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ» (حزقيال ١٨: ٢٠). فمات المسيح بدل الأثمة. والرابع تفسيره إياه وتوضيحه وإظهار معناه الروحي. والخامس إنه يكتبه على قلوب الناس ويهبهم النعمة ليطيعوه. ولم يأت مقتصراً على تكميل الناموس، بل أزال منه كل ما زيد عليه من التعاليم التي أبطلها.
    ١٨ «فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ ٱلنَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ ٱلْكُلُّ».
    لوقا ١٦: ١٧
    الناموس لا يتغير لأنه إعلان إرادة الله المنزَّه عن التغير. فلم يكن قصد المسيح أن ينقض الناموس لأن نقضه محال.
    ٱلْحَقَّ ومعنى هذه الكلمة في الأصل اليوناني «آمين» وهى المستعملة في خاتمة الصلاة والبركات واللعنات والنذور وسائر الإعلانات الدينية تثبيتاً لها.
    أَقُولُ لَكُم أنا ابن الله وابن الإنسان، أقول لكم يا تلاميذي.
    إِلَى أَنْ تَزُولَ ٱلسَّمَاءُ الخ إذن لا يلغي الناموس إلى الأبد لأنه جزء من تكوين الكون، فيدوم ما دام الكون. وهذا الكلام مثل بين اليهود يدل على عدم إمكان التغيير، وليس معناه أن السماء والأرض تزولان في ما بعد، وبزوالهما يزول الناموس أيضاً. وليس هنا أدنى تلميح إلى نهاية كل شيء، بل إذ لم يكن شيءٌ من المخلوقات أثبت من نظام الكون، اتَّخذه المسيح مثالاً لعدم التغيير.
    حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ عبارة مستعارة من مصطلحات الكتابة، تعني أنه لا يبطل من الناموس شيء قبل أن تكمل غايته. والكلمة المترجمة هنا حرفاً هي «يوتا» في اليوناني و «يود» في العبراني و «ياء» في العربية، وهى أصغر حروف اللغة اليونانية والعبرانية.
    من الناموس: أي يبقى جزء منه. فلا يمكن أن يزول حرف الناموس بدون أن يكون قد تم بالروح والحق. فإذا نظرنا إلى الناموس الطقسي باعتباره رمزاً وظل الخيرات العتيدة، رأينا أنه زال بالمسيح. وأما جوهره فلأنه جزء من كلام الله يدوم إلى الأبد في السماء (١بطرس ١: ٢٥). فزوال ما يبدو أنه زال من الناموس يشبه زوال البراعم والأزهار عند يكمل الثمر ويحل محل الزهور.
    حَتَّى يَكُونَ ٱلْكُلّ حتى يتم فعلاً كل ما وعد به وكل ما أشارت الرموز إليه. وليس لحروف الكتابة ونقطها معان ليتم كل منها بمفرده، ولكن الناموس كله سيبقى كنظام حتى تكمل كل مقاصده.
    وإن سُئل: كيف تتَّفق هذه الأقوال القوية مع قصد المسيح أنه بمجيئه يبطل رسوم الناموس الطقسي؟ فالجواب إن الناموس الإلهي الوحيد يتضمن بعض الحوادث الوقتية قصد الله أن يزيلها بعد ما تمت غايتها. فإزالة الجزء الطقسي من الناموس ضروري لإتمام كل الناموس، كما أن إبطال الصك ضروري عند إيفاء الدين المعيّن فيه. والرسول أوضح كيفية تكميل يسوع الناموس الطقسي في عبرانيين أصحاحات ٧ و٨ و١٠. وقصد المسيح بهذا الكلام أن يقينا من الضلالة في أن نستنتج من ذلك أن المسيحيين مكلفون بطاعة الشريعة اليهودية أو جزء منها. وقد فسَّر المسيح في بقية هذا الأصحاح وأصحاحي ٦، ٧ ما هو روح هذه الشريعة، وكم هي أوسع مما ظن الناس. وبذلك علَّم أن حياة كل مسيحي يجب أن تُظهر معنى كل حرف ونقطة منها.
    ١٩ «فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هٰذِهِ ٱلْوَصَايَا ٱلصُّغْرَى وَعَلَّمَ ٱلنَّاسَ هٰكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهٰذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    يعقوب ٢: ١٠
    فَمَنْ نَقَض أي ألغى أو أبطل. ومعظم الإشارة هنا إلى روح الناموس (انظر يعقوب ٢: ١٠) فلا يشير إلى قصور في حفظ ناموس الله الأخلاقي، الذي خالفه الجميع، بل إلى مخالفتهم إياه عمداً بحُجَّة أنهم أُعفوا منه.
    ٱلصُّغْرَى أعني الأقل قيمة في ذاتها، أو في اعتبار الناس لها. ولأنها جزء من الناموس وجب على الناس طاعتها. ومن خالفها عمداً يكون قد أخطأ في الكل (يعقوب ٢: ١٠).
    قسمَّ اليهود الوصايا إلى كبرى وصغرى، وحسبوا أصغر الكل الوصية المتعلقة بأعشاش الطيور (تثنية ٢٢: ٦، ٧) ولا شك أن المسيح لم يشر هنا إلى وصية كهذه، بل إلى الناموس الأخلاقي وإلى كبح الأفكار والشهوات التي يحسبها الناس لا طائل تحتها بالمقابلة مع الأعمال التي وحدها لها الاعتبار عندهم. وهذه الخطايا ليست صغرى في عيني الله، فلا يمكن أن يرتكبها المسيحيون وينالون رضاه.
    وَعَلَّمَ ٱلنَّاسَ هٰكَذَ بأقواله أو بقدرته ليستخفوا بالناموس كلياً أو جزئياً.
    أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أي في ملكوت المسيح الجديد، لأن الإنسان بتركه أصغر وصية من الناموس ينحط إلى أدنى درجة في ذلك الملكوت، ويصير موضوع الحزن والشفقة. ولا يطرد الجاني إلى الأبد من الملكوت إذا كان تعديه ليس عمداً، أو إذا تاب عن جنايته. فمُكرِّم الناموس مكرَّمٌ من الإنجيل ومهينهُ مهان.
    مَنْ عَمِلَ وَعَلَّم الأفضل هو من يقرن المعرفة بالعمل، ولا يكتفي بالتعليم الصحيح. فهذا يعتبر عظيماً عند المسيح. فالعلم والعمل هما الواسطتان العظيمتان اللتان عيَّنهما الله لإصلاح العالم.
    ٢٠ «فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    رومية ٩: ٣١، ٣٢ و١٠: ٣
    شرح هذه الآية هو كل موعظة المسيح على الجبل، فالبر المطلوب من أصحاب النظام الجديد يفوق كثيراً بر الكتبة والفريسيين، الذين ألزموا الناس بحفظ حرف الناموس ونسوا روحه. وقد صرح بذلك في تسع قضايا أخطأوا فيها بشرحهم ناموس موسى، وهي: القتل، والزنا، والطلاق، والقسَم، والانتقام، والمحبة الخالصة، والصَّدقة، والصلاة، والصوم.
    فَإِنِّي أَقُولُ أي باعتبار إني ابن الله الذي يعلن إرادة الآب. قال هذا ليجعل قوله ثابتاً موقراً.
    يَزِدْ إن برَّ أتقى الناس ليس كافياً في عيني الله، فلا يجب أن ننظر إلى أصحاب بر كهذا كنموذج لنا، بل يجب أن تزيد تقوانا على تقواهم. توقع الكثيرون من اليهود أن يسمعوا من المسيح خلاف ذلك، أي أنه يكلفهم في النظام الجديد بأقل مما كلفهم رؤساؤهم سابقاً. وبيان البر المطلوب هو: «الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ» (رومية ٢: ٢٩).
    بِرُّكُمْ البر هو قانون الاعتقاد والعمل، وهو كل ما يكلف الله الإنسان به ليرضيه.
    ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ هم معلمو الناموس، وحافظوه كل الحفظ، ومرشدو الشعب الروحيون الذين كان يعتبرهم الناس أقدس البشر، حتى شاع القول بين اليهود أنه «إذا لم يدخل السماء سوى شخصين فلا بد من أن يكون أحدهما فريسياً». وكان الكتبة في أول أمرهم يكتبون الناموس، وبعد ذلك صاروا مفسريه. وهم من شيعة الفريسيين.
    لَنْ تَدْخُلُوا يزيد في هذا على قوله «فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هٰذِهِ ٱلْوَصَايَا ٱلصُّغْرَى وَعَلَّمَ ٱلنَّاسَ هٰكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ» (ع ١٩) ولن يدخله أبداً.
    ٢١ «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ».
    خروج ٢٠: ١٣ وتثنية ٥: ١٧
    قَدْ سَمِعْتُمْ أي تعودتم سمعه من معلميكم الكتبة والفريسيين.
    لِلْقُدَمَاءِ هم آباء الأمة الذين قبلوا الناموس على يد موسى. و «قيل للقدماء» أي ما اصطلح عليه الكتبة والفريسيون عند اقتباسهم شيئاً من الشريعة.
    لاَ تَقْتُلْ هذه الوصية السادسة (خروج ٢٠: ١٣). وقول موسى لم يتغيَّر، وأما مفسروه فقد غيروا معناه. فلا اختلاف بين موسى والمسيح.
    وَمَنْ قَتَلَ هذا شرح الكتبة والفريسيون ما أضافوه إلى الأصل كأنه جزء منه، وفسروا الوصية بأن الذي يقتل فعلاً هو المستوجب الحكم، فضيَّقوا دائرة حكم الوصية.
    مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْم هذا عقاب من يخالف هذه الوصية، بغضّ النظر عن كونه في هذا العالم أم في الآتي.
    ٢٢ «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ».
    خروج ٢٠: ١٣ وتثنية ٥: ١٧ ويوحنا ٣: ١٥
    بعد أن ذكر المسيح تعليم الفريسيين في هذه الوصية شرحها شرحاً أوسع من شرحهم، فإنهم قيّدوا القتل في شرحهم بأنه القتل الفعلي وعمداً. ولم يعتبر المسيح العمل الخارجي فقط قتلاً، بل هو أيضاً النوايا الشريرة التي سببت ذلك. ولأن البغض الذي يتربى في القلب يقود إلى القتل، ويدخل تحت هذا الحكم. فعند الله الانفعال الداخلي يشبه العمل الخارجي.
    وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لا يقصد مقارنة قوله بقول موسى «لا تقتل» بل مقارنته بشرح الكتبة الذي قيَّد معنى الوصية بالقتل عمداً وفعلاً.
    عَلَى أَخِيهِ أي أحد البشر، لأن الجميع من آدم وجميعهم خليقة الله. فيجب أن نعتبر جميع الناس إخوتنا ونعاملهم كذلك.
    بَاطِلاً كما يُدان الناس على القتل عمداً وفعلاً، يُدانون على نواياهم الشريرة التي تقودهم إلى القتل. كما قال يوحنا الرسول «كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ» (١يوحنا ٣: ١٥). والكتاب المقدس لا يدين من يغضب عندما يشاهد عملاً شريراً (أفسس ٤: ٢٦) بشرط أن يكون الغضب على العمل أكثر مما على العامل. والكلمة المترجمة هنا «بالحكم» تشير إلى أصغر محاكم اليهود وهى مؤلفة من سبعة أعضاء (تثنية ١٦: ١٨).
    رَقَا ذكر المسيح أولاً الحكم على انفعال البغض، وذكر هنا الحكم على كلام البغض. فمعنى «رقا» باطل أو فارغ، وهي كلمة كانت عندهم للشتيمة والتعيير، فهي علامة الغضب والاحتقار. بها عيَّرت ميكال داود حين رقص أمام التابوت (٢صموئيل ٦: ٢٠). (انظر الأصل العبراني واليوناني).
    فنرى أن المسيحية تأمر باللطف والرقة والإنسانية نحو الجميع، وتعلم أن المحبة هي خلاصة جميع الوصايا.
    ٱلْمَجْمَعِ يُستعمل غالباً للإشارة إلى المجمع السبعيني الذي هو أعظم مجمع عند اليهود. فهذا الذنب الذي يستخف به الفريسيون يحسبه المسيح مستوجباً حكم هذا المجلس الكبير. فنتعلم من ذلك أن الله يعاقب الشاتمين (متّى ١٢: ٣٦).
    يَا أَحْمَقُ هذه الكلمة تستعمل للاحتقار والغضب والاتهام بالشر، وباستعمالها مُنع موسى وهارون من دخول أرض الميعاد (عدد ٢٠: ١٠). (انظر الأصل العبراني واليوناني).
    نَارِ جَهَنَّمَ المراد بجهنم هنا إما دار العقاب في الآخرة، أو وادي هنوم قرب أورشليم وعلى الجنوب الغربي منها حيث جرت العادة أن تحرق جثث المذنبين وأوساخ الهيكل (يشوع ١٨: ١٦ وإرميا ٧: ٣١). فهناك كانت النيران مضطرمة دائماً، فكانت رمزاً للعذاب الأبدي. وفي هذا الوادي قدمت الذبائح إلى الإله «مولوك» (٢ملوك ١٦: ٣). وبعد ذلك صار مكان إلقاء كل أقذار المدينة.
    هذه الوصية لا تنحصر في القتل فعلاً، بل تفيد أيضاً أن فكر البغض هو قتل يستوجب القصاص. والتلفُّظ بكلمة مثل «رقا» التي تدل على الحقد في الباطن ذنباً يقتضي أن يعاقب مرتكبه في أعظم المجالس. وربما قال أحد لغيره «يا أحمق» بانفعال الغضب الشديد فوجب عليه عذاب جهنم. والنتيجة أن إثم الإنسان يتنوع بحسب حالة قلبه. وعلى هذا القياس يستوجب القصاص هنا وفي المستقبل. وهذه الثلاثة «الغضب على الأخ» واستعمال كلمتي «رقا وأحمق» ليست كناية عن ثلاثة أنواع من الخطية تستوجب ثلاثة أنوع من القصاص «الحكم» «والمجمع» «ونار جهنم»، بل هي إشارة إلى انفعالات النفس المختلفة في قوتها، التي جميعها في عيني الله تستوجب الموت. فلا تمييز هنا بين خطايا عرضية وخطايا مميتة كما يزعم البعض، لأن كل الخطايا مميتة في عيني الله.
    وأما كون المسيح قصد بقوله هذا أحوال القلب لا مجرد النطق بالفم، فيظهر من توجيهه مثل هذا الكلام إلى الكتبة والفريسيين (متّى ٢٣: ١٧، ١٩) ومن توجيه بولس مثل ذلك إلى الملحد (١كورنثوس ١٥: ٣٦).
    ٢٣ «فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى ٱلْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ».
    متّى ٨: ٤ و٢٣: ١٩
    أتى المسيح في هذا العدد بنتيجة ما تقدم من الواجبات المتضمنة في الوصية السادسة. والتفت من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب، ليجعل كلامه أشد تأثيراً في السامعين. فقد تبين أن هذه الوصية تراعي عواطف الإنسان الداخلية وكلماته الطفيفة، فيجب أن يتصالح المتخاصمون حالاً في كل الاختلافات ذات الشأن. ويجب أن تسبق المصالحة كل الواجبات الدينية الخارجية، لأن تلك شرط لازم لقبول هذه. وهذا الكلام يبين خطر الغضب على الآخرين، ووجوب الاجتهاد في إزالته من قلوبنا ومن قلوب غيرنا من الناس.
    فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ أي إذا وصلت إلى المذبح وابتدأت تقدم قربانك.
    ٱلْمَذْبَح لا تدل كلمة المذبح هنا على وجوب استعمالها في التعبير عن العبادة المسيحية، لأن الكلام هنا متعلق باليهود. ولا تشير إلا إلى طقوس يهودية، لأن الذين خاطبهم في ذلك الوقت كانوا يهوداً، فشخَّص أمامهم حادثة تجرى في هيكلهم.
    وَهُنَاكَ تَذَكَّرْت كأن ذلك لم يخطر على باله قبلاً. هكذا كل من يهيء قلبه لتقديم عبادة مقبولة يتذكر ما غفل عنه من الواجبات.
    أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْك لا يُقال فيه إن كان لك شيء على أخيك، وجاء الكلام في هذا الشأن في بشارة مرقس ١١: ٢٥ وكلمة «أخيك» هنا بمعنى صاحبك أو أخيك حقاً. فإذا شهد علينا ضميرنا أننا أسأنا إلى أخينا بشيء، يجب ألا نتأخر حتى يأتي هو ويعاتبنا، بل يجب أن نفعل كل ما يأمرنا به الضمير. فإن كانت دعوى أخينا علينا باطلة ومبنيَّة على الظن، يجب أن نجتهد في إزالة سوء الظن هذا، ونصطلح معه، ولا نبقي بغضة قلبية له.
    ٢٤ «فَٱتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ ٱلْمَذْبَحِ، وَٱذْهَبْ أَوَّلاً ٱصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ».
    أيوب ٤٢: ٨ و١تيموثاوس ٢: ٨ و٥: ١٣ و١بطرس ٣: ٧
    إذا تأخرت عن تقديم قربانك ففي وسعك أن تقدمه في وقت آخر، وأما إذا أخَّرت المصالحة فربما لا يكون لك فرصة لإجرائها بعد ذلك.
    قُرْبَانَك سمي بهذا الاسم كل ما كان يُقدم على المذبح، سواء كان ذبيحة للكفارة أم تقدمة للشكر.
    قُدَّامَ ٱلْمَذْبَحِ ويعني أيضاً قدام الله. ولا يقتصر المسيح هنا على ما يجب علينا إذا حدثت مثل هذه تماماً، بل يريدنا أن نجري المصالحة مع إخوتنا ولو في أصعب الأحوال.
    ولابد أن يعلمنا هذا وجوب أن يصطلح المسيحي مع أخيه قبلما يأتي إلى مائدة الرب (العشاء الرباني) أو إلى كل العبادات الدينية، لأن العبادة المتقدمة بالغضب مرفوضة (١تيموثاوس ٢: ٨). وليس المقصود أنه يجوز ترك العبادة إذا لم يوجد روح لائق بها، لأن ذلك يضيف خطية على خطية. يمتنع البعض عن حضور الكنيسة إن حدث خلاف بينهم وبين بعض الإخوة. فيجب عليهم بدل ذلك أن يصالحوهم حالاً ويثابروا على العبادة.
    ٱذْهَب ليس بقصد ترك العبادة، بل لإجراء المصالحة. وقوله «اذهب» يتضمن ألا تتوقع مجيء أخيك إليك بل أن تبدأ ذلك أنت.
    ٱصْطَلِح إما بطلب المسامحة أو بمنحها، وابذل كل ما في طاقتك لإزالة سبب الاختلاف. فإن كنت قد اختلست حقه فرُدَّه له، وإن كنت مديناً له بشيء أوفِه، وإن كنت قد شتمته اعترِف بذنبك واطلب الغفران. وإن كان متوهماً فاجتهد في إزالة الوهم، لأن الصلاة لا تُقبل ما لم يزُل كدر القلب بالمصالحة. فيجب إجراء هذه أولاً ثم الصلاة.
    من الأمور المقصودة في العبادة تصليح حال العابد، فلا يُقبل عند الله قربان المسيء إلى أخيه، ولا يرضى بالعبادة الخارجية ما لم تقدم بروح الوداعة والمحبة. فالحسد والبغض يفسدان أفضل قرابيننا، فمن العبث أن نعبد الله ونحن غافلون عن واجباتنا لإخوتنا. كان الفريسيون ينظرون إلى القربان فقط، وأما الله فينظر إلى روح من يقدمه.
    أَخِيك أيُ شخصٍ كان.
    وَحِينَئِذٍ تَعَال هذه المصالحة لا تجعل تقديم العبادة غير ضروري، لأن القيام بواجباتنا للناس لا يعفينا من القيام بواجباتنا لله. ويُستنتج من هذا أنه بعد المصالحة يقبل الله قربان العابد لأن الله راضٍ عنه. وخلاصة تعليم الآية كلها أن عبادتنا لله ليست مقبولة أصلاً إن تركنا واجباتنا للناس وعشنا معهم بالخصام.
    ٢٥ «كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي ٱلطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ ٱلْخَصْمُ إِلَى ٱلْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ ٱلْقَاضِي إِلَى ٱلشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي ٱلسِّجْنِ».
    أمثال ٢٥: ٨ ولوقا ١٢: ٥٨، ٥٩ ومزمور ٣٢: ٦ وإشعياء ٥٥: ٦
    ذكر الاختلاف مع الأخ وتوصل بذلك إلى ذكر الشكاية إلى الحكومة، فأورد الحوادث المزعجة المتعلقة بتلك الشكاية، وبيَّن أنها من الأسباب التي توجب على الإنسان أن يفضل إيجاد طريقة للاتفاق مع خصمه على انتظار نتيجة المحاكمة المجهولة. وغاية هذه النصيحة كغاية التي قبلها، منع الخصومة والعداوة المخالفة لوصية الله. فكأنه قال: إن كان بينك وبين أخيك دعوى فاتفق معه ولو بترك بعض حقوقك، فهذا خيرٌ لك من بقائك تحت خطر خسارة الدعوى وخسارة المال بذهابك إلى الحكومة ووقوع القضاء عليك أخيراً بالسجن. وكل هذا مع ما لا بد منه من هياج الغضب في قلبك وقلب خصمك.
    وليس المقصود أن الله هو الخصم كما توهم البعض، بل بيان دعوى في محكمة سياسية. ويحتمل أن يكون معناه أنه من الحكمة في الأمور الدينية أن يتفق الإنسان مع خصمه قبل خروج الحكم الذي ربما أوقعه في عذاب السجن الطويل. فكذلك من الحكمة أن نصالح أخانا الذي له دعوى علينا لئلا يشتكي ظلمنا إلى الديان العظيم فيلقينا في السجن الأبدي!
    كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ هذا شرح لمطالب الوصية السادسة. فالذي يحب الدعاوى السياسية، والذي يلجأ دائماً للمحاكم والقضاء يخالف روح هذه الوصية. والمعنى: أَظهِر استعدادك للاتفاق مع خصمك قبل فوات الوقت، لأن الدعاوى الطفيفة تتجسم كلما طالت مدتها. والخصم هنا هو الشخص المشتكي لا الضمير ولا الشيطان.
    فِي ٱلطَّرِيق أي الطريق إلى محل المحاكمة. والمعنى: اغتنم الفرصة الأخيرة للاتفاق والمصالحة قبل المحاكمة. فيذكر المسيح نتائج عدم الاتفاق بألفاظ مأخوذة من اصطلاحات المحاكم. فإن أبى الإنسان المصالحة فالنتيجة خطرٌ عليه، سواء أكانت في محكمة أرضية أم سماوية.
    يُسَلِّمَكَ ٱلْخَصْمُ إما بالشكوى أو بطلب إصدار الحكم.
    وَيُسَلِّمَكَ ٱلْقَاضِي بإصدار الحكم، وأمر الشرطي بإجرائه.
    فَتُلْقَى فِي ٱلسِّجْن عند أمر القاضي بذلك. وهو كلام عن معاملتنا بني جنسنا ومعاملتهم إيانا. والسجن لا للتطهير هنا بل للقصاص.
    ٢٦ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ ٱلْفَلْسَ ٱلأَخِير».
    تُظهر هذه الآية النتائج الجسيمة من الإبطاء في فض الدعاوى. إن طريق الحكمة في الأمور الدينية المشار إليها هنا هي طريق الحكمة في الأمور الروحية. فإذا كان الاتفاق في هذه الحياة مع الأخ الذي أسأنا إليه ضرورياً، فبالأولى أن يكون ضرورياً قبل أن نقف أمام القاضي العظيم في السماء والحكم علينا بالعقاب الأبدي.
    حَتَّى تُوفِيَ ٱلْفَلْسَ ٱلأَخِير أي حتى توفي الدَين كلَّه. فهذا ممكن في الديون المالية لا في الديون الروحية، فإنه يتعذر على الإنسان أن يوفي عن خطاياه، فلا يقدر أن يوفي مثل هذا الدَين إلا فادي الخطاة حمل الله رافع خطايا العالم.
    وليس في هذه الآية ما يثبت أبدية العذاب الجهنمي أو يناقضه، لأن المقصود هو أن الوقت الحاضر هو الوقت المناسب للاتفاق والمصالحة. وأما بعد ذلك فيجري العدل حقّهُ بكل شدة.
    ٢٧ «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ».
    خروج ٢٠: ١٤ وتثنية ٥: ١٨
    يُفسر المسيح هنا الوصية السابعة على منوال تفسيره للوصية السادسة، ويحسب شهوتي الجسد والعين كسراً للوصية، ويعتبر مجرد النظر طاعةً للأفكار والأهواء النجسة. وهذا ذنب داود الذي قاده إلى الزنا والقتل (٢صموئيل ١١). فالرب يقارن تعليمه بتعليم الفريسيين، لا بالوصية عينها، لأنهم علَّموا أنه لا يحسب متعدياً على الوصية إلا من زنى فعلاً. وأما هو فيقول إن معنى الوصية هو أن الطهارة الداخلية واجبة كالخارجية، ويجب أن تحفظ بكل اعتناء، وبإنكار الذات، وبضبط أفكارنا وميولنا.
    ٢٨ «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى ٱمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ».
    تكوين ٣٤: ٢ و٢صموئيل ١١: ٢ وأيوب ٣١: ١ وأمثال ٦: ٢٥
    مَنْ يَنْظُرُ نظر متعمداً بقصدٍ شرير طاعةً للعواطف الشهوانية، لا النظر بالصدفة (٢بطرس ٢: ١٤).
    فَقَدْ زَنَى تنهى هذه الوصية عن الفكر الرديء كما تنهي عن الفعل عينه. فإن زنى الإنسان في قلبه فقط فهو أثيم بمقتضى الشريعة، ومستوجب عقاب الله. فجوهر الخطية في قصد الإنسان، لأن الأفكار الفاسقة تدنسه.
    فِي قَلْبِه لأن القلب مركز الحياة ومحور الميول والعواطف. وزناه يدنس هيكل الروح القدس. فمن صرف نظره وأفكاره عن الخطية حفظ نفسه من التجربة والسقوط في حمأة الإثم والموت الأبدي. فإن كانت لمحة من عيوننا وأقل تسليم إلى أهوائنا يوقعنا تحت حكم الزنا في عيني الله، فما أشد احتياجنا إلى دم المسيح وبره للتطهير وغفران الخطايا والتبرير. فما أقدس شريعة الله وأوسع نطاقها. إنها لا تقتصر على عملنا، بل على خفايا قلوبنا.
    ٢٩ «فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ ٱلْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَٱقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ».
    متّى ١٨: ٨، ٩ ومرقس ٩: ٤٣ - ٤٧ ورومية ٨: ١٣ و١كورنثوس ٩: ٢٧ وكولوسي ٣: ٥
    عَيْنُكَ ٱلْيُمْنَى الخطاب لكل فردٍ من الحاضرين. وذكر العين دون غيرها من الأعضاء لأنها آلة التجربة، ولتعلقها مع النظر العشقي المذكور في ع ٢٨. وخصَّ العين اليمنى لأنها الفضلى عند سامعيه.
    تُعْثِرُك تجذبك للخطية.
    فَٱقْلَعْهَا ليس حرفياً، لكن بإنكار الذات، لأنه يمكن أن يقلع الإنسان عينه حرفياً وتبقى الشهوة داخله. فيجب أن نقاوم أول الشهوة الرديئة، ولو كلفنا ذلك خسران الأكثر نفعاً ولذة لنا، وأن نحرم ذواتنا مما هو عزيز عندنا وضروري لنا، حينما يحوجنا إلى ذلك خير نفوسنا. «وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ دُعِيتُمْ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَكُونُوا شَاكِرِينَ» (كولوسي ٣: ١٥).
    فخيرٌ للإنسان أن يخسر أفضل أعضائه من أن يخسر عفته الأخلاقية. فهذه الآية تقطع أسباب ارتكاب الخطية. وذلك يستلزم إبطال عادات غريزية، إن كانت عثرةً لنا. وهي تحرم علينا تناول المسكرات، والتردد على المراقص ودور اللهو، وقراءة القصص والقصائد العشقية، والنظر إلى الصور التي تهيج الشهوات الردية، والاستماع إلى المحادثات الدنسة والأغاني الغرامية. والخلاصة، أن لا أمان للإنسان إلا بمقاومة التجربة أول ظهورها.
    وَأَلْقِهَا عَنْك كأنها مكروهة لأنها تتجه للخطية. وكما أن الجرّاح لا يمتنع عن بتر أحد أعضاء الجسد ليحفظ الحياة، هكذا نحن يجب أن لا نعبأ بخسارة عالمية مهما كانت عظيمة، لكي نخلص حياتنا الأبدية، لأن كل الخسائر العالمية لا تعادل خسارة رضى الله وخسارة النفس.
    لأَنَّهُ خَيْرٌ لَك إنكار النفس هو عين المحبة الحقيقية لها، لأنه ينتج خيراً روحياً وجسدياً، زمنياً وأبدياً. فخسارة عضو من أعضائنا برضانا إلى وقت ما، خيرٌ من خسارة الجسد كله بالرغم منا إلى الأبد.
    ٣٠ «وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ ٱلْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَٱقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّم».
    ما قاله المسيح عن العين اليمنى قاله عن اليد اليمنى، فنقطعها إن كنا لا نقدر أن نبقيها بدون أن نخطئ بواسطتها أمام الله. وفي هذا أيضاً ليس المقصود قطعاً حرفياً، بل معناه أن لا نتأخر عن ترك كل شيء يجذبنا إلى الخطية، مهما كان عزيزاً وضرورياً لنا. فاليد التي يجب قطعها هي يد الظلم والانتقام التي تفعل الشر. ويُكنى بها عن عادات ولذات شريرة بذاتها، ولكن تتهيج بها الشهوات التي تؤدي إلى السقوط والتهور في الخطية. فأفضل طريقة لطاعة روح الأمر تشغيل العين واليد بفعل الخير لتكونا آلتين للبر فقط.
    ٣١ «وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ».
    تثنية ٢٤: ١ وإرميا ٣: ١ ومتّى ١٩: ٣ الخ ومرقس ١٠: ٢ الخ
    خالف الكتبة والفريسيون روح الوصية السابعة أيضاً بشرائعهم من جهة الطلاق، إذ فسروا ما ورد في تثنية ٢٤: ١ كإذن لتطليق الإنسان امرأته لأقل سبب، بشرط أن يعطيها كتاب طلاق. فالمسيح لا يقارن هنا تعليمه بتعليم موسى، بل بشرح الفريسيين لذلك التعليم. وتظهر عظمة الشرور الناتجة من شرحهم الفاسد مما قيل في ملاخي ٢: ١٤ - ١٦.
    خلق الله أولاً رجلاً وامرأة، ورسم أن يدوم اقترانهما حتى موت أحدهما (تكوين ٢: ٢٤). ولكن موسى وجد بني إسرائيل صاروا قساة القلوب، وتعوَّدوا الطلاق كثيراً، فاستحسن كحاكم سياسي أن لا يمنع الطلاق مطلقاً بل أن يضع له حدوداً. وأما المسيح فأرجع الشريعة إلى أصلها. وهي لا تزال إلى يومنا هذا شريعة الله الوحيدة التي تصون راحة العائلة والأخلاق العامة والاعتبار الواجب للمرأة والتربية الحسنة للأولاد.
    كِتَابَ طَلاَق أمر موسى بذلك كحاكم سياسي ليمنع الطلاق على الفور، وأذن به دفعاً للشر الأعظم (مرقس ١٠: ٥). ولم يكن إعطاء كتاب الطلاق للمرأة اتهاماً لها بعدم الاستقامة، بل ليكون لها شهادة بعفتها، لأن الشريعة أمرت أن الزانية تعاقب بالموت (عد ٥: ٣١).
    ٣٢ «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ ٱلزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي».
    لوقا ١٦: ١٨
    ينهى المسيح عن الطلاق مطلقاً إلا عندما ينحل رباط الزواج بزنى أحد الزوجين. وفسر بعضهم قول الرسول في ١كورنثوس ٧: ١٥ إنه يجيز الطلاق أيضاً لعلة الهجر الدائم.
    يَجْعَلُهَا تَزْنِي أي بواسطة هذا الطلاق غير الجائز يجعلها تحت تجربة الزواج ثانية بآخر. وهي لا تزال مرتبطة بالأول بحسب شريعة الله.
    وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِ لأنه يأخذ امرأة غيره.
    ٣٣ «أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ».
    متّى ٢٣: ١٦ خروج ٢٠: ٧ ولاويين ١٩: ١٢وعدد ٣٠: ٢ وتثنية ٢٣: ٢٣
    موضوع كلام المسيح هنا الحلف أو استعمال الأقسام المحرمة. ضلَّ اليهود في هذا الأمر ضلالتين: في الاعتقاد والعمل. (١) أن كل حلف جائز إلا الحلف بالكذب الذي ذكر فيه اسم الله. و(٢) أن كل الأقسام لا تربط الإنسان إذا لم يُلفظ فيها اسم الجلالة. فظنهم هذا كان مناقضاً لتعليم الله في الوصيتين الثالثة والتاسعة.
    فالمسيح يعلم هنا أن المخالفة لا تقوم بالألفاظ المستعملة في الحلف، ولا يكون غايته إثبات الكذب، بل باستعماله على أي صورة كانت بدون لزوم. وأن كل الأقسام والنذور تقيد الإنسان، سواءٌ لفظ فيها اسم الله أم لا.
    لاَ تَحْنَثْ هذه الكلمة لا توجد لفظاً بين الوصايا العشر ولا في غيرها من ألفاظ التوراة، ولكن مضمونها في لاويين ١٩: ١٢ وهو قوله «لاَ تَحْلِفُوا بِاسْمِي لِلْكَذِبِ، فَتُدَنِّسَ اسْمَ إِلهِكَ» (لاويين ١٩: ١٢). هذا يتضمن النهي عن الحنث، وهو الخلف في اليمين.
    بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ هذا مأخوذ معنىً من العدد ٢٠: ٢ والتثنية ٢٣: ٢٣. فاليهود فسروا هذه الأوامر بطريقة أضاعت معناها وقوتها، لزعمهم أن نكث القسم أو النذر الذي لم يُذكر فيه اسم الله ليس حراماً.
    ٣٤ «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا ٱلْبَتَّةَ، لاَ بِٱلسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ ٱللّٰهِ».
    متّى ٢٣: ١٦، ١٨، ٢٢ ويعقوب ٥: ١٢ إشعياء ٦٦: ١
    ذكر المسيح بعض أمثال ينهى بها عن كل الأقسام غير اللازمة.
    لاَ تَحْلِفُوا ٱلْبَتَّة ذلك من جهة أمورنا الشخصية والعامة، فلا تمس واجباتنا للحكومة، فالمحاكم تضطر لكثرة الحنث بين الناس أن تطلب القسَم الشرعي واسطةً لإظهار الحق. فلا ينهي المسيح عن مثل هذه الأقسام، بل عن المستعملة في المحادثات العادية لغير مقتضى.
    ويظهر أنه لم يرد بقوله الأقسام الشرعية مما أتاه هو وأتاه الرسل بعده وأتاه الله نفسه (متّى ٣٦: ٦٣، ٦٤ ورومية ١: ٩ وغلاطية ١: ٢٠ و١كورنثوس ١٥: ٣١ وعبرانيين ٦: ١٣ - ١٧ و٧: ٢١). فإن تلك الأقسام أُمر بها في خروج ٢٢: ١١ ولاويين ٥: ١وعدد ٥: ١٩ وتثنية ٢٩: ١٢، ١٤. والمسيح لم يأت لينقض الشريعة الموسوية.
    فمن واجبات المسيحي عندما يؤمر بالقسم شرعاً أن يقسم بكل وقار، لا ليجبر نفسه على الكلام بالصدق بل ليقنع الآخرين أنه يصدق.
    لاَ بِٱلسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ ٱللّٰه الحلف بالسماء هو كالحلف بالله ذاته، لأن السماء مقامه ومحل عرشه، فلذلك يرتبط الإنسان بهذا القسَم كما يرتبط بقسمه باسم الجلالة.
    ٣٥ «وَلاَ بِٱلأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيمِ».
    مزمور ٤٨: ٢ و٨٧: ٣
    لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ جاء في إشعياء «هكذا قال الرب: السماوات كرسيي والأرض موطئ قدميَّ» (إشعياء ٦٦: ١). فمن يحلف بالأرض فكأنه حلف بالله، لأن علاقتها به تجعل الحلف ذا قيمة. وسُميت موطئ قدميه لأنها له، ولأنها حقيرة بالنسبة إلى عظمته.
    وَلاَ بِأُورُشَلِيم كانت عادة اليهود أن يصلّوا متجهين نحو تلك المدينة (١ملوك ٨: ٣٨، ٤٢، ٤٤ ودانيال ٦: ١٠). وهي عادة قديمة (لم يأمرهم الله بها). فكان لتلك المدينة الوقار الزائد في القَسَم.
    مَدِينَةُ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيم كانت مركز الهيكل وعاصمة يهوه ملك الشعب المقدس. فنسبتها إليه جعلت للحلف بها معنىً ووقاراً (مزمور ٤٦: ٤ و٤٨: ١، ٢، ٨٧: ٣).
    ٣٦ «وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ».
    بِرَأْسِك لا يجوز القسم بالرأس وإن لم يذكر الله شيئاً من أمره.
    لأَنَّكَ لاَ تَقْدِر الذي يحلف برأسه يدَّعي السلطان عليه، وهو لله وحده. فلا حق لنا أن نحلف بما هو له. والحلف بالحياة كالحلف بالرأس لأن الله مصدر الحياة. فإذا حلفنا بها كأننا حلفنا به. ولا يقدر إنسان أن يخلق شعرة واحدة أو أن يغير لونها بمجرد قوة الإرادة، لأن هذا عمل الله وحده. وما قيل عن الرأس يقال عن اللحية والذقن والأولاد وغير ذلك، مما اعتادت العامة أن تحلف به.
    ٣٧ «بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذٰلِكَ فَهُوَ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ».
    كولوسي ٤: ٦ ويعقوب ٥: ١٢
    لم ينهَ المسيح عن الأقسام الباطلة، بل نهى عن رفع كل دعوى إلى الله بغير لزوم. فيجب أن نستعمل كلماتنا البسيطة: نعم ولا، كأننا ننطق بهما أمام الله، ونعتبرهما كأعظم الأقسام. فالمقصود أن يكون كلامنا بلا أقسام. فإن أراد الإنسان أن يزيد على قوله «نعم» لم يجُز له سوى تكرارها. والأقسام في أمور صغيرة خطايا كبيرة. فيجب أن نكون دائماً صادقين حتى يثق بنا الناس بدون قَسَم. وكل إنسان ملزم بأن يصدق بقوله سواء أحلف أم لم يحلف.
    وما زاد على ذلك فهو من الشرير: إما لأن ذلك مضاد للشريعة الأخلاقية، أو لأن المحرك إليه الشيطان مصدر الشر (رومية ١٢: ٩ و١تسالونيكي ٥: ٢٢ ويوحنا ٨: ٤٤ و١يوحنا ٢: ١٣، ١٤ و٣: ٧، ١٢ و٥: ١٨). ولولا شيوع الكذب في العالم لم تكن حاجة إلى الأقسام الشرعية. فلا يجوز استعمالها إلا دفعاً للشر الأعظم، كما يجوز القتل محاماةً عن الحياة. والمسيحيون بالحق لا يحتاجون إلى الأقسام أبداً. فمتّى زال الخداع والكذب من العالم تزول الأقسام أيضاً. ونستنتج من قول المسيح هذا أن من يتلفظ بالأقسام باطلاً يدل على شر قلبه. فيجب أن لا نثق بصدق من يخاطبنا بناءً على أنه يثبت كلامه بكثرة الأقسام، لأن الذي يخالف الوصية الثالثة لا يصعب عليه أن يخالف التاسعة. ولا ريب في أن الإنسان كثير الأقسام يغضب الله ويجلب على نفسه العقاب.
    ٣٨ «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ».
    خروج ٢١: ٢٤ ولاويين ٢٤: ٢٠ وتثنية ١٩: ٢١
    هنا أمر خامس يقارن فيه المسيح تعليمه بتعليم الكتبة والفريسيين، وهو الانتقام. فالمسيح ينهى عن ذلك لأن اليهود احتجوا على جوازه (بما قيل في خروج ٢١: ٢٤ ولاويين ٢٤: ٢٠ وتثنية ١٩: ٢١). قالوا إن الشريعة سمحت لهم أن ينتقموا ممن آذاهم، بشرط ألا يزيدوا على القصاص المعين في الشريعة.
    وشريعة الانتقام هذه هي قانون للحاكم لإجراء العدل بين الناس عموماً، وغايتها ردع الشخص عن أن ينتقم لنفسه. كما أنها لا ترخص لجماعة من الناس ذلك، ولكنها تعلن للحاكم الذي تجبره وظيفته أن يعاقب المجرمين.
    ٣٩ «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا ٱلشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ ٱلآخَرَ أَيْضاً».
    أمثال ٢٠: ٢٢ و٢٤: ٢٩ ولوقا ٦: ٢٩ ورومية ١٢: ١٧، ١٩ و١كورنثوس ٦: ٧ وإشعياء ٥٠: ٦ ومراثي إرميا ٣: ٣
    وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ قوله هنا لا يناقض أن الشريعة قانون للحاكم، بل يناقض سوء استعمالها كحجة للانتقام الشخصي.
    لاَ تُقَاوِمُوا ٱلشَّرَّ إننا مسؤولون أن نترفع عن مقاومة الشر بالشر. والشر هنا ليس شراً أخلاقياً بل شخصياً. فمعنى هذا العدد والعددين التاليين أنه يجب علينا أن نحتمل الأذى والإهانة.
    لَطَمَك هذا مثل على الأذى الشخصي، فخيرٌ لك أن تحول الخد الثاني لمَن لطمك مِن أن تنتقم لنفسك، أو أن تربي في قلبك جراثيم الغضب والانتقام. فاترك النقمة لله وللحكام.
    ولكن يجب أن لا يُفهم من ذلك تحريم المحاماة عن أنفسنا لأن ذلك يرخص للأردياء أن يفعلوا حسب شهواتهم، ويجعل المظلوم فريسة الظالم. فالمسيح ذاته لم يحتمل الشر بل قاومه بلسانه (يوحنا ١٨: ٢٢، ٢٣) وهكذا فعل بولس (أعمال ٢٣: ٢، ٣) وهكذا فعل الرسل (كولوسي ٤: ٩ - ١٣). وخلاصة ما أراده المسيح تنبأ به إشعياء من أمر المسيح نفسه، وهو قوله «بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ، وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ» (إشعياء ٥٠: ٦). فاستعمل المسيح كلامه هنا كما استعمله في ع ٢٩، ٣٠ ليجعله مؤثراً في السامعين، لا ليؤخذ بالمعنى الحرفي. لأنه كما أننا لا نقلع العين ولا نقطع اليد حرفياً، لا يترتب من ذلك أنه يجب على الإنسان أن يسلم للآخرين أن يسلبوه ويضربوه ولا يعارضهم. وأبلغ من ذلك أنه يدعو الظالم إلى أن يزيد على ظلمه ظلماً. كيف لا، والشريعة الطبيعية وسائر الشرائع الإلهية والبشرية تسمح للإنسان أن يحامي عن شخصه وعن عائلته عندما تكون حياته أو حياتهم في خطر.
    فالمسيح يعلمنا هنا مبدأً جوهرياً، وهو أن أفضل طريق لمقاومة شر العالم ليس المدافعة القوية، بل احتماله بالحكمة المسيحية. فإن من يحتمل الظلم إكراماً للمسيح ولأجل غايات روحية يُظهر القوة الحقيقية لا الجبن والضعف. وأما الذي يبادر إلى الانتقام ممن تعدى عليه، والسريع الغضب ومحب الخصام والغيور في طلب كل حقوقه، فروحه مغاير لروح المسيح، ويمدحه العالم لا المسيح، بخلاف ذاك الذي يحتمل الإهانة بالصبر لأجل اسم المسيح، فإنه سيجازى بإكرام أبدي.
    ٤٠ «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَٱتْرُكْ لَهُ ٱلرِّدَاءَ أَيْضاً».
    هذا هو دستور تصرفك عندما يريد أحد أن يؤذيك بالمحاكمة لدى أرباب الحكومة، ويجتهد في أن يسلب منك كل ما لك حتى الثوب الذي عليك. فخير لنا أننا نترك لخصمنا الثوب الذي تحرم الشريعة أخذه لأنه غطاء الفقير في الليل (خروج ٢٢: ٢٦، ٢٧) من أن نربي في قلوبنا الغضب عليه والانتقام منه. والمسيح ينهى عن مخاصمة الآخرين لدى الحكومة عندما تكون الغاية من ذلك الانتقام لا إظهار الحق (١كورنثوس ٦: ٧). فالمسألة هنا عن الخسارة المالية لا عن الديانة أو الحياة. فيجوز رفع الدعاوى إلى الحكومة عندما يكون الأمر مهماً والوسائط الأخرى لا تجدينا نفعاً في الحصول على حقوقنا، بشرط أن نرفعها بغية الإنصاف، وأن نرتضي بالمصالحة على شروط معتدلة. وخيرٌ لنا أن نخسر ما لنا من أن نخسر نفوسنا لعدم محبتنا.
    ٤١ «وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَٱذْهَبْ مَعَهُ ٱثْنَيْنِ».
    مرقس ١٥: ٢١
    أورد المسيح هنا مثلاً ثالثاً للأحوال التي يُفضَّل فيها أن يحتمل الإنسان الظلم على المحاماة عن حقه بروح الغضب والانتقام. فعوضاً عن أن نرفض الذهاب مع إنسان ميلاً واحداً بروح الغضب والانتقام، نذهب معه ميلين، محتملين ضعف المشقة. وإذا كان طلب الذهاب من الحكومة وجب التسليم به بالرضى.
    مِيلاً الميل الروماني يساوي ٢١٠٠ ذراعاً، أو مسافة نحو ثلث ساعة مشياً.
    ٤٢ «مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ».
    لوقا ٦: ٣٠، ٣٥
    يجب أن يكون هذا دستور تصرفنا حين يلح أحد علينا، لأن ذلك وإن كان من أقل مهيجات الغضب إن طال وتكرر أزعج وكدَّر.
    مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ يُشار هنا إلى العطايا المجانية. فمهما أعطى الإنسان فهو أفضل من الرفض بروح الغضب.
    أَنْ يَقْتَرِض يحتمل أن تكون الإشارة هنا إلى القرض المطلوب بلجاجة زائدة ونحن لا نريد أن نقرض. فالمسيح يقول إنه خير لنا أن نقرض من أن نرفض ذلك بروح الغضب.
    ومن المعلوم أنه لا يراد السير على هذه السنن حرفياً وأبداً. فإن المسيح وعد في يوحنا ١٤: ١٤ قائلاً «ان سألتم شيئاً باسمي فإني أفعله». ولكن بما أننا لا نعرف ما هو الأفضل لنا، لا يعطينا كل ما نطلبه. فإن أعطينا مجنوناً سيفاً، أو مخادعاً صدقةً ينفقها على المسكرات، آذيناه وآذينا أنفسنا. فصدقاتنا وقروضنا يجب أن تكون متناسبة مع قدراتنا، ومع خير من يسألنا. وأحياناً يكون امتناعنا عن العطاء أفضل معروف للمقترض أو المستعطي. وكثيراً ما نخطئ في الصدقة، فنعطي من هو قادر على العمل، فنشجعه على الكسل (٢تسالونيكي ٣: ١٠). ولكن من الأفضل أن نعطي غير المستحقين بعض الأحيان من أن نطرد محتاجاً حقيقياً. وما أحسن أن يعتاد الإنسان العطاء، لكن يجب أن ننظر مع ذلك إلى ما علينا لعائلاتنا (١تيموثاوس ٥: ٨)، وما علينا للكنيسة.
    وأول من يستحق الصدقة الأرامل واليتامى والعمي والعرج والمرضى (عبرانيين ١٣: ٢ ومتّى ٢٥: ٣٥، ٤٥). وإن احتاج أخ أو صديق لنا وجب أن نقرضه إذا أمكننا ذلك، مع إتمام سائر الواجبات المالية. ومن قواعد الحكمة أن لا يقرض الإنسان أكثر مما يطيق أن يخسره.
    ٤٣ «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ».
    لاويين ١٩: ١٨ وتثنية ٢٣: ٦ ومزمور ٤١: ١٠
    هذه القضية السادسة التي فيها يأمر المسيح فيها بأكثر من بر الكتبة والفريسيين. وهي مختصر القول «لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ» (لاويين ١٩: ١٨). فكانت الغاية من وضع هذه الوصية أن يحب اليهود بعضهم بعضاً، لقوله «أبناء شعبك». فالفريسيون نظراً لسكوت الوصية عن واجباتهم للأمم استنتجوا وجوب أن يعتبروهم أعداء الله وأعداءهم.
    قَرِيبَكَ حسب تعليم الفريسيين هو «أحد اليهود» وحسب تعليم المسيح أي شخص قريب منك. فمحبة القريب وصية الله، وبغض العدو نتيجة استنتجها الفريسيون.
    وَتُبْغِضُ عَدُوَّك هذه قاعدة أضافها الفريسيون إلى الشريعة، فهي ليست من الأوامر الإلهية. على أن الفريسيين لم يأمروا ببغض الأمم صريحاً، بل حصروا الوصية في محبة اليهود. فكأنهم أباحوا أن يبغضوا الأمم. ويحتمل أن اليهود استنتجوا ذلك من أمر الله لهم بقتل الكنعانيين، ولكن هذا البغض مخالف لروح العهد القديم (انظر خروج ٢٣: ٤، ٥ وأمثال ٣٤: ١٧، ١٨ و٢٥: ٢١).
    ٤٤ «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ».
    لوقا ٦: ٢٧، ٣٥ ورومية ١٢: ١٤، ٢٠ ولوقا ٢٣: ٣٤ وأعمال ٧: ٦٠ و١كورنثوس ٤: ١٢، ١٣ و١بطرس ٢: ٢٣ و٣: ٩
    وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ يقول هذا دفعاً للنتيجة الفاسدة التي أضافها الفريسيون إلى شريعة المحبة. فتعليم المسيح هو أن شريعة المحبة التي حصروها في أمتهم تعم جميع الناس حتى الأعداء.
    أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُم يجب علينا حسب هذا الأمر أن لا نحب الغرباء فقط، بل الذين يشتموننا ويضطهدوننا أيضاً، لأن به يزيد البر المسيحي على بر الكتبة والفريسيين. والمحبة المطلوبة هنا ليست المحبة لصفات الله والصالحين، ولا محبة عداوة أعدائنا وشتائمهم واضطهادهم، لكنها محبة أشخاصهم التي تحملنا على أن نطلب نفعهم ونشفق عليهم لجهالتهم، ونكلمهم باللطف، ونكافئ شرهم بالخير، ونعينهم وقت الضيق، ونسعى في خيرهم الزمني والأبدي. وهذا أفضل برهان على صحة الدين المسيحي مع أنه أصعب جميع واجباته. لأننا عندما نحب أعداءنا نماثل الله الذي أحبنا ونحن أعداؤه.
    بَارِكُوا أي لا تقتصروا على الشعور بالحنو عليهم، بل أظهروه قولاً وفعلاً. والصلاة وكلمات اللطف وأعمال المحبة أفضل سلاح للمسيحي في دفع الظلم. فيجب أن نكلمهم باللطف في حضورهم، ونذكرهم بالحسنى في غيبتهم، فنمدحهم على ما يستحقون المدح به، ونسكت عما يوجب الذم لهم. فلا نسأل كيف عاملنا العدو لنعامله بالمثل، بل كيف يريد الله أن نعامله.
    يُسِيئُون أي الذين يضرونكم أو يؤذونكم قولاً أو فعلاً. والله يقدِّرنا على المغفرة للذين يسيئون إلينا. وأحسن واسطة إلى ذلك الصوم.
    ٤٥ «لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى ٱلأَشْرَارِ وَٱلصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى ٱلأَبْرَارِ وَٱلظَّالِمِينَ».
    أيوب ٢٥: ٣
    لِكَيْ تَكُونُوا هذا برهان النبوة لا سببها.
    أَبْنَاءَ أَبِيكُم نظهر أننا أبناؤه إن شابهناه في الرأفة وعمل الخير لجميع الناس، لأن الابن يقتدي طبعاً بأبيه. فنثبت بنوَّتنا أن تمثلنا به في نفع الجميع، بغضّ النظر عن أهليتنا، لأننا لا نقدر أن نشابهه في القوة ولا في الحكمة، فذلك أمر عندما حاول الإنسان الحصول عليه سقط من طهارته (تكوين ٣: ٥) ولكن عندما نجتهد في أن نكون مثله في المحبة نقرب منه (أفسس ٥: ١).
    لو لم يحبنا الله ونحن أعداؤه ما صرنا أبناءه، ولكن إن ادَّعينا أنا أولاده ونحن غير مشتبِّهين به نفقد كل حقوقنا. فامتياز أولاد الله على من سواهم يظهر في محبتهم وطول أناتهم والشفقة على غيرهم.
    فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ لم يقتصر الله على أن يمنح ضوء الشمس وفائدة الأمطار للصالحين، بل كذلك للأشرار. ولذلك لا يجوز أن نقصر محبتنا على الذين يستحقونها، بل يجب أن نحب الجميع.
    اختار المسيح ضوء الشمس والمطر في بيان جود أبيه ومحبته، لأنهما على كل أسباب الحياة والنعمة في هذه الدنيا، ولأن نفعهما ظاهر للجميع. فمعاملة الله لأعدائه في مسامحتهم وطلب خيرهم يجب أن يكون نموذجاً لشعورنا وعملنا ومعاملتنا لأعدائنا، لأنه ليس لله إلا عدو واحد يبغضه وهو الخطية. ولا يجوز أن يكون لنا عدو غيرها. ولو سار الناس بموجب قاعدة المسيح هذه لارتفع عنهم جانب عظيم من المشقات من العدوات والحروب والخصومات.
    ٤٦ «لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ ٱلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذٰلِكَ؟».
    لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ ذكر المسيح فيما سبق أن الموجب الأول لمحبتنا للناس هو مَثَل الآب السماوي، ويذكر هنا الموجب الثاني لمعاملة الناس بعضهم لبعض. فالعشارون الذين حُسبوا عند السامعين أردأ الجميع يشعرون بالمحبة لأصدقائهم وأنسبائهم ويعاملونهم بمقتضاها. فكم بالحري يجب أن تكون محبة المسيحي أعظم اتساعاً حتى تعم أعداءه كما أوصانا المسيح!
    فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أعني أي حق لكم في المدح والثواب على ذلك من الله؟ وهذا الاستفهام استنكاري، أي لا حق لكم! لأن الذي ليس له إلا فضائل الوثني والعشار لا حقَّ له أن ينتظر إلا ثوابهما.
    ٱلْعَشَّارُون هم جباة الضرائب، ويُضرب بهم المثل في دناءة الاسم والمقام بين الناس. كانوا يجمعون الجباية للرومان من اليهود، فأبغضهم اليهود لأنهم حسبوهم آلات لإجراء العبودية الأجنبية الوثنية، ولأنهم كانوا يأخذون من الناس أكثر مما عليهم. فبذلك كانوا مختلسين. ولم يكن يقبل هذه الوظيفة إلا أدنى الناس حتى حُسبت شريرة بذاتها. وعُدَّ العشارون والخطاة أشقى الناس.
    فإن كان المسيحيون لا يعملون أكثر من هؤلاء العشارين، يكونون قد قصروا في واجباتهم، لأن دائرة أخلاق الذين تمثلوا بهم كانت ضيقة جداً. أما الفريسيون فلم يطلبوا بتعليمهم زيادة على ذلك.
    فمضمون السؤالين في هذه الآية هو أن الذين يحبون محبيهم فقط ليس لهم أجر عند المسيح، لأنه يعتبرهم كما يعتبر العشارين. وتكلم عليهم كذلك جرياً على عادة الناس في أمرهم.
    إن مكافآت المحبة عدلٌ بشري. والمحبة للذين يبغضوننا هي محبة إلهية. وأما بُغض الذين يحبوننا فهو عملٌ شيطاني.
    ٤٧ «وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ ٱلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هٰكَذَا؟».
    إن سلمتم: معنى هذه الآية كالآية السابقة، فلا تخالفها إلا بتغيير ألفاظها. فذكر فيها لفظ «سلمتم» بدلاً من «أحببتم». والسلام إحدى طرق إظهار الاعتبار والمحبة. وقد كرر المسيح ذلك المعنى بهذا اللفظ لأن اليهود كانوا لا يسلمون على الأمم، لأنهم لو سلَّموا عليهم لاعتبروهم من إخوتهم.
    إِنْ سَلَّمْتُمْ أي اليهود، بني جنسكم.
    أَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أي ماذا تصنعون أكثر مما يفعله أشقى الناس؟ فهل يجوز أن يكتفي تلاميذ المسيح بأن يتمثلوا بهؤلاء؟ لا! لأن المسيح ينتظر منهم أكثر مما ينتظر من غيرهم، فقد فعل لأجلهم أكثر مما فعل لغيرهم، ولأن لهم من النور والمعرفة أعظم مما للغير.
    أَلَيْسَ ٱلْعَشَّارُونَ أَيْضاً؟ يجب أن تكون محبة تلاميذ المسيح لغيرهم أشدَّ من محبة جماعة حُسبت شر الناس عند العامة والخاصة. لا بل ينتظر منا أن نحب أعداءنا كما يحب العشارون أحباءهم.
    ٤٨ «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ».
    تكوين ١٧: ١ ولاويين ١١: ٤٤ و١٩: ٢ ولوقا ٦: ٣٦ وكولوسي ١: ٢٨ و٤: ١٢ ويعقوب ١: ٤ و١بطرس ١: ١٥، ١٦ وأفسس ٥: ١
    رجع المسيح في ختام كلامه عن وجوب المحبة للغير إلى المثل الذي أورده في ع ٤٥. فلم يَدْعُنا إلى الاقتداء بأفضل الناس، بل أمرنا بأن نقتدي بأبينا السماوي، الإله الكامل الذي محبته الكاملة تشمل أعداءهُ حتى جعلته يطلب فداءهم (رومية ٥: ٨، ٩). فإن كنا غير كاملين الآن يجب أن نجعل الكمال غايتنا، عالمين أننا كلما تمثلنا به في المحبة دنونا من الكمال. وعدم استطاعتنا أن نبلغ الكمال لا يسوغ لنا أن نكف عن الاجتهاد في سبيل الحصول عليه. قال بولس «لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ» (فيلبي ٣: ١٢).
    ولا يُفهم من هذا أنه يمكن لأحدٍ أن يبلغ الكمال في هذه الحياة، إنما يبين لنا الشيء الذي يجب أن نجتهد فيه، وماذا يجب أن تكون غايتنا الأخلاقية.
    كَامِلِين (١بطرس ١: ١٦) يجب أن تكون مبادئ حياتنا وكل غايتنا كمبادئ الله وغاياته، أي نكون نظيره في الطهارة الداخلية والمحبة والقداسة. ويسوع المسيح وحده المعلم العظيم يقدر أن يعلمنا أن نكون كاملين لأنه تجسد لكي يشخِّص كمال الله أمام الناس في حياته وموته.

  2. #2
    الأصحاح السادس

    ١ «اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ ٱلنَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
    تثنية ٢٤: ١٣ ومزمور ١١٢: ٩ ودانيال ٤: ٢٧ و٢كورنثوس ٩: ٩، ١٠
    قارن المسيح في الأصحاح السابق البر الحقيقي ببر الكتبة والفريسيين من جهة بعض المبادئ الأخلاقية العظيمة، وأخذ هنا في مقارنة كيفية عبادتهم بكيفية العبادة التي يطلبها الله من جهة الصدقة والصلاة والصوم.
    اِحْتَرِزُوا إشارة إلى وجود خطر الضلال من سوء تعليم الكتبة والفريسيين وعملهم، وإلى ضرورة إجراء أعمال العبادة حسب العادة. فالخطية التي يحذر تلاميذه منها هي الرياء الذي يدنس أخلاق الإنسان، ويهلك نفسه. ومحبة المدح من الناس تدخل القلب خفية، وتوقع الإنسان في خطر شديد، فتصير أول غايات حياته، وهو لا يشعر بذلك.
    قُدَّامَ ٱلنَّاسِ بغية أن يروا صدقتكم ويمدحوكم عليها. لأنه يجب أن لا نعمل شيئاً من أعمالنا الدينية لننال مجداً من الناس. نعم قد يحدث أنهم يرونها صدفةً، أو أنها تُصنع أمامهم عمداً (متّى ٥: ١٦). ولكن لا يجوز أن يكون قصدنا أن نريهم ما نعمله.
    وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ هذا نتيجة قوله «احترزوا» لأنه لا ينتظر بركة إلهية ولا مجازاة من الله ولا خير للنفس من العبادة التي غايتها المدح من الناس والتباهي.
    عِنْدَ أَبِيكُم أعني في قصده. فلا شيء مكنوز عنده لكم. لأن غاية هذه العبادة ليست إكرامه. فلا يُعتبر من يقدمها مستحقاً شيئاً من ذلك.
    ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَات تمييزاً عن الوالدين البشريين.
    ٢ «فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِٱلْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ ٱلْمُرَاؤُونَ فِي ٱلْمَجَامِعِ وَفِي ٱلأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ ٱلنَّاسِ. ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ».
    فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً صُنع الصدقات واجب على كل إنسان يقول إنه يعبد الله.
    فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِٱلْبُوقِ ليس المقصود أن الفريسيين كانوا يصوتون ببوق حقيقة عندما كانوا يوزعون إحساناتهم، بل أراد توبيخهم على خطية إعطاء الصدقة بقصد الافتخار والتظاهر بالكرم. فكأنه قال: لا تعطِ صدقة وأنت كقائد جيش ذاهب للحرب، أو كملك أمام شعبه يتقدمه بوق ينبِّه الناس إليه.
    ٱلْمُرَاؤُونَ المدَّعون بفضيلة ليست فيهم، والمتظاهرون بخلاف ما في قلوبهم، كأن صنيعهم ناتج عن محبة الفقير، ولا أثر للمحبة فيهم. ولا شك أن المسيح أراد بكلامه هذا الكتبة والفريسيين وإن لم يذكر اسمهم. ولا بد أن السامعين عرفوا أن هذا اللقب يصدق عليهم.
    فِي ٱلْمَجَامِعِ أماكن العبادة (انظر الشرح متّى ٤: ٢٣) حيث تكثر الشهود الذين ينظرون تقواهم الظاهرة.
    وَفِي ٱلأَزِقَّةِ حيث يكثر الناس فتكون الفرصة مناسبة لإظهار كرمهم. ففي الموضعين (المجمع أو الزقاق) يجتمع الناس للعبادة أو للأعمال، علينا أن ننتبه فلا نكن مرائين.
    لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ ٱلنَّاسِ ليتعجب الناس منهم ويمدحوا سخاءهم. فهذه الغاية الفاسدة المقصودة بصدقتهم جعلتها بلا فائدة عند الله ومكروهة في عينيه.
    قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ نالوا كل ما يمكن أن ينالوه، وليس لهم حق أن ينتظروا شيئاً بعد، لأن أجرهم مجد الناس الزائل. طلبوه فلا يأخذون غيره. وبما أنهم لم يطلبوا المجد الذي من الله وحده لم يمنحهم إياه.
    وفي هذا العدد والعدد ٥، ٢٣، ٢٩، ٣٦، ٣٩ يستعمل المسيح صيغة المفرد بدلاً من صيغة الجمع ليوجه كلامه إلى كل فرد.
    ٣ «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ».
    فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُك مَثَلٌ يُضرب في إخفاء أمر. ولا يمكن أن نتصور كتمان سر أشد من هذا، وهو أن عضواً من أعضاء الإنسان لا يشعر بحركة غيره من الأعضاء. ويستعمل المسيح هذا المثل ليشير إلى وجوب اجتناب الشهرة في ممارسة واجباتنا الدينية، وليس لينهى المسيحي عن أن يشترك علانية في فعل الخير عندما يكون قصده أن يجعل نوره يضيء قدام الناس، ليتمجد الله. ولا لينهى عن طبع عطايا الجمعيات الخيرية في الجرائد. إنما ينهى عن التباهي بتلك الواجبات بقصد نوال المجد من الناس، وعن لذة الفخر بما فعلناه من الصدقة بقصد نوال المدح الذاتي. فيجب أن نجتهد في أن ننسى ذلك كما نسيه الصالحون الذين ذكرهم بقوله «فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟» (متّى ٢٥: ٣٧).
    ٤ «لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً».
    لوقا ١٤: ١٤
    لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي ٱلْخَفَاءِ فتتميز عن صدقة الكتبة والفريسيين. فاصنعها لله طوعاً لأمره لترضيه وتنال بركته.
    فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يرى ما صُنع في الخفاء كما يرى ما صُنع جهاراً. فيجب أن نتذكر في كل خدمة دينية أن الله يفحص القلب ويعلم كل شيء ويعرف غاياتنا في كل أعمالنا. وهو لا ينظر إلى مكانة المعطي بل إلى روحه. فليست الفضيلة بالعمل الخارجي، بل بالدافع وراء هذا العمل. فالله ينظر إلى أعمالنا الصالحة بقدر ما نخفيها عن الناس.
    يُجَازِيك (تكوين ١٥: ١ وعبرانيين ١١: ٦). يجازي الله على فعل الخير وإنكار الذات في إخفاء العمل عن نظر الناس وعن مدحهم. على أن أفضل أعمالنا لا تستحق المجازاة. لكن الله في رحمته وتنازله يرضى أن يجازينا عليها، فتكون المجازاة من النعمة لا من الاستحقاق.
    عَلاَنِيَةً أي يوم الدين أمام الملائكة والناس، إن لم يكن قبل ذلك، لأنه أحياناً يجازي في هذه الحياة بمنحه النجاح في الأمور الدنيوية فإنه «مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ، وَعَنْ مَعْرُوفِهِ يُجَازِيهِ» (أمثال ١٩: ١٧) وهو يجازي العبد الصالح دائماً بأن يجعل ضميره يمدحه.
    ملحوظة: في بعض النسخ لا توجد كلمة «علانية». وربما زيدت ليكسب الكلام قوة أكثر.
    ٥ «وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَٱلْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي ٱلْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا ٱلشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ».
    وَمَتَى صَلَّيْتَ لم يأمر المسيح بالصلاة هنا، بل حسب ذلك أمراً مسلماً به عند تلاميذه، ليس طاعةً لأمره الصريح، ولا لأن الصلاة واسطة لازمة للنمو الروحي، بل كأمر ينتج من حياة النفس الجديدة، كالتنفس من الحياة العادية. وجعل قانون الصدقة المذكور آنفاً قانوناً للصلاة أيضاً. أي أننا نقصد بها أن يسمعنا الله لا الناس. ومن صلى بخلاف هذا القانون يُظهر إنه مراءٍ يتظاهر بأنه يعبد الله بغية رضاه، وغايته بالحقيقة هي مدح الناس.
    فَلاَ تَكُنْ كَٱلْمُرَائِينَ ينهى المسيح تلاميذه عن أن يشابهوا المرائين أو الكتبة والفريسيين، وينتظر منهم أن لا يشابهوهم.
    فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ أي أنهم يسرون بالمجاهرة في الصلاة أمام الناس. وقول المسيح هذا يتضمن أنهم لا يمارسون الصلاة الانفرادية البتة، ولا يحبون الصلاة إلا لأنها واسطة تظاهرهم بالتقوى أمام الناس.
    فِي ٱلْمَجَامِع لا يذكرها المسيح كأنها ليست أماكن موافقة للعبادة، فإنها بُنيَت لهذه الغاية، بل لأنهم قصدوها لتراهم الجموع هناك، لا ليعبدوا الله فيها.
    فِي زَوَايَا ٱلشَّوَارِعِ لأنها أكثر مناسبة للاشتهار. فالذين يختارون مثل هذه الأماكن للصلاة يظهرون أن غايتهم مدح الناس لا رضى الله. وقوله «قائمين» لا يدل على زيادة الرياء، لأن الوقوف كان من عادة اليهود وهم يصلون. وأمر واضح أن المسيح لا ينتقد هيئة الساجدين، ولا مكان الصلاة، بل روح الساجدين في هذه الأماكن وغايتهم.
    لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاس يعبدون الله ليُخبروا الآخرين بعبادتهم، فيمدحهم الناس. وهذا كل همهم بدلاً من أن يسعوا لرضا الله عنهم.
    ٦ «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَٱدْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً».
    ملاخي ٤: ٣٣
    فَمَتَى صَلَّيْت يبين المسيح لنا الطريق التي بها يقدم المسيحي الحقيقي الصلاة المقبولة.
    فَٱدْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ بدلاً من الصلاة قدام الناس لينظروك ادخُل إلى موضع الانفراد. «مخدعك» أي المكان المختص بك أو تحت مطلق تصرفك. فالصلاة على انفراد تعين الإنسان على ضبط أفكاره، وتمكنه من التعبير عنها.
    وَأَغْلِقْ بَابَكَ ليس المقصود أن هذه الأعمال الخارجية ضرورية للصلاة المقبولة، بل المقصود هو الانفراد التام. فالغاية من غلق الباب منع دخول العالم إلى أفكارنا. وخلاصة الأمر وغايته هو أن نجتمع مع الله وحدنا فيمكن أن يكون ذلك في الحقل كما صلى إسحاق (تكوين ٢٤: ٦٣) أو تحت تينة كصلاة نثنائيل (يوحنا ١: ٥٠) أو على السطح كصلاة بطرس (أعمال ١٤: ٩) أو على الجبل كما فعل المسيح (مرقس ٢: ٤٦ ويوحنا ٦: ٥) أو في جثسيماني (لوقا ٢٢: ٤١). وأما ما جاء في لوقا ١٨: ١٠ فيظهر فيه أن الهيكل للفريسي كزوايا الشوارع، وللعشار كمخدعه.
    وجود مكان معين للانفراد في الصلاة يساعدنا كثيراً على تقديم صلواتنا بالصواب.
    وَصَلِّ إِلَى أَبِيك ليسمع صلاتك لا ليراك الناس.
    فِي ٱلْخَفَاءِ أي في السر فلا يراك أحد من الناس.
    فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يظهر من هذه الكلمات أن المسيح يتكلم عن الصلاة الانفرادية لا العائلية والجمهورية اللتين لا بد منهما، وقد أمر بهما. يرى الله ما لا يقدر أن يراه الإنسان. يرى غايات الإنسان الحقيقية في الصلاة وأشواق قلبه.
    يُجَازِيك الجزاء (كما في ع ٤) نعمة لا استحقاق. وهو قبول الصلاة ونوال الطلب إن كان يؤول إلى مجد الله وخيرنا.
    عَلاَنِيَة أي أمام الناس في العالم، وأمام الملائكة والناس في العالم الآتي.
    لا يذكر المسيح عدد المرات التي يجب أن يصليها تلاميذه كل يوم، لئلا تصير عبادتهم طقسية، بل ترك ذلك بدون تعيين لتكون صلواتهم اختيارية ناتجة عن محبتهم له وشعورهم باحتياجهم إليه. ولم يأمرنا بإطالة الصلاة. فيجب أن يكون طولها وقصرها حسب مقتضى الحال، والاحتياج، والشعور، والواجبات.
    ٧ «وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا ٱلْكَلاَمَ بَاطِلاً كَٱلأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَـهُمْ».
    جامعة ٥: ٣ و١ملوك ١٨: ٦٦ و٣٩ وأمثال ١٠: ١٩ وجامعة ١٠: ١٤
    بعدما حذر المسيح تلاميذه من ضلال الكتبة والفريسيين في الصلاة، معلناً لهم وجوب أن تقدم لله لا لمدح الناس، يحذرهم من العادات الوثنية في الصلاة الباطلة. ولعله نقله الكلام من المفرد إلى الجمع لأنه قصد أن يتكلم عن الصلاة الجمهورية، لأنه كان يشير به إلى الصلاة الانفرادية.
    لاَ تُكَرِّرُوا ٱلْكَلاَم في الكتاب المقدس مثلان من عادة الأمم في تكرير الصلاة: (١) ١ملوك ١٨: ٢٦ حيث صرخ كهنة البعل من الصبح إلى الظهر قائلين «يا بعل اسمع! يا بعل اسمع!». و(٢) أعمال ١٩: ٣٤ حيث صرخ الأفسسيون عبدة أرطاميس مدة ساعتين «عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين». فقد تمثل معلمو اليهود بالوثنيين حتى قيل إنهم اعتادوا أن يقف الواحد منهم ثلاث ساعات متوالية كل يوم يصلي مكرراً طلباته أكثر الوقت.
    بَاطِلاً لا يلوم المسيح التكرار، بل التكرار الباطل، أي الكلمات التي تقال تكراراً وبلا فكر. فيجوز لنا أن نكرر طلباتنا إن فعلنا ذلك من غيرتنا في الصلاة ولجاجتنا بالاحترام. ومثال ذلك في صلاة المسيح في جثسيماني وصلاة الأرملة (لوقا ١٩: ١ - ٨) والكنيسة لأجل بطرس (أعمال ١٢: ٥).
    لم ينه المسيح عن كثرة الصلاة بل عن كثرة الكلام، فإنه هو عينه قضى الليل كله في الصلاة. فلا ننتظر إجابة صلواتنا بداعي طولها وكثرة كلامها، لأنه مهما كانت جيدة بذاتها ان قُدمت بلا فكر وبلا شوق فليست إلا تكريراً باطلاً.
    َإِنَّهُمْ يَظُنُّون بُنيت هذه العادة الفاسدة على زعم الناس أن الصلاة طلسم سحري، لا خدمة القلب العقلية، وأنها بحد ذاتها تنفع من يقدمها، ولا سيما إذا كُررت. فدخلت هذه الضلالة في الكنيسة المسيحية في القرون الأولى، كأن غاية الصلاة تغيير أفكار الله، أو إخباره بشيء يجهله.
    ٨ «فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ».
    فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ لأن تكرار الكلمات في الصلاة عادة وثنية مبنية على أوهام.
    لأَنَّ أَبَاكُمْ يذكرهم المسيح بعلاقتهم البنوية بالله، فهو يحبهم ويشفق عليهم ويطلب خيرهم كوالد، لأنه «كما يترأف الآب على البنين يترأف الرب على خائفيه» (مزمور ١٠٣: ١٣).
    يَعْلَمُ نتجت تلك العادة الباطلة من زعمهم أن الله لا يعلم احتياجاتنا إلا بواسطة تكرار طلباتنا دائماً. فليس للمسيحي حجة الوثني الذي جهل أن الله بكل شيء عليم، لأنه أعلن للمسيحي أنه يعرف كل شيء وأنه «قَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ» (أفسس ٣: ٢٠).
    قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ إن كانت غاية صلاتنا أن نخبره بما يجهله فلا حاجة إليها، ولا حاجة إلى تكرارها مرات عديدة لهذه الغاية. ولم يقصد المسيح هنا أن يعلمنا كل شيء يتعلق بالصلاة، لأن ذلك موضَّح في أماكن أخرى من الكتاب المقدس، وإنما قصد أن يحذرنا من الضلالة في الصلاة.
    وما أعظم التعزية من أن الله يعلم احتياجاتنا أحسن ما نعبر عنها بطلباتنا الضعيفة. ولكن معرفة الله بها لا تغني عن الصلاة. لأن الشرط لنوال أكثر بركاتنا هو أن نطلبها. قال المسيح «إن أباكم يعلم احتياجاتكم قبل أن تصلوا» ولم يقل «انه يمنحكم ما تحتاجون إليه بدون أن تصلوا». فنصلي عبادةً لله، لا لنخبره بأشياء لأنه هو يعلم كل شيء.
    بُنيت مواعيد الله على شرط أن نسألها . فطلباتنا تظهر شعورنا باحتياجاتنا وثقتنا به، ولذلك يسرُّ الله بها (حزقيال ٣٦: ٣٧) وهي تؤهلنا لقبول البركة، فبناءً عليه هي لائقة بالله ولازمة لنا. ولنا أدلة على أنها شرط لنوال البركة (انظر متّى ١٨: ١٩ و٢١: ٢٢ ولوقا ١١: ١٣ ويوحنا ١٤: ١٣ وعبرانيين ٤: ١٦).
    ٩ «فَصَلُّوا أَنْتُمْ هٰكَذَا: أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ».
    لوقا ١١: ٢ الخ
    لم يكتف المسيح بتحذيرنا من الضلالات في الصلاة، فقدَّم لنا مثالاً للصلاة مختصراً بسيطاً شاملاً موافقاً بدء ملكوته الجديد، ليقينا سائر الضلالات في ذلك. ولهذا لم يذكر فيه نفسه أو عمله الخاص. ويجب أن نعتبر هذا المثال وهو «الصلاة الربانية» نموذجاً في تقديم صلواتنا، لا قانوناً مرتباً للصلاة لنستعمله في كل الأحوال والأوقات. ولم يُذكر أن المسيح نفسه استعملها، ولم نقف في أعمال الرسل والرسائل على أدنى إشارة إليها كأنها قانون استعماله ضروري في العبادة. فالمسيح علمنا كيف نصلي، ولم يعلمنا ماذا نصلي. نعم إن استعمالها أمر لائق بنا ونافع لنا كثيراً في عبادتنا انفرادية والجمهورية، ولكن لسنا مقيدين بذلك.
    أعطانا الرب صورة الصلاة هذه علامة لاستجابته لها، لأن الملك الذي يعطي رعاياه صورة ما يقبله يُظهر بذلك استعداده لإجابة ما يلتمسون بها.
    وتشتمل هذه الصلاة على مقدمة وست طلبات وخاتمة. فالطلبات الثلاث الأولى تختص بالله، باسمه وملكوته ومشيئته. والثلاث الأخيرة بما نحتاج إليه نحن من الخبز اليومي، ومغفرة الخطايا، والحماية من التجربة والشر.
    أَبَانَا تعلمنا هذه الكلمة لمن وحده يجب أن تكون الصلاة، وبأي علاقة نقترب إليه. وقد تسمى الله بهذا الاسم في العهد القديم (إشعياء ١: ٢ و٦٣: ١٦ وملاخي ١: ٦) ولكنه لم يُعلم تمام العلم كأب إلا بعد مجيء المسيح. فالله أبٌ لجميع الناس، بمعنى أنه خالقهم وحافظهم ينعم عليهم ويريد خيرهم، لكنه أب روحي بمعنى خاص للمؤمنين الذين دخلوا في البنوة له بواسطة إيمانهم (كولوسي ١: ٢٠ - ٢٢) فمحبته لهم محبة خاصة (رومية ٨: ١٤ وغلاطية ٣: ١٦ و١يوحنا ٣: ١).
    فتعليم أبوة الله من أمجاد الإنجيل والديانة المسيحية، ولا أثر له إلا في الكتاب المقدس والكتب المبنية عليه، وقد أوضحه المسيح توضيحاً لم يعهده بشر قبل تعليمه.
    ولنا في ذلك جراءة على أن نقترب إليه بالصلاة، وتأكيد أنه قادر ومستعد أن يعيننا. ومن قوله «أبانا» لا «أبي» نستنتج أنه يجب علينا أن نذكر غيرنا في صلواتنا، سواء صلينا معهم أم كنا منفردين. ويعلمنا أيضاً علاقتنا بإخوتنا المؤمنين، فنحن وإياهم أعضاء متحدون في المسيح، نكوِّن جسداً واحداً وعائلة واحدة. ويجب على كل مؤمن أن يشارك الكل في الأحزان والأفراح. وليس لأحدٍ حق دون غيره أن يدعو الله أباه، ولكن سُمح له أن يستعمل هذا الاسم كما يستعمله غيره من إخوته، نعمةً من الله.
    ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ مسكن الملائكة والقديسين حيث يُظهر الله حضوره ومجده بأكثر وضوح. وكنيته «أبانا» تقربنا إليه وتحقق لنا عنايته ومحبته. وقوله «في السماوات» يرقي شأنه في أفكارنا ويجعله موقراً عندنا. وبهذا الفرق العظيم بين الأبوة الإلهية والأبوة البشرية، فإنه ليس كوالد أرضي ضعيف ومحتاج. وهذا القول يصرف أفكارنا عن الدنيا والأمور الأرضية في الصلاة إلى السماء، ويذكرنا أن هناك أبانا ووطننا وميراثنا.
    يعلمنا الكتاب أن الله في كل مكان، وأنه يملأ الكون (مزمور ١٣٩: ٧ - ١٠) ومع ذلك يعبر عنه كملك عظيم كرسي مجده في السماء، وذلك ليبيِّنه إلهاً حقيقي الوجود. ووصف الله بالآب يختلف مع أفكار الوثنيين الذين آلهتهم مصنوعة من الخشب والحجر وموضوعة أمامهم، ويختلف مع أفكار الباطنيين القائلين إن الله مجرد روح الكون.
    لِيَتَقَدَّسِ هذه هي الطلبة الأولى، ومعناها ليُعتبر قدوساً، ويعرفه الجميع موقراً ومرتفعاً فوق كل خلائقه.
    وبدء هذه الصلاة (التي هي قاعدة كل صلواتنا) بالطلبة التي مآلها أن يتمجد الله يعلمنا أن ذلك هو الغاية العظيمة التي يجب أن نطلبها أولاً في صلواتنا، لأن كل ما يختص بنا ثانوي. ولكننا في وقت الضعف والاحتياج نسرع إلى الطلبات الشخصية أولاً.
    ٱسْمُكَ رأى البعض هذا إشارة إلى مجرد اسمه «يهوه» الدال على كونه أزلياً واجب الوجود، وأنه قد دخل في عهدٍ مع الإنسان. وفهم آخرون بالاسم كل ما يعلن به الله ذاته. وقال آخرون إن معناه الله ذاته، أو صفاته كما هي معلومة عندنا بواسطة خليقته وكلامه. ومهما كان معناه فهو لا يتمجد على الأرض إلا بواسطة المسيح.
    وفي هذه الطلبة نسأل أن يعرف الناس في كل مكان الإله الحقيقي، وكل صفاته المجيدة، ويعبدوه حق العبادة ويمجدوه حق المجد. وهذا كان موضوع صلوات المسيح بدليل قوله «أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ!. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا!» (يوحنا ١٢: ٢٨). ويمكننا أن نقدس اسم الله بقلوبنا وشفاهنا وتصرفنا.
    ١٠ «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي ٱلسَّمَاءِ كَذٰلِكَ عَلَى ٱلأَرْضِ».
    لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ هذه الطلبة الثانية. والمقصود بالملكوت ملكوت المسيح، ملكوت النعمة الذي نادى المخلص بأنه قد اقترب ولكنه لم يصل بعد. قد أتى بعض الإتيان إذ أخذ محل النظام الموسوي نظام الرموز والإشارات، ولم يأت تماماً بانتصاره على ملكوت الظلمة وملاشاته إياه. وقد أُجيبت هذه الطلبة في كل عصر نجح فيه الإنجيل وغلب أهل الضلال. وستُجاب تماماً عندما يأتي الملك يسوع ثانيةً. فتتضمن خيرات خاصة وخيرات عامة، لأن خير العالم متعلق بمجيء ملكوت المسيح. ومن أول واجباتنا أن نرغب في تقدم هذا الملكوت في العالم، ونصلي ونتعب لأجل ذلك.
    لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ أي مشيئة الله كما هي معلنة في أوامره وأعمال عنايته، وهذه الطلبة تعلمنا أن يكون خضوعنا لمشيئة الله اختيارياً وبسرور. وهذا يتضمن فقط الخضوع فعلاً لمشيئة الله، وميل نفوسنا إلى إتمام مشيئته لا مشيئتنا. فمشيئته المعلنة في أوامره يجب أن تكون دستور أعمال كل خلائقه.
    وفي هذه الطلبة نسأل الله أن يقدرنا نحن وجميع الناس أن نعمل كل ما يريده ويأمر به، وأن الجميع يعرفون تلك المشيئة ويقبلونها ويطيعونها بلا ريب أو تذمر. وإنما يطلب المسيحيون هذه الطلبة لأنهم تيقنوا أن مشيئته عادلة ومحبة. فلتكن مشيئة الله، لا مشيئة الشيطان (يوحنا ٨: ٤٤) ولا مشيئة الناس (١بطرس ٤: ٢).
    كَمَا فِي ٱلسَّمَاء كما هي عند سكان السماء الملائكة الأطهار. فإذا تممت مشيئة الله كما في السماء صارت الأرض كالسماء. فتعلمنا هذه العبارة أن يجب أن لا نكتفي بأن نتمم واجباتنا كما يتممها بقية الناس، بل أن نتممها كل التتميم كالملائكة في السماء، بالطاعة السريعة والسرور.
    كَذٰلِكَ عَلَى ٱلأَرْض أي عند سكان الأرض، بتركهم الخطية، وطاعتهم لأوامر الله بنفي الظلم والسرقة والكذب والقتل والسكر والنجاسة ومحبة الذات والبغض، وإدخال البر والسلام والحق والرحمة والمحبة إليها.
    ١١ «خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا ٱلْيَوْمَ».
    أيوب ٢٣: ١٢ ومزمور ١٠٤: ١٧، ٢٨ وأمثال ٣٠: ٨
    خُبْزَنَا كَفَافَنَا هذا هي الطلبة الرابعة، وهي بدء القسم الثاني الذي فيه نطلب البركات لذواتنا. والمقصود بها سد احتياجاتنا الجسدية، لأن الخبز قوام الحياة. والمقصود «بخبزنا كفافنا» ما يكفينا لأجل قوت أجسادنا.
    ولأن الخبز من ألزم المواد التي يتألف منها طعامنا، عبَّر به عن كل لوازم أجسادنا، فهي تعبر عن احتياجاتنا، وتعلمنا أنه يجب أن نطلب كفافنا من الخيرات الجسدية، أي الضروري لنا. ولا نهتم بلذات الجسد وفخر هذه الحياة (١تيموثاوس ٦: ٨) فإن كان لنا قوت وكسوة فلنكتفِ بهما.
    فهذه طلبة الحاجات الجسدية الضرورية كلها، فالخبز عبارة عن الكل. ولو كان القصد من الطلبة الخبز الروحاني لأُضيف إليها كل ما يدل على ذلك (كما في يوحنا ٦: ٢٧ - ٥٨) فإنه يُسمى هناك «خبز السماء» و «الخبز الحقيقي» و «خبز الحياة». ولكن ذكر احتياجات أجسادنا يقودنا طبعاً إلى أن نفتكر باحتياجات نفوسنا أيضاً ونصلي لأجلها.
    وفي تقديم هذه الطلبة إقرار باتكالنا على الله في كل شيء، فهو يجعل تعبنا مثمراً وعملنا ناجحاً ويمنحنا أصدقاء لإعانتنا، ويعطينا القوة والحكمة والصحة التي بها نقدر أن نحصل على خيرات هذه الحياة ونتمتع بها.
    ٱلْيَوْم أي قدر ما نحتاج إليه يوماً بعد يوم، مكتفين بالقوت اليومي، تاركين المستقبل في يد الله. فعلينا أن نصلي كل يوم شاعرين على الدوام باحتياجنا إلى الله وبالشكر له، قابلين كل بركاته كأنها من يده ليدنا، وكالمن الذي سقط من السماء كل يوم. وتنهى هذه الطلبة عن الاهتمام الزائد بالمستقبل واشتهاء الترف لأنه لا يمنحه الله لنا.
    ١٢ «وَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا».
    متّى ١٨: ٢١ الخ
    َٱغْفِرْ هذه هي الطلبة الخامسة، وهي طلبة أعظم وألزم البركات الروحية. وتدل المغفرة على إزالة الخطية من قلب المسيء وقلب المُساء إليه. والرمز لذلك في العهد القديم إطلاق تيس عزازيل في البرية (لاويين ١٦: ٢١، ٢٢). فكأننا نطلب إلى الله بها أن لا يعاقبنا على خطايانا، ولا يسمح بأن تلحقنا نتائجها وكل ثقتنا بإجابتها مبنية على عمل المسيح وآلامه.
    ذُنُوبَنَا خطايانا الكثيرة العظيمة ديون علينا نعجز عن أن نوفيها. والعدل صارخ إلى الله يطلب عقابنا. وقد أمرنا المسيح بتقديم هذه الطلبة مع أنه يعرف أن مغفرة الخطية لا تكون إلا بطاعته وموته.
    ويجب علينا جميعاً أن نقدم هذه الطلبة لأن فيها اعترافاً بالخطايا، وإقراراً باحتياجنا إلى الغفران. ونحن جميعنا خطاة محتاجون دائماً إلى ذلك. فينبغي أن نطلب كل يوم كما نطلب احتياجاتنا الجسدية كذلك.
    وخطايا المؤمن وإن كانت بسيطة، لا يجوز التغاضي عنها، وإلا أصبحت خطراً جسيماً. ونحتاج إلى الغفران بسبب تعدياتنا على شريعة الله، وبسبب قصورنا عن إتمام واجباتنا له ولعبيده.
    كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ الخ لا على قدر ما نغفر، ولكن على مثاله. وليس لأن مغفرتنا للآخرين تجعلنا مستحقي المغفرة من الله، بل لأن إرادته أن الذين يلتمسونها يجب أن يكونوا مستعدين أن يمنحوها.
    ومن الواضح أنه ليس من باب اللياقة أن نطلب لذواتنا ما نرفض أن نمنحه غيرنا، ولا سيما حين تكون خطايانا إلى الله أعظم جداً من كل الخطايا التي يمكن الناس أن يخطئوا بها إلينا. فيجب علينا أن نرحم إخوتنا الذين أغاظونا كما نريد أن يرحمنا الله ونحن خاطئون إليه.
    ومغفرتنا لمن أساءوا إلينا لا ترفع خطيتهم عنهم، ولكنها تزيل من قلوبنا الغضب والحقد وروح الانتقام منهم، وتبعدنا عن أن نعاقبهم.
    ١٣ « وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لٰكِنْ نَجِّنَا مِنَ ٱلشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ ٱلْمُلْكَ، وَٱلْقُوَّةَ، وَٱلْمَجْدَ، إِلَى ٱلأَبَدِ. آمِينَ».
    متّى ٢٦: ٤١ ولوقا ٢٢: ٤٠، ٤٦ و١كورنثوس ١٠: ١٣ ويعقوب ١: ١٣ و٢بطرس ٢: ٩ ورؤيا ٣: ١٠ ويوحنا ١٧: ١٥ و١أخبار ٢٩: ١١
    هذه الطلبة السادسة، وهي طلبة الحماية من الخطية في المستقبل ومن نتائجها.
    لاَ تُدْخِلْنَا أي لا تسمح أن نقع في التجربة، أو لا تسمح أن يقودنا إليها الناس أو الشيطان، أو لا تدعنا في أحوال فيها فرص للخطية أو مهيجات إليها. وإذا وقعنا في أحوال كهذه فأعطنا نعمة لنقاوم التجربة ونغلبها. وتتضمن أيضاً أن يحفظنا الله من ميول قلوبنا الشريرة التي تجعلنا معرضين للسقوط في التجربة ومن الفخاخ التي ينصبها إبليس ليصطاد بها نفوسنا.
    تَجْرِبَةٍ هي امتحان أخلاقي للإنسان عندما يُعرض عليه أن يختار بين الخطية والطاعة. فليست مجرد مصائب وضيقات، بل مصائب تقترن بها فرصة وخطر الوقوع في الخطية. وقد تعني في لغة العامة «الإغراء بالخطية». ولكن ذلك مستحيل في جانب الله «لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا (بالشرور)» (يعقوب ١: ١٣). لكن امتحان الله لطاعتنا أمرٌ محتمل، فإنه امتحن إبراهيم (تكوين ٢٢: ١).
    لٰكِنْ نَجِّنَا أي انتشلنا من الشر، ولا تتركنا نقاومه وحدنا، واجعلنا نجتنب كل ما يقود إلى الخطية من الناس وغيرهم.
    فمن يقدم هذه الطلبة من القلب يبتعد عن التجربة، لأنه يكون ساهراً مصلياً.
    ٱلشِّرِّيرِ أي الشيطان الذي هو أصل الخطية ومجرب الإنسان. وتتضمن هذه الطلبة أن الله قادرٌ أن يحفظنا من تجارب الشيطان، ومستعد لذلك إن سألناه.
    لأَنَّ هذه بداءة الخاتمة وفيها سبب الصلاة كلها أو سبب تقديمه لله.
    لَكَ ٱلْمُلْكَ أي لك الحق بهذا المُلك، ولك السلطة المطلقة على العالم الطبيعي والروحي.
    وَٱلْقُوَّةَ أي القوة لتستجيب هذه الطلبات. إننا ضعفاء وأما أنت فغير محدود القوة. وفي هذا شعور بقدرة الله، يقوي إيماننا في الصلاة.
    ٱلْمَجْدَ نطلب هذه الأشياء ليس لأجل مجدنا، بل من أجل مجدك الذي طلبناه في الطلبة الأولى، والذي يحق لك وحدك. وكل المجد الناتج عن إجابة صلواتنا هو لك لا لسواك.
    ٱلأَبَدِ زمان بلا نهاية.
    آمِين ليكن هكذا. أي كذا نحب ونرجو ونصلي أن يكون. واستعمال الجمهور إياها عندما يصلي أحد جهاراً نيابة عنهم يشير إلى اشتراكهم في الطلبات التي قد تقدمت. فيجب أن تكون الصلاة في لغة يفهمها العامة «وَإِلاَّ فَإِنْ بَارَكْتَ بِالرُّوحِ، فَالَّذِي يُشْغِلُ مَكَانَ الْعَامِّيِّ، كَيْفَ يَقُولُ «آمِينَ» عِنْدَ شُكْرِكَ؟ لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ مَاذَا تَقُولُ!» (١كورنثوس ١٤: ١٦).
    ١٤، ١٥ «١٤ فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضاً أَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ. ١٥ وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضاً زَلاَّتِكُمْ».
    مرقس ١١: ٢٥، ٢٦ وأفسس ٤: ٣٢ وكولوسي ٣: ١٣ ومتّى ١٨: ٣٥ ويعقوب ٢: ١٣
    إن غفرتم: هذان العددان شرح لما قيل في الطلبة الخامسة (ع ١٢) ويعلماننا أحد الاستعدادات الضرورية للصلاة المقبولة، ومنها التوبة والإيمان. فروح المغفرة للآخرين اقتداءً بالمسيح هو عربون المغفرة منه. نعم إن هذا لا يخلِّص، لكنه علامة تجديد القلب.
    وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا أي إن وُجدت في الإنسان كل الفضائل ولم يكن فيه روح المغفرة، فجميع تلك الفضائل لا تكفي أن تجعل صلاته مقبولة، لأن الصلاة المقدمة من قلب غاضب لا تُقبل أبداً. وإن لم نغفر لا يُغفر لنا، وإن متنا بدون مغفرة هلكنا. فمن لا يغفر لغيره يكون قد هدم الجسر الذي يقتضي أن يعبر عليه، لأن كل إنسان محتاج إلى المغفرة.
    لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُم بقوله «أبوكم» يعلمنا أنه مهما كانت نسبته الأبوية من التقرُّب منا والحنو علينا، لا تجعله يغض الطرف عن عدم وجود روح المغفرة في أحد بنيه.
    ١٦ «فَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَٱلْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ».
    إشعياء ٥٨: ٥
    بعدما علم المسيح ما يتعلق بالصدقة والصلاة، أخذ يذكر وجوب شيء ثالث هو الصوم، فذكر سوء ممارسة الفريسيين له وضرورة ممارسته لله لا للمدح من الناس. وقد مارس اليهود، ولا سيما الفريسيون، الصوم كثيراً (لوقا ١٨: ١٢). ومع أن موسى لم يأمر إلا بيوم واحد للصوم سنوياً، إلا أنهم زادوا على ذلك أصواماً كثيرة منها نهار الاثنين ونهار الخميس من كل أسبوع. ولما صاموا كانوا يمتنعون عن غسل وجوههم ويغيرون منظرها بوضع الرماد عليها (أستير ٤: ٣ وأيوب ٢: ٨ ومراثي إرميا ٣: ١٦ ودانيال ٩: ٣ ويونان ٣: ٦). وبما أن الرماد ولبس المسوح كانا علامة خارجية للحزن استعملها الفريسيون خداعاً.
    فَمَتَى صُمْتُمْ كأن الصوم في بعض الأوقات أمر مسلم به عنده وعند تلاميذه. فيذكر الرب سوء تصرف الفريسيين لكي يجتنبه تلاميذه.
    والصوم يساعد الإنسان على ممارسة التوبة والاتضاع والتضرع لأجل رفع الضربات عنه. وليس في العهد الجديد أمرٌ صريح به، بل تُرك لكل إنسان أن يصوم حسب ضميره. وذُكرت أمثلة الذين صاموا لنتمثل بهم حين تكون أحوالنا مثل أحوالهم.
    لاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ أي لا تظهروا كأنكم مكتئبون حزانى بخلاف عوائدكم المعتادة وانفعالاتكم الحقيقية، لكي يعرف الناس أنكم صائمون. فلا يرفض المسيح صومهم، لكن إعلانهم ذلك الصوم للناس بمنظرهم، ولا سيما تظاهرهم بحزن لا يشعرون به.
    فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُم بكآبتهم، أو عدم غسلهم إياها، أو بوضع الرماد عليها.
    لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ هذه كانت الغاية الوحيدة من شعائرهم الجسدية لينالوا مجداً من الناس، ولكن بنوالهم ذلك قد استوفوا أجرهم في الزمان الحاضر، ولم يبق شيء ينالونه في الآتي.
    ١٧، ١٨ «١٧ وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَٱدْهُنْ رَأْسَكَ وَٱغْسِلْ وَجْهَكَ، ١٨ لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِماً، بَلْ لأَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَة».
    راعوث ٣: ٣ ودانيال ١٠: ٣
    بعد الكلام على سوء تصرف الفريسيين بدأ المسيح يذكر ما ينتظر من المسيحي عندما يصوم.
    ٱدْهُنْ رَأْسَكَ لم يشر بهذا القول إلى العادات في الاحتفالات غير المعتادة، بل إلى الناس في عادات النظافة واللياقة. فالمعنى ليكون منظرك عندما تصوم كالعادة حتى لا تظهر أنك صائم.
    ومن المعلوم أن أمر المسيح بذلك لا يناسب الأماكن التي ليست فيها هذه العادات. فيجب أن نطيع روح هذا الأمر على الدوام مجتنبين الرياء والتباهي في ممارسة واجباتنا الدينية.
    وأشار المسيح هنا إلى الصوم الشخصي لا الجمهوري الذي نُدعى إليه أحياناً. وسبب وجوب إخفاء الصوم ليكون الجزاء علانية من الله، كما ذُكر في أمر الصدقة والصلاة (ع ٤، ٦).
    ١٩ «لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً عَلَى ٱلأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ ٱلسُّوسُ وَٱلصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ ٱلسَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ».
    بعدما لام المسيح الناس على التباهي والرياء في العبادة، أخذ يوبخ على الطمع والبخل، ويعلن الطريق الفضلى.
    لاَ تَكْنِزُوا لم يقصد المسيح أن يمنع تلاميذه عن جمع الأموال، لأن كثيراً من الأعمال يقتضي رأس مال وافراً. ويحق للإنسان لا بل يجب عليه أن يجمع شيئاً لوقت المرض والشيخوخة وللإحسان.
    كُنُوزاً تطلق هذه الكلمة على كل مشتهيات الإنسان وما هو أكبر أهميةً عنده. فيكون المعنى: لا تكتفوا بالكنز الأرضي، ولا تجمعوا لمجرد الخير الدنيوي.
    عَلَى ٱلأَرْض لتتمتعوا بالراحة الجسدية وسعة العيش، لتكونوا مثار إعجاب للناس، أو لتنالوا بواسطة ما تجمعونه سطوة واحتراماً. والخطية هنا كامنة في هدف الإنسان. فلا يخطئ من يجمع مالاً لخير الآخرين ومجد الله. وليس اقتناء المال خطية، بل محبته التي يتعرَّض لها الفقير والغني، ويمكن أن يسقط فيها المفلس والغني.
    ولا يجوز أن نطلب المال بنفس الاجتهاد الذي به نطلب خلاص نفوسنا، ولا نطلبه طلباً يؤول إلى إهمال النفوس وضررها، آملين نوال السعادة بواسطته.
    فالخطية التي يحذرنا المسيح منها هي الخطية التي نحن في خطر عظيم للسقوط فيها. فكثيرون خسروا نفوسهم بسبب محبة المال، لأن التجربة إليها قوية. ولا خطأ على الإنسان في الاعتناء بالعمل والاقتصاد في المصروف والحكمة في النظر إلى المستقبل. ولكن يجب عليه أن يسهر ويصلي لكيلا يقع في هذه التجربة، فإن القلب عندما يرى أكثر الناس الذين حوله منهمكين بجمع الكنوز الأرضية يميل إليها.
    حَيْثُ يُفْسِدُ ٱلسُّوسُ وَٱلصَّدَأُ أحد أسباب عدم جمع الكنوز الأرضية هو أنها فانية، ويُحتمل أن تؤخذ منا، لأن الكنوز التي كان يكنزها الناس قديماً كانت ثياباً نفيسة ومعادن ثمينة قابلة الفقدان السريع، إما لأسباب داخلية كالسوس والصدأ، أو خارجية كاللصوص.
    يَنْقُبُ ٱلسَّارِقُون هذا إذا كانت البيوت مبنية من الطوب النيء (أيوب ٤: ١٩) أو من الحجارة الصغيرة بدون كلس ورمل، فيسهل على اللص أن ينقب الحائط أو السقف ويتناول الكنز. ويذكر المسيح هنا أسباب الخسارة، ويحذرنا من تعلق نفوسنا بهذه الكنوز لأنها تحت خطر الفقدان. فلماذا نخاطر بأنفسنا لنقبض على أمور زائلة؟
    ٢٠ «بَلِ ٱكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً فِي ٱلسَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ».
    متّى ١٩: ٢١ ولوقا ١٢: ٣٣، ٣٤ و١٨: ٢٢ و١تيموثاوس ٦: ١٩ و١بطرس ١: ٤.
    جعل الله فينا ميلاً إلى جمع المال لغاية مفيدة وهي أن نكنز لنا كنزاً في السماء. ومن أهم واجباتنا أن نهيئ ما نحتاج إليه للمستقبل الأبدي، لكيلا تذهب نفوسنا من هذا العالم ولا يكون لنا حظ في كنوز السماء. ولا بد أن المسيح قصد المؤمنين الحقيقيين بهذا الكلام، لأنه لا يدخل السماء غيرهم ومن لا يدخلها كيف يكنز له كنزاً هناك.
    ٱكْنِزُوا لَكُمْ لا يستطيع أحد أن يكنز كنزاً في السماء لأجل غيره، بل كل إنسان يكنز لنفسه. وخير لنا أن نكنز لنفوسنا في السماء من أن نكنز لذريتنا هنا. وكنزنا في السماء يتم بعمل الخير إكراماً للمسيح (متّى ٢٥: ٤٠) وبالتعب في خلاص نفوس غيرنا (يعقوب ٥: ١٩، ٢٠ و١تيموثاوس ٦: ١٨) وبالنمو في النعمة (٢بطرس ١: ٥ - ١١) وبالاتكال على الله وتسليم ذواتنا له وإنكارها لمجده وخير العالم (يعقوب ٢: ١٥).
    كُنُوزاً فِي ٱلسَّمَاء أي مجازاة روحية، مُنعَم علينا بها، آمنة من الفناء والسرقة، لأن واهبها وحافظها الله. وذلك نصيب ورثة الله والوارثين مع يسوع (١بطرس ١: ٤) ويُقال إنها في السماء لتمتاز عما يحرزه الإنسان في هذا العالم من الثروة والشرف والسطوة واللذات. ومعرفة المؤمن أنه يمكن أن يجمع كنزاً في السماء يجعله يبذل جهده في إعداد ما يؤول إلى سعادته في دهور الأبدية غير المحدودة، ساعياً في نوال ذلك الغرض السامي.
    ٢١ «لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضاً».
    ذكر المسيح هنا سبباً ثانياً لعدم جمع الكنوز الأرضية، وهو الضرر الناتج منها للقلب الذي منه مخارج الحياة (أمثال ٤: ٢٣). ونتيجة جمع كنزنا هنا على الأرض أن تكون أهواؤنا وميولنا أرضية، لأنه إن كان كنزنا في السماء فأشواقنا وميول قلوبنا تتجه إلى هناك. وما يحبه الإنسان أكثر من كل شيء هو إلهه. ومن المستحيل أن يجمع الإنسان كنوزاً في السماء والأرض معاً، لأن القلب لا ينقسم بين المكانين. فنصيب النفس الخالدة الوحيد الحقيقي هو الله، لأنها خُلقت لأجله، ولا تكون سعيدة إلا إذا حصلت عليه. فهو كنزنا، وأعظم سعادتنا تكون بمعرفتنا إياه ومحبته لنا. ونستطيع أن نعرف أين كنزنا في السماء أم على الأرض من معرفتنا بأي الكنزين نهتم أكثر ونرغب في تحصيله ونخشى فقده.
    ٢٢ «سِرَاجُ ٱلْجَسَدِ هُوَ ٱلْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّراً».
    لوقا ١١: ٣٤، ٣٦
    سِرَاجُ ٱلْجَسَدِ هُوَ ٱلْعَيْنُ يدخل النور الجسد بواسطة العين فتنتفع به كل الأعضاء. وبالعين يكتسب الإنسان أكثر معرفته بالأمور الخارجية، وبدونها يبقى الجسد كله في ظلمة. فإذاً خير الجسد موقوف على صحة العين التي هي بمثابة الضمير للنفس. فكما يحتاج الجسد إلى جلاء البصر لإرشاده ومنفعته، تحتاج النفس إلى نقاوة القلب لترى ترى الله كما هو، والأشياء كما هي، وترى الحق والأمور السماوية والعلاقة الحقيقية بين الأمور الزائلة والأبدية.
    بَسِيطَة أي صافية قادرة أن ترى ما حولها كما هو حقيقة. والنفس البسيطة هي التي أنارتها كلمة الله والروح القدس. فمن كانت عينه بسيطة بهذا المعنى الروحي يجب أن ينظر إلى الله ويتكل عليه وحده ويحبه فوق كل شيء، ويتأمل في الأمور الإلهية «فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ» (كولوسي ٣: ١). «أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ» (في ٣: ١٣). «نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ» (عبرانيين ١٢: ٢).
    نَيِّرا أي لديه كل المنفعة الناتجة من النور والبصر، فتمتد الفائدة إلى الجسد كله، أي إلى الرأس واليد والرِّجل إلخ. فمتّى كانت عين النفس صحيحة يدرك العقل المعرفة الحقيقية، وتشعر العواطف بالانفعالات الروحية، ويكون الإيمان قوياً وطيداً، وتهتدي الأفكار والأعمال إلى طريق الصواب.
    ٢٣ «وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً، فَإِنْ كَانَ ٱلنُّورُ ٱلَّذِي فِيكَ ظَلاَماً فَٱلظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ».
    شِرِّيرَةً هي العين التي ترى الأمور مزدوجةً أو ملتوية، أو التي لا يدخلها نور كافٍ لتميز ما تراه بوضوح. وحالة العين الشريرة مصابة بمرضٍ أصاب النفس، فجعلها تركز النظر في الكنوز الأرضية. وكما يشك الإنسان الضعيف البصر في الطريق التي يسير فيها، ويتعرض للأخطار بسبب ذلك، يشك صاحب العين والقلب غير البسيط، ويتعرض للمخاطر الروحية.
    فَإِنْ كَانَ ٱلنُّورُ ٱلَّذِي فِيكَ ظَلاَماً أي إن كان ما قُصد به أن يكون نيراً قد صار ظلاماً، فما أشد الظلام الذي تمكث النفس فيه، لأن الضمير الميت لا يأتيه نور السماء، فتبقى النفس في ظلام حالك مقطوعة الرجاء. فهذا كلام مرعب بشأن النفس الباقية في الخطية، فإنها عمياء. ولا عمى مخيف كعمى القلب، لأنه إذا عميت عين الجسد يحترس صاحبها من خطر السقوط. وأما عميان القلوب فيجهلون حالهم ويندفعون إلى الهلاك. وبقدر ما تفوق النفس الجسد قيمةً، يكون عمى القلب أردأ من عمى الجسد. وسبب عمى القلب انصرافه عن الله إلى العالم والكنوز الدنيوية، فبذلك تفقد نفسه قوة البصر فيعيش الإنسان في الظلام إلى الأبد.
    فَٱلظَّلاَمُ كَمْ يَكُون إذا سُدَّت أمام الإنسان الطريق الوحيدة لدخول النور إليه، فكم يكون ظلامه دامساً! وإذا فسدت آراؤه من جهة الله والحق وغاية حياته وكانت ديانته كاذبة، فما أشد ظلامه وأعظم الخطر عليه من الضلالة والهلاك!
    وصاحب القلب الأعمى لا يكترث بالحق، ويعيش في الجهالة والأوهام والكفر. فميول الإنسان وشهواته تحتاج إلى نور الضمير لهدايتها. فإن فقدت هذه الهداية فما أرهب الخراب الناتج عن فقدانها!
    وهذا ما حدث في تاريخ اليهود والوثنيين. والنتيجة من كل ذلك هي أن يكون قلب الإنسان وكنزه في السماء. فإن انقسم القلب بين المكانين نتج عن ذلك عماه، ووقع في خطر، وأصابه ما يصيب الجسد عندما تنظر العين كل شيء مزدوجاً، أو يغشيها غشاءٌ آخر.
    ٢٤ «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ ٱلْوَاحِدَ وَيُحِبَّ ٱلآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ ٱلْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ ٱلآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا ٱللّٰهَ وَٱلْمَال».
    لوقا ١٧: ١٣ ، غلاطية ١: ١٠ و١تيموثاوس ٧: ١٧ ويعقوب ٤: ٤ و١يوحنا ٢: ١٥
    لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ مستحيل أن يكون للإنسان كنزان في عالمين، ولا أن يخدم سيدين هما الله والمال. فالإنسان يرغب في خدمة العالم للحصول على اللذة في الحاضر، وفي خدمة الله للأمن في المستقبل. ولكن من المستحيل أن يخدم الاثنين، لأنهما ضدان، بينهما حرب لا تتوقَّف أبداً، وما يأمر به الواحد ينهى عنه الآخر، وكلٌ منهما يطلب خدمة تامة دائمة لا يشاركه غيره فيها. وليس للإنسان إلا قلب واحد، وخدمة سيدين تستلزم وجود قلبين. وقد أعلن الله أنه لا يقبل خدمة جزئية مشتركة، إذ محبة العالم عداوة له. قال المسيح «إن لم تترك كل شيء وتتبعني لا تقدر أن تكون تلميذي». والمسيح يطلب عبداً يخدم خدمة دائمة تشغل كل قوى النفس والجسد. «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟» (رومية ٦: ١٦). فإن خدمنا الله جعلناه غايتنا الأولى، وكان كنزنا في السماء. وإن خدمنا العالم كانت غايتنا أن نكنز كنزاً على الأرض.
    وجمع المال لا يمنعنا من خدمة الله، بل المانع هو وضع قلوبنا عليه، وجعلنا اكتسابه غايتنا العظمى.
    لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ إلخ بسبب اختلاف صفات هذين السيدين، من الضروري أن الذي يحب الواحد يكره الآخر، وإذا رأى أنه منجذب نحو الواحد يرى أنه مدفوع بعيداً عن الآخر. وكل إنسان يجب أن يختار من يخدم من هذين السيدين ويتبعه، لأن التنحي عن كليهما مستحيل. فعدم اختيار الله إنما هو اختيار العالم.
    ٱلْمَال شخَّص الخير العالمي كأنه إلهٌ يدَّعي السيادة على قلوب الناس كالله.
    ٢٥ «لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ ٱلْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ ٱلطَّعَامِ، وَٱلْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ ٱللِّبَاسِ؟».
    مزمور ٥٥: ٢٢ ولوقا ١٢: ٢٢، ٢٣ وفيلبي ٤: ٦ و١بطرس ٥: ٧
    تتحدث بقية هذا الأصحاح عن نتائج طاعة الأمر المذكور في ع ٢٤، أي خدمة الله دون العالم.
    أَقُولُ لَكُمْ متكلماً بسلطة المعلم والإله، ناصحاً لكم بما هو لخيركم.
    لاَ تَهْتَمُّوا أي لا تقلقوا أكثر من الواجب باحتياجاتكم الجسدية، لأنه ربما تظنون أنكم بخدمتكم لله وترككم العالم تخاطرون بأسباب معيشتكم وتعرضون ذواتكم للعوز والضيقة. ولكني أقول: ألقوا عنكم هذه الهموم واتكلوا على الله غير خائفين من هموم المستقبل والتدبير والاجتهاد. وهو يمنع الهمَّ الزائد وعدم الثقة بالله (فيلبي ٤: ٦ ولوقا ٨: ١٤ و٢١: ٣٤). فالسبب الأول لعدم الهمّ هو أن ما نهتم به زهيد.
    لِحَيَاتِكُمْ أي للوازم حياتكم واحتياجاتكم هنا في هذا العالم.
    أَلَيْسَتِ ٱلْحَيَاةُ من المؤكد أن الله الذي منحنا هذه الحياة يعتني بها. والذي أعطانا أجسادنا لا يتركها تحتاج إلى لوازمها. فإعطاؤهُ الخير الأكبر يتضمن الأصغر، وإعطاؤه الحياة لنا يتضمن أنه قادرٌ ومستعدٌ أن يعطي لوازمها من القوت والحماية. فخلق الله الإنسان وعدٌ له أنه لا يتركه يهلك جوعاً إن كان عبداً أميناً له. واستعمل المسيح صيغة الاستفهام لأنها أقوى من مجرد التصريح بالخبر، فكأنه يستشهد عقولنا بصحة ما قال.
    ٢٦ «اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِٱلْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَ؟».
    أيوب ٣٨: ٤١ ومزمور ١٤٧: ٩ ولوقا ١٢: ٢٤ الخ
    اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ السبب الثاني لعدم اهتمامنا بالدنيويات هو ما نتعلمه من اعتناء الله بالطيور، فهو يعلمنا الثقة بأنه يعتني بنا. إنها مع كثرتها واحتياجها إلى القوت اليومي يقوتها الله بسخاء، فليست لها وسائط تدبير المعاش التي للإنسان، وإنما لها غرائزها واعتناء الله بها. ومع ذلك فهي لا تحتاج (مزمور ١٠٤: ١٠ - ١٢، ٢١، ٢٧، ٢٨) وسُميت طيور السماء لأنها تطير في الجو.
    إِنَّهَا لاَ تَزْرَع الزرع، والحصاد، والجمع إلى مخازن، هي الدرجات الثلاث في أتعاب الإنسان لتدبير معيشته، فقال المسيح إن الطيور لا تمارس هذه الأعمال لكي تدبر معاشها. والمسيح لا يمنعنا من أن نزرع أو نحصد بل يمنعنا من القلق.
    َأَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا لا يقول في الطيور إن الله أبوها، بل إنه أبوكم. فكأنه قال: إن كان خلق الله للطيور يجعله يعتني بها، فكم بالحري يهتم بالبشر، بنيه، ولا سيما بالطائعين المحبين له منهم!
    ٢٧ «وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا ٱهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعاً وَاحِدَةً؟».
    السبب الثالث لعدم القلق بخصوص الدنيويات هو عدم نفع ذلك. وصيغة الاستفهام تزيد الكلام قوة، فإن أعظم همومنا لا تأتي بأدنى نتيجة.
    قَامَتِهِ للكلمة اليونانية المترجمة «قامة» معنيان: أحدهما طول الجسد، والآخر طول الحياة. والمعنيان هنا صحيحان، فإن قلقنا لا يزيد شيئاً على طول أجسادنا أو على طول حياتنا. فلماذا نهتم بما ليس تحت تصرفنا، ولا تؤثر فيه كل همومنا شيئاً؟.
    ٢٨ «وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِٱللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ ٱلْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ».
    لِمَاذَا تَهْتَمُّون الأمر في ع ٢٥ صار هنا سؤالاً. وأورد المسيح سبباً رابعاً لعدم الاهتمام بالأمور الدنيوية، متخذاً مثلاً من المملكة النباتية، كما اتخذ في ع ٢٦ من الحيوانية. وذلك السبب هو اعتناء الله بالزهور.
    تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ ٱلْحَقْلِ أي لاحظوها ليس للتلذذ بمنظرها الحسن، ولا لتستفيدوا من تركيبها علماً، بل لتتعلموا منها أمثلة أخلاقية أشار إليها سليمان منذ عهد طويل (أمثال ٦: ٦ - ٨ و٣٠: ٢٤ - ٣١). وسُميت زنابق الحقل لأنها تنبت في البرية بدون اعتناء الإنسان بها. وهي تمتاز عن غيرها من الزهور بحسن شكلها وبهاء ألوانها.
    لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ ذكر المسيح في ع ٢٦ بعض أنواع العمل في تدبير المعيشة، وهنا ذكر بعضها في تدبير الملابس.
    ٢٩ «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا».
    وَلٰكِنْ أي مع أن الزنابق عاجزة عن تدبير ملابسها.
    وَلاَ سُلَيْمَانُ كان سليمان متميزاً في المجد والبهاء، حتى صار مثلاً بين الناس (١ملوك ١٠).
    فِي كُلِّ مَجْدِه إشارة إلى عظمته الخارجية، وثروته وملابسه الملكية، بدون نظر إلى صفاته الأخلاقية.
    كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا لا يقول إن حقلاً من هذه الأزهار أجمل وأبهج من ملابس سليمان، بل أن زنبقة واحدة تفوقه مجداً. قد اكتسى سليمان بمجد مصنوع، وأما مجد الزهرة فذاتي. وإذا وضعنا الزهرة وأفخر المنسوجات تحت النظارة المكبرة فالزهور تبقى كاملة الجمال مهما كبرت، وأما المنسوجات فتظهر خشنة ناقصة. وهذا يبين لنا جهل الذين يفتخرون بلباسهم.
    ٣٠ «فَإِنْ كَانَ عُشْبُ ٱلْحَقْلِ ٱلَّذِي يُوجَدُ ٱلْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَداً فِي ٱلتَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ ٱللّٰهُ هٰكَذَا، أَفَلَيْسَ بِٱلْحَرِيِّ جِدّاً يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَان!».
    بعد البراهين قدَّم المسيح النتيجة.
    عُشْبُ ٱلْحَقْلِ الأعشاب هي النباتات الصغيرة، تمييزاً لها عن الأشجار والنجوم لأن الأعشاب قصيرة الحياة.
    يُوجَد أي يوجد حياً نامياً زاهراً.
    ٱلْيَوْمَ وَغَداً اصطلاح يشير إلى مدَّتين قريبتين.
    يُطْرَحُ فِي ٱلتَّنُّورِ غاية هذا المثل إظهار الفرق الكلي بين مدة حياة العشب وحياة الإنسان، ليؤكد لنا أن الله الذي يكسو قصير الحياة بالجمال، لا يتغافل عمن حياته أطول وأفضل. فلا داعي للقلق، لأن الإله الذي يعتني بالطيور والأزهار هذا الاعتناء الكامل، لا بد من أن يعتني بأولاده.
    يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَان جميعنا نقع تحت هذه الدينونة. ولكن الله يعتني بالذين لا يثقون به (٢تيموثاوس ٢: ١٣). ومع أن الأمثلة التي تعلم الثقة بالله كثيرة تحيط بنا من كل جهة يومياً لا نزال نشك فيها.
    ٣١ «فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ، أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ، أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟».
    فَلاَ تَهْتَمُّوا ألقوا عنكم كل شك وخوف ومشقة وبأس من جهة احتياجاتكم الجسدية.
    مَاذَا نَأْكُلُ، أَوْ مَاذَا نَشْرَب؟ هذه هي المسائل الأولى والعظمى التي يهتم بها أكثر البشر.
    ٣٢ «فَإِنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا ٱلأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ ٱلسَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هٰذِهِ كُلِّهَا».
    تَطْلُبُهَا ٱلأُمَمُ يذكر المسيح في هذا العدد السبب الخامس لعدم الاهتمام بالدنيويات، لأن المؤمنين عندما يهتمون بالمستقبل يكونون كأنهم لا يعرفون شيئاً عن عناية الله ومحبته الأبوية وبذلك لا يختلفون عن الأمم بشيء. فكأنه قال إن الأمم لا يعرفون أن الله عالم بكل شيء ومعتنٍ بكل شيء، فلهم عُذرٌ في القلق. وأي فائدة استفدتم من معرفتكم أن الله أبوكم ومحبكم؟
    ظن بعض الأمم أن كل شيء في العالم يجري بالصدفة. وظنَّ آخرون أن كل شيء يجري بحسب المقدَّر. وقال غيرهم إن الآلهة لا تعتني بالناس، أو أنها تعتني بهم كيفما اتفق. فإذاً الشك والاهتمام في الأمور الدنيوية هما صفتان وثنيتان غير مسيحيتين.
    أَبَاكُمُ ٱلسَّمَاوِيَّ لأن الله أب فهو يحب المؤمنين كحب الوالد الأرضي لأولاده. ولكن لأنه سماوي له قوة ليست للأب الأرضي لكي يهبهم احتياجاتهم. فالسبب السادس لعدم الاهتمام الدنيوي للمستقبل هو أن الله قادر ومستعد لأن يعتني بنا.
    أَنَّكُمْ تَحْتَاجُون لنا احتياجات دائمة وديانتنا لا تطلب منا إنكار وجودها والألم بسبب عدم الحصول عليها، ولكنها تطلب منا ألا نهتم الاهتمام الزائد، لأن ذلك عبثٌ، فإن الله الذي خلقنا وأحبنا يعلمها جميعها، وهو قادر وراضٍ أن يشبعنا من خيراته.
    ٣٣ «لٰكِنِ ٱطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ وَبِرَّهُ، وَهٰذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ».
    ١ملوك ٣: ١٣ ومزمور ٣٧: ٢٥ ومرقس ١٠: ٣٠ ولوقا ١٢: ٣١ و١تيموثاوس ٤: ٨
    جاء المسيح هنا بالعلاج الشافي للدنيويات، وهو الاجتهاد في موضوع أفضل، هو لوازم نفوسنا ذات الشأن. هو لا يمنعنا عن تحصيل لوازم الحياة الجسدية بل ييسرها لنا.
    اطلبوا أولاً: أي اطلبوا أولاً الروحيات في أفكاركم وصلواتكم وأتعابكم، لأنها أعظم قيمة وأكثر أهمية. فليس المعنى أنه بعدما تكونون قد صلّيتم لأجل البركات الروحية، لكم الحرية أن تطلبوا الدنيويات. لكن يجب أن تجعلوا الروحيات غايتكم العظمى.
    ٱطْلُبُوا أَوَّلاً ذلك الملكوت الذي أتى المسيح ليشيده في هذا العالم، والذي على تلاميذه أن يطلبوا تقدُّمه وامتداده. فتخصيص ذواتنا على توسيع هذا الملكوت من أول واجباتنا.
    وَبِرَّهُ أي البر الذي يطلبه الله منا ويعتبره براً حقيقياً، لأنه مطابق لإرادته الإلهية ومثل بره. فكأنه قال: اطلبوا أن تكونوا مثل الله في القداسة والمحبة. وهذا هو المطلب الأعظم في وعظ المسيح على الجبل إذ يقارن هذا البر ببر الكتبة والفريسيين.
    وَهٰذِهِ كُلُّهَا أي لوازم هذه الحياة التي يعلم أبوكم السماوي أنكم تحتاجون إليها، ولا سيما القوت والكسوة، فهو يعد بهما كثواب للتقوى، وليس بالغنى الجزيل (مزمور ٣٧: ٢٥ وفيلبي ٤: ١١، ١٩).
    تُزَادُ لَكُم أعطى المسيح هذا الوعد الثمين ليقينا من القلق. ويجب أن يكون كافياً لذلك (رومية ٨: ٢٨ ومزمور ٨٤: ١١) وهو وعد ببركات زمنية تضاف على البركات الروحية التي طلبناها.
    ولا يمنع قول المسيح من وجوب الصلاة للحصول على البركات الزمنية، بل يمنع من أن نطلبها أولاً ونجعلها أسمى مطالبنا. وإذا ظهر لنا أحياناً أن الله لا يتمم وعده لعبيده فلا بد من أن يكون ذلك لأسباب كافية ويؤول لخيرهم كما يتضح لهم يوماً ما.
    ٣٤ «فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ ٱلْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي ٱلْيَوْمَ شَرُّهُ».
    أو بترجمة حديثة: «لأن للغد هموماً. يكفي كل يوم شروره الخاصة». هذا القول إما خلاصة ما سبق، أو إنذار حتى لا نهتم بالاحتياجات الزمنية الحاضرة، ولا المستقبلة الممكنة الحدوث.
    لاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَد أي المستقبل، لأن ذلك في يد الله ولا يعلم أحد غيره بكل ما يحدث فيه. فإنه يعرف ما ستحتاجون إليه، والمخاطر التي تأتي عليكم، ويهتم بكم. فبالإيمان به يطمئن القلب وينتفي هم المستقبل.
    لأَنَّ ٱلْغَدَ يَهْتَمُّ مع إتيان الغد تأتي الهموم والأتعاب المختصة به. فإضافة حمل الغد على حمل اليوم من باب الجهالة، إن كان لا بد من حمله في يومه.
    أفضل استعداد لإتمام واجبات الغد هو تكميل واجبات اليوم، فمن الواجب أن نتبصر في المستقبل لنعرف واجباتنا ونتجنب الخطر، ولكن تبصرنا حتى نصور في بالنا شروراً مستقبلة يتعبنا ويعطلنا عن إتمام واجباتنا الحاضرة، وهذا ناتج عن عدم ثقتنا بالله.
    يَكْفِي ٱلْيَوْمَ شَرُّهُ يأتي كل يوم بتعبه ومشقاته وهمومه. فيكفي الإنسان أن يحمل همَّ كل يوم بيومه، لأن الله يعطي قوة ونعمة لكل يوم بيومه، فلا يعطي نعمة اليوم لاحتمال حمل الغد. ويرسل الله للمشقات المستقبلة نعمة ونجاحاً في حينها. فالذي أعاننا اليوم لا يتركنا غداً. ومن منا يعرف إن كان سراج حياته سيبقى مشتعلاً إلى الغد؟ وإن بقينا أحياء إلى الغد فربما لا تأتي الشرور التي كنا نتوقع حدوثها! وإن حدثت فالله يعطي نعمة من فوق ومعونة لنحتملها.
    الأصحاح السابع


    ١ «لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا».
    لوقا ٦: ٣٧، ٣٨ ورومية ٢: ١ و١٤: ٣، ٤، ١٠، ١٣ و١كورنثوس ٤: ٣، ٥ ويعقوب ٤: ١١، ١٢
    لاَ تَدِينُوا هذا لا يعني نهي القضاة والحكام عن الحكم الشرعي (١كورنثوس ٦: ٥)، ولا نهينا عن تقييمنا وحكمنا على الأشخاص والأعمال بالعدل والحق (متّى ٧: ٢٠ ويوحنا ٧: ٢٤ و١كورنثوس ٢: و٦: ٥، و١تسالونيكي ٥: ٢١ و١يوحنا ٤: ١ ورومية ١٦: ١٧ ولكنه ينهى عن الحكم الصارم القاسي، وانتقاد عيوب الناس وتعظيمها، والحكم بسرعة بلا تروٍ وبمحاباة، والحكم الذي ليس من واجباتنا، والحكم الذي لا يقترن بالمحبة.
    كان اليهود يشددون الحكم على غيرهم من الأمم، وكان الفريسيون يحكمون على غيرهم من أمتهم أو غيرها بلا شفقة ولا محبة ولا عدل، وكانوا عمياناً عن عيوب أنفسهم، فحذَّر المسيح تلاميذه من أن يكونوا مثلهم في ذلك. وهو خطأ نقع فيه كلنا، مع أنه لا حقَّ لنا أن نحكم على غيرنا بما لا يهمنا. وإذا وجب علينا أن نحكم فلا يجب أن نفعل ذلك إلا بعد الفحص والنظر الكافي، وأن لا نعلن حكمنا بدون لزوم. وإذا حكمنا على المذنبين نحكم برحمة بأن ننظر إلى شدة التجربة التي ساقتهم إلى الذنب، ونفترض أن هنالك أحوالاً لو عُرفت لبرَّأتهم. وعلينا أن لا ننسب المقاصد الشريرة إلى من يؤدون أعمالاً صالحة، وأن لا ندين الواحد على ما نغض النظر عنه في الآخر، وأن لا نجسم هفوات الغير وعيوبهم (١كورنثوس ١٣: ٧)، وأن لا نسر بزلات الأفاضل بل نحزن عليها، وأن لا نرفع أصواتنا بذم تلك الزلات بل نسترها لأن «الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا» (١بطرس ٤: ٨)، وأن لا نحكم على غيرنا إلا ونحن نذكر نقائصنا، وأن الدينونة لله لا للإنسان.
    لِكَيْ لاَ تُدَانُوا هذا لا يعني أن الغرض من عدم دينونة غيرنا النجاة من دينونة الله لنا.
    ٢ «لأَنَّكُمْ بِٱلدَّيْنُونَةِ ٱلَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ ٱلَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ».
    مرقس ٤: ٢٤
    لأَنَّكُمْ بِٱلدَّيْنُونَةِ الخ هذا لا يعني أنه إذا حكمنا على الغير بلا عدل يحكم الله علينا ظلماً، بل معناه أنه إن شددنا الحكم على الغير شُدد علينا، فالإنسان ينال من الغير ما يعطيه لهم: محبة بمحبة، ولطفاً بلطف، وصرامة بصرامة، وتقتيراً بتقتير. وتلك الدينونة إما من الناس (تكوين ١٦: ١٢ وقضاة ١: ٧ ولوقا ٦: ٣٧، ٣٨ ومرقس ٤: ٢٤ ويعقوب ٢: ١٣) وإما من الله (٢صموئيل ٢٢: ٢٧ وإشعياء ٣٣: ١).
    وَبِالْكَيْلِ هذا مجاز مشهور في كلام الناس على الجزاء وأحكام الشريعة.
    ٣ «وَلِمَاذَا تَنْظُرُ ٱلْقَذَى ٱلَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا ٱلْخَشَبَةُ ٱلَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَـهَا؟».
    لوقا ٦: ٤١، ٤٢
    انتقل المسيح من الكلام للجمع إلى الأفراد، لينسب كل سامعٍ الخطاب إلى نفسه. وربما التفت المسيح إلى فريسي أظهر ملامح وجهه أو بكلامه الاستخفاف بتلاميذ المسيح.
    لِمَاذَا تَنْظُرُ؟ الاستفهام هنا للتوبيخ، فكأنه يقول لا سبب ولا عذر لك أن تفعل هذا. وأشار المسيح هنا إلى عادة الناس العامة، وهي أن الإنسان ينتبه لعيوب غيره ويغفل عن عيوب نفسه، فيقول: لماذا تنظر إلى عيوب غيرك وتذمه عليها وعيوبك أعظم منها؟
    ٱلْقَذَى ما يحمله الهواء من الغبار الدقيق والتبن ونحوهما، فيقع في العين. والمقصود به هنا الذنب الصغير.
    أَخِيكَ أي إنسان مثلك.
    ٱلْخَشَبَة مجازٌ ومبالغة، فيراد بالخشبة الذنب الكبير. والفرق عظيم بين القذى والخشبة، فما أقبح ذنب من يرتكب الذنوب الفظيعة وهو يدين مقترف الذنوب الصغيرة. فيجب أن يظهر لنا ذنبنا كالخشبة، وذنب الآخرين كالقذى. ويجب أن نفترض أعذاراً للغير ولا نعذر أنفسنا.
    ٤ «أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ ٱلْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا ٱلْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟».
    أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ كيف تجيز لنفسك أن تفعل ما لا يحسن بك، ولا يقبله العقل السليم؟ فالأشرار لا يستطيعون أن يحكموا بالعدل على غيرهم. إن انتصارنا على شرور قلوبنا شرط ضروريٌ لصحة حكمنا على غيرنا. فلا نقدر أن نصلح الغير ونشعر معه ونساعده على النهوض من سقوطه إلا إن تواضعنا وشعرنا بآثامنا وتبنا عنها.
    دَعْنِي ظاهر هذا الكلام الصداقة، وباطنه الانتقاد.
    ٥ «يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً ٱلْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ ٱلْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ».
    يَا مُرَائِي هذا الخطاب يقوّي الظن أن المسيح قصد أحد الفريسيين بين المستمعين، وهو يصدق على كل من يشبه الفريسيين في أحكامهم على الغير. والمرائي هو الذي يتظاهر بتقوى ليست له، ويدَّعي أنه بارٌ وقاضٍ عادل يوبخ على كل خطية يراها في غيره، وهو يرتكب أفظع منها.
    أَخْرِجْ أَوَّلاً ٱلْخَشَبَةَ فالمسيح هنا لا يوبخ المرائي على إثمه، بل يبيِّن له الطريق التي يمكنه فيها أن يكون أهلاً ليصلح غيره، ويكون قاضياً بالحق، لأنه يُصلح نفسه أولاً بأن يرجع عن سيئاته. وإخراج الخشبة يعني تطهير القلب وإماتة الشهوات وإصلاح السيرة وتقويمها. فيجب أن نهتم بأمر خطايانا أكثر مما نهتم بخطايا غيرنا، وأن نجثو أمام صليب المسيح بالتوبة قبل أن نجلس على منبر القضاء.
    وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً الخطية في القلب تعمي البصيرة، وامتحان النفس يجهزنا للنظر في أعمال الغير بأمانة. ولا يسوغ للإنسان أن يسرع للحكم على غيره بصرامة ولو بذل كل جهده في امتحان نفسه.
    أَنْ تُخْرِجَ ٱلْقَذَى الذي يُرضي الله يسعف أخاه فينجو الأخ من ذنوبه. وهو لا ينظر إلى خطايا أخيه ليجسِّمها ويوبخه عليها. وهذا أمر صعب، لكنه علامة الأخوَّة، وهو عمل مبارك.
    ٦ «لاَ تُعْطُوا ٱلْمُقَدَّسَ لِلْكِلاَبِ، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ ٱلْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ».
    أمثال ٩: ٧، ٨ و٢٣: ٩
    وجَّه المسيح خطابه هنا إلى تلاميذه، ونصحهم أن لا يُعرِّضوا أنفسهم ودينهم لهزء الجهلاء وغير المؤمنين وإهانتهم لغير سبب. ولا مناقضة بين هذا العدد والعدد الأول، لأنه أشار في الأول إلى الحكم الصارم بغير حق، وأشار في هذا إلى الحكم على الغير بالحق. فليس كل الناس سواء، وليس كلهم يقبلون التعليم. فينبغي أن ننظر النظر الصحيح لنعلم يقيناً من هم المستحقون الصداقة وبذل الجهد في سبيل منفعتهم، ومن ليسوا كذلك. فيجب أن نعتزل صرامة الحكم من جهة، ومن الجهة الأخرى نحترس من رخاوته، فلا يخطئ من اعتبر الكلب كلباً والأثيم أثيماً.
    ٱلْمُقَدَّس هو ما وُقف لخدمة الله أو خُصِّص له، كبعض أجزاء الذبائح المقدمة في الهيكل (لاويين ١٠: ١٤ و٢٢: ٦، ٧). والمقصود هنا: كل ما يتعلق بالدين من الإنذار والتعليم وبيان المواعيد وطريق النجاة وسائر الأمور الروحية.
    دُرَرَكُمْ أي لآلئكم. واللؤلؤ يُستخرج من الصدف، وهو من النفائس المشهورة (متّى ١٣: ٤٥ ورؤيا ١٧: ٤). والمقصود بالدرر حقائق الديانة، فإنها في عيني الرب كجواهر ثمينة مُنحت للمؤمن.
    الْكِلاَبِ... ٱلْخَنَازِيرِ حيوانان حسبهما اليهود نجسين مكروهين، لا يجوز أن يُؤكلا ولا أن يُقدما ذبيحة. والمقصود بهما هنا الأشرار النجسون، أعداء الحق المفترسون، الذين يجهلون الحق ويرفضونه ويقاومونه. وهم أصحاب السيرة الدنسة والشهوات القبيحة والألسنة المجدِّفة (أمثال ١١: ٢٢ وفيلبي ٣: ٢ و٢بطرس ٢: ٢٢).
    نهى المسيح هنا تلاميذه عن أن يعرضوا حقائق دينه المقدسة للمستهزئين المقاومين، إذا تحققوا أنهم يرفضونها ويمقتونها، لئلا تصير عندهم كخروف التقدمة الذي تخطفه الكلاب، أو كالدرر النفيسة التي تدوسها الخنازير في الأقذار.
    فما أرهب شقاء الذين سقطوا في مثل تلك الهاوية! هاوية الإثم والرذيلة! حتى أوجب على المسيحيين أن يتركوهم قانطين ويعتزلوا عن وعظهم وإنذارهم (١صموئيل ٢٥: ١٧ وأمثال ٩: ٨ و٢٣: ٩).
    وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُم إهانة الحق هي السبب الأول والأعظم لنهي المسيح، وما ذكره هنا سبب ثانوي، وهو أن لا يعرِّض التلاميذ أنفسهم للخطر بغير اضطرار (أعمال ١٨: ٦). ولكن ليس في هذا عذرٌ لمن يخفي الحق لأنه كسول أو جبان، بل يجب عليه أن يكون في وقت الضرورة كدانيال في بابل ورفقائه الثلاثة.
    فيجب أن نميِّز صفات مَن نقصد تعليمهم، وأن نجعل تعليمنا موافقاً لأحوالهم. فإن كانوا ممن لا يعقلون البراهين، وممن ضمائرهم بلا شعور، وأخلاقهم شرسة كالوحوش، وجب أن لا نضيع الوقت والتعب عليهم. على أنه ينبغي أن نحزن عليهم ونصلي لأجلهم، ونحذر الغير منهم، ونتوقع الوقت الذي تلين فيه قلوبهم، بالمصائب أو بفعل الروح القدس. وحينئذ يمكننا أن نعلمهم لأنهم يستطيعون أن يستفيدوا من التعليم. قال سليمان «للسكوت وقت وللتكلم وقت» (جامعة ٣: ٨).
    ٧ «اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ».
    متّى ٢١: ٢٢ ومرقس ١١: ٢٤ ولوقا ١١: ٩، ١٠ و١٨: ١ ويوحنا ١٤: ١٣ و١٥: ٧ و١٦: ٢٣، ٢٤ ويعقوب ١: ٥، ٦ و١يوحنا ٣: ٢٢ و٥: ١٤، ١٥.
    ظن البعض العلاقة بين هذا الكلام وما قبله أن المسيح التزم أن يوجه كلامه إلى بعض الفريسيين الحاضرين الذين أهانوا لتلاميذه، فوبخهم من آية ١ - ٦ من هذا الأصحاح (ثم عاد في آية ٧) إلى سياق الكلام السابق، فأنبأ التلاميذ بالوسائل التي يتوصلون بها إلى النجاة من زيادة القلق، وهي الاتكال على الله والثقة به والصلاة إليه.
    اِسْأَلُوا أي اسألوا ما تحتاجون إليه من الوحيد القادر أن يعتني بكم. وهو لا يعين هنا مرات السؤال، ولا المقادير المسؤولة. فلنا أن نسأل ما نشاء وكلما شئنا.
    تُعْطَوْا هذا الوعد مشروط بأن ما نسأله يكون موافقاً لإرادة الله. ولنا الثقة العظمى بقبول طلبنا إن سألنا أولاً وخاصة البركات الروحية. فلا يستجيب الله لنا في الزمان الذي نستحسنه نحن، والطريق التي نختارها، فذلك موكول إلى إرادته. فإنه يعلم ما نحتاج إليه أكثر مما نعلم نحن.
    اُطْلُبُو يؤكد المسيح المعنى بتكراره بكلمة أخرى، فلا تطلبوا الخيرات الزمنية أولاً كما يفعل الأمم (متّى ٦: ٣٣).
    اِقْرَعُوا كرر المعنى بلفظ آخر، لكن على سبيل الاستعارة، فكأن البركات المطلوبة في بيتٍ بابه موصد، علينا أن نقرعه لنحصل على ما وراءه. والأوامر الثلاثة «اسألوا» و «اطلبوا» و «واقرعوا» تدل على أشواق شديدة ومطالب حقيقية، هي استعدادات لقبول الجواب. وهي شروط بسيطة للحصول على أعظم البركات. فعلى الإنسان أولاً أن يطلب، وعلى الله الإجابة في النهاية. فمواعيد الله ليست للكسلان الذي يتوقع بلا عمل، لكن للنشيط المجتهد في القيام بشروطها، فلا صلاة حقيقية بلا فائدة.
    ٨ «لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ».
    أمثال ٨: ١٧ وإرميا ٢٩: ١٢، ١٣
    أكَّد في العدد السابق فاعلية الصلاة بالوعد، وهنا أكدها بناءً على اختبار الذين سألوا فوجدوا، فكأنه قال إن فاعلية الصلاة تكون في المستقبل كما كانت في الماضي.
    كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ الوعد هنا لكل فرد، ولا يُستثنى أحدٌ ممن يطلبون لعدم استحقاقه.
    يَأْخُذُ...ُ يَجِدُ الطلب بالإيمان والتسليم إلى إرادة الله. وإن سأل الأشياء التي يليق أن يعطيه إياها ويرى أنها مفيدة له.
    ٩، ١٠ «٩ أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ٱبْنُهُ خُبْزاً، يُعْطِيهِ حَجَراً؟ ١٠ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟».
    لوقا ١١: ١١ - ١٣
    للتأكيد ونفي الشك في ما قاله ذكر أن محبة الله الأبوية للمؤمن أفضل من معاملة الآباء الأشرار لأبنائهم في مثل هذه الأحوال.
    أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ الاستفهام استنكاري، المراد به أنه ليس في العالم مثل هذا الإنسان.
    ١١ «فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!».
    تكوين ٦: ٥ و٨: ٢١
    ما قيل هنا نتيجة العددين السابقين
    وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ هذا يصدق على كل الناس بالنسبة إلى الله، فأقدسهم كغيرهم من البشر أشرارٌ ساقطون.
    تَعْرِفُونَ أي تميلون إلى ذلك وتمارسونه من الغريزة الأبوية.
    عَطَايَا جَيِّدَةً أي فوائد زمنية وصفها بالجيدة مقارنة بالعطايا الرديئة التي ذُكرت في عددي ٩، ١٠.
    أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ تمييزاً له عن الآباء الأرضيين، فأقوى المحبة البشرية لا شيء بالنسبة إلى محبة الله لأولاده المؤمنين. إن كانت محبة الناس لأولادهم غريزية ودائمة وفعالة، فكم بالحري محبة الله ينبوع المحبة وأصلها.
    خَيْرَات أي ما يراه موافقاً لهم، وهو الغِنى الحقيقي ولا سيما البركات الروحية، فإن الله لا يخيب رجاء أولاده بإمساكه عنهم الخيرات، ولا يخدعهم بإعطائه إياهم ما يضر أو ما لا يفيد. ولم يعين مقدار تلك الخيرات ليشجعنا لنطلب القدر الذي نريده.
    لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَه هذا الشرط اللازم لنوال الوعد ليوجه أفكارهم إلى أن الصلاة طريق لإزالة الهم الزائد من قلوبهم. وقد استنتج بعض الفلاسفة أن الصلاة عبثٌ بناءً على أن الكون مربوط بشرائع لا تتغير. واستنتج المسيح أنها مفيدة وفعالة بناءً على فائدة سؤال الابن ما يحتاج إليه من أبيه الأرضي.
    ١٢ « فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ ٱلنَّاسُ بِكُمُ ٱفْعَلُوا هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ، لأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلنَّامُوسُ وَٱلأَنْبِيَاءُ».
    لوقا ٦: ٣١ ولاويين ١٩: ١٨ ومتّى ٢٢: ٤٠ ورؤيا ١٣: ٨ - ١٠ وغلاطية ٥: ١٤ و١تيموثاوس ١: ٥
    قال المسيح في متّى ٥: ١٧ إنه لم يأتِ لنقض الناموس أو الأنبياء بل ليكمل، فبيَّن بما سبق أنه لم يكمل ذلك بالحرف بل بالروح. فمعظم ما مرَّ من كلامه كان في الجز الأول من الناموس، وهو واجباتنا لله. ثم أخذ يفسر الجزء الثاني من الناموس وهو واجبات الناس بعضهم لبعض (متّى ١٢: ٣٩ ورؤيا ١٣: ٩) ويتم كل ذلك بمحبتنا للقريب كالنفس. وهذه الآية سُميت «القاعدة الذهبية» لأنها حقيقة سماوية، ولأن نتائجها صالحة.
    يُحكى أن أحد الأجانب جاء إلى الربوني شمعي يسأله أن يعلِّمه الناموس كله أثناء وقوفه على رجل واحدة، فطرده هذا من حضرته. ولكنه حين ذهب إلى الربوني هليل يسأله السؤال نفسه، أجابه أن الناموس هو أن لا تفعل بالآخرين ما لا تريدهم أن يفعلوه معك. وهذا التصريح بصورة سلبية، أما تعليم المسيح فإيجابي بكامل معناه.
    كُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ الخ يحق لكم أن تبتغوه من غيركم، لو كان في مثل أحوالكم وأنتم في مثل أحواله. وهذه القاعدة تنافي حب الذات المحض والبغض والانتقام والنميمة والغش والاختلاس، وتثبت وحدة البشر ومساواة جميع أفراده، وتوجب أن يطلب كل واحد نفع غيره. ونتعلم من هذا أنه إن جازى إنسان غيره شراً بخير يكون شيطانياً، وإن جازى شر غيره بشر يكون وثنياً. وإن جازى الشر بالخير يكون مسيحياً، لأن فعله للغير أفضل من فعل الغير له فعلٌ إلهي. نعم إنها قاعدة وجيزة ولكن السلوك بموجبها ينفي الخصومات والحروب، ويجعل الأرض فردوس النعيم. وهي تغني عن أكثر شرائع العالم. إنها لا تنفي حب الذات الطبيعي، بل تجعله قياساً لحبنا للغير وفعلنا له. وعلى ذلك يكون حبنا الغريزي منفعة أنفسنا خادماً للعدل والإحسان.
    لأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلنَّامُوس الخ أي أن تلك القاعدة هي خلاصة كل تعاليم الناموس والأنبياء، لأن غايتهما أن يجعلا كل واحد يحب غيره كنفسه، فالذي يفعل ذلك يطيع الناموس (لاويين ١٩: ١٨) ويطيع الأنبياء (إشعياء ١: ١٧، رومية ١٣: ١٠).
    ١٣، ١٤ «اُدْخُلُوا مِنَ ٱلْبَابِ ٱلضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ ٱلْبَابُ وَرَحْبٌ ٱلطَّرِيقُ ٱلَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ٱلْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ ٱلَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! مَا أَضْيَقَ ٱلْبَابَ وَأَكْرَبَ ٱلطَّرِيقَ ٱلَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ٱلْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ ٱلَّذِينَ يَجِدُونَهُ».
    لوقا ١٣: ٢٤
    أظهر المسيح بكلامه السابق الصفات الواجبة أن تكون لتابعيه، فكلفهم بإنكار الذات الشديد. وهنا زاد عليه أن ذلك الإنكار ليس فضيلة عارضة بل هو شرط ضروري لكل أهل ملكوته.
    اُدْخُلُوا أي ملكوتي السماوي الذي يبدأ على الأرض ونهايته في السماء. وكثيراً ما يمثل الكتاب المقدس حياة البر وحياة الإثم بطريقين يُدخَل إليهما من بابين.
    ٱلْبَابِ ٱلضَّيِّقِ... ٱلطَّرِيقَ ٱلَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ٱلْحَيَاة أشار بذلك إلى بدء الحياة المقدسة ومداومة السير فيها. وتلك الطريق تؤدي من الأرض إلى أورشليم السماوية. ولنا من هاتين الآيتين أربعة دروس: (١) أن كل إنسان مسافر من مهده إلى لحده، ومن هذا الزمان إلى الأبدية. (٢) أن الناس عند الله مسافرون في طريقين لا ثالث لهما، أحدهما ضيق يوصل إلى السماء، والآخر واسع يُفضي إلى جهنم. (٣) أن ذلك الطريق وذلك الباب ليسا ضيِّقين لأن الله قضي بهذا لأنه لا يؤيد أن يخلص كثيرين، وليسا ضيقين بسبب عدم كفاية دم المسيح للتكفير عن الجميع، إنما هما ضيقان بسبب صعوبات حياة القداسة، لأنها ضد الطبيعة الفاسدة، وتحتم وجود طبيعة جديدة (يوحنا ٣: ٣) وتمنع الشهوات الجسدية من دخول ذلك الباب والسير في تلك الطريق، بل تمنع كل خطية من ذلك وكل بر ذاتي والعالم (أفسس ٥: ١١).
    وتحيط وصايا الله العشر بهذه الطريق من أولها إلى آخرها، فهي طريق الإيمان والطاعة وكثيراً ما ضيّقها ويضيّقها اضطهاد الأعداء. ولكنها رغم كل ضيقها طريق أمنٍ وراحة ضمير للمسافرين، ونهايتها مباركة. فإذاً هي ضيّقة في الدنيا، واسعة في الآخرة. وأما الطريق الواسع فسُمي واسعاً لكثرة الداخلين إليه والسائرين فيه، ولأنه يسعهم مع لذاتهم وشهواتهم وخطاياهم ومحبتهم للعالم ورفقاءهم الأشرار، ولسهولة السير فيه، وعدم الموانع منه. ويسلك فيه الكثيرون لأنه يوافق ميولهم الطبيعية. ونهاية هذا الطريق جهنم. فإذاً هو واسع في الدنيا ضيق جداً في الآخرة.
    (٤) كثيرون لا يدخلون في الباب الضيّق ولا يجدونه، ليس لأن باب الخلاص خفي وعسر، لأن كتاب الله يوضحه جلياً. ولا لأنه مغلق دون أولئك الناس، لأن المسيح بموته فتحه لكل من ابتغى دخوله من البشر. بل لأن الأغلبية لا يريدون أن يجدوه بالمسيح، ولا يحبون السير فيه، ولا الاجتهاد اللازم لدوام السير فيه إلى النهاية (لوقا ١٣: ٢٤).
    ١٥ «اِحْتَرِزُوا مِنَ ٱلأَنْبِيَاءِ ٱلْكَذَبَةِ ٱلَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَابِ ٱلْحُمْلاَنِ، وَلٰكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِلٍ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ».
    تثنية ١٣: ٣ وإرميا ٢٣: ١٦ ومتّى ٢٤: ٤، ٥، ١١، ٢٤ ومرقس ١٣: ٢٢ ورؤيا ١٦: ١٧، ١٨ وأفسس ٥: ٦ وكولوسي ٢: ٨ و٢بطرس ٢: ١ - ٣ و١يوحنا ٤: ١ وميخا ٣: ٥ و٢تيموثاوس ٣: ٥ وأعمال ٢٠: ٢٩، ٣٠
    شبَّه المسيح حياة الإنسان بالطريق، وقال إن هناك هُداة كذبة يدَّعون أنهم يهدون الناس إلى طريق الحياة الأبدية وهم بالحقيقة يقودونهم إلى طريق الهلاك.
    احترزوا: أي انتبهوا واحترسوا من الأنبياء الكذبة فلا تنقادوا لهم كالعميان، ولا تخالطوهم ولا تصغوا إليهم. ولا نزال في حاجة إلى هذا الاحتراس، لأن الملايين اليوم يتبعون رؤساءهم الدينيين وهم غافلون، ولأن الله لا يقبل خطأ المرشدين المضلِّلين عذراً للمضلَّلين.
    ٱلأَنْبِيَاءِ ٱلْكَذَبَةِ أي رؤساء الدين الأثمة الأشرار الخادعين، كما كان بعض الكتبة والفريسيون وقتئذٍ، أو من تطرفوا في ادعاءات لا تمُت إلى حقيقة الدين في شيء. فهؤلاء يهدمون ولا يبنون. وكما هو حال كل المعلمين المضلين في هذه الأيام فإنهم يمنعون الناس من اتباع المسيح في الطريق الضيق، ويغرونهم بمداومة السير في الطريق الواسع.
    وكان المقصود بالأنبياء قديماً «الذين ينبئون بأمور آتية» ثم أُطلقت على الذين يعلنون إرادة الله، ثم على كل معلّمي الأديان.
    ٱلَّذِينَ يَأْتُونَكُم أي الذين يأتونكم مرشدين ومعلمين. أتى المسيح معلماً الناس فأتى أيضاً كثيرون من الأنبياء الكذبة. ومن ذلك الوقت كان كلما اجتهد المعلمون الأمناء يبينون الطريق الحقيقية كثر المعلمون الكذبة وزادوا اجتهاداً.
    بِثِيَابِ ٱلْحُمْلاَنِ في ذلك تشبيه المعلمين الكذبة بالذئاب اللابسة جلود الخراف، يتظاهرون بالعفو والتواضع والاستقامة كأنهم من قطيع المسيح الروحي. أما باطنهم فمحبة الذات والخداع «لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها» (٢تيموثاوس ٣: ٥ و٢كورنثوس ١١: ١٣ - ١٥ ورؤيا ١٦: ١٨). وثوب الحملان الذي لبسه الفريسيون هو صومهم وعبوسة وجوههم (متّى ٦: ١٦) وصلواتهم الطويلة العلنية (متّى ٦: ٥). وقيل إن الشيطان يتنكر للخداع (٢كورنثوس ١١: ١٤).
    مِنْ دَاخِلٍ أي في قلوبهم وصفاتهم.
    ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ الذئاب أعداءٌ طبيعيون للخراف، فاستعارها المسيح للأنبياء الكذبة أعداء قطيعه الروحي. ووصفهم بالخطف لقساوتهم وافتراسهم وخداعهم (٢بطرس ٢: ١ وأعمال ٢٠: ٢٩ ورؤيا ١٦: ١٨.
    ١٦ «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ ٱلشَّوْكِ عِنَباً، أَوْ مِنَ ٱلْحَسَكِ تِيناً؟».
    متّى ٧: ٢٠ و١٢: ٣٣ ولوقا ٦: ٤٣، ٤٤
    مِنْ ثِمَارِهِمْ شبَّه الأنبياء الكذبة بأشجار لا نفع منها. فكأن أحداً سأل: بماذا نعرف الأنبياء الكذبة من الأنبياء الصادقين؟ فقال: من ثمارهم. فالمعلمون يُعرفون من نتائج تعليمهم كما تظهر في حياتهم وحياة تابعيهم. فالدين الذي يعلم الناس أن يعيشوا بالتقوى ويموتوا على الرجاء هو الدين الحق. فالمقياس الذي وصفه المسيح يجب أن يقاس عليه كل تعليم ديني (١تسالونيكي ٥: ١ و١يوحنا ٤: ١). فالناس لا يستدلون على حسن الشجرة بورقها أو قشرها أو زهرها، بل بثمرها. وكذلك يُعرف كل من يدَّعي التقوى بأعماله. والكتاب المقدس هو المقياس الذي نميز به جيد الثمار من رديئها.
    هَلْ يَجْتَنُونَ الخ كما أن لكل شجرة ثمراً خاصاً كذلك للخطية نتائج خاصة وللقداسة نتائج خاصة بها. فمن الحماقة أن نتوقع من الأشرار أعمالاً صالحة، ومن الجهل أن نتوقع الأثمار الجيدة من الأشجار الرديئة. فشرائع النعمة توافق الشرائع الطبيعية، لأن الذي وضع الواحدة وضع الأخرى.
    ١٧ «هٰكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَاراً جَيِّدَةً، وَأَمَّا ٱلشَّجَرَةُ ٱلرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَاراً رَدِيَّةً».
    إرميا ١١: ١٩ ومتّى ١٢: ٣٣
    هٰكَذَا أي بموجب المبدأ الطبيعي أن النتيجة كالسبب.
    كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَاراً جَيِّدَةً الشجرة الجيدة تنتج الثمر الجيد دوماً بالطبع. فإن كان أولئك المعلمون هم كما يدَّعون، لزم أن ينتج منهم ومن أتباعهم إثمار الروح (غلاطية ٥: ٢٢) لأن تلك الأثمار لا تنتج من قلب فاسد.
    وَأَمَّا ٱلشَّجَرَةُ ٱلرَّدِيَّةُ أي المعلمون الكاذبون الذين يدَّعون التقوى، فيجب أن يحسبوا أتقياء إذا كانت أعمالهم تغاير تعليمهم، لأن شهادة أعمالهم أصدق من شهادة ألسنتهم.
    استعار الكتاب المقدس ثلاثة أنواع من الأثمار لثلاثة أنواع من الأعمال. (١) الثمر الجيد من شجرة جيدة إشارة للعمل الصالح من القلب الصالح. و(٢) الثمر الصناعي إذا عُلق على شجرة ميتة إشارة للعمل الديني الطقسي الذي لم ينتج من قلب صالح. و(٣) الثمر الرديء من الشجرة الرديئة إشارة للعمل الشرير من قلب شرير.
    ١٨ «لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً رَدِيَّةً وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً جَيِّدَةً».
    تكرر المعنى لتأكيد الحقيقة عينها، إلا أنه ذُكر أولاً في طريق الإيجاب وذُكر هنا في طريق النفي.
    لاَ تَقْدِرُ أي يستحيل أن تأتي ذلك، وهذا أمر محقق عقلاً لأن النتيجة لا يمكن أن تختلف عن السبب.
    ١٩ «كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّارِ».
    متّى ٣: ١٠ ولوقا ٣: ٩ ويوحنا ١٥: ٢، ٦
    تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّار هذه عادة الناس في أنهم يقطعون الأشجار العقيمة ويوقدونها، فاستعار المسيح ذلك يبيِّن القصاص الهائل الذي يجازي الله به المعلمين المرائين الذين يقودون الناس إلى الهلاك. وقد استعمل يوحنا المعمدان مثل هذا الكلام (متّى ٣: ١٠). وأولئك المعلمون يهلكون أنفسهم وأنفس الذين يتبعونهم.
    ٢٠ «فَإِذاً مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ».
    فَإِذاً أي أن خلاصة الكلام أن كل شيء يُعرف بإثماره. يُعرف المعلمون الصادقون بصلاح تعليمهم وسيرتهم الطاهرة لا بملابسهم ولا بقِدَم رتبتهم ولا بكثرة تابعيهم ولا بغناهم ولا بعلمهم ولا بسلطانهم ولا بعظمة ادعائهم شرف نسبتهم ولا شدة اعتنائهم بالطقوس ورونق احتفالهم بها (١يوحنا ٤: ١ - ٥) فدين المسيح لا يُخشى أن يُمتحن ذلك الامتحان الذي خلاصته «الشجرة تعرف بثمرها» وهذا ينافي زعم البعض أن الشرير يمكن أن يكون معلماً مفيداً في الدين.
    ٢١ «لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
    هوشع ٨: ٢ ومتّى ٢٥: ١١، ١٢ ولوقا ٦: ٤٦ و١٣: ٢٥ وأعمال ١٩: ١٣ ورؤيا ٢: ١٣ ويعقوب ١: ٢٢
    ذكر المسيح المعلمين الكذبة وسوء عاقبتهم. ولما كان تلاميذه معرَّضون لمثل ذلك حذرهم من الرياء وخداع أنفسهم الناتج عن الشعور الوقتي لئلا تكون عاقبتهم كعاقبة أولئك (يوحنا ٦: ٦٤، ٧٠).
    لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي لا يخلُص كل من يعترف أن المسيح رب وأنه تلميذ له لأن الاعتراف بمجرد اللسان ليس الاعتراف الذي يطلبه الله، فهو يطلب الاعتراف الحقيقي الصادر من القلب (١كورنثوس ١٢: ٣ و١٣: ١).
    يَا رَبُّ يَا رَبُّ يكرر اللفظ لزيادة التظاهر في الغيرة الدينية. ولعل بعض الحاضرين ممن عرف المسيح أنهم مراؤون كانوا يكررون هذا اللفظ بعينه. فالمسيح لا يلومهم على هذا الاعتراف لأنه حسنٌ في ذاته، ولكن على أنه ليس مقترناً بالعمل الموافق له.
    يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَات أي يشترك في مجده وثوابه.
    بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ قارن هنا من «يفعل» بمن «يقول» وأراد بذلك أن طاعة التلميذ تبرهن صحة تلمذته. ومعلوم بين الناس أن الإقرار بالصداقة لا يُعد شيئاً ما لم يقترن بالعمل، والوعد بالوفاء، وإلا فلا يكون وفاءً.
    «إن أخاك الصِّدق من يجري معك ومن يضرُّ نفسه لينفعك»
    وكذلك في الدين فإن أفضل الإقرار وأحسن المواعيد حتى خير المقاصد ليست شيئاً بدون الطاعة الفعلية.
    إِرَادَةَ أَبِي لا ينتج من هذه الآية كلها أن أعمالنا الصالحة تخلصنا، لأنها ليست إلا برهاناً على صحة إيماننا. وإرادة الآب تتضمن الإيمان والتوبة، كما أنها تتضمن الطاعة، لأن الله يريد أن الخاطئ يطلب خلاصه بالمسيح. وأشار بقوله «أبي» إلى وحدة طبيعتهما واتفاق إرادتهما.
    ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ قال ذلك دفعاً للأبوة التناسلية الجسدية.
    ٢٢ «كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِٱسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِٱسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً».
    عدد ٢٤: ٤ ويوحنا ١١: ٥١ و١كورنثوس ١٣: ٢
    ذكر المسيح في العدد السابق القانون الذي يُجرى عليه في يوم الدين، وزاد هنا أنه ينشأ بالطرد من ملكوته في ذلك اليوم يأسٌ عظيم لكثيرين ممن يُعرَفون الآن أنهم تلاميذه.
    فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ أي اليوم الذي يأتي فيه المسيح ملكاً ودياناً (متّى ١٦: ٢٧، ٢٨ و٢٥: ٣١). فيوم الدين يكون يوم خزي وخيبة لكثيرين لأن المسيح سينكر في ذلك اليوم كثيرين مما سموا مسيحيين على الأرض. فهو يوم به تتمزق ستائر المرائين وتظهر ضمائرهم ويتبرر المخلصون.
    يَا رَبُّ يَا رَبُّ هذا ما ينطقون به يومئذ إن سُمح لهم بالخطاب، وهذا أفضل طريق لبيان ما لا بد أن يقع من التعجب والخيبة واليأس والعقاب في ذلك اليوم لكثيرين من المعروفين اليوم بأنهم مسيحيون. وتكرار قولهم «يا رب» يدل على اجتهادهم ولجاجتهم وتجديد اعترافهم القديم.
    أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ أي ألم يُطلق اسمك علينا؟ ألم نستعمل اسمك حقيقة حين فعلنا المعجزات؟ (متّى ١٠: ٤١ و١٨: ٥، ٢٠ و٢١: ٩ ومرقس ٩: ٣٨).
    تَنَبَّأْنَا أي التعليم الديني، فلا ضرورة لتفسيره بالإنباء بأمور مستقبلة، وإن كان يدل على ذلك أحياناً (أعمال ١١: ٢٨ و٢١: ١٠).
    شَيَاطِينَ هم أرواح شريرة كانوا ملائكة أطهاراً أُذن لهم بعد السقوط أن يسكنوا بعض الناس ويتسلطوا عليهم نفساً وجسداً، وكان إخراجهم من أقوى البراهين على قوة المسيح وصحة دعواه بأنه نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية (تكوين ٣: ١٥) ووهب المسيح هذه القوة لتلاميذه (متّى ١٠: ٨).
    قُوَّاتٍ أي معجزات. لا داعي لأن نشك في صحة قولهم هذا، وأن تلك القوة لا توهب للأشرار، فالكتاب يعلمنا أن بلعام كان يتنبأ (عدد ٢٣: ٢٠ - ٢٦ و٢٤: ١٣) ولعل يهوذا الإسخريوطي كان يفعل معجزات كسائر الرسل. ومما يدل على ذلك قول بولس الرسول (١كورنثوس ١٣: ١ - ٣). فإذن أسمى الفصاحة في شرح حقائق الدين المسيحي وأحسن نجاح في إرشاد الناس إلى المسيح ليسا برهاناً في ذاتهما على أن صاحبهما مسيحي.
    ٢٣ «فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي ٱلإِثْمِ».
    متّى ٢٥: ١٢ ولوقا ١٣: ٢٥، ٢٧ و٢تيموثاوس ٢: ١٩ ومزمور ٥: ٥ و٦: ٨ وص ٢٥: ٤١
    يُحتمل أن الكلام الآتي هو الكلام الذي يقوله المسيح للمرائين في يوم الدين جواباً على دعواهم الباطلة.
    أُصَرِّحُ أي أقول علناً وبالتأكيد.
    لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! أي لم أعرفكم المعرفة المقترنة بالمحبة (يوحنا ١٠: ١٤ و٢تيموثاوس ٢: ١٩). لقد عرفتكم كأشخاص، وسمحت لكم بأن تتظاهروا أنكم تلاميذي، لكني لم أعرفكم كخاصتي، وأنتم لم تعرفوني حقيقة. فالذين يهلكون من المسيحيين بالاسم لم تتجدد قلوبهم حقيقة. ولكنهم خدعوا أنفسهم وغيرهم من الناس. لكنهم لم يخدعوا الله. فالمسيحي بالحق من كان مسيحياً من أول أمره إلى الأبد. قال المسيح عن خرافه «أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي» (يوحنا ١: ٢٩) وقال رسوله «مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا» (١يوحنا ٢: ١٩).
    ٱذْهَبُوا عَنِّي القرب من المسيح هو خلاصة أفراح السماء، والبعد عنه هو أشد عقاب جهنم. فقوله «اذهبوا عني» يتضمن علاوة على ذلك أمره بانفصالهم عن تلاميذه بالحق وانضمامهم إلى أعدائه، لأنهم منهم.
    يَا فَاعِلِي ٱلإِثْمِ فأعمالهم الأثيمة هي علة طردهم ودينونتهم، لأن عصيانهم إثمٌ فعلي. فمهما كان اعترافهم فإن أعمالهم كانت مخالفة لإرادة الله. وهذا الكلام يحذر الإنسان من أن يخدع نفسه، ويبين أن الحصول على أحسن الوسائط لا يكفل خلاص الإنسان. فالمعمودية والاعتراف العلني بالمسيح والمعرفة العقلية وممارسة التعليم حتى فعل المعجزات ليست شيئاً بدون التوبة الحقيقية والإيمان القلبي والطاعة الكاملة.
    ٢٤ «فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هٰذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى ٱلصَّخْرِ».
    ختم المسيح وعظه على الجبل بمثلٍ وجَّهه إلى الذين اكتفوا بما سمعوه من تعليمه دون العمل بما يقتضيه، فبيَّن بذلك أن معرفة الناس واجباتهم بدون القيام بتلك الواجبات تزيد عقابهم شدة. ولا بد أن الحادثة التي ضرب بها المسيح المثل كانوا قد اختبروا مثلها وألفوه.
    أَقْوَالِي هٰذِهِ أي كل ما ذكرته في هذا الوعظ وفي تعليمي إجمالاً. فنستنتج من ذلك أن ما سبق كان موعظة واحدة متصلة لا مواعظ كثيرة جمعها متّى وأظهرها واحدةً.
    بِرَجُلٍ عَاقِل أي حكيم ينظر في عاقبة الأمور ويلتفت إلى المستقبل.
    عَلَى ٱلصَّخْر أي على أساس متين وما يجب أن يُبنى عليه. وهو يقتضي تعباً كثيراً ونفقة وافرة على الحفر للوصول إليه.
    ويقصد المسيح ببناء البيت على الصخر سماع أقواله والعمل بها. ومن أمثال ذلك قوله مشيراً إلى نفسه «الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ » (متّى ٢١: ٤٢) وبناءً عليه قال بولس «إِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ» (١كورنثوس ٣: ١١). فطاعة أقوال المسيح تتضمن أول شيء بناء رجائنا عليه بالإيمان للخلاص.
    ٢٥ «فَنَزَلَ ٱلْمَطَرُ، وَجَاءَتِ ٱلأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ ٱلرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذٰلِكَ ٱلْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى ٱلصَّخْرِ».
    فَنَزَلَ ٱلْمَطَرُ الخ أشار بذلك إلى ما يحدث غالباً في فصل الشتاء، وأراد به امتحان النفس في اليوم الأخير. فإنه كثيراً ما يعبر الكتاب المقدس عن حوادث اليوم الأخير بالأنواء والزوابع.
    فَلَمْ يَسْقُط بسبب قوة الأساس المتين وفائدته، لأنه يقي البيت من الخطر في أثناء اضطراب عناصر الطبيعة.
    ٢٦، ٢٧ «وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هٰذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا، يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ جَاهِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى ٱلرَّمْلِ. فَنَزَلَ ٱلْمَطَرُ، وَجَاءَتِ ٱلأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ ٱلرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذٰلِكَ ٱلْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً!».
    لوقا ٦: ٤٧ - ٤٩
    ذكر في هذين العددين جهل من يسمع أقواله ولا يعمل بها.
    بِرَجُلٍ جَاهِل من لا ينظر في عاقبة الأمر ولا يلتفت إلى المستقبل كمن يبني بيته في الصيف ويحسب أحواله على ضوء سائر الفصول، ولا يحسب للشتاء حساباً من سقوط الأمطار وجري السيول التي لا بد منها.
    عَلَى ٱلرَّمْل أي على وجه الأرض اقتصاداً ودفعاً لزيادة التعب، ورغبة في الراحة المؤقتة. والبناء على الرمل هو مجرد قبول الدين عقلاً وممارسة طقوسه الخارجية. فكل من يبني على غير المسيح يبني على الرمل. فمهما كانت مقاصد الإنسان قوية من جهة قداسة حياته فإنها إن كانت غير مقترنة بالإيمان بالمسيح والاتكال عليه فهي كالرمل في تقلباته.
    فَسَقَط أي خرب تماماً.
    وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً لأنه سقط عند شديد الحاجة إليه وحين لا يمكن تجديده، لأن المياه تجرف مواده. وحكم المسيح بأن هذا السقوط عظيم لأنه قصد به هلاك النفس. فالمراد بالبيت دين الإنسان الذي هو ملجأ نفسه الأبدي. والمراد بالبانيَيْن في هذا المثل: الذي يسمع ويعمل، والذي يسمع ولا يعمل، وهما يتفقان في ثلاثة أمور ويختلفان في ثلاثة:
    وجوه الاتفاق: (١) أن كلاً منهما بنى بيتاً. والمعنى أن كليهما متدينان يشعران بحاجة النفس إلى ملجأ، وبذلا عنايتهما لأجل سد هذه الحاجة. و(٢) أن كليهما تمم عمله كما اختار. و(٣) أن كليهما جازا بالامتحانات التي لا بد من وقوعها.
    وجوه الاختلاف: (١) أن أحدهما بنى بيته على أساس متين، والآخر على أساس واهن، أو على غير أساس. (٢) أنه عند الامتحان ثبت بيت الواحد وسقط بيت الآخر. (٣) أن الواحد فرح فرحاً عظيماً بعمله، والآخر حزن حزناً أبدياً.
    ٢٨، ٢٩ «٢٨ فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هٰذِهِ ٱلأَقْوَالَ بُهِتَتِ ٱلْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، ٢٩ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ».
    متّى ١٣: ٥٤ ومرقس ١: ٢٢ و٦: ٢ ولوقا ٤: ٣٢ ويوحنا ٧: ٤٦
    ذكر البشير في هذين العددين تأثير موعظة المسيح بعد أن أُكملت. ويظهر من قوله أنها موعظة واحدة لا مجموعة مواعظ.
    بُهِتَتِ أي تعجبت الجموع من هذا التعليم الجديد وأسلوب بيانه. ولا زال الناس إلى الآن يعجبون من حسن هذا التعليم السماوي. والحق أن تلك الموعظة أبلغ وأفيد من كل مواعظ العالم. فعلى من ينكر لاهوت المسيح أن يبين من أين تعلم نجار الناصرة هذا التعليم.
    ٱلْجُمُوعُ هي التي ذُكرت في متّى ٤: ٢٥، ٥: ١.
    كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ ليس مثل مفسر الشريعة بل مثل واضعها، أي المشترع الأصلي. وأظهر سلطانه في قوة كلامه على إقناع العقول وإيقاظ الضمائر ليثبت صدق أقواله. فأسند تعليمه على شريعة الله المكتوبة على قلوبهم، وقد رافق الروح القدس ذلك التعليم فجعله ذا سلطان.
    وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ أي معلميهم الدينيين، وهم خلفاء عزرا الكاتب (عزرا ٨: ٦) وحفظة الكتب المقدسة ومفسروها (انظر متّى ٢٣: ٢ - ٤ ومرقس ١٢: ٣٥ ولوقا ١١: ٥٢). وكانوا في ذلك الوقت يلتفتون إلى الوصايا الصغرى ويغفلون عن الكبرى (متّى ٢٣: ١٨ - ٢٢) وأسندوا أقوالهم إلى تقاليد الشيوخ (متّى ١٥: ٩). أما المسيح فأسند تعاليمه إلى السلطان الذي قبله من الله بقوله «الحق الحق أقول لكم». وكان تعليمه يخالف تعاليمهم في أنه كان في مبادئ الدين الجوهرية. وقد تكلم كنبي وكملك ورئيس الملكوت الجديد.

    الأصحاح الثامن


    ذكر متّى في هذا الأصحاح والذي يليه عدة معجزات فعلها المسيح إثباتاً لتعليمه، وأن له سلطاناً من الله. وتنقسم هذه المعجزات إلى ثلاثة أنواع، فمنها ما يتناول الأمراض المستعصية كالبرص والفالج (الشلل) والصرع. ومن المعجزات ما يتناول الأرواح النجسة وقهر قوات إبليس وجميع جنوده. ومنها ما يتناول القوى الطبيعية كإسكات البحر. وهذا يُظهر أن يسوع هو المسيح مخلص العالم وسيد الكائنات كلها. ولا يحسن أن نظنها ذُكرت حسب أوقات وقوعها تماماً، بل إن البشير جمعها كنماذج لسائر المعجزات، كما أنه كتب لنا موعظة من مواعظه نموذجاً لسائر المواعظ.
    ١ «وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ ٱلْجَبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ».
    وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ ٱلْجَبَلِ تَبِعَتْهُ الخ القصد هو الإنباء بأن ذلك الجمع العظيم الذي تبعه عند صعوده إلى الجبل وأصغى إلى وعظه لم يتركهُ لما فرغ من الوعظ، بل تبعه في نزوله إلى السهل ومروره بجانب بحر طبرية إلى كفرناحوم. فالأرجح أن العجائب التي ذكرها البشير عملها المسيح بمرأى من هذا الجمع.
    ٢ «وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي».
    مرقس ١: ٤٠ الخ ولوقا ٥: ١٢ الخ
    وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ لعل البشير ذكر هذه المعجزة أولاً لأن البرص كان مرضاً يختلف عن بقية الأمراض في عدة أمور: منها أنه كان مؤلماً ومكروهاً في ذاته، وكأن موتاً يبدأ في الإنسان وهو حي ويؤثر أولاً في الجلد ثم في الأعضاء واحداً بعد واحد، ويفصل بعضها عن بعض (انظر سفر العدد ص ١٢: ١٢) ولم يتحقق أن هذا المرض باقٍ إلى هذا اليوم على هيئته الأصلية. والأرجح أنه لا يزال في الأرض ولكنه نادر، وليس كثيراً كما كان بين اليهود. وكانت شريعة موسى شديدة مدققة في معاملة البرص (لاويين ١٣ و١٤). فكان على الأبرص أن ينفصل عن سائر الشعب باعتباره نجساً، وأن يُعلن برصه بثيابه وإشاراته وكلماته «تُشق ثيابهُ» (لاويين ١٣: ٤٥) «ويكشف رأسه» (عدد ٦: ٩ وحزقيال ٢٤: ١٧) «ويغطي شاربيه» (حزقيال ٢٤: ١٧) و «يُطرد من المحلة أو من المدينة» (لاويين ١٣: ٤٦ وعدد ٥: ٢ - ٤ و٢ملوك ٧: ٣) ويُلزم أن يصرخ إذا رأى أحداً مقترباً إليه قائلاً على نفسه «نجس نجس». وجرت تلك الشريعة على أعلى الناس وأدناهم بلا استثناء، كما حدث مع مريم أخت موسى (عدد ١٢) والملك عزيا، فقضى باقي حياته في بيت منفرد واعتزل المُلك (٢أخبار ٢٦: ١٦ - ٢١).
    وشدد الله الشريعة على الأبرص ليجعل البرص رمزاً للخطية أمام عينيه. والخطية تشبه البرص في سبعة أشياء: (١) كلاهما داءٌ أصاب الإنسان بعد خلقه، فإن الله خلقه صحيح الجسم طاهر النفس. (٢) كلاهما وراثي (بعدما حدث أولاً) فالبُرص يلدون بُرصاً والخطاة يلدون خطاة. (٣) امتداد كليهما خفيٌ وتدريجيٌ قلما يظهران في الطفولة ولكنهما يظهران في عمر متقدم. (٤) كلاهما مكروهٌ نجس يفصل صاحبه عن جماعة الله. وهذا الانفصال رمز إلى الانفصال العظيم (رؤيا ٢١: ٢٧). (٥) كلاهما لا يُشفى بوسائط بشرية (٢ملوك ٥: ٧). (٦) كلاهما مميتٌ، أحدهما للجسد والآخر للنفس. (٧) تقدر القوة الإلهية وحدها على شفاء كليهما في الماضي، وتقدر عليه في المستقبل.
    وَسَجَدَ لَهُ لا بد أن هذا الأبرص سمع بقوة يسوع وشفقته، ولعله سمع وعظه على الجبل وهو بعيد عن الناس، فانجذب إلى المسيح بما سمع وبما فعله فيه الروح القدس. وظهر إيمانه وتواضعه ورغبته في الشفاء بمجيئه وسجوده.
    يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أظهر الأبرص ثقة تامة بقدرة المسيح على شفائه، وسلَّم له أن يستعمل تلك القدرة لإبرائه بحكمته ومحبته. فيجب على كل خاطئ أن يأتي إلى المسيح للتطهير، فيجد القبول مثله.
    أَنْ تُطَهِّرَنِي كان ذلك المرض يُحسب نجساً فحُسب الشفاء منه تطهيراً.
    ٣ «فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: أُرِيدُ فَٱطْهُرْ. وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ».
    فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ ليبين للحاضرين العلاقة بين استعمال قوته ونتيجتها، لا لأن اتصال يده بالأبرص كان ضرورياً للشفاء.
    لَمَسَه لم يفعل ذلك ليخالف الشريعة عمداً (لاويين ٥: ٣ و١٤: ٤٦) لأن الشريعة منعت من لمس الأبرص، ولكنه لمسه ليطهره، فطهر لأنه شُفي حالما مدَّ يده إليه. وأظهر المسيح سلطانه على الشريعة الطقسية إذ خالف حرفها ووافق جوهرها. وبمثل هذا لمس المسيح طبيعتنا الخاطئة وشفاها بدون أن يتنجس.
    أُرِيد أظهر بذلك إتماماً لوعده «اطلبوا تجدوا» (متّى ٧: ٧) وهو جواب لقول الأبرص له «إن أردت».
    وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ أتى الشفاء في الحال، وبذلك تبين أنه كان معجزياً. فما أعظم سرعة ذلك التغيير! إنه في لحظة شُفي شفاءً تاماً من داء عضال. وقوة المسيح على المرض رمزٌ إلى سلطانه على الشر ولعنة الخطية.
    ٤ «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ٱنْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ ٱذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ ٱلْقُرْبَانَ ٱلَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَـهُم».
    متّى ٩: ٣٠ ومرقس ٥: ٤٣ ولاويين ١٤: ٣، ٤، ١٠ ولوقا ٥: ١٤
    ٱنْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ فلا يفتخر بشفائه على أنه علامة رضى الله الخاص عليه. وكانت غاية كتم شفائه أن يحصل على الشهادة الشرعية بطهارته من الكاهن ليرجع إلى معاشرة الناس، خوفاً من أن الكهنة لا يعطونه الشهادة بعد أن يبلغهم أن المسيح شفاه حسداً وبغضاً للمسيح نفسه. وكان المسيح يمنع أحياناً من إظهار معجزاته لئلا يُعاق عمله الروحي بكثرة الآتين إليه للنفع الجسدي، ولأنه فضَّل خير النفس على خير الجسد، ولئلا يهيج عليه غضب الرؤساء ومقاومتهم. أما الأبرص الذي شُفي فلم يُطع أمر المسيح (مرقس ١: ٤٥).
    بَلِ ٱذْهَبْ ألحَّ عليه بذلك لئلا يسبقه خبر المعجزة إلى الكهنة فلا يعطونه شهادة الشفاء. وكانت طاعة هذا الأمر تلزمه أن يسافر نحو خمسين ميلاً أو يومين إلى أورشليم.
    أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ أي للكاهن في هيكل أورشليم وفقاً لشريعة موسى (لاويين ١٤: ٣) فيفحصه بالتدقيق، ويمارس ما يقتضيه تطهيره طقسياً، ويصرح بطهارته شرعاً. وبهذه الواسطة حصل المسيح على تصديق الكاهن لمعجزته، وبيَّن احترامه للشريعة أنها من الله وأنها لا تزال شريعة. فقول المسيح «أرِ نفسك للكاهن» كان لإتمام جزء من الشريعة الطقسية المتعلقة باليهود البُرص، ولا علاقة لذلك بالواجبات المسيحية. فما أمر به الأبرص لم يكن سوى أمرٍ للبُرص، وكان طقسياً يهودياً. والشريعة الطقسية زالت والكهنوت اليهودي بطل.
    وَقَدِّمِ ٱلْقُرْبَانَ والقربان عصفوران حيان طاهران، وخشب أرز وقرمز وزوفا (لاويين ١٤: ٤).
    شَهَادَةً لَهُ كانت هذه الشهادة لهم ليعطوا الشهادة للأبرص، فتكون شهادة عليهم إذا أبوا أن يعترفوا بأن الذي فعل المعجزة التي شهدوا بصحتها هو المسيح. وكانت شهادة للشعب أن يسوع هو المسيح، وأنه لم يخالف شريعة موسى.
    ٥ «وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ كَفْرَنَاحُومَ، جَاءَ إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ».
    لوقا ٧: ١ - ١٠
    كَفْرَنَاحُوم انظر شرحنا لأصحاح ٤: ١٣.
    قَائِدُ مِئَة كانت تلك البلاد تحت الحكم الروماني، فكان بالمدن الكبيرة فِرَق من الجنود. وكان قائد المئة المذكور من رؤساء تلك الفِرق، وهو وثنيٌ ولادةً وتربيةً. ويظهر من القرينة أنه ممن أحسنوا الإيمان. وقال البعض إنه متهوِّد، ولكن ذلك يناقضه تعجب المسيح المذكور في عدد ١٠ من هذا الأصحاح.
    جَاءَ... يَطْلُبُ إِلَيْه قيل في لوقا ١: ٧ إنه لم يأتِ هو بنفسه بل أرسل يطلب إليه. ولا تناقض بذلك بين البشيرين، لأن خبر متّى مختصر، وإسناد المجيء فيه إلى القائد مجازي. والجوهر هو تقديم الطلب بقطع النظر عن الواسطة. ومن المجاز المسلَّم به عند جميع الناس أن يُنسب الفعل إلى مسببه بغضّ النظر عن الفاعل كقولهم «بنى الأمير المدينة».
    قارِن يوحنا ٣: ٢٢ بيوحنا ٤: ٢ تجد في الأول قول البشير إن المسيح كان يعمد، وفي الثاني قوله إنه لم يعمد هو نفسه بل تلاميذه. وقارن متّى ٢٠: ٣٥ ويوحنا ١٩: ١ تجدهُ يقول إن بيلاطس جلد يسوع مع أن ذلك فعل العسكر بأمره.
    ٦ «وَيَقُولُ: يَا سَيِّدُ، غُلاَمِي مَطْرُوحٌ فِي ٱلْبَيْتِ مَفْلُوجاً مُتَعَذِّباً جِدّاً».
    غُلاَمِي الأرجح أن ذلك الغلام عبدٌ له أعزَّه لأمانته له. وهذا يُظهر زيادة لطف هذا القائد، فلم يكن الأسياد يهتمون بصحة عبيدهم وراحتهم.
    فِي ٱلْبَيْتِ أي في بيت القائد.
    مَفْلُوجاً الفالج (الشلل) مرض عصبي يمتنع به تسلط الأعصاب على العضلات، وهو يصيب بعض الجسد أو كله.
    مُتَعَذِّباً جِدّاً نستنتج من ذلك أن كل جسده كان مفلوجاً حتى لم يستطع الحركة. والظاهر أن مرضه كان مما تنقبض به العضلات، وهو من أشد الأنواع إيلاماً. ولكثرة أنباء هذا المرض في الإنجيل نستنتج كثرته في تلك الأيام في فلسطين، وأن علاج الأطباء قلما نفع فيه. فما أسعد ذلك العبد بسيد يعتني به ويتضرع إلى المسيح من أجله. وعلى أصحاب الأعمال أن يصلّوا من أجل من يعملون عندهم.
    ٧ «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ».
    أجاب الرب طلبة ذلك القائد حالاً، مع أنه كان من أُمَّة وثنية. وقوله «أشفيه» يدل على أن له كل سلطان مثل الله.
    ٨ «فَأَجَابَ قَائِدُ ٱلْمِئَةِ: يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لٰكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي».
    لوقا ١٥: ١٩، ٢١ ويوحنا ٥: ٨، ٩ و١١: ٤٣، ٤٤
    لَسْتُ مُسْتَحِقّاً يدل هذا الكلام على شعوره بخطيته، واعتباره المسيح ذا وقارٍ وقداسة، مع أنه كان قائداً رومانياً، والرومان كانوا يحتقرون اليهود كالعبيد. وكانت وظيفته العسكرية من أسباب الافتخار والكبرياء.
    وقائد المئة هذا لم يكن لطيفاً فقط، بل كان حكيماً يراعي خاطر اليهود من جهة تنجسهم من بيت روماني، ولو كان هؤلاء الحكام وهم المحكومين. وفي الوقت ذاته لا يريد أن يحرج موقف المسيح فيكتفي أن يأمر الروح الشرير كما يأمر القائد جنوده، فينتهي كل شيء بسلام.
    ونعلم مما جاء في لوقا ٧: ٨ أن الرب كان منطلقاً إلى بيت القائد وقد قرب منه حين لقيه رُسل القائد حاملين الرسالة المذكورة. واعتقد القائد عدم استحقاقه أن يدخل المسيح تحت سقفه، ولكن المسيح رضي أن يسكن قلبه، ويقبله أخيراً ساكناً أبدياً في بيت أبيه. ففي ذلك القائد إيمان عظيم، علاوة على زيادة تواضعه. ودليل إيمانه أنه نظر في ذلك الشخص الوضيع الحقير المنظر عظمة فائقة إلهية، واعتقد قدرته على شفاء المفلوج بكلمة واحدة من على بُعد.
    كَلِمَةً أي أمراً بشفاء المرض.
    ٩ «لأَنِّي أَنَا أَيْضاً إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ. لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. أَقُولُ لِهٰذَا: ٱذْهَبْ فَيَذْهَبُ، وَلِآخَرَ: اِيتِ فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِيَ: ٱفْعَلْ هٰذَا فَيَفْعَل».
    تَحْتَ سُلْطَانٍ أي أني لست ملكاً ولا رئيس جيش، بل في رتبة صغيرة بالنسبة إلى سائر الرؤساء العسكريين، ومع هذا فلستُ محتاجاً أن أجيء بنفسي لتنفيذ أوامري، فآمر الجنود أو عبيد البيت فيتممون مطالبي، فتتم فعلاً. فكم بالحري أنت يا صاحب السلطان المطلق! إنك لا تحتاج إلا أن تقول كلمة فتطيعك الأمراض! ويعلمنا التاريخ أن الحكم الروماني العسكري كان صارماً جداً، فكان أقصر الأوامر يُطاع فوراً وبدون مناقشة.
    ١٠ «فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ تَعَجَّبَ، وَقَالَ لِلَّذِينَ يَتْبَعُونَ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هٰذَا».
    تَعَجَّبَ تعجُّب المسيح جزءٌ من سر التجسد الذي أشار إليه بولس الرسول بقوله «وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ» (١تيموثاوس ٣: ١٦). فبالنظر إلى لاهوته لا يظهر له شيءٌ أنه جديد أو غريب. أما بالنظر إلى ناسوته فقد كان إنساناً تاماً يشعر ويتكلم ويفعل كغيره من الناس سوى أنه لا يخطئ. وكانت تلك الحادثة من الغرائب وهي أن يرى أميٌ من الوثنيين ما لم يرَهُ الكتبة والفريسيون من أُمة المسيح.
    لِلَّذِينَ يَتْبَعُونه أي ليس لتلاميذه فقط، بل لرسل القائد وللجمع المحيط به.
    إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هٰذَا كان هذا الإيمان بقدرة المسيح على شفاء المرضى، ويحتمل أنه آمن بأن المسيح يقدر أن يخلِّص النفس أيضاً. فالغريب أن إيمانه كان متفرِّداً، فلم يُظهر أحد من تلاميذه إيماناً كإيمانه بقدرته على الشفاء بكلمة ولو من على بُعد. ولا آمن أحدٌ من الأمة اليهودية التي تعرف النبوات التي تعلن صفات المسيح وأعماله ومعجزاته. فإذا قارنت إيمان مريم ومرثا بإيمان ذلك القائد تبين لك صحة ما ذُكِر (يوحنا ١١: ٢١، ٣٢ وانظر متّى ٩: ٢١).
    ومقارنة المسيح إيمان ذلك القائد بإيمان إسرائيل دليل على أنه لم يكن متهوداً أو دخيلاً تبع الدين اليهودي. وشهادة الشيوخ الواردة في لوقا ٦: ٥ لا تدل إلا على أنه كان راضياً عن اليهود مستحسناً دينهم.
    فِي إِسْرَائِيل هو اسم يعقوب (تكوين ٣٢: ٢٨، ٢٩) وهو اسم الاثني عشر سبطاً إلى أيام يربعام، ثم صار اسماً لعشرة أسباط منهم إلى وقت سبي بابل، ثم أُطلق على الأمة كلها.
    ١١ « وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    تكوين ١٢: ٣ وإشعياء ٢: ٢، ٣ و١١: ١٠ ولوقا ١٣: ٢٩ وأعمال ١٠: ٤٥ و١١: ١٨ و١٤: ٢٧ ورومية ١٥: ٩ - ١٢ وأفسس ٣: ٦
    تنبأ المسيح هنا بحوادث كثيرة في المستقبل مثل حادثة القائد، وأنه كما فاق الأمميُّ اليهودَ معرفةً وإيماناً بالمسيح، هكذا سيفعل جموع كثيرة من الأمم. وهذا أول كلام أشار به المسيح إلى دخول الأمم في ملكوته الجديد. لقد كانت بلاغة الكلام في خطاب يسوع بأنه كان يغتنم الفرص ليلفت النظر إلى الأمور الفضلى في الحياة، فينبِّه الناس للجوهر دون العرض. وإن ملكوته يضم الصالحين في قلوبهم من الفئة المؤمنة، لا الذين يرثون الصلاح ولو كانوا من الجنس المختار.
    مِنَ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِب أي من كل الجهات حتى أقاصي الأرض. وفي ذلك وعدٌ ووعيد. الوعد للبعيدين عن المسيح، والوعيد للذين عندهم ما يمكن أن يجعلهم أقرب إليه.
    وَيَتَّكِئُونَ مجاز يدل على الراحة، وهو مأخوذ من عادة الولائم في تلك الأيام. فالمسيح يشبِّه خيرات ملكوته بوليمة (لوقا ١٤: ١٦). ويشير أيضاً إلى الدخول في العائلة. والاشتراك مع الشرفاء في الوليمة يتضمن الشرف والسعادة.
    إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ هم رؤساء الآباء الثلاثة، وقد صوَّرهم المسيح يرأسون كلَّ العائلة العظيمة المتسلسلة منهم. وظلت تلك العائلة قروناً كثيرة الشعب المختار والكنيسة المنظورة. وكان الدخول إليها يتضمن الحقوق السياسية والشعبية، والحقوق الدينية الروحية. وابتدأ امتداد تلك السعادة للأمم على الأرض منذ مجيء المسيح وسينتهي في السماء.
    ١٢ «وَأَمَّا بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى ٱلظُّلْمَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ».
    متّى ٢١: ٤٣ و١٣: ٤٢ و٢٢: ١٣ و٢٤: ٥١ و٢٥: ٣٠ ولوقا ١٣: ٢٨ ورومية ٢: ٢٥ - ٢٩ و٢بطرس ٢: ١٧ ويهوذا ١٣
    بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ هم نسل إبراهيم الذين اختارهم الله أولاداً بالتبني، فحسبوا نفوسهم مُقربي الله وورثة ملكوته، واحتقروا الأمم كأنهم خارجون عن ذلك الملكوت.
    فَيُطْرَحُونَ إِلَى ٱلظُّلْمَةِ أشار هنا إلى بيت منير ليلاً فيه وليمة، طُرِد منه البعض إلى الخارج حيث الظلام والبكاء على الخيبة. فملكوت الله ملكوت النور والفرح، والطرد منه يعني البعد عن الله وعن معاشرة الأتقياء، وهو أشد العقاب. والذين يُطردون من السماء يُطردون من النور والسعادة والشركة بسبب عدم إيمانهم، ويُطرحون إلى ظلمة جهنم وعارها وحزنها وعذابها.
    ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَان كناية عن الحزن والغضب واليأس.
    ١٣ « ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ ٱلْمِئَةِ: ٱذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ. فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ».
    وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ لم يقصد أن إيمانه استحق ذلك الثواب، بل أن النعمة وُهبت له بالنسبة إلى إيمانه. فإيمان قائد المئة كان سبباً في شفاء عبده وحياته. وفي ذلك تشجيع عظيم لكل من يصلي لأجل غيره، ولا سيما الآباء من أجل أولادهم. والإيمان المقبول ليس مجرد التصديق بل ما يحدث به الثقة بالمسيح والالتجاء إليه بالتواضع.
    فَبَرَأَ في الحال. لم يصل المسيح إلى البيت، ولم يرَ المريض. لكنه شفاه بكلمة من على بُعد، فأظهر بذلك شفقته وقوته. واليوم مع أن المسيح غائب بالجسد، لكنه لا يزال يشفي أمراض الجسد والنفس إجابة لصلواتنا.
    ١٤، ١٥ «١٤ وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً، ١٥ فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا ٱلْحُمَّى، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ».
    مرقس ١: ٢٩ - ٣١ ولوقا ٤: ٣٨، ٣٩ و١كورنثوس ٩: ٥
    هذه هي المعجزة الثالثة التي ذكرها البشير متّى. وهي تدل على أن قوة المسيح على الأمراض المعتادة كالحمى كقوته على الأمراض العظيمة كالبرص والفالج. ولم يفعل هذه المعجزة أمام الجمع كالمعجزتين السابقتين. وزاد مرقس ولوقا على قول متّى أن المسيح فعل تلك المعجزة في يوم السبت، وأنه دخل قبلاً المجمع وعلَّم، وأخرج الروح النجس من مجنون.
    بَيْتِ بُطْرُسَ في كفرناحوم، وهي وطن المسيح في الجليل (مرقس ١: ٢٩). ولكن بطرس وُلد في بيت صيدا (يوحنا ١: ٤٥).
    حَمَاتَهُ كان بطرس متزوجاً. ومن ١كورنثوس ٩: ٥ نرى أن زوجته كانت تحيا معه. ولم يمنع زواجه في اختياره رسولاً (عبرانيين ١٣: ٤).
    مَحْمُومَةً قال لوقا «أخذتها حمى شديدة».
    لَمَسَ يَدَهَا فعل ذلك بخلاف ما فعله في شفاه عبد القائد، فأظهر أن قوته ليست محدودة بالأحوال أو الأساليب. على أن المسيح كان يستخدم الحواس في عمل المعجزات ليدل على أن الشفاء متوقف على قوته ومشيئته.
    فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ لم يشفها فقط ويتركها ضعيفة من تأثير المرض، بل ردَّ إليها القوة التي كانت قبله. وأول الطرق وأفضلها لاستعمال الصحة بعد المرض هو أن نوقفها لخدمة المسيح. وعلى كل من يشفيهم المسيح أن يخدموه.
    ١٦ «وَلَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ، فَأَخْرَجَ ٱلأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ، وَجَمِيعَ ٱلْمَرْضَى شَفَاهُمْ».
    مرقس ١: ٣٢ الخ ولوقا ٤: ٤٠، ٤١ وأعمال ١٠: ٣٨
    انتشر خبر مجيء المسيح إلى كفرناحوم، وما أجراه من معجزات، فجاء كثيرون إليه مساءً. ولعلهم أتوا بالمرضى حينئذٍ لانخفاض الحر، أو لأنهم رأوا أن المجيء بعد الغروب أوفق لأن ذلك كان يوم السبت (مرقس ١: ٢١، ٢٩). ويظهر مما قيل في هذه الآية أن المسيح عمل معجزات كثيرة لم تُذكر بالتفصيل.
    مَجَانِين هم الذين تسلطت عليهم الشياطين، فضربوهم بأمراض جسدية أو عقلية أو بكليهما، فأطاعت الأرواح النجسة أمر المسيح وخرجت، فشُفي المجانين عقلاً وجسداً.
    وَجَمِيعَ ٱلْمَرْضَى شَفَاهُم يظهر من مرقس ١: ٣٣ أن المدينة كلها تحركت يومئذٍ، وأنه لم يبقَ في المدينة سقيم. وذلك رمزٌ عما استعد المسيح أن يعمله لنفوس الناس من فيض نعمته.
    ١٧ «لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا».
    إشعياء ٥٣: ٤ و١بطرس ٢: ٢٤
    لِكَيْ يَتِمَّ قصد البشير متّى أن يبرهن لليهود أن يسوع هو المسيح، فقال إن أعمال المسيح في شفاء المرضى كانت تحقيقاً للنبوات القديمة المتعلقة بأفعال المسيح. وهنا ذكر المعجزة السادسة. وقد اقتبس هذا الكلام من نبوة إشعياء ٥٣: ٤.
    أَسْقَامَنَا ظن بعضهم أن النبي أشار بهذه الكلمة إلى المصائب الأخلاقية. فإن صح ظنهم فلا فرق، لأن الكتاب المقدس يذكر على الدوام المصائب الروحية والمصائب الجسدية مقترنين معاً، باعتبارهما فرعين لأصل واحدٍ. فالكلمة في الأصل العبراني تصدق على الأمرين، مثل كلمة «شر» في اللغة العربية. فالنبوات تذكر المسيح كأنه متألم يشارك الغير في آلامهم. وزاد البشير على ذلك أن المسيح طبيب يشفي أمراض النفس والجسد.
    أَخَذَ... وَحَمَلَ هذا اصطلاح في الذبائح الموسوية لأن الذبيحة كانت تؤخذ بدل الخاطئ، ويقال إنها حملت خطيته. وليس معنى «إن المسيح أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا» أنها نُقلت إليه حقيقة، فإننا نعلم أنه جاع وعطش وتعب، ولكن لم نعلم من ذلك قط أنه مرِض. فالمقصود بقوله «حمل أمراضنا» الإشارة إلى كل عمل المسيح لأجلنا الذي أكمله على الصليب وفقاً لقول الرسول الإلهي «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ» (١بطرس ٢: ٢٤). والمرض أحد نتائج الخطية، وأعمال المسيح في الشفاء رموز وعرابين لأفعاله الروحية. ولم يرفع شيئاً من تلك النتائج إلا بأن حمل الخطية، فإنه أخذ على نفسه كل حِمل البشر الساقطين من الخطايا والأحزان وأنواع الشرور، فرفع كل ذلك عنهم ووضعه على نفسه، بأن وفى دينهم على الصليب، وحمل أمراضهم أيضاً بأن اشترك في الحزن مع المعذبين. وهو يزيل الأمراض أوقاتاً وينفي علل كل الأحزان والخطايا بفدائه، ويحسب أحزان تابعيه كلها أحزاناً له وفي كل ضيقهم يتضايق (إشعياء ٦٣: ٩). وعمله هذا لا يزال جارياً في العالم إلى هذه الساعة بواسطة الكنيسة، فهي تنشئ المستشفيات وترسل المرسلين الأطباء إلى أقاصي الأرض ليعالجوا الأجساد، وهم يعالجون النفوس. وهذه الفوائد الجسدية التي تقوم بها الكنيسة ليست سوى الأثمار الصغرى من شجرة الحياة التي غرسها المسيح.
    ١٨ «وَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ جُمُوعاً كَثِيرَةً حَوْلَهُ، أَمَرَ بِٱلذَّهَابِ إِلَى ٱلْعَبْرِ».
    لم يتقيد متّى بذكر الحوادث حسب زمن حدوثها، فإن المخاطبة هنا لم تكن إلا في مساء اليوم الذي فيه ضرب المسيح الأمثال التي ذكرها هذا البشير في أصحاح ١٣ من إنجيله. ولعل متّى أراد أن يذكر هنا تسكين المسيح اضطراب البحر لأنه من أعظم ما فعله من المعجزات، فذكر المخاطبة التي سبقت هذه المعجزة. ويؤيد ذلك ما جاء في لوقا ٨: ١٢.
    وَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ جُمُوعاً كَثِيرَةً حدث أحياناً إن اجتمع كثيرون إلى المسيح. وفي أحد هذه الاجتماعات حدث ما ذكره هنا.
    أَمَرَ بِٱلذَّهَاب أي أمر تلاميذه الملازمين له، وقد ذكر متّى أربعة منهم في ص ٤: ١٨ - ٢٢.
    إِلَى ٱلْعَبْر أي من جانب بحيرة طبرية الغربي إلى جانبها الشرقي، وهي مسافة نحو ستة أميال أو ساعتين. وأمر المسيح بالذهاب إلى هناك لئلا يقيمه الناس ملكاً بغير رضاه، لأنهم كانوا ينتظرون ملكاً سياسياً، ولئلا يظن الحكام أنه يسعى في ثورة في البلاد، وليجعل فرصة للناس في أماكن أخرى أن يسمعوا كلامه، وليستريح قليلاً من تعبه.
    ١٩ «فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي».
    لوقا ٩: ٥٧، ٥٨
    جرى الحوار المذكور هنا وهم ذاهبون إلى الشاطئ، حيث كانت السفينة. وسبب ما جاء فيه وفي أمثاله هو انتظار النفع الدنيوي من المسيح الذي هو رجل الأحزان والأتعاب (إشعياء ٥٣: ٤) وعجز الناس عن أن يفهموا تلك النبوءة. ولا شك أن هذا الكاتب اندفع ليسير مع عاطفته أكثر من اللازم، فأراد يسوع أن يعيده إلى التروي والتبصر في ما عزم عليه، وأراده أن يعرف النفقة قبل أي إقدام.
    فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ أي واحد من الكتبة، وهم علماء اليهود ومفسرو الشريعة (متّى ٢: ٤ و٥: ٢٠) وكان أكثر الكتبة أعداء للمسيح (١كورنثوس ١: ٢٠). ونستنتج من جواب المسيح لهذا الكاتب أنه توقع أن يحصل على منافع زمنية بتقربه إلى المسيح، لأنه تأثر من مشاهدة المعجزات وكثرة المجتمعين إلى المسيح.
    يَا مُعَلِّم تلقيب الكاتب المسيح بهذا يدل على أنه اعتبره معلماً أعظم منه.
    أَتْبَعُك أي أكون لك تلميذاً، وأقبل تعليمك. فلم يرد أن يتبعه لمجرد الرفقة في السفر إلى العبر.
    أَيْنَمَا تَمْضِي أي إلى كل مكان تذهب إليه في كل حال وضيق وخطر، لكن على شرط لم يذكره وهو أن يشترك في الغلبة والمجد عندما يجلس المسيح على كرسي الملك.
    ٢٠ «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ».
    يتبين قصد ذلك الكاتب من جواب المسيح هنا، فلو كان طلبه نتيجة محبته للمسيح ما أعطاه المسيح هذا الجواب. وجواب المسيح لا يدل على الفقر الشديد كما فهم البعض لأنه كان للمسيح أصحاب كثيرون قادرون على مساعدته ومستعدون لها (انظر لوقا ٨: ٣ و١٠: ٣٨) ولعله قصد أن لا مكان معين له، وأن الحياة تفرض عليه السفر من مكان إلى آخر، وهذا خلاف ما توقع الكاتب على ملازمته للمسيح.
    فغاية المسيح في ذلك أن يقطع رجاء الكاتب الحصول على الخيرات الدنيوية من اتِّباعه. وربما ظهر للبعض أن ملازمة هذا الكاتب للمسيح ستفيد المسيحية في أول أمرها، فعجبوا من عدم اكتراث المسيح به وعدم ترغيبه إياه في أن يتبعه. لكن المسيح لم يُرد أن يكون له تلاميذ غايتهم دنيوية، ولا من يخدعون أنفسهم بتوقعهم الفوائد العالمية، ولا من لم يتوقعوا الضيق والاضطهاد من اتِّباعه.
    الثَّعَالِبِ... وَالِطُيُورِ خص الثعالب والطيور بالذكر لأنه حسبها نائبة عن الحيوانات الدنيئة، فبيَّن أنه لا يملك قصوراً وحقولاً يوزعها على أتباعه، بينما تلك الحيوانات الدنيئة لها أكثر مما له، لأن لها مساكن معلومة خاصة.
    أَوْجِرَةٌ جمع وجار، وهو مسكن الحيوان الوحشي من مغارة وما شابهها.
    أَوْكَارٌ جمع وكر وهو بيت الطائر، وهو مكانه للراحة والأمن.
    ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ لا يدل هذا الاسم على أن المسيح مجرد إنسان كسائر البشر، لأن ما قيل فيه هنا لا يصدق على كل واحد من الناس، فهو اسم مختص به بناءً على ما قيل عنه في دانيال ٧: ١٣. فإنه في الأصل «ابن الله» بالحق وهو «ابن الإنسان» لأنه أخذ لنفسه الطبيعة البشرية. وهذان الاسمان يدلان على طبيعتيه البشرية والإلهية. فإذاً ابن الإنسان هو ابن الله المتجسد، وهو آدم الثاني في أحوال اتضاعه وآلامه. ولم يرد هذا الاسم في الإنجيل لغير المسيح، ولا أحد يسميه به في البشائر سواه. وقد أطلق هذا الاسم على نفسه ٦١ مرة. ولعل المراد من تسميته بذلك في أعمال ٧: ٥٦ ورؤيا ١: ١٣ و١٤: ١٤ أنه الذي اعتاد أن يسمي نفسه «ابن الإنسان». ولعل عدم استعمال تلاميذه هذا الاسم له وهو على الأرض كان دفعاً لما يلزم منه من الإهانة والاستخفاف، لأنه لقب احتقار لا لقب شرف. ولكنه استعمله إشارة إلى ناسوته التام الذي اتخذه من البشر، وإلى اشتراكه معهم في كل شيء ما عدا الخطية.
    لَيْسَ لَهُ الخ أي ليس له مسكن معين يملكه أو يتصرف به كما يشاء. ولا يعني هذا أن المسيح بات ليلاً في العراء لعدم وجود مأوى له سوى تلك الليالي التي انقضت عليه وهو يصلي باختياره منفرداً، فإنه لما أبى السامريون أن يقبلوه في قريتهم ذهب إلى قرية أخرى (لوقا ٩: ٥٦). فإذا كان قصد الكاتب أنه مستعد أن يتبع المسيح في المصائب الوقتية بغية المناصب الشريفة حين يثبت ملكوته، كان قصد المسيح بجوابه أن ملكوته ليس من هذا العالم، وأنه ليس سوى سائح على الأرض لا مسكن معين له. فالمسيح لم يطرد الكاتب ويمنعه من اتِّباعه بل أراده جلياً نصيب تابعيه الحقيقيين إصلاحاً لأخطائه في طلب الخير الدنيوي من ملازمته له. والمرجح أنه رجع عن قصد لما سمع هذا الجواب.
    وهذا يعلِّمنا أن نحتمل الضيقات بإنكار الذات، كما احتملها رئيسنا لأجلنا، فإنه وُلد في مذود ليس له، وكان غريباً في العالم الذي هو خلقه، ودُفن بعد موته في قبر مستعار ليرينا عدم قيمة الغنى الأرضي ويشتري لنا الغنى الحقيقي (٢كورنثوس ٨: ٩). فيخطئ من يتوقع من المسيح غير خلاص نفسه.
    ٢١ «وَقَالَ لَهُ آخَرُ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: يَا سَيِّدُ، ٱئْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي».
    مِنْ تَلاَمِيذِهِ أي من الذين تبعوه ليتعلموا منه، واعترفوا بأنه معلم ذو سلطان لا من رسله.
    أَدْفِنَ أَبِي يتبين من ذلك أن أباه قد مات ولم يُدفن بعد، وأراد بدفنه القيام بكل ما يتعلق بالجنازة حسب عوائد تلك الأيام. ووعد المسيح أنه يتبعه على شرط أنه يسمح المسيح له بأن يوم بواجباته لوالده المتوفى. فيظهر لنا أن طلبه في محله لأنه من واجبات الدين أن يكرَم الوالدان أحياءً وأمواتاً. لكن المرجح أن المسيح رأى خطراً على نفس ذلك التلميذ من الرجوع إلى بيته، وأراد أن يعلمه أن القيام بالواجبات للمسيح أفضل وأهم من القيام بالواجبات للوالدين.
    ظن بعضهم أن أباه لم يكن قد مات وأنه شيخ طاعن في السن، فطلب ذلك التلميذ أن يبقى عنده إلى يوم موته ودفنه. ولكن لا دليل على صحة هذا الظن أو ترجيحه.
    ٢٢ «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ٱتْبَعْنِي، وَدَعِ ٱلْمَوْتٰى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ».
    لوقا ٩: ٥٩، ٦٠
    ٱلْمَوْتٰى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُم أي اترك موتى النفس يدفنون موتى الأجساد. وأراد بموتى النفوس أصحاب الميت وأصدقاءه غير المؤمنين. فإن للموت في الكتاب المقدس معنيان: حقيقي ومجازي (يوحنا ١١: ٢٥، ٢٦) فكأنه قال له إن هنالك من يهتم بدفن أبيك، فقد دعوتك لتتبعني فلا تلتفت إلى دعوة أخرى. فأراد المسيح بذلك أنه حين يدعو إنساناً، يجب على هذا الإنسان أن لا يتعطل عن الطاعة، لأنها أعظم من كل واجباته نحو الناس كقيام الولد بدفن والده.
    رأى بعضهم أن المسيح أراد بذلك أن يمتحن ذلك التلميذ ليرى إن كان مستعداً أن يترك كل شيء من أجله، كما طلب في متّى ١٠: ٢٧ «اَلَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ فِي الظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي النُّورِ، وَالَّذِي تَسْمَعُونَهُ فِي الأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى السُّطُوحِ» ولوقا ١٤: ٢٦ «نْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا». وظن البعض أن أقرباءه يمنعونه إن ذهب إليهم عن الرجوع إلى المسيح، أو إن انفعالاته تمنعه عن ذلك الرجوع. ولا ريب في أن هنالك سبباً كافياً لمنع المسيح له من أنه كان في قلبه شيءٌ من عدم عقد النية على البقاء مع المسيح.
    ومن فهم من قوله «دَعِ ٱلْمَوْتٰى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ» أن الفريقين موتى بالحقيقة أتى في ذلك معنى مفيداً أيضاً، فإن دفن الموتى ذواتهم مستحيل، فيلزم منه أن ترك الموتى بلا دفن أفضل من أن يترك الإنسان طاعته للمسيح ويهلك نفسه. ولكن ذلك بعيدٌ عن ظاهر الكلام.
    ٢٣ «وَلَمَّا دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ تَبِعَهُ تَلاَمِيذُهُ».
    هنا معجزة أخرى من معجزات المسيح أظهرت سلطانه على العناصر والقوى الطبيعية.
    ٱلسَّفِينَةَ هي قارب للصيد لعله لبطرس وأندراوس، أو لابني زبدي، أو قارب مستأجر للسفر.
    تَلاَمِيذُه هم الذين اعتادوا رفقته كبطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا.
    ٢٤ «وَإِذَا ٱضْطِرَابٌ عَظِيمٌ قَدْ حَدَثَ فِي ٱلْبَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ ٱلأَمْوَاجُ ٱلسَّفِينَةَ، وَكَانَ هُوَ نَائِماً».
    مرقس ٤: ٣٧ الخ ولوقا ٨: ٢٣ الخ
    وَإِذَا حرف فجاءة، يدل على حدوث ما لم يكن متوقعاً.
    ٱضْطِرَابٌ عَظِيمٌ سطح بحيرة طبرية منخفض عن سطح البحر المتوسط بنحو ٦٠٠ قدم، وتحيط بها أكمة عالية، فكانت عرضة للعواصف الفجائية والاضطرابات الشديدة التي يُخشى منها على السفن الصغيرة كقوارب الصيادين. فلا بد من أن ذلك الاضطراب كان غير عادي لأنه أخاف التلاميذ، مع أنهم اعتادوا البحر منذ الصغر لأنهم صيادون.
    غَطَّتِ ٱلأَمْوَاجُ ٱلسَّفِينَة كانت كل موجة من تلك الأمواج عالية حتى ارتفعت فوق السفينة ومالت عليها حتى كادت تمتلئ من الماء وتغرق.
    وَكَانَ هُوَ نَائِماً المرجح أن المسيح كان قد تعب كثيراً من التعليم وشفاء المرضى حتى لم يستيقظ من صوت الرياح وضجيج الأمواج وحركات السفينة، فدلَّ نومه على أنه إنسان كما دلت معجزاته عند استيقاظه على أنه إله. وكان بذلك خلاف يونان النبي الذي نام وضميره ميت. أما المسيح فنام وضميره مستريح. وكان حضور يونان سبب اضطراب البحر والخطر لمن معه. أما حضور المسيح فحقق الأمن لرفاقه.
    ٢٥ «فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ!».
    أَيْقَظُوهُ الأرجح أنهم انتظروا يقظته ما أمكنهم قبل أن يوقظوه، ثم نادوه بصراخ الخوف والسرعة.
    نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِك أي أنقذنا من هذا الخطر، لأننا أخذنا نغرق، ولذلك أيقظناك؟
    ٢٦ «فَقَالَ لَـهُمْ: مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَانِ؟ ثُمَّ قَامَ وَٱنْتَهَرَ ٱلرِّيَاحَ وَٱلْبَحْرَ، فَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ».
    مزمور ٦٥: ٧ و٨٩: ٩ و١٠٧: ٢٩
    مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ؟ أراد بهذا السؤال توبيخهم وعدم رضاه عنهم، ليس لانتفاء الخطر أو عدم ما يحملهم على الخوف، بل لأن حضوره كان يوجب عليهم أن لا يخافوا بل أن يثقوا بقوته وإرادته أن ينقذهم. ولعلَّ نوم المسيح في مثل ذلك الوقت كان سبب ضعف ثقتهم. لكنهم أخطأوا بأنهم ربطوا بين سلطانه ويقظته، لأنه كان يجب عليهم أن يتيقنوا أن حضوره يؤكد خلاصهم نائماً كان أم مستيقظاً.
    وكثيرون اليوم من تلاميذ المسيح لهم من الإيمان والمحبة ما هو كافٍ لأن يحملهم على ترك كل شيء من أجله ومع ذلك يخافون في الضيقات خوفاً شديداً.
    يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَان كان للتلاميذ إيمان قليل. ولو لم يكن لهم شيءٌ من الإيمان ما لجأوا إليه في وقت الخطر، لكن كان عليهم أن يكون إيمانهم كثيراً بعد أن شاهدوا معجزاته. والقليل من الإيمان أفضل من عدمه، لأن المسيح بعد ما وبخهم على قلة إيمانهم أثابهم على ذلك الإيمان القليل بإجابة صلاتهم وتهدئة البحر.
    إن هذه الحادثة تذكر المسيحي كيف حفظ الله الفلك على مياه الطوفان التي أغرقت العالم القديم، وتعلمه وجوب الثقة بالمسيح الحاضر معنا، الغير منظور في زمن الخطر الشخصي، وعندما تهب عواصف الاضطهاد على الكنيسة.
    ٱنْتَهَرَ ٱلرِّيَاح خاطب الريح كأنها فعلت فعلاً تدركه. وهذا ما جعل البعض يظنون أنه كان للأبالسة يد في ذلك الاضطراب، لأن الإنجيل استعمل نفس هذا اللفظ «انتهر» لتوبيخ المسيح للروح النجس (مرقس ٩: ٢٥). ومما قوَّى ظنهم هو أن الخطية هي سبب كل مصيبة في العالم، وسبب الخطية الشيطان. وأما نحن فنقول إن المسيح أنزل العناصر منزلة العصاة فانتهرها كما انتهر الحمى (لوقا ٤: ٣٩) فنفذ أمره بسهولة غريبة. فموسى تسلط على المياه بعصا الله، ويشوع بتابوت العهد، وأليشع برضى إيليا. وأما يسوع فبكلمة منه.
    فَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ خضعت العناصر في أعظم اضطرابها لأمر المسيح ذي السلطان عليها. وإن كان قد سمح للأبالسة أن يتسلطوا وقتاً على تلك العناصر، فقد عجزوا عند كلمة المسيح. فإنه بكلمة واحدة من شفتيه سكنت الريح وسكتت الأمواج. وهذه المعجزة رمزٌ إلى فعل المسيح الروحي الذي يفعله في كل زمان، وهو منحه الراحة للنفس في اضطرابات هذه الحياة وإخضاعه كل قوة مانعة من تقدم ملكوته.
    كثيراً ما تكون طريق الواجبات طريق خطر، فيجب على الذين يتبعون المسيح أن لا يتوقعوا منه أنه سيعفيهم من المصائب. ولكن إذا كان الرب معهم وهم متكلون عليه فليس الخطر مخيفاً ولا الموت هائلاً.
    ٢٧ «فَتَعَجَّبَ ٱلنَّاسُ قَائِلِينَ: أَيُّ إِنْسَانٍ هٰذَا! فَإِنَّ ٱلرِّيَاحَ وَٱلْبَحْرَ جَمِيعاً تُطِيعهُ».
    تَعَجَّبَ ٱلنَّاسُ ظنَّ بعضهم أن الذين تعجبوا الملاحون لا الرسل، ولكن الأرجح أن العجب شمل الفريقين، لأنه المسيح بينهم كان ذا صفات أعظم مما تصوروا، فاقترابهم من شخص له مثل هذا السلطان جعلهم يتعجبون ويخافون أيضاً (مرقس ٥: ٤١).
    أَيُّ إِنْسَانٍ هٰذَا!؟ استفهام يراد به عظيم التعجب مما شاهدوه من سلطان المسيح على الرياح والبحر، علاوة على ما عهدوه من قوته على الأمراض والأرواح النجسة لأنها أطاعته طاعة العبيد لأربابهم (مزمور ٨٩: ٨، ٩). وقد أذن الله في وقوع ذلك الاضطراب لزيادة مجد المسيح في تسكينه، ويعظم شأنه في عيون تلاميذه وليقوي ثقتهم بنجاتهم من كل خطرٍ بواسطة القرب منه، ولكي يرى تلاميذه ضعف إيمانهم.
    ٢٨ «وَلَمَّا جَاءَ إِلَى ٱلْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ ٱلْجِرْجَسِيِّينَ ٱسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ ٱلْقُبُورِ هَائِجَانِ جِدّاً، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ ٱلطَّرِيق».
    مرقس ٥: ١ - ٢٠ ولوقا ٨: ٢٦ - ٣٩
    ٱلْعَبْرِ أي الجانب الشرقي من بحيرة طبرية.
    كُورَةِ ٱلْجِرْجَسِيِّين لعلها سُميت كذلك من مدينة اسمها جرسة أو كرسة على شاطئ بحيرة طبرية، وهذه المنطقة قسم من بلاد الجدريين نسبة إلى عاصمتها «جدرة» إحدى المدن العشر المشهورة، فسمى مرقس ولوقا هذه المنطقة باسم البلاد التي هي قسم منها (مرقس ٥: ١ ولوقا ٨: ٦). ولعله ذكرها باسمها القديم قبل أن يهدمها بنو إسرائيل (تكوين ١٥: ٢١ ويشوع ٣: ١٠ و٢٤: ١١ وتثنية ٧: ١).
    ٱسْتَقْبَلَهُ كان ذلك حين نزلوا من السفينة إلى البر، ولعل المجنونين كانا يراقبانهم وهم مقبلون على السفينة.
    مَجْنُونَان لم يذكر مرقس ولوقا سوى واحد منهما، ولعل أحدهما كان أشد جنوناً من الآخر، أو لأن أمره كان أهم من أمر الآخر لعلة لا نعلمها. ونرى من تتبع البشائر أن متّى يهتم بذكر العدد أكثر من سائر البشيرين (متّى ٩: ٢٧ و٢١: ٢) وأن مرقس اعتنى بذكر إمارات وجه المسيح وإشاراته أكثر من سواه، ولوقا بذل الجهد في ذكر صلوات المسيح، ويوحنا اهتمَّ أكثر بأحاديث المسيح وخطاباته. ولا تناقض بين متّى ومرقس في أن ذكر أحدهما المجنونين واقتصر الثاني على ذكر واحد منهما، بل أن ذلك يدل على استقلال كلٍ منهما في ما كتبه. وقد ذكرنا ما يتعلق بالجنون في شرحنا لمتّى ٤: ٢٤.
    خَارِجَانِ مِنَ ٱلْقُبُورِ تأوي الوحوش أو اللصوص إلى القبور القديمة (كما ذكر يوسيفوس المؤرخ) كما يأوي إليها المجانين المطرودون من بيوت الناس أو التاركون لها اختياراً. واعتبر اليهود تلك القبور نجسة، وتجنبها الأمم اعتقاداً أنها مساكن أرواح الموتى. أما المجانين فسكنوها لأنهم وجدوها موافقة لأحوال عقولهم التعسة.
    هَائِجَانِ جِدّا زاد مرقس ولوقا على ذلك بيان الوسائل التي اتخذها الناس لمنع المجنونين من إيذاء نفسيهما والإضرار بالغير، من ربطهما بقيود وسلاسل، ولكنها ذهبت عبثاً (مرقس ٥: ٣ - ٥ ولوقا ٨: ٢٩). واقتصر متّى على ذكر خوف أهل البلاد منهم. فما أعظم الشقاء والأذى الذي يسببه تسلط الشياطين على الناس.
    ٢٩ «وَإِذَا هُمَا قَدْ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ ٱلْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟».
    قد صرخا: العجب من أن المجنونين اكتفيا بالصراخ فلو كان الحاضرون غير المسيح وتلاميذه لهجما عليهم لا محالة، فإنهما قد منعا الناس أن يمروا من هناك. والذي منعهما من الهجوم معرفة الشياطين المسيح وخوفهم منه.
    مَا لَنَا وَلَكَ؟ تكلمت الأبالسة بفمي المجنونين، واستعملت ضمير الجمع بقولها «ما لنا». إما لأنها جنس، وإما لأنها كثيرة في ذلك المجنونين. واستفهام أولئك الأرواح استنكاري، أرادوا به أنه لا حقَّ للمسيح في معارضته لهم، فهم لا يتوقعون النفع من المسيح ولا الرحمة، إنما يخافون من العقاب. وكلامهم يدل على إرادة المقاومة للمسيح، مع شعورهم بالعجز عنها.
    قبل الوقت لتعذبنا: الأرجح أن «الوقت» هو يوم الدين (يهوذا ٥ و٢بطرس ٢: ٤ و١كورنثوس ٦: ٣ ورؤيا ٢٠: ١٠). فخافوا من أن يمنعهم المسيح من الجولان في الأرض ويرسلهم إلى جهنم. ويظهر من ذلك أن الشياطين يرون منعهم عن تعذيب غيرهم عذاباً لهم علاوة على عذابهم في جهنم.
    ٱبْنَ ٱللّٰهِ هذا ليل واضح على أن جنون الرجلين لم يكن مرضاً عادياً بل كان مساً من الشياطين وإلا ما عرفا أن يسوع ابن الله، أما الشياطين فيعلمون ذلك. ويظهر من هنا أن الملائكة الأطهار لا يمتازون عن الأبالسة بالمعرفة بل بالمحبة.
    ٣٠ «وَكَانَ بَعِيداً مِنْهُمْ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى».
    حرمت شريعة موسى أكل لحم الخنزير (لاويين ١١: ٧ وتثنية ١٤: ٨). إنما الذين كانوا يأكلون ذلك اللحم يومئذٍ هم العسكر الروماني وغيرهم من الأمم. وكان أكثر سكان تلك المنطقة أمماً، فربوا الخنازير طعاماً لهم وربحاً من بيعه للرومان. ولم تكن تلك الخنازير بعيدة عن المشاهدين بعداً يجاوز حد النظر وكان عدد تلك الخنازير نحو ألفين (مرقس ٥: ١٣).
    ٣١ «فَٱلشَّيَاطِينُ طَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ ٱلْخَنَازِيرِ».
    طلب الأبالسة إلى المسيح أمرين: (١) أن يتركهم، و(٢) أن يأذن لهم بالذهاب إلى الخنازير إن أجبرهم على الخروج من الرجلين. ولا نعلم كيف يمكن لتلك الأرواح أن تسكن تلك البهائم، ولا نعلم القصد من طلبهم ذلك. ولعل السبب أن يبقوا في تلك المنطقة، أو أن تبقى لهم فرصة للأذى بعد ذلك، أو أن يهيجوا السكان على يسوع. ولنا في ذلك تعزية حسنة، وهي أن قوة الشيطان محدودة، فلا يمكنه أن يفعل شيئاً إلا بإذن الله.
    ٣٢ «فَقَالَ لَـهُمُ: ٱمْضُوا. فَخَرَجُوا وَمَضَوْا إِلَى قَطِيعِ ٱلْخَنَازِيرِ، وَإِذَا قَطِيعُ ٱلْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ ٱنْدَفَعَ مِنْ عَلَى ٱلْجُرْفِ إِلَى ٱلْبَحْرِ، وَمَاتَ فِي ٱلْمِيَاهِ».
    ٱمْضُوا أذن المسيح للشياطين ليحول شرهم خيراً كما يفعل بأعمال الناس الأشرار «لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ يَحْمَدُكَ. بَقِيَّةُ الْغَضَبِ تَتَمَنْطَقُ بِهَا» (مزمور ٧٦: ١٠). ولعله أذن لهم في ذلك ليوضح رداءة أولئك الأرواح، وليظهر عظمة نجاة المجنونين منهم.
    في هذه القصة أورد البشير متّى كثيراً من الدعابة، فقد كان يكتب لقوم يعرفون عادات الأمم ويقارنونها بعادات اليهود وتقاليدهم من جهة نجاسة الخنازير، فصوَّر هذه النتيجة المحزنة لتجار الخنازير وخسارتهم الفادحة، يقابلها الربح الحقيقي بإرجاع ذي الروح النجس للصحة الكاملة.
    وَإِذَا قَطِيعُ ٱلْخَنَازِيرِ الخ نتيجة دخول الأبالسة في الخنازير اختارت الخنازير الهلاك (وهو مما تجتنبه بالغريزة) عند دخول تلك الأرواح فيها، فركضت واندفعت من الجبل حيث كانت ترعى إلى البحر فغرقت كلها. وهذا يبرهن أن جنون الرجلين كان من تلك الأرواح لا من مرض عادي. ويبرهن الفرق العظيم بين أعمال المسيح وأعمال الشيطان، فإن أعمال المسيح للخلاص وأعمال الشيطان للهلاك.
    لام البعض المسيح لأنه جلب على أصحاب الخنازير خسارة مادية. وردَّ بعضهم على ذلك بأن أصحاب تلك الخنازير كانوا يهوداً لا يجوز لهم أن يتجروا بالخنازير، فعاقبهم المسيح بعدل وأهلك خنازيرهم. لكن لا دليل على ذلك. وردَّ البعض بأن هلاك الخنازير كان نتيجة عمل الشياطين لا عمل المسيح. ولو كان المسيح سبباً لذلك لأقام أصحابها الدعوى عليه. وحتى إن سلمنا أن المسيح كان العلة في ذلك فإن للمسيح الإله كل الحق أن يميت الخنازير بأي طريق أراد، كالوباء أو الصواعق أو الغرق. وتجسد المسيح لا ينقص حقه في أن يتصرف كيف شاء بخليقته. والنظر في شفاء المجنونين من سلطة الشيطان أفضل من البحث عن موت الخنازير. ففي كل يوم تُذبح ألوف من البهائم لمنفعة أجساد البشر، فلا اعتبار لتلك الخسارة القليلة بالنسبة إلى نفع النفوس الخالدة. ومن حسب الله مسؤولاً عن كل شر في العالم وقع في خطية التجديف!
    ٣٣ «أَمَّا ٱلرُّعَاةُ فَهَرَبُوا وَمَضَوْا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَنْ أَمْرِ ٱلْمَجْنُونَيْنِ».
    هرب الرعاة خوفاً مما حدث، وليخبروا أهل المدينة وأصحاب الخنازير، وليبرروا أنفسهم من تلك الخسارة. فرووا الخبر كله مبتدئين بموت الخنازير، ومنتهين بشفاء المجنونين. ولا نعلم كيف عرفوا علاقة الأول بالثاني. الأغلب أنهم مرّوا بالمسيح وتلاميذه فعرفوا سبب الأمر كله.
    ٣٤ «فَإِذَا كُلُّ ٱلْمَدِينَةِ قَدْ خَرَجَتْ لِمُلاَقَاةِ يَسُوعَ. وَلَمَّا أَبْصَرُوهُ طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ».
    أيوب ٢١: ١٤ و٢٢: ١٧ وأعمال ١٦: ٣٩
    كُلُّ ٱلْمَدِينَةِ أي أكثر سكانها حسب اصطلاح اللغة.
    لِمُلاَقَاةِ يَسُوعَ ليمنعوه من التقدم إلى مدينتهم خوفاً من خسارة أخرى بقوته الغريبة. ولا عجب أن خافوا من مجيء المسيح لأنهم كانوا من الأمم، ولم يعرفوا من أمر المسيح سوى تلك المعجزة، النافعة للمجنونين لكنها أضرَّت بهم. فطلبوا إليه أن يتحول عن تخومهم. وفي هذه الطلبة خسارة لهم، لأن قدومه ينفع أجسادهم وأرواحهم. أما هو فاستجاب لهم في الحال، فكان ذلك من أعظم مصائبهم، لأنه لا مصاب للإنسان أشر من أن الله يستجيبه إذا طلب أن يتركه وشأنه. قال الله «وَيْلٌ لَهُمْ أَيْضًا مَتَى انْصَرَفْتُ عَنْهُمْ!» (هوشع ٩: ١٢). وجهل أولئك الجدريين لا يزال جهل ألوف من الناس، فإن المسيح يقرع أبواب قلوبهم بروحه القدوس، وهو مستعدٌ أن يمنحهم أفضل البركات. أما هم فلعدم فتحهم له يكونون كمن يلتمس منه الانصراف. ومحبة العالم تمنع من قبول المسيح، لأن المجنونين المسكونين بالشياطين كانا مستعدين لقبول المسيح أكثر من الجدريين الدنيويين.
    طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ يسوع غير مرغوب فيه لأنه يعطي ربحاً روحياً وأحياناً خسارة مادية. وما أكثر الماديين الذين يعيشون للخبز فقط ولو عفروا الجباه في سبيل تحصيله، فبئس ما فعلوا، وبئس ربحهم من خسارة حقيقية!

    الأصحاح التاسع


    ١ «فَدَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ وَٱجْتَازَ وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِهِ».
    متّى ٤: ١٣
    هذا العدد خاتمةٌ لأصحاح ٨ لأن فيه ذكر طلب الجدريين أن ينصرف المسيح عن تخومهم. فلم يكن له إلا أن يدخل السفينة ويرجع. والأرجح أن تلك السفينة هي التي عبر فيها بحر الجليل.
    إِلَى مَدِينَتِهِ هي كفرناحوم، لا بيت لحم حيث وُلد، ولا الناصرة حيث تربى. وقد اختار كفرناحوم مركزاً لتبشيره (متّى ٤: ١٣).
    ٢ «وَإِذَا مَفْلُوجٌ يُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ مَطْرُوحاً عَلَى فِرَاشٍ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ».
    مرقس ٢: ٣ ولوقا ٥: ١٨ ومتّى ٨: ١٠
    ذكر متّى هنا معجزة أخرى لإثبات أن يسوع هو المسيح. ولم يكن من قصد متّى أن يذكر الحوادث بترتيب تاريخ حدوثها، بل قصد أن يجمع البراهين على قوة المسيح العجيبة الإلهية.
    مَفْلُوجٌ أي مُصاب بداء الفالج (الشلل). انظر شرحنا على متّى ٨: ٦.
    يُقَدِّمُونَهُ زاد مرقس على ذلك أن الذين قدموه أربعة، وأنهم لما لم يتمكنوا من الوصول إلى المسيح بسبب ازدحام الناس عليه، صعدوا به على السطح ودلوه إلى أمام المسيح (مرقس ٢: ٣، ٤).
    مَطْرُوح دليلاً على شدة ضعفه وعجزه.
    رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُم أي إيمان المفلوج وإيمان أصدقائه الذين حملوه، وهو ثقتهم أن المسيح يقدر أن يشفيه وهو راضٍ بذلك. ولم يرَ إيمانهم بعلمه الإلهي فقط، لأنه رأى علامات خارجية على إيمانهم، في ما فعلوه، وما كان على إمارات وجوههم، وما قالته كلماتهم، وعدم اكتراثهم بصعوبة الوصول إلى المسيح (مرقس ٢: ٤ ولوقا ٥: ١٩).
    ثِقْ يَا بُنَيّ ما أطيب كلمة «يا بنيَّ» هنا، وما أكثرها تشجيعاً لإنسان مسكين فقد عزيمته حتى على الوقوف أو السير. إنه يقول له: تشجع وقم من الأموات فيضيء لك المسيح. «يا بُنيَّ» دليل حبه له، وشفقته عليه، وعلى العلاقة الجديدة بينهما بناءً على إيمانه.
    لم يكتف المسيح بمدح إيمان ذلك المفلوج، الذي بالرغم من مرضه الجسدي كان صحيح النفس، فزاده قوة بهذا الكلام. فكأنه قال له: تشجع وافرح بالرجاء. ولعل مرضه وشدة عجزه جعلاه ضعيف الأمل. ويُحتمل أن نفسه قلقت من ذلك المرض لأنها حسبته ضربة من الله على خطاياه، فجاء المسيح ليشفيه نفساً وجسداً، ويعيد إلى نفسه أحسن الرجاء.
    مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك أي في الحال لا في المستقبل، فهو إنجاز لا وعد.
    لا نظن أن علة مرضه كانت خطيئته كما كان اليهود يعتقدون. وهذا ما اجتهد المسيح في إزالته (يوحنا ٩: ٣ ولوقا ١٣: ٢ - ٥). ولا نقول إن الخطية لا تسبب مرضاً، لكننا ننفي أن كل مرض نتيجة خطية معينة. وأحب المسيح أن يقرن شفاء الجسد بشفاء النفس ليجعل الأول رمزاً للثاني وعربوناً له، وليبين أنه طبيب النفس كما أنه طبيب الجسد. وفي نبأ المفلوج غرابة وهي أن غفران الخطايا سبق شفاء الجسد خلافاً لعادة المسيح في الشفاء. وقد أبان هنا أن المغفرة هي البركة العظمى، وأنها تشتمل على سائر البركات. وقصد المسيح بذلك أن يحول أفكار الناس من الشفاء الأدنى إلى الشفاء الأسمى، وعندما سُئل أن يشفي جسد المفلوج أعطاه الشفائين. وإن كان للمسيح في حال اتضاعه على الأرض ذلك السلطان على الغفران، فبالأولى أن يكون له وهو مالك في المجد (أعمال ٥: ٣١).
    ٣ «وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ ٱلْكَتَبَةِ قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: هٰذَا يُجَدِّفُ».
    وَإِذَا قَوْمٌ أي جماعة بينها جواسيس وأعداءٌ للمسيح. لأجلهم قال ما قاله في العدد الثاني في شأن مغفرة الخطايا.
    ٱلْكَتَبَة انظر شرحنا في متّى ٢: ٤ و٥: ٢٠. حسد الكتبة المسيح لكثرة الجموع التابعة له، وأبغضوه لأنه فند تعاليمهم (متّى ٧: ٢٩) ولم يكونوا من كفرناحوم وحدها بل كانوا من كل منطقة الجليل واليهودية ومن أورشليم عينها (لوقا ٥: ١٧). وإتيانهم بكثرة من أماكن بعيدة ليراقبوه دليل على ما كانت عليه أفكار علماء اليهود من الهيجان لما فعله المسيح وعلمه.
    قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عرف المسيح ذلك وأن لم ينطقوا به. وهم لم يظنوا أنه عرف، ولكنه عرف إيمان المفلوج وحامليه، كما عرف عدم إيمان الكتبة. وفي هذا برهان على أنه هو الله الذي يعلم أسرار القلوب، فهذا من صفات الله الخاصة (أيوب ٢٨: ٩ ورؤيا ٨: ٢٧ ورؤيا ٢: ٢٣).
    يُجَدِّف التجديف ما يشين حق الله والدين. ونسب الكتبة التجديف إلى المسيح لأنه ادَّعى السلطان على مغفرة الخطايا، الأمر الخاص بالله وحده. فأصابوا بقولهم إنه من التجديف أن الإنسان يدعي السلطان على الغفران، لأنه لا يقدر أحد أن يترك ديناً ليس له. وكل خطية ضد الله. فحق المغفرة له وحده. لكنهم أخطأوا في إنكارهم لاهوت المسيح، إذ حسبوه إنساناً مجرداً فحكموا عليه بالتجديف. ويتبين لنا من هذا أن أفضل الناس معرَّض لأن يُتَّهم بارتكاب أفظع الخطايا.
    ٤ «فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَالَ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِٱلشَّرِّ فِي قُلُوبِكُم؟».
    مزمور ٤٤: ٢١ و١٣٩: ٢ ومتّى ١٢: ٢٥ ومرقس ١٢: ١٥ ولوقا ٥: ٢٢ و٦: ٨ و٩: ٤٧ و١١: ١٧
    فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ أي أدرك ما في قلوبهم دون أن يبينوه بأفواههم.
    تُفَكِّرُونَ بِٱلشَّرِّ كانت أفكارهم شريرة لأنهم لم يؤمنوا بأن يسوع هو المسيح، ولأنهم نسبوا إليه الشر والتجديف.
    فِي قُلُوبِكُم قال ذلك لأن حالة قلوبهم كانت علة عدم إيمانهم. واستفهامه هنا للتوبيخ الشديد، كأنه قال لهم: أخطأتم بأنكم ظننتموني مدَّعياً سلطاناً ليس لي، وأني قلتُ ذلك ظناً أن لا أحد يقدر أن يبرهن بُطل دعواي. فكان عليهم أن يعلموا من معجزاته أنه ليس مجرد إنسانٍ.
    يتوهم بعض الناس أن الخطية هي ما يُرتكب قولاً أو فعلاً. ولكن ظهر هنا أن الخطية تُرتكب بالفكر أيضاً. فمن الجهل القول بأن لا عقاب على الخطايا الفكرية (عبرانيين ٤: ١٣). ويظهر من سؤال المسيح المتقدم أن الشكَّ في سلطانه على غفران الخطايا خطية!
    ٥ « أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَٱمْشِ؟».
    انتقل المسيح من البرهان العقلي لإثبات سلطانه على مغفرة الخطايا إلى البرهان الحسي، بأن شفى المفلوج بأمره، لأنه علم أن الأدلة العقلية لا تؤثر فيهم. فجاء بذلك الشفاء الحسي دليلاً على صحة الشفاء العقلي.
    أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ الخ لم يقل المسيح: هل غفران الخطية أيسر أم شفاء المفلوج؟ بل سأل: أي الدعويين أسهل على الإنسان المخادع؟ ولا شكَّ أن دعوى المغفرة أيسر له، لعدم القدرة على كشف خداعه في ذلك. فاختار المسيح أصعب الدعويين على المخادع لسهولة بيان الحق فيه، وبرهن صدقه بأمره للمفلوج: قم وامشِ، فقام ومشى.
    ٦ «وَلٰكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ ٱلإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى ٱلأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ ٱلْخَطَايَا حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: قُمِ ٱحْمِلْ فِرَاشَكَ وَٱذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ».
    خاطب المسيح الكتبة قبل أن يخاطب المفلوج. وادَّعى بسلطانين يستحيل كلٌّ منهما على الإنسان، وربط أحدهما بالآخر، حتى إذا ثبت أحدهما ثبت الآخر. وإن بطل أحدهما بطل الآخر. فكأنه قال: كما قلت قبلاً بأنه مغفورة له خطاياه، أقول الآن بأنه شُفي من دائه. وإن بقي مفلوجاً فالدعويان باطلتان. وإن شفي بأمري ثبتت الدعويان!
    سُلْطَاناً عَلَى ٱلأَرْضِ أي أن للمسيح على الأرض السلطان الذي اعتقد الكتبة أنه لله وحده في السماء. وسمَّى نفسه بابن الإنسان إعلاناً أنه هو المسيح، لأن ذلك من الأسماء الخاصة به.
    قُمِ الخ بعد أن خاطب الكتبة وجَّه المسيح كلامه إلى المريض المطروح أمامه. فجعل تلك المعجزة دليلاً ظاهراً على حقيقة باطنة.
    ٱحْمِلْ فِرَاشَكَ وَٱذْهَبْ أمره بذلك ليدل على كمال الشفاء، لأنه بعد شدة ضعفه وعجزه لا يقدر على ذلك إلا إن عادت إليه القوة والعافية الكاملتان.
    ٧ «فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ».
    لا شكَّ أن أصدقاء المسيح وأعداءه كانوا ينتظرون النتيجة بكل اهتمام، لأنه لو عجز المسيح عن شفاء المفلوج لبطلت كل دعاواه، وكان أمره في ذلك كأمر النبي إيليا وكهنة البعل في جبل الكرمل. فلا ريب في أنه عندما قام ذلك المفلوج افترق بعض الجموع التي منع ازدحامها وصول المفلوج إلى المسيح عن بعض ليعطوا طريقاً لمرور المفلوج الذي أتى يحمله أربعة، فرجع حاملاً ما كان محمولاً عليه. فقد رأينا أنه شُفي بكلمة في الحال ونال تمام الشفاء أمام الجميع أعداءً وأصدقاءً.
    ٨ «فَلَمَّا رَأَى ٱلْجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا ٱللّٰهَ ٱلَّذِي أَعْطَى ٱلنَّاسَ سُلْطَاناً مِثْلَ هٰذَا».
    متّى ١٥: ٣١
    ذكر متّى هنا تأثير تلك المعجزة في المشاهدين، فإنهم تعجبوا من القوة الإلهية التي ظهرت بشفاء شر الأمراض، ومجدوا الله بنسبتهم كل المجد إليه (لوقا ٥: ٢٥).
    ٱلنَّاس هذا يدل على أنهم مع كل ما شاهدوه لم يعتقدوا أن المسيح إله، بل ظنوه واحداً من البشر، أو أرادوا بذلك يسوع وتلاميذه.
    سُلْطَاناً مِثْلَ هٰذَا أي قوة على شفاء الأمراض ومغفرة الخطايا كما تبرهن. فمشاهدة المعجزات غير كافية للإيمان القلبي بدون فعل الروح القدس.
    في هذه المعجزة ثلاثة براهين على لاهوت المسيح: معرفة الأفكار. الثاني: شفاء المريض بأمر. الثالث مغفرة الخطايا لأن كلاً منها مختص بالله.
    ٩ «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ رَأَى إِنْسَاناً جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ ٱلْجِبَايَةِ، ٱسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: ٱتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ».
    مرقس ٢: ١٤ الخ ولوقا ٥: ٢٧ الخ متّى ٢١: ٣١، ٣٢.
    ماذا جعل يسوع يدعو متّى العشار؟ في هذه الدعوة خروج على جميع تقاليد الفريسيين وعاداتهم المتبعة بكل دقَّة. وكان يسوع يعرف الصعوبات سيواجهها بسبب هذا التحول عن الفريسيين إلى العشارين والخطاة. والجواب على هذا السؤال نجده بقوله «لا يحتاج الأصحاء». وأية خسارة كنا خسرناها لولا دعوته له. ألا يكفي متّى فخراً أن أصبح الإنجيلي العظيم؟ فما أقصر نظر الفريسيين وأتباعهم، وما أبعد نظر يسوع إلى قيمة الرجال الحقيقيين.
    مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاك أي من كفرناحوم (مرقس ٢: ١) إلى بحيرة طبرية (مرقس ٥: ١٣).
    مَكَانِ ٱلْجِبَايَةِ وهو إما بيت أو خيمة على الشارع، تصلح مكتباً لجمع الجزية. وكانت كفرناحوم تقع على أعظم الطرق، وهي مركز ذو شأن لجمع الجباية من كل تلك البلاد. وكان اليهود يحتقرون العشارين (انظر متّى ٥: ٤٦).
    ٱسْمُهُ مَتَّى هو كاتب هذه البشارة، ويسمى أيضاً لاوي في بشارتي مرقس ولوقا. فكان ذا اسمين كبطرس ومرقس وبولس، كعادة اليهود. وبعد أن صار تلميذاً شاع اسمه متّى أكثر من لاوي حتى أنه لم يذكر البشيرون الاسم الثاني في قوائم أسماء الرسل الأربع.
    فَقَالَ لَهُ: ٱتْبَعْنِي اختار المسيح رسله الأربعة الأولين من صيادي السمك، واختار الخامس من العشارين أثناء ممارسة مهنته. وليس لنا في الإنجيل ما يبين أن متّى لم يشاهد المسيح ولا سمع تعليمه قبل هذه المرة، فيحتمل أنه كان فقط سمعه وآمن به وتوقع هذه الدعوة. وكانت مثل دعوة الله لإبراهيم منذ ١٩٥٠ سنة قبلها، ومثل الدعوة التي يدعونا بها المسيح اليوم (لوقا ٩: ٢٣).
    فَقَامَ وَتَبِعَهُ وذلك لدعوتين: الدعوة الظاهرة المسموعة من المسيح، والدعوة الباطنة من الروح القدس. فأجاب الدعوتين في الحال وترك كل شيء (انظر لوقا ٥: ٢٨) أي مهنته وربحه وأصحابه الأولين وما شاكل ذلك.
    ١٠ «وَبَيْنَمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي ٱلْبَيْتِ، إِذَا عَشَّارُونَ وَخُطَاةٌ كَثِيرُونَ قَدْ جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ».
    فِي ٱلْبَيْتِ لم يذكر متّى لمن كان ذلك البيت ومن قام بالوليمة التي كانت هناك، ولكن لوقا ٥ يذكر أن متّى العشار (بعد دعوته) أقام وليمة عظيمة ليسوع وتابعيه، ودعا إليها كثيرين من أصحابه الأولين من العشارين والخطاة. ولعل غايته من ذلك أن يسمعوا تعليم المسيح لخلاص نفوسهم، وأن يكرم المسيح أمام عيون الجميع. فأظهر بذلك صحة إيمانه وتغيير قلبه.
    عَشَّارُونَ وَخُطَاة هما فرقتان من الناس اعتاد الفريسيون أن يذكروهما معاً باعتبارهما نجستان ومحرومتان من حقوق أمة اليهود المقدسة. وذلك إما لرداءة صفات أولئك الناس، أو لكراهة مهنتهم، أو لاختلاطهم بالوثنيين، أو لتركهم فرائض الشريعة الطقسية. والظاهر أنهم مالوا إلى سمع وعظ المسيح أكثر من غيرهم. ولعل سبب ذلك أنهم كانوا مهانين من سواهم، وشاعرين بآثامهم وباحتياجهم إلى مخلص.
    ١١ «فَلَمَّا نَظَرَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ ٱلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ؟».
    متّى ١١: ١٩ ولوقا ٥: ٣٠ و١٥: ٢ وغلاطية ٢: ١٥
    ٱلْفَرِّيسِيُّونَ إن لم يكونوا من المدعوين إلى مائدة خاصة في تلك الوليمة فلا ريب في أنهم أتوا رقباء أو جواسيس. هذا إذا لم يظلوا وقوفاً خارجاً يرصدون الداخلين والآكلين.
    قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ كان ذلك بعد ما تناولوا الطعام، فاشتكوا المسيح إلى تلاميذه كأنهم خافوا أن يلوموه مواجهةً. أو لعلهم أرادوا أن يفسدوا أذهان التلاميذ ويصرفوهم عنه.
    لِمَاذَا يَأْكُلُ؟ اعتبر الفريسيون الأكل مع الوثنيين أو المحرومين من الشعب اليهودي مخالفاً لفرائض الدين (أعمال ١٠: ٢٨). فيظهر من اعتراض الفريسيين أنهم اعتقدوا أنه لا يجوز أن يجتمع المسيح مع مثل أولئك الناس ويصادقهم، باعتبار أنه نبي ومصلح. فحكموا من معاشرته للأشرار أنه ليس باراً.
    ١٢ «فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَـهُمْ: لاَ يَحْتَاجُ ٱلأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ ٱلْمَرْضَى».
    فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ كانت الشكوى للتلاميذ، لكن الجواب عليها كان من المسيح. لقد بنوا اعتراضهم على فساد ظنهم في عمله، فبيَّن لهم أن عمله عمل طبيب، وأن الخطية هي مرض نفوس الناس. وكلما زادوا خطية زادوا احتياجاً إلى وجود المسيح بينهم وعنايته بهم. فهو إذاً لم يعاشر الأشرار للذته بمعاشرتهم، بل لمنفعتهم.
    ٱلأَصِحَّاءُ لم يقصد أن الفريسيين أبرياء، لكنه برَّر نفسه بناءً على ما يدَّعونه من بر أنفسهم. فكأنه قال لهم: أنتم تعتقدون أنكم أبرياء، فإذاً لا تحتاجون إليّ. أما أولئك فيشعرون باحتياجهم إليَّ فلذلك أتيت إليهم. ولا شكَّ في أن مرض الفريسيين الروحي كان أشد من سائر الأمراض الروحية.
    ١٣ «فَٱذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى ٱلتَّوْبَةِ».
    هوشع ٦: ٦، ٧ و٨ ومتّى ١٢: ٧ و١تيموثاوس ١: ١٥، ١٦
    فَٱذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا ذكر لهم ما جاء في هوشع ٦: ٦ توبيخاً لهم وتبريراً لنفسه، وزاد على توبيخه لهم أن قال إنهم يجهلون كتبهم الدينية التي هم معلموها.
    أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً نقل من ذلك قول الكتاب برهاناً على أن الله يحب الرحمة للمصابين ومنح الخلاص للخطاة، أكثر مما يحب كل طقوس الشريعة التي أعظمها الذبيحة. فعمل المسيح الذي لاموه عليه كان وفق هذا المبدأ الإلهي. وأما هم فخالفوا هذا المبدأ بلومهم المسيح لأن الشفقة على الساقطين أحب إلى الله من أثمن القرابين.
    لأَنِّي لَمْ آتِ... أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً الأبرار هنا الذين يحسبون أنفسهم أبراراً غير محتاجين، والخطاة هنا هم الذين شعروا بآثامهم. لأنه لو كان في الأرض أبرارٌ بالحقيقة ما احتاجوا إلى التوبة. ولكنه أتى ليدعو الناس إلى التوبة لأنهم خطاة. وبما أنهم جميعهم كذلك وجب أن يخالطهم ليتمم إرساليته. فلا ينتج من هذه الآية أنه وُجد على الأرض إنسانٌ بارٌ لا يحتاج إلى التوبة والحق، وأنه لم يوجد ولا يوجد ولن يوجد مثل هذا الإنسان البار.
    ١٤ «حِينَئِذٍ أَتَى إِلَيْهِ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا قَائِلِينَ: لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيراً، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟».
    مرقس ٢: ١٨ الخ ولوقا ٥: ٣٣ الخ و١٨: ١٢
    حِينَئِذٍ أي وقت الوليمة.
    تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا كان يوحنا يومئذ في السجن، وقد تفرق تلاميذه، وتبع بعضهم المسيح. وكانت إرساليته إعدادية هدفها إرشاد الناس إلى المسيح باعتباره حمل الله الذي يرفع خطية العالم. فلو استفاد الجميع من تعليمه في شأن المسيح لاتبعوه كلهم. لكن أخذ بعض تلاميذ يوحنا يظهرون الغيرة له، وحسبوا المسيح منافساً لمعلمهم (يوحنا ٣: ٢٦) فنظموا حزباً سُمي «تلاميذ يوحنا» (متّى ١١: ٢ و١٤: ١٢). وكان لهم اصطلاحات في الصلاة (لوقا ١١: ١). واستمروا يشكلون حزباً وقتاً طويلاً، فقد وُجد بعضهم في أفسس بعد ثلاثين سنة من ذلك العهد (أعمال ١٩: ١ - ٧) وعددهم غير معلوم. والظاهر أنهم اقتدوا بمعلمهم بشدة الزهد. ونستدل من اتحادهم مع الفريسيين ومن سؤالهم في هذه الآية أنهم كانوا متعصبين في طقوس الشريعة (مرقس ٢: ١٨).
    نَصُومُ نَحْنُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيراً لم يفرض موسى على أمته سوى صوم يوم واحد في السنة (لاويين ٢٣: ٢٦ - ٣٢) زاد عليه اليهود أصواماً لأمور خاصة (أستير ٤: ١٥ وإرميا ٣٦: ٩ ويوئيل ١: ١٤) وأصواماً مطلقة (زكريا ٨: ١٩). وكان الفريسيون يصومون مرتين في الأسبوع (لوقا ١٨: ١٢). ولعل تلاميذ يوحنا صاموا أكثر من ذلك لحزنهم على سجن معلمهم، فتعجبوا من أن تلاميذ يسوع لم يشاركوهم في الصوم. ولا دليل على أن يوحنا فرض عليهم أصواماً جديدة. والظاهر أنه أبقى الأصوام المعهودة.
    لِمَاذَا... تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟ هذا استفهام للتوبيخ على تركهم الصوم باعتباره فرضاً دينياً ذا شأن واجب بالذات، ومعونة في الصلاة.
    ١٥ «فَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو ٱلْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ ٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلٰكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ ٱلْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ».
    يوحنا ٣: ٢٩ وأعمال ١٣: ٢، ٣ و١٤: ٢٣ و١كورنثوس ٧: ٥
    في جواب المسيح دفاعاً عن تلاميذه ثلاثة أمثال: (١) يتعلق بعادات الأفراح، و(٢) بالملابس، و(٣) بالخمر.
    هَلْ يَسْتَطِيعُ؟ هذا استفهام استنكاري يريد به أن ذلك لا يتوقعه أحد.
    بَنُو ٱلْعُرْسِ هم أصحاب العروسين ورفقاؤهم، لا كلُّ المدعوين.
    أَنْ يَنُوحُوا أراد بذلك أن الصوم علامة المناحة، فلا صوم حيث لا مناحة. والمعنى أنه لا يليق اتخاذ علامة الحزن وقت الفرح. والدليل على أن الصوم علامة الحزن قوله «إن صوم الشهر الرابع وصوم الخامس وصوم السابع وصوم العاشر يكون لبيت يهوذا ابتهاجاً وفرحاً وأعياداً طيبة» (زكريا ٨: ١٩).
    ٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ تشبيه المسيح نفسه بالعريس يناسب تلاميذ يوحنا، لأن يوحنا قال عنه «مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ» (يوحنا ٣: ٢٩). وأكمل المسيح بوصفه نفسه بذلك بعض النبوات والرموز المتعلقة به في العهد القديم، منها ما ذكر في هوشع ٢: ١٢ وإشعياء ٥٤: ٥ - ١٠ وإرميا ٣: ١٤ ونشيد الأنشاد بأسره. والحق أن مدة وجود المسيح مع تلاميذه على الأرض هي وقت المسرة والابتهاج لا وقت الحزن، فلو صام تلاميذ يسوع وقتئذٍ كانوا كأنهم ناحوا في وقت العرس.
    حِينَ يُرْفَعُ ٱلْعَرِيسُ هذه أول مرة أشار بها المسيح إلى صلبه، والأرجح أن تلاميذه لم يفهموا تلك الإشارة، وكذلك تلاميذ يوحنا، وإن كانوا قد استنتجوا من ذلك سفره عنهم فقد حسبوا ذلك سيتم بعد زمن طويل.
    فَحِينَئِذٍ يَصُومُون ذلك خبرٌ بما يقع في المستقبل لا أمرٌ به. إن كنيسة المسيح مكلفة بالصوم مدة غياب سيدها عنها بالجسد. فمراد المسيح أن الصوم يليق في غيابه لداعٍ حقيقي (يوحنا ١٦: ١٩، ٢٠).
    نستنتج من كلام المسيح أمرين: (١) أن الصوم ليس فرضاً واجباً، بناءً على أن الكنيسة اعتادته، أو أن الله أمر به. إلا أنه عمل حسن تمارسه الكنيسة عندما تدعو إليه أحوالها. فالصوم الذي يقبله الله لا بد أن يكون لسببٍ كافٍ وفي وقت مناسب. و(٢) أن الصوم بدون ما ذكرناه لا معنى له ولا منفعة، إنما ينفع حين يقترن بالحزن الروحي واتضاع النفس والصلاة القلبية زمن المصاب الشديد. والذي نعلمه من اختبار أولاد الله أنهم وجدوا من الصوم نفعاً عظيماً لهم أو للكنيسة كلها في الأحوال التي يليق الصوم فيها.
    ١٦ «لَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيقٍ، لأَنَّ ٱلْمِلْءَ يَأْخُذُ مِنَ ٱلثَّوْبِ، فَيَصِيرُ ٱلْخَرْقُ أَرْدَأَ».
    في هذا العدد ضرب المسيح المثل الثاني دفاعاً على اعتراض تلاميذ يوحنا والفريسيين عليه، وهو مبني على عادة الناس في ترقيع الثياب البالية. والمراد بالثوب في هذه الآية نسيج من الصوف بلي بالاستعمال فتخرَّق، وترقيعه بقطعة جديدة من النسيج يجذب كل ما حول الخياطة، فيتمزق الثوب البالي أكثر! والمعنى أن المسيح لم يأتِ ليصلح طقوس اليهود البالية من عوائد الفريسيين وتقاليد الشيوخ بأن يزيد عليها طقوساً جديدة كالأصوام وغيرها، لأن هذا التصليح يكون كالرقعة المذكورة. ولكنه أتى ليجدد الكنيسة كلها، ليس من جهة جوهرها بل من جهة كل طقوسها الخارجية. فكأنه قال: لا يمكن أن تضاف تعاليمي الجديدة على طقوس الفريسيين العتيقة، فالاجتهاد في ذلك عبثٌ بل ضارٌ.
    ١٧ «وَلاَ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ، لِئَلاَّ تَنْشَقَّ ٱلزِّقَاقُ، فَٱلْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَٱلزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ فَتُحْفَظُ جَمِيعاً».
    المثل الثالث الذي ذكره المسيح مأخوذ من عادات الناس في وضع الخمر في الزقاق، فجلد الزقاق العتيقة رقيق ضعيف، إن وضعت فيه الخمر الجديدة اختمرت داخله فتمزقه. ولكن إن وضعت تلك الخمر في زقاق من جلود جديدة قوية احتملت لمرونتها فعل الخمر عند اختمارها. والمعنى أن المسيحية ذات حياة وحرية ونمو، فلا يمكن حصرها في نطاق ضيق بالٍ كطقوس اليهود الفريسية.. والكنيسة المسيحية إن لم تنتبه إلى تعليم المسيح ترتكب خطأ تلاميذ يوحنا. وكتب بولس رسالته إلى أهل غلاطية إصلاحاً لذلك الغلط. إنما تلك الرسالة هي شرح مطول لكلام المسيح هنا.
    ١٨ «وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ بِهٰذَا إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاءَ فَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: إِنَّ ٱبْنَتِي ٱلآنَ مَاتَتْ، لٰكِنْ تَعَالَ وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهَا فَتَحْيَا».
    مرقس ٥: ٢٢ الخ ولوقا ٨: ٤١ الخ
    حدث ما في هذه الآية وهم مجتمعون في بيت متّى بعد الوليمة، وكان الحوار حول الصوم لا يزال دائراً.
    رَئِيسٌ زاد مرقس على ذلك أن اسمه يايرس، وأنه رئيس مجمع، أي أنه أحد شيوخ اليهود الذين يقومون بالأمور الدينية في كفرناحوم، وهي وظيفة قديمة عندهم يرثها الخلف في العائلة عن السلف، وأصحاب تلك الوظيفة أشرف أمة اليهود ولادةً ورتبة. ولعله كان أحد شيوخ مجمع كفرناحوم الذين جاءوا إلى المسيح يسألونه شفاءَ غلام قائد المئة (لوقا ٧: ٣). لقد ألجأت الضيقة هذا الرئيس إلى المسيح، فيجب أن يكون تأثير كل مصائبنا كذلك.
    سَجَدَ لَهُ أي طرح نفسه على الأرض قدامه (مرقس ٥: ٢٢) ولا يدل ذلك ضرورة على أنه قصد بما فعل أن يعبده، بل يبين أنه احترم المسيح جداً.
    ٱبْنَتِي هي ابنة وحيدة له في سن الثانية عشرة (لوقا ٨: ٤١).
    ٱلآنَ مَاتَتْ عندما فارقها كانت مشرفة على الموت، حتى رجح لشدة خوفه أنها عند وصوله إلى المسيح ماتت.
    تتَعَالَ وَضَعْ يَدَك نستدل من ذلك أن الرئيس اعتقد كسائر الناس أن حضور المسيح بالذات ولمسه باليد أمران ضروريان لإجراء المعجزة. والعجب أن قائد المئة مع أنه وثني كان أحسن إيماناً بالمسيح من هذا الإسرائيلي، لأنه صدَّق أن المسيح يقدر أن يشفي بكلمة وهو غائب عن المريض (متّى ٨: ١٠).
    فَتَحْيَا قوله هذا ومجيئه للمسيح يظهران إيمانه وإن كان ناقصاً.
    ١٩ «فَقَامَ يَسُوعُ وَتَبِعَهُ هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ».
    أجاب المسيح حالاً كعادته الدعوة الناتجة عن الحزن والاحتياج فتبعه تلاميذه وجمعٌ ممن أرادوا مشاهدة ما يكون (مرقس ٥: ٢٤ ولوقا ٨: ٤٢).
    ٢٠ «وَإِذَا ٱمْرَأَةٌ نَازِفَةُ دَمٍ مُنْذُ ٱثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً قَدْ جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَمَسَّتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ».
    مرقس ٥: ٢٥ ولوقا ٨: ٤٣
    بينما المسيح ذاهب ليجري المعجزة في بيت يايرس، صنع معجزة أخرى في الطريق. فقد كان في ذلك المجمع امرأة لم تأتِ لمشاهدة ما يكون في بيت يايرس، بل لتطلب شفاءً من مرض اعتراها منذ اثنتي عشرة سنة. وعلى قول مرقس ولوقا «أنفقت كل مالها على الأطباء فلم تستفد شيئاً بل زادت مرضاً» فيئست من البشر، ورجت المسيح بالإيمان. وكان مرضها مما تستحي أن تعلنه، فطلبت الشفاء سراً.
    مِنْ وَرَائِه أتت ذلك عمداً لا صدفةً بسبب ما ذكرناه. ولعلها كتمت أمرها لأنها كانت حسب شريعة موسى نجسة بسبب ذلك المرض (لاويين ١٥: ٢٦).
    مَسَّتْ هُدْبَ ثَوْبِه كان هذا الثوب رداءً أو ما يُلبس فوق سائر الثياب. وكان العبرانيون يعلقون الهدب بطرف ذيل الثوب طاعةً لأمر الله، وعلامة على أنهم شعبه (عدد ١٥: ٣٨ وتثنية ٢٢: ١٢). ولا بدَّ أن لمسها كان بإيمان وصلاة غير مسموعة.
    ٢١ «لأَنَّهَا قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: إِنْ مَسَسْتُ ثَوْبَهُ فَقَطْ شُفِيتُ».
    قالت ذلك في قلبها وهي تزاحم الناس مقتربة إلى المسيح، معتقدة أن لمس ذيله يشفيها. وهذا دليل على قوة إيمانها.
    ٢٢ «فَٱلْتَفَتَ يَسُوعُ وَأَبْصَرَهَا، فَقَالَ: ثِقِي يَا ٱبْنَةُ. إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ. فَشُفِيَتِ ٱلْمَرْأَةُ مِنْ تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ».
    لوقا ٧: ٥٠ و٨: ٤٨ و١٧: ١٩ و١٨: ٤٢
    ذكر متّى هنا أنها شُفيت حالاً بلمس ثوبه، وزاد مرقس ولوقا على هذا بعض أمور (مرقس ٥: ٣٠ - ٣٣ ولو ٨: ٤٥ - ٤٧). ولا شكَّ أن المسيح عرف قصد المرأة وهي تقترب إليه لتلمس ثوبه، كما عرف أفكار الكتبة (متّى ٩: ٤). فإيمانها هبة منه، وهو جذبها إليه.
    فَٱلْتَفَتَ التفات الحنو والشفقة
    ثِقِي يَا ٱبْنَة قال ذلك دفعاً لخوفها لأنها كانت تتوقع التوبيخ على تلك الجسارة.
    إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ شفتها قوة المسيح، ولكن إيمانها كان الوسيلة إلى تحريك تلك القوة. فالإيمان هو يد النفس التي تتناول البركة. كلمات المسيح شفت وطهرت. فنرى من التأمل في هذه المعجزة تعزية عظيمة للحزانى، لأن أقل التجاء إلى المسيح بالتواضع والإيمان من قلب خائف يمنح شفاءً تاماً للنفس المريضة.
    أتت تلك المرأة خائفة فعادت مبتهجة. وهكذا كل من أتى إلى المسيح بالتوبة، يعود مسروراً مطمئناً.
    ٢٣ «وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ ٱلرَّئِيسِ، وَنَظَرَ ٱلْمُزَمِّرِينَ وَٱلْجَمْعَ يَضِجُّونَ».
    مرقس ٥: ٣٨ ولوقا ٨: ٥١ و٢أخبار ٣٥: ٢٥
    اختصر متّى الخبر فلم يذكر إتيان الرسول إلى يايرس في الطريق ليخبره أن ابنته ماتت، ولم يذكر كلمات المسيح لتقوية إيمانه (مرقس ٥: ٣٥، ٣٦ ولوقا ٨: ٤٩، ٥٠). ولم يذكر أنه لما وصل إلى البيت أدخل معه ثلاثة فقط من تلاميذه (مرقس ٥: ٣٧ - ٤٠) ولا بد أن التعطيل الذي حصل للمسيح في الطريق كان واسطة لامتحان إيمان يايرس وتقويته. ولا بد أن المعجزة التي شاهدها على الطريق زادت ثقته بالمسيح.
    ٱلْمُزَمِّرِينَ ذلك من استعدادات الدفن، فاليونانيون والرومانيون واليهود كانوا يستأجرون نادبين في جنازاتهم. وكان القصد من استعمال آلات الطرب مساعدة النادبين. وبما أن الميتة كانت من عائلة شريفة زاد الاحتفال بجنازتها. وكل ما ذُكر علامة على أنها ماتت حقيقة لأنه كان كله استعداداً للدفن.
    ٢٤ «قَالَ لَـهُمْ: تَنَحَّوْا، فَإِنَّ ٱلصَّبِيَّةَ لَمْ تَمُتْ لٰكِنَّهَا نَائِمَةٌ. فَضَحِكُوا عَلَيْهِ».
    أعمال ٢٠: ١٠
    صرف المسيح النادبين والضاجين لا لأن الصبية حية، بل لأنه قصد أن يبدل حزنهم إلى فرح عاجل، ولأنه لم يرهم مستعدين وليسوا أهلاً أن يشاهدوا أعظم آياته. ويدل على عدم أهليتهم لذلك هزؤهم به عند قوله «إن الصبية لم تمت».
    لَمْ تَمُتْ لٰكِنَّهَا نَائِمَة لم يرد أنه أُغمي عليها، بل قوله إنها نائمة كقوله «لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ» وهو عالم أنه قد مات (يوحنا ١١: ١١ - ١٤) فاستعار النوم لموتها لقرب إحيائها، وليوقفهم عن استعدادات الدفن. واستعارة النوم للموت مجازٌ شائع في أكثر لغات الأرض. وما يجمع بين الأمرين: الراحة والسكون في كليهما، ولأنه يلي الموت القيامة كما يلي النوم اليقظة (دانيال ١٢: ٢ و١تسالونيكي ٤: ١٤) فيجوز أن يُقال إن النوم موت قصير والموت نوم طويل.
    فَضَحِكُوا عَلَيْه ذكر متّى ذلك برهاناً قاطعاً على أنها ماتت حقاً، وإنما ضحكوا لمعرفتهم علامات الموت، ولأنهم لم يفهموا ما قصده المسيح بالنوم.
    ٢٥ «فَلَمَّا أُخْرِجَ ٱلْجَمْعُ دَخَلَ وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا، فَقَامَتِ ٱلصَّبِيَّةُ».
    دخل المسيح بعد أن أخرج الجمع على غير إرادتهم مع والدي الصبية وثلاثة من تلاميذه إلى حيث الصبية.
    وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا تنازل المسيح إلى ذلك تقوية لإيمان أبيها الضعيف، وإشارة إلى أن إحياءها كان بقوته. وزاد مرقس على ذلك أن المسيح قال لها «طليثا قومي» (مرقس ٥: ٤١).
    فَقَامَتِ ٱلصَّبِيَّةُ أي من الموت ومن سريرها. وزاد مرقس على ذلك أنها مشت (مرقس ٥: ٤٢) وأمر أن تطعم لتقويتها بعد مرضها ولبيان أنها جسد حقيقي لا خيال (لوقا ٨: ٥٥) ورأى البعض من أمر المسيح بإطعامه رقة قلبه خوفاً من أن ينسى والداها لشدة فرحهما أن يطعماها. وهذه أول معجزات أربع أظهر بها المسيح سلطانه على الموت، ثلاث منها أقام بها غيره، وهي إقامته هذه الصبية، وإحياءه ابن أرملة نايين، وإقامة لعازر. وواحدة في نفسه إذ قام من الموت. وأثرت هذه المعجزات في الناس أكثر من غيرها لأنهم لم يشاهدوا في تغيرات الطبيعة شبيهاً لها.
    ٢٦ «فَخَرَجَ ذٰلِكَ ٱلْخَبَرُ إِلَى تِلْكَ ٱلأَرْضِ كُلِّهَا».
    لم يقتصر انتشار الخبر في كفرناحوم، بل ذاع في كل البلاد المجاورة لها.
    ٢٧ «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ تَبِعَهُ أَعْمَيَانِ يَصْرُخَانِ وَيَقُولاَنِ: ٱرْحَمْنَا يَا ٱبْنَ دَاوُدَ».
    متّى ٢٠: ٣٠ ومرقس ١٠: ٤٧ ولوقا ١٨: ٣٨
    ذكر متّى هنا معجزتين أتاهما يسوع بعد إقامة ابنة يايرس لم يذكرهما غيره من البشيرين، وذلك من الأدلة على أنه كتب بشارته مستقلاً.
    تَبِعَهُ أَعْمَيَانِ رافق أحدهما الآخر لاشتراكهما في الانفعالات، وليساعد الواحد الآخر عند الحاجة. والأرجح أنهما سمعا من المارين وأبناء السبيل الأخبار عن المسيح ومعجزاته وأنه قريب منهما.
    يَصْرُخَانِ وَيَقُولاَن أي يرفعان الأصوات الدالة على الشدة حتى ينتبه إليهما.
    ٱرْحَمْنَا أي اظهر شفقتك علينا بمنحنا البصر.
    يَا ٱبْنَ دَاوُد أي يا سلالة داود وخليفته على عرش ملكه. وذلك من ألقاب المسيح عند اليهود بناءً على ما جاء في الأنبياء (انظر إشعياء ٩: ٧ و١١: ١ وإرميا ٢٣: ٥) وسمياه بذلك على شهادة من شاهدوا آياته. وأظهرا بذلك إيمانهما بأنه قادر أن يشفيهما.
    ٢٨ «وَلَمَّا جَاءَ إِلَى ٱلْبَيْتِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلأَعْمَيَانِ، فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: أَتُؤْمِنَانِ أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ هٰذَا؟ قَالاَ لَهُ: نَعَمْ يَا سَيِّدُ».
    متّى ١٣: ٥٨ ومرقس ٩: ٢٣، ٢٤ ويوحنا ٤: ٤٨، ٥٠ و١١: ٢٦، ٤٠
    لم يظهر أن المسيح انتبه لصراخهما إلى أن دخل بيتاً (الأرجح أنه بيت بطرس) امتحاناً لإيمانهما. فبعد ما أظهرا الإيمان به والرغبة في الشفاء أجاب طلبهما. ولعله أحب أن يتوارى عن أعين الناس عند فعله المعجزة، ثم امتحنهما بالكلام كما امتحنهما بالفعل فقال:
    أَتُؤْمِنَان طلب اعترافهما بالإيمان استعداداً لنوال الشفاء.
    ٢٩ «حِينَئِذٍ لَمَسَ أَعْيُنَهُمَا قَائِلاً: بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا».
    لَمَسَ أَعْيُنَهُمَا لمس الأعين دون غيرها لأنها هي المصابة. ولمسهما يبين أن الشفاء منه. وتلك كانت عادة المسيح في تفتيح أعين العمي دائماً، لأن ما كان يستفيده غيرهم بالنظر إلى وجه المسيح وعمله كانوا يستفيدونه باللمس (متّى ٩: ٢٩ ويوحنا ٩: ٦ ومرقس ٨: ١٢).
    بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا أي على قدر الإيمان، لا حسب استحقاقه. وهذا يظهر العلاقة بين إيمان الإنسان وهبة الله، فالإيمان ليس سوى واسطة لقبول البركات الإلهية، وبه الاتصال بين غنى الله وفقر الإنسان. وبمثل إيمان هذين الأعميين والاعتراف به تخلُص نفوسنا من الهلاك الأبدي.
    ٣٠ «فَٱنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا. فَٱنْتَهَرَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: ٱنْظُرَا، لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ!».
    فَٱنْفَتَحَتْ يعبر الكتاب عن منح البصر للعميان بانفتاح العيون.
    لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ أمر المسيح بإخفاء خبر المعجزة لتواضعه، وعدم رغبته في الشهرة، لأن الافتخار بأنه صانع معجزات كان يعيقه عن العمل الأعظم وعن التعليم، وأنه كان يشغل أفكار الناس بالدنيويات عندما كان يريد توجيهها إلى الروحيات. ولم يرد ذلك خوفاً من أن الناس يقيمونه ملكاً على الرغم منه، وخيفة أن يقوم عليه الحكام توهُّماً أنه يريد الفتنة والعصيان. ولا نعلم لماذا أمر بكتم بعض المعجزات تارة وإظهارها أخرى، ولعله رأى غيرة البعض شديدة فأراد أن يقللها، ورأى غيرة الآخرين ضعيفة فأراد تقويتها. أو لعل الأحوال كانت تقتضي الإظهار تارة والإخفاء أخرى.
    ٣١ «وَلٰكِنَّهُمَا خَرَجَا وَأَشَاعَاهُ فِي تِلْكَ ٱلأَرْضِ كُلِّهَا».
    مرقس ٧: ٣٦
    لعل الذي حملهما على تلك الإشاعة الشكر للمسيح. لكن هذا ليس عذراً لعدم طاعتهما أمره، لأن المسيح لا يأمر بشيء يريد خلافه، لأنه عند الله دائماً «الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ» (١صموئيل ١٥: ٢٢).
    ٣٢ «وَفِيمَا هُمَا خَارِجَانِ إِذَا إِنْسَانٌ أَخْرَسُ مَجْنُونٌ قَدَّمُوهُ إِلَيْه».
    متّى ١٢: ٢٢ ولوقا ١١: ١٤
    أَخْرَسُ مَجْنُون الأرجح أن الروح النجس كان سبب خرسه، فحالة هذا المصاب تشبه حالة الإنسان الذي ذكره متّى ١٢: ٢٢. إلا أن ذلك أعمى زيادة على الجنون والخرس. فكانت قوة الشياطين على إيقاع الضرر بالناس تختلف باختلاف الأشخاص.
    قَدَّمُوه لعل الذين قدموه أقرباؤه أو جيرانه لشفقتهم عليه، لأن المرجح أن ذلك المسكين كان أصم، والصمم يرافق الخرس غالباً. فلم يمكنه أن يعرف شيئاً من أمر المسيح. ولو لم يقدموه للمسيح لبقي بلا شفاء.
    ٣٣ «فَلَمَّا أُخْرِجَ ٱلشَّيْطَانُ تَكَلَّمَ ٱلأَخْرَسُ، فَتَعَجَّبَ ٱلْجُمُوعُ قَائِلِينَ: لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هٰذَا فِي إِسْرَائِيلَ».
    تَكَلَّمَ ٱلأَخْرَسُ هذا يبرهن أن الشيطان كان سبب خرسه، لأنه تكلم حالما خرج.
    فَتَعَجَّبَ ٱلْجُمُوعُ لأن هذه المعجزة أظهرت قوة جديدة لم يشاهد مثلها قبلها.
    لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ الخ ليس أن هذه المعجزة كانت أعظم من سائر معجزات المسيح، بل إن النتائج المذكورة لم تحدث قبلاً عند إخراج الشياطين، وإن الذين كانوا حاضرين وقتها لم يشاهدوا غيرها قط، ولعلهم شاهدوا كل معجزات المسيح أو أكثرها فحكموا عليها بما قالوا.
    فِي إِسْرَائِيل أي في أخبار بني إسرائيل منذ كانوا أمة إلى الآن، فلم يفعل مثل المسيح أحد من الأنبياء كموسى وإيليا وأليشع وغيرهم من أنبياء إسرائيل. وقد تم بهذه المعجزة قوله بلسان إشعياء «حِينَئِذٍ تَتَفَقَّحُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَسِ» (إشعياء ٣٥: ٥، ٦).
    ٣٤ «أَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا: بِرَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ».
    متّى ١٢: ٢٤ ومرقس ٣: ٢٣ ولوقا ١١: ١٥
    ذكر متّى في الآية السابقة خلاصة أفكار الجمهور في أمر المسيح بعد مشاهدتهم الآيات، وذكر هنا خلاصة أفكار الفريسيين بعد ذلك. وهذه هي المرة الأولى التي تجاسر فيها الفريسيون أن ينسبوا معجزات المسيح إلى عمل الشيطان، وكرروا ذلك بعده كثيراً. فجواب المسيح على هذا التجديف ذكره متّى ١٢: ٢٢ - ٣٧ وأتوا ذلك القول التجديفي ليمنعوا الناس من أن يستنتجوا أن يسوع هو المسيح.
    ِرَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ سمي هذا الرئيس بعلزبول (متّى ١٢: ١٤). لما لم يقدر الفريسيون أن ينكروا إخراج يسوع الشياطين، نسبوا قوته إلى بعلزبول، فيكون المسيح بهذا شريكاً للشيطان. وكان الواجب أن يعترفوا بالحق أنه هو المسيح.
    ٣٥ «وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ ٱلْمُدُنَ كُلَّهَا وَٱلْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي ٱلشَّعْبِ».
    متّى ٤: ٢٣ ومرقس ٦: ٦ ولوقا ١٣: ٢٢
    ذكر متّى هذه الآية عينها في ٤: ٢٣ ولكنها كانت هنالك مقدمة لما بعدها إلى هنا. وكانت خلاصة ما ذكر من هنالك بعد الإثبات بالبراهين.
    ٣٦ «وَلَمَّا رَأَى ٱلْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا».
    مرقس ٦: ٣٤ عدد ٢٧: ١٧ و١ملوك ٢٢: ١٧ وحزقيال ٣٤: ٥ وزكريا ١٠: ٢
    هذا ما فعله المسيح أثناء جولانه في الجليل يعلم الناس ويشفي مرضاهم.
    ٱلْجُمُوع أي الجماعات التي أتت من كل الجهات لتسمع تعاليمه. ولم يعين متّى زمان حدوث ذلك، ولعله زمن اجتماع الناس الذي ذكره في الأصحاح الخامس.
    تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ هذا لا ينفي أنه تحنن عليهم في غير هذا الوقت، إنما ذكره هنا افتتاحاً للحديث الذي دار بينه وبين تلاميذه، ومقدمة لإرساله الإثنى عشر مبشرين (متّى ١٠: ٥). ولم يحرك شفقته كثرة عددهم ولا احتياجاتهم الجسدية، بل فقرهم الروحي.
    مُنْزَعِجِين أي مضطربين ومهتمين ومتعبين من عدم القوت الروحي، ومن ثقل الأحمال التي حملهم إياها الفريسيون والكتبة من طقوسهم وتقاليدهم.
    مُنْطَرِحِينَ كغنم لا تساق إلى مرعى نهاراً ولا تصان في حظيرة ليلاً.
    كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا أشار بذلك إلى سوء أحوالهم وعدم الاعتناء بهم ممن كان يجب أن يفعلوا ذلك. وقصد الله أن يكون معلموهم بالنسبة إليهم كالرعاة إلى الغنم، لكنهم غفلوا عن واجباتهم كرعاة غير أمناء (إرميا ٢٣: ١، ٢ وحزقيال ٣٤: ١ - ٦ و١ملوك ٢٢: ١٧) فكان في شعب إسرائيل كتبة كثيرون وكهنة وناموسيون ورؤساء دين ومعلمون، ولكن لم يكن من الرعاة الروحيين إلا القليل.
    ٣٧ «حِينَئِذٍ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: ٱلْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلٰكِنَّ ٱلْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ».
    لوقا ١٠: ٢ ويوحنا ٤: ٣٥
    الحديث هنا نتيجة شفقته. والحصاد الذي لا حاصدين له هو الجموع الذين تحنن عليهم، وشبههم بالغنم بلا راعٍ، إشارة إلى ضياعهم. وشبههم هنا بحصاد لم يُجمع إشارة إلى أن الله خسرهم.
    ٱلْحَصَادُ كناية عن شيء ذي قيمة، وما يتعب فيه أصحابه ثم لا يستفيدون منه. وهو استعارة للشعب اليهودي بأسره، أو للمستعدين منهم إلى قبول التعليم الروحي.
    ٱلْفَعَلَةَ هم الذين يعتنون بجمع حصاد الله الروحي أي بتعليم جهلاء الشعب.
    ٣٨ «فَٱطْلُبُوا مِنْ رَبِّ ٱلْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِه».
    مزمور ٦٨: ١١ وإرميا ٣: ١٥ ولوقا ٦: ١٢، ١٣ و١٠: ١ ويوحنا ٤: ٣٥ و٢٠: ٢١ وأعمال ٨: ٤ و١كورنثوس ١٢: ٢٨ وأفسس ٤: ١١ و٢تسالونيكي ٣: ١
    فَٱطْلُبُوا مِنْ رَبِّ ٱلْحَصَادِ أن يعين فعلة، فهذا عمل رب الحصاد، وينبغي أن يُطلب إليه أن يعينهم. وكان المسيح هو رب الحصاد. وربما قصد ذلك بقوله ولم يوضحه في حال اتضاعه ولم ينتبه تلاميذه له. وأشار بقوله «اطلبوا» إلى أن الصلاة شرط لإرسال الله الفعلة، كما اتضح من متّى ٧: ٧ - ١١. وتعلمنا هذه الآية وجوب التوسل من أجل العالم، فالحصاد لا يزال كثيراً، والفعلة لا يزالون قليلين. فيجب أن نصلي بلا انقطاع ونسأل الله أن يرسل أناساً أمناء غيورين، يخبرون الأمم بالمسيح الذي صُلب ومات لأجلهم وقام لتبريرهم، وهو الآن يشفع فيهم.
    أَنْ يُرْسِل الأصل اليوناني أن يسرع بإرسال أولئك الفعلة. والذين يرسلهم الله هم الذين ينجحون في أعمالهم لا غيرهم.
    إِلَى حَصَادِه هذا الحصاد لله وحده، وهو يعتبره كذلك ويصرح به.

    الأصحاح العاشر


    ذكر متّى أنباء خدمة المسيح إجمالاً في ص ٤: ٢٣ حيث يقول «وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب» وبيّن أسلوب تعليمه في ٥، ٦، ٧ وأورد بض الأمثلة من معجزاته في ص ٨، ٩ وأخذ هنا يبين نظام الرسل الاثني عشر وأوامر المسيح لهم.
    ١ «ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً عَلَى أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ».
    دَعَا تَلاَمِيذَهُ علاوةً على خدمته في نشر بشراه دعا المسيح اثني عشر من تلاميذه ليساعدوه في تلك الخدمة، وكان قد اختارهم قبلاً (متّى ٤: ١٨ ومرقس ٣: ١٤) ليرشدهم ويعلمهم استعداداً لذلك. لكنهم لم يستعدوا كما ينبغي ليكونوا رسلاً إلا بعد يوم الخمسين (لوقا ٢٤: ٩ وأعمال ١: ٤١).
    ٱلاثْنَيْ عَشَرَ لا بد أن المسيح اختار أن يكون الرسل اثني عشر ليكونوا وفق عدد أسباط إسرائيل.
    سُلْطَاناً أوكل إليهم هذا السلطان من هو أعظم. وهو سلطان مقيَّد بالهدف الذي أعطاهم هذا السلطان لأجله. فليس لهم أن يتصرفوا به كما شاءوا.
    أَرْوَاحٍ نَجِسَة ليس على كل الأرواح، بل على الملائكة الساقطين. وسُموا «أرواحاً نجسة» لتأثيرهم النجس.
    حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا الخ قيد خدمتهم هنا بأن ينادوا بأن المسيح قد أتى، ويشرحوا أمور ملكوته الروحي، ويثبتوا تعاليمهم بمعجزات المسيح. ولكن تلك الخدمة اتسعت بعد يوم الخمسين بأن أسسوا كنيسة المسيح، وأوضحوا التعاليم المسيحية ونشروها. وتطورت أحوال الرسل مع دعوة المسيح في ثلاثة أحوال: (١) أنه اتخذهم أصدقاء، أسمعهم بعض تعاليمه وهم باقون في أعمالهم اليومية. و(٢) أنه اتخذهم رفقاء. و(٣) أنه عينهم رسلاً وأرسلهم للتبشير. وجاء في لوقا ٦: ١٢ - ١٩ أنه اختارهم قبل وعظه على الجبل، وأنه قضى الليلة السابقة لاختيارهم في الصلاة.
    ٢ «وَأَمَّا أَسْمَاءُ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ رَسُولاً فَهِيَ هٰذِهِ: ٱلأَوَّلُ سِمْعَانُ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسُ أَخُوهُ. يَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي، وَيُوحَنَّا أَخُوهُ».
    يوحنا ١: ٤٢ وأعمال ١: ١٣
    لأسماء الرسل أربع قوائم مستقلة، (١) ما ذكره متّى هنا. و(٢) ذكرها مرقس (مرقس ٣: ١٦ - ١٩) و(٣، ٤) ذكرهما لوقا (لوقا ٦: ١٤ - ١٦ وأعمال ١: ١٣) وفيها اختلاف في الأسماء وفي ترتيبها. لكن ذُكر فيها كلها اسم بطرس أولاً، واسم فيلبس خامساً، واسم يعقوب تاسعاً، واسم يهوذا الإسخريوطي أخيراً في ثلاثة منها وتُرك في الرابعة.
    سِمْعَانُ هو ابن يونا وهو صياد سمك، وُلد في بيت صيدا على شاطئ بحر الجليل، وسكن في كفرناحوم، وكان أولاً من تلاميذ يوحنا المعمدان (يوحنا ١: ٤٠، ٤١).
    يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ لقَّبه المسيح بذلك في أول معرفته إياه (يوحنا ١: ٤٣) وكرر ذلك بعدئذٍ (متّى ١٦: ١٨) وغلب الاسم الجديد، لكن القديم بقي، فدُعي بطرس سمعان مراراً (متّى ١٦: ١٦ و١٧: ٢٥ ولوقا ٢٤: ٣٤ وأعمال ١٥: ١٤) ودُعي أحياناً «صفا» وهو معنى اسمه في السريانية (١كورنثوس ١: ١٣ و٣: ٢٢ وغلاطية ٢: ٩). ولقَّبه المسيح ببطرس أي «صخر» إشارة إلى قوته وجسارته. وورود اسمه أولاً لا يدل على أنه أُعطي الرئاسة على الرسل، ولا أنه أحسن من الآخرين في قواه العقلية أو الأدبية ولكن غيرته وشجاعته وحرارته جعلت له التقدم على الآخرين في القول والفعل (انظر متّى ١٦: ١٦ و١٩: ٢٧ ومرقس ٨: ٢٩ ولوقا ١٢: ٤١ وأعمال ١٥: ٧).
    أَنْدَرَاوُسُ أَخُوه وهو صياد أيضاً، وأحد تلاميذ يوحنا المعمدان قبلاً (يوحنا ١: ٣٧ - ٤٠) وتبع المسيح حين أُشير إلى أنه حمل الله. ويظهر أن طبعه كان غير طبع أخيه بطرس، لأنه كان يميل إلى الهدوء.
    يَعْقُوبُ... وَيُوحَنَّا هما ابنا زبدي وسالومي (ومعنى كلمة «زبدي» العبرانية عطية يهوه) ذُكرت دعوتهما قبلاً (انظر متّى ٣: ٢١، ٢٢). ويعقوب أول من مات من الرسل ويوحنا آخر من مات منهم. ويعقوب أول شهيد بينهم قتله هيرودس (أعمال ١٢: ٢). وسُمي هذان الأخوان بابني الرعد (مرقس ٣: ١٧) إشارة إلى قوتهما في الوعظ والإنذار. ولُقب يوحنا بالتلميذ «الذي كان يسوع يحبه». وكتب بشارةً وثلاث رسائل وسفر الرؤيا .
    ٣ «فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى ٱلْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ ٱلْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ».
    فِيلُبُّسُ وُلد في بيت صيدا كالأربعة المذكورين، ودعاه الرب في غد اليوم الذي أتى فيه أندراوس إلى المسيح. وهو غير الشماس الذي ذُكر في أعمال الرسل (أعمال ٦: ٥ و٢١: ٨).
    بَرْثُولَمَاوُس هو ابن ثولماوس والمرجح أنه نثنائيل. وكان شائعاً بين اليهود أن يكون للشخص اسمان أحدهما عبراني والثاني يوناني أو لاتيني. عرَّفه فيلبس بالمسيح، وشهد المسيح له يومها شهادة حسنة (يوحنا ١: ٤٨). ولم يُعرَف باسم نثنائيل بين الرسل بعد ذلك إلا بعد قيامة المسيح (يوحنا ٢١: ٢) كان يسكن في قانا الجليل مكان أول معجزات المسيح (يوحنا ٢: ١ و٤: ٤٦).
    تُومَا وسمي «التوأم» أيضاً (يوحنا ١١: ١٦ و٢٠: ٢٤).
    مَتَّى ذُكرت دعوته قبلاً (متّى ٩: ٩) وسماه لوقا لاوي (لوقا ٥: ٢٦) وقد سمى هو نفسه «متّى العشار» تواضعاً. ولم يلقِّبه أحد من البشيرين الثلاثة الآخرين بالعشار.
    يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى حلفى في اليونانية مثل كلوبا في السريانية (يوحنا ١٩: ٢٥) وكان ساكناً في أورشليم (أعمال ١٥: ١٣). وهو كاتب الرسالة المعروفة برسالة يعقوب.
    لَبَّاوُسُ ٱلْمُلَقَّبُ تَدَّاوُس وسُمي بهذا اللقب في مرقس ٣: ١٨. والمرجح أنه هو المشار إليه بقول يوحنا «يهوذا ليس الإسخريوطي» (يوحنا ١٤: ٢٢). ونستنتج من قائمة أسماء الرسل في لوقا أنه هو أخو يعقوب بن حلفى، والأغلب أنه كاتب الرسالة المعروفة برسالة يهوذا.
    ٤ «سِمْعَانُ ٱلْقَانَوِيُّ، وَيَهُوذَا ٱلإِسْخَرْيُوطِيُّ ٱلَّذِي أَسْلَمَهُ».
    لوقا ٦: ١٥ وأعمال ١: ١٣ ويوحنا ١٣: ٢٦
    سِمْعَانُ ٱلْقَانَوِيُّ ولقَّبه لوقا بالغيور. وليس المراد من القانوي أنه منسوب إلى قانا، بل هو لقب عبراني معناه الغيور. فإنه كان بين اليهود طائفة صغيرة يسمى أعضاؤها بالغيورين، أخذوا فينحاس بن هارون مثالاً لهم في الغيرة للشريعة الموسوية، وكانت زيادة غيرتهم وسفكهم الدماء علة لسرعة خراب أورشليم. فالظاهر أن سمعان كان من هذه الطائفة قبل أن صار تلميذاً للمسيح.
    يَهُوذَا ٱلإِسْخَرْيُوطِيّ هو ابن سمعان (انظر يوحنا ٦: ٣١ و١٢: ٤ و١٣: ٢، ٢٦) وأصل لقبه في العبراني «إيش قريوت» أي رجل قريوت، وهي قرية في أرض يهوذا (يشوع ١٥: ٢٥).
    ٱلَّذِي أَسْلَمَه اختار المسيح هذا الشخص رسولاً وهو يعلم طبيعته يظهر من أغرب الأمور. ولكن «جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ» (١كورنثوس ١: ٢٥). ولعل قصده من ذلك أن يعلِّمنا أن أعظم الفرص والوسائط لا تكفي لخلاص نفس، وأنه يمكن أن يوجد في كل كنيسة خائنون. ويدفع اعتراض من يقول إن الشهادة للمسيح كانت كلها من أصدقائه. فيهوذا كان رفيق المسيح ثم أسلمه، ولو كان له أدنى شيء يشتكي به على المسيح ما عدل عن ذكره ليبرر نفسه في ذلك، لكنه شهد ببر المسيح بقوله «قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً» (متّى ١٧: ٤).
    ٥، ٦ «٥ هٰؤُلاَءِ ٱلاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً: إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. ٦ بَلِ ٱذْهَبُوا بِٱلْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ».
    متّى ٤: ١٥ ويوحنا ٧: ٣٥ وأعمال ١٠: ٤٥ - ٤٨ و١١: ١ - ١٨ و٢٢: ٢١ ورومية ١٥: ٨، ٩ و١تسالونيكي ٢: ١٦ و٢ملوك ١٧: ٢٤ وعزرا ٤: ٩، ١٠ ويوحنا ٤: ٩، ٢٠ وإشعياء ٥٣: ٦ وإرميا ٥٠: ٦، ١٧ وحزقيال ٣٤: ٥، ٦، ١٦ ومتّى ١٥: ٢٤ وأعمال ١٣: ٤٦ و١بطرس ٢: ٢٥
    أَرْسَلَهُمْ ذكر مرقس أنه أرسلهم اثنين اثنين (مرقس ٦: ٧). وذكر متّى دعوة الرسل مع إرسالهم مع أنه مضت مدة بين الأمرين.
    إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا أرسلهم أولاً إلى أمتهم، لكن ذلك لم يكن إلا إلى حين، فالمسيح بعد قيامته أرسلهم إلى الأمم بقوله «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ الخ» (مرقس ١٦: ١٥).
    لِلسَّامِرِيِّينَ هذه طائفة عقائدها يهودية ووثنية معاً، فكانت كحلقة بين اليهود والأمم، وكانت تسكن البلاد بين الجليل واليهودية، وأهلها من أخلاط، جمعهم الأشوريون وأتوا بهم بدل الأسباط العشرة التي سبوها (٢ملوك ١٧: ٢٤). وبعد ذلك اقتدوا باليهود في بعض الأمور، فقبلوا شريعة موسى (أي الأسفار الخمسة) دون غيرها من كتب اليهود المنزلة ومن تقاليدهم. فبنوا لهم هيكلاً على جبل جرزيم وعبدوا الله هناك تاركين هيكل أورشليم، لأن اليهود لم يسمحوا لهم أن يشتركوا في البناء معهم بعد الرجوع من سبي بابل (عزرا ٤: ١ - ٣). وكان السامريون يتوقعون مجيء المسيح (يوحنا ٤: ٢٥). لذلك وعظ يسوع بينهم وأعلن لهم أنه هو المسيح (يوحنا ٤: ٢٦، ٢٩، ٣٩، ٤٢). فنهي المسيح الرسل من تبشيرهم انتهى بعد القيامة وحلول الروح القدس (أعمال ١: ٨ و٨: ٥). وكان بين السامريين واليهود عداوة شديدة منعتهم من التعامل معاً (يوحنا ٤: ٩).
    خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ أي اليهود الذين ضلوا عن مسالك الحق والعبادة الروحية فكانوا كغنم بلا راعٍ (متّى ٩: ٣٦) وعرضة للهلاك الأبدي. والمراد ببيت إسرائيل نسل يعقوب.
    ٧ «وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ ٱكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    لوقا ٩: ٢ و١٠: ٣ الخ
    سبق الكلام على موضوع تبشير الرسل في متّى ٣: ٢، وخلاصته أن المسيح أتى وبدأ ملكوته. فهذا التبشير كان استعدادياً لتنبيه أفكار اليهود وتمهيد الطريق لكل التعاليم المسيحية.
    ٨ «اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصاً. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّاناً أَخَذْتُمْ مَجَّاناً أَعْطُوا».
    أعمال ٨: ١٨، ٢٠
    يجب أن يرافق عمل الكرازة عمل الشفاء أيضاً. الكرازة تتناول النفس فتهدي إلى الله، والشفاء يتناول الجسد فيعود إلى الصحة.
    ذكر في هذا العدد براهين صحة إرساليتهم. والمعجزات التي منحهم سلطاناً عليها كانت كمعجزاته، ومنحها لهم إلى أمدٍ محدود وغاية معينة. وكانوا يستعملون ذلك السلطان بإرشاد الله. فإنه بدون تلك البراهين لا يصدقهم أحد، وكانت كلها مفيدة لا كبعض آيات موسى للانتقام إثباتاً لرسوليته أمام فرعون.
    أَقِيمُوا مَوْتَى لم يذكر أن الرسل أقاموا ميتاً قبل صعود المسيح.
    مَجَّاناً أَعْطُوالم يأذن لهم أن يتقاضوا أجراً مقابل شفاء الأمراض، فخدمتهم ليست تجارة يربحون بها. فكان كل ما استعملوه من قوتهم نفعاً لغيرهم لا لأنفسهم. لكن المسيح لم يمنعهم من أخذ ضروريات حياتهم (لوقا ١٠: ٧ و١كورنثوس ٩: ٨ - ١٤ و١تيموثاوس ٥: ١٨) فمجانية خدمتهم رمز إلى مجانية بركات الإنجيل التي هي أعظم.
    ٩ «لاَ تَقْتَنُوا ذَهَباً وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاساً فِي مَنَاطِقِكُمْ».
    ذهباً.. فضة نحاساً: هذه المعادن الثلاثة كانت مواد النقود الرائجة في تلك الأيام، كما هي اليوم. وكانت عادة الناس يومئذٍ أن يحملوا النقود في مناطقهم كعادة بعض الناس اليوم.
    لاَ تَقْتَنُوا ذَهَباً لأنهم في غنى عن النقود، فهم لا يحتاجون إلى استئجار مأوى أو شراء طعام، لأن الناس كانوا مسؤولين بإطعامهم وإيوائهم، بعد أن ينالوا خدمتهم.
    ١٠ «وَلاَ مِزْوَداً لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصاً، لأَنَّ ٱلْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَه».
    ١صموئيل ٩: ٧ ومرقس ٦: ٧ - ١١ ولوقا ٢٢: ٣٥ و١كورنثوس ٩: ٧ و١تيموثاوس ٥: ١٨
    وَلاَ مِزْوَداً أي وعاء لطعام السفر.
    وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصاً ليس المقصود منعهم من أخذ حذاء أو عصا، بل منعهم من أخذ أكثر من حذاء وعصا، وذلك ظاهر من بشارة مرقس (٦: ٨، ٩). فلا تناقض بين متّى ومرقس، لأن متّى قال أن لا يأخذوا أثواباً غير التي عليهم ولا يحملوا أحذية غير ما في أرجلهم ولا عصياً غير ما في أيديهم. ولا يعني هذا أن التقشف فضيلة وأن الفقر الاختياري تقوى. إنما قصد المسيح بمنعهم عما ذكر أن يكونوا بلا ثقل في جولانهم ليتمموا ذلك بالسرعة. ولثقته أن الناس الذين يذهبون إليهم سيقدمون لهم ما يحتاجون إليه. ولعل المقصود بذلك أن يذهب الرسل بما هو عليهم، فالذي له عصاً فليأخذه (كما ذُكر في مرقس). ومن ليس له فليذهب بلا عصاً كما هو ظاهر في كلام متّى.
    ٱلْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَه هذا مثلٌ أراد به المسيح أن خدمتهم توجب لهم أن يثابوا بأن يُعطوا ما يحتاجون إليه. فلا بد من أن يحصلوا على ذلك.
    ١١ «وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ دَخَلْتُمُوهَا فَٱفْحَصُوا مَنْ فِيهَا مُسْتَحِقٌّ، وَأَقِيمُوا هُنَاكَ حَتَّى تَخْرُجُوا».
    دَخَلْتُمُوهَا أي للتبشير فيها.
    مُسْتَحِقٌّ أي مستعدٌ لقبول رسل الله ضيوفاً. والاستعداد علامة الاستحقاق فيجب أن يفحصوا عن ذلك قبل دخولهم لئلا يهانوا.
    أَقِيمُوا أي امكثوا في البيت الذي تدخلونه إلى أن تكملوا تبشيركم. فعليهم أن يبينوا بسلوكهم أن عملهم ذو شأن عظيم، ولا يكلفوا الناس تعباً زائداً في خدمتهم، ولا يظهروا أنهم غير راضين بما قُدم لهم، ولا أنهم يهتمون بالرفاهية.
    ولا يخفى أن هذه الأوامر كانت مؤقتة، أي إلى حين، وكانت لمقتضى أحوال خاصة، فهي تختلف باختلاف الأحوال. ولكن لا بد من بقاء روح هذا التعليم على خدام الإنجيل في كل حال.
    ١٢ «وَحِينَ تَدْخُلُونَ ٱلْبَيْتَ سَلِّمُوا عَلَيْهِ».
    معنى هذه الآية وجوب أن يكون الرسل لطفاء، وأن يظهروا إمارات الصداقة، وأن لا يهملوا شيئاً من التحيات المألوفة بين الأصحاب، وأن يظهروا الاهتمام بالناس، وأن يحسبوا الإضافة من حقوقهم.
    ٱلْبَيْتَ سَلِّمُوا عَلَيْه أي على أهله.
    ١٣ «فَإِنْ كَانَ ٱلْبَيْتُ مُسْتَحِقّاً فَلْيَأْتِ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ، وَلٰكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقّاً فَلْيَرْجِعْ سَلاَمُكُمْ إِلَيْكُم».
    مزمور ٣٥: ١٣
    مُسْتَحِقّا علامة استحقاق أهل البيت أن يردوا تحيتكم ويقبلوكم ضيوفاً.
    فَيَأْتِي سَلاَمُكُمْ... فَلْيَرْجِعْ سَلاَمُكُم يعني إن لم ينتفع أهل البيت من التسليم انتفع به من سلَّم. ويظهر من هذا أن تلك التحيات ليست ألفاظاً بلا معنى كما هو غالب العادة، بل هي دعاء قلبي يستجيبه الله.
    ١٤ «وَمَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ وَلاَ يَسْمَعُ كَلاَمَكُمْ فَٱخْرُجُوا خَارِجاً مِنْ ذٰلِكَ ٱلْبَيْتِ أَوْ مِنْ تِلْكَ ٱلْمَدِينَةِ، وَٱنْفُضُوا غُبَارَ أَرْجُلِكُمْ».
    نحميا ٥: ١٣ وأعمال ١٣: ٥١ و١٨: ٦
    لاَ يَقْبَلُكُمْ وَلاَ يَسْمَع أي من لا يقبلهم ضيوفاً، ولا يسمع كلامهم بروح المحبة والطاعة، بل يكره رسالتهم.
    وَٱنْفُضُوا غُبَارَ أَرْجُلِكُم هذه عادة شائعة بين اليهود تقول إن النافض يعتبر الذين تركهم نجسون غير مستحقين لمعاشرته، ولا يريد مشاركتهم في شيء، حتى في غبار أرضهم اللاصق برجله. وقد فعل بعض الرسل ذلك، في أنطاكية بيسيدية، وفي مجمع اليهود في كورنثوس (أعمال ١٣: ٥١ و١٨: ٦). ولم يُبنَ هذا على تركهم كأشخاص، بل على رفض أنهم رُسل الله. وكله رمزٌ إلى رفض الله اليهود لرفضهم المسيح.
    ١٥ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ ٱلدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ ٱحْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ ٱلْمَدِينَةِ».
    متّى ١١: ٢٢، ٢٤
    عقاب الذين يرفضون رُسُل الله أشد من عقاب أهل سدوم وعمورة، فإن هاتين المدينتين انقلبتا مع ثلاث مدن أخرى في سهل سدوم لزيادة شرها (تكوين ١٨: ٢٠ و١٩: ٢٤) فاتخذهما الكتاب مثلاً لمن عظُم شرهم واشتد عقابهم، عبرة لغيرهم. فقال المسيح بهذا المثل إن من يرفضونه (برفضهم رسله) أشرٌ ممن ارتكبوا أفظع الآثام في سدوم وعمورة، لأنهم كانوا جهلة. أما سامعو المسيح ورسله فيعرفون ويرفضون.
    يَوْمَ ٱلدِّين أي اليوم الأخير الذي يُدان فيه جميع الناس حسب أعمالهم وعلى قدر نورهم.
    ١٦ «هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسَطِ ذِئَابٍ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَٱلْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَٱلْحَمَامِ».
    رومية ١٦: ١٩ و١كورنثوس ١٤: ٢٠ وأفسس ٥: ١٥
    ما قاله المسيح (من الآية ٧ - ١٦) نصائح للرسل في بدء إرساليتهم، وتعليم لهم كيف يتصرفون في أثناء أحوالهم الحاضرة. وما بقي من الآية ١٦ - ٤٢ كلام يعم كل أعمالهم المستقبلة طول الحياة، وفيه إشارة إلى أحوالهم زمن الاضطهاد الذي لم يثُر عليهم إلا بعد نهاية خدمة المسيح على الأرض. ولم يذكر مرقس ولوقا من هذا الخطاب سوى أوله.
    أَنَا أُرْسِلُكُم لا يذهبون من تلقاء أنفسهم، بل هو أرسلهم.
    كَغَنَمٍ فِي وَسَطِ ذِئَابٍ أول أمر أنبأهم به أن العالم سيكون عدواً لهم بالطبع، فإن العداوة بين الذئاب والغنم طبيعية. فالغنم ضعيفة والذئاب قاسية. وبتشبيهه تلاميذه بالغنم أعلن ضعفهم وعلاقتهم القريبة إليه، باعتباره راعيهم. وقد شبه أهل العالم بالذئاب لأنهم يكونون أعداءً لهم أقوياء وقساة. فإرساله الغنم بين الذئاب أمر غير طبيعي، إذ تكون عرضة للافتراس والهلاك. وعليه فنجاتهم من الذئاب وانتصارهم عليهم من أعظم البراهين على إرساليتهم الإلهية. وهذه العداوة تقتضي أن تكون لهم صفات خاصة للنجاة. وذكر أربعة تشبيهات: واحداً لأعدائهم إذ شبههم بالذئاب؛ وثلاثة لرسله: (١) شبههم بالغنم، و(٢) بالحيات، و(٣) بالحمام. وكما شبه المسيح الرسل بالغنم شبه إشعياء المسيح نفسه بذلك (إشعياء ٥٣: ٧).
    حُكَمَاءَ كَٱلْحَيَّات الخ أفادهم بواجباتهم ليتجنبوا الخطر المحيط بهم. فعليهم أن يُظهروا الحكمة والوداعة والطهارة. وذكر الحكمة كالحيات. وحكمة الحيات مشهورة بشدة احتراسها من الخطر. فوجب على التلاميذ أن يماثلوها بذلك الاحتراس، لا بالخبث والحيلة (تكوين ٣: ١). وأمر تلاميذه بأن يشبهوا الحمام لأنه مشهور بالوداعة وعدم الإيذاء. وظهر الروح القدس وقت معمودية المسيح بهيئة الحمام (متّى ٣: ١٦). وقد أظهر المسيح حكمة الحيات في جوابه للكتبة والفريسيين والصدوقيين (متّى ٢٢: ١٥ - ٤٦) وأظهر وداعة الحمام وقت محاكمته (متّى ٢٦: ٦٣، ٦٤).
    ١٧ «وَلٰكِنِ ٱحْذَرُوا مِنَ ٱلنَّاسِ، لأَنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ».
    متّى ٢٤: ٩ ومرقس ١٣: ٩ ولوقا ١٢: ١١ و٢١: ١٢ وأعمال ٥: ٤٠
    ٱحْذَرُوا مِنَ ٱلنَّاس الذين يشبهون الذئاب، فلا تقعوا في أيديهم بغير ضرورة.
    سَيُسَلِّمُونَكُم لتُحاكموا وتدانوا لإيمانكم بي.
    إِلَى مَجَالِس هي المجالس الصغرى، وكانت يومئذ في كل قرية ومدينة في البلاد، وتخضع كلها للمجلس الأكبر في أورشليم المؤلف من سبعين عضواً. وقد تم هذا القول على الرسل فعلاً (انظر أعمال ٤: ٥ - ٢٢ و٥: ٤٠ و٢٢: ١٩ و٢٦: ١١).
    فِي مَجَامِعِهِم كان أعضاء المجالس يجتمعون أحياناً في المجامع للمحاكمة، وكان في كل مجمع ثلاثة قضاة، لهم سلطان أن يوقعوا بعض القصاص، ومنه الجَلد (أعمال ٢٢: ١٩ و٢٦: ١١).
    يَجْلِدُونَكُمْ ذُكر الجلد في شريعة موسى (تثنية ٢٥: ٢٣). وكان القانون أن لا تزيد الجلدات على أربعين، وجعلها اليهود بعد ذلك ٣٩ خوفاً من الغلط. وجعلوا السوط مثلثاً، وعدد الضربات بها ١٣. وعلى ذلك جُلد بولس خمس مرات (١كورنثوس ١١: ٢٤). أما الشريعة الرومانية فلم تعين عدد الضربات. والمقصود بالمجالس والمجامع المحاكم الدينية التي كانت في القرون المظلمة تضطهد تلاميذ المسيح. وكان من وظيفة خدام الدين أن يعلموا غيرهم الرحمة، لكنهم قصروا عن أن يتعلموها.
    ١٨ «وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلأُمَمِ».
    أعمال ١٢: ١ و٢٤: ١٠ و٢٥: ٧، ٢٣
    من أعظم واجبات المؤمن الحقيقي أن يشهد للمسيح بسيرته قبل أقواله، لا سيما وقت الاضطهاد وبين أعداء مجدفين.
    وُلاَة هم الحكام الرومان. وتم ذلك لما وقف بولس أمام فيلكس (أعمال ٢٤) وفستوس (أعمال ٢٥) وسرجيوس بولس (١٣: ٧) وغاليون (أعمال ١٨: ١٢).
    مُلُوكٍ وهذا تم بوقوف بولس أمام هيرودس أغريباس (أعمال ٢٦) وأمام نيرون (أعمال ٢٥: ١٢). ويكنى بالولاة والملوك المسؤولين عن كل الأحكام السياسية. وكثيراً ما أعانت القوة السياسية القوة الدينية على تلاميذ المسيح. وتمام هذه النبوة برهان على أن المسيح عالم بالمستقبل، فمن المحال أن يقف صيادو الجليل أمام الملوك.
    شَهَادَةً لَهُمْ تكون تلك الشهادة لهم إذا قبلوها كما قبلها سرجيوس بولس (أعمال ١٣: ٧). ولكنها تكون عليهم إن لم يقبلوا كما كانت على فيلكس (أعمال ٢٥: ٢٥). وتلك الشهادة بالمسيح. وقد وسع الاضطهاد دائرتها، فكان موت الشهداء شهادة قوية للحق.
    وَلِلأُمَم كرر المسيح هذه النبوة بقوله: «ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم، ثم يأتي المنتهى» (متّى ٢٤: ١٣). وتظهر فاعلية تلك الشهادة مما ورد في فيلبي ١: ١٢ - ١٨ وذكر الأمم بعد ذكر ولاتها وملوكها لعموم تلك الشهادة.
    ١٩، ٢٠ «١٩ فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ، لأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ، ٢٠ لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ».
    خروج ٤: ١٢ وإرميا ١: ٧ ومرقس ١٣: ١١ - ١٣ ولوقا ١٢: ١١ و٢١: ١٤، ١٥ و٢صموئيل ٢٣: ٢ وأعمال ٤: ٨ و٦: ١٠ و٢تيموثاوس ٤: ١٧
    بعد أن أنبأهم بالخطر الذي سيحيط بهم، أراد أن يشجعهم بالتعزية، فوعدهم بإلهام خاص يمكِّنهم حين يُساقون إلى المحاكمة أن يجاوبوا عن أنفسهم وعن الحق الإنجيلي. وإدراكهم هذا الوعد سيحفظهم من اليأس، لأنهم سيقدرون أن يحاموا عن الحق وعن أنفسهم أمام الملوك، مع أن للملوك رتبة تفوق رتب الرسل الذين كانوا في أعين أنفسهم جهلاء وضعفاء.
    فَلاَ تَهْتَمُّوا أي لا تتكلفوا الهم الزائد، وهذا مثل ما سبق في متّى ٦: ٢٥، ٢٧.
    كَيْفَ أَوْ بِمَا أي لا تهتموا بأسلوب الإجابة ولا بحقيقة الأجوبة، فالمعونة التي وعدهم بها هي أن الروح القدس يتخذهم آلات له فيتكلم بألسنتهم.
    رُوحُ أَبِيكُمُ هو الروح القدس، وسماه «روح أبيهم» لأنه من الآب، ولأنهم بمنزلة البنين لله (انظر متّى ٥: ١٦) ووعد المسيح بالروح القدس بأكثر إيضاح في يوحنا ١٥: ٢٦، ٢٧. ورأينا إتمام هذا الوعد في بطرس ويوحنا أمام مجلس السبعين (أعمال ٤: ١٣) فإنهما تكلما بشجاعة وحكمة. ولم يحجب الروح شيئاً من الحق بسبب جهل الرسل أو عدم فصاحتهم، فجاءت كل أجوبة الرسل في سفر الأعمال لا من عندهم بل من عند روح الله. فليس لنا أن ننسب إلى بولس خطأ في جوابه لرئيس الكهنة بالغضب (أعمال ٢٣: ٣) ولا أن ننسب إليه الحكمة الدنيوية في تخلصه من الصدوقيين بإلقاء الخلاف بينهم وبين الفريسيين من جهة القيامة (أعمال ٢٣: ٦). فكما ألهم الروح القدس الرسل بالكلام في المحافل، ألهمهم بما كتبوه شهادة لكل بشر في كل زمن. ولا نستنتج من ذلك أن الروح القدس اليوم يتكلم بأفواه المبشرين الذين لا يهتمون بالدرس والاستعداد الواجب للوعظ، فهو ليس وعداً لأهل الكسل. وكان مقصوراً على الرسل والمبشرين الأولين في أوقات خاصة، كما يستفاد من القول «فمتّى أسلموكم» وقوله «في تلك الساعة».
    ٢١ «وَسَيُسْلِمُ ٱلأَخُ أَخَاهُ إِلَى ٱلْمَوْتِ، وَٱلأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ ٱلأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ».
    ميخا ٧: ٦، ٣٦ ولوقا ٢١: ١٦ الخ
    مع أن المسيح وعدهم بتلك التعزية، أكد لهم أن امتحان إيمانهم سيكون شديداً حتى ينفصل بعض الأقربين عن بعض.
    سَيُسْلِم لا تسليم خيانة، بل تسليم إجبار لرجال الحكومة والقضاة.
    وَٱلأَبُ وَلَدَه ولكن حسب الوعد السابق إن من يضطهده الأب الأرضي يعينه الآب السماوي.
    يَقُومُ ٱلأَوْلاَدُ أي يعصى الأولاد والديهم ويقاومونهم أشد مقاومة.
    يَقْتُلُونَهُمْ ذلك نتيجة التسليم لرجال الحكومة والقضاة. ومن الغريب أن التعصب الديني يزيل المحبة الطبيعية بين الأقربين، فيجعل النساء والرجال أشد شراسة من الوحوش. وتبدو هذه النبوة غريبة جداً أنها بخلاف طبيعة الأبوة والبنوة، لكنها تمت بالفعل مرات لا تحصى.
    ٢٢ «وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ ٱلْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِي. وَلٰكِنِ ٱلَّذِي يَصْبِرُ إِلَى ٱلْمُنْتَهَى فَهٰذَا يَخْلُصُ».
    مرقس ١٣: ١٣ ومتّى ٢٤: ١٣
    من هذا القول يظهر أن المسيحية ستلقى المقاومة من كل الناس في كل الأرض، لا من شعب واحد في عصر واحد. وسبب ذلك أن هذا الدين يضاد فساد القلب البشري الطبيعي. وتمت هذه النبوة في القرن الأول وما بعده إلى الآن، وصدقت على المسيحيين في كل عصر كما صدقت على الرسل الاثني عشر. ولا بد من أن تبقى العداوة بين نسل الحية ونسل المرأة إلى نهاية الزمن.
    مُبْغَضِينَ مِنَ ٱلْجَمِيعِ أي عرضة للبغض الذي ينتج عنه الأذى من أكثر الناس.
    مِنْ أَجْلِ ٱسْمِ أي لاتحادكم بي، ولأنكم تنادون بي وتشهدون بأني إلهكم والوسيط الوحيد والكاهن والملك (يوحنا ١٥: ١٨، ١٩).
    ٱلَّذِي يَصْبِرُ نستنتج من ذلك أن مقاومة الأعداء للمسيحيين لا تميتهم كلهم، وأن نهايتها النجاة. والمراد بالصبر هنا احتمال الاضطهاد، مع التمسك بالإيمان قلبياً، والاعتراف العلني الذي هو سبب الاضطهاد.
    ٱلْمُنْتَهَى أي نهاية الاضطهاد عند خراب أورشليم (كما في العدد الآتي)، أو نهاية الحياة، أو مجيء المسيح ثانيةً.
    يَخْلُصُ أي ينجو من الموت كنجاة المسيحيين في خراب أورشليم (متّى ٢٤: ١٥ - ١٨). أو أنه ينجو النجاة الأبدية إن مات قتلاً من أجل المسيح.
    ٢٣ «وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هٰذِهِ ٱلْمَدِينَةِ فَٱهْرُبُوا إِلَى ٱلأُخْرَى. فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ».
    متّى ٢: ١٣ و١٢: ١٥ وأعمال ٩: ٢٥ و١٤: ٦ ومتّى ١٦: ٢٨
    أمر المسيح تلاميذه هنا بأن يستعملوا حكمة الحيات في مثل تلك الضيقات، بأن يحذروا الخطر، فلا يعرضون أنفسهم له لغير اضطرار، وأن لا يمكثوا حيث الموت بلا فائدة، بل أن يحسبوا حياتهم عزيزة ليصرفوها بخدمته في المستقبل. وأباح المسيح بذلك لتلاميذه في كل عصر أن يستعملوا الحكمة في إنقاذ حياتهم من الخطر كلما قدروا بلا ضرر للحق.
    فالهرب من الاضطهاد لمجرد راحة الجسد جُبنٌ وإثم، لكن المحافظة على الحياة لخدمة الكنيسة ونفعها من الواجبات المسيحية. وقد بيَّن المسيح معنى هذا الكلام بفعله (لوقا ٤: ٢٧ - ٣٠ ويوحنا ٨: ٥٩ و١٠: ٣٩) وبيَّن الرسل ما فهموه منه بفعلهم أيضاً (أعمال ٨: ١، ٤ و١١: ١٩).
    لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ أراد بذلك أن تلك المدن كانت كثيرة كافية لأن يبشروا أهلها بالتتابع، وهم يعتزلون ما فيها من الاضطهاد. وأنهم لا يفرغون من تعليمهم فيها حتى يُرفع الخطر ويؤسس ملكوته.
    يَأْتِيَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ رأى البعض أن هذا إشارة عامة إلى نهاية إرساليتهم بإتمامهم خدمتها، ورأي البعض الآخر أنها إشارة إلى مجيء المسيح للنقمة بإهلاك أورشليم وإزالة الطقوس الموسوية. وتم ذلك بعد ثلاثين سنة من كلام المسيح هذا، وهو الرأي الأصح. وتنبأ الأنبياء علاوة على مجيئه متواضعاً بمجيء آخر بالقوة والمجد (دا ٧: ١٣) فكان إتيانه لخراب أورشليم رمزاً في بعض الأمور إلى ذلك الإتيان العظيم.
    ٢٤، ٢٥ «٢٤ لَيْسَ ٱلتِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ ٱلْمُعَلِّمِ، وَلاَ ٱلْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ. ٢٥ يَكْفِي ٱلتِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ، وَٱلْعَبْدَ كَسَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدْ لَقَّبُوا رَبَّ ٱلْبَيْتِ بَعْلَزَبُولَ، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَهْلَ بَيْتِهِ».
    لوقا ٦: ٤٠ ويوحنا ١٣: ١٦ و١٥: ٢٠ ومتّى ١٢: ٢٤ ومرقس ٣: ٢٢ ولوقا ١١: ١٥ ويوحنا ٨: ٤٨، ٥٢
    كلام المسيح من هنا إلى آخر الأصحاح يصح أن يوجه إلى كل تلاميذ المسيح إلى نهاية الزمان.
    لَيْسَ ٱلتِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ ٱلْمُعَلِّمِ الخ الأرجح أن هذا الكلام كان مثلاً، فاستعمله المسيح مراراً لمقاصد مختلفة (لوقا ٦: ٤ ويوحنا ١٣: ١٦ و١٥: ٢٠). وكأنه قال لهم هنا: لا تعجبوا من نبواتي بإتيان الشرور عليكم، لأنكم إن احتملتموها اتَّبعتم خطواتي. وقصد بذلك تعزيتهم، إذ يذكرون في كل ضيقاتهم أنهم شركاؤه، فلا يكونون عُرْضة لمشقات وتعييرات أكثر مما احتمل هو لأجلهم.
    بَعْلَزَبُولَ أي رئيس الشياطين (متّى ١٢: ٢٤ ولوقا ١١: ١٥ ويوحنا ٨: ٤٨) وهو اسم إله العقرونيين (٢ملوك ١: ٢) ولفظهُ الأصلي «بعلزبوب» أي إله الذباب، وسمُّوه كذلك لاعتقادهم أنه يقيهم من كثرة الذباب. ولكن اليهود سمُّوا به الشيطان، وبدَّلوا الباء باللام لإهانته. وسموا المسيح به ليهينوه. وأشار المسيح في هذين العددين إلى علاقته بتلاميذه بثلاثة أمور: (١) علاقة المعلم بالتلميذ (متّى ٥: ١ و٢٣: ٧، ٨ ولوقا ٦: ٢٠) و(٢) علاقة السيد بالعبد (يوحنا ١٣: ١٣) و(٣) علاقة رب البيت بأهل بيته (متّى ٢٦: ٢٦ - ٢٩ ولوقا ٢٤: ٣٠).
    ٢٦ «فَلاَ تَخَافُوهُمْ. لأَنْ لَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ، وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ».
    مرقس : ٢٢ ولوقا ٨: ١٧ و١٢: ٢ الخ
    ذكر المسيح هنا عدة أسباب لإزالة خوفهم: الأول أن انتصار الأشرار إلى حين، كخسوف القمر أو كسوف الشمس، لا بد أن يليه النور بعد قليل. فلا يمكن أن تخفي نميمةُ أعدائهم أو شكاواهم الكاذبة الحقَّ زماناً طويلاً. فأصحاب الحق مهما أُهينوا واتُّهموا لا بد أن ينالوا الاحترام والتبرئة بعد ذلك. وكل شركاء المسيح في عاره وإهانته يشتركون معه في مجد نصرته. وقول المسيح هنا بشرى للأبرار وإنذار للأشرار.
    يُسْتَعْلَن قد يستعلن الحق وصدق أهله في هذه الأرض. ولكن لا بد من أن يعلن كل الإعلان في يوم الرب العظيم بدليل القول «حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا ويظهر آراء القلوب. وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله» (١كورنثوس ٤: ٥) وهذا الاستعلان قد تجريه العناية الإلهية في هذه الدنيا، ولكن الله يجريه في يوم الدين بالذات.
    خَفِيٌّ أي حقٌ مستور، أو بر ذي حق محجوب بشهادة زور أو تحريف أو كتم شهادة تجب تأديتها (كولوسي ٣: ٣ و١يوحنا ٣: ٢).
    يُعْرَف كما قيل «مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ» (كولوسي ٣: ٤) والقول «وَيُخْرِجُ مِثْلَ النُّورِ بِرَّكَ، وَحَقَّكَ مِثْلَ الظَّهِيرَةِ» (مزمور ٣٧: ٦).
    ٢٧ «ٱلَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ فِي ٱلظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي ٱلنُّورِ، وَٱلَّذِي تَسْمَعُونَهُ فِي ٱلأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى ٱلسُّطُوحِ».
    مقاومة العالم للتلاميذ تكون واسطة لانتشار الحق، فالذي علمهم المسيح لهم ليس كنزاً يخفونه لأنفسهم ليتمتعوا به، بل هو نور ينشر ليبدد الظلام الأخلاقي.
    فِي ٱلظُّلْمَةِ... فِي ٱلأُذُنِ كلام جارٍ مجرى المثل، يُراد به المخاطبات السرية. وليس المقصود أن كلام المسيح كان سراً للرسل، لكن دعاه كذلك بالنسبة إلى قوة ظهوره في ما بعد.
    فِي ٱلنُّورِ... عَلَى ٱلسُّطُوح أي الإظهار الكامل. إن تعليم المسيح التلاميذ وهم مسافرون من مكان إلى مكان في الجليل، أو هم مجتمعون في البيت، ليس قاصراً عليهم ليحفظوه في قلوبهم، بل ليبذروه هم ومن بعدهم على توالي الأزمنة حتى تمتلئ الأرض بالثمار. فإنجيل المسيح بشرى لكل أمم الأرض، واضطهاد المبشرين ووقوفهم في المجالس أمام المحاكم والولاة من أعظم الوسائط لإعلان الحق والمناداة بذلك الإنجيل.
    ويظهر من هذه الآية أن الوقت الذي تُعلن فيه البشارة كل الإعلان لم يكن قد جاء بعد، ولا يأتي إلا بعد موته وقيامته وحلول الروح القدس يوم الخمسين. فإن قلوب الناس لم تكن يومئذ مستعدة لقبوله. وأن التعليم نفسه لم يكمل إلا بعد أن قال المسيح وهو على الصليب «قد أكمل». وكتم المسيح أمره يومئذ بعض الكتمان، واعتزل اليهود خوفاً من أن يأخذوه ويجعلوه ملكاً بالرغم عنه، وخشية من أن الرومان يتهمونه بتهييج الفتنة في البلاد.
    ٢٨ «وَلاَ تَخَافُوا مِنَ ٱلَّذِينَ يَقْتُلُونَ ٱلْجَسَدَ وَلٰكِنَّ ٱلنَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِٱلْحَرِيِّ مِنَ ٱلَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ ٱلنَّفْسَ وَٱلْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّم».
    إشعياء ٨: ١٢، ١٣ ولوقا ١٢: ٤ و١بطرس ٣: ١٤
    السبب الثاني لنفي خوف التلاميذ من أعدائهم القساة الأشرار هو أن قوة إيذائهم تقع على الجسد فقط ولا تبلغ النفس. وذلك يدل على أن النفس لا تموت مع الجسد.
    خَافُوا بِٱلْحَرِيِّ مِنَ ٱلَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِك هذا القادر هو الله. فإذا خفنا من الناس فأخفينا الحق أغظنا الله، فيكون غضبه أعظم من غضب الناس. فمن خالف أمره وأهمل واجباته خوفاً من الناس جلب على نفسه وجسده خوفاً أعظم.
    ٱلنَّفْسَ وَٱلْجَسَدَ كِلَيْهِمَا لا قوة لأذى الإنسان إلا الجسد بأن يحرمه بعض اللذات ويجلب عليه بعض الآلام، وتنتهي تلك القوة بانتهاء الحياة الأرضية. ولكن لله قوة على النفس والجسد إلى الأبد بأن يهلكهما في جهنم النار.
    فِي جَهَنَّم هي محل العذاب (انظر شرحنا لمتّى ٥: ٢٢)
    ٢٩ «أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى ٱلأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ؟».
    يجب أن نثق في محبة الله وعنايته كما يجب أن نخشى غضبه. وهذا هو السبب الثالث لنفي خوف الخطر في إتمام واجباتنا. فإن المسيح ذكر أن قوة أعداء تلاميذه مقصورة على أذى أجسادهم آية ٢٨)، وذكر هنا أن تلك الأجساد هي في حراسة الله.
    عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ الفلس عُشر الدينار، والدينار أجر عامل في اليوم.
    وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا ذكر الواحد منهما لتقليل القيمة.
    لاَ يَسْقُطُ عَلَى ٱلأَرْضِ لا يمكن أن يسقط بدون معرفته وإذنه، ولكنه يسقط إذا أراد.
    أَبِيكُمْ أشار بتسمية الله أباً إلى محبته للتلاميذ، وأنها كمحبة الأب لأولاده. وإذا كان الذي يعتني بالعصافير كل تلك العناية أباً لهم، فلا يبقى مبرر لخوفهم. فإن كان الله يعتني بما ليس له قيمة كالعصافير، فكم بالحري يعتني بالناس! وإذا كان يعتني بكل الناس فكم بالحري يعتني بمن هم بمنزلة أولاده.
    ٣٠ «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ».
    ١صموئيل ١٤: ٤٥ و٢صموئيل ١٤: ١١ ولوقا ٢١: ١٨ وأعمال ٢٧: ٣٤
    هذا كلام جارٍ مجرى المثل، يراد به العلم الكامل والعناية الشاملة. وليس في ألفاظ اللغة ما يدل على علم الله وعنايته وحمايته أكثر مما دلت هذه الكلمات. فإن شعور الرأس قليلة القيمة حتى لم يهتم أحد قط بإحصائها. لكن عناية الله شاملة إلى هذا الحد حتى أنه أحصاها. فهو يعتني بما لا نظنه يستحق العناية من أمورنا. فالذي نراه لا قيمة له هو عند الله ذو شأن. وإن كانت شعور رؤوسنا محصاة فلا بد أن تكون دموعنا وأوجاعنا وتنهداتنا كذلك.
    ٣١ «فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ».
    هذا خلاصة العدد السابق، فإن اعتنى الله بالعصافير، فكم بالحري يعتني برسل المسيح الذين هم أولاده.
    ٣٢، ٣٣ «٣٢ فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضاً بِهِ قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، ٣٣ وَلٰكِنْ مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضاً قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَات».
    لوقا ١٢: ٨ ورومية ١٠: ٩، ١٠ ورؤيا ٣: ٥ ومرقس ٨: ٣٨ ولوقا ٩: ٢٦ و٢تيموثاوس ٢: ١٢
    أورد هنا السبب الرابع لعدم تأثر تلاميذه من خوف الناس. فمعاملة الله لهم في المستقبل متوقفة على أمانتهم له في الحاضر.
    كُلُّ مَن أي كل أحد بلا استثناء.
    يَعْتَرِفُ بِي أي يُقر بأني المسيح سيده ومعلمه بالقول والفعل، ويترك كل ما لا يليق بهذا الإقرار وبإتباعه إياي. ولا يعتبر المسيح خدمة أحد ما لم تكن في العلن. والاعتراف بالمسيح أشمل من الاعتراف بالاعتقاد، فيؤثر في كل أعمالنا مدة الحياة.
    أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضاً بِه أي أعترف بأنه تلميذي وأني فديته. فهذه الكلمة القصيرة جمعت أبدية المسرات.
    قُدَّامَ أَبِي في السماء أو في اليوم الأخير. فمثلما قال في عدد ٣٢ في شأن الاعتراف قال في أمر الإنكار. وكرر الأسلوب لزيادة الإيضاح. فإنكار المسيح قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل بأن يرتكب المسيحي ما لا يليق بدعوته، وقد يكون بسكوته حين يجب أن يتكلم.
    أُنْكِرُه هذه العبارة القصيرة جمعت ما لا يُحصى من أنواع الشقاء. فمن أنكره المسيح لا يستطيع أن يرفع دعواه إلى الآب، لأن من رفضته الرحمة لا يعفو عنه العدل.
    ٣٤ «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً عَلَى ٱلأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً».
    لوقا ١٢: ٤٩ - ٥٣
    مقاومة العالم للتلاميذ ليست صدفةً يستغربون حدوثها، بل هي نتائج ضرورية لانتشار الحق يجب أن يتوقعوها.
    لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً أي لا تنتظروا راحة وسلاماً في وقتٍ لا بد فيه من التعب والجهاد، ولا تتوقعوا أثمار الإنجيل الكاملة في أول أمره. ولكن المسيح كان رئيس السلام، فيحق لتلاميذه أن يتوقعوا سلام العالم من مجيئه. ولا بدَّ من هذه النتيجة أخيراً لأن الإنجيل بشَّر بالسلام بين السماء والأرض (إشعياء ٩: ٦ و١١: ٦ ولوقا ٢: ١٤)، وبسلام الضمير، وبالسلام بين الناس. وهذه نتائج الإنجيل الحقيقية التي لا بد منها أخيراً، ولكن نتائجه الحاضرة حروباً وعداوات واختلاف الأقارب. وعلة ذلك عصيان الناس على الله ومقاومتهم للحق.
    سَيْفاً السيف هنا كناية عن الحرب، ولا بد من أن تسبق الحربُ السلامَ في المملكة العاصية على ملكها الشرعي. والمسيح أتى لكي يحارب الشيطان وكل أعماله (أفسس ٦: ١١، ١٢ و١تيموثاوس ٦: ١٢). أما السلام الذي جاء في ترنيم الملائكة يوم ميلاد المسيح فالمقصود به ليس السلام بين المسيح والعالم الشرير، بل السلام بين الله ومختاريه. وذلك السيف إما سيف المسيح على الشيطان كما فُسر، وإما سيف الاضطهاد من أعداء المسيح عليه وعلى المؤمنين به. وهذا السيف لا يبرح من الأرض ما دام الحق يقاوم الباطل والباطل يقاوم الحق.
    ٣٥ «فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ ٱلإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَٱلابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَٱلْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا».
    ميخا ٧: ٦
    هذا مقتبس من ميخا ٧: ٦ وقد بين إتمامه في يوحنا ٧: ٢ - ٥ وهو من الأمثلة على أن المسيح جاء ليلقي سيفاً. فدينه كثيراً ما يكون علة لاختلاف الأقارب وانفصال بعضهم عن بعض. وإذا قبل بعض أفراد العائلة المسيح ورفضه البعض الآخر، فلا بد أن يقع أولاً الخصام، ثم البغض، ثم الانفصال. فأنبأهم المسيح أنهم لا بد من أن يتوقعوا خسارة محبة أصدقائهم لأجل اسمه. فيخسرون سلام العائلة ليربحوا سلام الله بالمسيح.
    ٣٦ «وَأَعْدَاءُ ٱلإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ».
    مزمور ٤١: ٩ و٥٥: ١٢، ١٣ ويوحنا ١٣: ١٨
    هذا العدد كالعدد السابق إلا أنه أعم. وقد أثبت اختبار المسيحيين صدقه منذ كان المسيح على الأرض إلى الآن.
    أَعْدَاءُ ٱلإِنْسَان أي الإنسان الذي يتبع المسيح بالأمانة.
    ٣٧ «مَنْ أَحَبَّ أَباً أَوْ أُمّاً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ٱبْناً أَوِ ٱبْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي».
    لوقا ١٤: ٢٦، ٢٧
    كثيراً ما يكون الإيمان بالمسيح سبب الاختلاف بين الأقارب، فيضطر الإنسان إلى أن يختار إما ترك أقاربه واتِّباع المسيح، وإما إتباع أقاربه وترك المسيح. وفي ذلك امتحان له يتبين به إن كان مؤمناً حقيقياً.
    مَنْ أَحَبَّ أَباً أَوْ أُمّاً خلق الله الوالدين والأولاد حتى يحب بعضهم بعضاً، وذلك فرض واجب إن لم يخالف فرضاً أعظم منه. فمن أصعب التجارب أن يترك الإنسان والديه أو أولاده لأجل المسيح، لأنه بذلك يقاوم ما فُطر عليه. ولكن إذا حدث مثل ذلك وجب على الإنسان أن لا يتوقف في الاختيار. فيجب أن يُحب المسيح أكثر من كل إنسان، وإلا فلا تحسب محبته شيئاً. أما سبب تفضيل المسيح فلأنه إله.
    لاَ يَسْتَحِقُّنِي أي لا يستحق أن أعترف به قدام الآب ولذلك لا أعترف به. والحق أنه لا أحد يستحق المسيح، لكنه هو يتنازل إلى أن يعترف بمن يعترف به قدام الناس ويتبعه. فاعتراف المسيح بالإنسان أفضل شرف وبركة له، وخير ثواب عن كل الضيقات. وإنكار المسيح أعظم عار وأشر خسارة.
    ٣٨ «وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي».
    متّى ١٦: ٢٤، ٢٥ ومرقس ٨: ٣٤، ٣٥ ولوقا ٩: ٢٣، ٢٤ و١٤: ٢٧
    يَأْخُذُ صَلِيبَهُ كان الرومان يلزمون المحكوم عليه بالصلب أن يحمل صليبه إلى محل العقاب. ومن ذلك صار حمل الصليب كناية عن حمل الخزي والآلام. وتكلم المسيح هنا كأنه حُكم عليه بالموت صلباً، وأنه ذاهب إلى مكان العقاب، وكل واحد من تلاميذه يسير وراءه حاملاً صليبه. وأخذ الصليب إكراماً للمسيح أفضل من مجرد حمله، لأنه يعني التعرُّض للخطر والألم حتى الموت، عن علم واختيار (في ٣: ٨ - ١٠). وصار معنى حمل الصليب بعد موت المسيح مصلوباً مشاركة للمسيح في الإهانة والآلام.
    وَيَتْبَعُنِي سبق المسيح تلاميذه في طريق الآلام، فاحتمال المصائب اقتفاءٌ لآثار المسيح في تلك الطريق.
    لاَ يَسْتَحِقُّنِي انظر شرح عدد ٣٧.
    ٣٩ «مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا».
    يوحنا ١٢: ٢٥
    للحياة معنيان: حياة الجسد وحياة النفس، فالأولى زمنية على الأرض، والأخرى أبدية في السماء. والذي ينكر المسيح ليجد الحياة الأرضية يضيع الحياة السماوية (أي حياة نفسه)، والذي يخسر الحياة الدنيوية لأجل المسيح يربح حياة النفس الخالدة. ومحبة الحياة أقوى من محبة الأقارب، ولكن محبة المسيح يجب أن تفضَّل على كلتيهما.
    وربما توهم البعض أن هذه الآية تحثنا على الانتحار (أي قتل الإنسان نفسه) والحق أنها تعني بذل الخير الأدنى الزمني بالخير الأسمى الأبدي، كقلع العين اليمنى وقطع اليد اليمنى (متّى ٥: ٢٩، ٣٠). وكلها أمثلة لترك عزيز ثمين لربح ما هو أعز وأثمن منه في المستقبل. فيستحيل على الإنسان أن يبقى في الحياة الطبيعية بكل شهواتها وميولها كما هي ويحصل مع ذلك على حياة المحبة والقداسة في السماء. فلا بد أن يترك الواحدة منهما، لأنه لا يمكن أن يرث ملكوت الله بالطبيعتين العتيقة والجديدة معاً. فيجب على الذي وُلد من فوق وابتدأ الحياة المقدسة مع الله أن يموت للعالم والخطية. فجزاء خسارة الحياة الأرضية ربح جزيل في السماء.
    أَضَاع أي سمح عند الضرورة أن يبذل نفسه. لنا في العدد ٣٧ وجوب تفضيل المسيح على أعز الأقارب. وفي العدد ٣٨ وجوب تفضيله على الراحة والصيت. وفي العدد ٣٩ وجوب تفضيله على الحياة نفسها.
    ٤٠ «مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي».
    متّى ١٨: ٥ ولوقا ٩: ٤٨ و١٠: ١٦ ويوحنا ١٢: ٤٤ و١٣: ٢٠ وغلاطية ٤: ١٤
    بعد أن ذكر المسيح ما يلحق تلاميذه من المصائب عزاهم بأن ذكر أنه يشاركهم في كل شيء، وأن إكرامهم إكرامه وخدمتهم خدمته، وأنه يجازي من يكرمهم ويخدمهم كمن يكرم ويخدم المسيح نفسه.
    مَنْ يَقْبَلُكُمْ باعتبار أنكم رُسلي، وأن رسالتكم حق، فيرحب بكم ويكرمكم ويحسن إليكم.
    يَقْبَلُنِي أي يُجازى كأنه فعل كل ما ذُكر لي. وقبول الرسول كقبول رسالته، وقبول الرسالة كقبول الذي أرسلها، كما أن إكرام السفير إكرام لملكه، وإهانته إهانة لذلك الملك. وغاية هذا الكلام تشجيعه التلاميذ في مناداتهم بالإنجيل وتعزيتهم حين يرفضون.
    ٤١ «مَنْ يَقْبَلُ نَبِيّاً بِٱسْمِ نَبِيٍّ فَأَجْرَ نَبِيٍّ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَقْبَلُ بَارّاً بِٱسْمِ بَارٍّ فَأَجْرَ بَارٍّ يَأْخُذُ».
    ١ملوك ١٧: ١٠ الخ و١٨: ٤ و٢ملوك ٤: ٨ الخ
    مَنْ يَقْبَلُ نَبِيّاً قبول النبي باسم نبي ليس قبوله كمجرد شخص، بل قبوله لأنه نبي مع الإصغاء إلى نبوَّته وطاعتها، وإظهار كل الإكرام له باعتبار أنه رسول الله. ومن فعل ذلك يشارك النبي في الثواب يوم الإثابة.
    مَنْ يَقْبَلُ بَارّاً المراد بالبار هنا المسيحي بالحق. وقبوله يُظهر الشركة معه في الشعور والهدف، فيستحق أن يشاركه أخيراً في الجزاء. فالذي بأعماله حبَّه للبر وأهله يبرهن أنه أهلٌ للشركة في ملكوت البر وكل ما فيه من البركات.
    ٤٢ «وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ بِٱسْمِ تِلْمِيذٍ، فَٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ».
    متّى ١٨: ٥، ٦ و٢٥: ٤٠ ومرقس ٩: ٤١ وعبرانيين ٦: ١٠
    هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَارِ أراد بهم تلاميذه، وسماهم صغاراً إشارة إلى تواضعهم في عيون أنفسهم، وإلى ضعفهم بالنسبة إلى قوة أعدائهم. وكما كانوا صغاراً في عيون أنفسهم كانوا كذلك في عيون أهل العالم، الذين لا يحترمون إلا الكبار الأغنياء والشرفاء والعلماء والأقوياء. ويحتمل أن المسيح أراد بالصغار «الأقل معرفة واعتباراً» بين تلاميذه.
    كَأْسَ مَاءٍ بَارِد الماء أرخص منعشات الإنسان، فيكنى به عن أصغر هبة يقدمها الإنسان لغيره. ورفض تقديمه لعطشان توحُّش وعمل غير إنساني.
    بِٱسْمِ تِلْمِيذ أي باعتبار أنه للمسيح وأنه تلميذه. فالذي يصنع هذا المعروف الزهيد لأحدٍ باعتبار أنه مسيحي، ولإظهار محبته للمسيح، يكون كأنه صنع ذلك المعروف للمسيح نفسه ويُجازى عليه كذلك.
    لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ لا تتوقف قيمة الهدية على كبرها أو صغرها، بل على قصد المُهدي وحالته. فيجب على المسيحي مهما كان فقيراً وضعيفاً أن لا ييأس من أخذ الأجر (لوقا ٢١: ١ - ٤). وذلك الأجر ليس أجرة حقيقية بل هبة يمنحها الله إياه.

    الأصحاح الحادي عشر


    ١ «وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ أَمْرَهُ لِتَلاَمِيذِهِ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ، ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ لِيُعَلِّمَ وَيَكْرِزَ فِي مُدُنِهِمْ».
    وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ أَمْرَهُ أي حديثه في أصحاح ١٠.
    ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاك لم يذكر من أين انصرف، ولكن يظهر من متّى ٩: ٣٥ أنه خاطبهم بذلك وهو يجول للتبشير.
    لِيُعَلِّمَ وَيَكْرِز أي لينادي بأخبار الملكوت الجديد، فلم يوقفه تعيينه الاثني عشر رسولاً عن التبشير بنفسه.
    فِي مُدُنِهِم أي مدن الجليل، كما تدل عليه القرينة.
    ٢ «أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي ٱلسِّجْنِ بِأَعْمَالِ ٱلْمَسِيحِ، أَرْسَلَ ٱثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ».
    متّى ١٤: ٣ ولوقا ٧: ١٨ - ٣٥
    أوضح متّى في هذا الأصحاح علاقة المعمدان بالمسيح، وكان قد أشار لذلك في متّى ٤: ١٢. ولا علاقة في الزمن بين متّى ٤: ١٢ وما جاء هنا من إرسال يوحنا اثنين من تلاميذه، والأرجح أن هذا الإرسال كان قبل ما جاء في متّى ٤: ١٢.
    سَمِعَ من تلاميذه (لوقا ٧: ١٨).
    فِي ٱلسِّجْن قال المؤرخ اليهودي يوسيفوس إن هذا السجن كان في قلعة ماخيروس في بيرية شرق بحر لوط، ولا تزال آثار تلك القلعة باقية إلى الآن. وأشار متّى إلى سجن يوحنا قبل هذا في متّى ٤: ١٢ وذكر في متّى ١٤: ٣ سبب سجنه وكيفية موته.
    بِأَعْمَالِ ٱلْمَسِيح أي بمعجزاته ليبين أنه المسيح (يوحنا ١٠: ٣٨ و١٤: ١١ و١٥: ٢٤).
    تَلاَمِيذِه استمرَّ أتباع يوحنا يعتبرونه معلمهم، وأبوا أن يعتبروا المسيح أعظم منه، بالرغم من شهادة يوحنا للمسيح (متّى ٣: ١١، ١٤ و٩: ١٤ ويوحنا ١: ٢٠ و٣: ٢٥ - ٣٠) وظن أكثر المفسرين أن يوحنا أرسل هذين التلميذين ليزيل شكوك كل تلاميذه التي بقيت فيهم بعد شهادته، وذلك بلقائهم للمسيح وسماع كلامه ومشاهدة معجزاته. ولعله أرسل التلميذين ليتحقق أن النبي الذي ظهر في الجليل هو نفس الشخص الذي عمده في الأردن. أو لعله قصد أن يحث المسيح على أن يظهر نفسه ملكاً زمنياً إسرائيل يحررهم من عبودية الرومان كما كان يتوقع، وتعجب من بطئه في ذلك. وظن بعضهم أن إيمان يوحنا في المسيح ضعف قليلاً في أثناء سجنه، لأن المسيح تركه كل تلك المدة، ولأنه سلك طريقاً يختلف عن الطريق التي توقع يوحنا أن المسيح يسلكها، فاعتراه بعض الشك في ذلك. وقد يعتري بعض المسيحيين الشك مثله بسبب تباطؤ تقدم ملكوت المسيح في العالم.
    ٣ «وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ ٱلآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟».
    تكوين ٤٩: ١٠ وعدد ٢٤: ١٧ ودانيال ٩: ٢٤ ويوحنا ٦: ١٤
    وَقَالَ بواسطة رسوليه. وهو مجاز مرسل شائع في كل اللغات.
    ٱلآتِي أي المسيح الذي انتظر مجيئه منذ قرون كثيرة. وفي اصطلاح اليهود يشير إلى المسيح، وبُني ذلك الانتظار على نبوات العهد القديم (تكوين ٤٩: ١٠ وإشعياء ٩: ١ - ٦ و١١: ١ - ٥ و٣٥: ٤ - ٦ وص ٥٣ كله ودانيال ٩: ٢٤ - ٢٧).
    أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟ أي نتوقع إتيان غيرك لتتحقق فيه النبوات؟ لقد بذل يوحنا كل الجهد في سبيل خدمة الله وممارسة وظيفته وإفادة تلاميذه، ولا شيء في ذلك من النفع الخاص له، لأن المسيح لم ينقذه من سجنه.
    ٤ «فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ: ٱذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ».
    لم يجاوب المسيح يوحنا بقوله نعم أو لا، بل اقتصر على توجيه أفكاره وأفكار تلاميذه إلى البراهين الحسية التي هي معجزاته، إتماماً للنبوات التي نسبها المسيح إلى نفسه، كقوله بلسان إشعياء «حينئذ تتفتح عيون العمي، وآذان الصم تتفتح. حينئذٍ يقفز الأعرج كالإيل، ويترنم لسان الأخرس» (إشعياء ٣٥: ٥) ومثل ذلك ما جاء في إشعياء ٦١.
    وهذا أفضل الجواب، فلا شيء يقنعنا مثل العمل، ولا شيء يتكلم بصوتٍ أعلى من سيرة الإنسان وتصرفاته. فلنفحص نفوسنا: لماذا لا يكون لكلامنا التأثير الصالح الذي ننتظره؟ هل السبب أننا نقول غير ما نفعل؟ وما تأثير قولنا عندئذ؟
    أَخْبِرَا يُوحَنَّا هذا لا يستلزم القطع بشك يوحنا، فقد وجَّه المسيح الجواب إليه ليمحو شكه. وأفضل طريق لإزالة الشكوك في الدين هي أن نعرضها على المسيح بالصلاة. ومعجزاته ختم الله لصدق تعاليمه، ونتائج دينه النافعة من أفضل البراهين على صحة ذلك الدين.
    ٥ «ٱلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَٱلْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَٱلْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَٱلصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَٱلْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَٱلْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ».
    إشعياء ٢٩: ١٨ و٣٥: ٤ - ٦ و٤١: ٧ ويوحنا ٢: ٢٣ و٣: ٢ و٥: ٣٦ و١٠: ٢٥، ٣٨ و١٤: ١١ ومزمور ٢٢: ٢٦ وإشعياء ٦١: ١ ولوقا ٤: ١٨ ويعقوب ٢: ٥
    هذا تفسير قوله في العدد السابق «ما تسمعان وتنظران» وهو ما أراد أن يخبرا يوحنا به. وزاد لوقا على ذلك بقوله «في تلك الساعة شفى كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة، ووهب البصر لعميان كثيرين» (لوقا ٧: ٢١).
    وَٱلْمَوْتَى يَقُومُون كانت إقامة ابن أرملة نايين من المعجزات التي شاهدها تلميذا يوحنا.
    وَٱلْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُون من النبوات المتعلقة بالمسيح قوله «روح السيد الرب عليَّ لأن الرب مسحني لأُبشر المساكين» (إشعياء ٦١: ١). فيمتاز دين المسيح على غيره بأنه لا يفرق بين الأغنياء والفقراء والشرفاء والأدنياء، لأن كل بركاته بلا فضة وبلا ثمن، فيمكن للفقير أن يحصل عليها كالغني. إنه يعزي المساكين ولا سيما المساكين بالروح الذين يشعرون بجوع النفس وعطشها إلى البر أكثر من غيرهم. ولا بد من أن هذا البرهان يؤثر في يوحنا وإن كان لا يؤثر في الكتبة والفريسيين، لأنه كان يعتبر النجاة الروحية أعظم العجائب وأن شفاء الأمراض الجسدية رمز إلى تلك النجاة.
    ٦ «وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ».
    إشعياء ٨: ١٤، ١٥ ومتّى ١٣: ٥٧ و٢٦: ٣١ ورومية ٩: ٣٢ و٣٣: و١كورنثوس ١: ٢٣ و٢: ١٤ وغلاطية ٥: ١١ و١بطرس ٢: ٨
    هذا كلام عام يناسب يوحنا إن كان هو الذي شكَّ، ويناسب تلاميذه إن كان سؤاله لمجرد نفعهم.
    طُوبَى أي غبطة وسعادة من الله.
    يَعْثُر أي يشك فيقع في هاوية الإثم والضلال.
    فِيَّ أي لفقري وتواضعي وتصرفي خلاف ما يتوقع الناس من المسيح. على أن المسيح صار عثرة لكثيرين (رومية ٩: ٣٣ و١كورنثوس ١: ٢٣) وبذلك تمت نبوة إرميا ٦: ٢١. واليهود أكثر من عثروا به، لأنه لم يأتِ وفق انتظاراتهم من جهة حكمه الزمني ومجده العالمي. فكلام يسوع على غبطة المؤمن به يتضمن إنذاراً رهيباً للذين يشكون في أنه المسيح.
    وإن سلمنا أن يوحنا شكَّ وقتاً، فلا ريب أنه وثق كل الثقة بالمسيح قبل موته شهيداً، لأن تلاميذه أتوا عند موته وأنبأوا المسيح، فأظهروا بذلك أنه لم يبقَ عندهم شك فيه.
    ٧ «وَبَيْنَمَا ذَهَبَ هٰذَانِ ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا ٱلرِّيحُ؟».
    قصد المسيح من هذا الكلام أن يمنع الشعب من نتائج فاسدة من سؤال يوحنا إياه وجوابه له.
    بَيْنَمَا ذَهَبَ هٰذَانِ لم يرد المسيح أن يمدح يوحنا أمام تلميذيه، لئلا يظن السامعون أنه يتملقه. ولكنه لم يسكت بعد ذهابهما دقيقة واحدة عن تبرئة يوحنا، لئلا يظن السامعون السوء في يوحنا.
    مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ ذكر الشعب بذلك خروجهم إلى البرية عند بحر لوط حيث ذهبوا ليروا ويسمعوا ذلك النبي الشهير الذي كان حينئذ في سجن ماخيروس، ليجدد احترامهم له. وهذا السؤال يدل على أنهم نظروا في يوحنا حقيقة ما خرجوا لينظروه.
    أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا ٱلرِّيحُ؟ كان نبات القصب يكثر على شاطئ الأردن حيث ذهبوا ليشاهدوا يوحنا ويسمعوه. والقصبة التي تحركها الريح ترمز للإنسان السريع التأثر الكثير التقلب الذي يقول اليوم غير ما قاله بالأمس. وهذا السؤال أشد نفياً لذلك عن يوحنا. ومعلوم أن يوحنا كان ثابتاً شديد التمسك بما يعتقده، فيستحيل أن يكون قد غيَّر شهادته. فسؤاله المسيح بواسطة تلميذيه لا شيء فيه من الدلالة على تغيير اعتقاده. وهذا مما يقوي القول بأن قصد يوحنا بسؤال المسيح هو إزالة شكوك تلاميذه فيه لا شكوكه هو.
    ٨ «لٰكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَاناً لاَبِساً ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ هُوَذَا ٱلَّذِينَ يَلْبَسُونَ ٱلثِّيَابَ ٱلنَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ ٱلْمُلُوكِ».
    أَإِنْسَاناً لاَبِساً ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ أي مترفهاً هائماً باللذات الجسدية. ولكن لبس يوحنا كان من وبر الإبل ومنطقة من جلد.
    فِي بُيُوتِ ٱلْمُلُوك مثل قصر الملك هيرودس. ولم يكن يوحنا من حاشية الملك، ولا كان من أهل التملُّق الذين يشهدون بما يسر الذين يسمعونهم رغبةً في منفعة ذاتية. والخلاصة أن شهادة يوحنا للمسيح لم تتغير، فشهد له وهو في السجن كما شهد له وهو في البرية.
    ٩ «لٰكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيّاً؟ نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ».
    متّى ١٤: ٥ و٣١: ٢٦ ولوقا ١: ٧٦
    سألهم المسيح ثالثةً، كأنهم أجابوا على السؤالين السابقين سلباً من شهادة ضمائرهم. فإذا لم يكن يوحنا كقصبة ولا كأحد أهل البلاد، فماذا يكون؟
    أَنَبِيّاً أي كما أنتم تعتقدون. وسألهم هذا لكي يحقق لهم صحة ذلك الاعتقاد.
    نعم أقول لكم وأفضل من نبي: كان أفضل من نبي لأن قواه فاقت قوى سائر الأنبياء. ولأن غيره من الأنبياء لم يتنبأ بالمسيح في الوضوح كما تنبأ هو به. وهو كان الواسطة لتعريف اليهود بأن يسوع هو المسيح بشخصه.
    ١٠ «فَإِنَّ هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي ٱلَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ».
    ملاخي ٣: ١ ومرقس ١: ٢
    أَمَامَ وَجْهِكَ الخطاب هنا للمسيح والكلام على يوحنا.
    مَلاَكِي أي رسولي وذلك دليل على أنه لم يأتِ من تلقاء نفسه بل من الله للكرازة. وذكر ملاخي في نبوته التي منها هذا الكلام ملاكين، أحدهما ملاك العهد سيد هيكله، والثاني سابقه وهما المسيح ويوحنا.
    يُهَيِّئُ بأن ينبئ بمجيء المسيح ويجهز الناس لقبول تعليمه بواسطة التوبة والانتظار.
    ١١ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ ٱلْمَوْلُودِينَ مِنَ ٱلنِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ، وَلٰكِنَّ ٱلأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ».
    ٱلْحَقَّ أَقُولُ هذا تأكيد لما سيأتي، ودفعٌ لظنهم أنه أراد المبالغة.
    ٱلْمَوْلُودِينَ مِنَ ٱلنِّسَاءِ الجنس البشري. (أيوب ١٤: ١ و١٥: ١٤ و٢٥: ٤).
    أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا أي لم يوجد إنسان أعظم منه بين رؤساء الآباء والكهنة ولا الملوك. ولم تكن أفضليته في سجاياه وإن كان باراً، ولكن في أنه سابق المسيح في الوظيفة، وأقرب إليه من كل الأنبياء. فعظمة الإنسان تزيد بقربه من المسيح. وإذا كان سابق المسيح أعظم من جميع الناس، فكم تكون عظمة المسيح نفسه!
    ٱلأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَات أي النظام الجديد وهو الكنيسة المسيحية. والمعنى أن أصغر المسيحيين يكون لوفرة النور والمعرفة أعظم من أفضل اليهود، لأن الناس كانوا قبل موت المسيح يسيرون على ضوء الفجر فقط. ولكن لما مات المسيح وقام أشرق ضوء الشمس على العالم، فصاروا إلى نهارٍ كامل، بالنسبة لنوع الأخلاق التي يجب أن يظهروها، ويتوقف على نوع السجايا التي يتحلون بها، والتي ذكرها السيد في وصاياه كما وردت في أصحاح ١٠، وجعلها دستوراً لأتباعه إذا شاءوا أن يؤثروا التأثير الصالح لنشر ملكوته المجيد. فلا يظن من ذلك أن أقل المسيحيين أقدس من يوحنا، فالأفضلية متوقفة على مجرد الوسائط، فإن يوحنا كان واقفاً على عتبة العهد الجديد أما المسيحيون بعده فدخلوا الهيكل. وكان يوحنا صديق العريس (يوحنا ٣: ٢٩) وصار المسيحيون مع عدم استحقاقهم العروس نفسها. ولم يحل الروح القدس على يوحنا بالقوة التي حل بها على تلاميذ ذلك العهد.
    ١٢ «وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ إِلَى ٱلآنَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ».
    لوقا ١٦: ١٦
    أشار المسيح بهذا إلى تأثير خدمة يوحنا برهاناً لما بيَّنه من عظمته في العدد العاشر.
    مِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا أشار المسيح إلى ما حدث من التغير العظيم بمناداة يوحنا في مدة قصيرة، من بدء كرازة يوحنا إلى أن تكلم المسيح بهذا، ولعلها لا تزيد على سنة أو سنة ونصف. وشهد لوقا بعظمة ذلك التغيير فقال: «كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا. ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله، وكل واحد يغتصب نفسه إليه» (لوقا ١٦: ١٦) ونهضت في تلك المدة أمة اليهود كلها على رغم رؤسائها، فكانت حركتها كحركة مدينة عند افتتاح محاصريها.
    ٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَه أي أن اليهود تزاحموا على يوحنا ويسوع ليسمعوا تعليمهما، وكانوا غيورين ومجتهدين كأنهم يخطفون غنيمة ودل قوله «مِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ» (متّى ١١: ١٢). على أن تأثير شهادة يوحنا كان باقياً بعد سجنه. وإن كان دخول الملكوت وقتها لزمه كل ذلك الاجتهاد، فلا بد أنه يلزم مثله اليوم للفوز بالنصر والتغلب على كل مانع أو عائق.
    ١٣ «لأَنَّ جَمِيعَ ٱلأَنْبِيَاءِ وَٱلنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا».
    انتهى بيوحنا نظام العهد القديم الذي كان استعداداً للمسيح، فكان الحلقة الأخيرة في تاريخ الفداء من سلسلة وسائط ذلك العهد الطويلة. وفي هذا العدد إثبات لما قيل في عدد ١١ وردٌّ على توهم البعض أن مثل يوحنا يغير شهادته للمسيح لطول بقائه في السجن.
    ٱلأَنْبِيَاءِ وَٱلنَّامُوسَ يراد بها كل العهد القديم، أي إعلان الله إرادته بالأنبياء والناموس. والحق أن الناموس نفسه نبوة، لأن طقوسه رموز إلى المسيح وهي «ظل الخيرات العتيدة» (عبرانيين ١٠: ١).
    إِلَى يُوحَنَّا لأنه آخر أنبياء العهد القديم، وكل ما كان في هذا العهد لم يكن سوى رمز واستعداد.
    تَنَبَّأُوا أي اتصلت نبواتهم بالتتابع إلى يوحنا. ومع أن موسى وسائر الأنبياء ماتوا قبل يوحنا بمئات السنين إلا أن المسيح اعتبرهم أحياء لأن شهاداتهم بقيت المكتوبة. فيجوز أن يقال إن البشيرين والرسل لا يزالون يتكلمون إلى اليوم.
    ١٤ «وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهٰذَا هُوَ إِيلِيَّا ٱلْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ».
    ملاخي ٤: ٥، ٦ ومتّى ١٧: ١٢ ولوقا ١: ١٧
    ختم المسيح كلامه عن يوحنا المعمدان بتفسيره لنبوة ملاخي من جهة يوحنا (ملاخي ٤: ٥، ٦) فإنه أنبأ بمجيء إيليا. فبيَّن المسيح أن يوحنا هو المقصود بإيليا كما شهد الملاك الذي بشر بولادته أيضاً (لوقا ١: ١٧).
    وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا ذلك يدل على أن بعض السامعين كان يعتقد خلاف تفسير المسيح، فظنوا أن إيليا الحقيقي يأتي بنفسه، لا شخص غيره بروحه وقوته. فقول يوحنا على نفسه إنه ليس إيليا (يوحنا ١: ٢١) لا يناقض تفسير المسيح، لأن يوحنا أراد أنه ليس شخص إيليا. ويحتمل أن يوحنا في ذلك الوقت لم يعرف تمام المعرفة كيف يتمم نبوة العهد القديم.
    ١٥ «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ».
    متّى ١٣: ٩ ولوقا ٨: ٨ ورؤيا ٢: ٧ و٣: ٦
    معنى هذا أن المسيح ذو شأن، يجب الإصغاء الشديد له، والتأمل لإدراك المعنى الدقيق لكلامه (انظر مرقس ٩: ١٦ ولوقا ١٤: ٣٥ ورؤيا ٢: ٧). ولأن لكل إنسان أذنين للسمع تكون كرازة يوحنا المعمدان بالمسيح، وبشرى المسيح بالخلاص للجميع. فعدم معرفة الناس طريق الخلاص ليس لعدم وسائط السمع، بل لأنهم لا يريدون أن يصغوا بآذانهم وقلوبهم.
    ١٦ «وَبِمَنْ أُشَبِّهُ هٰذَا ٱلْجِيلَ؟ يُشْبِهُ أَوْلاَداً جَالِسِينَ فِي ٱلأَسْوَاقِ يُنَادُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ».
    لوقا ٧: ٣١ - ٣٥
    بعد أن أكمل المسيح شهادته ليوحنا ووظيفته، أشار إلى الفرق بين يوحنا وبينه. ومع هذا الفرق لم يفرق الكتبة والفريسيون بينهما في المعاملة (لوقا ٧: ٣٠).
    هٰذَا ٱلْجِيل ليس المقصود بالجيل كل أهل العصر، بل رؤساء اليهود الروحيين (لوقا ٧: ٢٩)
    يُشْبِهُ أَوْلاَداً في أنهم كثيرو التقلب سريعو الضجر يطلبون ما ليس لهم حق أن يطلبوه.
    فِي ٱلأَسْوَاق الأسواق متَّسعة تناسب اجتماع الأولاد للَّعب، كما تناسب البالغين للاتجار.
    ١٧ «وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا».
    هذه شكوى بعض الأولاد من رفقائهم لأنهم لم يريدوا الاشتراك في اللعب، فقد لعبوا مرةً لعبة العرس ومرة أخرى لعبة الجنازة. ولعلهم عرضوا عليهم ألعاباً أخرى، فرفضوا أن يشتركوا في واحدٍ منها، وبقوا معتزلين اللعب، عابسين.
    زَمَّرْنَا لَكُمْ أي طربنا لكم بألحان الفرح فلم ترقصوا طرباً.
    نُحْنَا لَكُمْ ذلك إما بالأفواه وإما بالآلات كعادة الناس في الجنازة، فلم يظهروا علامة الحزن.
    ١٨ « لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: فِيهِ شَيْطَانٌ».
    فسر المسيح بهذا العدد والذي يليه المقصود من التشبيه في العدد السابق.
    لا يأكل ولا يشرب: أي أنه لم يأكل ولم يشرب كسائر الناس، لأن طعامه كان الجراد والعسل البري (متّى ٣: ٤). «لاَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَلاَ يَشْرَبُ خَمْرًا» (لوقا ٧: ٣٣) لأنه كان نذيراً (لوقا ١: ١٥) فكان لا بد أن يمتاز عن سائر الناس بالأكل والشرب.
    فَيَقُولُونَ أي الكتبة والفريسيون.
    فيه شيطان: أي أنه يشبه الشيطان في اعتزاله سائر الناس وإقامته في البرية، وفي منعه نفسه عن ضروريات الحياة ولذّاتها كفعل المجنون الذي ذُكر في متّى ٨: ٢٨.
    ١٩ «جَاءَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ. وَٱلْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا».
    متّى ٩: ١٠
    ٱبْنُ ٱلإِنْسَان هو المسيح (متّى ٨: ٢٠).
    يَأْكُلُ وَيَشْرَب كسائر الناس بلا قهر الجسد.
    فَيَقُولُونَ الذين لاموا يوحنا على تصرفه لاموا المسيح على خلاف ذلك التصرف. فجاء يوحنا بقساوة العهد القديم فلم يرضهم، وجاء المسيح بلين العهد الجديد فلم يسروا به.
    أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ نسبوا ذلك إليه لا لإفراطه في الأكل والشرب، بل لأنه لم ينكر نفسه في مقتضيات الجسد كيوحنا.
    مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاة لاموه أنه خالط الناس على اختلاف أحوالهم خلافاً ليوحنا المعمدان الذي انفرد عن الناس وسكن البرية. وأرادوا بقولهم محب للعشارين والخطاة أنه يحب عشرتهم، فهو منهم وفيهم. لكن هذا التعيير (أي أنه صديق الخطاة) هو مجده، لأنه لم يصاحب الضالين إلا ليهديهم إلى طريق التوبة والخلاص.
    وَٱلْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَ أي أن حكمة الله التي تجسدت، كما تجسدت في سفر الأمثال هي علة أعمال يوحنا والمسيح كليهما. وترجمة أخرى تقول «والحكمة تحققت بأعمالها» أي لا شيء يحقق الحكمة ويبررها إلا بتطبيقها على الحياة والسلوك. فإذا لام الفريسيون يسوع لأنه اختلط بالعشارين والخطاة فإن لومهم في غير محله، لأن غرض يسوع هو الخلاص لجميع الناس. لذلك فإن الحكمة في تصرفه قد تحققت بأن أظهر هذا الحب العظيم المسيحي حتى لأشقى الناس.
    لام الكتبة والفريسيون أعمال المسيح، أما بنو الحكمة الحقيقية فقد حكموا بصلاحها ومدحوها. وبنو الحكمة هم تلاميذ المسيح المؤمنون. وغيرهم من اليهود كانوا كأولاد الأسواق، كثيري التقلب سريعي الضجر.وإنما برر بنو الحكمة يسوع ويوحنا، لأنهم رأوا تصرفهما مناسباً لوظيفتهما الإلهية، ووفقاً لنبوات العهد القديم المتعلقة بهما. فقد عاب عليه أولاد الجهالة بينما برره أولاد الحكمة. وكما كان اليهود يشتكون على المسيح ويوحنا بلا سبب، فإن أهل العالم لا يزالون يشتكون على المسيحيين لغير علة. فكيفما سار أهل التقوى يستنذبهم أهل الدنيا. ولكن الله يعرف خاصته ويبررهم.
    ٢٠ «حِينَئِذٍ ٱبْتَدَأَ يُوَبِّخُ ٱلْمُدُنَ ٱلَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ».
    لوقا ١٠: ١٣ الخ
    حِينَئِذٍ ٱبْتَدَأَ لما فرغ المسيح من توبيخ اليهود لشكاواهم بلا سبب على يوحنا وعليه، بدأ ينذر المدن التي نالت زيادة من سماع تبشيره وعمل معجزاته فيها. واستعمل في هذا الإنذار بعض العبارات التي استعملها في خطابه السبعين تلميذاً (لوقا ١٠: ١٣ - ١٥، ٢١، ٢٢).
    يُوَبِّخُ وبخهم إظهاراً لحزنه على عدم توبة الذين حصلوا على أحسن الوسائط لمعرفة الحق.
    ٢١ «وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ ٱلْقُوَّاتُ ٱلْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيماً فِي ٱلْمُسُوحِ وَٱلرَّمَادِ».
    يونان ٣: ٦، ٧، ٨
    وبخ المسيح المدن التي كانت وقتئذٍ في غاية العظمة، لكنها خربت منذ قرون كثيرة. والضربات التي أنبأ المسيح بوقوعها على تلك المدن وقعت على أهلها، وعلامات وقوعها لا تزال ظاهرة على أطلالها.
    وَيْلٌ أي مصابٌ عظيم. وهذا يدل على شدة حزن المسيح.
    كُورَزِينُ لم تُذكر هذه المدينة إلا هنا وفي لوقا ١٠: ١٣ ولم يُعرف موقعها يقيناً، غير أنها كانت قريبة من بيت صيدا وكفرناحوم حتى كانت تذكر معهما. والأغلب أنها «كرازة» الواقعة على بُعد نحو ميلين ونصف ميل شمال خربة تل حوم.
    بَيْتَ صَيْدَا هي مدينة في الجليل على شاطئ بحر طبرية الشمالي الشرقي عند مصب نهر الأردن في ذلك البحر. فيحتمل أنها كانت مبنية على جانبي ذلك النهر وهي مكان ميلاد ثلاثة من رسل المسيح: فيلبس وأندراوس وبطرس. ولم يذكر في الإنجيل أن المسيح صنع فيها شيئاً من المعجزات ولكن ذلك لا ينفي معجزاته فيها، لأن متّى ذكر القليل من عجائبه الكثيرة.
    صُورَ وَصَيْدَاء مدينتان قديمتان في فينيقية على شاطئ بحر الروم، اشتهرتا بالتجارة البحرية والغِنى والترف والمعاصي. وأقدمهما صيدا التي بناها صيدون حفيد حام بن نوح (تكوين ١٠: ١٩ و٤٩: ١٣) لكن صور فاقتها بعد حين (يشوع ١٩: ٢٩ وإشعياء ٢٣: ٨ وحزقيال ٢٧: ٣٢) وأنذر الأنبياء هاتين المدينتين قديماً على شرهما ومعاصيهما (حزقيال ٢٠، ٢٧، ٢٨). وتمت عليها النبوات فعلاً. فقال المسيح إنه لو كان لهاتين المدينتين اللتين كانتا قديماً وثنيتين فرصة لمعرفة الحق، كما كان لكورزين وبيت صيدا، لتابتا بالتأكيد.
    فِي ٱلْمُسُوحِ وَٱلرَّمَاد كعلامات التوبة والندامة (يونان ٣: ٥ - ٩).
    لنا من هذه الآية ثلاث فوائد:

    • لا بد من يوم الدينونة.
    • حال بعض الخطاة في ذلك اليوم شرٌّ من حال البعض الآخر.
    • عقاب أردأ الوثنيين أخف من عقاب الذين سمعوا الإنجيل ولم يتوبوا.


    ٢٢ «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ ٱحْتِمَالاً يَوْمَ ٱلدِّينِ مِمَّا لَكُمَا».
    متّى ١٠: ١٥ وع ٢٤
    أي أن عقاب مدينتي الجليل سيكون أشد من عقاب مدينتي فينيقية، لأن خطيتهما أعظم. ورفض المسيح أشر من عبادة الأوثان. فمن رفض مواعيد النعمة المعروضة عليه أتته بدلاً منها إنذارات النقمة. فالمسؤولية تزيد بزيادة المعرفة. وفي يوم الدين يدان خطاة الأيام الأولى والأيام الأخيرة معاً أمام الجميع. ويدان كلٌّ على قدر ما كان له من وسائط النعمة. وإن لم يتُب أولاد الأتقياء الذين هُذِبوا منذ الطفولية، والذين واظبوا على سماع الصلاة والوعظ، حُسبوا أعظم إثماً من الوثنيين وعوقبوا أشد عقاب.
    ٢٣ «وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ ٱلْمُرْتَفِعَةَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ، سَتُهْبَطِينَ إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ ٱلْقُوَّاتُ ٱلْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى ٱلْيَوْمِ».
    إشعياء ١٤: ١٣ - ١٥ ومراثي إرميا ٢: ١
    كانت كورزين وبيت صيدا خاطئتين ولكن فاقتهما في الإثم مدينة ثالثة هي كفرناحوم، وطن المسيح ومركز عمله، بعد أن هجر الناصرة. فامتازت على كل ما سواها بوسائط المعرفة والنعمة، وكان فيها بعض التلاميذ المؤمنين بالحق. ولكن أكثر سكانها لم يتأثر بشيء.
    كَفْرَنَاحُومَ انظر تفسير متّى ٤: ١٣.
    ٱلْمُرْتَفِعَةَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ كانت كذلك لأنه لم يكن لسواها على الأرض ما كان لها من الوسائط التي تشبه وسائط سكان السماء، لأن المسيح سكن فيها مدة، فحصلت على فوائد قدوته وتبشيره ومشاهدة معجزاته.
    سَتُهْبَطِينَ إِلَى ٱلْهَاوِيَة أي أنتِ التي ارتفعت فوق كل المدن حتى كدت تبلغين السماء ستنخفضين عن كل المدن حتى تهبطي إلى الهاوية. وذلك دليل على انحطاطها أخلاقياً ومادياً في هذا الزمان وإلى الأبد. وقد تم عليها كل ذلك لأنها فقدت كل العظمة الظاهرة حتى اختلف العلماء على موقعها اليوم. ومقارنة كفرناحوم بسدوم التي هلكت لفظاعة شرها كمقارنة كورزين وبيت صيدا بصور وصيدا. فالمعنى هنا كالمعنى هناك، أي أن وسائط كفرناحوم كانت أعظم من وسائط سدوم، فيكون عقاب أهلها أشد من عقاب أهل تلك.
    لَبَقِيَتْ إِلَى ٱلْيَوْم دليلاً على أن خراب سدوم لم يكن من أسباب طبيعية بل من شر أهلها، وكان منع ذلك ممكناً لو تابت. وإمكان نجاة سدوم بالتوبة دليل واضح على أنه يمكن لكل خاطئ أن ينال الغفران لو تاب.
    ٢٤ «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ ٱحْتِمَالاً يَوْمَ ٱلدِّينِ مِمَّا لَكِ».
    لشدة ما وقع على سدوم من العقاب وسرعته ضُرب بها المثل إنذاراً للعبرانيين بالخطر المحيط بهم (إشعياء ١: ١٠ ومرقس ٤: ٦ وحزقيال ١٦: ٤٦ - ٥٧). وكل ما ذكره المسيح من عقاب كفرناحوم يصدق بأكثر تدقيق على الذين يرفضون المسيح اليوم.
    ٢٥ «فِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ قَالَ يَسُوعُ: أَحْمَدُكَ أَيُّهَا ٱلآبُ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ عَنِ ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ».
    لوقا ١٠: ٢١ مزمور ٨: ٢ ومتّى ١٦: ١٧ و١كورنثوس ١: ١٩، ٢٦ و٢كورنثوس ٣: ١٤
    كان في مدن الجليل وقراها بعض الكتبة الفهماء الحكماء (لوقا ٥: ١٧) وهو قوله «وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ كَانَ يُعَلِّمُ، وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ وَهُمْ قَدْ أَتَوْا مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ». فبعد ما ذكر المسيح ما كان من أمر مدن الجليل، كان لا بد أن يخطر علماؤها على باله، فقد قاوموه أشد مقاومة.
    قَالَ يَسُوعُ لأن الأعداء وجَّهوا له سؤالاً لم يُذكر هنا. وقال البعض إن جواب المسيح كان على سؤال أضمروه في صدورهم، ظهرت علاماته على وجوههم وإشاراتهم. وظن آخرون أن السؤال ما تصوره من عدم توبتهم وعدم إيمانهم اللذين وبخهم عليهما، وهو التفسير الأرجح.
    أَحْمَدُكَ ليس هذا مجرد الشكر على إحسان كشكر مُحسنٍ إليه للمحسن، لكنه إعلان الرضى بقضاء الله، فكأنه قال لأبيه: حسناً فعلت!
    أَيُّهَا ٱلآبُ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ خاطبه المسيح باعتباره ملك الكون، لأنه أظهر ذاته متنزهاً عن كل حكمة وسلطة بشرية، وخاطبه بكلمة الآب بياناً لقرب العلاقة بينه وبين ذلك الملك العظيم.
    أَخْفَيْتَ لم يشكر المسيح أباه على أنه أخفى الحق عن بعض الناس، بل على أنه أظهره للأطفال. فما أخفاه عن البعض لم يُخفِه عن الكل. ولا شك أن الله يخفي الحق عن البعض أحياناً عقاباً لهم لأنهم أغمضوا عيونهم عنه وقسوا قلوبهم عليه. ويخفي ذلك غالباً بأن لا يمنحهم النعمة التي تقودهم على قبول الحق، فيتركهم في العمى الطبيعي الذي هو ثمرة خطيتهم الطبيعية. أو أن معنى ذلك أن الله سمح بأن كبرياءهم وعماهم الاختياري يخفيان عنهم الحق الإنجيلي، لأننا نقرأ أن ما سمح بوقوعه يُنسَب إليه، كما يُقال إنه قسى قلب فرعون، والمعنى أنه سمح بأن يتقسى.
    هٰذِه أي معرفة الحق الروحية وتأثيره في قلوبهم وتمييز فوائد الإيمان والانتباه لإنذار الإنجيل (لوقا ١٩: ٤٢) ومواعيده (٢كورنثوس ٤: ٣).
    ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْفُهَمَاءِ أراد بهما الكتبة والفريسيين، لأنهم كانوا حكماء وفهماء في الأمور الدنيوية، وفي معرفة الشريعة. وقد ظنوا أنهم كذلك في فهم معناها الروحي وهم يجهلونه كل الجهل. فلم يخترهم الله آنية لنعمته بسبب شدة كبريائهم التي جعلتهم يرفضون تعليمه لأنهم لم يشعروا باحتياجهم إليه. فنحن لا نتوصل إلى معرفة الحق الديني بمجرد الدرس العقلي، ولا بالحكمة البشرية، فكثيراً ما جهل أكابر الفلاسفة أبسط حقائق الإنجيل «لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ» (١كورنثوس ١: ٢١).
    لِلأَطْفَالِ أي تلاميذه، لأنهم كانوا كالأطفال في الصفات الأخلاقية، وشعروا بأنهم كأطفال في المعرفة (١كورنثوس ٢: ٦، ٨، ١٠). والحق أنهم كانوا جهلاء وضعفاء في الأمور الروحية قبل أن ينيرهم الله ويقويهم. ولأنهم كانوا كالأطفال في التواضع والوداعة والتصديق أعلن الله لهم أسرار ملكوته. واليوم يجب أن نكون كالأطفال ليعلن لنا طريق الخلاص. لقد مجَّد المسيح الله وابتهج لرئاسته الفائقة العادلة. فعلى ذلك يجب أن يبتهج تلاميذه بالله ويمجدوه كلما تأملوا في هذا الشأن.
    ٢٦ «نَعَمْ أَيُّهَا ٱلآبُ، لأَنْ هٰكَذَا صَارَتِ ٱلْمَسَرَّةُ أَمَامَك».
    أي أشكرك أيها الآب لأنك اخترت أن تفعل هكذا، وما تختاره هو الأفضل، وهذه هي مسرتك في الأفضل الذي تريده وتفعله.
    نَعَمْ هي حرف جواب. والجواب هنا عن سؤال مقدر هو: هل تشكرني على ذلك؟
    هٰكَذَا صَارَتِ ٱلْمَسَرَّةُ أي مسرتك يا الله، وهذه المسرة ليست بلا سبب، وليس فيها شيءٌ من الظلم لأحد، وهي مبنية على غاية من الحكمة والمحبة. فإذا علمنا أن الله حكم بأمرٍ كفانا أن نعتقد أنه عن عدل وأنه أفضل ما يمكن حدوثه، لأنه يستحيل أن يخطئ الله في شيء من أعمال قضائه.
    ٢٧ «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ إِلاَّ ٱلآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلاَّ ٱلابْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ».
    متّى ٢٨: ١٨ ولوقا ١٠: ٢٢ ويوحنا ٣: ٥٣ و١٣: ٣ و١٧: ٢ و١كورنثوس ١٥: ٢٧ ويوحنا ١: ١٨ و٦: ٤٦ و١٠: ١٥
    الأرجح أن المسيح أقال هذا دفعاً لما يمكن أن يتوهَّمه التلاميذ من أن المسيح أدنى مرتبةً من الآب، فأظهر هنا أنه والآب واحد في بيعته الإلهية، وأن الله الآب سلم السلطان إليه في ذلك إلى حين إتمام الفداء.
    كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ باعتبار أن المسيح فادٍ سلم إليه كل سلطان (متّى ٢٨: ١٨ ويوحنا ٣: ٣٥ و٥: ٤٦ وكولوسي ١: ١٦ - ١٩ وعبرانيين ١: ٨). فرئاسة الكون لا تزال للمسيح لعمل الفداء، ولكن في نهاية ذلك العمل يرجع كل شيء إلى الحال الأصلي. «وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ» (١كورنثوس ١٥: ٢٨) فتسلُّم المسيح السلطان من الآب لا يلزم منه أنه أقل من الآب، لأنه لا يستطيع أن يتسلم قوة غير متناهية إلا الله، ولا يقدر أحد أن يحكم في وقت واحد على كل المخلوقات في السماوات والأرض والجحيم إلا وهو.
    لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ الخ لا يستطيع أن يدرك إنسان ولا ملاك ولا رئيس الملائكة أن يدرك كُنه الابن، فذلك مقصور على اللاهوت. فالمسيح أعلن أن طبيعته غير محدودة، حتى أنه لا يقدر أن يدركه سوى الآب غير المحدود (١كورنثوس ٢: ١١) فلا أحد من الناس يقدر أن يدرك تمام الإدراك سر شخص المسيح ووظيفته. ولو كان المسيح مجرد إنسان لما قدر أن يقول هذا.
    مَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَه هذا مثل قول يوحنا «الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر» (يوحنا ١: ١٨) فوظيفة المسيح هي أن يعلن الآب للبشر، لأنه الكلمة الأزلي، ومن تلك الوظيفة يعلن لنا كل ما نقدر أن ندركه عن طبيعته. ولا شيء يمكنه أن يعلن لنا الله من تاريخ أو علم أو عقل أو شيء آخر غير إعلان الابن خاصة (يوحنا ٣: ٣٥ و١٤: ١٥ - ٢٤). وهذا الإعلان يكون بكلامه، وبأعماله، وبالروح القدس الذي يرسله.
    ٢٨ «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ».
    لنا في هذا العدد جواب السؤال في عدد ٣ من هذا الأصحاح وهو «أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» (متّى ١١: ٣). فبعد أن قال المسيح «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ» (لوقا ١٠: ٢٢) وأنه يعلن الآب، استعمل وظيفته فدعا الناس إلى المصالحة مع الله على يده لنوال الراحة الأبدية.
    تَعَالَوْا إِلَيَّ أي ارجعوا عن معلمي الناموس الذين يحمِّلون ضمائر الناس أحمالاً ثقيلة. واقبلوا إليَّ بالذات باعتبار لاهوتي وناسوتي، لا لتعليمي أو كنيستي أو رسلي أو غيرهم سواي. تعالوا إليَّ لأني أنا الطريق إلى الآب، ولأنكم لا تقدرون أن تأتوا إليه إلا بي، لأني أنا الوسيط الوحيد بين الله والناس. تعالوا إليَّ لتخلصوا بالشروط التي وضعتها لنوال الخلاص. وهذه الدعوة هي خلاصة البشرى الإنجيلية، وهي دليل على تنازل وشفقة ومحبة لا تحد. ولم يدَّعِ أحدٌ من الناس إلى نفسه كذلك غير المسيح، فلم يقُلها ملاك ولا نبي ولا فيلسوف ولا معلم. ولو كان المسيح مجرد إنسان ما تجاسر على ذلك.
    يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ كانت هذه الدعوة عامة لأن الشقاء والحزن والتعب عمَّ الجميع، فإن نسل آدم كله يئن تحت حمل الخطية والشقاء الناتج عنها. فضميره متعب يوبخه على خطيته، وخوفه من العقاب الآتي يثقل عليه. فيدعو المسيح كل واحد إليه لينجو من الحزن والخوف، وهو يغفر له ويطهره ويخلصه من سلطة الخطية ودينونتها. فالذين رغبوا في أن يخلِّصوا أنفسهم بأعمالهم الصالحة وبرهم الذاتي هم تحت حمل لا يطاق من وفاء القوانين وزيارة الأماكن المقدسة والأصوام والأسهار والتقشف والصلوات الطويلة واعتزال الراحة والغِنى والحياة نفسها (وهذا أثقل مما تسمح رحمة الله أن تحمِّلهم إياه لو كان الخلاص بالأعمال) فهؤلاء يدعوهم المسيح إليه ليخلصوا ببره، ويستريحوا من أحمالهم.
    أراد اليهود أن يكملوا كل فرائض ناموس موسى ليبرروا أنفسهم، فوقعوا تحت حمل ثقيل (متّى ٢٣: ٤ وأعمال ١٥: ١٠) وقد كمَّل المسيح الناموس، فهو يدعو اليهود إليه للراحة. والذين يجرون وراء اللذات في طرق الخطية التي هي خدمة الشيطان يجدون أنفسهم أخيراً تحت عبودية شر من عبودية مصر، إذ يقعون تحت عبودية البخل والكبرياء وطلب الرياسة والشهوات.
    وَأَنَا أُرِيحُكُمْ لم يَعِدْنا المسيح أن نكون بلا حمل ولا تعب في هذه الأرض، إنما وعد بالراحة كل من ألقى حمله عليه. والراحة أعظم ما يحتاج إليه البشر. والعالم يعد بها كذباً، ولا يستطيع أحد إلا المسيح أن يهبها تامة وإلى الأبد. فهو يمنحنا الراحة لأنه رافع الخطية (يوحنا ١: ٢٩، ٣٦ وإشعياء ٥٣: ٤). ولأنه رئيس كهنة يرثي لضعفاتنا (عبرانيين ٤: ١٥). وهو يريحنا من حمل التبرير بالأعمال، ويريح الضمير من التوبيخ، ويريح القلب من مخاوف الموت ويوم الدين. ويريحنا بأن يهب لنا الغفران والسلام والمصالحة، وقلباً وديعاً متواضعاً صابراً قنوعاً يثق به. فطوبى للنفس التي استراحت برجاء الخلاص بالمسيح، فلها به فوق هذا كله راحة أبدية في السماء (عب ٤: ٩).
    ٢٩ «اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ».
    يوحنا ١٣: ١٥ وفي ٢: ٥ و١بطرس ٢: ٢١ و١يوحنا ٢: ٦ وزكريا ٩: ٩ وفيلبي ٢: ٧، ٨ وإرميا ٦: ١٦
    هنا إشارة إلى ما يصيب زوجين من البقر معاً، فعليهما أن يشدّا النير بصورة منتظمة لكي يتقاسما الحمل. وفي هذا التشبيه يجعلنا المسيح شركاء له في حمل نير العالم لخلاصه، وهذا منتهى الشرف لنا والفرصة السانحة لنبرهن عن تكريس حياتنا لخدمته.
    وَتَعَلَّمُوا مِنِّي باعتبار أنه نبي ومعلم عظيم يعلن الآب للناس (آية ٢٧). ويتم ذلك بتعليمه بالكلام والسيرة، وبثبوته في الناس. وهو لا يأمر بشيء لم يمارسه.
    لأَنِّي وَدِيعٌ الخ أول درس ينبغي أن يتعلمه الناس من المسيح هو التواضع والتأثر بتعليمه، وهو خير قدوة لنا في التواضع. فالجلوس عند أقدام المسيح وحفظ هذا الدرس سر الراحة الفضلى والمسرة الخالدة.
    فَتَجِدُوا رَاحَةً أي أن الذين يأتون إليه ويتعلمون منه يدركون الراحة التي يسألونها غيره عبثاً (يوحنا ١٤: ٢٧ و١٦: ٣٣). وكثيراً ما تم هذا الوعد في أشد المصائب كما قال بولس «فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ» (٢كورنثوس ١٢: ٩، ١٠).
    لِنُفُوسِكُمْ أي تستريح أرواحكم من أثقال الخطية وتعب الضمير.
    ٣٠ «لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ».
    ميخا ٦: ٨ و١يوحنا ٥: ٣
    زاد المسيح هذه الكلمات دفعاً للتوهم أن المسيحي يستبدل نيراً صعباً وحملاً ثقيلاً بمثيلهما.
    نِيرِي هَيِّنٌ لأن المسيح يعين المؤمن به على حمله، ويهب النعمة الكافية لحامله، ولأن محبة المسيحي للمسيح تجعله لا يشعر بصعوبة حمله، ولأن لحامل ذلك النير وعداً بتواب جزيل. وإلا فذلك النير ليس هيناً، لأنه نير مقاومة الخطية، ونير الأحزان، ونير القيام بالواجبات. ولا يخفى ما في ذلك من الصعوبة على الطبع البشري وعدم قدرة الإنسان على حمله بدون معونة المسيح. ومع ذلك كله فإن نير المسيح أهون من كل نير. إنه أهون من نير الشريعة اليهودية مع ما أضافه إليها الكتبة والفريسيون من الطقوس والتقاليد. وأهون من نير الأديان الباطلة الذي على رقاب الوثنيين. وأهون من نير الشيطان الذي على رقاب عبيد اللذات والشهوات.
    وَحِمْلِي خَفِيفٌ تقتضي خدمة المسيح إتمام واجبات كثيرة من جملتها حمل الصليب، لكنها تُسِر من قام بها، لأنها مصحوبة بسلام يفوق كل عقل (في ٤: ٧). إن حمل المسيح على المسيحي كالريش للطائر يزيد ثقله ولكنه لا يستطيع أن يعلو إلى السماء بدونه.
    ومن آيتي ٢٨، ٢٩ نتعلم أن الداعي إلى الإقبال للمسيح أنه ابن الله الأزلي الذي صار إنساناً لأجلنا. وهو يدعو كل من شعروا بثقل الخطية وتعب الضمير، ويعدهم بالراحة والتعزية، على شرط أن يأتوا إليه ويتعلموا منه التواضع والمحبة.

    الأصحاح الثاني عشر


    معظم هذا الأصحاح يشرح المقاومة الشديدة للمسيح لسبب معجزاته وتعاليمه وقد جُمعت فيه الحوادث بقطع النظر عن أزمنتها.
    ١ «فِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي ٱلسَّبْتِ بَيْنَ ٱلزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلاَمِيذُهُ وَٱبْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ».
    تثنية ٢٣: ٢٥ ومرقس ٢: ٢٣ ولوقا ٦: ١
    اعترض الكتبة والفريسيون على المسيح قبل ذلك ثلاثة اعتراضات: (١) ادعاؤه السلطان على مغفرة الخطايا (متّى ٩: ٣)؛ و(٢) مخالطته العشارين (متّى ٩: ١١)؛ و(٣) إهماله الصوم وما شاكل ذلك من أنواع الزهد (متّى ٩: ١٤ و١١: ١٩). واعترضوا هنا على أنه لم يحفظ السبت حسب تقاليدهم، ولم يُلزم تلاميذه بذلك. وأراد البشير بالوقت بقوله «في ذلك الوقت» الزمن التابع للحوادث المذكورة في أصحاح ٧.
    فِي ٱلسَّبْتِ أي اليوم السابع من الأسبوع حسب الشريعة اليهودية، ولكن السبت المسيحي هو اليوم الأول منه وصار بدلاً من السابع بعد قيامة المسيح إكراماً لتلك القيامة.
    بَيْنَ ٱلزُّرُوع كان الناس من أعداء وأصدقاء يزدحمون على المسيح فكان يضطر إلى اعتزالهم حين يريد الانفراد مع تلاميذه للصلاة. ولعل ذلك هو ما حمله على الذهاب بين الزروع، أو لعله كان راجعاً من الفصح الثاني بعد ابتدائه الخدمة (يوحنا ٥: ١).
    يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ كانت تلك السنابل من الحنطة أو الشعير، وكان قطف الجائع لتلك السنابل من حقل غيره وفركها باليدين وأكلها أمراً عادياً شائعاً مباحاً حسب شريعة موسى (تثنية ٢٣: ٢٥). فنستنتج من قطف التلاميذ للسنابل أنهم فقراء، وكذلك المسيح. ومع أن المسيح كان معهم إلا أنهم لم يكن معهم خبز، واضطروا أن يدفعوا جوعهم بأكل حبوب السنابل. فكون الإنسان بلا خبز لا يعني أن الله تركه.
    ٢ «فَٱلْفَرِّيسِيُّونَ لَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ: هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي ٱلسَّبْتِ».
    كان الفريسيون يراقبون المسيح وتلاميذه دائماً ليمسكوهم في خطأ يشتكونهم عليه. فلم يلوموا التلاميذ على أنه ارتكبوا حراماً، بل على أنهم فعلوا ذلك يوم السبت، فإن الفريسيين كانوا محافظين كل المحافظة على شريعة موسى وعلى تقاليدهم، ففسروا قطف السنابل يوم السبت أنه بمنزلة الحصاد، وفركها بين اليدين بمنزلة الدرس، فحسبوها من المحرمات في السبت.
    لقد غضَّ رؤساء اليهود النظر عما قصدته الشريعة بذلك اليوم من الفوائد الروحية، واقتصروا على الامتناع عن كل عمل فيه، وحسبوا من يحفظ السبت بهذا الأسلوب إسرائيلياً حقاً. فجاء في أحد كتبهم أنه يحرم في السبت ٣٩ نوعاً من العمل. ولكن المشكل عندهم كان في تحديد نوع هذا العمل، فإن فرك السنابل باليد مثلاً كان يحسب عملاً ممنوعاً في السبت! بل إن قطفها هو نوع من الحصاد، فحسبوا أن التلاميذ قد ارتكبوا نوعين من الأعمال التسعة والثلاثين الممنوعة، هما الحصاد والتذرية. فهل بعد هذا تفكير أضيق؟! وجاء في كتاب آخر تعيين المسافة التي يجوز فيها المشي بشرط أن يكون صاحبها يحتاج كل الاحتياج.
    ٣، ٤ «٣ فَقَالَ لَـهُمْ: أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ، ٤ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ ٱللّٰهِ وَأَكَلَ خُبْزَ ٱلتَّقْدِمَةِ ٱلَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلاَ لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ».
    ١صموئيل ٢١: ١ - ٦ خروج ٢٥: ٣٠ ولاويين ٢٤: ٥ الخ وخروج ٢٩: ٣٢ ولاويين ٨: ٣١ و٢٤: ٩
    ردَّ المسيح على اعتراض اليهود الباطل على تلاميذه بخمسة براهين، ذكر متّى أربعة منها وذكر مرقس الخامس. الأول مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ عندما هرب من شاول وأتى إلى نوب وسأل الكاهن خبزاً فلم يجد سوى خبز التقدمة فأعطاه فأكل (١صموئيل ٢١: ١ - ٦) وكان ما فعله داود معروفاً عندهم، وكانوا يعتبرون داود من أفضل رجال الله، ويستحق أن يقتدوا بأعماله. فالضرورة أباحت ذلك لداود. فإذاً الأعمال الضرورية مباحة في يوم الراحة، لا تخالف الوصية الرابعة. واضطرار التلاميذ كاضطرار داود فعملهم مباح كعمله. وأما البراهين الأربعة الباقية فسنذكرها في مكانها.
    بَيْتَ ٱللّٰهِ أي المكان الذي يظهر الله حضوره فيه، وهو يصدق على خيمة الاجتماع كما يصدق على الهيكل الذي جاء بعدها. وكانت الخيمة وقت الحادثة المذكورة في نوب (١صموئيل ٢١: ١).
    خُبْزَ ٱلتَّقْدِمَةِ هو اثنا عشر رغيفاً كانت توضع على مائدة في القدس، أي القسم المتوسط من الخيمة. وكان الكهنة يأتون بخبز جديد كل يوم سبت يضعونه على تلك المائدة، ويأخذون الخبز ويأكلونه (لاويين ٢٤: ٥ - ٩). ولم يكن يجوز لغير الكهنة أن يأكل ذلك الخبز (خروج ٢٥: ٣٠). وكان هذا جزءاً مما أمر به الله من خدمة الخيمة أو الهيكل، فهو واجب كالسبت وإن كان أقل أهمية منه، لأن الله أمر بهما.
    لَمْ يَحِلَّ أَكْلُه بحسب شريعة موسى التي لام الفريسيون التلاميذ على مخالفتها. فالمحافظة على الحياة في قصة داود حللت المحرم، وهكذا كان أمر التلاميذ. وفي ١صموئيل ٢١: ٦ أن خبز التقدمة كان عندما أخذه داود سخناً إذ وضع في ذلك اليوم على المائدة، وهذا دليل واضح على أن داود أخذه يوم السبت (لاويين ٢٤: ٨).
    ٥ «أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ أَنَّ ٱلْكَهَنَةَ فِي ٱلسَّبْتِ فِي ٱلْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ ٱلسَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟».
    عدد ٢٨: ٩ ويوحنا ٧: ٢٢
    البرهان الثاني عمل الكهنة يوم السبت، وهو ذبح البهائم المقدمة في ذلك اليوم وسلخها وتقطيعها وإحراقها. فهذا كان حسب حرف الشريعة محرماً، لكنه جاز لأنهم خدموا به الله. فالعمل الذي تقتضيه الخدمة التي أمر بها الله في العبادة يحل يوم السبت.
    فِي ٱلتَّوْرَاة أي خمسة أسفار موسى، والمقصود هنا سفر العدد منها، فإنه فيه ذُكر نوع الذبيحة المفروض تقديمها يوم السبت (عدد ٢٨: ٩، ١٠).
    فِي ٱلْهَيْكَلِ حيث يتوقع حفظ الشريعة أكمل حفظ، فيكون تعدي الشريعة فيه أشرّ من كل تعدٍّ آخر.
    يُدَنِّسُونَ المراد بالتدنيس هنا العمل في يوم السبت كسائر الأيام. فلو لم تكن غاية الكهنة من أعمالهم في يوم السبت عبادة الله لكانت تلك الأعمال تدنيساً للسبت.
    يُدَنِّسُونَ لأنهم أطاعوا أمر الله بخدمتهم الهيكلية في يومه. فليس كل عمل محرماً في يوم الراحة بل الأعمال الدنيوية. فالاجتهاد في خدمة الله في يومه أمر واجب.
    ٦ «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هٰهُنَا أَعْظَمَ مِنَ ٱلْهَيْكَلِ».
    ٢أخبار ٦: ١٨ وملاخي ٣: ١ويوحنا ١: ٣ وعبرانيين ٣: ٣
    أراد المسيح بمن هو أعظم من الهيكل نفسه. وهنا البرهان الثالث على جواز عمل التلاميذ المذكور، وهو حضور المسيح معهم وكونهم في خدمته يومئذٍ. فإذا جاز عمل الكهنة في يوم السبت (وهو مخالف لحرف الشريعة) بسبب قداسة خدمتهم في الهيكل جاز بالأولى عمل التلاميذ لحضور المسيح معهم وقداسة خدمتهم إياه، لأنه هو هيكل الله الحقيقي على الأرض لأنه به حضر الله لشعبه. ولم يكن هيكل سليمان سوى رمز إليه (يوحنا ٢: ١٩، ٢١). وكان التلاميذ حينئذٍ جياعاً فخارت قواهم. فلو لم يأكلوا حبوب السنابل ما استطاعوا خدمة سيدهم. فأبان المسيح في هذا الكلام أن خدمته أفضل من خدمة الهيكل. فلو لم يكن إلهاً حقاً لكان ذلك الكلام تجديفاً فظيعاً، لأنه ليس لأحدٍ غير الله أن يجيز للإنسان مخالفة الأوامر الإلهية.
    ٧ «فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى ٱلأَبْرِيَاءِ».
    هوشع ٦: ٦ وميخا ٦: ٦ - ٨ ومتّى ٩: ١٣
    مَا هُو أي ما معنى قول النبي «إني أريد» الخ. واقتبس المسيح هذا الكلام من نبوة هوشع ٦: ٦ ومعناه أن الله يفضل أعمال الرحمة على كل الأعمال الطقسية مهما عظم شأنها، واقتبسه المسيح مرة أخرى قبل هذه (انظر شرح متّى ٩: ١٣)
    رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً إن حدث وجوب الاختيار بين الرحمة والذبيحة، واستحال أن يجتمعا معاً، ووجب أن نختار واحدة منهما، فنختار الرحمة ونترك الذبيحة. ومثل ذلك قول الرسول «وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا» (١كورنثوس ١٣: ٣). فقد خالف الفريسيون شريعة الرحمة وهم يلومون التلاميذ بسبب أكلهم وهم في حاجة إلى الطعام، لأنهم حافظوا على شريعة السبت الطقسية.
    ٱلأَبْرِيَاء أي التلاميذ الذين تبرأوا، لأن قطفهم الطعام كان من أعمال الرحمة، رحموا به أجسادهم، ولأنهم كانوا حينئذ يمارسون أعمال الرحمة والمحبة بخدمتهم للمسيح.
    ٨ «فَإِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ أَيْضاً».
    البرهان الرابع على جواز عمل التلاميذ هو سلطان المسيح وإباحته لهم ذلك العمل. فالمسيح هو الله، وهو أحقُّ بتفسير شريعة السبت وتوضيح ما تأمر به وما تنهى عنه. فرضاه عن فعل تلاميذه هو تبرئة لهم. وهذه الآية تبرهن لاهوت المسيح صراحةً وبقاء شريعة يوم الراحة في النظام المسيحي.
    ٱبْنَ ٱلإِنْسَان ورد هذا الاسم ٨٧ مرة في العهد الجديد، ولم ينسب في مرة منها إلى غير المسيح.
    رَبُّ ٱلسَّبْتِ السبت في سلطان المسيح ليجعله وفق الغاية التي وُضع لها، وهي مجد الله وما لا يجوز. وقوله إنه «رب السبت» لا يعني أن المسيح أبطل السبت، بل يدل على أنه أثبته، لأنه لو أبطل السبت لم يبقَ ربَّه. فالله عيَّن السبت لخدمته، والمسيح هو الله لقوله إنه رب السبت. فكل خدمة له في يوم الراحة تقديس لذلك اليوم. فللمسيح سلطان على السبت كما أن له سلطاناً على مغفرة الخطايا. وسلطانه على السبت سندٌ لإبدال اليوم السابع باليوم الأول، ليكون الأحد هو سبت الراحة. والمسيح أمر تلاميذه أن يعلموا كل ما أوصاهم به، وهم علموا المؤمنين أن يحفظوا يوم الأحد سبتاً للرب.
    وزاد مرقس على هذه البراهين الأربعة برهاناً خامساً، هو قوله «السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت» (مرقس ٢: ٢٧) فيحقُّ للإنسان أن يعمل في السبت لحفظ حياته.
    ٩ «ثُمَّ ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى مَجْمَعِهِمْ».
    مرقس ٣: ١ ولوقا ٦: ٦
    في الأعداد ٩ - ١٣ مناظرة أخرى جرت بين المسيح والفريسيين التقليديين في حفظ يوم السبت. وذكر متّى هذه بياناً لشدة مقاومة الفريسيين الدائمة للمسيح، وردّ المسيح على اعتراضاتهم. وكانت نتيجة المناظرة أنهم عزموا على قتله.
    ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاك من موضع المناظرة، وهذا يعني أن المسيح كان يشغل وقته بالذهاب من موضع إلى آخر للتبشير (متّى ١١: ١ و١٥: ٢٩).
    إِلَى مَجْمَعِهِم المرجح أن هذا المجمع كان في قرية كبيرة أو في مدينة بالجليل. وقال لوقا إن المسيح علم هناك (لوقا ٦: ٦).
    ١٠ «وَإِذَا إِنْسَانٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ، فَسَأَلُوهُ: هَلْ يَحِلُّ ٱلإِبْرَاءُ فِي ٱلسُّبُوتِ؟ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ».
    لوقا ١٣: ١٤ و١٤: ٤ ويوحنا ٩: ١٦
    يتناول الإنجيل هنا مسألة أخرى من جهة حفظ السبت، وهو هل يجوز عمل الشفاء فيه؟ رأينا في الأعداد ١ - ٨ أن الشغل ممنوع أيضاً. وإذا كان ممنوعاً، فما هي حدود ذلك؟
    يَدُهُ يَابِسَة ذكر لوقا أن هذه يده اليمنى، فالمصيبة عظيمة. وهذا أليبس نوعٌ من الشلل يُبطل الحركة ويمنع النمو، فهو كمرض يربعام (١ملوك ١٣: ٤ - ٦). ولا ضرورة للظن أن حضور ذلك الإنسان إلى المجمع كان بمؤامرة الفريسيين ليتخذوا شفاء المسيح إياه علة للشكوى، لأن المصابين كانوا يتبعون المسيح حيث ذهب.
    فَسَأَلُوه أي الفريسيون (كما يظهر من عدد ١٤). وسأله الكتبة أيضاً (لوقا ٦: ٦ - ١١). وسأله الهيرودسيون أيضاً (مرقس ٣: ١ - ٦). ولم يقصدوا بالسؤال أن يستفيدوا، بل أن يجدوا علة في جوابه يشتكون بها عليه، كما قصدوا أن يقللوا احترام الشعب للمسيح عندما يظهرونه مخالفاً لشريعة موسى ولإيجاد ما يشتكون به عليه للمجلس المحلي.
    لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْه لرؤساء المجمع الذين هم المجلس المحلي. ويظهر من سؤالهم أنهم حسبوا الإبراء في السبوت محرماً.
    ١١ «فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هٰذَا فِي ٱلسَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟».
    خروج ٢٣: ٤، ٥ وتثنية ٢٢: ٤
    أجابهم المسيح على سؤالهم لكي تجيبهم ضمائرهم بالجواب الصحيح وتبين لهم خطأهم بإنكارهم على المسيح عنايته بالناس، وهو ما لا ينكرونه على أنفسهم في عنايتهم بالبهائم.
    أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُم أشار بهذا إلى أمر كثير الوقوع أجازته الشريعة اليهودية، لكن علماء اليهود غيّروا هذه الشريعة بعد ذلك، فلم يجيزوا لصاحب الخروف الساقط إلا أن يضع خشبات في الحفرة يصعد عليها الخروف وحده.
    ١٢ «فَٱلإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ ٱلْخَرُوفِ! إِذاً يَحِلُّ فِعْلُ ٱلْخَيْرِ فِي ٱلسُّبُوتِ».
    الذي يجوز من أفعال الرحمة في السبوت للحيوان أولى أن يجوز فيها للإنسان. فإذاً أفعال الرحمة جائزة يوم الراحة للإنسان والحيوان.
    ١٣ «ثُمَّ قَالَ لِلإِنْسَانِ: مُدَّ يَدَكَ. فَمَدَّهَا. فَعَادَتْ صَحِيحَةً كَٱلأُخْرَى».
    ما أثمن قيمة الإنسان في عيني يسوع، فكما أن ابن الإنسان هو رب السبت، كذلك فإن الإنسان نفسه يجب أن يستعمل السبت لأجل خيره وتقديسه. ومعنى تقديس السبت هو في تمجيد الله بخدمة الآخرين، لا سيما الذين هم أقل حظاً منا في الحياة. هوذا إنسان يده يابسة لا يستطيع العمل فيعيده يسوع للعمل والكرامة.
    مُدَّ يَدَكَ لو لم يكن لذلك الإنسان إيمان ما استطاع أن يمد يده لأنها كانت يابسة لا قوة لها على أن تتحرك، فمده يده برهان على ثلاثة أمور: صدق إيمانه؛ والقوة الإلهية؛ وصحة المعجزة. وقد أظهرت المعجزة قوة الله الشافية، وإرادة المصاب أن يحرك يده. ولكن لا نعلم أي الأمرين سبق الآخر. وكما فعل ذلك الإنسان يومئذٍ يجب أن يفعل الخاطئ الآن، لأن المسيح يقول لكل خاطئ: آمن بي، كما قال له مد يدك. فمن أطاع الأمر الإلهي نال قوة على أن يؤمن، كما نال ذاك قوة على أن يمد يده اليابسة.
    ولنا من هاتين الحادثتين والكلام عنهما معرفة ما يجوز عمله في يوم الرب، وهو الأعمال الضرورية، والأعمال الخيرية، والأعمال المأمور بها في عبادة الله، ولا يجوز غيرها في ذلك اليوم. فلا يجوز أن نحسب ما ليس بضروري ضرورياً، ولا أن ننفق شيئاً من ذلك اليوم بالنزهات أو الأعمال الدنيوية العادية. فالذي يفعل هذا يدَّعي بأن ما يخص رب السبت يخصه هو نفسه. فلا حقَّ لأحد أن يخالف شريعة يوم الرب، ولا حق له أن يخالف غيرها من وصايا الشريعة. نعم إن المسيح أبطل كل تقاليد الشيوخ وتعاليمهم الكاذبة التي غيَّروا بها يوم الراحة والعبادة، فجعلوه يوم عبودية. لكنه لم ينطق بكلمة يُظهر بها أنه قصد نسخ الوصية الآمرة بحفظه، بل أثبتها وبيَّن دوامها في النظام المسيحي بقوله: «ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ» (لوقا ٦: ٥).
    فَعَادَتْ صَحِيحَةً أعلن المسيح في عددي ٦، ٨ أنه إلهٌ، وأثبت تلك الدعوى في هذا العدد، فخيب المسيح أمل الفريسيين أن يجدوا عليه علة للشكوى، لأنه لم يدنس فيها السبت بعملٍ جسدي لا ولا بحركة إصبع، فلم يمس المصاب ولم يقل له «اشفَ» بل اقتصر على أن أمره أم يمدَّ يده، وهذا ليس ممنوعاً يوم السبت.
    ١٤ «فَلَمَّا خَرَجَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ».
    متّى ٢٧: ١ ومرقس ٣: ٦ ولوقا ٦: ١١ ويوحنا ٥: ١٨ و١٠: ٣٩ و١١: ٥٣
    هذا أول نبأ في بشارة متّى بأن الفريسيين عزموا بعد المؤامرة على قتل المسيح. وأما ما كان من أمر أهل الناصرة في أن يطرحوه من فوق الجبل فكان نتيجة هيجان الجمع على غير قصد. ولم يعزم الفريسيون على قتله إلا بعد أن عجزوا عن دفع حججه. وهذا ما حدث مع ألوف شهداء المسيح الأمناء، الذين سُجنوا ورجموا وجلدوا وأُحرقوا وأُغرقوا، لا بالحجة والبرهان.
    تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ المرجح أن الاجتماع للتشاور لم يكن عاماً، بل حُصر في فريسيي المدينة التي صُنعت فيها المعجزة. إلا أن مرقس ذكر أن الهيرودسيين اتفقوا معهم في المؤامرة، لأسباب دينية وسياسية وشخصية، وأعظمها حسدهم المسيح على اتباع الناس له. وما حدث بعد هذه المعجزة يرينا أن ليس للمعجزات تأثير حسن في المشاهدين إن كانوا من المتعصبين.
    ١٥ «فَعَلِمَ يَسُوعُ وَٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعاً».
    متّى ١٠: ٢٣ ومرقس ٣: ٧ ومتّى ١٩: ٢
    فَعَلِمَ يَسُوعُ أي علم مؤامراتهم مع أنها كانت سرية.
    ٱنْصَرَف إلى بحر الجليل (مرقس ٣: ٧) لأنه لو بقي لكان في خطر، إما من تحريك أعدائه رجال الحكومة عليه، وإما من تهييجهم أوباش المدينة عليه، وإما من أن يغتالوه أو يقتلوه مكراً. وانصرافه لم يكن عن خوف بل لحكمة، لأن ساعته للموت لم تكن قد أتت، وكان يجب أن يتمم وظيفته (باعتباره نبياً) في تعليم تلاميذه حقيقة ملكوته وقواعد نظامه، قبل أن يقدم جسده ذبيحة على الصليب (باعتباره كاهناً).
    وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ انصرافه لم يعطله عن عمل الخير، ولم يقسِّ جورُ الناس عليه قلبه. وقد «تبعه جمع كثير من الجليل ومن اليهودية ومن أورشليم ومن أدومية ومن عبر الأردن والذين حول صور وصيدا» (مرقس ٣: ٧، ٨) وكان سكان بعض تلك الأماكن من الأمم. فالذين سمعوه كان بعضهم من الأمم، فاقتبس (في عدد ٢١ من هذا الأصحاح) قول إشعياء «على اسمه يكون رجاء الأمم».
    فَشَفَاهُمْ جَمِيعا أي شفى جميع المصابين بين أولئك الجموع.
    ١٦ «وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ».
    متّى ٩: ٣٠
    لأنه لم يرد أن يزيد غضب أعدائه عليه لزيادة انتشار شهرته، لئلا يعطلوه عن التبشير. ولم يرد أن يظهر أن شفاء الأجساد أهم من شفاء النفوس بتعليمه الإلهي. وأبى أن يجعل في قلوب الناس آمالاً دنيوية لئلا يقيموه ملكاً بالرغم منه، ولئلا ينشئ في قلوب ولاة الرومان خوف الفتنة. وتوصيته إياهم بأن لا يظهروه برهان تواضعه.
    ١٧ «لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ».
    إشعياء ٢: ١ - ٤
    أراد البشير أن يبين أن اعتزال المسيح الجموع كان وفق نبوة إشعياء (إشعياء ٤٢: ١ - ٤). وامتاز متّى عن سائر البشيرين باقتباسه كلام الأنبياء وبيان إتمامه بالمسيح. ولم يقتبس هنا كلام النبوة بلفظه تماماً، بل بمعناه. لقد انتظر اليهود أن يكون مسيحهم رئيس جيش منتصراً، فلما رأوا يسوع يعتزل الجموع حكموا بأنه ليس المسيح، فأورد متّى هذه النبوة ليبين خطأهم بذلك الحكم، وأن تصرف يسوع تحقيق لنبوَّة إشعياء.
    ١٨ «هُوَذَا فَتَايَ ٱلَّذِي ٱخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي ٱلَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِر ٱلأُمَمَ بِٱلْحَقِّ».
    متّى ٣: ١٧ و١٧: ٥
    فَتَايَ وفي العبرانية «عبدي» لأنه وهو ابن الله أخذ صورة عبد (في ٢: ٧) ومع كونه ابناً تعلم الطاعة (عبرانيين ٥: ٨).
    ٱلَّذِي ٱخْتَرْتُهُ اختار الله المسيح ليكون رسوله ومخلِّص شعبه، لأن الحكمة الإلهية لم تر غيره لائقاً لتلك الوظيفة من الناس والملائكة.
    ٱلَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي وهذا ما قاله الآب بصوتٍ من السماء (متّى ٣: ١٧) فكل رجائنا في قبول الآب لنا مبنيٌ على أن المسيح نائبنا مختار محبوب، سُرت به نفس الآب.
    أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ حدث هذا بعلامة منظورة وقت معمودية يسوع (متّى ٣: ١٦) فصار أهلاً لممارسة وظيفته (يوحنا ٣: ٣٤).
    فَيُخْبِر ٱلأُمَمَ بِٱلْحَقِّ الحق هو خلاصة المسيحية والإنجيل، بدليل قوله في عدد ٢٠ «حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ» إشارة إلى انتشار الإنجيل في كل الأرض. وهذا لا يناقض أن المسيح أُرسل إلى اليهود لا إلى الأمم، لأن ذلك مقصور على خدمة المسيح الشخصية وهو على الأرض.
    ١٩ «لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي ٱلشَّوَارِعِ صَوْتَهُ».
    هذا العدد يكمل عدد ١٨، وفيه بيان صفات المسيح باعتبار شخصيته واعتبار وسائط تأسيس ملكوته وامتداده. أما صفاته الشخصية فهي الوداعة واللطف والحلم وحب السلام واعتزال الجاه والمجد العالمي. وأما وسائط امتداد ملكوته فكانت روحية، قائمة بالهدوء والانفعالات القلبية. فما كان المسيح يصيح كأبطال الحرب، ولا كان يطلب النصرة بكلام الافتخار أو بضجيج المناداة أو بهتاف تابعيه في الشوارع أو بالجدال العنيف أو بالإجبار أو علامات الجاه. لقد كان مختلفاً عن الكتبة محبي الخصومات، وولاة الرومان الذين كان دأبهم الإجبار، وأعمال المسحاء الكذبة في تهييج الفتن. وعلى ذلك يكون الدين الحق في كل عصر وديعاً هادئاً لطيفاً لا يقوم بالصياح ولا الخصومة ولا الإجبار ولا كلام الافتخار فهو محصور في المحبة والتوبة والإيمان والوقار والتقوى.
    ٢٠ «قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ ٱلْحَقَّ إِلَى ٱلنُّصْرَةِ».
    بهذا يتجلى لطف المسيح الحقيقي، فهو يواسي المساكين ويشفي المرضى، ولكنه كان يعنِّف المتغطرسين والمتكبرين والمرائين المنافقين الذين يتسترون باسم الدين وهو منهم براء.
    هذا العدد كالعدد الذي قبله يكملان عدد ١٨ حيث قيل «فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ» وقيل في هذا «حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ» وما بين هاتين العبارتين بيان وسائل تحقيق النصرة. وكلها تظهر أن ملكوت المسيح ليس من هذا العالم (يوحنا ١٨: ٣٦) وإنه لم يأت بمراقبة (لوقا ١٧: ٢٠) بحسب القول «لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ» (زكريا ٤: ٦) ووفق قول مؤسس ذلك الملكوت «لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ» وقوله «لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ» (يوحنا ١٨: ٣٦، ٣٧).
    قَصَبَةً مَرْضُوضَةً ... َفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً هاتان في غاية الضعف. فالقصبة جوفاء فارغة. فإن كانت مرضوضة كانت في غاية الضعف تُقصف بأقل قوة. والفتيلة المدخنة هي فتيلة السراج إذا نفد زيته، فأضعف نفخة تطفئها. ويراد بكلام بالمثلين: القلب المنسحق بالتوبة والندامة، والقلب الذي فيه بقية من أشعة المحبة والإيمان. والمعنى أن المسيح لا يقسو على التائبين بالتوبيخ والإنذار لما سلف من آثامهم، بل يقويهم ويعزيهم ويجبر قلوبهم المنكسرة، ويأتي بزيت النعمة للقلوب التي بقي فيها قليل من نار المحبة والغيرة الدينية. فالخاطئة التي أتت بيت سمعان وغسلت قدمي المسيح بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها كانت «قصبة مرضوضة» أراد سمعان أن يقصفها، أما المسيح فجبر كسر قلبها (لوقا ٧: ٣٧ - ٤٨). وزكا عشار أريحا كان فتيلة مدخنة أراد الفريسيون أن يطفئوها ولكن المسيح أتاها بزيت النعمة فأوقدها (لوقا ١٩: ١ - ١٠).
    ٱلنُّصْرَة هي غاية المسيح وملكوته، ولا بد من أن تكون مجيدة. ولو أنها لم تكن كما توقعها اليهود من مسيحهم.
    ٢١ «وَعَلَى ٱسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ ٱلأُمَمِ».
    عَلَى ٱسْمِه أي عليه نفسه. ويُظهر هذا العدد شدة حاجة العالم إلى عمل المسيح الخلاصي، وهو ينبئ أن رسالة المسيح هي لكل العالم، إذ تنضم الأمم إلى مملكته. وذكر مرقس أن كثيرين من الذين تبعوا المسيح في ذلك الوقت كانوا من الأمم (مرقس ٣: ٧، ٨) ولا بد أنهم فرحوا بقول المسيح في هذا العدد.
    ٱلأُمَمِ هذا على ما في الترجمة السبعينية، وفي العبرانية «الجزائر». ولا بد أن يكون المقصود سكان تلك الجزائر، وهم كانوا من الأمم. فالمراد بالكلمتين واحد، وهو أن الأمم يسمعون الإنجيل ويقبلونه.
    ٢٢ «حِينَئِذٍ أُحْضِرَ إِلَيْهِ مَجْنُونٌ أَعْمَى وَأَخْرَسُ فَشَفَاهُ، حَتَّى إِنَّ ٱلأَعْمَى ٱلأَخْرَسَ تَكَلَّمَ وَأَبْصَرَ».
    متّى ٩: ٣٢ ومرقس ٣: ١١ ولوقا ١١: ١٤
    ذكر متّى هذه الحادثة ليبين مقاومة أخرى من رؤساء اليهود للمسيح، وإنذار المسيح الرهيب على أثر ذلك.
    مَجْنُونٌ أَعْمَى وَأَخْرَس يُفهم من القرينة أن عماه وخرسه كانا نتيجة سكنى الشيطان فيه. فمصيبته كانت من شر المصائب وأشد من مصيبة المجنون الذي ذُكر في متّى ٩: ٣٢، ٣٣، لأن ذاك كان مصاباً بالخرس وليس العمى.
    ٢٣ «فَبُهِتَ كُلُّ ٱلْجُمُوعِ وَقَالُوا: أَلَعَلَّ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ دَاوُدَ؟».
    فَبُهِتَ كُلُّ ٱلْجُمُوعِ هذه المعجزة المثلثة الشفاء أثرت في الناس تأثيراً غريباً، كما دلَّ عليه قوله «بهت» أي تحير ودُهش كثيراً، فسألوا هذا السؤال.
    أَلَعَلَّ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ دَاوُدَ؟ أي ألعله المسيح المنتظر الذي قالت النبوات إنه يكون نسل داود؟ (مزمور ١١٠). وابن داود لقبه الغالب على ألسنة اليهود. وسألوا ذلك لاستنتاجهم أنه لا يقدر على هذا العمل إلا المسيح (متّى ٩: ٢٧). وسؤالهم هذا أخاف الفريسيين وأغاظهم وحملهم على التجديف الآتي.
    ٢٤ «أَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: هٰذَا لاَ يُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ».
    متّى ٩: ٣٤ ومرقس ٣: ٢٢ ولوقا ١١: ١٥
    بعلزبول هو من آلهة الساميين القدماء، وقد دعاه اليهود «بعلزبوب» أي إله الذباب، للتحقير. ثم جعلوه «رئيس الشياطين» زيادة في الاستهزاء. والفريسيون هنا هم الكتبة (وهم قسم من الفريسيين) أتوا من أورشليم لمجرد أن يراقبوا أعمال المسيح ويمحو تأثيرها (مرقس ٣: ٢٢). فالظاهر أن رؤساء الأمة اليهودية اضطربوا كثيراً من نجاح المسيح، ورأوا أنه من أهم الأمور أن يحفظوا مقامه ويمنعوا انتشار صيته بعد ذلك.
    وأرسل رؤساء اليهود قبل هذا لجنة كهذه إلى يوحنا المعمدان سألته: من هو؟ ولماذا يُعمِّد؟ ولم يكن ممكناً أن ينكر الفريسيون المعجزة، فلم يبق لهم واسطة لمنع تأثيرها في الشعب إلا بأن ينسبوها إلى السحر ومشاركة المسيح للأرواح الشريرة. وهذا يدل على شر قلوبهم وعداوتهم وضعف حجتهم وصحة معجزة المسيح التي لو أمكنهم إنكارها ما قصروا عنه. فعدم اقتناعهم بمعجزات المسيح وإيمانهم به ليس إلا لعمى قلوبهم وقساوتها، ومحبتهم الظلمة والضلال أكثر من محبتهم للنور والهدى.
    بَعْلَزَبُولَ هو اسم إهانة لبعلزبول أي إله الذباب وكان أحد آلهة الفلسطينيين (٢ملوك ١: ٢، ٣، ٦). عبدوه لاعتقادهم أنه وقاهم من ضربة الذباب وما شابهه من البعوض والهوام الضارة. أو لأن تمثاله كان كهيئة ذبابة. فبدل اليهود الباء في آخر اسمه باللام للإهانة. لقد نسب الكتبة معجزة المسيح إلى قوة الشيطان بعد تشبيهه ببعلزبول، وهذا دليل واضح على غاية بغضهم للمسيح واحتقارهم إياه.
    رَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ أي رئيس الملائكة الذين سقطوا من المقام الأسنى. ويُعرف بإبليس والشيطان. ولقبه اليهود ببعلزبول لزيادة الإهانة. اتهم الكتبة يسوع بمشاركة أنجس الأبالسة لكي يُخرج بقوته الشياطين الذين هم دونه، فارتكبوا بذلك أفظع تجديف. ولا يزال أعداء الإنجيل إلى اليوم يلقبون المسيحيين بأقبح الألقاب وينسبون إليهم شر الأعمال.
    ٢٥ «فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ».
    متّى ٩: ٤ ويوحنا ٢: ٢٥ ورؤيا ٢: ٢٣
    كُلُّ مَمْلَكَةٍ ردَّ يسوع تهمتهم الفظيعة بدليل مبني على مبادئ سياسية يُسلم بها الجميع، وهي أن المملكة الواحدة إذا حارب بعضها بعضاً خربت لا محالة. ولا نظن ملكاً يبلغ به الجهل أن ينشئ حرباً بين رعاياه. فإذا استحال ذلك في ملك بشري فبالأولى أن يستحيل في أمر الشيطان الذي هو أحكم من الناس، كما أنه أشر منهم. فلا يتوقع أن يفسد عمله عمداً، وهو الذي بدأه منذ بداءة العالم. فمُهلك غيره لن يهلك نفسه.
    فمن أوضح المبادئ أن نجاح المملكة متوقف على اتحاد رؤسائها واتفاقهم في الرأي والعمل. فمملكة الشيطان بأسرها مع ما بين جنودها من روح البغضة والخصام متحدة كل الاتحاد على مقاومة ملكوت المسيح.
    وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْت ما صدق على المملكة يصدق على المدينة والبيت. فإن حارب بعض أهل مدينة بعضاً، وإن قاوم بعض عائلة بعضاً فلا بد أن تكون النتيجة خراب تلك المدينة أو ذلك البيت. فهل يجهل الشيطان أمراً واضحاً لكل إنسان؟ وهل يقلب عرشه بيده؟
    ٢٦ «فَإِنْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يُخْرِجُ ٱلشَّيْطَانَ فَقَدِ ٱنْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ. فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟».
    ما صدق على المملكة والمدينة والبيت يصدق على الشخص. فإن حارب الشيطان نفسه ما أمكنه أن يثبت، ولأبطل قوته وهدم مملكته. فأورد المسيح ذلك ليبين استحالة تهمتهم أنه شريك لعدوِّه، واستحالة ظنهم أن الشيطان يساعده على إخراج جنوده من الناس بعدما أرسلهم ليدخلوا فيهم ويعذبوهم، واستحالة حكمهم أن الشيطان يخرب بإحدى يديه ما يبنيه بالأخرى.
    ٢٧ «وَإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ؟ لِذٰلِكَ هُمْ يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ».
    أَبْنَاؤُكُم أي أبناء أمتكم اليهود وتلاميذكم وأتباعكم. وفي هذا العدد دفع ثان لتلك التهمة. فإن ما اتهموه به أن صحَّ عليه، صح على أبنائهم الذين يدَّعون أنهم يخرجون الشياطين، ويُصدِّق الناس أنهم يفعلون ذلك. إنهم لا يتهمونهم بمشاركة للشياطين، فبأي حق يتهمون المسيح بذلك؟ ويظهر ادعاء اليهود أن لهم قوة على إخراج الشياطين من أعمال ١٩: ١٣ فقد كان لسكاوا رئيس كهنة لليهود سبعة بنين يدَّعون تلك القوة، وذُكر مثل ذلك في تاريخ يوسيفوس. فلم يقل المسيح أنهم كانوا يُخرجون الشياطين حقاً. والمرجح أنهم لم يستطيعوا ذلك بدليل ما قيل في متّى ٩: ٣٣. فعندما كان المسيح يُخرج شيطاناً كان المشاهدون يشهدون بأنه «لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هذَا فِي إِسْرَائِيلَ!».
    يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ أي يثبتون كذبهم وبغضهم وظلمهم، إذ ينسبون إليه ما ينسبونه إليهم، مع أن الفعل واحد. والأبناء يحكمون على آبائهم عقلياً لا لفظياً.
    ٢٨ «َلٰكِنْ إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ ٱللّٰهِ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ».
    دانيال ٢: ٤٤ و٧: ١٤ ولوقا ١: ٣٣ و١١: ٢٠ و١٧: ٢٠، ٢١
    ذكر المسيح في هذا العدد النتيجة التي كان على الكتبة أن يستنتجوها لو تبعوا أحكام عقولهم، ولو لم تكن قلوبهم عمياء قاسية.
    بِرُوحِ ٱللّٰه أي أنه ثبت مما بيَّنه لهم أن إخراج الشياطين لا يمكن أن يكون بقوة الشيطان. فإذاً لا بد من أن يكون بقوة روح الله، أي بقوة الله نفسه.
    أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللّٰه الله لا يعمل المعجزات ليثبت بها الكذب. فإذاً دعوى يسوع صحيحة، وملكوت الله قد أتى، ومُلك المسيح ابتدأ حسبما أنبأ الأنبياء وتوقع اليهود. ولو أن شيوخ اليهود أخطأوا في ماهية حكمه. وهذا برهان قاطع على أن المسيح أتى، وملكوته تأسس، ولو أن رؤساء اليهود لم يقتنعوا بذلك البرهان.
    ٢٩ «أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ ٱلْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلاً، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟».
    إشعياء ٤٩: ٢٤ ولوقا ١١: ٢١ - ٢٣
    أورد المسيح هنا مثلاً من الحوادث اليومية المألوفة ليوضح لهم عدم صحة دعواهم أنه شريك الشيطان، وليبرهن صحة دعواه أنه يقاومه. فقال إنه إذا سُلب أحد الأغنياء لا يصدق أحدٌ أنه هو سلب نفسه، بل يؤكد الجميع أن السالب عدوٌ له أقوى منه. فكان يجب أن الكتبة عندما رأوا أن الشيطان فقد قوته وطُرد من حصنه يستنتجون أن من هو أقوى من إبليس رئيس هذا العالم التقى به وهزمه (يوحنا ١٢: ٣١ و١٦: ١١).
    بَيْت أي نفس الإنسان الذي دخله الشيطان.
    ٱلْقَوِيّ أي الشيطان.
    أَمْتِعَتَهُ أي آلاته، وأراد بها جنوده الأبالسة الذين يدخلون الناس. فإخراج المسيح تلك الجنود وسكنه محلها في قلب الإنسان برهان على أنه أقوى من الشيطان، وأنه ربطه واستولى على بيته.
    ٣٠ «مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ».
    قال المسيح إنه والشيطان في حرب دائمة، وزاد على ذلك هنا أن كل من ليس معه هو عدوٌ له كالشيطان، وشريك لذلك الروح الشرير. وكان الكتبة ضده، فيكونون بذلك أعداءه وشركاء الشيطان، فبدل أن يثبتوا شركته للشيطان أثبت عليهم تلك الشركة عينها. وأظهر المسيح بهذا الكلام أن الحياد في تلك الحرب العظيمة بين ملكوته وملكوت الشيطان غير جائز، وأنه يحسب من لا يحارب معه بكل قوته عدواً له (رومية ٨: ٧).
    وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ هذا مثل مأخوذ من عمل الحصاد، وهو به يوضح ويؤكد أن «مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ». فالذي لا يجمع النفوس مع المسيح للخلاص يبددها ويمنعها من الخلاص فيهلكها. وخلاصة كل ذلك أن في هذا العالم مملكتين فقط، هما مملكة النور ومملكة الظلمة، أو مملكة الحق ومملكة الباطل، أو مملكة البر ومملكة الإثم، أو مملكة الله ومملكة الشيطان. وهاتان المملكتان متضادتان، لا تنتهي الحرب بينهما، وليس فيها صلح ولا هدنة. فكل مخلوق عاقل لا بد من أن يكون من إحدى تلك المملكتين في الدنيا وفي الآخرة، يشارك جنودها هنا في العمل، ويشاركهم هناك في الجزاء.
    ٣١ «لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيفُ عَلَى ٱلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ».
    مرقس ٣: ٢٨ ولوقا ١٢: ١٠ وأعمال ٧: ٥١ وعبرانيين ٦: ٤ - ٦ و١٠: ٢٦ - ٢٩ و١يوحنا ٥: ١٦
    اكتفى المسيح بما قاله من العدد ٢٥ - ٣٠ بالرد على الكتبة بدعواهم أنه شريك الشيطان، وأخذ هنا يبكتهم على تجديفهم عليه وبغضهم له بأن يظهر لهم فظاعة إثمهم وشر العقاب الذي عرضوا أنفسهم له.
    لِذٰلِكَ أي لتهمتكم الباطلة الناتجة عن الحسد والبغض.
    أَقُولُ لَكُمْ أي أنا ابن الله وابن الإنسان، أقول لكم أيها الأعداء الذين تتهمونني كذباً.
    كُلُّ خَطِيَّةٍ مهما كانت فظيعة يمكن أن تُغفر إلا الخطية التي ذكرها بعد ذلك.
    وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيف التجديف أكبر من الحلف، لأنه أعظم إهانة لله ودينه، ولأنه يُرتكب عن عمد.
    عَلَى ٱلرُّوحِ شرح المقصود بالتجديف على الروح في العدد الآتي.
    ٣٢ «وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هٰذَا ٱلْعَالَمِ وَلاَ فِي ٱلآتِي».
    هذا شرح العدد ٣١. والتجديف على الروح القدس هو الاسترسال في المكابرة رغم معرفة الصواب، بل هو زيادة التحقير للصواب حتى يعتاد القلب على العمى الروحي فلا يقتنع لأنه لا يريد الاقتناع، لذلك لا يغفر له أبداً.
    عَلَى ٱبْنِ ٱلإِنْسَان على المسيح في اتضاعه، أي وهو في صورة عبد على الأرض (فيلبي ٢: ٧). فيكون قصده أن الطعن فيه (ما دام لاهوته محجوباً) إثم يُغفر. وواضحٌ أن ذلك الغفران يُنال على شرط أن يكون مقروناً بالتوبة وطلب المغفرة. ومن أمثال ذلك تعييرهم إياه بأنه من الناصرة، وأنه محب للعشارين والخطاة، وأنه أكول وشريب خمر. ومن أمثاله ما ارتكبه شاول الطرسوسي قولاً وفعلاً.
    وَأَمَّا... عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُس المقصود بهذا أن الروح القدس شهد أن يسوع هو المسيح، فكانت مقاومة الكتبة له بالبغض والإهانة مقاومة للروح القدس نفسه، وذلك إثم لا يغفَر (انظر مرقس ٣: ٣٠). لقد نسبوا القوة التي صنع بها المسيح المعجزات إلى الشيطان، والمسيح صنعها بقوة الروح القدس، فيكونون قد أنزلوا ذلك الروح مصدر كل خير منزلة الشيطان مصدر كل شر، وهذا أفظع تجديف.
    فَلَنْ يُغْفَرَ لَه وسبب ذلك أن ليس لهذه الخطية مغفرة، إذ لا يرتكبها إلا الذين حصلوا على أحسن معرفة بالحق كالكتبة الذين شاهدوا براهين لاهوت المسيح بمعجزاته (عبرانيين ٦: ٤ - ٧ و١٠: ٢٦، ٢٧)؛ وأن مرتكبها لا يمكن أن يتوب ويطلب المغفرة لأن الذي يأتي بالخاطئ إلى التوبة هو الروح القدس الذي أغاظه الخاطئ بمقاومته عمداً حتى فارقه.
    والذين في خطر الوقوع في هذه الخطية هم أولاد المسيحيين إذا بقوا بلا توبة، والعاملون في بيوت الأتقياء، والذين واظبوا على سماع الوعظ والإنذار ولم يتأثروا. والذين في خطر مقاومة الروح القدس هم الذين يرفضون تنبيهاته وتوبيخاته، ويتخذون فعله في تجديد القلب موضوعاً للهزء والضحك، لأنهم مشغولون بالملاهي والملذات الدنيوية.
    لاَ فِي هٰذَا ٱلْعَالَمِ وَلاَ فِي ٱلآتِي يوضح مرقس ذلك بقوله «وَلكِنْ مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً» (مرقس ٣: ٢٩) وقد قسم اليهود الزمان كله إلى قسمين عظيمين: الحاضر، والمستقبل. وسمّوا الأول «هذا العالم» والثاني «العالم الآتي». فذكر متّى القسمين بمعنى أن ذلك الذنب لن يُغفر أبداً. فإذاً الخطايا قسمان: قسم يُغفَر وقسم لا يُغفَر. فكما أن الذي يُغفر يُغفر إلى الأبد، كذلك الذي لا يُغفَر لن يغفر إلى الأبد. ولا صحَّة لزعم البعض أن بعض الخطايا تُغفر في العالم الآتي وإن لم تُغفر هنا.
    ٣٣ «اِجْعَلُوا ٱلشَّجَرَةَ جَيِّدَةً وَثَمَرَهَا جَيِّداً، أَوِ ٱجْعَلُوا ٱلشَّجَرَةَ رَدِيَّةً وَثَمَرَهَا رَدِيّاً، لأَنْ مِنَ ٱلثَّمَرِ تُعْرَفُ ٱلشَّجَرَةُ».
    متّى ٧: ١٧ لوقا ٦: ٤٣، ٤٤
    إذا نظرنا في هذه الآية بقطع النظر عن القرينة رأيناها وفق قول المسيح في وعظه على الجبل (متّى ٧: ١٦ - ٢٠) ومعناه أنه يجب على من يقولون إنهم أتقياء أن يجعلوا حياتهم وفق كلامهم. ومن القرينة نرى أن قصد المسيح أنه يجب على الذين اتهموه بأنه شريك الشيطان أن يقيسوا أعماله على هذا القياس، أي أن يحسبوا الشجرة جيدة إذا رأوا ثمرها جيداً، ويحسبوها رديئة إذا رأوا ثمارها رديئة. فكأن المسيح يقول: إن كانت أعمالي جيدة يستحيل أن تكون بشركة الشيطان، لأن الشيطان مصدر كل شر لا شركة له في شيء من الأعمال الحسنة فإن الكتبة سمعوا أقوال المسيح وشاهدوا أعماله. فإذاً لا عذر لهم على تلك التهمة الباطلة، لأن إخراج الشيطان من الإنسان وشفاءه من الأثمار الجيدة.
    ٣٤، ٣٥ «يَا أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِٱلصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ ٱلْفَمُ لإِنْسَانُ ٱلصَّالِحُ مِنَ ٱلْكَنْزِ ٱلصَّالِحِ فِي ٱلْقَلْبِ يُخْرِجُ ٱلصَّالِحَاتِ، وَٱلإِنْسَانُ ٱلشِّرِّيرُ مِنَ ٱلْكَنْزِ ٱلشِّرِّيرِ يُخْرِجُ ٱلشُّرُورَ».
    متّى ٣: ٧ و٢٣: ٣٣ ولوقا ٦: ٤٥
    بعد أن وبخ المسيح الكتبة على افترائهم الباطل قال إن ذلك الافتراء يدل على سوء نواياهم وطباعهم، دلالة الإثمار على الشجرة.
    يَا أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي هذا ما لقب به يوحنا المعمدان أمثال هؤلاء من الكتبة (متّى ٣: ٧). ولقبوا بذلك نسل الحية المذكور في تكوين ٣: ١٥ الذي يقاومه نسل المرأة (أي المسيح) دائماً وينتصر عليه أخيراً. فالكتبة بين الناس كالأفاعي بين الحيات، فإنها اشتهرت بالسم وإيقاع الضرر.
    كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِٱلصَّالِحَاتِ ما دامت صفاتكم كذلك لا يمكنكم أن تتكلموا إلا بمثل ما قلتم عليَّ.
    مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْب شبَّه القلب بنبع والكلام بما يجري من النبع، فيمكن أن يُعرف القلب من الكلام كما يُعرف النبع من الماء الجاري منه.
    ٱلْكَنْزِ يُقصَد بالكنز هنا أشياء مجموعة بغضّ النظر عن قيمتها، فيحتمل أن يكون حسناً أو رديئاً. والكنز هو ما حصل عليه الإنسان من التعاليم والتربية والعادات وأسلوب التفكير والاتجاهات والميول. وخلاصة هاتين الآيتين أن قلوب الناس تُعرف مما يتكلمونه به اختياراً بلا خوفٍ أو حياء كما تكلم هؤلاء الكتبة، فكلماتهم الشريرة برهنت أن كنز قلوبهم شرير.
    ٣٦ «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا ٱلنَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ ٱلدِّينِ».
    انظر جامعة ٢: ١٤
    كلام الإنسان دليل واضح على صفاته، وهو من جملة ما يحاسب الله عليه يوم الدين. وقد قال البعض أن لا حساب على الكلام، إذ لا طائل تحته.
    كُلَّ كَلِمَةٍ أي غير نافعة كما هو مفهوم عموماً، لكن القرينة تدل على أن المسيح أشار بذلك إلى الكلمات الشريرة التي قالها الكتبة عليه، فأنذرهم بأن الله يحاسبهم عليها كما يحاسبهم على أفعالهم. ولا ريب أن ذلك يصدق أيضاً على كل الكلمات الكاذبة والكلمات النجسة وكلمات التذمر والكلمات المهيجة الخصومات. قال سليمان الحكيم «اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ» (أمثال ١٨: ٢١) وقال داود «اجْعَلْ يَا رَبُّ حَارِسًا لِفَمِي. احْفَظْ بَابَ شَفَتَيَّ» (مزمور ١٤١: ٣) وقال الرسول «لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحًا بِمِلْحٍ» (كولوسي ٤: ٦).
    ٣٧ «لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ».
    ما أعظم قيمة الكلام في نظر المسيح، فمن فضلة القلب يتكلم اللسان، فهو المعبر الحقيقي عن الفكر، وهو أعظم أداة للإعراب عما في داخلنا. فالناس لا يستطيعون أن يروا قلوبنا ولا يعرفوها، ولكنهم يسمعون كلامنا ويفهمون ما نحن ويحكمون علينا. وفي هذه القاعدة لخَّص المسيح كل ما قاله في هذا المعنى.
    بِكَلاَمِك لأن الكلام يبين صفة القلب، لذلك اتخذه الناس مثلاً فيقولون «الكلام صفات المتكلم». وليس المعنى أن الحساب مقصور على الكلام بدون نظر إلى الأعمال، بل المقصود (كما في عدد ٣٦) أن الكلام من جملة ما يحاسَب الإنسان عليه. فبكلماتنا نكتب تاريخ حياتنا والقائمة التي ندان أو نتبرر بها يوم الدين. إن نسيناها فالله لا ينساها «اللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ» (يعقوب ٣: ٦)
    تَتَبَرَّرُ الإنسان يتبرر قدام الله بالإيمان لأنه وحده يعرف قلوب الناس، ولكنه يتبرر أمام الناس الذين لا يستطيعون معرفة القلوب بالكلام والأعمال التي تشهد بما في القلب.
    ٣٨ «حِينَئِذٍ قَالَ قَوْمٌ مِنَ ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ: يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً».
    متّى ١٦: ١ ومرقس ٨: ١١ ولوقا ١١: ١٦ ويوحنا ٢: ١٨ و١كورنثوس ١: ٢٢
    قَوْمٌ مِنَ ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ أي غير الذين جدفوا عليه منهم لأن لوقا يقول «وَآخَرُونَ طَلَبُوا مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ يُجَرِّبُونَهُ» (لوقا ١١: ١٦).
    يَا مُعَلِّمُ قالوا له ذلك إما تملُّقاً، وإما تهكماً، لأنهم لم يعتقدوا أنه معلم بالحق.
    آيَة أي من السماء (مرقس ٨: ١١ ولوقا ١١: ١٦) فإنهم شاهدوا معجزاته في شفاء المرضى وإخراج الشياطين، ولكنهم لم يعتبروها برهاناً كافياً على أن يسوع هو المسيح، لأنه كان يفعلها بيده، وكانت متعلقة إما بأهل الأرض وإما بأهل الجحيم، فسألوه معجزة من السماء لا يد له فيها لتكون مجرد برهان من الله على أنه المسيح، لا لمنفعة إنسان. وفي سؤالهم ذلك تعريض بأن يسوع كان يعمل المعجزات بالسحر أو بخفة اليد، ولذلك سألوه معجزة لا تصل يده إليها. وربما خطر على بالهم حينئذٍ المعجزات التي جرت على يد موسى، كإتيانه بخبزٍ من السماء، وكبعض ضربات مصر كالرعود والبروق والبرَد والظلمة، فأرادوا أن يشاهدوا مثلها منه.
    ٣٩ «فَقَالَ لَـهُمْ: جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ ٱلنَّبِيِّ».
    إشعياء ٥٧: ٣ ومتّى ١٦: ٤ ومرقس ٨: ٣٨ ولوقا ١١: ٢٩ ويوحنا ٤: ٤٨
    جِيلٌ أراد به أغلب أمة اليهود في ذلك الوقت، فقصد الحاضرين والكثيرين من أمثالهم.
    فَاسِقٌ شبه العهد القديم علاقة الله ببني إسرائيل بعلاقة الرجل بامرأته، وأن العهد بينه وبينهم كعهد الزواج (إشعياء ٥٧: ٣ وهوشع ٣: ١ وحزقيال ١٦: ١٥) فلذلك حسب عليهم عبادة الأوثان فسقاً. نعم أنهم لم يكونوا من عبدة الأوثان يومئذٍ، لكن عدم أمانتهم له في أمور كثيرة أوجب عليهم أنهم فاسقون.
    َلاَ تُعْطَى لَهُ آيَة أراد أنه لا يعطيهم آية من نوع طلبهم، وليس أنه لا يُجري المعجزات أمامهم بعد ذلك. ورفض طلبهم دفعاً لإرادة الله، ولأنهم أهانوا المسيح به إذ احتقروا المعجزات التي صنعها قبلاً كأنها من أعمال السحر أو الشعوذة، ولأنه قدم قبل ذلك ما يكفي من البراهين على إثبات دعواه.
    إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ ٱلنَّبِيِّ قدم لهم يونان، والمقصود بها قيامته بعد موته، ليس لأنها وفق طلبهم، بل لأنه حسبها أعظم معجزاته، وأنها توجب عليهم الاقتناع بصحة دعواه. ويونان هو أول أنبياء العهد القديم، وهو «ابن أمتاي الذي أبوه من جث حافر» (٢ملوك ١٤: ٢٥). عاش حوالي ٨٦٠ ق.م.
    ٤٠ «لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ ٱلْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هٰكَذَا يَكُونُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فِي قَلْبِ ٱلأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ».
    يونان ١: ١٧
    أعطاهم آية موته ودفنه وقيامته بدلاً من الآية السماوية التي طلبوها، وربط ذلك بإحدى حوادث العهد القديم على طريق اللغز، واختار ذلك مثلاً للمشابهة بين الأمرين والمخالفة بينهما في النتائج.
    ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ كان اصطلاح اليهود في تلك الأيام أن يحسبوا الجزء من النهار نهاراً كاملاً، والجزء من الليل ليلاً كاملاً (١صموئيل ٣٠: ٢ أو ١٣ وتكوين ٤٣: ١٧، ١٨ و٢أخبار ١٠: ٥، ١٢ وهوشع ٦: ٢). فيصحُّ أن يكون معنى قوله «ثلاثة أيام وثلاث ليال» يوماً كاملاً أي أربع وعشرين ساعة، وجزئين من يومين آخرين مهما كان الجزآن صغيرين. وليس هذا التفسير من اختلاق المسيحيين كما يزعم أعداء الدين للتوفيق بين نبوة المسيح وإتمامها، فإن ذلك مبدأ من كتاب التلمود أقدس كتب اليهود بعد كتاب الله ففيه «إن إضافة ساعة إلى يوم تُحسب يوماً آخر، وإضافة يوم إلى سنة يُحسب سنة أخرى» وهكذا كان الأمر في زمن أستير (أستير ٤: ١٦ و٥: ١). ولو كان هناك خطأ لاعترض اليهود على المسيحيين وادعوا كذب مسيحهم لعدم إتمامهم وعده بقيامته صباح اليوم الثالث. ولكنهم لم يذكروا هذا الاعتراض قط.
    فِي قَلْبِ ٱلأَرْض أي في القبر، وذلك يشبه قول يونان في صلاته «صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ.. لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي.. فِي قَلْبِ الْبِحَارِ» (يونان ٢: ٢، ٣) وإشارة المسيح هنا إلى أعظم معجزاته وهي قيامته بعد ثلاثة أيام وثلاث ليال لم يفهمها الفريسيون، ولا فهمها تلاميذه وقتها.
    ٤١ «رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي ٱلدِّينِ مَعَ هٰذَا ٱلْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هٰهُنَا».
    إرميا ٣: ١١ وحزقيال ١٦: ٥١ ولوقا ١١: ٣٢ ورومية ٢: ٢٧ ويونان ٣: ٥
    ذكر المسيح في عدد ٤٠ المشابهة بينه وبين يونان في بعض الأحوال، وذكر في هذا العدد الفرق بين تأثير وعظه ووعظ يونان، وذلك ليبيِّن قساوة قلوب اليهود الذين لم يؤمنوا به، لأن الوثنيين الذين وعظهم يونان تابوا ونجوا، ولكن اليهود الذين وعظهم المسيح لم يتوبوا وكانوا عرضة للهلاك.
    نِينَوَى هي عاصمة أشور، بناها نمرود أو أشور (تكوين ١٠: ١١) وموقعها على نهر دجلة. وكانت مدينة عظيمة محيطها ٤٨ ميلاً أو نحو مسيرة عشرين ساعة، وعلو أسوارها مئة قدم، وعرضها عشرة أقدام، عليها ١٥٠٠ برج، علو كل برج ٢٠٠ قدم. وأنبأ الله بخرابها بلسان يونان فتابت بوعظه، فتأخر خرابها مئتي سنة. وأنبأ بخرابها بعد ذلك ناحوم النبي (ناحوم ١: ٨ و٢: ٦). وتم خرابها قبل الميلاد بأكثر من ست مئة سنة، وآثارها اليوم قرب مدينة الموصل.
    سَيَقُومُون أي وقوفهم أمام منبر الديان، لا قيامتهم من القبور.
    هٰذَا ٱلْجِيلِ أي يهود عصر المسيح.
    يَدِينُونَهُ لا بكلامهم، بل بأعمالهم الماضية.
    وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هٰهُنَا البرهان هنا من الأدنى إلى الأعلى، كما في شرح لعدد ٦ من هذا الأصحاح. المنادي بالتوبة هنا أعظم من المنادي بها هناك، لأن الأول ابن الله والثاني ابن أمتاي. والأسباب الموجبة للتوبة في وقت المسيح أعظم منها في زمن يونان. والهلاك الأبدي الذي أنذر به المسيح أهول من الهلاك الزمني الذي أنذر به يونان.
    ٤٢ «مَلِكَةُ ٱلتَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي ٱلدِّينِ مَعَ هٰذَا ٱلْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هٰهُنَا».
    ١ملوك ١٠: ١، ٢أخبار ٩: ١ ولوقا ١١: ٣١
    وفي ترجمة أخرى بدل «التيمن» ذكرت «ملكة الجنوب» أي جنوب بلاد العرب بالنسبة لما كانت عليه من حضارة عريقة وتقدم وعمران. وقد انتقل المسيح من بيان الفرق بين توبة أهل نينوى وعدم إيمان اليهود، إلى ذكر تعجب ملكة سبا من حكمة مجرد إنسان وهزء الكتبة والفريسيين بحكمة معلم إلهي للمشابهة.
    مَلِكَةُ ٱلتَّيْمَنِ هي ملكة سبا (١ملوك ١٠: ١) ولعلها اليمن، وهي الجزء الجنوبي من بلاد العرب.
    أَقَاصِي ٱلأَرْض أي بلاد بعيدة، وهو تعبير يوناني يقصد به المسافة البعيدة مع اختلاف الأمة والدين. فالاختلاف بين عمل ملكة التيمن وعمل اليهود يومئذٍ يظهر قساوتهم أكثر مما أظهرها اختلاف عمل أهل نينوى وعملهم، لأن أهل نينوى تأثروا من وعظ يونان وهو أمامهم، أما ملكة التيمن فتأثرت بسمعها خبر سليمان على البعد. واحتملت مشقة السفر من على بُعد نحو ألف ميل وهي امرأة وملكة لتسمع حكمة سليمان. ولكن المسيح نفسه أتى إليهم. وهي أتت بلا دعوة من سليمان، وأما المسيح فلم يكف عن أن يدعوهم إليه. وسليمان لم يستطع أن يعطي تلك الملكة حكمته، أما المسيح فمستعد أن يعطيهم كل كنز الحكمة الحقيقية. فإذاً المسيح أعظم من سليمان، وموضوع كلامه أهم من موضوع حديث سليمان وتلك الملكة، وحكمته أعظم من حكمة سليمان. ومع كل ذلك تأثرت كل التأثر وهم لم يتأثروا. وأعلن المسيح في هذا الأصحاح عظمته الإلهية أولاً بأنه أعظم من الهيكل (عدد ٦)؛ وثانياً بأنه أعظم من يونان النبي (عدد ٤١)؛ وثالثاً بأنه أعظم من سليمان الملك.
    ٤٣ «إِذَا خَرَجَ ٱلرُّوحُ ٱلنَّجِسُ مِنَ ٱلإِنْسَانِ يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ، يَطْلُبُ رَاحَةً وَلاَ يَجِدُ».
    أيوب ١: ٧ ولوقا ١١: ٢٤ و١بطرس ٥: ٨
    أخذ المسيح هنا يبين الحال التي صارت إليها الأمة اليهودية كلها وبعض أفرادها بتعليم الفريسيين وتقاليدهم وسيرتهم. لقد نفر اليهود بسبب بقائهم سبعين سنة في سبي بابل من عبادة الأوثان التي كانوا قبل ذلك يميلون إليها، فشبَّه المسيح هذا بإخراج روح نجس من قلوبهم. ولكن تعليم الفريسيين صيَّرهم إلى حالٍ أردأ، وكأنه دخل فيهم سبعة أرواح أشر من الأولى. وحال الإنسان مثل حال الأمة، فيمكن أن يرجع عن بعض الخصال الرديئة ويصلح سيرته بعض الإصلاح، ولكنه إن لم يتغير قلبه يسقط عند التجربة إلى حال الشر والبر الذاتي والكفر وقساوة القلب، فيكون رجاء خلاصه في هذه الحال أضعف مما كان في الحال السابقة.
    إِذَا خَرَجَ لا نعلم هل خرج الروح من نفس الإنسان بإرادته أم رغماً عنه، ولكن لا بد أنه إذا قصد الإنسان إصلاح نفسه وابتدأ ذلك لم تكن نفسه مسكناً يرغب فيه الروح النجس، فيخرج مؤقتاً.
    فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاء كان اليهود يحسبون القفار مساكن الشياطين (إشعياء ١٣: ٢١، ٢٢ و٣٤: ١٤) ونسب يوحنا ما ذكر إلى خراب بابل (رؤيا ١٨: ٢) وكلام المسيح هنا وفق هذا الرأي.
    يَطْلُبُ رَاحَةً وَلاَ يَجِد الأبالسة لا يستريحون ما لم يضروا أحداً، فلا يجد الروح في القفار فرصة للضرر كما يجد في قلب الإنسان، فلذلك لا يرضى بما هو فيه من تقلبه في الشقاء من مكان إلى آخر.
    ٤٤ «ثُمَّ يَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي ٱلَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ. فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ فَارِغاً مَكْنُوساً مُزَيَّناً».
    بَيْتِي أي جسد الإنسان الذي كان داخلاً فيه ونفسه. والمعنى أن الروح النجس عزم بعد مدة على الرجوع، ليرى ماذا كانت نتيجة شروع الإنسان في إصلاح نفسه.
    فَارِغاً مَكْنُوساً مُزَيَّناً قال بعضهم إن معنى ذلك أن روح الإنسان عادت إلى الصحة التامة بعد خروج الشيطان منها. وقال آخرون إن ذلك إشارة أنه مُعدٌ لرجوع الروح الشرير، فيكون «فارغاً» من التأثيرات الصالحة إذ لم يدخله المسيح بعد خروج الشيطان، و «مكنوساً» أي خالياً من كل مانع للشيطان، و «مزيناً» لإبهاجه. والمذهب الثاني أوفق لحال اليهود يومئذٍ لأنهم لم يكونوا حين جاء المسيح في حال الصحة الروحية التامة والطهارة الكاملة، بل كانوا عكس ذلك. فلم يكن إصلاحهم بسبي بابل وبمناداة يوحنا المعمدان بالتوبة إلا ظاهراً، وكان الرياء زينة لهم فكانوا أشبه بالقبور المبيضة.. فلا أمن للنفس بالإصلاح إن لم يسكن الله القلب وتخضع قوى النفس كلها له. فكثيراً ما طُرد شيطان المسكرات من قلوب السكارى، وأقيم كل مانع من رجوعه يستطيع عقل الإنسان أن يخترعه، مع كل القصد بعدم التسليم له. لكن كل ذلك لم ينفع بلا طلب نعمة الله والحصول عليها.
    ٤٥ «ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ مَعَهُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ، فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذٰلِكَ ٱلإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ. هٰكَذَا يَكُونُ أَيْضاً لِهٰذَا ٱلْجِيلِ ٱلشِّرِّير».
    عبرانيين ٦: ٤ و١٠: ٢٦ و٢بطرس ٢: ٢٠ - ٢٢
    ثُمَّ أي حين يجد أنه غير مستريح، وأن قلب الإنسان معدٌّ له.
    يَذْهَبُ أي في طلب رفاق له.
    سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أي عدد غير معينة (متّى ١٨: ٢١، ٢٢). وكان هذا العدد من الأرواح النجسة في مريم المجدلية (مرقس ١٦: ٩ ولوقا ٨: ٢). وأشار بذلك إلى زيادة تسلط القوات الشريرة على الإنسان، وقلة الرجاء بخلاصه.
    هٰكَذَا يَكُونُ الخ نسب المسيح هنا ما سبق إلى يهود عصره، فإن أحوالهم الأخيرة التي صارت أشر من الأولى هي الأحوال التي كانوا فيها بعد رفضهم كون يسوع مسيحهم، وقبل خراب أورشليم. قال يوسيفوس المؤرخ «إن اليهود ولا سيما رؤساؤهم كانوا في ذلك الوقت في أشد الغلو والتعصب والهيجان فأشبهوا من سكنهم الأبالسة». وقد تم قول المسيح على اليهود، فإنهم حين رجعوا من السبي كانوا يكرهون الأوثان وظلوا كذلك، فكانوا أحسن من ذي قبل قليلاً، ثم سقطوا في فسادٍ آخر كمحبة العالم والرياء والتمسك بالطقوس الدينية دون الجوهر وعمى القلب، وزادوا إثماً حتى أنهم صلبوا ابن الله، فأسلم هيكلهم ومدينتهم إلى أيادي الرومان فقُتل منهم ربوات كثيرة وسُبي ربوات كذلك، وتبددوا منذ ذلك الوقت في أطراف الأرض. وهذا نصيب كل خاطئ نبهه الروح القدس فأغاظه، أي أن حاله الأخيرة تكون أشر من الأولى.
    ٤٦ «وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُ ٱلْجُمُوعَ إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ».
    متّى ١٣: ٥٥ ومرقس ٣: ١٣ و٦: ٣ ولوقا ٨: ١٩ - ٢١ ويوحنا ٢: ١٢ و٧: ٣، ٥ وأعمال ١: ١٤ و١كورنثوس ٩: ٥ وغلاطية ١: ١٩
    لا بد أن هناك سبباً لمجيء أمه وإخوته إليه يطلبونه وهو يخاطب الجمع. والمحتمل أن ذلك خوفهم عليه من زيادة التعب العقلي والجسدي (انظر مرقس ٣: ٢١) أو خوفهم على حياته لأنهم سمعوا ببغض الكتبة والفريسيين له. فلا نتعجب من هذا الاهتمام الناتج عن المحبة العائلية، مع عدم كفاية علمهم بحقيقته وإرساليته (يوحنا ٧: ٣ - ٥). فلو كان لهم كمال اليقين بحكمة يسوع وقدرته لما وقفوا خارجاً يطلبونه.
    وَقَفُوا خَارِجاً أي خارج البيت، أو خارج دائرة السامعين. ووقوفهم كذلك إما لعدم إمكانهم أن يصلوا إليه لازدحام الناس عليه، وإما لأنهم أرادوا توفيقه عن الكلام واتخاذ فرصة الانفراد به ليكلموه.
    ٤٧ «فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ».
    يظهر من مرقس ٣: ٣٢ أن الجمع كان جالساً حوله فبلغه طلب أمه وإخوته بانتقاله من واحد إلى آخر.
    ٤٨ «فَأَجَابَهُ: مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتِي؟».
    حاشا أن يكون في كلام المسيح أي تحقير لنسبه الجسدي بأمه وإخوته حسب ظاهر هذا الكلام، ولكن ما يجب أن نفهمه هو شدة اهتمامه بنسبٍ روحي أسمى وأعظم، وهو نسبه إلى أتباعه المؤمنين باسمه، الذين هم نواة ملكوته السماوي المجيد. فهؤلاء أمه وإخوته الحقيقيون.
    أخذ ربنا من ذلك فرصة لتعليم الحاضرين بقوله وفعله أن علاقته بأقاربه ليست كعلاقتهم بأقاربهم، وأن ارتباطه بعائلته الروحية أشد من ارتباطه بعائلته الجسدية. فقرابة الإيمان والمحبة أقرب من قرابة اللحم والدم.
    مَنْ هِيَ أُمِّي الخ أراد بذلك أن علاقته بعائلته ليست كعلاقتهم بعائلاتهم، وأنه ليس ملزوماً مثلهم أن يطيع أوامر العائلة. وفي ذلك لا شيء من الإهانة لتلك العائلة أو عدم الاكتراث بها، لأنه أطاعها الطاعة الواجبة وهو ولدٌ. وعندما كان على الصليب اعتنى بوالدته كل الاعتناء (يوحنا ١٩: ٢٥ - ٢٧). لكنه أراد أن يبين خصوص علاقته بعائلته. فهذا قريب من جوابه لوالديه بقوله «لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟» (لوقا ٢: ٤٩) وأتى المسيح ذلك بطريق السؤال ليجعلهم يتوقعون الجواب فيحملهم ذلك على زيادة الإصغاء.
    ٤٩ «ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي».
    أتى يسوع مخلِّصاً لجميع البشر، وصار أخاً لكل أولاد آدم إذ صار آدم الثاني، وهو أخو المؤمنين به على نوع أخص.
    مَدَّ يَدَهُ ليميز تلاميذه أكمل تمييز. ولا بد من أن تلك الإشارة كانت مصحوبة بنظره إليهم نظر المحب إلى أحبائه.
    هَا أُمِّي وَإِخْوَتِ لم ينكر بذلك محبته لأمه وإخوته، بل أراد بيان شدة محبته للمؤمنين به لأنه فوق كل محبة بشرية.
    ٥٠ «لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي».
    يوحنا ١٥: ١٤ وغلاطية ٥: ٦ و٦: ١٥ وكولوسي ٣: ١١ وعبرانيين ٢: ١١
    أوضح بهذا أن مجرد سمع تعاليمه والتتلمذ له ظاهراً يوجب تلك العلاقة العظمى التي ذكرها، فحقق لهم أن سبب تلك العلاقة هو العمل بموجب تعليمه لا مجرد سماعه، وأن هذا الإكرام مقصور على صنع مشيئة الله. فمن قام بذلك الشرط أُحب واعتبر كأم يسوع وإخوته، وإن كان فقيراً ساذجاً لا صفة له تجذب القلب إلى محبته (يوحنا ١: ١٢، ١٣ و١٥: ١٥ ورومية ٨: ٣٢ - ٣٩ وأفسس ٥: ٢٥، ٣٧). ومما يستحق الملاحظة هنا أن يسوع لم يذكر له أباً بين هذه العائلة، ولم يذكر يوسف قط كأبٍ له لأن لا أب له غير الله.
    وفي هذا العدد إنذار للذين يبغضون المسيحيين ويضطهدونهم لأنهم يضطهدون أقارب ملك الملوك. وفيه تعزية عظيمة لجميع المؤمنين، فإن إيمانهم به وطاعتهم لله جعلاهم أقرب الخلق إليه، فذلك الأخ الأكبر يعتني بهم إلى الأبد. فإن كان يوسف قد اعتنى بإخوته في مصر، فبالأولى يعتني يسوع بإخوته الروحيين على الأرض وفي السماء. وهذه العلاقة الشريفة من نتائج الولادة الجديدة التي نصير بها أولاداً لله وإخوة للمسيح. وطاعتنا لله أجلى برهان على تلك الولادة السماوية.
    وفي هذه الآية ما ينبه المسيحيين إلى وجوب حب بعضهم بعضاً، لأن إخوة المسيح أخوة لبعضهم.

    الأصحاح الثالث عشر


    ١، ٢ «١ فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ، ٢ فَٱجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَٱلْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى ٱلشَّاطِئِ».
    مرقس ٤: ١ الخ، لوقا ٨: ٤ الخ، لوقا ٥: ٣
    قال متّى في هذا الأصحاح إن المسيح علَّم بأمثال، وذكر فيه سبعة منها، مع تفسير اثنين من السبعة. ويظهر مما قاله متّى ومرقس ولوقا أن شروعه في التعليم بأمثال بدية تطوُّر في أعمال يسوع، فإنه علَّم قبلاً بمواعظ كموعظته على الجبل، وكان لوعظه تأثير عظيم. وشرع الآن بأسلوب جديد يبيِّن حقيقة ملكوته، ليعرِّف سامعيه بدون إعلان أنه المسيح، لأن الناس لم يكونوا قد استعدوا لقبول الإعلان الكامل لدعواه.
    عِنْدَ ٱلْبَحْرِ أي بحر الجليل.
    جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ أشار بذلك إلى صنوف الناس، كما أشار إلى كثرة عددهم.
    دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ أي أحد قوارب الصيد، طلبه لخدمته (مرقس ٣: ٩). وكان الجموع مزدحمين عليه حتى لم يمكنه أن يخاطبهم وهو واقف بينهم، فجلس في السفينة تجاههم، وخاطبهم وهم وقوف أمامه على الشاطئ.
    جَلَسَ كان الجلوس عادة المعلم عند التعليم (متّى ٥: ١ و٢٣: ٢ ولوقا ٤: ٢٠).
    ٣ «فَكَلَّمَهُمْ كَثِيراً بِأَمْثَالٍ قَائِلاً: هُوَذَا ٱلزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ».
    كَثِيراً ما أورده متّى من أمثال المسيح جزءٌ قليل من كثير، وأورده مثالاً للأسلوب الجديد من تعليمه.
    بِأَمْثَالٍ المثل حقيقة مادية قصصية توضح حقيقة عقلية روحية، وهو أحياناً يُبنى على التشبيه، وأحياناً على المفارقة، وقد يكون خبر حادثة. وقد يُراد بالمثل عبارة وجيزة تتضمن معاني كثيراً كأمثال سليمان. وقد يُراد به كلام يحتمل غير ظاهر معناه. وأكثر الأمثال الدائرة على الألسنة اليوم تصورية لا أصل لها في الواقع، ولكن كل أمثال المسيح مبنية على حوادث حقيقية.
    ولا يجب في تفسير المثل أن نطلب المعنى الروحي لكل ما جاء به، ويجب أن نميز بين لب الحق وقشره. وضرب المسيح أكثر أمثاله مما شاهده السامعون في وقته.
    هُوَذَا ٱلزَّارِعُ يحتمل أنه كان حينئذ على القارب وأمامه أناس يزرعون.
    ٤ «وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى ٱلطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ ٱلطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ».
    عَلَى ٱلطَّرِيق أي الممر إلى الحقل حيث يبقى البذار مكشوفاً لا تغطيه التراب الندي.
    ٥ «وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلأَمَاكِنِ ٱلْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ».
    ٱلأَمَاكِنِ ٱلْمُحْجِرَة هي الأرض ذات الحجارة الكثيرة فتكون التربة الرقيقة على الصخور الواسعة الثابتة.
    فَنَبَتَ حَالا بسبب رقة التربة أثَّرت الحرارة فيه وجعلته ينبت بسرعة.
    ٦ «وَلٰكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ ٱلشَّمْسُ ٱحْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ».
    ٱحْتَرَق لأن حرارة الشمس يبَّست رطوبته، ولأن رقة التربة منعت الزرع من تعمق أصوله.
    ٧ «وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلشَّوْكِ، فَطَلَعَ ٱلشَّوْكُ وَخَنَقَهُ».
    ٱلشَّوْك ينبت في الحقول عادة.
    خَنَقَه اختنق الزرع لأن مدد الحياة انقطع عنه، لأن الشوك أقوى من الزرع، فسلبه الرطوبة والحرارة.
    ٨ «وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَراً، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ».
    تكوين ٢٦: ١٢
    ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَة أي المعدَّة لقبول الزرع ولتقديم وسائط النمو، بخلاف الأرض التي يبست من وطء أقدام المارة، وخلاف المحجرة، والكثيرة الأشواك.
    مِئَةً... سِتِّينَ... ثَلاَثِين هناك نسب مختلفة بين مقدار البذار ومقدار غلته.
    ٩ «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَع».
    متّى ١١: ١٥ ومرقس ٤: ٩
    فُسر كلام هذا العدد في شرح متّى ١١: ١٥.
    ١٠ «فَتَقَدَّمَ ٱلتَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ؟».
    ٱلتَّلاَمِيذ المقصود بالتلاميذ هنا جميع السامعين الذين صدقوا قوله (مرقس ٤: ١٠). وهؤلاء هم الذين بقوا بعد انصراف كل الجمع. فلم يوجه المسيح هذا الشرح لكل الجموع الكثيرة، ولا إلى الاثني عشر وحدهم، بل إلى الذين صدقوا تعليمه. فهذا التفسير جواب لسؤالين: (١) لماذا تكلم بأمثال؟ و(٢) ما هو معنى هذا المثل؟
    ١١ «فَأَجَابَ: لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ».
    متّى ١١: ٢٥ و١٦: ١٧ ومرقس ٤: ١١، ١٢ و١كورنثوس ٢: ١٠ و١يوحنا ٢: ٢٧
    هذا جواب المسيح على السؤال الأول، وهو بيان ما حمله على التعليم بأمثال. فقال إنه بدأ يميز بين سامعيه الذين استناروا بتعاليمه وخلصوا، والذين ليسوا كذلك. وهذا الفرق كله من نعمة الله. وعندما يضرب مثلاً يتضح معناه للراغبين في معرفة الحق، ويصبح مبهماً لمن يريدون أن يبقوا في جهلهم. فالإنجيل رائحة حياة للحياة للبعض، ورائحة موت للموت للآخرين (٢كورنثوس ٢: ١٦). فأمثال المسيح للأولين تشرح الحق السماوي للمؤمنين وتخفيه عن الذين يظنونه مجرد قصص وأحاديث.
    أُعْطِيَ لَكُمْ على سبيل الهبة لا على سبيل أجرة تستحقونها (رومية ٦: ٢٣ وأفسس ٢: ٨). وهذه العطية موقوفة على الذين يسألون عن معنى المثل ويرغبون في معرفة كل الحق.
    أَنْ تَعْرِفُوا أي أن تفهموا بلا مثل القول الواضح، أو أن تدركوا المراد في المثل بواسطة تفسيري المنزه عن الغلط.
    أَسْرَارَ أي ما لا يدركه عقل البشر بلا وحي إلهي. وأعظم هذه الأسرار معرفة المسيح حق المعرفة، بدليل القول «عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ» (١تيموثاوس ٣: ١٦).
    مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أي حقيقة هذا الملكوت وكيفية انتشاره.
    وَأَمَّا لأُولَئِكَ أي الذين لا يبالون بي والذين «هم الذين من خارج» (مرقس ٤: ١١).
    ١٢ «فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَٱلَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ».
    متّى ٢٥: ٢٩ ومرقس ٤: ٢٥ ولوقا ٨: ١٨ و١٩: ٢٦
    ذكر هذا المبدأ شرطاً لاكتساب المعرفة الروحية. فمراده أن الذي يسمع تعليمه ويحفظه ويعمل بمقتضاه يحصل على معرفة زائدة به. والذي لا يستفيد من المعرفة التي حصل عليها من المسيح ولا يسير بموجبها تؤخذ منه. وهذا مبدأ عام في الحياة الروحية. فلا بد من أن الإنسان يربح أو يخسر في الروحيات، فهو إما أن يتقدم أو أن يتأخر. ولا يمكن أن يقف على نقطة واحدة.
    مَنْ لَه أي من يسمع بأذنيه ويدرك بعقله ويقبل بقلبه يستفيد من وسائطه.
    مَنْ لَيْسَ لَه أي من لا يستفيد من وسائطه ولا يريد أن يقبل التعليم ويعمل بموجبه، فهذا له شبه العلم. وذلك ليس بشيء عند الله.
    سَيُؤْخَذُ مِنْهُ أي تؤخذ منه وسائط النفع والمعرفة القليلة التي حصل عليها من التعليم الروحي. وأورد المسيح نفس هذا المعنى في «مثل الوزنات» في كلامه على صاحب الوزنة الواحدة (متّى ٢٥: ٢٨، ٢٩).
    ١٣ «مِنْ أَجْلِ هٰذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ، لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ».
    مِنْ أَجْلِ هٰذَا أي بناء على المبدأ الذي ذكره في عدد ١٢.
    بِأَمْثَال أكثر المسيح التعليم بالأمثال امتحاناً لقلوب السامعين، فأخذ بعضهم ظاهر كلام المثل، ولم يسأل عن معناه، فكان المثل له مجرد قصة. وأخذه البعض الآخر بخلاف ذلك. فالحق في أيدي بعض الناس كمصباح ينطفئ حالما يمسكونه بأيديهم، ويظل في يد الآخرين موقداً يرشدهم إلى السماء.
    مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُون الخ ورد مثل هذا الكلام على سبيل المثل في خُطب ديموستينيس وأسكليوس الخطيبين اليونانيين، والمقصود به تأثير الصوت في الأذن دون العقل أو القلب، وبلا فائدة في السلوك. فالمثل بفم المسيح يشبه حجاباً يخفي الحق وراءه، فاكتفى بعضهم بمجرد مشاهدة ذلك الحجاب، ورغب الآخر في إدراك ما وراءه، فرفعه فرأى الحق جلياً. إن المثل يشبه عمود السحاب والنار بين المصريين وبني إسرائيل: مظلم للأولين ومنير للآخرين (خروج ١٤: ٢٠).
    ١٤ «فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ: تَسْمَعُونَ سَمْعاً وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَمُبْصِرِينَ تُبْصِرُونَ وَلاَ تَنْظُرُونَ».
    إشعياء ٦: ٩ وحزقيال ١٢: ٢ ويوحنا ١٢: ٤٠ وأعمال ٢٨: ٢٦ ورومية ١١: ٨ و٢كورنثوس ٣: ١٤، ١٥
    نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ انظر إشعياء ٦: ١٠ وهذا إنذار أورده متّى كنبوَّة والأصل العبراني يحتمل المعنيين.
    تَسْمَعُونَ سَمْعاً أي تدركون الصوت ولا تستفيدون منه.
    مُبْصِرِين الخ تدركون ظاهر الأمر وتغفلون عن المقصود به. فالمعنى أنهم في السمع والإبصار يدركون الظواهر دون الجوهر الروحي.
    ١٥ «لأَنَّ قَلْبَ هٰذَا ٱلشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ، وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ».
    عبرانيين ٥: ١١
    هذا إيضاح لما قبله وتأكيد له. والألفاظ وفق الترجمة السبعينية، وهو يصدق على كل الذين «يحبون الظلمة أكثر من النور» (يوحنا ٣: ١٩).
    غَلُظَ أي غلبت حيوانيته على روحانيته فصار بلا شعور بالروحيات.
    غَمَّضُوا عُيُونَهُمْ أبوا أن يفتحوها لئلا يبصروا الحق الذي يقودهم إلى التوبة وإصلاح السيرة. فالذي أتوه أولاً عمداً واختياراً وقع عليهم بعد ذلك إجباراً واضطراراً عقاباً لهم.
    لِئَلاَّ يُبْصِرُوا... وَيَسْمَعُوا... وَيَفْهَمُوا هذا نتيجة تغميضهم الاختياري وسد آذانهم الإرادي، فإن الله الديان العادل تركهم إلى الظلمة التي اختاروها والجهل الذي رضوه، ليدوموا في الظلمة والعصيان إلى الأبد (مزمور ٨١: ١١، ١٢ وإشعياء ٦٦: ٤).
    فَأَشْفِيَهُمْ أي من مرض الخطية.
    ١٦ «وَلٰكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلِآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ».
    متّى ١٦: ١٧ ولوقا ١٠: ٢٣، ٢٤ ويوحنا ٢٠: ٢٩
    هنأ المسيح تلاميذه هنا بأنهم ليسوا عمياً ولا غليظي القلوب، لأنهم نظروا وأدركوا الحقائق المجيدة التي أعلنها لهم. نعم أنهم كانوا بطيئي الفهم، لكن عيونهم كانت مفتوحة توقعاً لزيادة النور وآذانهم مصغية إلى الصوت الإلهي.
    ١٧ «فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَاراً كَثِيرِينَ ٱشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا».
    عبرانيين ١١: ١٣ و١بطرس ١: ١٠، ١١
    هنأهم المسيح بأنهم أدركوا ما لم يدركه الكتبة والفريسيون في عصرهم، ويهنئهم على مشاهدتهم وإدراكهم ما اشتهى الأنبياء والأتقياء القدماء أن يروه ولم يروا. وقد رغب قديسو العصور القديمة أن يشاهدوا المسيح وظهور ملكوته، فلم تكن لهم إلا الرموز والنبوات وظلال الخيرات المقبلة، وأما التلاميذ فصار لهم الجوهر لأنهم رأوا المسيح عياناً وشاهدوا معجزاته وسمعوا تعاليمه من فمه (٢صموئيل ٢٣: ٥ وأيوب ١٩: ٢٣، ٢٧ وعبرانيين ١١: ٤٠) وشرح حال أولئك الأتقياء بطرس الرسول بقوله «الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ» (١بطرس ١: ١٠، ١١). وكانوا ينتظرون التعزية السماوية كسمعان الشيخ، ولكنهم لم ينالوا ما نال من النعمة بأن «أبصرت عيناه خلاص الرب» (لوقا ٢: ٢٥، ٣٠).
    ١٨ «فَٱسْمَعُوا أَنْتُمْ مَثَلَ ٱلزَّارِعِ».
    مرقس ٤: ١٤ الخ ولوقا ٨: ١١ الخ
    يقول: يا تلاميذي الذين أنعم عليهم أكثر مما أنعم على غيرهم بتفسير المثل الذي طلبوه: أدركوا بقلوبكم المستنيرة بالروح القدس المعنى المقصود. ويرشدنا شرح المسيح لهذا المثل إلى تفسير ما لم يفسره من الأمثال. فيجب أن نسمع تفسير هذا المثل كما سمعه الرسل لأن فيه ما يحدث كل يوم حيث يُنادى بالإنجيل.
    ١٩ «كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ ٱلْمَلَكُوتِ وَلاَ يَفْهَمُ، فَيَأْتِي ٱلشِّرِّيرُ وَيَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِعَ فِي قَلْبِهِ. هٰذَا هُوَ ٱلْمَزْرُوعُ عَلَى ٱلطَّرِيقِ».
    متّى ٤: ٢٣
    كَلِمَةَ ٱلْمَلَكُوت بدأ لوقا في شرح هذا المثل بقوله إن «الزرع هو كلمة الله» (لوقا ٨: ١١) وقال المسيح إنه هو زارع الكلمة (متّى ١٣: ٣٧). فكل الذين يبشرون اليوم بكلمته هم زارعون. ولا يستطيع أن يتوقع حصاد النفوس إلا من يزرعون الكلمة الإلهية خالصة.
    وَلاَ يَفْهَمُ ذكر المسيح في هذا المثل أربعة أصناف من السامعين. وذكر في هذا العدد أولهم وهو الذي يسمع بأذنه لا بقلبه، أي لا ينتبه لما سمعه ولا يدرك معناه الروحي ولا يعتبر أنه هو المخاطب. وسبب عدم فهمه مذكور في متّى ١٣: ٤ وهو قوله «سقط بعض على الطريق» أي كان قلبه لكثرة الأفكار الرديئة والتأثيرات الشريرة فيه، كالطريق التي تصلَّبت من كثرة المرور عليها، فلم يشقه محراث الناموس ليقبل زرع الإنجيل.
    فَيَأْتِي ٱلشِّرِّيرُ أي الشيطان مقاوم ملكوت الله وعدو نفوس الناس، الذي ينتهز دوماً الفرصة لمنع الإنسان عن الاستفادة من كتاب الله، وبذلك يؤكد هلاكه.
    يَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِع يفعل الشيطان هذا بأن يصرف أفكار الإنسان عن الحق الذي سمعه إلى الأمور الدنيوية والأهواء، فإنها تسرق الحق بتدبير الشيطان. والشيطان هو رئيس كل ما يسرق الوعظ والإنذار من أذهان السامعين. والقلوب التي تشبه الطريق هي قلوب مشتَّتي الأفكار، الذين لا يتروون في الأمور الأساسية، فلا تؤثر فيهم أهم الحقائق. وللأسف فإن هؤلاء الأكثر عدداً. إنهم مثل المدعوين إلى العرس الذين قيل إنهم «تَهَاوَنُوا وَمَضَوْا، وَاحِدٌ إِلَى حَقْلِهِ، وَآخَرُ إِلَى تِجَارَتِهِ» (متّى ٢٢: ٥) «الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ» (٢كورنثوس ٤: ٤)
    ٢٠ «وَٱلْمَزْرُوعُ عَلَى ٱلأَمَاكِنِ ٱلْمُحْجِرَةِ هُوَ ٱلَّذِي يَسْمَعُ ٱلْكَلِمَةَ، وَحَالاً يَقْبَلُهَا بِفَرَح».
    إشعياء ٥٨: ٢ وحزقيال ٣٣: ٣١، ٣٢ ويوحنا ٥: ٣٥
    وصف هنا الصنف الثاني ممن يسمعون الكلمة بلا فائدة. إنهم الزرع المزروع في أرض محجرة. ورجاء الفائدة من هؤلاء أعظم من رجائها من أهل الصنف الأول. ولكن النتيجة واحدة، فمجرد سماع الكلمة لا يكفي للخلاص. وأهل الصنف الثاني هم الذين يقبلون الإنجيل ولا يحسبون النفقة من إنكار الذات والاضطهاد والمشقات (لوقا ١٤: ٢٥ - ٣٣).
    حَالاً يَقْبَلُهَا بِفَرَح هذا الفرح ليس هو الفرح المذكور في غلاطية ٥: ٢٢ بأنه أحد ثمار الروح، لأن ذلك الفرح يتبع التوبة عن الخطية، لكنه وقتيٌّ ناتج عن النظر في الوعود بالسعادة الأبدية. فلذة السامعين بالوعظ ليست برهاناً على أنهم استفادوا منه، بدليل قول الله للنبي «هَا أَنْتَ لَهُمْ كَشِعْرِ أَشْوَاق لِجَمِيلِ الصَّوْتِ يُحْسِنُ الْعَزْفَ، فَيَسْمَعُونَ كَلاَمَكَ وَلاَ يَعْمَلُونَ بِهِ» (حزقيال ٣٣: ٣٢) وكذلك مجرد دموع السامعين ونذورهم وعزمهم لا يؤكد تجديد قلوبهم. فاستعارة التربة الرقيقة فوق الصخور مناسبة لأصحاب الانفعالات السريعة الزوال. فكان البذار في أول المثل كلمة الله. ولما صار زرعاً كان المراد به السامعين لها.
    ٢١ «وَلٰكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ. فَإِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ ٱضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ ٱلْكَلِمَةِ فَحَالاً يَعْثُرُ».
    متّى ١١: ٦ و٢تيموثاوس ١: ١٥
    لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إما لأنه ليس له مبادئ راسخة كالإيمان والتوبة والمحبة لله، أو لأن الحق لا يتأصل في ذاكرته وضميره وأشواقه ومقاصده. يعترف أنه مسيحي، لكنه لم يولد ثانية. وهذا الصنف كالبيت المبني على الرمل (متّى ٧: ٢٦) وكالمصابيح بلا زيت (متّى ٢٥: ٢).
    إِلَى حِينٍ يبقى وقتاً يعترف بالمسيح.
    ضِيقٌ أَوِ ٱضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ ٱلْكَلِمَةِ إذا كان الإنسان مسيحياً بالحق ينشئ فيه الاضطهاد زيادة القداسة والاستعداد للسماء. ولكن كما أن حرارة الشمس تفيد الزرع في التربة العميقة وتحرقه في التربة الرقيقة (ع ٦) فكذلك الضيقات تجعل صاحب الانفعالات السريعة الزوال، ينكر ما كان قد اعترف به. والزرع في المثل لم ييبس لشدة حرارة الشمس، بل لأن ليس له أصل. فليس للأحوال تأثيرٌ في المسيحي الحقيقي «المتأسس والراسخ» في الإيمان.
    فَحَالاً يَعْثُر وتعثُّره سريعٌ سرعة قبوله الحق. فإنه فتح قلبه الحق بالفرح متوقعاً المسرة، فلما نزلت به الشدائد عثر وسقط، بدل من أن يصعد عليها ويرتقي بواسطة الإيمان والصلاة.
    ٢٢ «وَٱلْمَزْرُوعُ بَيْنَ ٱلشَّوْكِ هُوَ ٱلَّذِي يَسْمَعُ ٱلْكَلِمَةَ، وَهَمُّ هٰذَا ٱلْعَالَمِ وَغُرُورُ ٱلْغِنَى يَخْنُقَانِ ٱلْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ».
    إرميا ٤: ٣، ٤ ومتّى ١٩: ٢٣ ومرقس ١٠: ٢٣ ولوقا ١٨: ٢٤ و١تيموثاوس ٦: ٩ و٢تيموثاوس ٤: ١٠
    وصف هنا الصنف الثالث من السامعين، وهم الذين أرادهم بالزرع المزروع بين الشوك. وهم الذين سمعوا الحق واعترفوا به موقتاً. وهم يختلفون عن المزروعين في الأرض المحجرة لأن هؤلاء عثروا وتركوا الحق من الاضطهاد، وأما أولئك فخدعتهم الشهوات واللذات عن الاستمرار في الحق.
    هَمُّ هٰذَا ٱلْعَالَمِ أي كثرة الانهماك وزيادة الاعتناء بأمور هذه الحياة كالطعام والكسوة وسائر لوازم الجسد، لأن الهموم الجسدية هي من أعظم الموانع للنمو في النعمة والتقوى، إذ هي تمنع الناس من طلب ملكوت الله أولاً.
    هم الذين يريدون الأمرين معاً: الله والمال، بل ويعبدونهما معاً، متناسين قول المسيح «لا تعبدوا ربَّين: الله والمال» وهذا لا يعني أن لا يكون لنا مال، بل أن لا يكون للمال سلطان علينا، فلا نسلمه قيادتنا ولا نُستعبد له لئلا نشقى به وتموت كلمة الله في نفوسنا.
    غُرُورُ ٱلْغِنَى أي محبة المال وزيادة الرغبة في إحرازه وشدة التمسك به بعد الحصول عليه، لأن هذه هي الأشواك التي تخنق الكلمة في قلب الإنسان. فالخطر للنفس من الغِنى أكثر منه في الفقر، لأن المال يفعل خفية. وأضاف الغرور إلى الغنى، لأن الناس لا يحصلون على الفائدة التي يتوقعونها من الغِنى، فإنهم ينتظرون السعادة الدنيوية منه فيجدون الشقاء الأبدي. والذين يسرعون إلى إدراك الغنى بغية السعادة منه، والذين يحسبون أنفسهم سعداء لأنهم أدركوه بالرغم من أنهم مغرورون ينطبق عليهم القول «وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ، تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ» (١تيموثاوس ٦: ٩). لكن يصعب على أكثر الناس أن يدركوا أن الغنى شوك، لأنهم يحسبونه من خير النعم. ولكنه يشبه بالشوك لأن عاقبته تجرح النفس جرحاً عميقاً وتؤلمها إيلاماً شديداً.
    بِلاَ ثَمَرٍ كلمة الله (في هذه الحالة) تكون كالزرع الذي لا يأتي بالثمر المطلوب من إصلاح قلب الإنسان وسيرته.
    ٢٣ «وَأَمَّا ٱلْمَزْرُوعُ عَلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَةِ فَهُوَ ٱلَّذِي يَسْمَعُ ٱلْكَلِمَةَ وَيَفْهَمُ. وَهُوَ ٱلَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ، فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ».
    وصف هنا الصنف الرابع من الناس الذين سمعوا الكلمة وقبلوها (كالصنفين السابقين) وخالفوهم بأنهم انتصروا على موانع الإثمار، فأثمروا، وأظهروا بأعمالهم وثباتهم نتيجة ما أثرته كلمة الحق في قلوبهم. فهذا الصنف وحده يحقق قصد الزارع.
    ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَةِ هي القلب الذي ألانته نعمة الله وأعدته لقبول الحق قولاً وفعلاً. فهو مثل قلب ابن السلام (لوقا ١٠: ٦) وقلب ليديا (أعمال ١٦: ١٤) وقلوب أهل بيرية (أعمال ١٧: ١١). والناس مسؤولون عن أحوال قلوبهم، واللوم عليهم إذا لم تكن قلوبهم كالأرض الجيدة.
    يَأْتِي بِثَمَر هذا هو البرهان الوحيد الكافي على أن السامعين للكلمة الإلهية استفادوا. فعلامات استفادتهم من الكلمة ثلاث: إصغاؤهم إليها، وإدراكها مع اعتبارها موجَّهة إليهم، وطاعتهم إياها. وهذه الطاعة هي الثمر.
    بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ الخ اختلاف هذه الأعداد إشارة إلى اختلاف مقدار الاستفادة من الأمانة والغيرة وممارسة الصلاة. فيختلف المسيحيون في مقدار الفضائل وإظهار أثمار الروح ونفعهم للغير. فعلى جميع المسيحيين أن يجتهدوا في أن يصيروا كالأرض الجيدة التي تصير مئة ضعف، أي أن يكونوا مثل إبراهيم الخليل في الإيمان، وأيوب الصديق في الصبر، ويوحنا البشير في المحبة، وبولس الرسول في الغيرة. وذلك وفق قول المسيح «بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» وقوله «أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ» (يوحنا ١٥: ٨، ١٦) وقول رسوله «كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ» (يعقوب ١: ٢٢) وقول نبيه «اِزْرَعُوا لأَنْفُسِكُمْ بِالْبِرِّ. احْصُدُوا بِحَسَبِ الصَّلاَحِ. احْرُثُوا لأَنْفُسِكُمْ حَرْثًا، فَإِنَّهُ وَقْتٌ لِطَلَبِ الرَّبِّ حَتَّى يَأْتِيَ وَيُعَلِّمَكُمُ الْبِرَّ» (هوشع ١٠: ١٢).
    ٢٤ «قَالَ لَـهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً زَرَعَ زَرْعاً جَيِّداً فِي حَقْلِهِ».
    قَالَ لَهُمْ مَثَلاً كالأحجية لينبِّه أفكارهم ليبحثوا عن معناه الروحي.
    مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ أي الملكوت الجديد الذي أتى المسيح ليبدأه على الأرض ويتممه في السماء.
    إِنْسَاناً زَرَعَ أي أحوال الإنسان أو ما يحدث كثيراً للإنسان.
    زَرْعاً جَيِّداً أي نافعاً كالحنطة ومن أحسن الأنواع.
    ٢٥ «وَفِيمَا ٱلنَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُوُّهُ وَزَرَعَ زَوَاناً فِي وَسَطِ ٱلْحِنْطَةِ وَمَضَى».
    فِيمَا ٱلنَّاسُ نِيَامٌ أي في الليل الذي هو وقت النوم وزمن انتهاز الأشرار خفية. فلا لوم على صاحب الحقل ولا على خدامه بأنهم ناموا.
    عَدُوُّه أي أحد جيرانه ممن أرادوا ضرره.
    زَوَان صنف من الحبوب يشبه الحنطة شكلاً ولكن علاوة على عدم نفعه فهو ضارٌّ. فالمسيح لم يفترض نوعاً من الأذية لم يكن معهوداً للناس، فالأشرار الذين يحبون الانتقام ولا يخافون الله موجودون دائماً، يسهل عليهم أن يأتوا خفية ويضرون غيرهم.
    وَمَضَى خفية كما أتى، ولم يحتج بعد ذلك إلى عناء لكي ينتج الشر مما فعل.
    ٢٦ «فَلَمَّا طَلَعَ ٱلنَّبَاتُ وَصَنَعَ ثَمَراً، حِينَئِذٍ ظَهَرَ ٱلزَّوَانُ أَيْضاً».
    لا يظهر الفرق بين الحنطة والزوان في أول الإنبات، لكن متّى ظهرت السنابل ظهر جلياً. وكذلك قلّما نميِّز الشرور في أول حدوثها.
    ٢٧ «فَجَاءَ عَبِيدُ رَبِّ ٱلْبَيْتِ وَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَلَيْسَ زَرْعاً جَيِّداً زَرَعْتَ فِي حَقْلِكَ؟ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ زَوَانٌ؟».
    يظهر من هذا أن هؤلاء العبيد لم يكونوا كسالى أو نياماً حين يجب أن يسهروا لأنه حين ظهر الشر انتبهوا له وأخبروا به سيدهم.
    أَلَيْسَ زَرْعاً جَيِّداً أرادوا بالاستفهام هنا إثبات أن الزرع كان جيداً حقيقةً، وفيه تعجب وحيرة من النتيجة التي هي خلاف المنتظر.
    فَمِنْ أَيْنَ زَوَانٌ يصح أن نحسب معظم تعاليم البشر جواباً لهذا السؤال لكثرة الآراء الفاسدة، مع أن تعليم المسيح كان زرعاً جيداً.
    فسر المسيح هذا المثل بعد ذلك ولم يذكر أحداً من أولئك العبيد. فيكون أن ذكرهم جاء تكملة عرضية للمثل لا لغرض آخر. وإن كان ذكرهم لقصد فهم إشارة إلى المسيحيين الذين يغارون على طهارة الكنيسة، وغيرتهم هي أعظم من حكمتهم، مثل ابني زبدي اللذين أرادا أن تنزل نار من السماء وتحرق السامريين (لوقا ٩: ٥٤).
    ٢٨ «فَقَالَ لَـهُمْ: إِنْسَانٌ عَدُوٌّ فَعَلَ هٰذَا فَقَالَ لَهُ ٱلْعَبِيدُ: أَتُرِيدُ أَنْ نَذْهَبَ وَنَجْمَعَهُ؟».
    عَدُوٌّ زرع الزوان وسط الحنطة لا يفعله إلا من تمكنت العداوة في قلبه فلا يمكن أن يفعله صديق.
    فَعَلَ هٰذَا أي في وقت الفراغ.
    نَجْمَعَهُ أي الزوان.
    ٢٩ «فَقَالَ: لاَ! لِئَلاَّ تَقْلَعُوا ٱلْحِنْطَةَ مَعَ ٱلزَّوَانِ وَأَنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ».
    منع السيد قلع الزوان لأنه يأتي بالشر أكثر من الخير. لا ريب في أن الزوان يضر بالحنطة، ولكن قلعه في أول الأمر أكثر ضرراً من تركه، لأنه يصعب حينئذٍ أن يتميَّز عن الحنطة، فيحتمل أن تُقلع الحنطة معه. وعلى هذا النسق يصبر الله على الأشرار لأجل الأخيار.
    ٣٠ «دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعاً إِلَى ٱلْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ ٱلْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: ٱجْمَعُوا أَوَّلاً ٱلزَّوَانَ وَٱحْزِمُوهُ حُزَماً لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا ٱلْحِنْطَةَ فَٱجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَنِي».
    ملاخي ٤: ١ ومتّى ٣: ١٢
    ترك رب الحصاد الزوان ينمو مع القمح، دون أن يتغافله، لأنه قصد أن يفصل الواحد عن الآخر في وقت الحصاد ويجمع النافع ويحرق الضار. وفسر المسيح ذلك بعدئذٍ.
    ٣١، ٣٢ «٣١ قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ، ٣٢ وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ ٱلْبُزُورِ. وَلٰكِنْ مَتَى نَمَتْ فَهِيَ أَكْبَرُ ٱلْبُقُولِ، وَتَصِيرُ شَجَرَةً، حَتَّى إِنَّ طُيُورَ ٱلسَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا».
    إشعياء ٢: ٢، ٣ وميخا ٤: ١ ومرقس ٤: ٣٠ الخ ولوقا ١٣: ١٨، ١٩
    هذا مثل ثالث ضربه المسيح وأخذه من حياة المزارع، لأن كل سامعيه كانوا يعرفونها.
    حَبَّةَ خَرْدَلٍ أي بزرة واحدة
    أَصْغَرُ جَمِيعِ ٱلْبُزُور أي البزور التي يزرعها الناس. وبينها وبين نبتها أعظم تباين في المقدار. وتستعار حبة الخردل كثيراً للأمر التافه والزهيد (لوقا ١٧: ٦).
    وَتَصِيرُ شَجَرَة أي تنمو حتى تستحق أن تُحسب من الأشجار.
    حَتَّى إِنَّ طُيُورَ الخ أي أن نبتة الخردل تبلغ كالأشجار قدراً يصح معه أن تستظل الطيور بها.
    والمشابهة بين ملكوت المسيح أي كنيسته وحبة الخردل تقوم بثلاثة أمور.

    • صغر كل منهما في أول أمره.
    • نمو كل من الكنيسة والبزرة بالتدريج الدائم في هدوء وبلا مراقبة.
    • عظمة النتيجة في كليهما بالنسبة إلى أول أمره. فإن الكنيسة وإن كانت صغيرة في بدايتها وُعدت بأن تصير عظيمة تمتد إلى أقاصي الأرض. وبذلك تختلف عن برج بابل فإنه قصد أن يكون رأسه في أول الأمر بالغاً السماء فصار ردماً من اللبن والتراب. ويظهر التشابه بين الكنيسة وحبة الخردل من النظر إلى مؤسسها: وهو طفل في بيت لحم، والنظر إليه في ممارسته وظيفته وهو ابن ثلاثين سنة بلا غنى ولا رتبة ولا جند، والنظر إليه وهو معلم نحو ثلاث سنين في مدن فلسطين وقراها يتبعه قليل من التلاميذ الأميين الفقراء، ثم انتهت حياته الأرضية بموته المهين على الصليب، ومن النظر إلى الكنيسة بعد قيامة المسيح حين اجتمع الأحد عشر رسولاً في علّية أورشليم، وكان عدد المؤمنين ١٢٠ فأخذت تنمو وتزيد من يوم الخمسين فصاعداً حتى انتشر الإنجيل بعد ثلاثين سنة في كل ما عُرف من المسكونة يومئذٍ. وبعد ثلاث مئة سنة صارت ديانة المسيح ديانة المملكة الرومانية ولم تزل تمتد منذ ذلك العهد إلى اليوم.


    ويظهر صدق التشابه إذا نظرنا إلى أول بدء ملكوت المسيح في قلب الإنسان، فيحتمل أن يكون البدء من سماع آية من الكتاب المقدس أو موعظة في الكنيسة، أو نصيحة من صاحب، ومن ذلك نتجت دموع التوبة مع قليل من انفعالات الإيمان والمحبة، ثم تظهر علامات النمو في النعمة بالانتصار على الخطية والشهوات وإظهار الفضائل المسيحية وثمار الروح، حتى يتم العمل في السماء وتحصل النتيجة وهي القداسة الكاملة. فما أعظم الفرق بين حال بولس حين قال عند بدء إيمانه قرب دمشق «يا رب ماذا تريد أن أفعل؟» وحاله حين قال في آخر حياته «أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ. وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ» (٢تيموثاوس ٤: ٦ - ٨) وبين حال الابن الضال حين وهو جائع وعريان «أقوم وأذهب إلى أبي» وحاله وهو جالس في بيت أبيه لابساً الحلة الأولى والخاتم في يده والوليمة أمامه.
    وفي هذا المثل كما في مثل الزوان، الزارع الأصلي هو المسيح، والزرع هو الكلمة تنبت في قلوب المؤمنين، والحقل هو العالم الذي تنمو الكنيسة في وسطه.
    ٣٣ «قَالَ لَـهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا ٱمْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى ٱخْتَمَرَ ٱلْجَمِيعُ».
    لوقا ١٣: ٢٠، ٢١
    هذا المثل الرابع وموضوعه كموضوع سابقه: نمو ملكوت المسيح من بدءٍ صغير في الكنيسة وفي قلب المؤمن. والفرق بينه وبين المثل السابق هو أن الأول يتكلم عن علامات النمو الظاهر، والثاني عن النمو الخفي الذي يغيِّر كل الصفات إلى مثل صفات الخميرة، بلا انقطاع حتى يعم تأثيره.
    يجب أن تذوب الخميرة وتمتزج بالعجين، فهي لا تريد المجد لنفسها، بل تفعل فعلها غير ظاهرة، ولا تطلب أجراً ولا شكراً. فإن كنا من أهل النعمة الذين يطلبون الخير والإصلاح يجب أن ننسى نفوسنا ونذكر الواجب العظيم الذي أمامنا، فيزيد تأثيرنا بنسبة اختفائنا وراء صليب المسيح الغافر الآثام.
    خَمِيرَةً من صفات الخميرة أنها إذا وُضعت في مادة تختلف عنها حوَّلتها كلها حتى صارت مثلها. فهكذا النعمة في قلب الإنسان تحول كل صفاته إلى مثل صفاتها. ومثلها ملكوت الله الذي وُضع بين ممالك العالم حتى يجعلها كلها مثله، وذلك بواسطة تأثير كل مؤمن في غيره تأثير المحبة والغيرة والطاعة التي تمتد من قلب إلى قلب ومن بيت إلى بيت ومن بلاد إلى بلاد، بذهاب المبشرين حاملين إنجيل السلام. ونتيجة ذلك كله اختمار أرضنا بخميرة الإنجيل السماوي، فتصير مثل السماء حيث تتحول قلوب الناس وتتغير وتصير مثل قلب الله في الطهارة.
    أَخَذَتْهَا أي من خارج العجنة. فكذلك إنجيل المسيح أتى إلى هذا العالم وإلى قلب كل إنسان من الخارج، أي من السماء. فهو ليس بنشوءٍ طبيعي، ولا بإصلاح موجود، بل بخَلْق جديد.
    ٱمْرَأَةٌ خص المرأة بالذكر لأن العجين من اختصاصها.
    خَبَّأَتْهَا أي خلطتها بالعجين حتى لم تتميز عنه لكنها تفعل بقوة.
    ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ وذلك هو الإيفة عند العبرانيين وهو مقدار العجنة المعتادة (تكوين ١٨: ٦ وقضاة ٦: ١٩ و١صموئيل ١: ٢٥). فليس للعدد قصد في المثل، وإنما ذُكر بناء على الواقع.
    حَتَّى ٱخْتَمَرَ ٱلْجَمِيع في هذا الكلام تاريخ ماضي الكنيسة وإنباءٌ بمستقبلها. ومن تأثيرات الإنجيل التي تشبه تأثير الخميرة إلغاء كثير من عبادة الوثنيين وعاداتهم، وتجارة العبيد ونحوها. ومنها ترقية أحوال المرأة، وتقليل الحروب ونزع قساوة المتحاربين، وإلغاء المبارزة الشخصية ونشر التمدن والعلم بدل التوحش والجهل. وحصول كل ذلك تدريجياً بهدوء كفعل الخميرة في العجين لا فجأة باضطراب عظيم كالزلزلة. وكما حدث في الماضي يحدث في المستقبل، فسيغلب دين المسيح كل قوات الشر في العالم. وهو يقدس كل قلب يدخله تقديساً كاملاً.
    عجب بعضهم من استعارة المسيح الخمير لملكوته، لأن الخميرة تُستعار للرياء والخبث (لوقا ١٢: ١ و١كورنثوس ٥: ٧ وغلاطية ٥: ٩) ومُنع الخمير من أن يكون في التقدمات (خروج ١٣: ٣ ولا ٤: ١١) باستثناء واحدة منها (لا ٢٣: ١٧). ولكن استعارة الخميرة في بعض صفاتها للشر لا تمنع استعارتها في غير تلك الصفات للخير، فإن الخميرة تنفخ العجين فيزيد حجمه، وبذلك يصح أن تستعار للخبث والفساد. ولكن إذا كان مقداراها معتدلاً فهي تجعل الخبز ألذ طعماً وأسهل هضماً وأوفق للصحة، وبذلك يصح أن تستعار للإصلاح. وظن البعض أن الكتاب المقدس اعتبر الخميرة مادة فعالة مؤثرة في الغير بقطع النظر عن بقية صفاتها، فاستُعيرت أحياناً لقوة فعالة للصلاح، وأحياناً أخرى لقوة فعالة للفساد. وعلى هذا الأسلوب استعير الأسد للمسيح جل وعلا (رؤيا ٥: ٥) واستعير للشيطان عدوه (١بطرس ٥: ٨).
    ولنا مما ذكر أن أوجه الشبه بين الخميرة والدين المسيحي ستة: (١) أن كلاً منهما ليس شيئاً في أول أمره. (٢) أن كلاً منهما ليس مما يؤثر فيه بل هو أمر خارج عنه. (٣) أنه لا بد من تأثير كل منهما في غيره عند اختلاطه به (عبرانيين ٤: ١٢ وأعمال ١٧: ٦). (٤) أن كلاً منهما ما يؤثر هو فيه مثله تماماً (١كورنثوس ٥: ٦). (٥) أن كلاً منهما يؤثر باطناً بالهدوء (مر ٤: ٢٧ ولوقا ١٧: ٢٠، ٢١). (٦) أن مفعول كلٍ منهما يؤثر في غيره، فالعجين المختمر يخمر غيره، والمسيحي بالحق يجعل غيره مسيحياً.
    ٣٤ «هٰذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ ٱلْجُمُوعَ بِأَمْثَالٍ، وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ».
    مرقس ٤: ٣٣، ٣٤
    هٰذَا كُلُّهُ ليس المراد من هذا أن المسيح من ذلك الوقت لم يكلم الجموع إلا بالأمثال، لأنه كثيراً ما خاطب الجموع بعد ذلك بغير الأمثال. لكن المعنى أنه في الوقت الذي بدأ فيه يعلم بأمثال وروى هذه الأمثال السبعة، اقتصر على هذا الأسلوب من تعليمه.
    ٣٥ «لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلنَّبِيِّ: سَأَفْتَحُ بِأَمْثَالٍ فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ».
    مزمور ٧٨: ٢ ورومية ١٦: ٢٥، ٢٦ و١كورنثوس ٢: ٧ وأفسس ٣: ٩ وكولوسي ١: ٢٦
    من عادة متّى أنه يأتي بالنبوات لبيان أنها تمت بما فعله المسيح، وهنا أبان أن تعليمه بالأمثال إتمام لنبوءة.
    مَا قِيلَ في مزمور ٧٨: ٢ على ما في الترجمة السبعينية.
    بِٱلنَّبِيِّ أي آساف كما في عنوان المزمور. وسمي آساف الرائي (٢أخبار ٢٩: ٣٠) والرائي هو النبي (١صموئيل ٩: ٩). ويظهر أن حوادث هذا المزمور تاريخية، ولكن لا مانع من أن تكون رمزية أيضاً تشير إلى مجيء المسيح وملكه.
    ٣٦ «حِينَئِذٍ صَرَفَ يَسُوعُ ٱلْجُمُوعَ وَجَاءَ إِلَى ٱلْبَيْتِ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: فَسِّرْ لَنَا مَثَلَ زَوَانِ ٱلْحَقْلِ».
    صَرَفَ أي أذن لهم في الذهاب لانتهاء خطابه لهم.
    ٱلْجُمُوعَ هم الذين ذُكروا في العدد الثاني من هذا الأصحاح.
    ٱلْبَيْتِ الأرجح أن ذلك بيت سمعان بطرس في كفرناحوم (انظر تفسير ٨: ١٤).
    تَلاَمِيذُهُ لا الاثنا عشر فقط، بل غيرهم معهم (مرقس ٤: ١٠).
    ٣٧ «فَأَجَابَ: ٱلزَّارِعُ ٱلزَّرْعَ ٱلْجَيِّدَ هُوَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ».
    هذه مرة ثانية شرح بها المسيح مثلاً، وهو يشبه تفسيره لمثل الزارع في الاختصار والوضوح والنظر إلى الجوهر دون العرض.
    ٱلزَّارِعُ أي المذكور في عدد ٢٤ من هذا الأصحاح.
    ٱبْنُ ٱلإِنْسَان أي المسيح في حال اتضاعه (متّى ٨: ٢٠). وكان بدء زمن ذلك المثل بدء خدمة المسيح على الأرض. وهو لا يزال يزرع الزرع على يد المبشرين بالإنجيل والمعلمين والوالدين الأتقياء وسائر المسيحيين بالحق، وهم يزرعون بأقوالهم وأفعالهم.
    ٣٨ «وَٱلْحَقْلُ هُوَ ٱلْعَالَمُ. وَٱلزَّرْعُ ٱلْجَيِّدُ هُوَ بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ. وَٱلزَّوَانُ هُوَ بَنُو ٱلشِّرِّيرِ».
    متّى ٢٤: ١٤ و٢٨: ١٩ ومرقس ١٦: ١٥، ٣٠ ولوقا ٢٤: ٢٧ ورومية ١٠: ١٨ وكولوسي ١: ٦ وتكوين ٣: ١٣ الخ ويوحنا ٨: ٤٤ وأعمال ١٣: ١٠ و١يوحنا ٣: ٨
    ٱلْحَقْلُ هو الذي زُرع فيه الزرع الجيد والزوان، وهو العالم الذي كان المسيح قد أخذ يؤسس فيه كنيسته فتكون جزءاً منه. ولم يكن التلاميذ محتاجين إلى أن يبين لهم المسيح بمثله اختلاط الأبرار بالأشرار في العالم بأسره، لأن ذلك معروف. إنما أراد أن يوضح لهم أن ذلك الاختلاط يكون في الكنيسة أيضاً كما يظهر من قوله «من ملكوته» (متّى ١٣: ٤١). وفسر الحقل بالعالم لأنه جمع كنيسته منه، ولأن كنيسته أخيراً ستشمل كل أهل الأرض.
    بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ أي أصحابه وورثة بركاته، لا بالميلاد ولا بالإرث الدنيوي، بل بالنعمة. وسموا «الزرع الجيد» لأن كلمة الله التي عبر عنها بذلك الزرع في عدد ١٩ زُرعت في قلوبهم وصارت واسطة تجديدهم. فأثمرت أعمالاً صالحة (يعقوب ١: ١٨ و١بطرس ١: ٢٧). وقد قسم المسيح كل صنوف البشر إلى قسمين فقط.
    بَنُو ٱلشِّرِّير أي أولاد الشيطان وهم الزوان المذكور في عدد ١٩ وسُموا أولاد الشيطان لأنهم يشبهونه في صفاتهم، وهو يقودهم، وهم خاصته لأنهم نسل الحية ويعملون أعماله في العالم وسيشاركونه في العذاب أخيراً (متّى ٢٥: ٤١).
    ٣٩ «وَٱلْعَدُوُّ ٱلَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ. وَٱلْحَصَادُ هُوَ ٱنْقِضَاءُ ٱلْعَالَمِ. وَٱلْحَصَّادُونَ هُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ».
    يوئيل ٣: ١٣ ورؤيا ١٤: ١٥.
    ٱلْعَدُوُّ هو المذكور في عدد ٢٥ وهو عدو المسيح وعدو الإنسان منذ القديم (تكوين ٣: ١٥).
    إِبْلِيسُ هو الشيطان ومعناه واشٍ أو مشتكٍ (متّى ٤: ١). ومعنى الشيطان «خصم». وسُمي في عدد ٣٨ بالشرير لأنه أعظم الأشرار شراً في ذاته، وهو علة الشر في غيره. وهو على الدوام يعارض المسيح، فالمسيح يزرع الزرع الجيد وهو يزرع الرديء، ويرسل المسيح أنبياء صادقين وهو يرسل أنبياء كذبة. فلا بد من أن يكون «ضد المسيح» حيث يكون المسيح على الأرض، وأظهر الشيطان أشد أعماله حين كان المسيح على الأرض. وهو رئيس ملكوت الظلمة الباذل جهده في منع تأسيس ملكوت النور. وقد ظهر في هذا المثل إدخاله أولاده بين أولاد الملكوت أي كنيسة المسيح على الأرض. وتعليم المسيح هنا يبين لنا أن لا نتوقع الطهارة الكاملة في الكنيسة، فلا بد من وجود المرائين بين المؤمنين الحقيقيين، كيهوذا الإسخريوطي بين الإثني عشر. ونرى سرعة نبت الزوان في الكنيسة الجديدة من قصة حنانيا وامرأته سفيرة (أعمال ٥).
    ولم يفسر المسيح طلب الخدام أن يقلعوا الزوان ونهي رب الحقل إياهم عن ذلك، فيجوز تفسير ذلك بمقارنته بباقي تعاليم الكتاب المقدس. فليس هناك ما يمنع الكنيسة من تأديب أعضائها على أعمال مضادة لشريعة الله ومضرة لطهارة الكنيسة وراحتها، فإن وجوب ذلك التأديب جليٌّ في الإنجيل. لكن منع الخدام من قلع الزوان يمنع الكنيسة من إجبار المرائين والضالين ليرجعوا عن ريائهم وضلالهم، ويمنعها من قصاص المعاندين لها بذاتها، ويمنعها من معاملة أولادها العصاة بطريق لا تُبقي بها لهم فرصة التوبة والإصلاح والرجوع إليها.
    ونستنتج من كلام المسيح أنه لا يريد أن يخرج تلاميذه الحقيقيون من كنيسةٍ إن وُجد فيها بعض المرائين، فيخرجون منها ويؤسسون كنيسة منفصلة عنهم لستة أسباب: (١) أن الذين يفعلون ذلك يخالفون أمر المسيح بقوله «دعوهما ينميان كلاهما معاً» وهم في خطر السقوط في هاوية الكبرياء الروحية. (٢) أنه لا يمكن لأحد فصل المرائين عن المخلصين إلا الذي يفحص القلوب والكلى. (٣) إنه يخشى أن يُحسب الأخ ضعيف الإيمان مرفوضاً من النعمة ويُقطع. (٤) إن اختلاط النوعين في الكنيسة يمتحن إيمان خدام المسيح الحقيقيين وإخلاصهم وصبرهم. (٥) إن إبقاء المرائي في الكنيسة فرصة لتوبته ورجوعه إلى الله، فإن بقي على حاله لم تكن له حجة يوم الدين. (٦) إن المسيح أجَّل الانفصال إلى يوم الحساب وحينئذٍ يكون تحت نظره بدليل قوله «فِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ.. الخ» (متّى ١٣: ٣٠).
    ٱلْحَصَادُ أي حصاد الله، وهو جمع غلة العالم في كل أزمانه من بدء الخليقة إلى يوم الدين من خيرٍ وشر، لتمييز الواحد عن الآخر وفصله عنه إلى الأبد.
    ٱنْقِضَاءُ ٱلْعَالَمِ أي نهاية حال العالم الحاضرة بالنسبة إلى الأبدية، فهو الوقت المعين للفصل.
    ٱلْحَصَّادُونَ أي الفعلة الذين يستخدمهم الله للجمع والفصل.
    ٱلْمَلاَئِكَةُ هم أرواحٌ أرفع رتبة من البشر منزهون عن العوارض الجسدية والنقص البشري. وأضافهم إلى الله بقوله «ملائكته» لأنهم يطيعون أوامره ويتممون مقاصده. فيليق أن يكونوا الحاصدين لأنهم أصدقاء أمناء للصالحين وأعداء عادلون للأشرار (دانيال ٧: ٩، ١٠).
    ٤٠ «فَكَمَا يُجْمَعُ ٱلزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِٱلنَّارِ هٰكَذَا يَكُونُ فِي ٱنْقِضَاءِ هٰذَا ٱلْعَالَمِ».
    يهلك الأشرار حالَ فصلهم عن الأخيار.
    يُجْمَعُ ٱلزَّوَان وهذا قصاص للأشرار أن يُجمعوا معاً، فما أكره هذه الرفقة!
    وَيُحْرَقُ بِٱلنَّارِ لا إهلاك كامل كالإهلاك بالنار المعهودة، ولذلك استعارها الكتاب المقدس لهلاك الأشرار التام في نار جهنم.
    ٤١ «يُرْسِلُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ ٱلْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي ٱلإِثْمِ».
    متّى ١٨: ٧ و٢بطرس ٢: ٢، ٢
    ٱبْنُ ٱلإِنْسَان هو الذي يُجري كل تلك الأمور وهو الشخص المُهان نفسه الذي كان يخاطبهم يومئذٍ، فإن المسيح وإن احتمل الأشرار بطول الأناة لا يحتملهم إلى الأبد.
    جَمِيعَ ٱلْمَعَاثِرِ أي أصحاب المعاثر المضلين، وهم الذين يوقعون غيرهم في الإثم.
    ٤٢ «وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ ٱلنَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ».
    متّى ٣: ١٢ ورؤيا ١٩: ٢٠ و٢٠: ١٠ ومتّى ٨: ١٢، ٥٠
    هذا إضافة وتوضيح لعدد ٤٠ وتأكيد له، فإن عدد ٤٠ ذكر كمال الهلاك، وهذا العدد أوضح شدة العذاب المتعلق به. فعلينا أن نلاحظ أن النار هنا للقصاص والهلاك، لا للتطهير.
    ٤٣ «حِينَئِذٍ يُضِيءُ ٱلأَبْرَارُ كَٱلشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَع».
    هذا تفسير لعدد ٣٠ فسر فيه الحنطة المذكورة هناك بالأبرار.
    كَٱلشَّمْسِ وجه الشبه البهاء والطهارة والبهجة وإنارة الغير. وكثيراً ما عبر عن السعادة السماوية بالنور كما عُبر عن جهنم بالنار. وقوله «حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ» يدل على أن مجدهم كان محجوباً قبل ذلك (أمثال ٤: ١٨ ودانيال ١٢: ٣ وكولوسي ٣: ٣ ورومية ٨: ١٨). فجمال الكنيسة لا يظهر كما هو بالحق إلا بعد فصل الأشرار.
    فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِم يعترف الله بأن الأبرار أولاده وورثته، وذلك من خير بركات الله عليهم.
    مَنْ لَهُ أُذُنَانِ الخ انظر متّى ١١: ١٥.
    ٤٤ «أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ كَنْزاً مُخْفىً فِي حَقْلٍ، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَى ذٰلِكَ ٱلْحَقْلَ».
    إشعياء ٥٥: ١ وفيلبي ٣: ٧، ٨ ورؤيا ٣: ١٨
    مرَّ في عدد ٣٦ أن المسيح صرف الجموع. فالأمثال الثلاثة الباقية من السبعة ضربها في البيت لتلاميذه فقط.
    مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ أي مُلك المسيح الجديد الروحي.
    كَنْز تكلم المسيح في المثلين السابقين عن نمو ملكوته الغريب من بداية صغيرة، ثم تكلم عن علاقته بكل فرد من المؤمنين كمقتنى خاص. ولا يُسمى كنزاً إلا ما هو ثمين. ففي ملكوت السماوات الغنى الحقيقي، لأن فيه رضى الله والحياة الأبدية والميراث الذي لا يضمحل. وهذا وحده يشبع نفس الإنسان. وأفضل الكنز السماوي هو المسيح «الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ» (كولوسي ٢: ٣).
    مُخْفىً فِي حَقْلٍ كانت عادة الأغنياء في الأزمنة القديمة أن يدفنوا أموالهم في الأرض أوقات الخطر (أيوب ٣: ٢١ وأمثال ٢: ٤ وإرميا ٤: ٨). وقوله «مخفى» ليس له معنى جوهري لكنه من الضروريات للمثل لأنه لا يمكن إيجاده ما لم يكن مخفى. ولا شك أن الكنوز الروحية مخفاة عن عيون أهل العالم من عمى قلوبهم، لا لأن الله قصد إخفاءها. قال الرسول «وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا» (١كورنثوس ٢: ١٤). وقال أيضاً «لَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ» (٢كورنثوس ٤: ٤).
    وَجَدَهُ إِنْسَان أحياناً يجد بعض الناس كنزاً مخفى منذ قديم، ولعله هذا ما حدث حينئذٍ في تلك المنطقة، وشاع أمره بين الجميع.
    فَأَخْفَاه إلى أن اشتراه فصار له الحق الشرعي أن يملكه. ولم يرد في المثل أن هذا حلال أو حرام، لأنه ليس من غرض المسيح، وإنما ذكره على ذلك النسق هو المعهود من أمثاله. ولم يخفِ الواجد الكنز خشية أن يأخذه غيره، بل خشية أنه هو يخسره. فالمقصود من ذلك رغبة الواجد في استعمال كل الوسائط ليملك ذلك الكنز، توضيحاً لوجوب الاجتهاد في طلب ملكوت السماء والاحتراس من كل ما يمنع من ذلك. ولكن لا حاجة أن نخفي الكنز السماوي عن غيرنا حتى نتمتع به، فإنه يكفي ليُغني كل العالم. وعلى قدر عدد الذين ندعوهم إلى مشاركتنا فيه يزيد سرورنا. فأندراوس حين وجد المسيح الذي هو أعظم كنوز السماء أخبر فيلبس، وفيلبس أخبر نثنائيل بقوله «وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ» (يوحنا ١: ٤٥).
    بَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَه الخ ليس المقصود من ذلك أن الكنوز السماوية تُشترى بمالٍ، لأنها «بلا فضة وبلا ثمن» (إشعياء ٥٥: ١). ولكن الكتاب يشير إلى الحصول على الشيء بشرائه (أمثال ٢٣: ٢٣ ومتّى ٢٥: ٩، ١٠ ورؤيا ٣: ١٨). فلعله أراد بقوله «باع كل ما كان له الخ» إن طالب الخير السماوي يترك كل شيء يمنعه عن إدراك ذلك الخير، وفقاً لقول بولس «لٰكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحاً فَهٰذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضاً خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ ٱلْمَسِيح» (في ٣: ٧، ٨) ووفقاً لقول المسيح «إِنْ أَحَبَّ أَباً أَوْ أُمّاً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. َمَنْ أَحَبَّ ٱبْناً أَوِ ٱبْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. َنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا» (متّى ١٠: ٣٧ - ٣٩). (انظر متّى ١٦: ٢٤ ومرقس ٩: ٤٣ - ٤٨).
    فعلى ذلك يجب على مُحب المال أن يترك طمعه، وعلى المتواني أن يترك كسله، وعلى محب اللذات أن يترك شهواته، وعلى البار في عيني نفسه أن يخلع ثوب بره الذاتي. وهذا الترك يكون اختيارياً سهلاً عليه حين يرى قيمة العوض. فكما أن واجد الكنز «مضى من فرحه وباع كل ما كان له» كذلك المسيحي يترك بكل رضى كل شيء لأجل المسيح.
    ٤٥، ٤٦ «٤٥ أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً تَاجِراً يَطْلُبُ لَآلِئَ حَسَنَةً، ٤٦ فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ ٱلثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَاهَا».
    أمثال ٢: ٤ و٣: ١٤ ، ١٥ و٨: ١٠، ١٩
    هذا المثل يشبه الذي قبله في ثلاثة أمور: (١) عظمة قيمة الموجود. (٢) وجوب أن يكون ملكاً خاصاً. (٣) أن يترك كل شيء لأجله عندما يجده.
    ويختلف عنه في أمر واحد هو أن الواجد في المثل الأول وجد اتفاقاً، والواجد في الثاني وجد بعد بذل جهده في التفتيش. فمثال الأول المرأة السامرية، فإنها جاءت إلى البئر لمجرد الماء وجدت المسيح هناك. ومثلها بولس الذي لم يقصد أن يجد المسيح حين وجده قرب دمشق. ومثال الثاني المجوس الذين أتوا من المشرق يطلبون مشاهدة الملك المولود حديثاً. ومثلهم الخصي الحبشي فإنه وجد المسيح بإتيانه إلى أورشليم للسجود وبدرسه كلام الأنبياء عن المسيح.
    لَآلِئَ تُستخرج من الصدف في البحار ولا سيما بحر الهند، وكانت تعتبر قديماً أكثر مما تعتبر اليوم. وكانوا يبذلون مبالغ عظيمة من المال لشرائها، وكان اقتناؤها دليلاً على غنى مقتنيها وعظمته وشرفه، ولهذا رغب فيها الملوك (متّى ٧: ٦ و١تيموثاوس ٢: ٩).
    وكل أهل الأرض مثل ذلك التاجر في أنهم يطلبون الخير الأعظم، لكنهم يخطئون بأنهم يطلبونه حيث لا يوجد لظنهم إياه في المال أو المراتب العالية أو زيادة العلم. وفاتهم أنه لا يوجد إلا عند الله. فمتّى طلبوا الغنى السماوي برغبة كرغبة التاجر في اللآلئ فلا بد أن يجدوه.
    لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ ٱلثَّمَنِ اللؤلؤة في هذا المثل إما ملكوت الله في نفس الإنسان، وإما الخلاص، وإما معرفة المسيح وإما المسيح نفسه. ومآل الكل واحد، أي المسيح، لأن بالمسيح كل بركات ملكوته. وقوله «لؤلؤة واحدة» دليل على أن الخير الأعظم واحد.
    مرَّ في مثل الكنز المخفي أن الذي وجده فرح، ولم يذكر هنا أن التاجر فرح باللؤلؤة. وليس المقصود أن فرح الذي يجد النفيس بعد الطلب أقل من الذي يجده اتفاقاً بلا طلب. ولكنه ذكر فرح الأول إشارة إلى أنه وجد الكنز على غير انتظار. ولكن كليهما اتفقا في أنهما اعتمدا شيئاً واحداً، وهو الحصول على النفيس بأي نفقة كانت.
    بَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَاهَا يتضح معنى ذلك من عدة آيات (أمثال ٢٣: ٢٣ وإشعياء ٥٥: ١ ومتّى ١٠: ٣٧ - ٣٩ و١٦: ٢٤ و٢٥: ٩، ١٠ أو مرقس ٩: ٤٣ - ٤٨ وفيلبي ٣: ٤ - ١١ ورؤيا ٣: ١٨). فمن تحقق قيمة البركات الإنجيلية لا يعطله شيء عن الحصول عليها، فيكون مستعداً ليترك خطاياه ولذاته ومدح الناس وكل خير دنيوي ولينكر نفسه ويتبع المسيح. ومن فعل ذلك لا يندم أبداً، فإن جواهر الأرض ليست شيئاً بالنسبة إلى جوهرة السماء، لأنها تبقى على بهائها وقيمتها إلى الأبد. وكما أن ذلك التاجر هو الذي سعى لإدراك تلك اللؤلؤة لنفسه، وأنفق كل شيء ليحصل عليها، كذلك يجب على كل إنسان في الأرض أن يسعى في إدراك المسيح، فذلك ليس وراثة من الآباء ولا هبة من الكنيسة، بل هو اقتناء خاص بالإيمان.
    ٤٧ ، ٤٨ «٤٧ أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ شَبَكَةً مَطْرُوحَةً فِي ٱلْبَحْرِ، وَجَامِعَةً مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. ٤٨ فَلَمَّا ٱمْتَلأَتْ أَصْعَدُوهَا عَلَى ٱلشَّاطِئِ، وَجَلَسُوا وَجَمَعُوا ٱلْجِيَادَ إِلَى أَوْعِيَةٍ، وَأَمَّا ٱلأَرْدِيَاءُ فَطَرَحُوهَا خَارِجاً».
    متّى ٢٢: ١٠
    هذا المثل آخر الأمثال السبعة، وهو يشبه مثل الزوان، إلا أن ذاك من أعمال الفلاحة وهذا من صيد السمك. ولعل المسيح اختار هذا المثل من الصيد لأن أربعة من تلاميذه كانوا صيادين، فأورده لزيادة تأثيره في قلوبهم، ولأنه كان يجهزهم كلهم ليكونوا صيادي الناس.
    شَبَكَةً الشبكة الكبيرة نسيج طويل ذو عيون ضيقة يثقل بقطع كثيرة من الرصاص من الأسفل، ويخفف بقطع كثيرة من الفلين من الأعلى. تُطرح في البحر فتشتمل على دائرة كبيرة ثم تجر من الطرفين بكل ما فيها إلى الشاطئ. ومعنى الشبكة هنا الكنيسة لأنها تجمع أعضاءها من كل العالم.
    مَطْرُوحَةً فِي ٱلْبَحْرِ إشارة إلى انتشار الإنجيل في العالم وأنه ليس لأمةٍ دون أخرى. وطُرحت هذه الشبكة قديماً في نهر صغير، يوم كانت مقصورة على بني إسرائيل . وفي قوله «مطروحة في البحر» نبوَّة بامتداد الإنجيل من أمة إلى أمة من يوم أمر المسيح تلاميذه «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا» (مرقس ١٦:١٥). وتمَّت هذه النبوة فعلاً من يوم الخمسين إلى الآن. وتطرح تلك الشبكة في البحر كلما بُشر الناس وآمنوا واعتمدوا.
    جَامِعَةً مِنْ كُلِّ نَوْع إشارة إلى مختلفي الصفات الذين يدخلون الكنيسة، بالرغم من اجتهاد أعضائها في ألا يدخلها إلا متجددو القلوب. والشبكة تجمع عندما يسحب الصيادون الشباك الكبيرة إلى الشاطئ، مملوءة من كافة الأسماك الجيدة والرديئة.
    فَلَمَّا ٱمْتَلأَتْ أي لما تم عدد مختاري الله.
    جَلَسُوا يشير هذا إلى أنهم لم يجروا ذلك إلا بعد النظر والتأمل احتراساً من الخطأ.
    ٱلْجِيَادَ... وٱلأَرْدِيَاء المقصود بالجياد المؤمنون، وبالأردياء المراؤون. وهم إما مخدوعون وإما خادعون. فلا عجب من أن نجد في الكنيسة من كل نوع، لأنه كان قايين في العائلة الأولى، وحام في الفلك، وعيسو في عائلة إسحاق، ويهوذا الإسخريوطي بين الرسل، وسيمون الساحر بين المعتمدين في السامرة.
    ولم يذكر الصيادين، ولكن الكلام يقتضي وجودهم، فالذين يطرحون الشبكة الإنجيلية هم خدام المسيح الذين ينادون بالإنجيل. ولا بد من أن شبكة الإنجيل تختلف عن الشبكة العادية، لأن الأردياء في الشبكة المعتادة لا تتحول داخل الشبكة إلى أن صالحة. ولكن شبكة الإنجيل تلقى لغاية أن يصير الأردياء داخلها صالحين. فالذين يبقون في الكنيسة أردياء إنما يبقون كذلك باختيارهم.
    أَوْعِيَةٍ المقصود بالأوعية هنا المقصود بالمخزن (في عدد ٣٠) وبالمنازل الكثيرة (يوحنا ١٤: ٢) وبالمظال الأبدية (لوقا ١٦: ٩).
    ٤٩ «هٰكَذَا يَكُونُ فِي ٱنْقِضَاءِ ٱلْعَالَمِ: يَخْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ ٱلأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ ٱلأَبْرَارِ».
    متّى ٢٥: ٣٢.
    يَخْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَة أي يظهرون للأبصار خلافاً لما هم عليه الآن. وقد اعتاد صيادو السمك الذين يطرحون الشبكة أن يعزلوا الأردياء عن الجياد. ولكن الأمر في الروحيات ليس كذلك، فإن البشر يكونون صيادي الناس، ولكن الملائكة هم الذين يُجرون قضاء الله ويفرزون الأثمة عن الأبرار (متّى ١٣: ٤١ و٢٤: ٣١ و٢٥: ٣١ ورؤيا ١٤: ١٨، ١٩).
    ٥٠ «وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ ٱلنَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَان».
    أَتُونِ ٱلنَّارِ إشارة إلى مسكن الأبالسة والهالكين من الناس.
    ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَان كناية عن الحزن والألم واليأس. كانت غاية المسيح أن ينادي بالخلاص ويبشر بالحياة الأبدية، ولكنه لم يسكت عن ذكر الدينونة الآتية وهول عقاب الأثمة غير التائبين.
    فائدة: ينهانا هذا المثل عن أن نكتفي بانتمائنا للكنيسة «لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ» (رومية ٩: ٦) ويوجب علينا أن «نجعل دعوتنا واختيارنا ثابتين» (٢بطرس ١: ١٠).
    والسبعة الأمثال المذكورة في هذا الأصحاح تشتمل على قصد واحد كامل، فالأول (مثل الزارع) يبين أسباب النجاح الإنجيلي أحياناً وأسباب ذلك النجاح في سائر الأحيان.
    والمثل الثاني (مثل الزوان) يبين الموانع الداخلية من امتداد الإنجيل، وينسب أصلها إلى الشيطان، ويحذر الناس من إزالتها إجباراً.
    والمثلان الثالث والرابع يشيران إلى امتداد الإنجيل وانتصاره أخيراً ظاهراً كما في نمو الخردل، وباطناً كما في فعل الخميرة.
    والمثلان الخامس والسادس يُظهران قيمة ملكوت المسيح لكل فرد من الناس، ووجوب ترك كل شيء بغية اقتنائه.
    والسابع يشير إلى تمام الانفصال أخيراً بين الصالحين والأشرار المجتمعين الآن في الكنيسة، وأن الله هو الذي يُجري ذلك الانفصال في وقته وفي الطريق التي يختارها.
    ٥١ «قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَفَهِمْتُمْ هٰذَا كُلَّهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا سَيِّدُ».
    بعد أن علَّم المسيح هذه الأمثال وفسر اثنين منها، سأل التلاميذ: هل فهموا معناها الروحي.
    نَعَم أصابوا بهذا الجواب مع أنهم لم يفهموا كل معناها ولا سيما النبوات التي تتضمنها إلا بعد ما حل عليهم الروح القدس كما وُعدوا (يوحنا ١٦: ١٣، ١٤).
    فائدة: سماعنا كلام الحق لا يفيدنا شيئاً إن لم نفهم معناه ونحسبه خطاباً لأنفسنا، فالألوف يحضرون الكنيسة ويظنون أنهم أكملوا ما يجب عليهم بمجرد سماعهم كلام المبشر، وهم لا يأخذون شيئاً من تعليمه في قلوبهم. فيجب أن يفهم كل السامعين كلام الإنجيل، لأن المسيح يسأل «أفهمتم هذا كله؟». فطوبى لمن يستطيعون أن يجيبوه «نعم يا سيد».
    ٥٢ «فَقَالَ لَـهُمْ: مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُداً وَعُتَقَاءَ».
    بعد أن أكمل المسيح تعليمه بالأمثال، وسألهم عما استفادوا منها، أخبرهم بالطريق التي يجب أن يسيروا فيها، فيعلِّمون بعد ما تعلموا، ويطعمون غيرهم من خبز الحياة الذي شبعوا به وذخروا منه موزعين على الناس حسب احتياجاتهم.
    كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أطلق على معلِّمي المسيحية الاسم الذي عُرف به معلمو اليهود. فكل من يعرف الإنجيل ومعناه الروحي هو الكاتب المتعلِّم الحقيقي.
    رَبَّ بَيْتٍ يعطي بحكمة وحنو كل عضو من أهل بيته ما يحتاج إليه، فلا يقلّب كالبخيل، ولا يكثر على نفسه كالمسرف. لكنه يعتني باحتياجات أهل البيت اليومية والخاصة كما في وقت المرض والمصيبة. فالمسيح هو «رب البيت» العظيم الذي أخرج من كنز السماء كل ما يحتاج إليه الناس. فالمتعلم منه ينوب عنه في توزيع هذا الكنز.
    مِنْ كَنْزِهِ أتى المسيح بهذا الكنز من السماء. ولكن كل معلم في ملكوته يأتي بكنزٍ من قلبه المملوء من النعمة، المختبر تأثير الحق، المتعلم من الروح القدس. خلافاً لمن يُخرج من ذاكرته ومعرفته العقلية فقط. فلا يجب أن يعلّم أحدٌ بالإنجيل ما لم يكن قد شعر بقوته وتأثيره في نفسه.
    وكنز المبشر الذي يخرج منه ما يُعلّمه للشعب يأتيه من أربعة مصادر. (١) الكتاب المقدس. و(٢) بينات لصفات الله. و(٣) أعمال العناية الأزلية. و(٤) اختباره الحق بإرشاد الروح القدس إياه.
    جُدُداً وَعُتَقَاءَ أي مما اقتناه حديثاً وقديماً. واستعار ذلك للحقائق السماوية التي تعلمها التلاميذ وهم يهود من العهد القديم، وللذي استفادوه من تعليم المسيح أو مما سيتعلمونه من الروح القدس. ويجوز أن تكون الحقائق الواحدة عتيقة وجديدة بالنسبة إلى قدر إدراكنا لها. فيجوز مثلاً أن نحسب شرائع الحق والبر التي كتبها الله على صفحات الضمير وعلى لوحي الحجر (أي الوصايا العشر) وفي كتب الأنبياء عتيقة، ويجوز أن نحسب الحقائق التي أُعلنت لنا بمجيء المسيح وتجسده وصلبه وقيامته وصعوده ودعوة الأمم وروحانية ملكوت المسيح ووجوب التبشير بالإنجيل في كل العالم جديدة. فعلى القسوس والمبشرين الآن أن يعظوا الناس بحقائق الإنجيل التي اعتادوا سماعها منذ الصغر حتى صارت عندهم بمنزلة العتيقة. ولكن عليهم أن يجتهدوا في الدرس والاختبار والصلاة حتى يشعروا أعظم شعور بمعناها، ويأتوا بطرق جديدة لبيانها حتى تظهر للسامعين كأنها ذات معنى جديد وقوة جديدة. فكل حقائق الكتاب المقدس من أولها إلى آخرها كنز ثمين، يستخرج منها المعلم المسيحي ما يقوي ضعيف الإيمان، وينير الجهلاء، ويعزي الحزانى، ويرشد الضالين.
    ٥٣ «وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هٰذِهِ ٱلأَمْثَالَ ٱنْتَقَلَ مِنْ هُنَاكَ».
    هذا نهاية وعظ المسيح بالأمثال كما كان في متّى ٧: ٢٩.
    ٥٤ «وَلَمَّا جَاءَ إِلَى وَطَنِهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِمْ حَتَّى بُهِتُوا وَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لِهٰذَا هٰذِهِ ٱلْحِكْمَةُ وَٱلْقُوَّاتُ؟».
    متّى ٢: ٢٣ ومرقس ٦: ١ ولوقا ٤: ١٦، ٢٣
    هذا بدء كلام على أمر جديد كان في وقتٍ غير وقت الوعظ السابق. ولم يُبيّن متّى زمان حدوثه. فلا تناقض بينه وبين مرقس، فإنه بيَّن أن الحادثة الآتية كانت على أثر إقامة المسيح ابنة يايرس من الموت (مرقس ٦: ١ - ٦). ولكن متّى ذكر إقامة تلك الابنة قبل أن ذكر الوعظ (متّى ٩: ١٨ - ٢٦).
    وَطَنِهِ أي الناصرة (متّى ٢: ٢٣). وهذا المجيء إليها غير المجيء الذي ذكره لوقا (لوقا ٤: ١٤ - ٣٠) وهذا كان قبل الذي ذكره متّى هنا. وأحوال المجيئين مختلفة مع أن الناس أظهروا في كليهما عدم الإيمان. ولا عجب من أنه رجع إلى الناصرة غير مرة، وجدد طلباته إليهم بعد رفضهم لأنه تربى هناك، ولم تزل يومئذٍ مسكن أهله.
    يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِم اغتاظ أهل الناصرة منه عند مجيئه الأول حتى عزموا على أن يرجموه، أما الآن فلم يعارضه أحد، إما لأن غيظهم كان قد زال، وإما لأن صيته ذاع في البلاد. وسبب قبولهم أن يعلم في مجمعهم أنهم اعتادوا أن يدعوا كل يهودي يظهر أنه من أرباب المعرفة وأنه قادر على الإفادة إلى أن يخاطب الشعب (أعمال ١٣: ١٥) أو أن يسوع عُرف يومئذٍ أنه يعلم تعليماً غير عادي، وأنه ربُّ معجزات عظيمة.
    بُهِتُوا لم يتحيروا مما علم كما تحيروا مما ادَّعى من اللاهوت والسلطان، خلافاً لما كانوا يعهدون من أمره مثل كونه من عائلة يعرفونها وأنه تربى بينهم.
    مِنْ أَيْنَ لِهٰذَ الخ كان الشعب أقل قسوة مما كانوا في مجيئه الأول إليهم، ولكنهم ليسوا أكثر إيماناً من ذي قبل. وفي سؤالهم شكٌّ واستخفاف. وقد اعترفوا أنه أظهر حكمة وقوة غريبة، ولكنهم عزوهما إلى غيره، ولعل بعضهم ظنهما من الشيطان كما اتهمه الفريسيون (متّى ١٢: ٢٤). ولا ريب في أن أهل الناصرة سمعوا ذلك من أولئك.
    أنهم لم ينكروا على المسيح معجزاته لكنهم لم يسلموا بأنها برهان على أنه المسيح، فاكتفوا بأن عجبوا منها كأمر فوق إدراكهم. ولكن تسليمهم بحكمته وقوته لم يترك لهم عذراً على عدم إيمانهم، ودلَّ على أن التعصب والحسد والبغض تعمي القلب وتمنعه من تصديق ما تشهد به الحواس ويحكم به العقل.
    ٥٥ «أَلَيْسَ هٰذَا ٱبْنَ ٱلنَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟».
    إشعياء ٤٩: ٧ ومرقس ٦: ٣ ولوقا ٣: ٢٣ ويوحنا ٦: ٤٢ ومتّى ١٢: ٤٦ ومرقس ١٥: ٤٠
    رفض أهل الناصرة قول المسيح بسبب معرفتهم له منذ الطفولية، ومعرفتهم أهله وأنسباءه ومهنتهم، فهو واحدٌ منهم! وهذا عذر باطل لأنه بُني على التعصب والهوى والحسد، لا على استدلال عقلي.
    ٱبْنَ ٱلنَّجَّارِ اشتهر المسيح بين الناس بأنه ابن يوسف النجار. وكان هو نجاراً (مرقس ٦: ٣). وكان كل يهودي في ذلك الوقت يتعلم شيئاً من الصنائع، مهما كانت وظيفته أو رتبته. فلا ينتج من دعوتهم إياه بابن النجار أن النجارة كانت صناعة دنيئة، أو أن يسوع صار أدنى منهم لمزاولته النجارة. بل كان غرضهم أن يبينوا أنه مثلهم، لا حق له أن يدَّعي أنه أعظم منهم.
    فاتضاع المسيح لم ينتج من كونه نجاراً ابن نجار، بل من أنه صار جسداً وحل بيننا. فلو جاءنا ملكاً لم يكن أقل تنازلاً من كونه نجاراً (في ٢: ٦ - ٨).
    وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوب قال بعض المفسرين إن إخوته هم أولاد أخي يوسف، أو أخي مريم أو أختها، أو أنسباؤه من جهة أخرى. وقال البعض الآخر إنهم إخوته وأخواته من أمه ويوسف. ولا توجد إجابة قاطعة. فالذي يرغب في بحث هذا الأمر عليه أن يقارن الآيات الآتية ويحكم لنفسه: متّى ١٢: ٤٦ ومثله مرقس ٣: ٣١ ومثله لوقا ٨: ١٩.. متّى ١٣: ٥٥ ومثله مرقس ٦: ٣..
    يوحنا ٢: ١ و٧: ٣، ٥، ١٠ وأعمال ١: ١٤ و١كورنثوس ٩: ٥ وغلاطية ١: ١٩.
    ٥٦ «أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لِهٰذَا هٰذِهِ كُلُّهَا؟».
    عِنْدَنَا أي في الناصرة، مما يدل على أن الناصرة ما زالت مسكن أهل يسوع بعد ما ذهب منها. ومن العجب أنهم اتخذوا معرفتهم أصل يسوع وعائلته دليلاً على عدم صحة دعواه أنه المسيح.
    ٥٧ «فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ».
    متّى ٥: ٢٩، ٣٠ و١١: ٦، ٢١ ومرقس ٦: ٣ الخ ولوقا ٢: ٣٤ ولوقا ٤: ٢٤ ويوحنا ٤: ٤٤
    ما أعظم ضرر المعرفة الناقصة المدعية كما فعل هؤلاء، فقد حسبوا أنهم عرفوا يسوع معرفة تامة لأنهم عرفوا نسبه وعائلته ومهنته وإخوته وأخواته. وفاتهم أنهم لم يعرفوه في رسالته الجديدة وفي وظيفته المقدسة أنه المسيح المخلص ابن الله الوحيد. ولأنهم قصروا في المعرفة الحقيقية، كان لهم ضيق النظر والعمى الروحي.
    فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ هم كسائر اليهود انتظروا أن يأتي المسيح ملكاً أرضياً فيجعل الأمة اليهودية أقوى من الأمة الرومانية، ومجلس السبعين أعظم من السناتوس الروماني، وهيكل أورشليم أشرف من الكابيتول (أي قلعة روما). فصعُب عليهم أن يعتقدوا أن النجار ابن قريتهم هو المسيح المنتظر. فكان حجر عثرة لهم. فإنهم اعترفوا بحكمته وقوته ولكن أهواءهم منعتهم من قبول تعليمه. وكل برهان على صحة دعوى المسيح أو إنجيله، ورفضه الناس، هو حجر عثرة لهم يسقطون عليه لهلاكهم الأبدي.
    لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَة الخ لم يتخذ المسيح رفضهم إياه اعتداءً عليه وإهانةً له، بل تصديقاً لقولٍ جرى عندهم مجرى المثل، وهو أن الإنسان يجد من الغرباء اعتباراً لدعواه لا يجدها ممن هم أقرب إليه. وعلة ذلك أن الغرباء يحكمون بالنظر إلى أعماله العلنية وسيرته باعتبار وظيفته، ولكن أقاربه يحكمون بالنظر إلى أمور ماضية من جهة الأصل والسيرة.
    وآثر المسيح ذكر «النبي» في ذا القول إما لأنه صدق في الماضي على الأنبياء أكثر من غيرهم، أو لأن أهل الناصرة أنكروا دعواه أنه نبيّ.
    ٥٨ «وَلَمْ يَصْنَعْ هُنَاكَ قُوَّاتٍ كَثِيرَةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِم».
    كانت نتيجة عدم إيمانهم محزنة، وهي أنه لم يصنع بينهم من المعجزات إلا أقل مما صنعه في غير قريتهم من الجليل، لأنهم لم يطلبوا منه شفاءً لعدم ثقتهم بقوته عليه. ولا دليل على أن أحداً منهم طلب أن يشفيه وطُرد. فيظهر من ذلك أن المسيح لم يصنع المعجزات ليقنع منكري دعواه، وإلا جاء بأعظم المعجزات للذين هم أقل إيماناً من غيرهم. ولكنه صنع المعجزات ختماً لسلطانه لمن استعدوا لقبوله بآية إلهية.

    الأصحاح الرابع عشر


    ١ «فِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ سَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ ٱلرُّبْعِ خَبَرَ يَسُوعَ».
    هِيرُودُس هو أنتيباس بن هيرودس الكبير من امرأته ملثاسي، حكم بعد موت أبيه على الجليل والسامرة وبيرية، أي عبر الأردن. وامرأته الأولى بنت الحارث ملك دمشق المذكور في ٢كورنثوس ١١: ٣٢. وبعد ذلك رأى هيروديا زوجة أخيه فيلبس، وهي بنت أخيه أرستوبولس بن هيرودس الكبير فأغراها بترك زوجها وتزوجها، ولأجلها طلق امرأته بنت الحارث. فوبخه يوحنا المعمدان على هذا الزنا، وهو محرم حسب الشريعة اليهودية لسببين: (١) أنها ابنة أخيه، و(٢) أنها زوجة أخ حي. ووبخه أيضاً على ذنوب أخرى (لوقا ٣: ١٩) فسجنه لتجاسره على توبيخه إياه، ولخوفه من تأثير وعظه في الشعب. وبعد قليل من قتل يوحنا حارب الحارث هيرودس وهزمه وشتت جنوده. ثم ذهب إلى روما يبتغي رتبة ملك، فنُفي إلى ليون في غاليا (أي فرنسا). ورافقته هيروديا وذهبا من هناك إلى أسبانيا وماتا فيها. وكان ظالماً (لوقا ٣: ١٩) خادعاً (لوقا ١٣: ٣١، ٣٢). وهو هيرودس الذي أتى المسيح إليه ووقف أمامه بأمر بيلاطس (لوقا ٢٣: ٦ - ١١).
    رَئِيسُ ٱلرُّبْعِ قُصد بهذا اللقب أولاً ما يدل عليه ظاهر معناه، ثم صار بمعنى والٍ (أقل من الملك) بغضّ النظر عن مساحة ما يتولاه من البلاد. وكانوا يدعونه أحياناً ملكاً على سبيل الإكرام والتعظيم (مرقس ٦: ١٤).
    خَبَرَ يَسُوع لا ريب في أن شهرة المسيح بتعليمه ومعجزاته كانت ذائعةً في كل تلك البلاد، وانتشر أكثر من ذلك عندما أرسل تلاميذه ينادون به ويصنعون الآيات باسمه، فبلغ خبره هيرودس ورغب في أن يراه (لوقا ٩: ٩).
    ٢ «فَقَالَ لِغِلْمَانِهِ: هٰذَا هُوَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ قَدْ قَامَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، وَلِذٰلِكَ تُعْمَلُ بِهِ ٱلْقُوَّات».
    قَامَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ اعتقد اليهود كلهم سوى الصدوقيين بقيامة الأموات، مع أن هذه الحقيقة لم توضح في العهد القديم كما وضحت بعدئذٍ في العهد الجديد.
    كان هيرودس يعتنق مذهب الصدوقيين (مرقس ٨: ١٥) فكان قوله إن يوحنا قام من الأموات مناقضاً لاعتقاده أن لا قيامة لميت.
    وَلِذٰلِكَ تُعْمَلُ بِهِ ٱلْقُوَّات يوحنا لم يفعل معجزة (يوحنا ٤٠: ٤١) فلا يكون صنع المعجزات برهاناً على قيامته. فما قاله هيرودس كان غالباً نتيجة توبيخات ضميره. لكن مخاوفه لم تقده إلى التوبة. فالضمير المؤنب يجعل الخاطئ يتوقع العقاب دائماً، ويتوهم أن كل أمر غريب هو بدء ذلك. وتعنيف الضمير برهان على الدينونة الآتية ونموذجها. وكثيرون يعتقدون في وقت الصحة والنجاح عقائد باطلة ينكرونها في وقت الخطر والاضطراب.
    ٣ «فَإِنَّ هِيرُودُسَ كَانَ قَدْ أَمْسَكَ يُوحَنَّا وَأَوْثَقَهُ وَطَرَحَهُ فِي سِجْنٍ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا ٱمْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ».
    لوقا ٣: ١٩، ٢٠
    فَإِنَّ أي الكلام الآتي تعليل وإيضاح لقول هيرودس «قد قام من الأموات».
    أَمْسَك أي أمسكه العسكر بأمر هيرودس.
    أَوْثَقَه إما بالقيود وإما بسجنه، وذلك نحو سنة ونصف سنة وهو نحو نصف الزمن من بداءة تبشيره إلى وفاته.
    فِي سِجْنٍ قال يوسيفوس كان ذلك السجن في قلعة ماخيروس شرقي بحر لوط.
    هِيرُودِيَّا بنت أرستوبولس الذي قتله أبوه هيرودس الكبير، وزوجها الأول فيلبس عمها. وهو ليس فيلبس رئيس الربع المذكور في لوقا ٣: ١ لأنه لم يكن ذا منصب. تركته وتزوجت أخاه هيرودس أنتيباس عمها وسلفها، وهو طلق امرأته بنت الحارث لأجلها وبذلك اشتبك في حرب حميه أبيها ولم ينجُ من تلك الحرب إلا بواسطة الرومان. فنسب اليهود مصائبه إلى قتله يوحنا المعمدان ظلماً كما ذكر يوسيفوس المؤرخ.
    ٤ «لأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ يَقُولُ لَهُ: لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ».
    لاويين ١٨: ١٦ و٢٠: ٢١
    حرَّم ذلك العمل الناموسي الطبيعي وناموس الله على يد موسى. وفي عمل هيرودس ثلاث خطايا: تطليق امرأته بلا سبب شرعي، وزواجه بامرأة أخيه وهو حيٌّ، وهي ابنة أخيه (لاويين ١٨: ١٦ و٢٠: ٢١). وأظهر يوحنا المعمدان أمانته وشجاعته بأنه وبخ حاكماً قديراً ظالماً ينتقم من كل إغاظة، فأثبت أنه ليس «قصبة مرضوضة تحركها الريح» (متّى ١١: ٧) وقوله «يوحنا كان يقول له» المراد به في الأصل اليوناني أنه كان دائماً يقول له ذلك.
    ٥ «وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ خَافَ مِنَ ٱلشَّعْبِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ».
    متّى ٢١: ٢٦ ولوقا ٢٠: ٦
    ما أجمل أن يكون للرأي العام كلمة، ولا سيما إذا كان منصفاً تقياً يرى الصواب فيذيعه، ويرى الخطأ فيبعد الناس عنه. ولكن هذا الرأي العام في ذاك الحين كان ضعيفاً جداً لم يستطع أن يقف في وجه الطاغية ويقول له: هذا لا يجوز. وأمثال يوحنا المعمدان وإيليا النبي قليلون.
    تبين لنا مما قاله مرقس (مرقس ٦: ٢٠) أن تعليم يوحنا أثر كثيراً في هيرودس في أول عهده به، وأن هيرودس اعترف بحسن صفاته وجودة تعليمه. لكن تأثيراته كانت وقتية وزالت بما أبدته له هيروديا (مرقس ٦: ٢١) وبضجره من كثرة توبيخ يوحنا له، فأراد قتله وامتنع خوفاً من الناس لأنهم اعتقدوا أن يوحنا نبي. وكان أهل الجليل يومئذٍ يميلون إلى الهياج دائماً، وكان هيرودس لا يستطيع تهدئتهم إلا ببذل كل جهده.
    ٦ «ثُمَّ لَمَّا صَارَ مَوْلِدُ هِيرُودُسَ رَقَصَتِ ٱبْنَةُ هِيرُودِيَّا فِي ٱلْوَسَطِ فَسَرَّتْ هِيرُودُسَ».
    لَمَّا صَارَ مَوْلِد الاحتفال بعيد ميلاد الملوك من العادات القديمة (تكوين ٤٠: ٢٠) فحضر الاحتفال بعيد ميلاد هيرودس رؤساء البلاد (مرقس ٦: ٢١).
    رَقَصَتِ ٱبْنَةُ هِيرُودِيَّا أي ابنتها من فيلبس زوجها الأول، وقال يوسيفوس إن اسمها «سالومي». ولم يكن رقصها كرقص السيدات في بيوتهن بل كرقص المستأجرات في الملاعب بلا حياء، تأباه النساء الشريفات من اليونان والرومان واليهود في المحافل. فخفضت مقامها الملكي وداست شرفها وعفافها لتُسرَّ هيرودس وتنال مرادها. فسُر هيرودس برقصها وبذل جهده في إرضائها وإرضاء مدعويه.
    ٧ «مِنْ ثَمَّ وَعَدَ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبَتْ يُعْطِيهَا».
    تجاوز بهذا الوعد الحد فأظهر به طيشه وشدة لذاته برقص سالومي. ولا يبعد أنه كان نشوان من الخمر، فلم يكتفِ بالوعد بل أثبته بقسم.
    ٨ «فَهِيَ إِذْ كَانَتْ قَدْ تَلَقَّنَتْ مِنْ أُمِّهَا قَالَتْ: أَعْطِنِي هٰهُنَا عَلَى طَبَقٍ رَأْسَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ».
    تَلَقَّنَتْ لقَّنتها أمها وأغرتها. وسرعة طلبها تدل على شدة بغض هيروديا ليوحنا وقصدها الانتقام في أول فرصة. ولعلها أغرت سالومي بذلك لهذه الغاية عينها، وإنما رغبت في قتل يوحنا خوفاً من أن يؤثر كلامه في نفس هيرودس فيقتنع بإثمه، لأنه أخذها من زوجها الشرعي.
    فمن أسرار العناية الإلهية أن تُبذل حياة أعظم الأنبياء خليفة إيليا وسابق المسيح تشفياً لامرأة شريرة زانية، وأن يعطى رأسُه أجرة رقص ابنتها. وطلبت هيروديا أن يقدم لها رأس يوحنا لأمرين: (١) أن تتيقن أنه هو قُتل لا غيره بدلاً منه، و(٢) أن تتشفى من غيظها بمشاهدة وجه عدوها قتيلاً.
    ٩ «فَٱغْتَمَّ ٱلْمَلِكُ. وَلٰكِنْ مِنْ أَجْلِ ٱلأَقْسَامِ وَٱلْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ أَمَرَ أَنْ يُعْطَى».
    فَٱغْتَمَّ لم يكن غم هيرودس شديداً ولم يشغل وقتاً طويلاً، فهو كتأثره من وعظ يوحنا (مرقس ٦: ٢٠) ومثل توقف بيلاطس في الحكم على المسيح. ولذلك لم يمنع الغم هيرودس عن أن يرتكب إثماً آخر فوق آثامه السابقة، فخالف شريعة ضميره وشهادته أيضاً. ولعل ذلك كان آخر تأثير للروح القدس ففارقه بعده إلى الأبد.
    ويحتمل أنه اغتم خفية لأنه خاف أن ينتج قتل يوحنا هياج الشعب، لأننا نعلم أنه لم يمنعه عن قتله قبلاً سوى الخوف من ذلك (متّى ١٤: ٥). ولعل هذا هو الأرجح.
    ٱلْمَلِك لم يلقبه متّى بالملك لأن له حقاً في هذا اللقب بل أتى به على سبيل التعظيم.
    مِنْ أَجْلِ ٱلأَقْسَامِ الذي حمله على إجابة سؤال سالومي أمران: (١) إلزام ضميره إياه أن يفي بوعده الذي أثبته بالحلف، و(٢) خوفه من أن يلومه المدعوون ويهزأون به إن لم يفِ. على أنه لم يكن يجوز له أن يجيب سؤلها لأن ليس له حق أن يقتل فاضلاً بريئاً. فخير لنا أن نخالف كلامنا من أن نخالف كلام الله.
    ثم أن كل وعدٍ يأتيه الإنسان بلا تأمل ونظر في عواقبه خطيئة، لأنه يعرض صاحبه للضرر، ويضر غيره في الوفاء به، كما كان من أمر يفتاح (قضاة ١١: ٣٠ - ٤٠). فيجب أن ننتبه لما نعد به ولا سيما ما نقسم عليه (جامعة ٥: ٢، ٦).
    كثيرون يحذرون من الصغائر ويرتكبون الكبائر بلا تأمل فهم «يُصَفُّونَ عَنِ الْبَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ الْجَمَلَ» (متّى ٢٣: ٢٤) فهيرودس خشي أن يخلف وعده للراقصة، ولكنه لم يبال بارتكاب الزنا والقتل.
    وَٱلْمُتَّكِئِين ولعل الخوف من لوم هؤلاء معظم ما حمله على إجابة راقصته، فخشي من هزئهم أكثر مما خشي من تأنيب ضميره ودينونة الله. ومثله اليوم كثيرون يهيِّجون عليهم غضب ولوم الملائكة والناس الصالحين خوفاً من استخفاف الناس وضحكهم بهم. والشبان أكثر تعرضاً لهذه التجربة.
    ١٠ «فَأَرْسَلَ وَقَطَعَ رَأْسَ يُوحَنَّا فِي ٱلسِّجْنِ».
    أرسل سيافاً (مرقس ٦: ٢٧). وعلم من قول يوسيفوس أن السجن كان في قلعة ماخيروس شرقي بحر لوط فنستنتج أن احتفال هيرودس كان في تلك القلعة أو في قلعة أخرى في ولاية قريبة منها لأنه لو كان في طبرية عاصمة الولاية لاقتضى ذهاب السياف ورجوعه وقتاً أكثر مما يقتضي نبأ الحادثة في قول الصبية «أريد أن تعطيني حالاً» (مرقس ٦: ٢٥).
    قَطَعَ رَأْسَ يُوحَنَّا كما كان يوحنا مثل إيليا، كانت هيروديا مثل إيزابل عدو إيليا. فإن كانت هيروديا قد ظنت أنها تخلص من التوبيخ على آثامها بقتل يوحنا فقد غلطت، لأن لدمه صوتاً يشهد عليها كصوت دم هابيل على قايين. وأما يوحنا فقد أكمل عمله وأدى شهادته للمسيح فكان مستعداً للموت، فلم يكن الموت خسارة له بل ربحاً، لأنه انتقل من سجن ماخيروس إلى قصر الملك العظيم السماوي. فموت يوحنا في تلك الأحوال يدلنا على أن الإنسان يمكن أن يكون أميناً في عمله تقياً محبوباً من الله، وموت مع ذلك كله في شبابه. فحين يطالب الله بدم استفانوس ويعقوب وسائر الرسل والشهداء يطالب بذلك الدم الزكي وفقاً لقوله «لأَنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ يَخْرُجُ مِنْ مَكَانِهِ لِيُعَاقِبَ إِثْمَ سُكَّانِ الأَرْضِ فِيهِمْ، فَتَكْشِفُ الأَرْضُ دِمَاءَهَا وَلاَ تُغَطِّي قَتْلاَهَا فِي مَا بَعْدُ» (إشعياء ٢٦: ٢١).
    ١١ «فَأُحْضِرَ رَأْسُهُ عَلَى طَبَقٍ وَدُفِعَ إِلَى ٱلصَّبِيَّةِ، فَجَاءَتْ بِهِ إِلَى أُمِّهَا».
    عَلَى طَبَقٍ أي على ما يؤكل عليه. فقُدم رأس يوحنا عليه وأخذته الصبية كأنه حصتها من الوليمة الملكية وأكثر قبولاً لقلبها القاسي من كل أطايب تلك الوليمة. فنتعلم من هذه القصة رذيلة هيرودس، وسهولة أن يجد من يجرون مقاصده الشريرة، ونهاية محزنة لحياة فاضل تقي لم يبلغ سن الرابعة والثلاثين، وخبث قلبَي والدة وابنتها وقساوتهما الخارقة العادة حتى طلبتا تلك الهبة الفظيعة وسُرتا بقبولها.
    ٱلصَّبِيَّةِ هي سالومي تزوجت عمها فيلبس رئيس الربع، وتزوجت بعد موته ابن عمها أرستيبولس الثاني.
    ١٢ «فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَرَفَعُوا ٱلْجَسَدَ وَدَفَنُوهُ. ثُمَّ أَتَوْا وَأَخْبَرُوا يَسُوعَ».
    تَلاَمِيذُهُ أي تلاميذ يوحنا (مرقس ٦: ٢٩). فيحتمل أنهم ممن سمعوا وعظه وصدقوا تعليمه واعتمدوا منه، لأن كثيرين منهم كانوا في أرض فلسطين فأظهروا اعتبارهم له بدفنهم بدنه، ولكنهم اكتفوا بذلك دون أن يبقوا عندهم شيئاً من آثاره تذكاراً له أو تبركاً به. ولا ذكر لإبقاء شيء من آثار نبي أو رسول لذلك من بدء كتاب الله إلى آخره. وبذهابهم إلى يسوع ليرووا له الخبر المحزن أظهروا أنهم اعترفوا بأنه خليفة يوحنا، وأخبروه ليشعر معهم بحزنهم ويعزيهم. ويحتمل أنهم قصدوا أن ينبهوه ليحذر الخطر.
    فائدة: يجب علينا أن نخبر المسيح بأحزاننا في كل مصائبنا كما أخبره تلاميذ يوحنا بأحزانهم، فلا يقدر أحد أن يعيننا ويعزينا مثله.
    ملحوظة: نورد ما يميز بين هيرودس المذكور هنا وهيرودس آخر ممن ذكر في الإنجيل. فنقول هيرودس الكبير قتل أطفال بيت لحم، وهيرودس أنتيباس قتل يوحنا المعمدان وسخر بيسوع، وهيرودس أغريباس قتل يعقوب الرسول وسجن بطرس. فعائلة الهيروديين اشتهرت وزادت عن كل عائلة عُرفت في الأرض بالظلم والرذيلة والقساوة والخداع وتعدي كل الشرائع البشرية والإلهية.
    ١٣ «فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ فِي سَفِينَةٍ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ مُنْفَرِداً. فَسَمِعَ ٱلْجُمُوعُ وَتَبِعُوهُ مُشَاةً مِنَ ٱلْمُدُنِ».
    متّى ١٠: ٢٣ و١٢: ١٥
    لَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ خبر مقتل يوحنا وقول هيرودس إنه هو يوحنا قد قام من الأموات.
    ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ أي من كفرناحوم حيث كان ساكناً يومئذٍ من ولاية هيرودس لئلا يطلبه هيرودس فيسجنه توهماً أنه يوحنا، ولأن ساعته لم تأت بعد. أو لأنه لم يرد أن يكون بين الهائجين على قتل يوحنا لئلا يجتمعوا إليه ويتخذوه رئيساً. أو لأن الطبيعة ألجأته إلى الاعتزال لموت حبيبه وقريبه المكرم. ولذلك سبب آخر ذكره مرقس ٦: ٣٠، ٣١ ولوقا ٩: ١٠ وهو رجوع الاثني عشر الذين أرسلهم إلى القرى يبشرون واحتياجهم إلى الراحة.
    مَوْضِعٍ خَلاَء وفي لوقا ٩: ١٠ أن ذلك كان في أرض لبيت صيدا شرقي بحر طبرية.
    تَبِعُوهُ كان ذلك في أوج اعتباره، والناس لا يزالون متوقعين أنه يتمم آمالهم بأن يكون ملكاً أرضياً ومنقذاً زمنياً.
    مُشَاة ذهب يسوع في السفينة وتبعه الناس على شاطئ البحر، فالظاهر أن الريح كانت لينة لم تدفع السفينة بسرعة، فأمكن الناس أن يسبقوه مشاةً إلى حيث رأوا السفينة متوجهة (مرقس ٦: ٣٣).
    ١٤ «فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعاً كَثِيراً فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ».
    متّى ٩: ٣٧ ومرقس ٦: ٣٢ الخ ولوقا ٩: ١٠ الخ ويوحنا ٦: ١ الخ
    لَمَّا خَرَج من السفينة أو محل انفراده على البر (يوحنا ٦: ٣).
    جَمْعاً كَثِيرا لأن الذين تبعوه اجتمعوا من كل قرى الجليل، وربما اجتمع إليهم الغرباء الذين كانوا صاعدين إلى أورشليم ليحضروا عيد الفصح فإنه كان قريباً (يوحنا ٦: ٤) فمجيئهم منع يسوع عن الراحة المقصودة لكنه لم يغظه.
    تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ لاحتياجاتهم ولا سيما الروحية منها. قال مرقس «فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا كَخِرَافٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا» (مرقس ٦: ٣٤). فيجب على كل مسيحي يشاهد جمعاً كثيراً من الناس أن يشفق عليهم ويرغب في أن يقودهم إلى المسيح بالإيمان، ويجب عليه إذا افتكر في الألوف والربوات الكثيرة من الجهلاء الهالكين في البلاد الوثنية أن يشفق عليهم كما أشفق المسيح على ذلك الجمع.
    وَشَفَى مَرْضَاهُم اعتنى أولاً باحتياجاتهم الجسدية ثم اعتنى بأعظم احتياجاتهم جميعاً «فَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ كَثِيرًا» (مرقس ٦: ٣٤).
    ١٥ «وَلَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: ٱلْمَوْضِعُ خَلاَءٌ وَٱلْوَقْتُ قَدْ مَضَى. اِصْرِفِ ٱلْجُمُوعَ لِكَيْ يَمْضُوا إِلَى ٱلْقُرَى وَيَبْتَاعُوا لَهُمْ طَعَاماً».
    لَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ كان عند اليهود مساءان: بداية الأول العصر وهو المذكور هنا، وبداية الثاني المغرب وهو المذكور في متّى ١٤: ٢٣ (سفر العدد ٩: ٥، ١١).
    تَلاَمِيذُهُ أي رسله (لوقا ٩: ١٢) وأتوا إليه، إما في أثناء خطابه أو بعد أن فرغ منه.
    ٱلْمَوْضِعُ خَلاَء ليس فيه سوق ولا وسيلة إلى تحصيل الطعام.
    وَٱلْوَقْتُ قَدْ مَضَى أراد الرسل بذلك أن الوقت الباقي من النهار لا يكفي أن يصل الناس إلى القرى ليشتروا ما يأكلون قبل أن ينسدل عليهم ظلام الليل. فاهتم التلاميذ بأولئك الناس لكثرتهم، ولأنه ليس لهم ما يأكلون، وخافوا أنهم يخورون جوعاً وأن يسوع ينسى حاجات أجسادهم لكثرة عنايته بحاجات نفوسهم.
    اِصْرِفِ ٱلْجُمُوع ذلك يدل على أنه لم يزل يخاطبهم.
    وَيَبْتَاعُوا لم يخطر على بالهم إلا شراء الخبز.
    ذكر يوحنا أن المسيح افتتح الكلام في هذا الشأن مع فيلبس ثم أندراوس. والمرجح أن ذلك كان قبل الحديث الذي ذكره متّى، بدليل قول يوحنا «نَظَرَ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا مُقْبِلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ» (يوحنا ٦: ٥ - ٩) وقول متّى «لَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ» (متّى ١٤: ١٥) وذلك بعد ما ذكر أنه شفى مرضاهم.
    ١٦ - ١٨ «١٦ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لاَ حَاجَةَ لَهُمْ أَنْ يَمْضُوا. أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا. ١٧ فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ عِنْدَنَا هٰهُنَا إِلاَّ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَانِ. ١٨ فَقَالَ: ٱئْتُونِي بِهَا إِلَى هُنَا».
    المعجزة المذكورة هنا هي المعجزة الوحيدة التي ذكرها كل البشيرين الأربعة، فيظهر أنهم رأوها أكثر أهمية من غيرها.
    وأبطأ المسيح أن يصرف الجمع أو يطعمهم ليمتحن إيمان تلاميذه بقوته على أن يقوم بما يحتاج إليه الناس في أشد ضيقهم، وليعلّمهم أن يتكلوا عليه في كل ضيق أو شدة. وعلة سؤاله لهم كما ذكر يوحنا هي أن يجعلهم يشعرون ويعترفون بعجزهم ويتوقعون ما سيفعله (يوحنا ٦: ٦)
    لاَ حَاجَةَ لَـهُمْ أَنْ يَمْضُوا لم يرد المسيح أن يكلفهم بالذهاب في تلك الساعة وهم جياع ليبتاعوا خبزاً، لأنه يصعب عليهم السير في هذه الحال.
    أَعْطُوهُمْ أَنْتُم أمرهم المسيح بذلك ليمتحن إيمانهم، وليعرفهم ضعفهم وعدم قدرتهم.
    خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَانِ ذكر يوحنا أن غلاماً أتى بذلك، وقال إن تلك الأرغفة «من شعير» وهو طعام فقراء الناس. وكل البشيرين عينوا مقدار ذلك الطعام ليظهروا صحة المعجزة، وليبينوا أنه لم يكن لهم الطعام سوى ذلك القدر القليل. وذلك كله لا يكفي التلاميذ وحدهم بل يكاد لا يكفي غير اثنين لأن معدل ما يأكله الرجل دفعة ثلاثة أرغفة (لوقا ١١: ٥، ٦).
    ١٩ «فَأَمَرَ ٱلْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى ٱلْعُشْبِ، ثُمَّ أَخَذَ ٱلأَرْغِفَةَ ٱلْخَمْسَةَ وَٱلسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ ٱلسَّمَاءِ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى ٱلأَرْغِفَةَ لِلتَّلاَمِيذِ، وَٱلتَّلاَمِيذُ لِلْجُمُوعِ».
    يَتَّكِئُوا كعادتهم في بيوتهم، وذلك أكثر موافقة لهم وهم في البرية حيث لا مائدة لهم سوى الأرض.
    عَلَى ٱلْعُشْب كانت الأرض هنالك مرعى ليست للفلاحة والزرع، وسُميت قديماً «سهل البطيحة» وهي شرقي بيت صيدا. وقال مرقس إنهم «اتكأوا صفوفاً صفوفاً مئة مئة وخمسين خمسين» وغايته من ذلك تسهيل التوزيع، والحذر من أن يُترك أحدٌ.
    ٱلسَّمَاءِ أي الجو الذي يظهر أنه يفصل بيننا وبين السماء العليا التي لا تُرى.
    وَبَارَك للمباركة في الإنجيل ثلاثة معان: (١) رضى الله عن عبيده (متّى ٢٥: ٣٤) و(٢) طلب الإنسان رضى الله على غيره (لوقا ٢: ٣٤) و(٣) حمد الإنسان لله لأنه رضى عنه (مزمور ١٠٣: ١، ٢). ومعنى بارك هنا شكر أو حمد. وشكر المسيح الله وسأله الرضى باعتبار أنه إنسان، وهو نفسه وهب ذلك باعتبار أنه إلهٌ. وهذا مثال لنا لنشكر الله على كل ما يهبه لنا من الخيرات ونلتمس رضاه علينا في قبولها (١تيموثاوس ٤: ٤).
    وَأَعْطَى ٱلأَرْغِفَةَ الخ كان توسط التلاميذ في توزيع الطعام لائقاً، ومساعدةً للمسيح، وتعجيلاً للتوزيع، ورمزاً لعملهم في المستقبل في توزيع خبز الحياة التي أخذوه من يد المسيح. وبذلك كان لهم أن يشهدوا عن يقين بما شاهدوه عياناً واختبروه عملاً من قلة الأكل في أول الأمر وكثرته في نهايته.
    ٢٠ «فَأَكَلَ ٱلْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ ٱلْكِسَرِ: ٱثْنَتَيْ عَشَرَةَ قُفَّةً مَمْلُوءةً».
    فَأَكَلَ ٱلْجَمِيعُ وَشَبِعُوا هذا يدل على أن المعجزة لم يكن لها حدٌ سوى أنه لم يبق في طاقة الآكلين أن يزيدوا على ما أكلوا، فبقيت إلى أن شبع أكثرهم جوعاً. فإشباع المسيح أولئك الألوف الذين تركوا بيوتهم وأعمالهم وأتوا بلا طعام رغبة في سماع أقواله مصداق لقوله «اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ» (متّى ٦: ٣٣)
    رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ ٱلْكِسَرِ أظهر المسيح قوته في تلك المعجزة بتكثير الطعام، وأظهر حكمته بعدها بأمر تلاميذه بجمع الكسر. لأنه لو انصرفوا من هنالك وليس لهم إلا ذكر ما شاهدوه لنسوها بعد قليل. ولكن الاثنتي عشرة قفة من الكسر التي جمعوها بأمر المسيح (يوحنا ٦: ١٢) بقيت برهاناً قاطعاً على صحة المعجزة، وأنها ليست خيالاً أو حلماً. فهكذا أمر الله أن يحفظ قسط المن في التابوت مُذكراً بالمعجزة التي جرت نحو أربعين سنة في البرية.
    فأسباب أمر المسيح بجمع الكسر ثلاثة (١) التحذير من الإسراف والإغراء بالاقتصاد، أي الإنفاق على قدر الحاجة ولو في الأمور الزهيدة. و(٢) إرادته أن يبين للتلاميذ أنه لا يعولهم في المستقبل بالمعجزات، فيجب أن يتوقعوا الحصول على ما يحتاجون إليه بالوسائل العادية، ولذلك يجب أن يحفظوا الكسر. و(٣) أن تكون كل كسرة من الكسر شاهدة ما بقيت بالمعجزة ومذكرة بها، بدليل أن المسيح ذكَّر التلاميذ بعدئذٍ بمقدار الكسر الباقية في تلك المعجزة. وفي معجزة أخرى مثلها كأن مقدار تلك الكسر أمر يستحق الاعتبار والتأمل (متّى ١٦: ٩).
    ٱثْنَتَيْ عَشَرَةَ قُفَّة هي القفف التي كان اليهود يحملون زادهم فيها وقت السفر. والأرجح أن كل رسول كان يجمع الكسر في قفة معه، ولذلك كانت قففهم اثنتي عشرة. فإن قيل هل كانت الكسر التي جمعوها مما كسره المسيح ولم يوزع، أو مما وُزع وفضل عن الآكلين على الأرض؟ قلنا يُحتمل الأمران. أما ما جمعوه فيُحتمل أنه وزع بعضه على المحتاجين في القرى التي دخلوها جرياً على عادة المسيح في اعتنائه بالفقراء (يوحنا ١٣: ٢٩).
    ٢١ «وَٱلآكِلُونَ كَانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُلٍ، مَا عَدَا ٱلنِّسَاءَ وَٱلأَوْلاَدَ».
    سهل عد الرجال على التلاميذ لاتكائهم مئة مئة، وخمسين خمسين، ولكنهم لم يحسبوا عدد النساء والأولاد لأنهم كانوا أقل من الرجال لبُعد المسافة. والأغلب أن تكثير الطعام لم يحدث دفعة بل تدريجياً، فالذي شاهده الجموع أن الخبز والسمك كانا بلا انقطاع يقدمان من المسيح إلى الرسل، ومن الرسل إلى المتكئين إلى أن شبع الجميع.
    هذه المعجزة تشبه ما ذكر في العهد القديم عن معجزة المن في البرية على يد موسى (خروج ١٦: ٣٦) وما ذكر في تاريخ إيليا وأليشع (١ملوك ١٧: ١٤ - ١٦ و٢ملوك ٤: ١ - ٧ و٤٢ - ٤٤). قصد المسيح أن يعلمهم المعجزة أنه هو الخبز الحقيقي لنفس الإنسان الجائعة، وأنه خبز كافٍ لتغذية كل نفوس الناس إلى الأبد.
    وما أعظم الفرق بين وليمة هيرودس ووليمة المسيح. كان في الأولى رقص وبطر وسكر وأقسام محرمة، وانتهت بالقتل. وكان في الثانية تعاليم إلهية ومعجزة أظهرت الحنو الإلهي وتلاها شفاء المرضى في سهل جنيسارت (عد ٣٦).
    ٢٢ «َلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا ٱلسَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى ٱلْعَبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ ٱلْجُمُوعَ».
    اقتنع الناس من هذه المعجزة بأن يسوع هو المسيح اقتناعاً لم يشعروا به قبلها، لأنه بذلك تمت المشابهة بينه وبين موسى كما توقع الناس وعلَّم الكتبة بناءً على النبوة أن «الله يقيم لهم نبياً آخر منهم مثل موسى». ولذلك أرادوا أن يمسكوه ويجعلوه ملكاً على الرغم منه (يوحنا ٦: ١٤، ١٥). أما هو فلم يرد سلطاناً زمنياً فاعتزل عنهم إلى الجبل لكنه صرف التلاميذ أولاً ثم صرف الجموع.
    أَلْزَمَ يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ أي أقنعهم أن يذهبوا على غير إرادتهم. فلا يبعد أنهم شاركوا الجموع في الأمل بأن يعلن نفسه ملكاً بالفعل. وصعب على التلاميذ أن ينفردوا رغبةً في فائدته وفائدتهم.
    ٱلسَّفِينَة لعلها السفينة التي أتوا بها.
    إِلَى ٱلْعَبْرِ أي إلى بيت صيدا غربي مكان المعجزة (مرقس ٦: ٤٥). فالتلاميذ توجهوا إليها أولاً لكنهم جاوزوها وبلغوا أرض كفرناحوم (يوحنا ٦: ١٧). ولعلهم دخلوا بيت صيدا ثم قصدوا كفرناحوم.
    ٢٣ «وَبَعْدَمَا صَرَفَ ٱلْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى ٱلْجَبَلِ مُنْفَرِداً لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ».
    صَرَفَ ٱلْجُمُوعَ ربما اقتضى تعباً كثيراً وأنه شغل وقتاً طويلاً.
    مُنْفَرِداً لِيُصَلِّيَ لا تناقض لبيان يوحنا، فهذا سبب آخر لانفراده (يوحنا ٦: ١٥). وهو أنه انفرد هرباً من أن يصيِّروه ملكاً.
    لم يحتج المسيح مثلنا إلى أن يعترف بالخطايا ويطلب الغفران، لكنه صلى للذَّته بمخاطبة أبيه السماوي. وكان يومئذٍ يشفع في المؤمنين كما يشفع فيهم اليوم وهو عن يمين الله. ولعل الذي حمله يومئذٍ على كثرة التوسل من أجلهم هو توقعهم أن يكون ملكاً أرضياً، فسأل الآب أن يرشدهم إلى أن يعرفوا أن ملكه الروحي وأن يقبلوه ملكاً روحياً.
    ٱلْجَبَلِ المراد بذلك الأرض المرتفعة المجاورة للبحر.
    وَلَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ أي المساء الثاني (انظر تعليقنا على آية ١٥). واصطلح كتبة الأسفار الإلهية على استعمال المساء لوقتين، أحدهما من العصر إلى المغيب، والآخر من المغيب فصاعداً (خروج ١٢: ٦ و٢٩: ٣٩، ٤١ ولاويين ٢٣: ٥ وعدد ٩: ٣، ٥ و٢٨: ٤).
    ٢٤ «وَأَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ فِي وَسَطِ ٱلْبَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ ٱلأَمْوَاجِ. لأَنَّ ٱلرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً».
    هذا بيان لحال السفينة والمسيح على الشاطئ.
    فِي وَسَطِ ٱلْبَحْرِ أي بعيدة عن الشاطئ نحو ٢٥ غلوة أو ثلاثين (يوحنا ٥: ١٩) وكان عرض ذلك البحر نحو ٤٠ أو ٤٥ غلوة.
    مُعَذَّبَةً أي عذاب ركابها لشدة اضطراب البحر كعادته عند هبوب العواصف، زيادة على سائر أمثالها من البحار.
    ٱلرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً أي كانت من الغرب فمنعت السفينة من التقدم إلى وجهتها، وجعلت الأمواج تلطم السفينة فأخذ الرسل يجذفون ومع ذلك لم يستطيعوا التقدم إلا قليلاً (مرقس ٦: ٤٨ ويوحنا ٦: ١٩). فسمح المسيح لهم أن يتضايقوا ليعلمهم أنهم بدونه لا يستطيعون شيئاً.
    ٢٥ «وَفِي ٱلْهَزِيعِ ٱلرَّابِعِ مِنَ ٱللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِياً عَلَى ٱلْبَحْرِ».
    وَفِي ٱلْهَزِيعِ ٱلرَّابِعِ كان اليهود قديماً يقسمون الليل إلى ثلاثة هُزع (قضاة ٧: ١٩). ولكن بعد استيلاء الرومان على الأرض المقدسة بواسطة قائد جيوشهم بمبيوس قسموا الليل إلى أربعة هُزع، وعبروا عنها إما بالعدد أو بالأسماء، وهي: المساء، ونصف الليل، وصياح الديك، والصباح (مرقس ١٣: ٢٥). والهزيع الرابع المذكور هنا هو قبل طلوع الشمس بثلاث ساعات.
    مَاشِياً عَلَى ٱلْبَحْر أي آتياً من البر إليهم على وجه الماء كأنه ماشٍ على اليابسة. وهذا من آيات لاهوته بدليل قوله «الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ، وَالْمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ» (أيوب ٩: ٨) فإن كانت مصائبنا كأمواج البحر الهائجة فلا تمنع المسيح من الإتيان إلينا.
    ٢٦ «فَلَمَّا أَبْصَرَهُ ٱلتَّلاَمِيذُ مَاشِياً عَلَى ٱلْبَحْرِ ٱضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ خَيَالٌ. وَمِنَ ٱلْخَوْفِ صَرَخُوا».
    خافوا من أعظم بركاتهم ونحن مثلهم في أنه عندما يأتينا الله بالمصائب لخيرنا، نخاف منها.
    خَيَالٌ أي صورة لا ذات لها تنذر بالشر. وكان القدماء يظنون أرواح الموتى تظهر أحياناً للأحياء، وأن ظهورها هذا إعلان لحلول كارثة ستصيبهم.
    صَرَخُوا هذا يدل على أن التلاميذ لم يزالوا كالأطفال في أنهم يخافون من الوهم، ولم يحكموا في الأمور بمقتضى العقل السليم، مع أنهم بالغون وقد تعلموا من المسيح كثيراً.
    ٢٧ «فَلِلْوَقْتِ قَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا».
    لم يعرفوا أنه هو المسيح حتى تكلم لأنه كان ليل. فاطمأنوا بسمع صوته المعهود وكلماته المشجعة. لا ريب في أن المسيح سمح بإرسال التلاميذ وحدهم في السفينة، كما سمح بهياج البحر وباضطرابهم وخوفهم لحكمة لا ندركها كل الإدراك. ولكننا نعلم أنه لم يتركهم زمناً طويلاً في الخطر بل بادر إلى معونتهم.
    حدث قبلاً مثل هذا الاضطراب (متّى ٨: ٢٤) فعلمهم به وجوب الاتكال عليه وإن كان نائماً وظهر أنه غير منتبه لمصائبهم. وعلَّمهم بهذا الاضطراب وجوب الاتكال عليه وإن كان غائباً في الجسد باعتقادهم أنه يراقبهم دائماً، وأنه مستعدٌ كذلك لإعانتهم.
    أَنَا هُوَ الخ في هذا الكلام توبيخ لطيف وتعزية كاملة، وهو يتضمن أنه حيث هو فلا خطر على تلاميذه. ونحن نستطيع أن نطمئن في كل المخاطر وفي وادي ظل الموت، لأنه يراقبنا في كل المصائب، وينادينا: «أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا».
    ٢٨ «فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ: يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَمُرْنِي أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى ٱلْمَاءِ».
    أظهر بطرس بذلك شجاعته الخاصة وغيرته المشهورة وإسراعه في الأمور وميله إلى سبق غيره. ولعله فعل ذلك ليستر ما ظهر من خوفه قبلاً. ويحتمل أن في ما قاله شيئاً من الطمع في أن يفعل ما لا يستطيع أن يفعله غيره من التلاميذ، فيظهر به إيماناً أكثر من إيمانهم.
    إِنْ كُنْتَ أَنْتَ «إن» هنا للقطع لا للشك، فيكون المعنى لأنك أنت الخ.
    فَمُرْنِي تكلم بالصواب لأنه يجب عليه أن يتوقع أمر المسيح قبل أن يذهب إليه على وجه الماء. فبطلب الأمر له وحده دون سائر التلاميذ أظهر نفس الميل الذي أظهره يوم قال للمسيح «وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا» (متّى ٣٦: ٣٣).
    ٢٩ «فَقَالَ: تَعَالَ. فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ ٱلسَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى ٱلْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ».
    مشى المسيح على الماء معجزة. وإعطاؤه بطرس أن يفعل كذلك معجزة أخرى. وسمح لبطرس بهذا ليعلمه ما ينفعه، فكان يمشي على الماء بأمنٍ ما دام ينظر إلى المسيح ويثق به.
    ٣٠ «وَلٰكِنْ لَمَّا رَأَى ٱلرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ. وَإِذِ ٱبْتَدَأَ يَغْرَقُ صَرَخَ: يَا رَبُّ نَجِّنِي».
    لما حوَّل بطرس نظره من المسيح إلى الموج وتأمل في الخطر ونسي التأمل في قوة المسيح ابتدأ يغرق. فظهر أن إيمانه أضعف مما ظن، فانهزم إيمانه أمام عيانه!
    صَرَخَ قصد بطرس أن يظهر عظمة إيمانه وشجاعته فأظهر شدة خوفه وزال عنه كل جرأته وثقته. فسرعة تحوله من الشجاعة إلى الخوف جاءت متناسبة مع طبيعته، مثل قطعه أذن ملخس خادم رئيس الكهنة ثم إنكاره للمسيح بعد قليل من ذلك خوفاً من كلام جارية. فتبين من ذلك أنه كان في أول أمره ناقص الثبوت والرزانة، وصار صخراً بعد ذلك بالنعمة لا بالطبيعة.
    يَا رَبُّ نَجِّنِي كان بطرس يحسن السباحة (يوحنا ٢١: ٧) لكنه يئس من النجاة بقوته لشدة اضطراب البحر يومئذٍ، فطلب مساعدة المسيح. وكانت صلاته وجيزة لا تزيد على كلمتين، لكنها كانت كافية لنوال المطلوب. وفيها إظهار الاحتياج والإيمان والغيرة، وقد وجهها إلى من يجب أن توجه إليه. نعم إن إيمان بطرس كان ضعيفاً حتى أنه أخذ يغرق، لكنه كان كافياً لأن يصرخ إلى المسيح وينجو. فتعلَّم بطرس من هذه الحادثة أن لا يسأل معجزة لا فائدة منها لأحد، فالمسيحي الحقيقي ينتظر من الله النجاة مما يصيبه، ولكن لا يعرض نفسه للخطر لكي ينقذه الله منه.
    ٣١ «فَفِي ٱلْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا قَلِيلَ ٱلإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟».
    لا شيء يضعف الحياة ويبدد جهودها مثل الشك، إذ نشك أولاً في قدرتنا على طلب العون، ثم نشك في نوال هذا العون لا سيما إذا أبطأ علينا ولم ننل ما نريده فنيأس من أنفسنا ومن نجاتنا. أما يسوع فحاضر دائماً، يمد يده إلينا لينجينا. فهل مددنا إليه يداً وقلنا له: يا سيد أعنا وهو وحده المعين.
    لا يطلب أحد معونة المسيح عبثاً، فكان اختبار بطرس كاختبار داود الذي حمله على أن يقول «أَرْسَلَ مِنَ الْعُلَى فَأَخَذَنِي. نَشَلَنِي مِنْ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ» (مزمور ١٨: ١٦) وأن يقول «إِذْ قُلْتُ: قَدْ زَلَّتْ قَدَمِي فَرَحْمَتُكَ يَا رَبُّ تَعْضُدُنِي» (مزمور ٩٤: ١٨). فالمسيح وإن كان غير منظور اليوم ينشل كل مؤمن به ويعضده سريعاً، بدليل قوله في شأن رعيته «وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي» (يوحنا ١٠: ٢٨).
    أَمْسَكَ بِهِ لم يُمسك بطرس بمخلصه ونجا، بل أمسك المخلص به ونجاه. فإمساكنا بالمسيح لا يخلصنا بل إمساكه بنا هو واسطة الخلاص.
    وَقَالَ نجاه المسيح أولاً ثم وبخه.
    َيَا قَلِيلَ ٱلإِيمَان كان قليل الإيمان بأن المسيح يقدِّره على أن يمشي على الماء بعد ما أمره بذلك.
    لِمَاذَا شَكَكْتَ لم يقل له: لماذا أتيت إليَّ؟ فلم يخطئ بأنه تعرض لأمر فوق طاقته بل بقلة إيمانه بأن المسيح يقدره عليه.
    ٣٢ «وَلَمَّا دَخَلاَ ٱلسَّفِينَةَ سَكَنَتِ ٱلرِّيحُ».
    لم يذكر البشير أمر المسيح للريح بالسكون، ولكن القرينة تدل على ذلك، فقد تعجب الذين كانوا في السفينة كما يقول العدد التالي. وقال يوحنا إنهم قبلوه في السفينة وللوقت بلغت الشاطئ (يوحنا ٦: ٢١).
    ٣٣ «وَٱلَّذِينَ فِي ٱلسَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: بِٱلْحَقِيقَةِ أَنْتَ ٱبْنُ ٱللّٰه».
    مرقس ٢: ٧ ومتّى ١٦: ١٦ و٢٦: ٦٣ ومرقس ١: ١ ولوقا ٤: ٤١ ويوحنا ١: ٤٩ و٦: ٦٩ و١١: ٢٧ وأعمال ٨: ٣٧ ورومية ١: ٤
    ٱلَّذِينَ فِي ٱلسَّفِينَةِ أي التلاميذ والملاحون. وحقَّ لهم أن يتعجبوا لأن القوة التي أظهرها يسوع على الريح مما يختص بالله وحده حسب قول المرنم «فِي الْبَحْرِ طَرِيقُكَ، وَسُبُلُكَ فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ، وَآثارُكَ لَمْ تُعْرَفْ» (مزمور ٧٧: ١٩) فذهلوا إذ رأوا إنساناً مثلهم في المنظر متسربلاً بتلك القوة الإلهية.
    أَنْتَ ٱبْنُ ٱللّٰه هذا الاسم استعمله اليهود كثيراً للمسيح الذي توقعوه. وأظهر الذين في السفينة بذلك زيادة إيمانهم باختبارهم رحمة الله وسلطان المسيح إذ رأوا الرياح والأمواج تطيعه.
    يجب علينا كلما نجونا من شدة أن نجعل نجاتنا موضوع شكر، ووسيلة إلى زيادة ثقتنا بالله.
    فائدة: تشبه الكنيسة وهي مضطربة من تجارب العالم واضطهاده تلك السفينة وهي مضطربة في بحر الجليل، وكثيراً ما تشعر الكنيسة بأنها متروكة كما ظن التلاميذ أن المسيح قد تركهم في تلك الليلة. وأما المسيح وهو يصلي على الجبل فافتكر في الذين في السفينة، وأتى إليهم حين بلغ الخطر أشدَّه. وهكذا يفعل المسيح الآن، فإنه يشفع في كنيسته في السماء يأتي إلى معونتها على الأرض، وبإتيانه يحول كل خوف وخطر وضيق إلى أمن وسلام واطمئنان.
    ٣٤ «فَلَمَّا عَبَرُوا جَاءُوا إِلَى أَرْضِ جَنِّيسَارَتَ».
    تثنية ٣: ١٧ و١ملوك ١٥: ٢٠ ومتّى ٤: ١٨ ومرقس ٦: ٥٣ ولوقا ٥: ١ ويوحنا ٢١: ١
    عَبَرُوا أي بحر الجليل.
    أَرْضِ جَنِّيسَارَت هي سهل على الجانب الغربي من ذلك البحر طوله أربعة أميال وعرضه ميل، ولذلك أضيف إليه البحر أحياناً (لوقا ٥: ١). قال يوسيفوس إن ذلك السهل خصيب كجنة وبهيج جداً وكثير السكان. وكانت كفرناحوم على طرفه الشمالي الشرقي، ولذلك قال يوحنا في الكلام عن هذه الحادثة إن المسيح وتلاميذه جاءوا إلى كفرناحوم (يوحنا ٦: ١٧) ولا بد أنهم مروا ببيت صيدا قبلاً لأنها كانت على طريقهم (مرقس ٦: ٤٥). ولما بلغوا كفرناحوم وأرض جنيسارت دار الحديث بين المسيح والذين شاهدوا معجزة الأرغفة في معناها الروحي (يوحنا ٦: ٢٢ - ٦٥).
    ٣٥ «فَعَرَفَهُ رِجَالُ ذٰلِكَ ٱلْمَكَانِ. فَأَرْسَلُوا إِلَى جَمِيعِ تِلْكَ ٱلْكُورَةِ ٱلْمُحِيطَةِ وَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ ٱلْمَرْضَى».
    عرفه أهل تلك البلاد لأنه صرف مدة طويلة بينهم.
    ٣٦ «وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسُوا هُدْبَ ثَوْبِهِ فَقَطْ. فَجَمِيعُ ٱلَّذِينَ لَمَسُوهُ نَالُوا ٱلشِّفَاءَ».
    متّى ٩: ٢٠ ومرقس ٣: ١٠ ولوقا ٦: ١٩ وأعمال ١٩: ١٢.
    هذا ليس تكراراً لقول البشير في متّى ٨: ١٦ لأن هذه حادثة غير تلك، وقصد متّى بذكرها أن يبين أن المسيح كان يصنع في كل زمن خدمته الأرضية معجزات لم يذكر الإنجيليون سوى قليل منها.
    يَلْمِسُوا هُدْبَ ثَوْبِهِ شفوا بلمسهم إياه لأنهم لمسوه بإيمان، ولعلهم أخذوا ذلك عن المرأة نازفة الدم لأن خبرها كان قد شاع هناك (متّى ٩: ٢٠ - ٢٢). وكان في سلطان المسيح أن يشفيهم بكلمة على البُعد، لكنه سُر بأن يصاحب الشفاء شيء من عملهم، كمدِّ أيديهم إليه علامة الإيمان به. فيا ليت كل مرضى الخطية الآن يرغبون في المسيح رغبة الإيمان كأولئك، لأن الناس في كل أرض لا في أرض جنيسارت وحدها يستطيعون أن يلمسوا هدب ثوبه بالإيمان، فيجدوا شفاءً لا موت بعده إلى الأبد.

    الأصحاح الخامس عشر


    ١ «حِينَئِذٍ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ ٱلَّذِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ».
    مرقس ٧: ١ الخ
    وهذا دليل أن شهرة يسوع كانت قد انتشرت وذاع ذكره على كل شفةٍ ولسان، وأن من جهة تعاليمه الممتازة، أو إجراء العجائب والمعجزات، أو سيرته المملوءة بالمحبة والحنان، فاقتضى قدوم بعض علماء اليهود ليفحصوا: من هذا؟
    أتوا من أورشليم ليراقبوا يسوع ويسمعوا كلامه ويخبروا الرؤساء ويمنعوا الشعب من قبولهم للمسيح. وهنا شكوا التلاميذ إليه، وكانت الشكوى في الحقيقة عليه. وغرضهم من ذلك خفض مقامه وعدم اعتباره عند الشعب.
    ٢ «لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ ٱلشُّيُوخِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزاً؟».
    كولوسي ٢: ٨
    تَقْلِيدَ ٱلشُّيُوخ هو وصايا طقسية أخذها الخلف عن السلف شفاهاً منذ قرون عديدة من آباء الأمة اليهودية المعروفون بالشيوخ.
    زعم اليهود (ما عدا الصدوقيين منهم) أن موسى أُعطي على طور سينا نوعين من الوصايا، أحدهما مكتوب والآخر شفوي، فحفظه في ذاكرته وسلمه قبل موته إلى يشوع، وسلمه يشوع إلى القضاة، وسلمه القضاة إلى الأنبياء، وبذلك حُفظ بلا تغيير حتى سُطِّر في التلمود الذي يحترمه اليهود إلى هذا اليوم احترامهم لأسفار موسى والأنبياء بل أكثر منها. فإنهم شبهوا الشريعة المكتوبة بالماء، والتي لم تكتب بالخمر. وكانت تلك التقاليد كثيرة لكنها لا طائل تحتها. فاحترامهم لها دلالة على أنهم تركوا عظائم الناموس وتمسكوا بالأمور الزهيدة في الدين، فجعلوا الجوهريات عرضيات والعرضيات جوهريات. ويوضح ذلك سؤالهم المسيح هنا. وأما الصدوقيون فرفضوا كل تلك التقاليد.
    تَلاَمِيذُكَ أي المتعلمون منك فأنت المسؤول عن أعمالهم.
    فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُم هذا الغسل مما أمر به موسى في سفر اللاويين (ص ١٢ - ١٥) فإن ذلك مختص بأوقات معينة وهي واسطة التطهير من تدنُّسات مخصوصة لا تتعلق بالأعمال البيتية اليومية. فلم يقصد الكتبة من الغسل النظافة المعتادة، بل الخدمة الدينية التي أوجبوا أن تؤتى دائماً قبل الأكل. واعتبروا ذلك أكثر من اعتبارهم طهارة القلب. وزاد مرقس على اغتسالهم قبل الأكل اغتسالهم بعد مجيئهم من السوق (مرقس ٧: ٣، ٤). وعلة ذلك احتمال اقترابهم في السوق من وثني أو مما له، فتدنسوا به فاغتسلوا بغية أن ترجع إليهم الطهارة الدينية. فلهذا كان الاغتسال عندهم من ضروريات الدين. وكثيراً ما مدحت كتبهم أحد الربانيين بأنه حين سُجن ولم يسمح له من الماء إلا بما يحتاج إلى شربه اختار أن يموت عطشاً على أن يأكل بيدين غير مغسولتين.
    خُبْزاً أي طعاماً. واقتصروا على ذكر الخبز لأنه قوام الحياة الجسدية، وهو كناية عن كل أنواع الطعام.
    ولم يعتبر المسيح تقاليد الشيوخ ذات شأن. وهذا علة شكوى الفريسيين. على أن المسيح لم يذم الغسل ولكن ذم فرضه شرعاً، وأن الله يوجبه، وهم جعلوه أسمى مما أمر به في الشريعة.
    ٣ «فَأَجَابَ: وَأَنْتُمْ أَيْضاً، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ ٱللّٰهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟».
    لم ينكر المسيح أن تلاميذه خالفوا تقاليد الشيوخ، لكنه دافع بأن قال إن اليهود خالفوا شريعة الله بتقاليدهم البشرية المناقضة لها. ومن الخطير أن يفرض البشر على غيرهم أوامر تخالف أمر الله. صحيحٌ أن المسيح أوجب على تلميذه أن يترك أمه وأباه لأجل الإنجيل، وقال إن من أحب أباً أو أماً أكثر منه فلا يكون له تلميذاً (متّى ٤: ١٨، ٢٢) مع أن الله أمر بإكرام الوالدين (خروج ٢٠: ١٢). لكن المسيح قصد بهذا أن ما علينا لله يجيء قبل ما علينا للناس، فإذا اضطر إنسان أن يختار أحد الواجبين وجب أن يختار أعظمهما، وهو طاعة الله. أما الفريسيون ففضلوا الشريعة الوضعية على الشريعة الإلهية.
    ٤ «فَإِنَّ ٱللّٰهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمْ أَباً أَوْ أُمّاً فَلْيَمُتْ مَوْتاً».
    خروج ٢٠: ١٢ ولاويين ١٩: ٣ وتثنية ٥: ١٦ وأمثال ٢٣: ٢٢ وأفسس ٦: ٢ وخروج ٢١: ١٧ ولاويين ٢٠: ٩ وتثنية ٢٧: ١٦ وأمثال ٢٠: ٢٠ و٣٠: ١٧
    ذكر المسيح هنا مثالاً لتعديهم شريعة الله بتقليدهم.
    ٱللّٰهَ أَوْصَى في الوصية الخامسة (خروج ٢٠: ١٢).
    وَمَنْ يَشْتِمْ الخ قيل ذلك في شريعة الله على يد موسى (خروج ٢١: ١٧).
    ٥ «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ ٱلَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ».
    يمكن ترجمة هذه العبارة هكذا «من قال لأبيه وأمه إن ما أقدمه لكما هو قربان وتقدمة للرب، لذلك لا أستطيع تقديمه لكما». أي أن الله أمر بشيء أمر شيوخ اليهود بخلافه، فإن تقليدهم ينافي الوصية الخامسة الآمرة بواجبات الأولاد لوالديهم. ومن تلك الواجبات الاعتناء بهم زمن الحاجة والشيخوخة. وذلك مما يوجبه على الإنسان ضميره ونص الكتاب الإلهي. فإنهم وإن لم ينفوا وصية الله قولاً نفوها عملاً بتعليمهم الوضعي البشري.
    ومن قول المسيح هنا نرى أنه أوجب على المؤمنين به ما أوجبته شريعة موسى من أمر إكرام الوالدين وطاعتهما ومحبتهما والاعتناء بهما إن كانا في حاجة أو في شيخوخة.
    قُرْبَانٌ تقدمة دينية لله أو شيء مخصص له. وقوله «قربان» بمثابة قولنا «هذا نذر عليَّ أو وقف لله» وكانوا يعينون المال أو جزءاً منه لأمور دينية بمجرد التلفظ بكلمة «قربان» فينفق بعد ذلك على الهيكل أو على الكهنة واللاويين، أو على شراء حيوانات الذبيحة. وكان الفريسيون يعلمون أن وقف المال كذلك يسر الله أكثر من أن ينفق على الوالدين المحتاجين.
    قُرْبَانٌ هُوَ ٱلَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّ هذا قول الابن، ومعناه: إني وقفت لله يا والديَّ كل ما أستطيع أن أنفعكما به من مال أو خدمة، فلم يبقَ لكما شيء منه. وبعد قول الابن لوالديه ما ذُكر لا يعطيهما شيئاً من ماله أو خدمته، ولو كانا في أشد الاحتياج.
    فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ هذا جواب الشرط في قول الفريسيين «من قال لأبيه أو أمه..». والمعنى أن من قال هذا لا يصبح مكلفاً أن يكرم والديه بتقديم مالٍ أو خدمة لهما ولو كانا في أشد الفقر. وهذا تصريح بالهروب من الواجبات الطبيعية والإلهية للوالدين. فإذا تركهما الولد وماتا جوعاً فلا لوم عليه ولا حرج**فإن تقليد الفريسيين أجاز له أن يوقف ما له للهيكل بعد المدة التي يختارها، ولو كانت نهايتها يوم موته. فيكون له أن ينفق من ماله على نفسه كل تلك المدة ولا يجوز أن ينفق شيئاً منه على والديه.
    ٦ «فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ ٱللّٰهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ».
    أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ ٱللّٰه خلاصة الوصية الإلهية وجوب إكرام الوالدين، والحكم بقتل من شتم والديه. أما خلاصة تقليد اليهود فإنه إذا اغتاظ ولد من والديه وقال «مالي وخدمتي لكما قربان» يكون قد عمل صالحاً. فإذاً شريعتهم التقليدية البشرية الطقسية أبطلت شريعة الله الأدبية الأبدية.
    تَقْلِيدِكُم أي التقليد الذي أنتم تسيرون بموجبه وتلزمون غيركم أن يتبعكم فيه.
    ولا يذم المسيح بهذا التعليم من يوقف لله جزءاً من المال لمقاصد دينية أو خيرية، لكنه ذمَّ من يفعل هذا ليتخلص من الواجبات نحو الوالدين والأقرباء لغيظٍ منهم. قال الرسول الإلهي «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ» (١تيموثاوس ٥: ٨).
    ٧، ٨ «٧ يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: ٨ يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هٰذَا ٱلشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً».
    إشعياء ٢٩: ١٣ وحزقيال ٣٣: ٣١
    ظهر هذا الرياء بتشجيع الأبناء على مخالفة الوصية الخامسة «أكرم أباك وأمك..» بادعاء أنه يريد أن يكرم الله قبل الوالدين. والحقيقة أنه يتهرب من واجباته نحو الوالدين.
    يَا مُرَاؤُونَ هم الذين يقولون ويعملون خلافاً لما في نفوسهم خداعاً لغيرهم. وصح وصف الفريسيين بالرياء لأنهم ادعوا الغيرة لشريعة الله والدين الحق، وهم يخالفونهما، لأنهم جعلوا ترك الأبناء ما يجب عليهم لوالديهم المحتاجين من أعمال التقوى.
    حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ إشعياء ٢٩: ١٣ والكلام منقول عن الترجمة السبعينية. ولم يرد بقوله «عنكم» أن النبي قصدهم دون غيرهم، بل أن ما قاله يصدق عليهم كما صدق على اليهود في عصره، وذلك قبل حديث المسيح بسبعمئة سنة.
    يَقْتَرِبُ إِلَيَّ... بِفَمِه أي يظهرون أشد الغيرة لعبادة الله ويتممون كل مطالب الشريعة الخارجية ويعلنون بكلمات شفاههم أنهم يسبحونه، ولكن كل ذلك عبث لأن الله يطلب عبادة القلب وتسليم الإرادة وهم لا يفعلون ذلك.
    وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ كل عبادة لا يشترك فيها القلب يحسبها الله رياءً، فأول ما يجب علينا أن يكون لنا القلب الجديد (حزقيال ١٨: ٣١) وأفضل تقدمة لله هي القلب المنكسر (مزمور ٥١: ١٧) والختان الحقيقي هو ختان القلب (رومية ٢: ٢٩) والطاعة المقبولة هي الطاعة من القلب (أفسس ٦: ٦) والإيمان الذي للخلاص هو إيمان القلب (رومية ١٠: ١٠) فيجب علينا أن نسأل حلول المسيح في قلوبنا بالإيمان (أفسس ٣: ١٧) وأعظم طلبة تطلبها الحكمة الإلهية من كل منا هي قوله «يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ» (أمثال ٢٣: ٢٦).
    ٩ «وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا ٱلنَّاس».
    كولوسي ٢: ١٨ الخ وتيطس ١: ١٤
    وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي أفسد رؤساء الدين من اليهود بل من كل طائفة دينهم بما زادوا عليه من دون إذن الله، فلم يبق فيه فائدة لهم ولا للذين اقتدوا بهم في تعليمهم وسيرتهم. فصارت عبادتهم باطلة لأنها كانت خارجية، والله ينظر إلى قلب العابد لا إلى يديه المرفوعتين وركبتيه الجاثيتين وشفتيه المتحركتين، ولأنها لم تكن مبنية على الطاعة لله، ولأنها لم تأت بأثمار لمجد الله ولا لخير الناس ولا لخير أنفسهم هم.
    يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا ٱلنَّاس أي يجعلون وصايا الناس أموراً جوهرية في الدين، فيوجبون الإيمان بها والعمل بموجبها. والمقصود بوصايا الناس هنا التقاليد اليهودية، وهذه التسمية تصدق على التقاليد التي قبل الميلاد وعلى كل أمثالها بعده. ووضع اليهود تلك الوصايا فوق وصايا الله، ولكنها ليست شيئاً بالنسبة إليها ولا تلزم الضمير بالطاعة لها. فأعلن المسيح أن شريعة الله المكتوبة أسمى من كل تعليم سواها فتجب الطاعة الكاملة لها، وإنه لا اعتبار البتة للتقاليد مهما كانت قديمة أو مستندة على أسماء المشهورين من الناس في العلم والمقام.
    ١٠ «ثُمَّ دَعَا ٱلْجَمْعَ وَقَالَ لَهُمُ: ٱسْمَعُوا وَٱفْهَمُوا».
    ثُمَّ دَعَا ٱلْجَمْعَ وجه كلامه السابق إلى الكتبة والفريسيين، وهنا وجه الكلام إلى الجمع المصغي إليه. ولا يلزم من قوله «دعا الجمع» أنه غيَّر مكانه أو أنهم غيَّروا أماكنهم ولا أنهم لم يكونوا يسمعونه قبلاً. ولكن أراد بذلك زيادة انتباههم لما عزم على أن يقوله من مبادئ الدين ولإيضاح الحق، دفعاً لأمثال تلك المسألة التي أوردها الكتبة والفريسيون.
    ٱسْمَعُوا وَٱفْهَمُوا قال ذلك تنبيهاً لهم على أهمية ما سيتكلم به، فطلب منهم أن يدركوا المعنى ولا يكتفوا بالسمع.
    ١١ «لَيْسَ مَا يَدْخُلُ ٱلْفَمَ يُنَجِّسُ ٱلإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ ٱلْفَمِ هٰذَا يُنَجِّسُ ٱلإِنْسَانَ».
    أعمال ١٠: ١٥ ورومية ١٤: ١٤، ١٧، ٢٠ و١تيموثاوس ٤: ٤ وتيطس ١: ١٥
    ينتقل هنا إلى مواجهة ذلك الغسل اليهودي الطقسي الذي جعلوه كأحد وصايا الله إن لم يكن أعظم، وهكذا تمسكوا بالعرض وتركوا الجوهر. إذ الجوهر هو حفظ اللسان والفم من الدنس قبل حفظهما بواسطة غسل الأيدي فقط.
    كان اليهود يهتمون كثيراً بالتمييز بين الأطعمة المحسوبة في شريعة موسى طاهرة والأطعمة المحسوبة فيها نجسة. وغاية الله في وضع ذلك التمييز أمران: (١) أن يعلمهم بأمور محسوسة التمييز بين الحلال والحرام، وقيمة الطهارة القلبية استعداداً لدخول المسكن السماوي. و(٢) أن يجعله حاجزاً بين اليهود وجيرانهم الوثنيين، ليكونوا شعباً متفرِّداً لأنهم يلتزمون ألا يأكلوا معهم. فلم يرد المسيح أن يقول إن بعض الأطعمة أقدس من البعض، ولا أن يكون ذلك إلى الأبد، بل جعله موقوتاً إلى نهاية النظام الموسوي.
    وتمت غاية الله بإفراز اليهود عن الأمم بواسطة تمييز الأطعمة خمسة عشر قرناً. لكن نتج من ذلك أمران لم يرضهما الله، وهما أن اليهود حسبوا الشريعة الرمزية الموقوتة جوهرية أبدية، وحسبوا الأطعمة المنهي عنها نجسة، وأنها تنجس النفس والجسد. ثم اعتبروا أن النجاسة الرمزية شرٌ من الدنس الأخلاقي.
    ولم يقصد المسيح هنا أن ينسخ الشريعة الموسوية من جهة تمييز الأطعمة، بل أراد إصلاح الخطأ الذي وقع فيه اليهود، وبيان أن روح الإنسان لا تتنجس بالمأكولات. فلا شيء من الأطعمة يمكنه أن ينجس الأخلاق. فالنجاسة الأخلاقية تتوقف على حال القلب لا حال الجسد.
    مَا يَدْخُلُ ٱلْفَم أي الأطعمة على اختلاف أنواعها.
    يُنَجِّسُ أي تنجيساً أخلاقياً. فلم ينكر المسيح أن بعض الأطعمة ينجس طقسياً، ولا أن الذي يأكل الطعام المنهي عنه يخطئ لتعديه نهي الله. لكنه قال إن الطعام في ذاته لا ينجس ولا يقدس. وقول المسيح «لَيْسَ مَا يَدْخُلُ ٱلْفَمَ يُنَجِّسُ» واضح لكل مسيحي حتى أنه لا يحتاج إلى دليل، ولكنه كان عند اليهود سراً عظيماً لأنه خالف ما علمهم إياه رؤساء دينهم. وتعليم المسيح يخالف اعتقاد ملايين الوثنيين الذين يقوم دينهم على الامتناع عن أكل اللحوم واكتفائهم بأكل البقول. وبذلك يتعلق رجاءهم دخول السماء.
    ويظهر قول المسيح المذكور سمو الديانة الروحية وعدم قيمة الطقوس والأصوام والاغتسالات الدينية بالنسبة إلى طهارة القلب التي لا بد منها لمعاينة الله.
    ١٢ «حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَقَالُوا لَهُ: أَتَعْلَمُ أَنَّ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا ٱلْقَوْلَ نَفَرُوا؟».
    حِينَئِذٍ أي بعد ما انفصل المسيح وتلاميذه عن الكتبة والفريسيين وانصرف الجموع دخل هو وتلاميذه بيتاً (مرقس ٧: ١٧).
    نَفَرُوا أي غضبوا على المسيح لأنه علَّم خلاف تقاليد الشيوخ، وخلاف ما ظهر لهم أنه تعليم موسى، ولأنه دعاهم «مرائين» وأثبت عليهم أنهم تعدوا الوصية الخامسة بتقاليدهم. ونستدل من ذلك أن التلاميذ اضطربوا لما سمعوا وشاهدوا من رؤساء دينهم وبلادهم من أدلة الغضب على معلمهم.
    ١٣ «فَأَجَابَ: كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ».
    يوحنا ١٥: ٢ و١كورنثوس ٣: ١٢ الخ.
    هذه الاستعارة قديمة ومتواردة جداً كقول المرنم «كَرْمَةً مِنْ مِصْرَ نَقَلْتَ. طَرَدْتَ أُمَمًا وَغَرَسْتَهَا.. يُفْسِدُهَا الْخِنْزِيرُ مِنَ الْوَعْرِ، وَيَرْعَاهَا وَحْشُ الْبَرِّيَّةِ» (مزمور ٨٠: ٨، ١٣). هذا الكلام مثل استُعير فيه غرس النبات في الأرض وتقرير التعاليم، فالقلوب كالأرض والتعاليم كالغروس.
    كُلُّ غَرْسٍ أي كل تعليم من تعاليم الفريسيين وتقاليدهم، فكل ما يتعلق بهم غير نافع كالأعشاب البرية بين الزروع.
    أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ ادَّعى الفريسيون أن تعاليمهم إلهية، ولكن المسيح قال إنها بشرية لأنها ستُقلع، وكل ما هو من الله يثبت إلى الأبد. وقوله نبوي، فستنتهي كل الضلالات في الدين، وكل المعلمين الكاذبين أو المفسدين هم للقلع والهلاك.
    وهذه النبوة تسر أصحاب الحق كما تخيف أهل الضلال. فالتقاليد البشرية هي مما لم يغرسه الآب فعاقبتها ظاهرة، وتنفيذ قلعها واجب على كل أصحاب الحق.
    ١٤ «اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ».
    إشعياء ٩: ١٦ وملاخي ٢: ٨ ومتّى ٢٣: ١٦ ولوقا ٦: ٣٩
    هذه كلمات شديدة جداً تدل على الثورة الروحية التي لا هوادة فيها ولا لين.
    اُتْرُكُوهُمْ أي لا تتبعوهم ولا تلتفتوا إلى ما يقولون. لا تسألوا عن ذمهم إياكم أو مدحهم لكم ولا عن رضاهم أو غيظهم، فإن هلاكهم قريب. وإن لم يهلكهم غيرهم سيهلكون أنفسهم، لأن الضالين أعداء نفوسهم فيضرون ذواتهم أكثر مما يضرون غيرهم. ولا تجادلوهم لأن غاية الجدال إرشاد الضالين لا قصاص المضلين، وهذا القصاص من أحكام الله لا من أحكامهم.
    هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ المراد بهؤلاء العميان رؤساء اليهود الذين لا بصر روحي لهم ليدركوا الحق لإفادة أنفسهم أو نفع غيرهم.
    عُمْيَانٍ العميان هم الشعب الذين انقادوا لتعاليم رؤسائهم بلا نظر، وخضعوا لهم في كل الطقوس والفرائض الباطلة الثقيلة التي حملوهم إياها. فالله ليس ظالماً عندما يسمح لبعض الناس أن يقودوا غيرهم إلى الهلاك، لأن المنقادين غير مجبورين أن يتبعوا أولئك القادة، بل هم مخيرون في اتباع من يحبون. فإذن هم مذنبون . فإن اتباع المعلمين الكذبة إثم، وكذا قبول كل تعليم مخالف لكتاب الله.
    أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى الخ هذا الكلام جارٍ مجرى المثل، وضربه المسيح مثلاً في غير هذا الموضع (لوقا ٦: ٣٩). والأمر واضح أنه إذا قاد الأعمى أعمى فهما في خطر أن يسقط كلاهما في كل حفرة. والذي يصدق على العمى الجسدي يصدق على العمى الروحي وهذا أشرّ لأنه اختياري (متّى ١٣: ١٥) ولا يشعرون به (يوحنا ٩: ٤١) ولذلك لا يحترسون. فإن ضرر النفس بالسقوط في هاوية الضلال أشد من ضرر الجسد بالسقوط في حفرة مهما كانت عميقة.
    ١٥ «فَقَالَ بُطْرُسُ لَهُ: فَسِّرْ لَنَا هٰذَا ٱلْمَثَلَ».
    قال بطرس ذلك بالنيابة عن سائر الرسل بدليل قوله «فَسِّرْ لَنَا» وبدليل أن المسيح وجه الجواب إلى جميع الرسل.
    هٰذَا ٱلْمَثَل المراد بهذا المثل ما ذكره في آية ١١ بقوله «ليس ما يدخل الفم الخ» وسمى بطرس ذلك مثلاً لأن له معنى باطناً وراء المعنى الظاهر، ولأنه استغرب كلام المسيح فلم يعتقد أنه يقصد منه ظاهر معناه.
    ١٦ «فَقَالَ يَسُوعُ: هَلْ أَنْتُمْ أَيْضاً حَتَّى ٱلآنَ غَيْرُ فَاهِمِينَ؟».
    يتضمن هذا السؤال توبيخ الرسل على اشتراكهم في الضلالة العامة، لأن أهواءهم اليهودية السابقة منعتهم من إدراك قصد المسيح. وتظهر لنا صعوبة التخلص من تلك الأهواء في أن بطرس احتاج بعد ذلك بزمان إلى رؤيا خاصة لدفع الأوهام التي نتجت من تلك الأهواء (أعمال ١٠). ومع كل ذلك بقي أسيراً لها حتى لامه بولس نحو عشرين سنة من ذلك الوقت (غلاطية ٢: ١١).
    أَنْتُمْ أَيْضاً حَتَّى ٱلآنَ كان مما يجب عليهم لتعلمهم منه أن يكونوا أكثر فهماً من سائر الشعب بعد كل تلك المدة التي علمهم فيها.
    غَيْرُ فَاهِمِينَ فمعنى المثل واضح لكل ذي عقل سليم ولكل من له معرفة بكتاب الله. ليس لهم عذر إذا منعتهم الأهواء اليهودية وتقاليد اليهود عن فهمه.
    ١٧ «أَلاَ تَفْهَمُونَ بَعْدُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ ٱلْفَمَ يَمْضِي إِلَى ٱلْجَوْفِ وَيَنْدَفِعُ إِلَى ٱلْمَخْرَجِ؟».
    ١كورنثوس ٦: ١٣
    كأنه يقول لماذا استغربتم قولي؟ إن ما يأكله الإنسان لا يدنس نفسه، فالطعام يدخل الجوف ليهضم ويختلط بعض أجزائه بالدم، ويندفع الآخر إلى الخارج، فبذلك يصل الطعام إلى أعضاء الجسد فقط ولا يمس النفس. فإذاً لا يؤثر فيها خيراً أو شراً. فعواطف الإنسان الأخلاقية لا تتأثر من الطعام.
    ١٨ «وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ ٱلْفَمِ فَمِنَ ٱلْقَلْبِ يَصْدُرُ، وَذَاكَ يُنَجِّسُ ٱلإِنْسَانَ».
    يعقوب ٣: ٦
    بعدما صرّح المسيح بأن ما يدخل الفم لا ينجسه أوضح أن ما ينجسه حقيقة، أي لا يؤهله لدخول هيكل الله السماوي. كما أن الذي يتدنس طقسياً غير أهل لأن يدخل هيكل سليمان.
    ٱلْقَلْب كثيراً ما يعبر الكتاب بالقلب عن مستودع ميول الإنسان، خيراً كانت أم شراً. ويعبر به أحياناً عن المشيئة، وأحياناً عن كل الصفات الأخلاقية، وهو المقصود هنا. إذاً غسل القلب لا اليدين يطهر الإنسان، فإن كان قلب الإنسان دنساً كان الإنسان كله دنساً. فقوله «ما يصدر من القلب ينجس» يدل على الحال الداخلية. وليس المقصود هنا أن الأفكار الشريرة لا تنجس القلب إلا عند ظهورها، بل إنها إذا ظهرت دلت على نجاسة مصدرها.
    ١٩ «ِأَنْ مِنَ ٱلْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ».
    تكوين ٦: ٥ و٨: ٢١ وأمثال ٦: ١٤ وإرميا ١٧: ٩ ومرقس ٧: ٢١
    هذه أهم الخطايا في العُرف اليهودي لأنها ضد وصايا الله العشر. لذلك لفت يسوع نظرهم إلى هذه الحقيقة الجوهرية لئلا تعمى بصائرهم عن نور الله كما كانت حالة أولئك. فليهربوا إذن من هذا العمى الروحي المخزي. إن أصل كل الرذائل المذكورة هنا في أهواء القلب الرديئة ومبادئه الفاسدة.
    أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ هي طليعة جيش الشرور الذي يخرج من القلب وهي أفكار الطبيعة الفاسدة. فمن الأغلاط أن لا يكترث الإنسان بأفكاره، ويكترث فقط بأعماله، فالأفكار أساس كل عمل وينابيع كل ارتكاب الشر. إن طهارة الأعمال أو نجاستها تتوقف على الأفكار التي أنتجتها. ولا يمكن للإنسان أن يكون طاهراً ما دامت أفكاره دنسة.
    قَتْلٌ هو إعدام حياة الإنسان عمداً، ونهت عنه الوصية السادسة. والقتل يتولد من الحقد والبغض وروح الانتقام التي في القلب (يعقوب ٤: ١ و١يوحنا ٣: ١٥).
    زِنىً، فِسْقٌ الزنى هو تعدي أحد الزوجين الوصية السابعة. والفسق هو تعدي الأعزب تلك الوصية، وكلاهما نتيجة الشهوة الرديئة في القلب (يعقوب ١: ١٥).
    سِرْقَةٌ هي كل تعدِ على حقوق الآخرين المالية، وهي نتيجة الطمع في القلب فتكون منهياً عنها في وصيتين هما الثامنة والعاشرة.
    شَهَادَةُ زُور هي إخفاء الحق عند الحاجة إلى بيانه، أو إظهار خلافه بهدف ضرر المشهود عليه ونفع الشاهد نفسه. فهي نتيجة الحقد أو الطمع في القلب. واللسان الكاذب يظهر أن القلب مملوء خداعاً. ونهت عنها الوصية التاسعة.
    تَجْدِيف شتم الله والناس، وقد نُهي عنه في الوصية الثالثة. ويأتي التجديف نتيجةً للغيظ الشديد في القلب. وذكر مرقس في كلامه على هذا الخطاب خطايا لم يذكرها متّى، وترك خطايا ذكرها فيه متّى. فيظهر من ذلك أن المسيح ذكر عدة خطايا، ذكر متّى بعضها وذكر مرقس البعض الآخر.
    ٢٠ « هٰذِهِ هِيَ ٱلَّتِي تُنَجِّسُ ٱلإِنْسَانَ. وَأَمَّا ٱلأَكْلُ بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ فَلاَ يُنَجِّسُ ٱلإِنْسَانَ».
    كرر هنا قوله السابق لزيادة الإيضاح والتقرير، وخلاصة ذلك أن الخطايا المذكورة تنجس الإنسان أي تجعله مكروهاً من الله وغير أهل لدخول السماء الطاهرة.. ولا ينجسه أن يترك غسلات جسدية طقسية. فشهادة المسيح بحال القلب البشري (في آيتي ١٩، ٢٠) ليست على أردأ الناس فقط بل على البشر عامة، وشهادته حق لأنه يعلم ما في الإنسان (يوحنا ٢: ٢٥). فهذا يظهر لنا إثم قلوبنا كما هو في عيني الله، واحتياجنا إلى المخلص ليغفر ذلك الإثم، وإلى الروح القدس ليطهر تلك القلوب وفقاً لقول داود «قلباً نقياً أخلق فيَّ يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي» (مزمور ٥١: ١٠). فمن طلب هذه الطلبة وحصل على المغفرة والتجديد تغيرت أحواله القديمة الرديئة «إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا» (٢كورنثوس ٥: ١٧).
    ٢١ «ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَٱنْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ».
    خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاك أي من أرض جنيسارت قرب كفرناحوم (متّى ١٤: ٣٤).
    وَٱنْصَرَف ظن البعض أنه انصرف ليتقي غضب أعدائه الذين هاجوا كثيراً في ذلك الوقت. وظن آخرون أنه انصرف ليتخلص من ازدحام الجموع الكثيرة الآتية إليه بغية الشفاء أو المشاهدة العادية. ولعله انصرف ليظهر لتلاميذه بفعل الخير لامرأة من الأمم، فإن للأمم نصيباً في فوائد مجيئه، وإن كانت خدمته الأرضية لليهود خاصة (آيتا ٢٤، ٢٦).
    ولا ريب في أن كل سفر من أسفار المسيح كان بموجب قضائه السابق لغاية معينة، سواء وضحت لنا تلك الغاية أم لا.
    نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاء قال مرقس إنه مضى إلى تخوم صور وصيدا (مرقس ٧: ٢٤) فهو لم يدخل كثيراً في أرض تلك المدينتين. ولعله بلغ التخوم ولم يتجاوزها. وكانت المدينتان أعظم المدن في فينيقية، وهما على شاطئ بحر الروم غرب الجليل وشمال غرب اليهودية.
    ٢٢ «وَإِذَا ٱمْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ ٱلتُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ: ٱرْحَمْنِي يَا سَيِّدُ يَا ٱبْنَ دَاوُدَ. اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدّا».
    كَنْعَانِيَّةٌ سُميت كذلك لأن سكان فينيقية كانوا أولاد كنعان حفيد نوح، ولم يطردهم بنو إسرائيل من أرضهم كما طردوهم من أرض فلسطين. وسماها مرقس «أممية» لأنها وثنية، وفينيقية سورية لأنها من سلالة القبائل التي أمر الله بإهلاكهم لأجل عبادتهم الأوثان ولأجل كثرة شرورهم. ونُسبت إلى سوريا لأن الأرض التي سكنتها كانت محسوبة عند الرومان جزءاً من ولاية سوريا وتحت حكم واليها.
    خَارِجَةٌ مِنْ ٱلتُّخُومِ أي آتية من بيت أو قرية في تلك الأرض قريبة أو بعيدة.
    ٱرْحَمْنِي انتشر صيت المسيح يومئذٍ في كل سوريا حتى بلغ أقاصيها (متّى ٤: ٢٤) وأتى الناس إليه من صور وصيدا (مرقس ٣: ٨). فالظاهر أن تلك المرأة سمعت برأفته وحنوه وشفقته على الحزانى والمصابين، فحملها ذلك على أن تقصد المسيح ليشفي ابنتها. فسألته الرحمة لنفسها إذ حسبت مصيبة بنتها مصيبة لها.
    وكثيراً ما تكون مصائب الإنسان بركة له، لأنها تقوده إلى المسيح. فلولا مرض تلك البنت ما عرفت هي ولا أمها المسيح، ولا أتت الأم إليه. ومن أعظم ما كان لتلك البنت من خير مع مصابها أنه كان لها والدة صلَّت إلى المسيح من أجلها. فعلى كثيرين من الأولاد الآن أن يشكروا الله أن أمهاتهم لم تكف عن الصلاة إلى المسيح من أجلهم، فإن تلك الصلاة من وسائل خلاصهم.
    يَا ٱبْنَ دَاوُدَ غلب أن يدعى المسيح بهذا الاسم أكثر من سائر أسمائه، فلا بد من أن الذين أخبروها بأعمال المسيح سموه بهذا الاسم.
    مَجْنُونَةٌ أي فيها شيطان (مرقس ٧: ٢٩).
    ٢٣ «فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: ٱصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!».
    نتعجب من تصرف المسيح مع هذه المرأة المسكينة، كما نتعجب من شدة كلامه معها وهو المشهور عنه بالرقة واللين نحو المرأة بنوع خاص. ونرى فرقاً في هذا الحديث عن حديثه مع المرأة السامرية مثلاً. فلماذا؟ لا نستطيع أن نفهم الموقف تماماً إلا بدرس القرائن كلها. ويظهر أن هذه المرأة احتاجت إلى مثل هذا الكلام لتُظهر إيمانها العظيم.
    فَلَمْ يُجِبْهَا أي بقي ساكتاً، وهذه يعني عدم قبوله طلبها. وهذه هي المرة الوحيدة التي ذكر فيها أن المسيح أبى أن يعمل المعجزة إحساناً إلى المصابين، إذ كثيراً ما صنع المعجزات بدون طلب. على أن امتناعه هنا الآن كان وقتياً لغاية ذات شأن، وهي أن يمتحن إيمان الوالدة وليعلّم تلاميذه (لا لعدم إرادته أن يشفي المريضة) كما يظهر من النتيجة. ولا بد أن سكوت المسيح كان محزناً لتلك الأم، وامتحاناً لإيمانها، ومثاراً لاستغرابها، لأنه كان خلاف ما سمعت به من أمر المسيح.
    فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ تبعتهم المرأة المذكورة وصرخت وراءهم حتى شفق التلاميذ عليها، أو ضجروا من لجاجتها، أو خافوا أن يجتمع الناس على صراخها. فتوسَّطوا لها مع المسيح.
    ٱصْرِفْهَا أي اشفِ ابنتها فتنصرف. ويتضح هذا من القرينة لا من هذا اللفظ.
    تَصِيحُ وَرَاءَنَا يُحتمل أنهم قالوا ذلك لتكدرهم من صوتها، أو لأنها أظهرت بصياحها حزنها وغيرتها وثباتها وإيمانها، فلذلك سألوا المسيح إجابتها لطلبها.
    ٢٤ «فَأَجَابَ: لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ».
    متّى ١٠: ٦ وأعمال ٣: ٢٥ و١٣: ٤٦ ورومية ١٥: ٨
    لم ينجح الوسطاء في سؤال المسيح أكثر مما نجحت المرأة نفسها، فأسكتهم بجوابه، كما أنه لم يلتفت إليها. وطلب الرسل من المسيح تلك المعجزة لأنهم أيقنوا أنه لا مانع حينئذٍ من شفاء تلك الابنة سوى عدم إرادته هو أن يشفيها.
    أُرْسَلْ أي من الآب.
    خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ يظهر من هذا أن وظيفة المسيح كانت مختصة باليهود. ولكن أُنبئ عنه بأن به تتبارك كل قبائل الأرض (تكوين ٢٢: ١٨) وهو نفسه قال «لِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ» (يوحنا ١٠: ١٦) فهذا الاختلاف بين قول المسيح هنا، وقول النبوة، وقوله في يوحنا ١٠: ١٦) ليس أن المسيح غيَّر قصده بعد تأسيس ملكوته وحصوله على شيء من النجاح، فوسع دائرته كما فعل بعض مؤسسي الأديان الفاسدة، لأن المسيح قصد من البدء أن يكون دينه لكل البشر (يوحنا ٣: ١٥، ١٦ و١٢: ٣٢) فجواب المسيح للتلاميذ يشير إلى خدمته الشخصية وهو على الأرض في الجسد يعظ ويصنع المعجزات، ولا يشير البتة إلى عمله باعتباره فادياً أو وسيطاً بين الله والناس. والله قضى أن يُنادى بالإنجيل لليهود أولاً إتماماً للمواعيد التي وعد بها إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكانت خدمة المسيح على الأرض تكميلاً لذلك القضاء وتلك المواعيد. وشفقة المسيح على اليهود حصرت تبشيره بهم، فإنه لو نادى للأمم أيضاً لرفض اليهود كلهم ذلك في الحال لشدة تعصبهم. وعلى ذلك قال بولس «وَأَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمَ الْخِتَانِ، مِنْ أَجْلِ صِدْقِ اللهِ، حَتَّى يُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ الآبَاءِ. وَأَمَّا الأُمَمُ فَمَجَّدُوا اللهَ مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«مِنْ أَجْلِ ذلِكَ سَأَحْمَدُكَ فِي الأُمَمِ» (رومية ١٥: ٨، ٩). فجواب المسيح لتلاميذه ليس إنكاراً قاطعاً لطلبهم، لكنه إظهار لأن إجابة تلك الطلبة خارجة عن دائرة إرساليته حينئذٍ.
    ٢٥ «فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: يَا سَيِّدُ أَعِنِّي».
    ظلت المرأة تصرخ وراء المسيح وهو ماشٍ إلى أن دخل بيتاً (مرقس ٧: ٢٤) فدخلت وراءه وسجدت له داعية إياه «سيداً» بياناً لاحترامها له، وسألته المعونة لأنها كانت في غاية الشدة. وكانت صلاتها وجيزة جداً. لكن إمارات وجهها ودموعها وإلحاحها جعلت لكلامها تأثيراً.
    ٢٦ «فَأَجَابَ: لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ ٱلْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ».
    ص ٧: ٦ وفيلبي ٣: ٢
    أخذ المسيح يجاوبها. لكن جوابه كان مما يحمل على اليأس أكثر من سكوته السابق.
    لَيْسَ حَسَناً أي غير لائق.
    خُبْزُ ٱلْبَنِين أي الخبز المعد لأجلهم، أي بركات الإنجيل من معجزات وغيرها مما خص الله به اليهود أولاً باعتبار كونهم بني الملكوت (متّى ٨: ١٢) وورثة المواعيد. وإن أظهروا أنهم لا يستحقون. وإذ كان اليهود بمنزلة البنين اقتضى أن يطعمهم أولاً (مرقس ٧: ٢٧) ولا يليق أن يؤخذ الطعام منهم ويُعطى للأمم.
    لِلْكِلاَب تستعار الكلاب في الكتاب المقدس للإهانة إذا أريد بها كلاب الأزقة (تثنية ٢٣: ١٨ و١صموئيل ١٧: ٤٣ ومتّى ٧: ٦ ورؤيا ٢٢: ١٥). ولقَّب اليهود الأمم بالكلاب ليهينوهم بدعوى أن هم كالكلاب ينجسون الآخرين. ولو كان هذا قصد المسيح فلا بد أنه أظهر قساوةً أكثر مما يُتوقع منه. ولكن بعض القساوة تزول إذا كان قصده بالكلاب هنا كلاب البيت التي تجلس تحت مائدة أربابها، وهو المرجح.
    فعلى ذلك ليست المقارنة هنا بين الأولاد والكلاب المؤذية الكريهة التي تجول في الأزقة، بل بينهم وبين كلاب البيت التي تتوقع أن تُطعم بعد إطعام الأولاد، بدليل قوله له المجد «دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلاً يَشْبَعُونَ» (مرقس ٧: ٢٧).
    وتزول بعض القساوة إذا اعتبرنا أن المسيح خاطبها بالكلمات التي اعتاد اليهود أن يستعملوها في الكلام عن الأمم، دون أن يحكم بصحة كون الأمم أردأ من اليهود.
    وتزول أكثر القساوة إذا اعتبرنا أن المسيح قال لها ذلك امتحاناً لتواضعها وإيمانها.
    وتزول تلك القساوة إذا اعتبرنا أن القساوة كانت في اللفظ فقط، وأن قلب المسيح كان مملوءاً حنواً ورحمة لتلك المرأة. ومثل ذلك ما أظهره يوسف في مصر من القساوة لإخوته مع أن قلبه كان مملوءاً بالحب لهم، حتى أنه اضطر أن ينفرد عنهم ليبكي (تكوين ٤٢: ٧، ٢٤)
    وخلاصة جواب المسيح لها أن الوقت لإظهار الرحمة لم يأت بعد.
    ٢٧ «فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا سَيِّدُ. وَٱلْكِلاَبُ أَيْضاً تَأْكُلُ مِنَ ٱلْفُتَاتِ ٱلَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا».
    لو وجه المسيح كلامه السابق إلى غير هذه المرأة ليئس الإنسان كل اليأس منه، أو غضب غضباً شديداً وانصرف. ولكنها رأت بإيمانها وتواضعها من كلامه موضوعاً للرجاء، فحوَّلت لصالحها ما ظهر أنه ضدها. فسلَّمت بقوله إن الأمم بالنسبة إلى اليهود كالكلاب تحت مائدة أربابها، وسألته بالشكر ما يترتب على ذلك من الحقوق. فكأنها قالت: «لا يجوز أن يُحرم البنون خبزهم لتأكله الكلاب. ولكن للكلاب أن تأكل الفتات الساقط من مائدة البنين، فلا يخسر البنون شيئاً. فشفاء ابنتي كأنه فتات بالنسبة إلى كثرة المعجزات التي صُنعت لليهود». فأظهرت بهذا إيماناً مثل الإيمان التي أظهرته المرأة التي تيقنت الشفاء من مجرد لمس هدب ثوبه. لقد تيقنت الفينيقية شفاء ابنتها والتعزية والفرح لقلبها من مجرد كسرة صغيرة تحصل عليها من وليمة بركات المسيح.
    أَرْبَابِهَا جاءت بذلك جمعاً لتعدد رؤساء العائلات، مع أنها أرادت واحداً هو الله لأنه رب كل عائلة.
    أما خبز البنين الآن فهو المسيح. ولا أحد من أولاد آدم يعد بمنزلة الكلب ويُمنع من الجلوس على مائدة السيد، فالكل مدعوٌ إليها مجاناً. فَفِعل تلك المرأة في ذلك مثال لنا الآن، فإنها طلبت شفاءً جسدياً ولم تيأس من كثرة الموانع الظاهرة. فبالأولى يجب أن نطلب الحياة الأبدية لنفوسنا ونداوم على ذلك مهما ظهر لنا من الموانع.
    ٢٨ «حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لَـهَا: يَا ٱمْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ. فَشُفِيَتِ ٱبْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ».
    بعد أن امتحن المسيح إيمانها وتواضعها امتحاناً كافياً أخذ يجيب طلبها، فكافأها على تواضعها بمدحه لها، وتسجيل قصتها في الإنجيل، فتُذكر به إلى نهاية الزمان.
    عَظِيمٌ إِيمَانُك لم يمدح المسيح غيرها بمثل هذا المدح سوى قائد المئة المذكور في متّى ٨: ١٠ وكلاهما من الوثنيين. وظهرت عظمة إيمانها بالنسبة إلى عدم إيمان اليهود الذين كانت لهم كل الوسائط لمعرفة المسيح والإيمان به، وكل منهما حصل بإيمانه الشفاء لغيره لا لنفسه. فإيمان المرأة كان عظيماً حتى غلب كل الموانع الظاهرة في طريق الحصول عليه. ولا شك أنها لعظمة إيمانها لم تُحسب أجنبية بعد، بل حُسبت ابنة إبراهيم المؤمن (رومية ٤: ١٦).
    كَمَا تُرِيدِينَ أظهر المسيح في أول الأمر أنه لا يريد أن يعطيها أدنى شيء، ولكن بعد امتحان إيمانها فتح لها مخازن نعمته، وأذن لها أن تأخذ كل ما شاءت. فلا شك أن النفع لنفسها في هذا الأسلوب كان أعظم مما لو أجابها المسيح في بدء الطلب.
    فَشُفِيَتِ ٱبْنَتُهَا أي خرج الشيطان منها وبرئت من تأثيره الرديء. والمسيح شفى هذه البنت وهي بعيدة عنه كما كان في أمر ابن رئيس المجمع في كفرناحوم (يوحنا ٤: ٥٠) وخادم قائد المئة (متّى ٨: ١٣). وبرهن بذلك فاعلية قدرته بكلمته وهو غائب كفاعليتها بلمسه وهو حاضر.
    نرى في قصة هذه المرأة أربعة أمور تستحق الاعتبار: (١) إظهار محبتها كأمٍّ بأحسن طريق، وهو طلب معونة المسيح لابنتها. (٢) تواضعها. (٣) لجاجتها في الصلاة والمداومة عليها. (٤) إيمانها ومدح المسيح ذلك دون غيره، لأن الإيمان أعظم الفضائل عند المسيح وأصل كل فضيلة.
    ولنا من هذه القصة تعليمنا أن الله قد يبطئ عن استجابة الصلاة مع أنه عازم على الإجابة. ولنا تعليم قيمة الإلحاح والمداومة والتواضع والإيمان في الصلاة، وإثبات صدق وعده في قوله «اطلبوا تجدوا» وفي القصة تعزية عظيمة للوالدين الذين يسألون المسيح البركات الروحية لأولادهم، وإن الإيمان أصل الشجرة التي أغصانها التواضع والصبر والمداومة على الصلاة. وأن من يُحسبون أدنى الناس وأنهم محرومون هالكون يجب أن لا ييأسوا من النعمة إذا طلبوها بالإيمان والتوبة. وهي تذكرنا بقصة يعقوب وهو يصارع الملاك الليل كله فانتصر أخيراً (تكوين ٣٢: ٢٤ - ٣٢ وهوشع ١٢: ٣، ٤).
    ٢٩ «ثُمَّ ٱنْتَقَلَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى جَانِبِ بَحْرِ ٱلْجَلِيلِ، وَصَعِدَ إِلَى ٱلْجَبَلِ وَجَلَسَ هُنَاكَ».
    مِنْ هُنَاك أي من تخوم صور وصيدا.
    جَانِبِ بَحْرِ ٱلْجَلِيل قال لوقا إن المسيح مرَّ بالعشر المدن التي هي شرق ذلك البحر.
    إِلَى ٱلْجَبَل الأرجح أنه قصد بذلك الراحة والعزلة والانفراد ولكنه قلما حصل عليهما. والمقصود بذلك الجبل الأرض المرتفعة شمال العشر المدن وشرق الأردن.
    ٣٠ «فَجَاءَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، مَعَهُمْ عُرْجٌ وَعُمْيٌ وَخُرْسٌ وَشُلٌّ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَطَرَحُوهُمْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ. فَشَفَاهُمْ».
    إشعياء ٣٥: ٥، ٦ ومتّى ١١: ٥ ولوقا ٧: ٢٢
    جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ نستنتج من كثرة المجتمعين إلى المسيح أنه لم يذهب قبلاً إلى تلك البلاد.
    وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ذكر البشير هنا أربعة أنواع من المرضى، ثم وجد «آخرين كثيرين» بأمراض مختلفة لا يسع الوقت ذكر أمراضهم بالتفصيل، فاقتصر على هاتين الكلمتين.
    وَطَرَحُوهُمْ أتوا ذلك بغية تحريك شفقة المسيح عليهم، ورغبة في حصول الشفاء بالحال عن يد المسيح.
    فَشَفَاهُم نفهم من ذلك أن المسيح شفى كل مريض قُدم إليه بلا استثناء، فلم يذكر متّى شيئاً من ذلك بالتفصيل، ولكن مرقس ذكر إحدى المعجزات الكثيرة التي صنعها المسيح في ذلك الوقت (مرقس ٧: ٣٢ - ٣٥).
    فكما كان المسيح قادراً ومستعداً حينئذٍ على شفاء كل أولئك المرضى، هو الآن قادر ومستعد على صنع معجزات أعظم من تلك في نفوس الناس. وكما أنه لم يعسر عليه في ذلك الوقت شفاء أي نوع كان من الأمراض الجسدية، لا يعسر عليه الآن شفاء أي نوع كان من الأمراض الروحية.
    ٣١ «حَتَّى تَعَجَّبَ ٱلْجُمُوعُ إِذْ رَأَوُا ٱلْخُرْسَ يَتَكَلَّمُونَ، وَٱلشُّلَّ يَصِحُّونَ، وَٱلْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَٱلْعُمْيَ يُبْصِرُونَ. وَمَجَّدُوا إِلٰهَ إِسْرَائِيلَ».
    في هذه الآية بيان تأثير المعجزات في نفوس المشاهدين، وهو تعجبهم وتمجيدهم، مما يدل على أن المسيح لم يأتِ الأرض قبل ذلك. وكرر متّى هنا ذكر أنواع المرض الأربعة التي ذكرها قبلاً على خلاف الترتيب السابق، وزاد بيان التغيير الذي حصل لكل من شفي.
    إِلٰهَ إِسْرَائِيل من هذا نستدل أن أكثر أولئك الجبليين كانوا من الأمم. ولعلهم الجدريون الذين شفى المسيح في أرضهم المجنون الذي كان فيه لجئون وسألوه أن ينصرف عن تخومهم.
    ٣٢ «وَأَمَّا يَسُوعُ فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ: إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى ٱلْجَمْعِ، لأَنَّ ٱلآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي ٱلطَّرِيقِ».
    مرقس ٨: ١ الخ
    ما أجمل هذه العناية وما أعظمها! هؤلاء الناس قد انصرفوا إلى يسوع تاركين بيوتهم وعيالهم، فجوعهم ليس عن فقر بل عن انشغال بما هو أعظم من الأكل. لذلك أرادهم يسوع أن ينتعشوا جسدياً كما انتعشوا روحياً، واهتم بإطعامهم.
    المرجح أن الموضع الذي صُنعت فيه المعجزة الآتية ليس بعيداً عن الموضع الذي أشبع فيه خمسة الآلاف (متّى ١٤: ١٥ - ٢١) غير أن ذلك كان في سهل قرب بيت صيدا ونهر الأردن. ولكن هذا كان في وعر جبلي شرق ذاك (مرقس ٧: ٣١) ومما قيل في مرقس ٧: ٣٩ عن جهة انصرافه منه، وذلك أنه كان عبر البحر إلى مجدل التي هي على شاطئ البحر الغربي.
    فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ أي للعناية بالجمع. وذلك كان من المسيح من تلقاء ذاته. ولا شيء يدل على أن الناس سألوه إياه. وفيه إتمام قوله سابقاً: «اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ» (متّى ٦: ٣٣)
    إِنِّي أُشْفِق نُسب إلى المسيح في الإنجيل انفعالات كثيرة كالغيرة والفرح والشكر والغضب والتعجب، والذي نُسب إليه أكثر من الجميع هو الشفقة، فهي صفته الغالبة. ولا ريب في أن ذلك كُتب لتعزيتنا وفائدتنا لنعرف عظمة الملجأ الذي لنا في المسيح.
    ثَلاَثَةَ أَيَّام هذا في اصطلاح اليهود، ولا يشير ضرورة إلى أكثر من يوم كامل وجزئين من يومين آخرين. فمضت عليهم ليلتان في تلك البرية. والمرجح أنهم أكلوا في اليوم الأول والثاني ما كان معهم من الطعام. ولذلك لا يجب أن يكون المعنى أنهم لم يذوقوا شيئاً في كل تلك المدة. ولكن في اليوم الثالث لم يكن عندهم شيء يؤكل. فانظروا كيف يحفظ الرب حساب الوقت الذي يُصرف في خدمته (رؤيا ٢: ٢). أما المسيح فصرف تلك الأيام بالتعليم وشفاء المرضى.
    صَائِمِينَ أي بلا طعام، وليس لأنهم يؤدون فرضاً دينياً.
    يُخَوِّرُوا أي يضعفون من عدم الأكل. قليل من الناس اليوم يهملون أجسادهم ليعتنوا بنفوسهم، ولكن لا بد أن المسيح يعتني بهم.
    شفاهم المسيح ثم أطعمهم. وكذلك يصنع للذين يشفي أنفسهم من مرض الخطية، ثم يطعمهم من الخبز الحقيقي النازل من السماء ليتقووا فلا يخورون في الطريق السماوية.
    ٣٣ «فَقَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: مِنْ أَيْنَ لَنَا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ خُبْزٌ بِهٰذَا ٱلْمِقْدَارِ، حَتَّى يُشْبِعَ جَمْعاً هٰذَا عَدَدُهُ؟».
    ٢ملوك ٤: ٤٣
    مِنْ أَيْنَ لَنَا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ هذا دليل واضح أن ذلك المكان قفر خالٍ من السكان والطعام. وكان حصولهم على ما يحتاجون إليه بالوسائط الطبيعية مستحيلاً، ولم يتوقعوا الحصول على ذلك بمعجزة. وسؤال الرسل يذكرنا بقول موسى لله عن إطعام بني إسرائيل لحماً في البرية «أَيُذْبَحُ لَهُمْ غَنَمٌ وَبَقَرٌ لِيَكْفِيَهُمْ؟ أَمْ يُجْمَعُ لَهُمْ كُلُّ سَمَكِ الْبَحْرِ لِيَكْفِيَهُمْ؟» (عدد ١١: ٢٢).
    ومن الغريب هنا أن الرسل نسوا معجزة إشباع خمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين سابقاً، ولم يتوقعوا مثلها حينئذٍ. لكن قلب الإنسان يميل إلى عدم الإيمان في كل زمان ولا سيما في أوقات الضيق والاضطراب، فينسى النجاة السابقة، كما نسي بنو إسرائيل يوم اشتد بهم العطش أن الرب قد شق لهم البحر الأحمر، وتساءلوا «أَفِي وَسْطِنَا الرَّبُّ أَمْ لاَ؟» (خروج ١٧: ١ - ٧ ومزمور ٧٨: ١٩، ٢٠). فنسيان المراحم في الماضي يُولد الشكوك في الحاضر.
    ولعدم توقع الرسل المعجزة ثلاثة أسباب: (١) أنهم لم يروا سوى معجزة واحدة من هذا النوع. ومن وقتها رجعوا إلى الأكل بالطريق العادية. (٢) أنه مضى عليهم ثلاثة أيام دون أن يُظهر لهم من المسيح ما يدل على أنه أراد أن يجري معجزة. (٣) إن مشاورته لتلاميذه حملتهم على الظن بأنه أراد إطعام الجموع بوسائط عادية.
    ٣٤ «فَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: كَمْ عِنْدَكُمْ مِنَ ٱلْخُبْزِ؟ فَقَالُوا: سَبْعَةٌ وَقَلِيلٌ مِنْ صِغَارِ ٱلسَّمَكِ».
    لم يسألهم المسيح عن قدر ما عندهم من الطعام لأنه لا يعرفه، بل لينبههم لقلة الطعام بالنسبة إلى كثرة الجياع. وكان عدد الأرغفة يومئذٍ أكثر من عدد الأرغفة في المعجزة الماضية والسمك قليل من صغاره. فيظهر من ذلك أن هذه المعجزة غير تلك. والأرجح أن ذلك الطعام القليل هو ما أعدَّه التلاميذ لأنفسهم. وهذا يدل على بساطة معيشتهم وهم يتجولون من مكان لآخر.
    ٣٥ «فَأَمَرَ ٱلْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى ٱلأَرْضِ».
    هذه هي العادة القديمة عند اليهود أن يتكئوا وقت الطعام لكي يهونوا على أنفسهم ويرتاحوا قبل الشروع في الأكل. ولا شك أن هذه الحكمة شرقية قديمة. فيا ليتنا نأتي إلى الطعام مرتاحين قنوعين.
    أمر المسيح الجموع في المعجزة السابقة أن يتكئوا على العشب وهنا أمر من معهم بالاتكاء على الأرض، مما يؤيد القول إن المكان قفر خالٍ. وكان الاتكاء لراحة الجموع وسهولة مرور التلاميذ بينهم عند توزيع الطعام. ولا بد أن اتكاءهم للأكل في تلك الحال كان إيماناً منهم أن لهم طعاماً يكفيهم في مثل ذلك المكان.
    ٣٦ «وَأَخَذَ ٱلسَّبْعَ خُبْزَاتٍ وَٱلسَّمَكَ، وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ، وَٱلتَّلاَمِيذُ أَعْطَوُا ٱلْجَمْعَ».
    ١صموئيل ٩: ١٣ ومتّى ١٤: ١٩ ولوقا ٢٢: ١٩
    جاء الشكر قبل كسر الخبز، ولولاه ما جرت المعجزة. فلنكن شاكرين كل حين. وقد ذكر البشير هنا أن المسيح شكر كما فعل في المعجزة السابقة، لكنه زاد في الأولى أنه «َرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ» (متّى ١٤: ١٩). وفي هذا خير مثال للمؤمنين. وكان من عادة المسيح أن يُظهر موافقته للآب، فشكره لأجل الخبز ولأجل شبع الشعب الذي سيكون به. ثم وزَّع الطعام على الجموع على أيدي التلاميذ ليتحققوا أنه يقدر أن يعمل ما اعتقدوا عدم إمكانه.
    ٣٧ «فَأَكَلَ ٱلْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ ٱلْكِسَرِ سَبْعَةَ سِلاَلٍ مَمْلُوءَةٍ».
    بقاء الكسر برهان على أن الآكلين شبعوا. فأمر المسيح تلاميذه بجمع الكسر مثال للتدبير والاقتصاد، وجمعوها ليأكلوها عند الحاجة. والأوعية التي جُمعت بها الكسر هنا تختلف عن الأوعية التي جمعت بها الكسر في المعجزة السابقة، في أمرين: (١) عددها، فإنها كانت في الأولى ١٢ وفي الثانية سبعاً. و(٢) نوعها، فإنها كانت في الأولى قففاً وفي الثانية سلالاً وهي أكبر من القفف، فإن السل كان يسع إنساناً (أعمال ٩: ٢٥). والمسيح ميز بعد ذلك بين نوعي الأوعية يوم ذكرهم بالمعجزتين (متّى ١٦: ٩، ١٠).
    ٣٨ «وَٱلآكِلُونَ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلاَفِ رَجُلٍ مَا عَدَا ٱلنِّسَاءَ وَٱلأَوْلاَدَ».
    كان عدد الآكلين في هذه المعجزة أقل من عددهم في المعجزة السابقة، وكان عدد الأرغفة عند التلاميذ فيها أكثر من عدد الأرغفة في الأولى، وفي كليهما أظهر المسيح قوته الإلهية. وفي هذا الخبر برهان على صدق البشير، فإنه ذكر الحادثة كما وقعت. فلو كان الخبر مصنوعاً كان زاد عظمة المعجزة الثانية على المعجزة الأولى ليُظهر أن المسيح يرتقي في أعماله. وأولئك الأربعة الآلاف صاروا أربعة آلاف شاهد بقوة المسيح وشفقته.
    ٣٩ «ثُمَّ صَرَفَ ٱلْجُمُوعَ وَصَعِدَ إِلَى ٱلسَّفِينَةِ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ مَجْدَلَ».
    مرقس ٨: ١٠
    بعد أن أطعم المسيح الجموع صرفهم وأخذ سفينة وعبر البحر إلى الجانب الغربي، فلم يبق هنالك حتى لا يعبده الشعب ويخدمه، بل ذهب ليفعل الخير في مكان آخر.
    تُخُومِ مَجْدَل معنى مجدل «برج» وهو اسم عدة أماكن في فلسطين. وهو هنا قرية على بُعد ثلاثة أميال أو ساعة من مدينة طبرية شمالاً، وكان منها مريم المجدلية التي أخرج المسيح منها سبعة شياطين (مرقس ١٦: ٩).
    قال مرقس أنهم ذهبوا إلى دلمانوثا (مرقس ٨: ١٠) وهي قرية قرب مجدل وأصغر منها، بينما ذكر متّى تخوم مجدل التي تضم المكانين.

    الأصحاح السادس عشر


    ١ «وَجَاءَ إِلَيْهِ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ وَٱلصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ».
    متّى ١٢: ٣٨ ومرقس ٨: ١١ ولوقا ١١: ١٦ و١٢: ٥٤ الخ و١كورنثوس ١: ٢٢
    ٱلْفَرِّيسِيُّونَ وَٱلصَّدُّوقِيُّون هما فرقتان من اليهود مختلفتان في بعض العقائد، وبينهما بغضة وخصومة. فكان الفريسيون غيورين للناموس والتقليد، وكان الصدوقيون يرفضون كل التقاليد وبعض أسفار الوحي (متّى ٣: ٧). وبالرغم من تلك العداوة بين الفريقين اتفقا على مقاومة المسيح، فسألاه ما سأله الكتبة والفريسيون قبلاً عبثاً (متّى ١٢: ٣٨).
    لِيُجَرِّبُوهُ ليمتحنوا صحة دعواه لشكهم فيها أو لإنكارهم إياها. وكان سؤالهم للتجربة لأنه لم يكن بنيَّة خالصة، بل عن خداع ليصطادوه بفخهم، ويشككوا الناس فيه، فكانوا كالشيطان مجرِّب المسيح والناس. لم يكونوا محتاجين إلى آية من السماء أعظم وأوضح مما شاهدوه أو سمعوا به حتى الآن، ومع هذا انتحلوا السؤال لأن في قلوبهم مرضاً!
    آيَةً مِنَ ٱلسَّمَاء سألوه ذلك لاتهامهم أن ما أتاه من الآيات كان من الأرض بسحر أو شعوذة، أو من جهنم بقوة رئيس الشياطين كما أعلنوا ذلك قبلاً (متّى ١٢: ٢٤). ولعل الناس كانوا يتوقعون أن تظهر عند مجيء المسيح آيات غريبة في السماء، فطلبوا وفق ما توقعوا. والأرجح أنهم طلبوا ذلك تعجيزاً له ليكون لهم حجة على عدم اقتناعهم بالمعجزات التي صنعها قبلاً.
    ٢ «فَأَجَابَ: إِذَا كَانَ ٱلْمَسَاءُ قُلْتُمْ: صَحْوٌ لأَنَّ ٱلسَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ».
    وبخهم على أنهم يستدلون من مظاهر الجو الغامضة على ما سيقع من الحوادث الجوية في الغد، ومع هذا لم يقتنعوا بالبراهين الواضحة التي أقامها على صحة دعواه.
    ٱلْمَسَاءُ أي المساء الثاني، وهو بين الغروب والعتمة.
    قُلْتُم أي اعتقدتم أن تقولوا في المخاطبات المعتادة في أحوال الجو.
    مُحْمَرَّة كثيراً ما تحمر السماء مساءً عند المغرب أو بعده بقليل. وكان القدماء يتخذون ذلك علامة على صحو الغد كعادة الناس اليوم.
    ٣ «وَفِي ٱلصَّبَاحِ: ٱلْيَوْمَ شِتَاءٌ لأَنَّ ٱلسَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ بِعُبُوسَةٍ. يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ ٱلسَّمَاءِ، وَأَمَّا عَلاَمَاتُ ٱلأَزْمِنَةِ فَلاَ تَسْتَطِيعُونَ».
    مُحْمَرَّةٌ بِعُبُوسَةٍ ذلك لا يكون إلا لغيوم تقع عليها أشعة الفجر، فاستدلوا بذلك على قرب المطر.
    يَا مُرَاؤُونَ أي يا مخادعون. وصفهم بالرياء لأنهم ادعوا القدرة على الإنباء بالمطر أو الصحو من المظاهر الجوية الغامضة، وهم يسألون زيادة البراهين على أنه قد أتى الزمان الموعود أن يأتي فيه المسيح، وزيادة البراهين منه على أنه هو المسيح المنتظر، مع أنه كان لديهم براهين كافية لإثبات ذلك.
    عَلاَمَاتُ ٱلأَزْمِنَةِ أي الأوقات المعينة في النبوات بإتيان المسيح والعصور الإنجيلية. وتلك العلامات هي مجيء يوحنا المعمدان الذي سبق المسيح، والمعجزات التي صنعها يسوع، والنبوات التي تمت في زمانه ومنها «زوال القضيب من يهوذا والمشترع من بين رجليه» (تكوين ٤٩: ١٠) ومنها انتهاء أسابيع نبوة دانيال (دا ٩: ٢٥). فهم لم يروا شيئاً من هذه مع زيادة وضوحها. ولا زلنا نرى كثيرين أذكياء نابهين في أحكامهم الدنيوية، ولكنهم كسالى مخطئون في أحكامهم الدينية، لا يستطيعون إدراك شيء مما يخالف أغراضهم وأهواءهم.
    ٤ «جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ ٱلنَّبِيِّ. ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَمَضَى».
    متّى ١٢: ٣٩ الخ
    في هذه الآية بقية جواب المسيح، وهو كالكلام في متّى ١٢: ٣٩ وقد فُسر هناك. لقد حسب يسوع أن طلبهم المعجزة كان في غير محله، لأنه قد أعطيت لهم آيات بدل آية. فما معنى هذا الطلب؟ أما آية يونان النبي فتفيد على الأيام الثلاثة بين صلبه وقيامته، كما أنها إشارة إلى توبة أهل نينوى. فهل لهم أن يتوبوا كما فعل أولئك؟
    تَرَكَهُمْ وَمَضَى في هذا إشارة إلى سرعة ذهابه عنهم حزناً عليهم وغيظاً لعنادهم ومكابرتهم.
    ٥ «وَلَمَّا جَاءَ تَلاَمِيذُهُ إِلَى ٱلْعَبْرِ نَسَوْا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزاً».
    مرقس ٨: ١٤
    إِلَى ٱلْعَبْرِ أي عبر بحر الجليل، فإنهم كانوا قرب مجدل على الشاطئ الغربي، فعبروا إلى الشاطئ الشرقي.
    نَسَوْا الخ أي أهملوا الاستعداد للسفر إلى أرض برية حيث يصعب الحصول على الطعام. وذكر مرقس أنه لم يكن معهم سوى «رغيف واحد» (مرقس ٨: ١٤) وذكر متّى الخبر ككل، لأن الخبز هو المعوَّل عليه في التغذية وأسهل نقلاً في السفر.
    ٦ «وَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: ٱنْظُرُوا وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ».
    لوقا ١٢: ١
    كان موضوع أفكار التلاميذ وحديثهم نسيان الخبز. وكانوا يهتمون بما يحتاجون إليه في المستقبل، فاغتنم المسيح الفرصة ليعلمهم درساً روحياً باستعارة إحدى المواد المتعلقة بعمل الخبز، وهي الخميرة وتأثيرها التخمير وهو بدء الفساد. فاستعار الخمير للمفسدات الأخلاقية، لأنه حُرِّم في أكثر تقدمات الشريعة الموسوية (خروج ٣٤: ٢٥ ولاويين ٢: ١١).
    خَمِيرِ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّين أي فسادهم الأخلاقي وهو الرياء (لوقا ١٢: ١). وذلك أنهم ادعوا الغيرة للحق وقلوبهم فارغة منها. وقال مرقس «وأوصاهم قائلاً: انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس» (مرقس ٨: ١٥) لأن هيرودس ومعظم أتباعه كانوا من الصدوقيين. والفريسيون طقسيو ذلك الزمن، والصدوقيون طبيعيو نفس الزمن، وكلاهما لم يكن يكترث بالدين، وكلهم كافرون في القلوب لكنهم تظاهروا بالغيرة العظمى للحق.
    فائدتان: (١) أن أفضل الناس يحتاج إلى التنبيه كيلا يقع في التجربة. و(٢) أن الخطر من المضلين المتظاهرين بالتقوى الزائدة أعظم من خطر المضلّين أصحاب الشرور المُعلنة.
    ٧ «فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: إِنَّنَا لَمْ نَأْخُذْ خُبْزاً».
    فَفَكَّرُوا اهتموا بالخبز وأظهروا عظمة ذلك الاهتمام بحرارة حديثهم عنه.
    إِنَّنَا لَمْ نَأْخُذْ خُبْزاً فهم التلاميذ كلام المسيح على ظاهر معناه ولم ينتبهوا للمجاز، لأن أفكارهم كانت مشغولة بالخبز، فلم يفهموا من قول المسيح «احترسوا من خمير» إلا الخبز المختمر. ومما عطلهم عن الفهم أنه كان لليهود كلام طقسي كثير في شأن الخمير، فقال بعضهم إنه لا يجوز الحصول عليه من الأمم. ولعل التلاميذ ظنوا أن المسيح حذرهم من أخذ الخبز المختمر من الفريسيين لئلا يتدنسوا منهم كما يتدنسون من الأمم، لأن الفريسيين يقاومونه. ولولا بساطة التلاميذ وجهلهم وبطء فهمهم معاني كلام المسيح الباطنة ما وقعوا في ذلك الغلط بعد مضي زمان طويل لهم معه.
    ٨ «فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَـهُمْ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَانِ أَنَّكُمْ لَمْ تَأْخُذُوا خُبْزاً؟».
    فَعَلِمَ يَسُوعُ أي علم أفكارهم وأقوالهم، ولم يلمهم على نسيان الخبز لكن على عدم ثقتهم بأنه يقدر أن يسدد احتياجهم.
    يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَانِ يبين قلة إيمانهم أمران: (١) عدم فهمهم الأمور الروحية التي أنبأهم المسيح بها باستعارة جسدية. فلو كان لهم إيمان كافٍ لفهموا ذلك، لأن الإيمان قوة تُرى بها الروحيات. و(٢) كثرة اهتمامهم بالاحتياجات الجسدية وعدم ثقتهم بأن المسيح يقوم بها. ولامهم المسيح على أنهم عموا عن الروحيات باهتمامهم بالجسديات.
    ٩، ١٠ «٩ أَحَتَّى ٱلآنَ لاَ تَفْهَمُونَ، وَلاَ تَذْكُرُونَ خَمْسَ خُبْزَاتِ ٱلْخَمْسَةِ ٱلآلاَفِ وَكَمْ قُفَّةً أَخَذْتُمْ، ١٠ وَلاَ سَبْعَ خُبْزَاتِ ٱلأَرْبَعَةِ ٱلآلاَفِ وَكَمْ سَلاًّ أَخَذْتُمْ؟».
    متّى ١٤: ١٧ ويوحنا ٦: ٩ ومتّى ١٥: ٣٤
    أَحَتَّى ٱلآنَ لاَ تَفْهَمُونَ أي هل لم تعرفوا بعد مصاحبتكم لي كل هذا الزمان، وسماعكم أقوالي وتعاليمي مراراً كثيرة، أن غاية كلامي وخلاصة تعليمي هي الحقائق الروحية الضرورية لحياة نفوس البشر، لا الأمور الطفيفة كخمير الخبز وفطيره وما أشبه ذلك؟
    وَلاَ تَذْكُرُونَ مما زاد اللوم على قلة إيمانهم أنهم شاهدوا منذ قليل عمله المعجز في إشباع ألوف وقت الحاجة، ومع هذا نسوا ما علَّمهم بتلك المعجزتين أنه ما دام معهم فلا يجب أن يهتموا كل هذا الاهتمام بالأمور الجسدية. فكأنه قال لهم: أيها الغافلون، أيعجز من أشبع خمسة آلاف في البرية ثم أربعة آلاف من قليلٍ من الخبز، عن أن يشبع اثني عشر رجلاً؟!.
    قُفَّةً... سَلاًّ ميز المسيح بين الأوعية التي جمع فيها الخبز، كما ميز بينها البشير في إنبائه بالمعجزتين.
    فائدة: يقتضي أن نتعلم الثقة بالله من اختبارنا رحمته، ولكن قليلين من المسيحيين لا يخجلون إذا سألهم المسيح قائلاً: هل ذكرتم مراحم الله الماضية لكي تطمئن قلوبكم في زمن الشدة؟
    ١١ «كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ أَنِّي لَيْسَ عَنِ ٱلْخُبْزِ قُلْتُ لَكُمْ أَنْ تَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ؟».
    تعجب المسيح من أن تلاميذه لم يعلموا أن هدفه ومعجزاته كان الطعام الروحي الذي هو غذاء النفوس لا الأطعمة الجسدية كالخبز. ولم يفسر المسيح قصده من الخمير، بل وجه أفكار التلاميذ إلى حيث يمكنهم أن يفهموا ذلك القصد. ولا بد من أنهم استفادوا من توبيخه وانتبهوا بعد ذلك لمعنى كلامه الروحي.
    ١٢ «حِينَئِذٍ فَهِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ ٱلْخُبْزِ، بَلْ مِنْ تَعْلِيمِ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ».
    علينا أن نقارن هذا بما ورد عن مثل الخميرة (متّى ١٣: ٣٣) فيستعمل السيد الخميرة لمعنيين مختلفين. وهذا كثير الورود في الأمثال والاستعارات، لأن جوهر المعنى في الخميرة هو العمل السري والانتشار، سواء في الخير أو الشر.
    استيقظت عقول التلاميذ لما يهمّ المسيح، وانفتحت عيون إيمانهم حتى فهموا من تلقاء أنفسهم أن قصد بالخمير التعليم الفاسد من المعلمين المرائين.
    يَتَحَرَّزُوا لم ينه المسيح تلاميذه عن مخالطة الفريسيين والصدوقيين، بل أمرهم أن يحذروا ضلالهم.
    تَعْلِيمِ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ الخ يشبه الضلال الخميرة في ستة أشياء. (١) أنه يظهر في بادئ الأمر صغيراً لا يعتد به بالنسبة إلى الحق، كما أن الخميرة تكون صغيرة بالنسبة للعجين كله. (٢) إنه يشبه الحق في أول أمره، فيعسر تمييزه، كما أن الخميرة لا تختلف عن العجين منظراً. (٣)إن عمل كلٍ منهما خفيٌ. (٤) أن كلاً منهما يعمل بالتدريج. (٥) إن من صفاتهما الامتداد. (٦)أن الضلال حيث استقر يُفسد عقائد الإنسان، كما أن الخميرة تُصيِّر كل العجين مثلها، فإن «خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ» (غلاطية ٥: ٩).
    فائدتان: (١) أنه يجب على المسيحي أن ينتبه لإنذارات الكتاب كما ينتبه لمواعيده. (٢) إن الفريسيين والصدوقيين ماتوا لكن خميرتهم باقية على ما كانت عليه من شدة التأثير. فعلى كل فرد وكل كنيسة الانتباه لإنذار المسيح.
    ١٣ «وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ: مَنْ يَقُولُ ٱلنَّاسُ إِنِّي أَنَا ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ؟».
    مرقس ٨: ٢٧ الخ ولوقا ٩: ١٨ الخ
    بدأ المسيح في ذلك الوقت يجهز التلاميذ لقبول تعليم يعسر عليهم التسليم به. كيف لا، وهو من أعسر التعاليم فهماً وأبعدها منالاً، وهو أنه ينبغي أن يتألم ويموت ليتمم عمل الفداء؟ ولهذا افتتح كلامه بسؤاله عما يفتكرون في أمر دعواه أنه المسيح. وهذه الحكمة الإلهية لم يفهمها الرسل عندئذٍ، فكم بالأحرى عامة الناس. إنها تحتاج إلى تعمُّق كبير في فهم قوة الله للخلاص. لأن ذكر الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فقوة الله.
    قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّس هي مدينة شمال الجليل في سفح جبل حرمون (الذي هو جبل الشيخ) وتبعد نحو ساعة عن نبع الأردن. وكان اسم المدينة أولاً «لايش ودان» (يشوع ٧٩: ٤٧ وقضاة ١٨: ٢٧ - ٢٩) واسمها اليوم بانياس، وهو مأخوذ من اسم قديم لها، لأنه كان فيها هيكل «بان» أحد آلهة اليونانيين. وقد جدد بناءها فيلبس رئيس الربع، وهو ابن هيرودس الكبير، قبل ذلك بثلاث سنين ووسعها وزينها وسماها قيصرية إكراماً لقيصر طيباريوس إمبراطور روما، وأضيفت إلى اسمه تمييزاً لها عن قيصرية أخرى بُنيت على شاطئ بحر الروم بين يافا وعكا. وجاء المسيح إلى القرى التي في نواحي قيصرية فيلبس يبشر ويعلم. وفيما كان مسافراً بين قريتين من تلك القرى سأل تلاميذه الاثني عشر السؤال المذكور هنا .
    ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ لقَّب المسيح نفسه بهذا إشارة إلى ما في دانيال ٧: ١٣ حيث أُشير إلى المسيح. فسألهم ذلك السؤال ليقودهم إلى الإقرار بما هو أسمى من ذلك اللقب وهو «ابن الله».
    ١٤، ١٥ «١٤ فَقَالُوا: قَوْمٌ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ ٱلأَنْبِيَاءِ. ١٥ قَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟».
    متّى ١٤: ٢ ولوقا ٩: ٧
    قدموا من الآراء التي ذكروها رأي هيرودس، وهو أنه المعمدان (متّى ١٤: ٢) إما لسمو رتبته أو لأن رأيه انتشر بين عامة الناس.
    إِيلِيَّا توقع كثيرون من اليهود مجيء إيليا نفسه قبل إتيان المسيح بناءً على نبوة ملاخي (متّى ٤: ٥، ٦).
    إِرْمِيَا هو نبي كان في اليهودية منذ نحو ٦٠٠ سنة قبل الميلاد.
    وَاحِدٌ مِنَ ٱلأَنْبِيَاءِ أي أن أحد الأنبياء الأولين قام من الموت.
    وَأَنْتُمْ ثم سألهم عن رأيهم الخاص فيه.
    ١٦ «فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ».
    متّى ١٤: ٣٣ ويوحنا ٦: ٦٩ و١١: ٢٧ وأعمال ٨: ٣٧ و٩: ٢٠ وعبرانيين ١: ٢الخ و١يوحنا ٤: ١٥ و٥: ٥
    أجاب بطرس بالنيابة عن الباقين، لأن الإسراع إلى الكلام كان من طبعه، أو لأن التلاميذ بسبب سرعة بطرس اتخذوه المتحدث باسمهم.
    أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ كل أعمال يسوع منذ شرع يتمم وظيفته كانت تبرهن على أنه المسيح، أي الممسوح لإتمام الوظائف الكبرى لشعبه باعتباره النبي والكاهن والملك كما أنبأ الأنبياء (مزمور ٢: ٢ ودانيال ٩: ٢٥). وهو يخص البشرية كلها ويسمو فوقها، فلا أحد يحتكره لنفسه، ولا أحد يستنفده بامتلاكه، فهو للكل على السواء، على شرط أن يُخلصوا له من كل قلوبهم.
    ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيّ وُصف الله بالحي تمييزاً له عن آلهة الوثنيين (يشوع ٣: ١٠ وأعمال ١٤: ١٥) ولأنه حاضر بين الناس ويعلم أحزانهم ويعتني بهم، ويهبهم الحياة والقوة. وهذا اللقب عظيم جداً وهو لائق بالمسيح. وجواب بطرس لم يكن عن نفسه وحده، ولا مجرد تقرير ما قاله أندراوس لما عرفه بالمسيح بقوله «قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا الَّذِي تَفْسِيرُهُ:الْمَسِيحُ» (يوحنا ١: ٤١) بل كان إقراراً موقراً عن نفسه وعن سائر التلاميذ بأن يسوع قد أثبت كل ما ادعى به من أنه المسيح المنتظر منذ القديم. فلا ريب في أن صدَّق سائر الرسل إقرار بطرس كأنه إقراراهم. وهذا الإقرار بين لهم إيماناً قوياً في وقت أنكر فيه رؤساء الأمة صحة ذلك الإقرار، وكان فيه المسيح في صورة عبد فقير لا ثروة له ولا شرف ملكي ولا شيء يدل على عظمته الملكية.
    ١٧ «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لٰكِنَّ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
    أفسس ٢: ٨ و١كورنثوس ٢: ١٠
    طُوبَى لَك أي أن الله أظهر لك نعمة سامية بأن وهبك الإيمان لتقرَّ بذلك. فقد سبق مثل هذا الإقرار بالمسيح لفظاً ممن شاهدوه حين سكَّن اضطراب البحر (متّى ١٤: ٣٣) وسبق من فم نثنائيل حين لقي المسيح أول مرة (يوحنا ١: ٤٩) لكن ذلك كان نتيجة العجب وتأثيراً وقتياً. أما إقرار بطرس فكان عن إيمان ثابت، ولم يُبن على مجرد البراهين العقلية بل على تأثير الروح القدس في قلبه أيضاً.
    سِمْعَانُ بْنَ يُونَا ناداه بالاسمين بدون اللقب إشعاراً بأهمية ما هو مزمع أن يتكلم به، ومقارنة بين اسمه العائلي الأرضي والاسم الجديد الروحي الذي عزم على أن يسميه به وهو بطرس.
    لَحْماً وَدَماً أي بشراً. وقال ذلك تمييزاً للاهوت كما جاء في يوحنا ١: ١٣ و١كورنثوس ١٥: ٥٠ وأفسس ٦: ١٢. وقصد المسيح هنا أنه لم تُعلن له ذلك قوة بشرية، وهو لم يستطع إدراكه من نفسه ولا من إنسان آخر.
    أَبِي أي أن ذلك الإقرار كان بإرشاد روح الله الآب له، وتنويره لبطرس. ولولا ذلك لمنعه عمى قلبه الطبيعي وميوله اليهودية عن معرفة أن يسوع هو المسيح. وهذا التطويب الذي قاله المسيح لم يكن مقصوراً على بطرس وحده، بل كان له أولاً ثم لكل التلاميذ، لأن سؤال المسيح كان للاثني عشر، فأجاب بطرس عن نفسه وعن البقية، وإن كان السؤال والجواب بصيغة المفرد.
    ١٨ «وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضاً: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا».
    يوحنا ١: ٤٢ وغلاطية ٢: ٩ وإشعياء ٢٨: ١٦ وزكريا ٦: ١٢، ١٣ و١كورنثوس ٣: ٩، ١٠، ١١ وأفسس ٢: ٢٠ وإشعياء ٥٤: ١٧ ورومية ٨: ٣٣ الخ ورؤيا ١١: ١٥.
    أَنْتَ بُطْرُسُ معنى بطرس صخر (كيفا) في السريانية (وصفا) في العربية. ولقَّب المسيح سمعان بذلك عندما صار تلميذاً له (يوحنا ١: ٤٢) وكرره هنا لأجل إيمانه القوي بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحي، إنباءً بما يكون له بعد حين عندما يعتمد من الروح القدس يوم الخمسين من الشجاعة والقوة والثبات. وكان إسراعه بالجواب مع الثقة بما أجاب موافقاً لهذا اللقب. فكل مسيحي له إيمان بطرس بأن يسوع ابن الله وشجاعته في مناداته بذلك هو صخرة يبني المسيح كنيسته عليه كحجر حي (١بطرس ٢: ٥).
    هٰذِهِ ٱلصَّخْرَةِ الصخرة هنا ترجمة (Petra) «بترا» في اليونانية وهي مؤنثة، ومعناها في اليونانية الصخرة العظيمة الثابتة في مكانها الطبيعي و(Petros) «بطرس» مذكر ومعناه عندهم صخر، أو جزء من صخرة يمكن الإنسان أن يحمله. واختلف الناس في المقصود بهذه الصخرة، ولهم في ذلك أربعة آراء. (١) أن المراد بها بطرس وحده، لأن إيمانه بالمسيح كان كالصخرة العظيمة التي لا تتقلقل. (٢)أنه بطرس وسائر الرسل، لأن القول وُجِّه له كنائب عن الكل. (٣) أنه إقرار بطرس حينئذٍ بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحي. (٤) أنه المسيح، وأنه أشار إلى نفسه إشارة حسية عندما تكلم بذلك.
    وهنا نقول إنه مهما كان قصد المسيح من تلك العبارة لا يمكن أن يخالف تعليم الكتاب المقدس الصريح، وخلاصته في شأن الصخرة التي هي أساس الدين إنها إلهية لا بشرية. وهذا ما أثبتته أسفار الكتاب المقدس، فكلها يقول بصوت واحد «مَنْ هُوَ إِلهٌ غَيْرُ الرَّبِّ؟ وَمَنْ هُوَ صَخْرَةٌ غَيْرُ إِلهِنَا؟» (٢صموئيل ٢٢: ٢٣) وشواهد ذلك كثيرة: (انظر تثنية ٣٢: ٤، ١٥، ١٨، ٣٠، ٣١ ، ٣٧ و١صموئيل ٢: ٢ و٢صموئيل ٢٢: ٢، ٦، ٧ و٧١: ٣ و٧٣: ٢٦ و٩٤: ٢٢ و٩٥: ١. وإشعياء ١٧: ١٠ و٢٦: ٤ و٣٠: ٢٩ و٤٤: ٨ وحبقوق ١: ١٢ ورومية ٩: ٣٣ و١كورنثوس ١٠: ٤ و١بطرس ٢: ٨). ففي كل هذه الآيات يُراد بالصخرة الله أو المسيح، ولم تُوجَّه في الكتاب عن بشر. فإذاً المسيح أمساً واليوم وإلى الأبد هو الصخرة التي هي أساس الكنيسة الوحيد.
    وقد قال البعض إن المسيح أراد بالصخرة بطرس عينه، لكنهم اعتقدوا أن ذلك حُصر في تبشيره يوم الخمسين، عندما آمن بالمسيح ثلاثة آلاف نفس، ووضع أساس الكنيسة المسيحية بين اليهود (أعمال ٢) وحين خاطب كرنيليوس ورفقاءه ووضع أساس الكنيسة بين الأمم (أعمال ١٠) فيكون وعد البناء تم في ذلك الوقت وانتهى.
    وقال آخرون ممن اعتقدوا هذا الرأي إن الوعد لبطرس كان لزمان خاص، وليس عن الرتبة والمقام، لأن بطرس قال «الَّذِي (أي المسيح) إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ، حَجَرًا حَيًّا مَرْفُوضًا مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ اللهِ كَرِيمٌ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ *كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ* بَيْتًا رُوحِيًّا» (١بطرس ٢: ٤، ٥) وفهموا منه أن بطرس نفسه أول حجرٍ وُضع على المسيح من تلك الحجارة الحية. وأخذوا قول بولس الرسول «مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ» (أفسس ٢: ٢٠) تأييداً لذلك. ولعل هذا الرأي صحيح.
    ولا شك أن المسيح قصد بالصخرة بطرس وسائر الرسل، فالمسيح هو الأساس الوحيد الإلهي الأزلي للهيكل الروحاني المبني من حجارة حية. وكان الاثنا عشر رسولاً أول تلك الأحجار، فهم بالنسبة إلى سائر المؤمنين الأساس الإنساني الأول، فأُعطوا هذا الشرف لإقرارهم أن يسوع هو المسيح ابن الله الحي.
    ولم يكن ذلك المقام للرسل باعتبار أشخاصهم، بل باعتبارهم شهوداً للمسيح ومنادين بتلك الشهادة العظمى التي أداها بطرس عن نفسه وعن سائر الرسل. ويرجح هذا الرأي أمران: (١) أن سؤال المسيح كان موجهاً إلى الجميع وهو قوله «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» (متّى ١٦: ١٥) فأجاب بطرس عن الجميع. فيكون جواب المسيح موجهاً إليه وإن قصد توجيهه إلى الكل. (٢) أن هذا الرأي وفق وعد المسيح للاثني عشر بشرف واحد وسلطة متساوية في قوله «أنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد، متّى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً آخر» (متّى ١٩: ٢٨) ووفق قول الرسول «مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ» (أفسس ٢: ٢٠) ووفق قول يوحنا «وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا، وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْحَمَل الاثْنَيْ عَشَرَ» (رؤيا ٢١: ١٤). وهذا الرأي يعطي كل واحد حقه، فيثبت أن المسيح هو الأساس الإلهي للكنيسة، وأن الاثني عشر هم الأساس البشري لها. وهو لا ينزع عن بطرس الامتياز الذي وهبه له المسيح من أنه جعله أول حجر من الأساس الإنساني، جزاءً على سبقه سائر الرسل بذلك الإقرار.
    وأما الرأي الثالث وهو أن المقصود بالصخرة إقرار بطرس أن يسوع هو المسيح، فهو حسنٌ ووفق سائر تعاليم الكتاب المقدس. ولكن لا دليل على أن المسيح قصد أن يعلّم ذلك حينئذ، فيصعب على هذا الرأي أن نرى ارتباطاً بين الجملة الأولى وهي «أنت بطرس» والجملة الثانية وهي قوله «وعلى هذه الصخرة الخ». وكثيراً ما يستعير الكتاب المقدس البناء للكنيسة، ويستعير الحجارة الحية للمؤمنين المبنيين على المسيح الأساس الأزلي. فلا نتصور بناء أساس بعضه أشخاص وأساس البعض الآخر تعاليم. ومن أدلة الكتاب المقدس أن الكنيسة مبنية على أشخاص لا على تعاليم ما يأتي: ١بطرس ٢: ٤ - ٦ و١تيموثاوس ٣: ١٥ وغلاطية ٢: ٩ وأفسس ٢: ٢٠ ورؤيا ٣: ١٢ و٢١: ١٤.
    وأما الرأي الرابع وهو أن المقصود بالصخرة المسيح، فتمسك به كثيرون لموافقته تمام الموافقة ما قيل في ١كورنثوس ٣: ١١ وآيات أخرى مثلها. وهرباً من أن يجعلوا إنساناً أساساً للكنيسة بدلاً من الله. فلا شك أن الصخرة هي المسيح ولا تصدق على غيره. ولولا القرينة لتمسك أكثر الناس بهذا الرأي، ولكن لا دليل على أن المسيح أشار إلى نفسه حين قال «وعلى هذه الصخرة الخ» فيمكن أنه أشار ويمكن أنه لم يُشر. وعلى هذا الرأي لا علاقة بين جزئي الكلام «أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ الخ» فلا يلزم أن نتمسك به هرباً مما ذكرناه آنفاً. لأنه إذا جعلنا المسيح الأساس الإلهي للكنيسة، وبطرس وسائر الرسل الأساس البشري لها، لم يكن في ذلك ما يسلب حق المسيح ويعطيه لغيره من البشر.
    أَبْنِي المسيح أساسٌ وبانٍ. فإنه وإن لم يكن حاضراً الآن بناسوته على الأرض فهو حاضر بروحه مع كنيسته يهتم ببنائها. فكل تقدم لها منه. فيقبل الناس بتنازله أن يبنوا الكنيسة بإرشاده (١كورنثوس : ١٠).
    كَنِيسَتِي لا كنائسي. وما أعظم الفرق بين المفرد والجمع، لأن كنيسة المسيح الجامعة الرسولية هي وحدة روحية مقدسة تسمو على الطائفية والعنصرية والجنسية. وهي الارتباط الحي بالمسيح الذي هو رأسها الوحيد. وقد وردت كلمة «كنيستي» في البشائر مرتين، هنا وفي متّى ١٨: ١٧. ومعناها «جماعة المؤمنين بالمسيح». وهي ليست محصورة بأمة أو زمان أو مكان، بل مجموعة من الذين اغتسلوا بدم المسيح ولبسوا ثوب بره وتجددوا بروحه واتحدوا مع المسيح بالإيمان واعتمدوا باسمه وبالروح القدس. وهي جسد واحد ولها رأس واحد الرب يسوع المسيح (كولوسي ١: ١٨).
    وقد سميت الكنيسة أيضاً «بيت الله» (١تيموثاوس ٣: ١٥) و «هيكلاً مقدساً» (أفسس ٢: ٢١).
    أَبْوَابُ كانت الأبواب قديماً للمدن المسوَّرة مكاناً لاجتماع أصحاب المشورة وأرباب الحكم (٢صموئيل ١٥: ٢) ولإجراء الأعمال المختلفة (أيوب ٢٩: ٧ ومزمور ٩: ١٤ و٦٩: ١٢ وأمثال ٣١: ٢٣ وإرميا ٣٦: ١٠). فتستعار الأبواب للمشورات والمؤامرات والمقاصد ذات الشأن.
    ٱلْجَحِيمِ صوَّر الجحيم هنا قلعة ذات أبواب (أيوب ٣٨: ١٧ وإشعياء ٣٨: ١٠ ومزمور ١٠٧: ١٨ ونش ٨: ٦). ويراد غالباً بأبواب الجحيم قوى الشر، فوُعدت الكنيسة هنا بالوقاية من المشورات والمؤامرات والمقاصد الشريرة التي تقصد هلاكها.
    لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا ذلك يدل على أن الكنيسة ستُضطهد وتُقاوم، ولكن كل قوات الشر تعجز عن إهلاكها. وهنا أمران يجب الانتباه لهما: (١) أن هذا الوعد لا يتكفل بأن كل كنيسة توقى من الضلال، فيمكن أن يسقط البعض ككنائس آسيا السبع، فإنها ضلت وزُعزعت منائرها من أماكنها. لكنه يتكفل بأن الكنيسة العامة تبقى كالعليقة التي رآها موسى في البرية تتوقد بالنار ولا تحترق، وأن دين المسيح لا يتلاشى فيبقى في قلوب المؤمنين ويدوم ظاهراً في الأرض. و(٢) أنه قد تم هذا الوعد تماماً في كل القرون، من وقت الإنباء به إلى الآن مع شدة المقاومة للكنيسة داخلاً وخارجاً.
    ١٩ «وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
    أُعْطِيكَ الوعد في هذا العدد كما في السابق لبطرس ولرفقائه الرسل. ولأن بطرس سبق إلى الإقرار أكرمه المسيح بأن جعله أول من يفتح أبواب كنيسته لليهود والأمم.
    مَفَاتِيحَ كان في قصور الملوك موظفون يسمون «حجاباً أو خزنة» يحملون المفاتيح علامة وظيفتهم كألياقيم، فإنه قيل فيه «وَأَجْعَلُ مِفْتَاحَ بَيْتِ دَاوُدَ عَلَى كَتِفِهِ، فَيَفْتَحُ وَلَيْسَ مَنْ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلَيْسَ مَنْ يَفْتَحُ» (إشعياء ٢٢: ٢٢).
    مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أي كنيسة المسيح، وشُبهت هنا بقصر وشُبه الإدخال إليها أو المنع منها بالمفاتيح. أو شُبهت ببيت مال الملك، فيكون معنى المفاتيح السلطان على فتحه وتوزيع كنوزه على الذين يستحقون أخذها. ووردت المفاتيح بهذا المعنى في لوقا لوقا ١١: ٥٢. فعلى هذا تكون المفاتيح إما مفاتيح التأديب أو مفاتيح التعليم في الكنيسة. ولا شك أن أخذ مفاتيح السماوات بمعناه الأعم خاص بالمسيح وحده، وهو كذلك إلى الأبد وفقاً لقول صاحب الرؤيا «هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ» (رؤيا ٣: ٧).
    وأما بطرس فباعتباره رسول المسيح وشريك سائر الرسل فتح الكنيسة المسيحية لليهود (أعمال ٢: ٣٨ - ٤١ وللأمم أعمال ١٠: ٤٨ و١٤: ٢٧ و١٥: ٧) وأخرج منها الخائنين كحنانيا وسفيرة (أعمال ٥: ٣ - ٥، ٩) وسيمون الساحر (أعمال ٨: ٢١). ومنذ ذلك الوقت إلى الآن لم تزل أبواب الكنيسة المسيحية مفتوحة لكل المؤمنين من اليهود، والأمم والكنوز الإنجيلية متاحة للجميع.
    وبطرس مع سائر الرسل نظَّم الكنيسة، وحكموا بمن يستحق أن يكون عضواً فيها، وبالعقائد والأعمال الواجبة على كل عضو. فالرسل في سفر الأعمال وفي رسائلهم بينوا لنا كيف وزعوا على العالم كنوز ملكوت السموات بتعليمهم وكتاباتهم. وهذه المفاتيح لا تشير إلى سلطة سياسية، إنما هي مقصورة على السلطة الروحية.
    تَرْبِطُهُ... تَحُلُّه فهم البعض من هذه العبارة المجازية معنى المفاتيح المذكورة من جهة إدخال بعض الناس إلى الكنيسة وإخراج البعض منها. ولكن الأرجح أن المسيح استعملها بالمعنى المتعارف عليه عند اليهود يومئذٍ، وهو الأمر والنهي. وهذا السلطان مُنح لسائر الرسل كما منح لبطرس بدليل قوله «الحق الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء الخ» (متّى ١٨: ١٨). وبهذا المعنى أعطى المسيح الرسل السلطان على أن يعينوا المربوط على المسيحيين من الشريعة الموسوية والمحلول عنهم منها. فلم يرد أن بقي تلاميذه تحت أثقال تفاسير الفريسيين لتلك الشريعة، ولا تحت حِمل طقوس الشريعة بعد تمام الغاية المقصودة منها، فلذلك وَكَل إلى تلاميذه وضع شرائع الكنيسة المسيحية بإرشاده وإرشاد الروح القدس. ومارسوا ذلك السلطان في مجمع أورشليم (أعمال ١٥: ١٠، ٢٠، ٢٨، ٢٩) ومارسوه في الوعظ والتعليم. ومما حكموا به جواز مخالطة اليهود للأمم، وإلغاء التمييز بين الحلال والحرام في الأطعمة، وإبطال الختان. ومن أمثلة معنى الربط ما ذكر في ١كورنثوس ٧: ٢٧.
    فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أي ما توافق عليه السماء. إذن فهو ليس شيئاً أرضياً عالمياً، ولا نظاماً كهنوتياً فحسب، بل هو المعمودية بالروح القدس والنار النازلة من السماء. ونفهم من ذلك أن المسيح أعطى رسله سلطاناً غير عادي ليُعصَموا من الغلط في أحكامهم الدينية التي التزمت الكنيسة بها، فإنهم كانوا ملهَمين بالروح القدس بدليل قوله «وأما متّى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق» (يوحنا ١٦: ١٣) وبذلك أُهِّلوا أن يكونوا معلمي دينه وفق ما علمهم شفاهاً بقوله «عَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ» (متّى ٢٨: ٢٠) وصرَّح لهم بأن ما يحكمون به على الأرض يُحكم به في السماء لأن الإرشاد الإلهي يعصمهم في كل أحكامهم من الغلط. فكما أن الملك يسلم بكل ما يحكم به سفيره بناءً على تعليمات ذلك الملك، كذلك المسيح يسلم في السماء بكل ما حكم به الرسل سفراؤه على الأرض، بناءً على ما علمهم إياه. وليس للتلاميذ خلفاء معصومون من الغلط، فسلطان الرسل في ذلك وقتي مختص بهم، مثل اختصاص موهبة التكلم بالألسنة وفعل المعجزات.
    فالذي رُبط على المسيحيين من جهة نظام الكنيسة وطقوسها إنما هو ما ربطه عليهم المسيح في البشائر الأربع وأعمال الرسل ورسائلهم. فالكنيسة إذا درست كتاب الله وسألته الإرشاد ليحفظها من الضلال أمكنها أن تفحص طالبي الدخول إليها، وتحكم من جهة أهليتهم لذلك، وتحكم على المتهمين بارتكاب ما يخالف طهارة الكنيسة، أو يفسد التعاليم التي تسلمتها من المسيح. وتحكم عند الاقتضاء بما هو تعليم كتاب الله الصريح من جهة المسائل المتعلقة بالأخلاق أو العقائد، متوقعة أن يرشدها الله في ذلك.
    ٢٠ «حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ».
    متّى ١٧: ٩ ومرقس ٨: ٣٠ ولوقا ٩: ٢١
    نهاهم المسيح عن أن لا ينادوا جهاراً بذلك الإقرار، لأنه رأى بحكمته إنه لم يأت الوقت الذي يُظهر فيه كمال دعواه الشريفة. ولم يكن ذلك النهي إلا بعد ستة أشهر، أي بعد موته وقيامته. لقد قدَّم المسيح أدلة كافية أنه هو المسيح بمعجزاته، فأراد أن ينظر الناس إليها ويحكموا لأنفسهم بما رأوا وسمعوا، لا بما شاهده غيرهم. ولم يرد يسوع أن ينادي تلاميذه بأنه المسيح لئلا يهيج اليهود الذين كانوا يتوقعون ملكاً أرضياً ومملكة زمنية، فينشأ عن ذلك خوف هيرودس والولاة الرومان فيطلبون قتل المسيح.
    ٢١ «مِنْ ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ ٱلشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُومَ».
    متّى ٢٠: ١٧ الخ ومرقس ٨: ٣١ الخ و٩: ٣١ و١٠: ٢٣، ٣٤ ولوقا ٩: ٢٢ الخ و١٨: ٣١ الخ.
    بعد أن عرف الرسل أن يسوع هو المسيح، تقدم إلى أن يعلمهم أنه مع كونه نبياً وملكاً يجب أن يمارس وظيفته الكهنوتية، أي لا بد أن يتألم قبل أن يملك بدليل قوله «يَنْبَغِي أَنَّ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ» (لوقا ٢٤: ٢٦). وهذا التعليم سبق إليه الأنبياء (إشعياء ٥٣: ٤ - ١٠ ودانيال ٩: ٢٦ ولكن اليهود غفلوا عنه، فقد علَّم كتبتهم أن المسيح سيملك مُلكاً أرضياً، ويكون ظافراً منتصراً يرد المجد إلى إسرائيل، فيجعل اليهود كما كانوا في أيام داود وسليمان. وشاركهم الرسل في ذلك الوهم. فابتدأ يسوع يغير أفكارهم بإنبائه بآلامه وبرفض اليهود له بواسطة أحزابهم الثلاثة المذكورة هنا المترئسة، وبقيامته في اليوم الثالث. وهو علم ذلك منذ البدء (يوحنا ١٨: ١٤) لكنه لم يعلّمه علانية إلا الآن.
    يَنْبَغِي أي يجب بمقتضى القصد الإلهي لإتمام غاية إرساله فادياً.
    أُورُشَلِيم ليتألم هناك وفق قوله «لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجًا عَنْ أُورُشَلِيمَ» (لوقا ١٣: ٣٣).
    وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً انظر متّى ٢٠: ١٩ ولوقا ١٨: ٣٢، ٣٣.
    ٱلشُّيُوخِ أي رؤساء الشعب أعضاء مجلس السبعين، وهو المجلس الكبير المعروف بالسنهدريم.
    رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَة ومن هؤلاء رئيس الكهنة، ورؤساء الأربع والعشرين فرقة من الكهنة.
    ٱلْكَتَبَة أي معلمي الناموس ومن يكتبونه.
    يَقُومَ أنبأ المسيح بقيامته ليعزي تلاميذه ويشجعهم بسبب ما اعتراهم من أنباء رفضه وموته. أما هم فلم يدركوا الخبر المحزن ولا الخبر المفرح.
    ٢٢ «فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَٱبْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً: حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هٰذَا».
    ما نقرأه هنا من أعمال بطرس يوافق ما نقرأه في أماكن أخرى في الإنجيل من صفاته، فإنه كان يحب المسيح غيوراً في خدمته، لكنه كان سريع الكلام، يعمل بلا روية. فلم يُفهم تمام الفهم معنى كلام المسيح المذكور آنفاً. ويحتمل أنه لحقه شيء من الافتخار الذاتي لما سمعه من مدح المسيح إياه، مع أنه وُجِّه إليه باعتباره نائباً عن سائر الرسل.
    فأخذه: بسؤله إياه أن ينفرد معه للكلام. ولعله فعل هذا لثلاثة أسباب: (١) الخوف من تأثير كلام المسيح في أذهان بقية الرسل. (٢) ظنه أن المسيح قال ذلك لشدة انفعالاته من مقاومة الرؤساء له، ولأوهام وقتية محزنة. (٣) تيقنه استحالة أن المسيح قصد حرفية ما قاله، لأن ذلك يلاشي كل رجائه ورجاء غيره في النجاة والانتصار على يد المسيح. ويظهر مما قيل في مرقس ٨: ٣٣ أن المسيح أبى أن ينفرد مع بطرس.
    يَنْتَهِرُهُ أي يردعه ويمنعه، وكان ذلك جرأةً عظيمةً منه، فكيف يوبخ التلميذ معلمه؟ وكيف ينتهر سيداً اعترف أنه «ابن الله الحي».
    ٢٣ «فَٱلْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: ٱذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلّٰهِ لٰكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ».
    هذا أشد توبيخ يمكن المسيح أن يتلفظ به ليظهر لبطرس خطأه وتطاوله.
    ٱذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ هذه الكلمات عين ما قاله المسيح لإبليس حين جربه في البرية (لوقا ٤: ٨ ومتّى ٤: ١٠) وهي تتضمن رفض نصح بطرس وكراهيته لهذا النصح، وأن بطرس مثل إبليس المجرب، وأنه شريكه في العمل باجتهاده أن يرجعه عن القصد الذي لأجله ترك السماء وأتى إلى هذه الأرض، والذي كانت كل خدمته العلنية في السنين الثلاث الماضية استعداداً له. فكأن المسيح قال لبطرس: هل رجع إليَّ الآن المجرب الأول واستخدم واحداً من تلاميذي ليجربني؟ أبعد عني يا خصمي المقاوم.
    مَعْثَرَةٌ لِي أي يمنعني من إتمام الواجبات.
    لاَ تَهْتَمُّ أي لا تكترث أو تبالي. وأظهر المسيح لبطرس بهذه الكلمات غلطه وإثمه.
    بِمَا لِلّٰه أي بمقاصد الله وأفكاره وغاياته، والمراد هنا قصد الله أن يجعل آلام المسيح وموته واسطة لخلاص البشر. فليس ملكوت المسيح أرضياً كما توهم الناس حتى ذاك الحين، وهو لا يُقاس بمقاييس الناس. فما حسبه القوم اندحار الصليب كان بالحقيقة انتصار الله الحقيقي على الخطية، بالمحبة المفتدية لا بصولجان الملك والسيطرة العالمية.
    بِمَا لِلنَّاس أي يشتهيه الناس ويتوقعونه ويقصدونه، كالشرف الدنيوي والربح العالمي إلى غير ذلك مما يختص بالممالك الأرضية كما توقع اليهود. وكان غلط بطرس نتيجة عدم إدراكه سر الصليب، وهو إيفاء العدل الإلهي حقه بموت المسيح، وتحصيل الحياة الأبدية للمؤمنين بذلك. فكان غلطه كغلط اليهود واليونانيين كما قال الرسول «لكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً» (١كورنثوس ١: ٢٣)
    ٢٤ «حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي».
    أنبأ المسيح تلاميذه هنا أنه يجب عليهم أن يتيقنوا ما استغربوه مما ذُكر من أمر آلامه، وأنه يجب عليهم فوق ذلك أن يكونوا مستعدين أن يتألموا هم أيضاً كأعضاء الجسد مع الرأس.
    إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أي بلا استثناء
    يَأْتِيَ وَرَائِي أي يتبعني تلميذاً لي ليخلص بواسطتي.
    فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ أي لا يعتبر راحته ولذته وأمنه الغاية العظمى. وإنكار النفس لا يكون بمجرد اعتزال الشهوات، بل بترك كل شيء يمنعه من خدمة الله الكاملة. ولا إشارة في ذلك إلى تعذيب الجسد الاختياري، إنما إلى احتمال ما يأمر به الله ويحدث في طريق القيام بالواجبات.
    يَحْمِلْ صَلِيبَهُ هذا مجاز مبني على أن المحكوم عليهم بالصلب كانوا يحملون صلبانهم إلى حيث يصلبون. ولما كان الصلب أشر أنواع الموت لما فيه من العار العظيم والألم الشديد، استُعير حمل الصليب إلى التسليم بأشد العار، والألم بالتواضع والصبر.
    يَتْبَعْنِي أي في كل شيء لا في تعليمي أو سيرتي فقط، بل في احتمال المصائب والموت أيضاً. فكأنه قال: إني صاعد إلى الجلجثة فكونوا مستعدين أن تتبعوني ولو إلى هناك. فلا يمكن أن يكون الإنسان مسيحياً إلا بإنكار الذات وحمل الصليب.
    ٢٥ «فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا».
    لوقا ١٧: ٣٣ ويوحنا ١٢: ٢٥ ورؤيا ١٢: ١١
    كرر المسيح هذا القول قبلاً وشُرح في محله (انظر متّى ١٠: ٣٩). فاستعدادنا أن نموت لأجل المسيح يفتح لنا أبواب الحياة الأبدية. فمن ينكر المسيح ليخلِّص حياته الأرضية يضيِّع رجاء الحياة السماوية. والخسارة لأجل المسيح ربح (متّى ٣: ٧، ٨) وبالموت لأجله الحياة، وبالعار المجد، وبالصليب الإكليل.
    ٢٦ «لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ ٱلإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ ٱلْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي ٱلإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ».
    لوقا ١٢: ٢٠
    الربح والخسارة كلاهما كفتا ميزان الحياة، فأي الاثنتين نرجح؟ خسارة حسب الظاهر أم خسارة بحسب حق الله. والربح، أي نوع هو؟ ومتّى كان المعطي رابحاً؟ أليس الآخذ هو الرابح؟ لا! ليس الربح في شريعة المسيح وفي دين اتباعه الحقيقيين. كل شيء حسبته نفاية لأربح المسيح.
    عبَّر المسيح هنا عن الروحيات بما اصطلح عليه الناس في التجارة، فالربح في كلامه ليس هو ربحاً حقيقياً، وإن ظهر كذلك، والخسارة فيه ليست خسارة.
    مَاذَا يَنْتَفِعُ؟ نبه المسيح بهذا السؤال الإنسان لأن يستعمل الحكمة والنظر في المستقبل في الأمور الروحية للنفع، كما يستعملها لذلك في الأمور التجارية.
    العالم كله: أي كل ما يمكن الإنسان أن يحصل عليه أو يتوقعه في هذه الأرض من لذة أو شرف أو غنى أو رتبة أو اشتهار أو رئاسة. ومن الواضح أنه يستحيل أن أحداً من الناس يربح العالم كله. لكن لو فُرض إمكان ذلك لم يكن شيئاً بالنسبة إلى خسارة النفس.
    خَسِرَ نَفْسَه ظن البعض المراد بالنفس هنا الحياة، فعلى هذا يكون المعنى: إن مات الإنسان فماذا ينتفع من ماله وشرفه وسلطته؟ إنه لا يأخذ شيئاً من ذلك معه، لأنه يخسر بخسارة حياته كل ما كسبه من هذا العالم.. وظن الآخرون إن المقصود بالنفس هنا حياة الروح الخالدة لا حياة الجسد، فعلى ذلك يكون معنى خسران النفس ترك الله إياها وتسليطه الموت الأبدي عليها، وهو يتضمن خسارة أفراح السماء، ومقاساة عذاب جهنم. والاثنان صحيحان، فإن موت الخاطئ جسداً بلا رجاء المسيح يتبعه حتماً هلاك النفس الأبدي.
    فبمقتضى العدد السابق إن الذي يخسر حياته الدنيا يمكنه أن يربح حياة أفضل منها عوضاً عنها. وبمقتضى هذا العدد إن الذي يخسر الحياة الأبدية يهلك إلى الأبد. فمن المحال أن يكون ربح بدلاً من هذه الخسارة. وهذا هو الجواب لسؤال المسيح.
    ونتيجة ذلك أن التتلمذ للمسيح مع ما يلحقه من الآلام والخسائر خيرٌ من التمتع الوقتي بكل لذات العالم. ونجمع ما ذكر في خمس قضايا. (١) أنه لكل إنسان نفس، أي جزء أخلاقي لا بد أن يحاسبه الله عنه. (٢) أنه يمكن أن يخسر الإنسان نفسه، وهذا في غاية الخطر. (٣) إن فُقدت النفس فاللوم على الإنسان وحده، لأن الله أعد طريقاً لخلاصها. (٤) إن نفساً واحدة أثمن من العالم كله. (٥) إنه إن فُقدت النفس مرة ضاعت إلى الأبد، فلا عوض عن تلك الخسارة إذ لا فداء في جهنم.
    فِدَاءً عَنْ نَفْسِه الفداء هنا بمعنى البدل أو العوض. وقيمة النفس غير محدودة فلا شيء في العالم يصلح أن يكون فداءً عنها. ويبين عظمة قيمتها ما بذله المسيح ليجعل فداءها ممكناً. فإن خسر الإنسان نفسه بترك فداء المسيح رغبة في العالم فأين يجد فداءً آخر له.
    ٢٧ «فَإِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ».
    دانيال ٧: ١٠ وزكريا ١٤: ٥ ومتّى ٢٥: ٣١ و٢٦: ٦٤ ويهوذا ١٤ وأيوب ٣٤: ١١ ومزمور ٦٢: ١٢ وأمثال ٢٤: ١٢ وإرميا ١٧: ١٠ و٣٢: ١٩ ورومية : ٦ و١كورنثوس ٣: ٨
    ترك متّى هنا شيئاً ذكره مرقس ولوقا، وهو إنذار المسيح للذين يستحون به. ولعل تركه إياه هنا لأنه ذكر مثله في موضع آخر (متّى ١٠: ٣٣).
    سَوْفَ يَأْتِي أشار المسيح بذلك إلى مجيئه الثاني للدينونة. وورد مجيء المسيح ثانيةً في الإنجيل بثلاثة معانٍ: (١) مجيئه عند موت كل مؤمن (يوحنا ١٤: ٣٢). (٢) مجيئه لخراب أورشليم (يوحنا ٢٠: ٢٢). (٣) مجيئه ليدين العالم، وهو المقصود هنا.
    فِي مَجْد الذي كان حينئذٍ في صورة عبد يأتي أخيراً في أعظم مجد. فألم يخطئ التلاميذ وهم ينتظرون مجده، لأن هذا لا بد منه في المستقبل بعد أن يتألم.
    أَبِيه أي ليس في مجد الابن فقط، بل في مجد الآب أيضاً. فقوله «ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ» يشير إلى أنه لا يزال ابن الإنسان في السماء، ولا يستحي أن يعترف بأنه أخ لكل مؤمن به. فإنه كما شارك البشر في ناسوتهم يشاركهم في مجده.
    مَلاَئِكَتِه أي أتباعه السماويين (متّى ١٣: ٤١ و٢٥: ٣١ و٢تسالونيكي ١: ٧ ويهوذا ١٤).
    يُجَازِي لا يأتي حينئذٍ ليتألم كما أتى أولاً، بل يأتي ملكاً يثبت الأبرار ويعاقب الأشرار ويجازي الذين تألموا معه بأن يجعلهم شركاء مجده. فلا يحسن أن يتوقع الأبرار ثوابهم في هذا العالم لأنهم لم يوعدوا بنواله إلا عند مجيء المسيح ثانيةً (٢تيموثاوس ٤: ٨).
    ٢٨ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مِنَ ٱلْقِيَامِ هٰهُنَا قَوْماً لاَ يَذُوقُونَ ٱلْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ آتِياً فِي مَلَكُوتِهِ».
    متّى ١٠: ٢٣
    إتيان هذا الملكوت هو بصورة تدريجية مستمرة. ولا شك أن تلاميذ المسيح قد تحققوا من ملكوته بعد قيامته، ولا يزالون يتحققون منه إلى أن يتم هذا الملكوت في قلوب الناس وسيرهم وأعمالهم.
    ٱلْقِيَامِ هٰهُنَا أي الجمع مع تلاميذه الاثني عشر.
    يَذُوقُونَ ٱلْمَوْت شبَّه الموت بكأس شراب مر حُتم على الإنسان أن يشربه. وهذا القول يفيد أن الحادثة التي ينبئ بها تحدث وبعض الحاضرين في الحياة.
    آتِياً فِي مَلَكُوتِه أي في عظمته وبهائه الملكي، كقوله «أتى بقوة» (مرقس ٩: ١) وقوله «يروا ملكوت الله» (لوقا ٩: ٢٧). فالمقصود أنه يُظهِر أثناء حياة بعض الحاضرين أدلةً قاطعة على أن الملكوت الذي أنبأ به الأنبياء والمسيح نفسه قد تأسس على الأرض.
    وفي أمر هذا الإتيان ثلاثة آراء (١) أنه حادثة تجلّي المسيح، التي حدثت بعد ذلك بستة أيام. وكان هذا التجلي عربون مجيئه ثانيةً ولمعان المجد الذي سيظهر في وقته. ويوافق هذا الرأي قول بطرس وهو يشير إلى التجلي «عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ... مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ» (٢بطرس ١: ١٦). (٢) حلول الروح القدس يوم الخمسين وإيمان ثلاثة آلاف يهودي بالمسيح، وتأسيس الكنيسة المسيحية وقتئذٍ ونجاح الإنجيل على أثر ذلك. وهذا كله دلالة واضحة على أن الملكوت الجديد قد أتى، وأن المسيح قد مارس مُلكه الروحي على القلوب. (٣) خراب أورشليم الذي حدث بعد هذا بنحو أربعين سنة، فإن الخراب كان نهاية كل ما يتعلق بالنظام الموسوي ورمزاً إلى مجيئه في اليوم الأخير لخراب العالم.
    ونعتقد أن هذه الآراء الثلاثة صحيحة، لأن ثلاثة من الرسل شاهدوا التجلي، وكلهم ما عدا واحداً شاهدوا حوادث يوم الخمسين ونجاح الإنجيل. وواحد منهم على الأقل (هو يوحنا التلميذ المحبوب) عاش بعد خراب أورشليم وشاهد انتشار الإنجيل في آسيا وبلاد اليونان وروما وأكثر المسكونة المعروفة في ذلك الوقت.

  3. #3
    الأصحاح السابع عشر

    ١ «وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ».
    مرقس ٩: ٢ الخ ولوقا ٩: ٢٨ الخ ومتّى ٢٦: ٣٧ ومرقس ٥: ٣٧ ولوقا ٨: ٥١ ومزمور ٨٩: ١٢
    بَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أي من إنباء المسيح بموته، وعبَّر لوقا عن هذه المدة «بنحو ثمانية أيام» فلعله حسب فوق الأيام الستة، يوم الإنباء ويوم التجلي. فما ذكره متّى كان بين هذين اليومين. وقول لوقا «نحو» يشير أنه لم يقصد التدقيق. وصرف المسيح تلك الأيام في نواحي قيصرية، أي بانياس.
    بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا اختار المسيح هؤلاء الثلاثة ليكونوا معه وقت التجلي، كما اختارهم في إقامة ابنة يايرس من الموت (مرقس ٢٦: ٣٧) ولأنهم ثلاثة كان كافياً لإثبات الشهادة شرعاً (تثنية ١٧: ٦ وعبرانيين ١٠: ٢٨).
    جَبَلٍ عَالٍ ظنه البعض جبل تابور قرب الناصرة، لكن ذلك بعيد عن الصواب لأن قمته كانت حينئذٍ قلعة حصينة تشغلها عساكر الرومان على ما قال يوسيفوس في تاريخه. والأرجح أن ذلك الجبل هو أحد الرؤوس الجنوبية من جبل حرمون، أي جبل الشيخ، لأن المسيح كان في بعض سفوحه قبل التجلي وبعده (متّى ١٦: ١٣ ومرقس ٩: ٣٠، ٣٣). فذهب يسوع إلى ذلك الجبل ليصلي (لوقا ٩: ٢٨).
    والأرجح أن المسيح تجلى ليلاً، فقد اعتاد أن ينفرد للصلاة ليلاً (متّى ١٤: ٢٣، ٢٤ ولوقا ٦: ١٢ و٢١: ٣٧ و٢٢: ٣٩) بدليل أن التلاميذ كانوا وقت التجلي مثقلين بالنوم (لوقا ٩: ٣٢). ولم ينزلوا من الجبل إلا في اليوم التالي (لوقا ٩: ٣٧).
    ٢ «وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَٱلشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَٱلنُّورِ».
    تَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ ربما ظهر وقتئذٍ بشيء من المجد الذي لناسوته الآن في السماء والذي ظهر ليوحنا في الرؤيا (رؤيا ١: ١٢ - ١٧) وكان هذا مقدمة لمجد المسيح الذي سوف يظهر (يوحنا ١٢: ١٦، ٢٣ و١٧: ٥، ٢٤ و٢كورنثوس ٣: ١٨). وكان مجد المسيح الأصلي يستتر بناسوته اتضاعاً، فعند التجلي ارتفع الحجاب وقتاً فظهر مجده الأزلي. وحدث التجلي وهو يصلي (لوقا ٩: ٢٩). وكذلك كانت الشهادة السماوية له وقت معموديته (لوقا ٣: ٢١). وذكر بطرس نبأ التجلي في رسالته الثانية (٢بطرس ١: ١٦ - ١٨) وذكره يوحنا في بشارته (يوحنا ١: ١٤). وقد ثبَّت ذلك التجلي إقرار الرسل بأنه هو المسيح ابن الله الحي، لأن بعض أشعة شمس البر ونور العالم ظهرت لهم عند ذلك (عبرانيين ١: ٣).
    أَضَاءَ وَجْهُهُ الخ قال مرقس في ذلك «صارت ثيابه تلمع كالثلج» (مرقس ٩: ٣). وقال لوقا «صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً، وَلِبَاسُهُ مُبْيَضًّا لاَمِعًا» (لوقا ٩: ٢٩) بزغ حينئذٍ مجده الأزلي حتى تأثرت ثيابه به.
    ٣ «وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ».
    تثنية ٣٤: ٥، ٦ ويوحنا ١: ١٧ و١ملوك ١٩: ١٠، ١٤ و٢ملوك ٢: ١١ ولوقا ٩: ٣١
    مُوسَى وَإِيلِيَّا لم يظهر من الكلام هنا كيف عرفهما التلاميذ، والمحتمل أن المسيح خاطب كلاً منهما باسمه. فموسى مات قبل ذلك بنحو ١٢٠٠ سنة على جبل نبو ودفنه الله هناك (تثنية ٣٤: ٦) وانتقل إيليا بلا موت قبل ذلك بنحو ٩٣٠ سنة (٢ملوك ٢: ١١).
    والجسد الذي ظهر موسى فيه يحتمل أن يكون قد لبسه وقتياً، أو أنه صورة جسد كالأجساد التي ظهرت فيها الملائكة في أيام رؤساء الآباء، أو لعله جسده الحقيقي أقامه الله قبل القيامة العامة ليبقى له إلى الأبد. وأما إيليا فظهر في جسده عينه ممجداً لأنه لم يمت (لوقا ٩: ٣١).
    وكان من اللياقة أن يظهر هذان الرجلان، لا صموئيل ولا داود ولا أليشع ولا إشعياء ولا دانيال، لأن موسى كان نائباً عن الشريعة الرمزية، وإيليا كان نائباً عن الأنبياء. وتنبأ ملاخي بنحو ٤٠٠ سنة قبل ذلك بأن إيليا يأتي قبل زوال النظام العتيق والشروع في النظام الجديد، فتمت هذه النبوة بمجيء يوحنا المعمدان. ويحتمل أنها تمت أيضاً في ظهور إيليا حقيقة. ومما يستحق الملاحظة أن كلاً من المسيح وموسى وإيليا صام أربعين يوماً وأربعين ليلة (متّى ١: ١٣ وخروج ٢٤: ١٨ و١ملوك ١٩: ٨).
    فالشريعة والأنبياء سجدا للمسيح في شخصي موسى وإيليا، وشهدا بصحة دعواه، واعترفا أن وظيفتهما انتهت بإتيان المعلم العظيم الذي أشارا إليه، وشهدا به قبل إتيانه. وكأنهما وضعا حينئذٍ عند قدمي المسيح الوكالة التي قد تولياها، بناءً على أن صليبه يعظّم الشريعة الأخلاقية، ويكمل الشريعة الرمزية، ويتمم كل النبوات، ويبلغ كل ما في النظام القديم غايته.
    يَتَكَلَّمَانِ مَعَه وموضع هذا التكلم «خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ» (لوقا ٩: ٣١. وإذ كان ذلك الموضوع موته، لا معجزاته ولا تعليمه ولا مجده الحاضر ولا مجده المستقبل، اتضح أن موته أهم المواضيع التي يتكلم عنها في الأرض أو في السماء. وكانت ذبائح الشريعة كلها تشير إلى ذلك الموت، وأنبأ الأنبياء كلهم به «بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا» (١بطرس ١: ١١). فموسى وإيليا سلَّما بأنه لا بد من آلام المسيح وموته لتأسيس ملكوته. (وهو ما عثر به بطرس متّى ١٦: ٢٢). وكان التلاميذ نياماً أثناء بعض وقت حديث موسى وإيليا مع المسيح (لوقا ٩: ٣٢).
    ٤ «فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: يَا رَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هٰهُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ. لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ».
    جَعَلَ أي شرع وبدأ.
    بُطْرُسُ يَقُول منعت الرهبة يوحنا ويعقوب من الكلام، ولكنها لم تمنع بطرس، فأسرع كعادته يتكلم (يوحنا ٢٠: ٥، ٦ و٢١: ٧) لأنه رأى أن موسى وإيليا سيفارقان المسيح (لوقا ٩: ٣٣). فكأن بطرس أراد أن يعيقهما عن الذهاب.
    جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هٰهُنَا ظهر لبطرس أن البقاء على الجبل مع الرفيقين خير من الحياة بين الناس والتعرض للتعب والإهانة والموت الذي أنبأ المسيح به. وهذا دليل على أنه كان مسروراً بتلك الحال، وصعب عليه زوالها، مع شعوره بأنهم كانوا جميعاً على رأس جبل!
    نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالّ هذا يدل على أنه رغب في إكرام سيده بالفعل. وتُصنع المظال من أغصان الشجر (تكوين ٣٣: ١٧). وصنع يونان واحدة منها ليتقي الحر (يونان ٤: ٥) وكذلك صنع بنو إسرائيل في عيد المظال (لاويين ٢٣: ٤٢). والغرض من المظال الوقاية والراحة. وقال مرقس إن بطرس قال هذا «لأنه لم يكن يعلمهم ما يتكلم به، إذ كانوا مرتعبين» (مرقس ٩: ٦) وقال لوقا عن بطرس «وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ» (لوقا ٩: ٣٣). فيظهر أن بطرس تكلم بلا تأمل من تعجبه وخوفه وجهله، فإن سكان السماء لا يرضون الإقامة في الأرض. وحتى إن رضوا فإنهم لا يحتاجون إلى المظال المصنوعة بالأيدي البشرية. ولم يتحدث التلاميذ إلى موسى وإيليا، كما أنهما لم يلتفتا إلى التلاميذ.
    لقد ظهر لبطرس أن البقاء مع المسيح وبعض القديسين الممجدين على قمة الجبل أمرٌ حسن، فبالأولى يظهر حسناً لكل مؤمن أن يقف مع المسيح وكل جماعات القديسين والملائكة على جبل صهيون السماوية. على أنه لا حق للإنسان أن يختار وقت الفوز بذلك، بل عليه أن يتوقع دعوة سيده بقوله «هلم صاعداً».
    ٥ «وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ ٱلسَّحَابَةِ قَائِلاً: هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ ٱسْمَعُوا».
    ٢بطرس ١: ١٧، ١٨ وإشعياء ٤٢: ١ وتثنية ١٨: ١٥ - ١٩ وأعمال ٣: ٢٢، ٢٣
    سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ علامة الحضور الإلهي (مزمور ٩٧: ٢ و١تيموثاوس ٦: ١٦). وسُميت أحياناً مركبة الله (مزمور ١٠٤: ٣ وإشعياء ١٩: ١) وسُميت أيضاً المجد أو مجد الرب. وظهرت هذه السحابة المنيرة لموسى في العليقة الملتهبة (خروج ٣: ٢) وهي التي قاد الله بها بني إسرائيل في البرية (خروج ١٣: ٢١، ٢٢) وهي التي استقرت على جبل سينا عندما صعد موسى ليكلم الله (خروج ١٩: ٩ و١٨ و٢٤: ١٦) وهي التي ملأت خيمة الاجتماع عند إتمامها (خروج ٤٠: ٣٤، ٣٥) وملأت الهيكل عند تدشينه (١ملوك ٨: ١٠) وهي التي ظهرت لرعاة بيت لحم عند ولادة المسيح (لوقا ٢: ٩) وهي التي استقبلت المسيح عند صعوده (أعمال ١: ٩) وهي التي ستحيط بالمسيح عند مجيئه الثاني (متّى ٢٤: ٣٠ و٢٦: ٦٤ ولوقا ٢١: ٢٧ ورؤيا ١: ٧ و١٤: ١٤).
    ظَلَّلَتْهُمْ أي ظللت المسيح وموسى وإيليا (لوقا ٩: ٣٤).
    صَوْت هو صوت الله الآب. فهذه مرة من ثلاث مرات شهد الله الآب للابن بصوت مسموع. والمرتان الأخريان في متّى ٣: ١٧ ويوحنا ١٢: ٢٨.
    ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ هذه شهادة من الآب بأن يسوع ابنه، وأنه هو المسيح. وقدمها الآب عندما أنكر اليهود دعواه وعزموا على أن يقتلوه، وأدى هذه الشهادة عينها عند معمودية يسوع (متّى ٣: ١٧) وبقوله «ابني» أوضح أن المسيح مستحق إكراماً أعظم مما يستحقه موسى وإيليا فإنهما خادماه.
    بِهِ سُرِرْت هذا دليل واضح على أن الآب رضي خدمة المسيح التي قدمها على الأرض لخلاص البشر، وكان راضياً بها على الدوام وخاصة وهو يدنو إلى تقديم نفسه ذبيحة.
    لَهُ ٱسْمَعُوا أي اقبلوا تعاليمه. رأى بطرس أن يصنع ثلاث مظال: ليسوع وموسى وإيليا، فكأنه ساوى هذين العبدين بالمسيح، وكأن بقاءهما للتعليم في الأرض نافع كبقاء المسيح. فقال الله «له اسمعوا» لا لموسى وإيليا، أي لا للشريعة وللأنبياء، بل لذاك الذي أكملهما. فبالأولى أن لا يسمعوا لتقاليد الشيوخ وتعاليم الكتبة والفريسيين. لأنه بواسطة كلمات ابن الإنسان يعلن لنا الآب ذاته (عبرانيين ١: ١، ٢) وكلماته لا تزول إلى الأبد (متّى ٢٤: ٣٥) فله اسمعوا لتؤمنوا به ولتحبوه وتطيعوه. فذلك الصوت السماوي لكل الناس في كل زمن لا للرسل فقط، ولا يزال المسيح أفضل من كل المعلمين لأنه يفوقهم بطبيعته ومقامه ووظيفته، وشفاعته في الخطاة أكثر فاعلية على الدوام من شفاعة موسى في بني إسرائيل يوم كان معهم في البرية. والإصلاح الذي أنشأه المسيح أعظم وأبقى من الإصلاح الذي أنشأه إيليا.
    ٦ «وَلَمَّا سَمِعَ ٱلتَّلاَمِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدّاً».
    لَمَّا سَمِعَ ٱلتَّلاَمِيذُ سمعوا صوت الآب. بدأت رهبتهم عندما ظللت السحابة المسيح ورفيقيه (لوقا ٩: ٣٤) وزادت عندما سمعوا صوت الله. وهكذا كان الكهنة في الهيكل يرهبون عند ظهور علامة حضور الله (١ملوك ٨: ١١).
    سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِم من الخوف والهيبة (دانيال ٨: ١٨ و٩: ٢١ و١٠: ١٠، ١٨). فقد اعتقد قدماء اليهود أن لا أحد يقدر أن يرى الله ويحيا (خروج ٢٠: ١٠ وقضاة ١٣: ٢٢ وإشعياء ٦: ٥).
    ٧ «فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: قُومُوا وَلاَ تَخَافُوا».
    دا ٨: ١٨ و٩: ٢١
    فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ فعل هذا ذلك ليطمئنهم بأنهم في عالم الحس لا عالم الأرواح. وهذا مثل ما جاء في إشعياء ٦: ٥ - ٧ ودانيال ١٠: ٩، ١٠ ورؤيا ١: ١٧ فلمسة المسيح وكلماته شجعتهم كما شجعهم صوته وهو ماشٍ على البحر (متّى ١٤: ٢٧).
    قُومُوا لأنهم كانوا ساقطين على وجوههم.
    ٨ «فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً إِلاَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ».
    رَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ أي نظروا إلى فوق وذلك بعد أن اطمأنوا من لمسة المسيح وصوته.
    لَمْ يَرَوْا أَحَدا أي لم يروا موسى وإيليا. وكانت نهاية ذلك المشهد فجأة مثل بدئه. فلما ارتفعت السحابة توارى موسى وإيليا عن عيونهم.
    يَسُوعَ وَحْدَهُ فإن فيه وحده كل ما نحتاج إليه الآن وإلى الأبد، وهو يبقى معنا دائماً بلا تغيير (عبرانيين ١٣: ٨). ذهب السماويان موسى وإيليا، ولم يبق ممن يحتاج إلى مظلة سوى يسوع، فلنصنع له مظال في قلوبنا وفي قلوب غيرنا بتعليمنا إياهم فنكون كلنا هياكل حية.
    وكانت من غايات ذلك التجلي أربعٌ: (١) تثبيت إيمان تلاميذه بأنه المسيح بتمجُّده، وشهادة الآب له، وإعداده إياهم لامتحان إيمانهم وقت صلبه. فأراهم بذلك آية من السماء أبى أن يريها للكتبة والفريسيين (متّى ١٢: ٣٩).. وأنبأ بطرس بتأثير ذلك المشهد فيه (٢بطرس ١: ١٧، ١٨). (٢) تعزية يسوع نفسه استعداداً لاحتمال آلامه. فإنه كان إنساناً كما كان إلهاً واحتاج في إنسانيته إلى تعزية (لوقا ٢٢: ٤٣). (٣) بيان الاتفاق التام بين العهدين القديم والجديد، أي بين تعليم الشريعة والأنبياء وتعليم المسيح. (٤) البرهان على أن يسوع هو المسيح لكل من يقرأ هذا الخبر، وإعلان عظمة مجده في المجيء الثاني.
    ونستنتج من ذلك خمس فوائد: (١) ثبوت تعليم الكتاب في شأن القيامة العامة، لأن ظهور موسى وإيليا الروحيين جسدياً صحة ما وعد به الكتاب من التغيير الذي يحدث في أجساد الأحياء، والذين يقومون من الموت في اليوم الأخير. ومثال القسم الأول إيليا لأنه لم يمت، ومثال القسم الثاني موسى لأنه مات. (٢) إن المؤمنين الذين غابوا عن هذا العالم لا يزالون في الوجدان والتيقظ، لا في حال السبات. فهم أحياء في العالم العلوي ولهم كل القوى الروحية. (٣) إنهم يمتازون بمنظرهم عن غيرهم كما كانوا على الأرض، وبهذا نتحقق أن الأموات في الرب يعرف بعضهم بعضاً في السماء. (٤) إن القديسين في السماء لا يزالون يعتنون بتقدم عمل الفداء على الأرض. (٥) تعريفنا من هيئة المسيح عند التجلي ماذا تكون هيئة أجساد المؤمنين الروحية يوم القيامة لأنه «يوجد جسد حيواني وجسم رُوحَانِيٌّ.. وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ» (١كورنثوس ١٥: ٤٤، ٤٩) وأن المسيح «سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ» (فيلبي ٣: ٢١).
    ٩ «وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ ٱلْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ».
    متّى ١٦: ٢٠ ومرقس ٨: ٣٠ و٩: ٩ ولوقا ٨: ٥٦
    نَازِلُونَ كان ذلك في صباح الغد (لوقا ٩: ٣٧).
    لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً كان الهدف من التجلي تثبيت إيمان الرسل بأن يسوع هو المسيح، وإعدادهم ليكونوا شهوداً بذلك المشهد وغيره من أعماله المجيدة، فإن وقت إعلان ذلك لسائر الناس لم يكن قد أتى. ولو أعلنوه يومها ما صدَّقهم الناس، لأنه لم يكن شيء في منظر المسيح المعتاد وفق ذلك النبأ، فتكون نتيجة إعلانه زيادة هزء الكتبة والفريسيين ومقاومتهم. وإن صدَّقه البعض زادت أوهامهم في أن ملكوت المسيح زمني.
    مِنَ ٱلأَمْوَات أي من بين الموتى. أراد المسيح أن يقترن الإعلان بتجليه بإعلان قيامته. وزاد مرقس على ذلك أنهم لم يفهموا مراده بالقيامة (مر ٩: ١٠) مع أنه أخبرهم قبل ذلك صريحاً بأنه يقوم بعد ثلاثة أيام من موته (متّى ١٢: ٤٠).
    ١٠ «وَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ: فَلِمَاذَا يَقُولُ ٱلْكَتَبَةُ إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلاً؟».
    ملاخي ٤: ٥ ومتّى ١١: ١٤ ومرقس ٩: ١١ الخ ويوحنا ١: ٢١، ٢٥
    لما ظهر إيليا على جبل التجلي تذكَّر التلاميذ الوعد الذي جاء في نبوة ملاخي (٤: ٥) والذي يقول إن إيليا يظهر قبل مجيء المسيح، وكان اليهود يتوقعون أن يتم ذلك حرفياً. فسألوه ليعرفوا إن كان توقُّع اليهود حقيقياً، وإن كان ظهور إيليا لثلاثتهم على جبل التجلي هو مجيئه الموعود به، فإن إيليا كان ينبغي أن يأتي أولاً. فإن صحَّ أن ظهوره في التجلي هو الظهور الذي أُنبئ به زادهم حيرة ودهشةً لأنه بعد مجيء المسيح لا قبله.
    ١١ «فَأَجَابَ يَسُوعُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلاً وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ».
    ملاخي ٤: ٦ ولوقا ١: ١٦، ١٧ و٣: ٣ - ١٤
    إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلاً أي أن قول الكتبة والفريسيين صحيح من جهة، كما سيأتي.
    يَرُدُّ كُلَّ شَيْء أي يصلح الأمة اليهودية بإرشادها إلى التوبة وإصلاح الآراء الفاسدة في حقيقة المسيح وملكوته (متّى ٣).
    ١٢ «وَلٰكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذٰلِكَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ أَيْضاً سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ».
    متّى ١٤: ٣ - ١٠ ومتّى ١٦: ٢١
    إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ أي أن يوحنا المعمدان قد أتى بروح إيليا وقوته، فتمت بذلك نبوة ملاخي (لوقا ١: ١٧).
    لَمْ يَعْرِفُوهُ أي لم يعرفوا أن يوحنا المعمدان هو المقصود بإيليا في تلك النبوة.
    كُلَّ مَا أَرَادُوا أي قتلوه (متّى ١٤: ٦ - ١٢). ونسب يسوع قتل يوحنا إلى الكتبة والفريسيين مع علمه بأن هيرودس هو القاتل لأنهم شاركوه في ذلك بأنهم سُروا بموته. فلو اعترفوا به علانية لم يتجاسر هيرودس أن يقتله لأنه كان يخاف من الشعب (متّى ١٤: ٥).
    كَذٰلِكَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَان أي سيفعلون بالمسيح كما فعلوا بسابقه. وهذا ما حدث (لوقا ٢٣: ١١). فالعمى الذي منعهم عن إدراك أن يوحنا هو المقصود بإيليا في نبوة ملاخي، هو نفسه الذي منعهم عن معرفة أن يسوع هو المقصود بالمسيح في أقوال الأنبياء، وحملهم أن يفعلوا بيسوع ما فعلوه بيوحنا.
    ١٣ «حِينَئِذٍ فَهِمَ ٱلتَّلاَمِيذُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ».
    لم يذكر المسيح اسم المعمدان لهم وقتئذٍ، لكنهم فهموا ذلك من فحوى كلامه فتقدموا من تفسير الفريسيين الحرفي إلى إدراك المعنى الروحي الذي قصده ملاخي.
    ١٤ «وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى ٱلْجَمْعِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ جَاثِياً لَهُ».
    مرقس ٩: ١٤ الخ ولوقا ٩: ٣٧ الخ
    حدث هذا بعد ليلة التجلي (لوقا ٩: ٣٧). نزل المسيح من مشهد المجد إلى مشاركة الناس في مصائبهم، وإلى احتمال مقاومة الأعداء، والحزن من قلة إيمان تلاميذه. فاحتياج العاجزين والمصابين إليه يرينا خطأ اقتراح بطرس أن يبقى يسوع والتلاميذ الثلاثة في مظال على الجبل.
    ٱلْجَمْعِ كان في ذلك الجمع بعض أصحابه غير التلاميذ التسعة الباقين، وبعض المقاومين له، بدليل قول مرقس «لَمَّا جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا حَوْلَهُمْ وَكَتَبَةً يُحَاوِرُونَهُمْ» (مرقس ٩: ١٥) واغتنم أولئك الأعداء فرصة غياب المسيح ليحرجوهم بأسئلة. ويحتمل أن تلك الأسئلة كانت عن ولادته وعائلته وأسلوب معيشته وحقارته، وغير ذلك مما يناقض ما توقعوه من أمر المسيح. ومقصدهم من ذلك أن من كان على تلك الصفات لا يصح أن يكون المسيح، فسأل المسيح الكتبة لعلمه بمكرهم عما يحاورون التلاميذ به فسكتوا خجلاً.
    جَاثِياً لَه احتراماً وتواضعاً.
    ١٥ «وَقَائِلاً: يَا سَيِّدُ، ٱرْحَمِ ٱبْنِي فَإِنَّهُ يُصْرَعُ وَيَتَأَلَّمُ شَدِيداً، وَيَقَعُ كَثِيراً فِي ٱلنَّارِ وَكَثِيراً فِي ٱلْمَاءِ».
    متّى ٤: ٢٤
    ٱبْنِي قال لوقا إنه ابنه الوحيد، وكان مصابه أن الشيطان سكنه، وكان يمزقه، وأنه تألم شديداً، وكثيراً ما سقط بغتة على الأرض كالمصاب بالصرع، وأنه كان أبكم لا يُسمع صوتاً سوى صراخه في نوبة مرضه، وكان عند ذلك يزبد ويصر بأسنانه وييبس. فسكنى الشيطان فيه مع تلك الأعراض جعلته في شر حالٍ وصعَّبت شفاءه.
    ١٦ «وَأَحْضَرْتُهُ إِلَى تَلاَمِيذِكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَشْفُوهُ».
    أعمال ٣: ١٦ و١٩: ١٥، ١٦
    اتَّخذ الأب عجز التلاميذ التسعة سبباً ليلجأ إلى المسيح. ولا شك أن التسعة أمروا الروح النجس بالخروج فلم يطعهم، مع أن المسيح كان قد أعطاهم سلطاناً على الأرواح النجسة (متّى ١٠: ١) ولكن حادثة الولد أظهرت لهم أنها عسرة الشفاء، فضعف إيمانهم فعجزوا عن شفائها (انظر ع ٢٠). فأمر الرسل الشيطان بكلمات لم تقترن بإيمان القلب، فلم تكن ذات تأثير. ولم يخطر في بالهم أن يستعملوا الوسائط لتقوية إيمانهم وزيادة قوتهم الروحية. ولا ريب أن عجز الرسل كان موضوعاً لهزء الكتبة بهم وبمعلمهم بالنتيجة.
    ١٧ «فَأَجَابَ يَسُوعُ: أَيُّهَا ٱلْجِيلُ غَيْرُ ٱلْمُؤْمِنِ، ٱلْمُلْتَوِي، إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟ إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟ قَدِّمُوهُ إِلَيَّ هٰهُنَا».
    عدد ١٤: ١١ وإرميا ٤: ١٤
    ظن البعض هذه الكلمات وُجهت إلى الرسل فقط، وأن المسيح قالها حزناً على قلة إيمانهم وضعفهم بمفارقته لهم وقتاً قصيراً، وظنوا ذلك استناداً على ما قيل في آية ٢٠. وظنها آخرون وُجهت إلى الجمع المحيط بالرسل بناءً على قوله «أيها الجيل» كأنه نائب عن كل الأمة ومثالٌ لها، وأن المسيح وجهها بالأكثر إلى الوالد لأنه مثلهم ومن جملتهم بدليل قول مرقس «فأجاب الخ» (مرقس ٩: ١٩). ولكن الأصح أنه قصد توبيخ الجميع، أي الجمع والوالد والتلاميذ، لأن التلاميذ صاروا كسائر الأمة لعدم إيمانهم، فاستحقوا أن يكونوا شركاءها في ذلك التوبيخ.
    إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ هذا كلام معلمٍ يشتكي بلادة تلاميذه وعدم استفادتهم من تعليمه، وهو يناسب قول يسوع لفيلبس «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ!» (يوحنا ١٤: ٩). فهذا السؤال أولى بأن يوجه إلى تلاميذه، فكأنه قال لهم: ألم تروا من آيات قدرتي ما يقنعكم إنه لا يستحيل شيءٌ تفعلونه باسمي؟
    إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟ وهذا السؤال أولى بأن يوجه إلى الكتبة الذين أظهروا بأسئلتهم عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم.
    قَدِّمُوهُ إِلَيَّ ما قاله يسوع حينئذٍ لذلك الوالد يقوله اليوم لكل الوالدين داعياً إياهم أن يقدموا أولادهم إليه ليشفي أمراض نفوسهم.
    ١٨ «فَٱنْتَهَرَهُ يَسُوعُ، فَخَرَجَ مِنْهُ ٱلشَّيْطَانُ. فَشُفِيَ ٱلْغُلاَمُ مِنْ تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ».
    متّى ١٥: ٢٨ ويوحنا ٤: ٥٢، ٥٣
    ذكر مرقس من أمر ذلك الولد حوادث لم يذكرها متّى للاختصار (مرقس ٩: ٢٠ - ٢٣).
    ٱنْتَهَرَهُ أي زجره، والمراد أنه زجر الشيطان الذي فيه بأن وبخه لدخوله في الولد وتعذيبه إياه وأمره بالخروج منه.
    ١٩ «ثُمَّ تَقَدَّمَ ٱلتَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ عَلَى ٱنْفِرَادٍ وَقَالُوا: لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟».
    عَلَى ٱنْفِرَادٍ أي في البيت الذي دخلوه بعد المعجزة (مرقس ٩: ٢٤). خجل التلاميذ التسعة واضطربوا لعجزهم عن شفاء الولد، وأرادوا أن يعرفوا علة ذلك رغم أنهم لم يتجاوزوا حدود السلطان المعطى لهم (متّى ١٠: ١ - ٨) وأنهم استعملوه قبل ذلك ونجحوا.
    ٢٠ «فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ. فَٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهٰذَا ٱلْجَبَلِ: ٱنْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ».
    متّى ١٤: ٣١ ، ٢١: ٢١ ومرقس ١١: ٢٣ ولوقا ١٧: ٦ و١كورنثوس ١٢: ٩، ١٣: ٢ وعبرانيين ٣: ١٩
    لِعَدَمِ إِيمَانِكُم نتج عدم إيمانهم إما من نظرهم شدة مرض الولد، أو من حضور الكتبة المقاومين واستخفافهم بهم. وكان الإيمان بالمسيح شرطاً ضرورياً لعمل المعجزات باسمه، لا لأنه كان أسهل على الله أن يجري المعجزة على أيدي المؤمنين من أن يجريها على أيدي الكافرين، بل لأنه سُر بأن يقرن إجراء المعجزات بالإيمان به. فالإيمان شرط كل قوة روحية، وعدمه علة الضعف والعجز.
    حَبَّةِ خَرْدَلٍ شاع ذلك بينهم استعارة لأصغر المقادير.
    لِهٰذَا ٱلْجَبَلِ هو جبل حرمون أي جبل الشيخ الذي نزل منه.
    إِلَى هُنَاكَ الإشارة إلى جهة أخرى في السهل أو إلى جهة البحر. وكثيراً ما يراد بنقل الجبال الأمر العظيم الذي يحتاج إلى قوة فوق قوة البشر (زكريا ٤: ٧ و١كورنثوس ١٣: ٢). فأراد المسيح أن يبين لتلاميذه قوة الإيمان بأنه أقل ما يكون منه في قلوبهم يقدِّرهم على صُنع أعظم المعجزات. فالإيمان يقوي المؤمن، لأن بواسطته يتمسك بقوة الإله القادر على كل شيء. وكرر المسيح تلك الاستعارة في غير هذا الوقت (متّى ٢١: ٢١ ومرقس ١١: ٢٣).
    لاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ أي مما يؤول إلى مجد الله وتقدم ملكوته.. كان في وسع المسيح أن يمنع عجز تلاميذه عن شفاء ذلك المصاب بقوته الإلهية، ولكنه أنه سمح بوقوعه في غيبته تمهيداً لتعليمه إياهم قوة الإيمان.
    ٢١ «وَأَمَّا هٰذَا ٱلْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِٱلصَّلاَةِ وَٱلصَّوْمِ».
    هٰذَا ٱلْجِنْس ظن البعض أن ذلك الشيطان كان أقوى من غيره، لا يخرج إلا بقوة غير معتادة من قوات إخراج الشياطين. ولكن الأحسن أن نفهم أن الإشارة هنا هي إلى كل الشياطين، وأن إخراجهم من أعظم المعجزات، فيحتاج من يخرجهم إلى الإيمان الأقوى.
    بِٱلصَّلاَةِ وَٱلصَّوْم لم يكن الإيمان هبة للرسل إلا باستعمال الوسائط لنواله. فإيمانهم الضعيف يمكن أن يتقوى بالصلاة والصوم. فعند ذلك يستطيعون أن يُخرجوا الشياطين. ولعلهم لم يصلّوا كعادتهم أو لم يصوموا في غيبة المسيح والجموع تزدحم حولهم والكتبة يحرجونهم، فضعُف إيمانهم كسراج ضعُف ضوؤه لقلة زيته. أو لعلهم اعتمدوا على قوتهم للقيام بالمعجزة.
    والصوم المذكور هو الانقطاع عن كل طعام، وهو يزيد الصلاة قوة وحرارة. لأنه إن كان الجسد شبعاناً عسر على النفس أن تستعمل قواها. ويُكنى بالصوم عن إنكار الذات والامتناع عن الشهوات الجسدية التي تمنع من أعمال العبادة الروحية وذلك وفق قول الرسول: «أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الْجَسَدِيَّةِ الَّتِي تُحَارِبُ النَّفْسَ» (١بطرس ٢: ١١). فيجب علينا أن نُنهض إيماننا ونقويه بواسطة الصلاة وإنكار الذات لنقدر أن نحارب الشيطان وجنوده.
    ٢٢ «وَفِيمَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي ٱلْجَلِيلِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي ٱلنَّاسِ».
    ترك الرب حينئذٍ نواحي جبل حرمون وتوجه جنوباً إلى الجليل (مرقس ٩: ٣٠). وفيما كان يجول هنالك كرر لتلاميذه نبوءته السابقة بموته (متّى ١٦: ٢١ - ٢٣) لأن تكرارها كان ضرورياً لصعوبتها عليهم.
    يُسَلَّمُ أشار بذلك إلى تسليم يهوذا إياه إلى أيدي رؤساء الكهنة (متّى ٢٦: ١٤، ١٦) وتسليم الكهنة إياه إلى أيادي الرومان (متّى ٢٦: ٤٧ - ٥٠).
    ٢٣ «فَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُومُ. فَحَزِنُوا جِدّاً».
    متّى ١٦: ٢١ و٢٠: ١٧ ومرقس ٨: ٣١ و٩: ٣٠، ٣١ و١٠: ٣٣ ولوقا ٩: ٢٢، ٤٤ و١٨: ٣١ و٢٤: ٦، ٧ ويوحنا ١٦: ٦، ٢٠ الخ
    فَيَقْتُلُونَهُ لا يكتفي أعداؤه إلا بموته، فعندما قال بيلاطس «أنا أؤدبه وأطلقه» صرخوا «اصلبه اصلبه» (لوقا ٢٣: ١٦، ٢١) فلا شيءيوفي ما على البشر للشريعة إلا موت المسيح، لقولها «اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ» (حزقيال ١٨: ٤) فالذي يفدي الخاطئ يلتزم أن يموت عنه لأنه «بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!» (عبرانيين ٩: ٢٢ ولاويين ١٧: ١١).
    فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُومُ قرن المسيح خبر موته بخبر قيامته ليبين أنه لا يبقى تحت سلطان الموت إلا قليلاً.
    فَحَزِنُوا جِدّاً لأنهم انتبهوا لقوله «يقتلونه» وغفلوا عن قوله «يقوم» كأنه لم يذكره. ولحبهم المسيح، ولعدم إرادتهم أن يتألم، ولصعوبة فراقه عليهم، ولخيبة آمالهم كسائر اليهود لأنهم كانوا يتوقعون أن يكون المسيح ملكاً زمنياً. ومع هذا الحزن لم يتجاسروا أن يعترضوا على شيء من إنبائه بموته خوفاً من أن يوبخهم كما وبخ بطرس (متّى ١٦: ٢٣). ونستنتج مما جاء في مرقس ٩: ٣٢ ولوقا ٩: ٤٥ أنهم لم يفهموا معنى كلام المسيح، إنما فهموا أنه أشار إلى كارثة هائلة. وسبب عدم إدراكهم لقصده أنهم عجزوا أن يدركوا أن المسيح يموت.
    ٢٤ «وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى كَفْرَنَاحُومَ تَقَدَّمَ ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلدِّرْهَمَيْنِ إِلَى بُطْرُسَ وَقَالُوا: أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ ٱلدِّرْهَمَيْنِ؟».
    مرقس ٩: ٣٣ وخروج ٣٠: ١٣ و٣٨: ٢٦
    إِلَى كَفْرَنَاحُومَ هي مدينة سكنه.
    ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلدِّرْهَمَيْنِ لم يكن هؤلاء عشارين، بل وكلاء كهنة الهيكل. فلم يطلبوا جزية سياسية تُدفع للرومان (كما في متّى ٢٢: ١٩) وإلا كان الحديث بلا معنى. فأداء الدرهمين عمل ديني لخدمة الهيكل لشراء حيوانات تُقدم ذبائح يومية وحطب ودقيق وملح وزيت وبخور وغيره (خروج ٣٠: ١١ - ١٦ و٢ملوك ١٢: ٤، ٥ و٢أخبار ٢٤: ٥، ٦ ونحميا ٣٢: ٣٣). والدرهمان نصف شاقل يؤديه كل ذكر من اليهود يزيد عمره على ٢٠ سنة. ولم يُقصر ذلك على يهود فلسطين بل كان على كل اليهود في الوطن والخارج. فكانوا يجمعون ذلك كل سنة ويضعونه في خزانة الهيكل. وبعد خراب الهيكل أمر الامبراطور فسباسيان أن يُجمع الدرهمان من كل يهودي، وأن يُنفق المجموع على هيكل زفس (أي المشتري). ولما وصل المسيح إلى كفرناحوم تبعه وكلاء الكهنة إلى بيت بطرس وسألوا بطرس «أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ ٱلدِّرْهَمَيْنِ؟» فلو كان ذلك للرومان لم يكن إيفاؤهما اختياراً كما يقتضي السؤال.
    ويمكن أن يكون سؤالهم هذا كسؤالهم سائر اليهود، أو لعلهم ظنوه يرفض أن يوفي الدرهمين لدعواه أنه نبي، فيجدون علة يشتكون بها عليه إلى رؤساء الشعب. ولم يذكر أحد من البشيرين خبر الدرهمين سوى متّى، ليثبت لاهوت المسيح لقرائه من اليهود، فقد كان طلب اليهود منه دفع الدرهمين ليبرهنوا أنه ليس نبياً، فروى متّى القصة ليوضح الأمور التي حملته على ذلك، والمعجزة المقترنة به.
    ٢٥ «قَالَ: بَلَى. فَلَمَّا دَخَلَ ٱلْبَيْتَ سَبَقَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: مَاذَا تَظُنُّ يَا سِمْعَانُ؟ مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ ٱلأَرْضِ ٱلْجِبَايَةَ أَوِ ٱلْجِزْيَةَ، أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ ٱلأَجَانِبِ؟».
    بَلَى حرف جواب للإيجاب، أي أنه يوفي الدرهمين. وقال ذلك بناءً على علمه أن المسيح يقوم بكل ما توجبه الشريعة اليهودية. ويُحتمل أنه قال ذلك لأن المسيح دفع الدرهمين في السنة الماضية. ولم يخطر ببال بطرس أن إجابته تناقض إقراره السابق بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحي.
    سَبَقَهُ يَسُوعُ أي أجابه قبل أن يسأله. فمع أن المسيح كان داخل البيت وبطرس، والذين يأخذون الدرهمين خارجاً، علم ما حدث بعلمه الإلهي.
    أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ ٱلأَجَانِبِ؟ قصد ببنيهم أفراد العائلة الملكية، وقصد بالأجانب من ليسوا كذلك. وغاية المسيح من السؤال أن يدرك بطرس السبب الذي جعله يعد بأن معلمه سيوفي الدرهمين.
    ٢٦ «قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: مِنَ ٱلأَجَانِبِ. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: فَإِذاً ٱلْبَنُونَ أَحْرَارٌ».
    ١صموئيل ١٧: ٢٥
    أجاب بطرس سؤال يسوع بالصواب، وهو أن الملوك لا يأخذون الجزية من بنيهم بل ممن ليسوا من البيت والعائلة. والظاهر أنه أجاب كذلك وهو لا يدرك قصد المسيح من توجيه السؤال له.
    ٱلْبَنُونَ أَحْرَارٌ كأنه قال: أنا ابن الله وأنت أقررت بأني كذلك، والهيكل بيت أبي (يوحنا ٢: ١٦) والدرهمان يؤخذان لخدمة أبي في الهيكل. فلستُ إذاً مكلفاً بتأديتهما. فإيفائي لهما يشير إلى أني أحد الرعية لا ابن.
    ويتضح من هذا أن الجزية ليست سياسية، وإلا فيكون يسوع قد ادعى أنه ابن أوغسطس قيصر.
    ٢٧ «وَلٰكِنْ لِئَلاَّ نُعْثِرَهُمُ، ٱذْهَبْ إِلَى ٱلْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً، وَٱلسَّمَكَةُ ٱلَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلاً خُذْهَا، وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَاراً، فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ».
    متّى ١٥: ١٢ ورومية ١٣: ٦، ٧
    لِئَلاَّ نُعْثِرَهُم أي لئلا يقولوا إننا نحتقر الهيكل أو إننا أتينا لننقض الناموس. فإن أبيتُ أن أؤدي الدرهمين بناءً على أني ابن الله لا يفهمون قصدي، لأنهم لا يقرون ببنوتي لله. وإن صرحت بتلك البنوة التي منعتُك وسائرَ الرسل من إظهارها يوم إقرارك، اتخذوا ذلك سبباً جديداً للشكوى عليّ ومخاصمتي. فأُؤدي الدرهمين ليُنفَقا على الهيكل، مع أني أعظم من الهيكل (متّى ١٢: ٦) لأني أنا الهيكل الحقيقي (يوحنا ٢: ٢١). فافعلْ ذلك دفعاً للخصام، لا لأنه واجب عليَّ.
    فالمسيح مع كونه ابناً «أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ» (فيلبي ٢: ٥) «مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ» (غلاطية ٤: ٤) وخُتن، واعتمد، وأدى جزية الهيكل. فما أتاه ابن الله هنا وفق قول الرسول «امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ» (١تسالونيكي ٥: ٢٢) فنتعلم من ذلك أنه لا يلزم أن نطلب كل حقوقنا إن حصل من ذلك عثرة لغيرنا، كما فعل بولس وقال «لكِنَّنَا لَمْ نَسْتَعْمِلْ هذَا السُّلْطَانَ، بَلْ نَتَحَمَّلُ كُلَّ شَيْءٍ لِئَلاَّ نَجْعَلَ عَائِقًا لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» (١كورنثوس ٩: ١٢).
    ٱلْبَحْرِ أي بحر الجليل الذي تقع كفرناحوم على شاطئه.
    أَلْقِ صِنَّارَةً إلقاء الصنارة مهنة قديمة لبطرس.
    وَٱلسَّمَكَةُ ٱلَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلاً هذه الحادثة غريبة في شيء واحد، وهو أن نتيجة طاعة المسيح لم تُذكر. لكن لا ريب في أن بطرس وجد كما وعده يسوع، لأنه إله يقول فيكون.
    إِسْتَاراً قطعة فضة تزن أربعة دراهم.
    عَنِّي وَعَنْك خضع المسيح بدفع تلك الجزية للشريعة حتى صار بمنزلة مجرد إنسانٍ كبطرس، وأوجد الدرهمين بقوة إلهية. ولم يذكر في هذا الخبر أن سائر التلاميذ أدوا تلك الجزية، فلعله أداها كلٌّ منهم في موطنه. وفي هذا الأمر أبان المسيح تواضعه ومجده كليهما، فأظهر تواضعه بتأدية الجزية وخلو يده منها وهي قدر لا يعتد به، وأعلن مجده بالمعجزة التي صنعها للحصول على ما يؤديه. وهذه المعجزة تظهر معرفة المسيح الخارقة العادة، فإنه عرف ما في فم السمكة في قلب البحر، وقوة مشيئته التي لا تدرك جعلت السمكة تتناول ما يفي بالمطلوب، وتأتي إلى حيث ألقى بطرس صنارته، وتأخذ الصنارة بفمها. فلا ريب في أن يسوع رب الخليقة حتى أن أسماك البحر أيضاً تطيعه. وذلك يذكرنا حادثة يونان النبي فإن «الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ» (يونان ١: ١٧) ودلتنا حادثة السمكة والإستار على السهولة التي تهب بها عناية الله للمؤمنين ما يحتاجون إليه في زمن الضيق، وأن ما يحسبه بعض الناس اتفاقاً أو حسن حظ ليس إلا علامة محبة الله وعنايته الخاصة.
    الأصحاح الثامن عشر


    ١ «فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ تَقَدَّمَ ٱلتَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ؟».
    مرقس ٩: ٣٣ الخ ولوقا ٩: ٤٦ الخ و٢٢: ٢٤
    فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ أي قرب زمن المعجزة في كفرناحوم.
    تَقَدَّمَ ٱلتَّلاَمِيذُ... قَائِلِينَ نستفيد مما قال مرقس أن سؤالهم هنا نتيجة سؤاله إياهم عن موضوع مشاجرتهم في الطريق (مرقس ٩: ٣٣). ويُحتمل أن الذين تجادلوا ليسوا الذين سألوه هنا، وأن هؤلاء المتجادلين سكتوا خجلاً، فرفع الآخرون المسألة إلى المسيح.
    مَنْ هُوَ أَعْظَمُ الخ جهل الرسل حقيقة ملكوت المسيح فظنوه أرضياً لا سماوياً، وسياسياً لا روحياً، وتوهموا أنه عند يملك يفعل كسائر الملوك في تعيين موظفين مختلفين ليدبروا أمور المملكة، وأنه لا بد من أن يكونوا هم أولئك الموظفين. فعلة جدالهم في الطريق وسؤالهم المسيح هنا أن يتحققوا من منهم يأخذ الوظيفة الأولى بعد المسيح! ولعل قول المسيح (في متّى ١٦: ٢٨) حملهم على أن يتوقعوا إظهار ملكوته في الحال. وبقي جدالهم في من هو الأفضل إلى قرب موت المسيح (متّى ٢٠: ٢٠ ولوقا ٢٢: ٢٤). ويرينا ذلك أن أفضل الناس لا يخلو من نقصٍ إذ جميعنا خطاة ويعوزنا مجد الله.
    ٢ «فَدَعَا يَسُوعُ إِلَيْهِ وَلَداً وَأَقَامَهُ فِي وَسَطِهِمْ».
    أراد المسيح أن يبين لهم أن شرائع ملكوته لا تسمح بما يظهر فيه حب الرئاسة والكبرياء، فدعا ولداً من اللاعبين حوله وأقامه في وسطهم ليبين لتلاميذه (بواسطة صفات الأولاد المتجانسة مع روح المسيح) ماذا يجب أن تكون الصفات الضرورية للمسيحي الحقيقي.
    ٣ «وَقَالَ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ ٱلأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    مزمور ١٣١: ٢ ومتّى ١٩: ١٤ ومرقس ١٠: ١٤ ولوقا ١٨: ١٦ و١كورنثوس ١٤: ٢٠ و١بطرس ٢: ٢
    تَرْجِعُوا أي تتغيروا حتى لا يبقى فيكم شيءٌ من حب الرئاسة وحب الذات والكبرياء. والكلمة اليونانية المترجمة «ترجعوا» تشير إلى الاستمرار على إصلاح السيرة. إنه هين على الإنسان أن ينتقل من طائفة إلى أخرى، ولكن التغير المشار إليه هنا، وهو الرجوع عن الكبرياء إلى التواضع، وعن الاهتمام بأمور هذا العالم إلى الاهتمام «مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ الل» (كولوسي ٣: ١) صعبٌ.
    مِثْلَ ٱلأَوْلاَد لا في الجهالة (١كورنثوس ٤: ٢٠) ولا في التقلب (أفسس ٤: ١٤) بل (١) في التواضع خاصة (ع ٤) و(٢) الثقة بكلام أبيهم، والاقتناع بما قسم لهم والاتكال على عنايته (متّى ٦: ٣١) و(٣) الطاعة لأمر الآب (١بطرس ١: ١٤) وفي حُب التعليم منه (١بطرس ٢: ٢) و(٤) الصدق والخلوص (١كورنثوس ١٤: ٢٠).
    فَلَنْ تَدْخُلُوا لم يكن هذا جواباً لسؤالهم عمن هو الأعظم في ملكوت السماوات بل بيان الشرط الذي لا يمكن دخول ذلك الملكوت بدون القيام به مطلقاً. فغاية هذا الجواب استئصال كل أفكار الافتخار والسلطة ومحبة الذات وكل أمل بذلك من قلوب تلاميذه. لو قصد المسيح أن يجعل بطرس رئيس الرسل وخليفته لاغتنم هذه الفرصة ليعلن هذا، بل إن الذي قاله ينافي أنه أراد أن يجعل أحداً من الرسل رئيساً للآخرين. وأجابهم المسيح بغير ما يقتضي سؤالهم، تنبيهاً على أن هذا هو الأولى أن يسألوا عنه، لأنهم سألوه عمن هو الأعظم في ملكوت السماوات، فأجابهم عن شرط الدخول إلى ذلك الملكوت لأنه هو الأهم. وأبان لهم في جوابه أن الصفات التي أظهروها في سؤالهم إن داموا عليها منعتهم من دخول ملكوته السماوي.
    ٤ «فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هٰذَا ٱلْوَلَدِ فَهُوَ ٱلأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَه في هذه العبارة جواب المسيح لسؤال الرسل وهو أن الأعظم في ملكوت السماء هو من كان أكثر تواضعاً.
    هٰذَا ٱلْوَلَدِ أقام المسيح الولد في وسطهم ليكون مثلاً للتواضع، خاصة لأن معظم اختلاف الأولاد الصغار عن البالغين هو في التواضع، لأن الكبرياء لا تكون قد نمت في قلوبهم. ومثال المسيح نفسه أفضل شرح لمعنى كلامه هنا لأنه «إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللّٰهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلّٰهِ. لٰكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ» (فيلبي ٢: ٦ - ٨) ولما أظهره من التواضع في غسل أرجل تلاميذه (يوحنا ١٣: ٣، ٥، ١٢ - ١٥).
    ٱلأَعْظَم الخ لم ينل هذا المقام الأعلم أو الأغنى أو الأقدر بل الأكثر تواضعاً، فإنه ينال المقام الأول في السعادة والمجد. فتواضع المؤمنين فضيلة يعتبرها أفضل اعتبار. وظهر هذا مما قيل في ١كورنثوس ١٥: ٣٩ - ٤١ إن به يمتاز بعض القديسين عن البعض في المجد.
    ٥ «وَمَنْ قَبِلَ وَلَداً وَاحِداً مِثْلَ هٰذَا بِٱسْمِي فَقَدْ قَبِلَنِي».
    متّى ١٠: ٤٢ ويوحنا ١٣: ٢٠ وغلاطية ٤: ١٤
    غاية ما أورده في هذا العدد وما يليه هو دفع ما يمكن أن يدخل أذهان تلاميذه من الظن أنه إذا كانوا كالأولاد الصغار في اتضاعهم لا يقبلهم أحدٌ، ويكونون عرضة للإهانة والظلم.
    وَلَداً وَاحِداً مِثْلَ هٰذَا أي أحد أولاد الله الروحيين. وهذا وفق قوله «مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي» (متّى ١٠: ٤٠) وقوله: «بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ» (متّى ٢٥: ٤٠) فهذا الوعد لم يقتصر على أناس من أمة واحدة في زمن واحد، فهو مطلق عام. فمن عادة الناس الافتخار بعظمة من يزورهم من الأغنياء وأرباب المناصب والترحيب بهم، ولكن من قبل مسيحياً باسم المسيح حُسب أنه قبل ملك الملوك.
    بِٱسْمِي أي من أجلي، بدليل علاقته بي وأنه تلميذ لي. فليس المقصود من يقبل الضيوف ليشتهر بالكرم، أو لمجرد الشفقة عليهم.
    يقَبِلَنِي: أي كل لطف يوجَّه إلى أحد تلاميذ المسيح لأجله يُحسب أنه وُجه للمسيح نفسه، فيجازيه باعتبار ذلك. فأعلن بما ذكر اعتباره لتلاميذه وعنايته الخاصة بهم.
    ٦ «وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَارِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ ٱلرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ ٱلْبَحْرِ».
    مرقس ٩: ٤٢ الخ ولوقا ١٧: ١، ٢ ورومية ١٤: ١٣ الخ و١٥: ١ - ٣ و١كورنثوس ٨: ٩ الخ و١: ٣٢، ٣٣ و٢تيموثاوس ١: ٦) الخ
    أَعْثَرَ أي جعله يخطئ (متّى ٥: ٢٩).
    هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَارِ أي تلاميذي المتواضعين، أو أولادي الروحيين البسطاء الذين يظهرون أنهم عرضة لجور الناس واعتدائهم. وفي هذا العدد طمأنينة لأولاد الله من ذلك الخطر، لأن فيه تأكيداً لهم أن الله يحرسهم ويدافع عنهم.
    ٱلْمُؤْمِنِينَ بِي أي الذين يعترفون بأني المسيح ويتخذونني مخلصاً لهم. وقوله «المؤمنين بي» هو وصف صادق للمسيحي الحقيقي من جهة الإيمان. نعم إن المسيحي يصدق الأنبياء والرسل والقديسين والملائكة، ولكنه يؤمن بالمسيح.
    خَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِه أي أفضل له أن يموت قتلاً من أن يكون علة سقوط غيره في الخطية وهاوية الهلاك الأبدي، كما أن الموت الزمني أفضل من الموت الأبدي، وكذلك الطرح في بحيرة الماء خيرٌ من الطرح في بحيرة النار والكبريت (رؤيا ١٩: ٢٠).
    حَجَرُ ٱلرَّحَى أي حجر الطاحون الكبير. فربط ذلك الحجر بعنق إنسانٍ مطروح في البحر يؤكد موته غرقاً.
    لُجَّةِ ٱلْبَحْرِ أو في عرض البحر أو أعماقه، أي بعيداً عن البر حيث البحر عميق. فهذا النوع من القصاص (أي الإغراق في البحر) اعتاده المصريون واليونانيون والرومان، ويستعار لعقاب لا نجاة منه. فالمراد هنا أن موتاً مؤكداً كهذا أفضل من نتيجة إغواء أحد تلاميذ المسيح البسطاء الضعفاء الذين أعلن المسيح هنا أنه المحامي عنهم، وأنه لا يمكن أن يتعرض أحدٌ لهم بشرٍ دون أن يعاقب. ونستنتج من هنا أن أقل إغواء يمكن اعتباره من أفظع الآثام.
    ٧ «وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ ٱلْعَثَرَاتِ. فَلاَ بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ ٱلْعَثَرَاتُ، وَلٰكِنْ وَيْلٌ لِذٰلِكَ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي بِهِ تَأْتِي ٱلْعَثْرَةُ».
    ١كورنثوس ١١: ١٩ و٢تسالونيكي ٢: ٣ - ١٢ و١تيموثاوس ٤: ١ - ٣ و٢تيموثاوس ٣: ١ الخ و٤: ٣، ٤ ويهوذا ٤ ومتّى ١٣: ٤١، ٤٢ و٢٦: ٢٤ و٢بطرس ٢: ٣، ٢١
    وَيْلٌ كلمة عذاب، وفي الأصل اليوناني كلمة أسفٍ وإنذار.
    لِلْعَالَمِ أي لسكان العالم.
    من العثرات: اتخذ المسيح ذكر خطية إعثار أحدٍ من تلاميذه وسيلة إلى ذكر كثرة تجارب الإثم التي حدثت في الأرض وستحدث. وهي علة ضيقات المؤمنين بالمسيح والإهانة له. لأنها أوقدت نار الخصام بين الإخوة، والبدع في الكنيسة، والحروب بين الممالك، وأسالت دموع الحزن والشقاء في الدنيا، وكانت علة هلاك النفوس في الأخرى. ومن أول المعاثر العظمى التي حدثت في العالم وأعظمها سقوط آدم، فبعثرته سقط كل الجنس البشري في الخطية والشقاء منذ آدم إلى الآن. ومنها ما أتاه بلعام العراف الآرامي (عدد ٣١: ١٦ ورؤيا ٢: ١٤) وما فعله يربعام ملك إسرائيل. وذُكر في الكتاب نحو ثلاثين مرة أنه «جعل إسرائيل يخطئ» ومنها ما أجراه بعض القياصرة الرومان من اضطهاد الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد. ومنها ما ارتكبه ديوان التفتيش في القرون المتوسطة، فإنه سفك دماء القديسين وأجراها على الأرض كالماء. ومن أصحاب المعاثر من أنشأوا الهرطقات في الكنيسة كأريوس وبيلاجيوس وسوسنيوس وغيرهم ممن كانوا داخل الكنيسة. ومن أصحاب المعاثر الكفرة، وهم خارج الكنيسة، فإنهم اجتهدوا أن يبطلوا إيمان، المؤمنين ومنهم فولتير وروسو وهيوم وأمثالهم. ومن أرباب العثرات الذين لحب الدراسة أوقدوا نيران الحروب في الأرض، فأتلفوا أموال الناس وحياتهم ونفوسهم. ومن المعاثر العظمى المسكرات فإنها أهلكت أكثر ممن أهلكتهم الحروب كلها، ومنها الكتب الضارة ومعاشرة الأشرار، ومنها سوء تربية الوالدين لأولادهم، وسوء سيرة المدعين أنهم مسيحيون، ومنها الخصومات بين الإخوة والنميمة فإنها تنزع سلام الكنيسة وفائدتها للغير.
    فَلاَ بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ قال ذلك تأكيداً للوقوع، لا ليبيِّن أن تلك العثرات تحدث إجباراً أو صدفةً، ولا أنه من الجائز حدوثها. وتأكيد حدوثها ناتجٌ عن أن هذا العالم هو عالم التجربة والخطية، وأن الشيطان يجرب دائماً، وأن من جنوده الأشرار وهم كثيرون. وأفضل الناس ضعفاء وجهلاء مائلون إلى الإثم لشهوات الجسد الباقية فيهم. ولهذه الأسباب كلها كان لا بد من إتيان العثرات التي يستحيل الهرب منها تماماً، فيسمح الله بوقوعها لامتحان الصالحين (دانيال ١١: ٣٥ و١كورنثوس ١١: ١٩).
    وَيْلٌ لِذٰلِكَ ٱلإِنْسَانِ الخ هذا يبين أن وضع العثرات أمام الغير اختياري، فهو إثمٌ. ولذلك يحاسب الله كل مجرِّب، وليس لمجرِّب عذرٌ في قضاء الله لأن الله لا ينزع اختيار الإنسان أو حريته، وهو لا يُجبر أحداً على أن يخطئ أو أن يضع عثرة أمام غيره. فإن لم يتب عوقب كما يستحق. ولا يفارق العقاب الأثيم كما لا يفارقه ظله وهو يسير في ضوء الشمس!
    ٨، ٩ «٨ فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَٱقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي ٱلنَّارِ ٱلأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلاَنِ. ٩ وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَٱقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي جَهَنَّمَ ٱلنَّارِ وَلَكَ عَيْنَانِ».
    متّى ٥: ٢٩، ٣٠ ومرقس ٩: ٤٣ الخ ولوقا ١٤: ٢٦ الخ و١٨: ٢٢، ٢٣ ومتّى ١٩: ٢١، ٢٢ ولوقا ٩: ٢٣ الخ وعبرانيين ٤: ١١ ورؤيا ٢١: ٢٧
    بعد أن حذر المسيح تلاميذه من أن يكونوا عثرة لغيرهم ولو من أضعفهم، أخذ يحذرهم من علة السقوط المتعلقة بهم كشهوة الجسد التي تحارب الروح وتحطمها. وافترض في ذلك (ما لا يحدث حقيقة) إن أعز أعضاء جسد الإنسان لديه هي علة تعديه شريعة الله، وحكم أنه لو حدث مثل ذلك كان خيراً للإنسان أن يخسر تلك الأعضاء من أن يخطئ بها. وهو يعني أنه خيرٌ للإنسان أن يخسر يداً أو عيناً ويذهب إلى جهنم. ومعناه أن ترك العوائد أو الأعمال المألوفة أو الخطايا صعبٌ على الإنسان مثلما يصعب عليه خسارة أحد أعضائه.
    إن هذا المجاز قوي جداً، وبالطبع لا يؤخذ بحرفية الكلام بل بروحه. فقد قصد المسيح أن يرينا هول ما تقترفه اليد أو العين أو أي الأعضاء الأخرى بسبب عصياننا كلمة الله.
    إِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ... عَيْنُكَ استعمل المسيح هذا المجاز قبلاً في وعظه على الجبل (شرح متّى ٥: ٢٩، ٣٠) وأشار به هناك إلى تعدي الوصية السابعة، وأراد به هنا الخطايا عامة. فتخصيص المسيح هنا كلامه للرسل بعد أن خاطب به العموم سابقاً لا بد أن يجعله ذا تأثير عظيم في قلوبهم.
    تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ أَعْرَجَ... أَعْوَرَ ليس المراد بذلك أن الجسد يقوم في اليوم الأخير بلا شيء من أعضائه، لأن الناس يقومون كاملي الأجساد (١كورنثوس ١٥: ٤٢ - ٤٤). فأورد ذلك بالمعنى الروحي الرمزي، لأن القطع والقلع المذكورين هنا ليسا حرفيين، إنما المقصود بهما الإشارة إلى اعتزال الإنسان المتعلقات المالية التي تجذبه إلى الخطية من الأعمال والصداقة واللذات التي هي عزيزة لديه كأعز أعضاء جسده. فخيرٌ لمثل هذا الإنسان أن يتركها كلها وينال السماء من أن يتمتع بها هنا ويهلك أخيراً.
    ٱلنَّارِ ٱلأَبَدِيَّةِ أي عقاب كل من يفضِّل التمتع بالخطية على تركها والاتحاد بالمسيح. وفي ذلك بيان أن عقاب الأشرار لا نهاية له.
    ١٠ «اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
    مزمور ٣٤: ٧ وعبرانيين ١: ١٤ وأستير ١: ١٤ ولوقا ١: ١٩
    هذا العدد يتبع العدد السادس ويتعلق به، فما بينهما اعتراض أو استطراد، وفيه تحذير من الكبرياء واحتقار الصغار من المؤمنين (متّى ١٠: ٤٢).
    اُنْظُرُوا نبههم بذلك إلى تجربة خفية وهي الكبرياء واحتقار أولاده الروحيين، وإلى الخطر من السقوط فيها وذلك مثل قوله في متّى ١٦: ٦ ولوقا ١٢: ١٥.
    لاَ تَحْتَقِرُوا أي: إياكم أن تستهينوا بأحد من تلاميذي فكراً أو قولاً أو فعلاً أو أن تظنوا إعثارهم وإهلاكهم أمر يسير (رومية ١٤: ١ - ٣، ١٣، ١٤).
    هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَار أي أولاد المسيح الروحيين، وسُموا صغاراً إشارة إلى ضعفهم وإلى رقة قلب المسيح عليهم.
    أَقُولُ لَكُمْ أي عن يقين أن ما يأتي حقٌ لا وهمٌ يهودي.
    مَلاَئِكَتَهُمْ أي الأرواح الطاهرة الذين يحرسونهم. وهم ليسوا أرواح القديسين الموتى بل ملائكة حقيقيين يرسلهم الله ليحفظوا محبيه من الشر (تكوين ٣٢: ١، ٢ و٢ملوك ١٩: ٣١ ومزمور ٣٤: ٧ و٩١: ١١، ١٢ وأعمال ٢٧: ٢٣ وعبرانيين ١: ١٣، ١٤). ولا يلزم من ذلك أن يكون لكل مؤمن ملاك مختص به يحرسه من وقت ولادته الجديدة إلى ساعة موته، إنما المفهوم أن الله يرسل الملائكة لخدمة المؤمنين بوجه العموم.
    يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي يوضح معنى هذا قول الملاك في لوقا ١: ١٩ «أنا جبرائيل الواقف أمام الله» فيكون المراد أن الملائكة الذين يحرسون المؤمنين هم ملائكة الحضرة، وهم أعظم الملائكة رتبة. وجرى المسيح في هذا على اصطلاح البلاط الملكي فإن أصحاب الرتبة الأولى يقفون في المكان الأقرب إلى الملك، ولهم أن يروا وجهه (أستير ١: ١٤ و١ملوك ١٠: ٨ وأمثال ٢٢: ١٩ وإرميا ٥٢: ٢٥ ودانيال ١: ٥ ولوقا ٢١: ٣٦). فغاية المسيح في هذا أن يعلمهم: (١) أنه إن كان أعظم الملائكة لا يحتقرون هؤلاء الصغار، فلا يجوز أن إخوتهم المؤمنين يحتقرونهم. (٢) إن مقام ملائكتهم يُظهر مقامهم عند الله. فإذاً المكرمون عند الله في السماء لا يجوز أن يهينهم إنسان على الأرض.
    فائدة: ما أعظم عناية الله بالمؤمنين ، فقد أطلق عليهم لقب «هؤلاء الصغار» وأوصى المسيح رسله بهم، فأعلن أن يحرسهم الملائكة المأذون لهم أن يدخلوا إلى حضرة الملك السماوي ليرجعوا من لدنه بالرحمة والبركة لهم.
    ١١ «لأَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ».
    متّى ٩: ١٢، ١٣ ولوقا ٩: ٥٦ و١٩: ١٠ ويوحنا ٣: ١٧ و١٢: ٤٧ و١تيموثاوس ١: ١٥
    أورد المسيح في هذا العدد سبباً ثانياً لتحريم احتقار المسيحيين أحد إخوتهم الصغار، فإنه علاوة على أن ملائكة السماء يحرسونهم، أتى ابن الإنسان الذي هو ابن الله من السماء ليخلصهم. فمع أنهم كانوا أثمة معرضين للهلاك تألم المسيح ومات من أجلهم، فصاروا أعزاء لديه.
    مَا قَدْ هَلَكَ أي من كانوا تحت الدينونة لخطاياهم، لا يقدرون أن ينقذوا أنفسهم ولا يقدر غيرهم من المخلوقات أن ينقذوهم. فلنا من ذلك (١) أن الله يعتبر العالم بأسره في حال الهلاك، لا رجاء له في نجاةٍ من نفسه (٢) لم يأتِ المسيح ليملك مُلكاً أرضياً، ولا لمجرد التعليم والتهذيب، بل ليخلّص الأثمة من الهلاك.
    ١٢، ١٣ «١٢ مَاذَا تَظُنُّونَ؟ إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلاَ يَتْرُكُ ٱلتِّسْعَةَ وَٱلتِّسْعِينَ عَلَى ٱلْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ ٱلضَّالَّ؟ ١٣ وَإِنِ ٱتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ ٱلتِّسْعَةِ وَٱلتِّسْعِينَ ٱلَّتِي لَمْ تَضِلّ».
    لوقا ١٥: ٤ الخ ويوحنا ١٠: ١١ الخ
    أورد المسيح في هذين العددين سبباً ثالثاً لتحريم احتقار الصغار من عائلة المسيح الروحية، وهو قيمتهم العظيمة في عيني الآب السماوي الذي لا يريد أن يهلك أحد منهم، ويفرح بنجاتهم من الهلاك.
    مَاذَا تَظُنُّونَ؟ أي احكموا بهذا المثل حسب اختباركم، واستنتجوا منه ما هو شعور الله من جهة من كان هالكاً وخلص. ثم أن المسيح ذكر هذا المثل مرة أخرى (لوقا ١٥: ٤ - ٦). وضربه حينئذ توبيخاً للفريسيين، ولكنه ضربه هنا تعليماً للتلاميذ.
    مِئَةُ خَرُوفٍ وَضَلَّ وَاحِدٌ عندما يكون القطيع كبيراً لا ينتبه الراعي في الحال لضياع خروف منه. والقول بضياع واحد يبين فرط اعتناء الراعي به.
    حذر المسيح تلاميذه في عدد ٦ من هذا الأصحاح من أن لا يُعثروا أحداً من الصغار، وحذرهم في عدد ١٠ منه من احتقار أحدٍ منهم. فإن كان الراعي الصالح يعتني بخروف واحد من قطيعه السماوي فكذلك يجب أن يعتني تلاميذه به.
    ٱلتِّسْعَةَ وَٱلتِّسْعِينَ إن قصد المسيح بالتسعة والتسعين الذين لم يضلوا قط من خليقته، فهم الملائكة الذين لم يسقطوا، أو هم سكان عوالم أخرى ثبتوا في الطهارة التي خُلقوا عليها. وإن كان المسيح يقصد الناس كما قال «لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى» فمراده أن الذين يحسبون أنفسهم أبرياء لا يحتاجون إلى مخلّص. والاحتمال الأول أرجح.
    عَلَى ٱلْجِبَال أي حيث يأمن عليهم.
    وَيَذْهَبُ يَطْلُب في هذا إشارة إلى بعض ما يقاسيه الراعي الصالح السماوي (يوحنا ١٠: ١٥) من التعب والألم بالاعتناء والتفتيش عن الهالكين من الناس ليخلصهم.
    فرح الراعي في أن يجد الخروف بقدر ما حزن واضطرب عليه وهو ضال. فالتسعة والتسعون لم تكن عرضة للخطر، فلم يكن وجودها في أمنٍ موضوع فرح خاص. لذلك يفرح الله بالخطاة الراجعين إليه أكثر مما يفرح بالملائكة الذين لم يضلوا. وكثيراً ما يذكر الكتاب المقدس زيادة الفرح في السماء بنجاة الهالكين من البشر (إشعياء ٥٣: ١١ وميخا ٧: ١٨ ولوقا ١٥: ٧، ١٠ وعبرانيين ١٢: ٢). ونتيجة كل ذلك أنه لا يجوز لأحد أن يحتقر أو يعثر من يفتش المسيح عنه ويعتني به ويفرح.
    ١٤ «هٰكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَارِ».
    لوقا ١٢: ٢ ويوحنا ٦: ٣٩، ٤٠ و١٠: ٢٧ الخ
    في هذا العدد نتيجة المثل السابق الذي أظهر الله فيه عدم إرادته أن يهلك أحد من الناس (يوحنا ١٢: ٢٨) واستعماله الوسائط لإنقاذه وهي تحريم إعثار أحد إياه أو احتقاره. وأن من يفعل ذلك يخالف قصد الله وعمله. فيصح لنا أن نستنتج مما ذكر من أمر إرادة الآب أن الذين يموتون في الطفولة يخلصون لأنهم داخلون في قوله «هؤلاء الصغار» وإلا ما جاز أن يشبِّه الناجين من البالغين بالصغار. وأن نستنتج أيضاً أن الأطفال لم يخلصوا لطهارتهم، بل لأن المسيح أتى ليخلّصهم حسب قوله في عدد ١١.
    ١٥ «وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَٱذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ».
    لاويين ١٩: ٧ ولوقا ١٧: ٣ ويعقوب ٥: ٢٠ و١بطرس ٣: ١
    في آيات ٧ - ١٤ حذَّر المسيح تلاميذه من إعثار غيرهم من المسيحيين. وأخذ يبين هنا واجبات المسيحيين حين يعثرهم الغير بأن يظلموهم.
    أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ أي أحد المسيحيين أو من تحسبه قريباً إليك. وربما كان المعنى أي إنسان. وهنا يأمر المسيح بتطبيق القانون (الذي وضعه لسلوك بعض المسيحيين مع بعضهم) مع كل الناس، لأنهم إخوته وأبناء أبٍ واحد سماوي. والمراد بالأخطاء هنا الضرر الشخصي لا العدول عن سبيل الإيمان وإنكار المسيح ودينه.
    فَٱذْهَبْ وَعَاتِبْهُ دليلاً على أنه يجب على البريء المظلوم أن يسعى في إصلاح الأمر بذهابه إلى الظالم ليبين له خطأه بدل أن يشكوه إلى الغير أو ينتقم منه أو يحقد عليه، فلا يبقي العداوة له في قلبه. وهذا وفق قول موسى النبي «لا تبغض أخاك في قلبك. إنذاراً تنذر صاحبك ولا تحمل لأجله خطية» (لاويين ١٩: ١٧) وليس في ذلك شيءٌ يحط شرف البريء لأن المسيح أتى من السماء بغية المصالحة قبل أن نطلبها. فلو طبَّق الناس هذا القانون لنجوا من خصومات وحروب كثيرة. فقد يخطئ بعض الناس إلى البعض عن غير قصد، كما أخطأ أبيمالك إلى إبراهيم (تكوين ٢١: ٢٦). فربما ظهر عند العتاب ما حُسب تعدياً أو ظلماً ليس كذلك، كما وقع بين الثلاثة الأسباط رأوبين وجاد ومنسى وسائر أسباط إسرائيل لبناء مذبح عند الأردن (يشوع ٢٢: ٢٤).
    بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لأنه إذا عاتبه أمام الناس حملته شهامته أن يغتاظ من التوبيخ العلني، أو أن يستحي من الاعتراف أمامهم بالذنب، فيجتهد في تبرير نفسه ويقسي قلبه. مع أنه إذا انفرد به سهُل عليه أن يقنعه بالحق. لكن إذا لم يكن العتاب بلطف ومحبة وحكمة «اتسع الخرق على الراقع» وعُمقَ الجرح بدل أن يُشفى. وصُب الزيت على النار بدلاً من أن ينصب على الماء. فلنسمع «أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ» (غلاطية ٦: ١).
    رَبِحْتَ أَخَاكَ أي أبقيته صديقاً لك بعد ما كنت في خطر أن تخسره بسبب العداوة بينكما، وربحته أيضاً خادماً للمسيح، وخلّصت نفسه. لأنك إذا تركته وهو مذنب إليك بدون عتاب فربما بقي في طريق شره بلا توبة وهلك في خطيته. ولكن بمعاتبتك إياه بالمحبة يشعر بخطئه ويتوب (يعقوب ٥: ٢٠). وهذا الربح نتيجة ذلك العتاب.
    ١٦ «وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضاً وَاحِداً أَوِ ٱثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ».
    تثنية ١٧: ٦ و١٩: ١٥ ويوحنا ٨: ١٧ و٢كورنثوس ١٣: ١ وعبرانيين ١٠: ٢٨
    فإذا لم تكفِ الوسيلة الأولى لإصلاح الحال وجب اتخاذ الوسيلة الثانية التي ذكرها المسيح في هذا العدد، وهو أن يأخذ البريء واحداً أو اثنين من الناس ليقنعوا الظالم بخطيته وينبهوا ضميره ويجعلوه يخجل من عناده. والغاية الأولى من ذلك نفع المخطئ بإرشاده إلى التوبة. ولكن إن بقي على عناده كان من أخذه معه شاهداً عليه عند رفع الدعوى إلى الكنيسة، وشاهداً للمظلوم بأنه فعل كل ما أمكنه لإزالة الخصومة بطريق السلام.
    شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ ذلك حسب شريعة موسى في إثبات الدعاوي (تثنية ١٩: ١٥). وقلل المسيح عدد من يأخذهم البريء معه للشهادة ستراً للأمر على قدر الإمكان، لئلا يكون عاراً على المذنب وعلى الكنيسة.
    ١٧ «وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ٱلْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَٱلْوَثَنِيِّ وَٱلْعَشَّارِ».
    رومية ١٦: ١٧ و١كورنثوس ٥: ٩، ١١ و٢تسالونيكي ٣: ٦
    ذكر المسيح هنا الوسيلة الثالثة لإزالة الشر إذا لم تنفع في ذلك الوسيلتان المذكورتان قبلها، وهي رفع الأمر إلى الكنيسة التي ينتمي إليها العضوان. فإن كانت تلك الكنيسة صغيرة وبعض الأعضاء قريب من بعض يمكن أن تُرفع الدعوى إلى كل أعضائها، وإلا فترفع إلى نواب الكنيسة أو وكلائها. وذلك للحصول على مساعدة الكنيسة لإصلاح المذنب. ولم يُذكر شيء في هذا العدد من أمر تأديب الكنيسة إياه، إنما قُصر على ذكر الواجبات الشخصية في شأن الخلاف.
    كَٱلْوَثَنِيِّ وَٱلْعَشَّارِ أي لا تحسبه بعد ذلك أخاً مسيحياً، ولا صديقاً قريباً إليك، بل اعتبره كغيره من الخارجين عن الكنيسة، كما اعتبر اليهود الخارجين عن مجمعهم. ولكن بدون أن يُبغضوا (١كورنثوس ٥: ١١ و٢تسالونيكي ٣: ١٤، ١٥). يمكنك تجنب مصاحبته لا أن تعاديه أو تضمر له السوء بل اتركه جانباً كإنسانٍ غريب.
    ١٨ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي ٱلسَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي ٱلسَّمَاءِ».
    متّى ١٦: ١٩ ويوحنا ٢٠: ٢٣ وأعمال ١٥: ٢٣ - ٣١ و١كورنثوس ٥: ٤، ٥ و٢كورنثوس ٢: ١٠
    هنا إشارة لإجماع الكنيسة على رفض أحدهم أو قبوله، ولها الحق أن تفعل ذلك بالسلطة المعطاة لها من المسيح. بقي أن نتأكد من يمثل الكنيسة هل هم الإكليروس وحدهم، أو القسوس والشيوخ، أم هو مجموع أفراد المؤمنين الحقيقيين. ونرى أيضاً أن هذا العدد والذي يليه مبنيان على ما سبق من جهة الذين يعاندون الكنيسة. وما قيل هنا وُجِّه إلى الرسل فقط، وخُصَّ بهم دون سائر المؤمنين في غير عصرهم. وخطاب المسيح هنا لكل الرسل هو نفس الخطاب الذي خاطب به بطرس قبلاً نائباً عن الباقين (متّى ١٦: ١٩).
    وهذا ينفي وهم التلاميذ إن كانوا توهموا أن المسيح أعطى بطرس سلطاناً على غيره من الرسل في وضع قوانين الكنيسة أو إجراء التأديب فيها، لأنه أعطاهم جميعاً سلطاناً واحداً، معجزةً، إذ ألهمهم الروح القدس بوضع تلك القوانين. والمعنى أنه مهما اعتمدتموه بإرشاد الروح القدس من جهة إبقاء بعض الطقوس الموسوية على الكنيسة، أو نسخ بعض ذلك منها، أو مهما اعتمدتم قبول أعضاء في الكنيسة أو منع بعضٍ منها، كان ذلك مثبتاً في السماء أي عند الله.
    ١٩ «وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضاً: إِنِ ٱتَّفَقَ ٱثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى ٱلأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
    مرقس ١١: ٢٤ ويوحنا ١٤: ١٣، ١٤ و١٥: ٧، ١٦ و١يوحنا ٣: ٢٢ و٥: ١٤
    هذا القول كالسابق يشير إلى سلطان أعطاه المسيح الرسل خاصة لتنظيم كنيسته. فأثبت هنا أنه لا حاجة للاثني عشر أن يجتمعوا كلهم لينالوا الإرشاد منه في شأن ما يحلّونه أو يربطونه من أمور الكنيسة، وأنه إذا اجتمع اثنان منهم وهما متفقان على رأي واحد بما هو لخير الكنيسة فطلبا إلى المسيح الإرشاد وسلطان الحكم أُعطياهُ (أعمال ١: ١٤ - ٢٦ و١٥: ١ - ٢٩).
    فهذا الوعد ليس للمؤمنين بعد الرسل. نعم إن في الكتاب المقدس مواعيد أخرى تثبت فاعلية صلاة الإيمان انفرادية كانت أم جهورية، ولكن الوعد هنا خاص بالرسل لأجل تنظيم الكنيسة في زمن تأسيسها.
    ٢٠ «لأَنَّهُ حَيْثُمَا ٱجْتَمَعَ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِٱسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ».
    متّى ٢٨: ٢٠ ويوحنا ١٤: ١٧
    هذا كلام عام قاله المسيح ليثبت ما سبق من وعده الخاص للرسل.
    حَيْثُمَا أي في كل مكان، فيصح أن يكون في كل زمان.
    ٱثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ لم يتلفت المسيح إلى عدد المجتمعين، بل إلى أن الاجتماع باسمه.
    بِٱسْمِي أي بثلاثة أمور تختص بي (١) أن يكون الاجتماع بسلطاني وأمري ونيابةً عني، لتكون علاقتكم بي في ذلك كعلاقتي بالآب (يوحنا ١٠: ٢٥ و١٦: ٢٣). (٢) أن يكون الاجتماع لخدمتي، أي للصلاة والتسبيح ودرس كتابي لكي أتمجد (يوحنا ١٤: ١٣ و١٥: ٧). (٣) أن يكون الاجتماع بالاتكال على استحقاقي وآلامي وشفاعتي.
    فَهُنَاكَ أَكُونُ أي أكون مع الاثنين أو الثلاثة كما أكون مع الألوف المجتمعة باسمي. فحضور المسيح مع كنيسته الآن حسب هذا الوعد بمنزلة حضور السحابة في خيمة الاجتماع (خروج ٤٠: ٢٤) وفي الهيكل (٢أخبار ٥: ١٤). وحيث حضر المسيح تحلّ كل بركة. وفي هذا العدد برهان على بركة اتفاق المسيحيين في الصلاة، كما أنه يبرهن لاهوت المسيح.
    ٢١ «حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟».
    لوقا ١٧: ٤
    تكلم المسيح على أسلوب تعامل المُساء إليه مع الأخ المسيء، ليرده عن خطئه ويأتي به إلى المصالحة، وهم لا يتم إلا بأن يغفر المُساء إليه للمسيء. فتنبَّه بطرس ليسأل عن عدد المرات التي يجب أن يغفر لأخيه فيها، فقوله «كم مرة» يلزم منه ظنه أن مرات الصفح عن الإساءة محدودة. جاء في تلمود اليهود أنه يجب أن يغفر المساء إليه إلى المسيء ثلاثاً لا أكثر، استناداً على ما جاء في نبوة عاموس (١: ٣ و٢: ٦) وأيوب (٣٣: ٢٩، ٣٠). وزاد بطرس على ذلك أربعاً، فظن أنه أظهر بذلك زيادة الحلم والأناة.
    أَغْفِرُ لَه الغفران أن يشعر المُساء إليه نحو المسيء ويسلك معه كأنه لم يسئ إليه. فيجب على المسيء أن يسأل المغفرة (لوقا ١٧: ٤) وحينئذٍ يجب على المُساء إليه أن يغفر له. ولكن إذا لم يطلب الغفران لم يجز للمُساء إليه أن يحقد عليه أو يقصد الانتقام منه، بل يجب أن يشفق عليه ويسعى في خيره (لوقا ١٠: ٣٠ - ٣٧).
    ٢٢ «قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ».
    متّى ٦: ١٤ ومرقس ١١: ٢٥ وأفسس ٤: ٣٢ وكولوسي ٣: ١٣
    سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّات يُشار بهذا حسب اصطلاحهم قديماً إلى عدد غير مقيد . فأراد المسيح به أنه يجب أن يُغفر للمخطئ كلما سأل المغفرة لأن «الله يكثر الغفران» (إشعياء ٥٥: ٧ ومزمور ٧٨: ٣٨). فيجب أن نتمثَّل به، فإننا ننال الرحمة من الله بغير حساب، فيجب علينا أن نرحم الناس كذلك.
    ٢٣ «لِذٰلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ».
    ضرب المسيح هذا المثل ليعلم تلاميذه شريعة الملكوت الجديدة في شأن الغفران للمذنبين إلينا، وهو يصح أن يُحسب شرحاً للطلبة الخامسة من الصلاة الربانية التي هي «اغفر لنا ذنوبنا الخ»
    يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً المراد بهذا المثل أن الله يعامل أهل كنيسته على الأرض كما يعامل الملك بعض رعيته. ولكن المقارنة بين الملك الأرضي والملك السماوي قاصرة، فلا نتوقع المعنى الروحي من كل كلمة من كلمات هذا المثل.
    يُحَاسِبَ عَبِيدَه أي عبيد الملك في المثل. والمقصود بعبيده هنا خدمه لا الذين تحت الرق، لأنه هدد واحداً منهم بأن يُباع (عدد ٢٥). والظاهر أنهم كانوا أمناء صندوق الدولة، ويحتمل أنهم كانوا ضامنين أو ملتزمين داخل المملكة. و «العبيد» هنا هم أعضاء كنيسة المسيح في كل زمان ومكان. وليس المقصود بالحساب هنا حساب يوم الدين المشار إليه في متّى ٢: ١٩ وفي ٢كورنثوس ٥: ١٠. ولكنه كالحساب المذكور في لوقا ١٦: ٢. ويجري الله هذا الحساب عندما يجعلنا نقارن خطايانا بمطالب شريعته المقدسة، ونشعر بأنه وضع آثامنا أمامه وخفياتنا في ضوء وجهه (مزمور ٩٠: ٨). وعندما ينبِّه ضمائرنا الغافلة، وعندما يجلب علينا الضيقات حتى نرى أننا قريبون من الموت (٢ملوك ٢٠: ١) نشعر أننا لا نستطيع أن نجيبه «على واحد من ألف» من آثامنا (أيوب ٩: ٣) فإنها أكثر من شعور رؤوسنا (مزمور ٤٠: ١٢). وهكذا حاسب الله داود لما أرسل إليه يوناثان النبي (٢صموئيل ١٢) وحاسب أهل نينوى لما أرسل إليهم يونان، وحاسب اليهود لما أرسل إليهم يوحنا المعمدان.
    ٢٤ «فَلَمَّا ٱبْتَدَأَ فِي ٱلْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشَرَةٍ آلاَفِ وَزْنَةٍ».
    وَاحِدٌ مَدْيُونٌ من الضرورة أن يكون مثل هذا أمين صندوق الملك، أو ضامن دخل قسم كبير من المملكة حتى يدان بمثل هذا المبلغ العظيم.
    بِعَشَرَةٍ آلاَفِ وَزْنَة إن كان المقصود بأن تلك الوزنات من الفضة فقيمتها نحو مليوني ونصف مليون جنيه ذهبي، وإن قُصد أنها من الذهب فقيمتها ٦٠ مليون جنيه ذهبي. ويساعدنا على تصور عظمة هذا المبلغ أن نتذكر أن كل ما استعمل من الذهب في خيمة الاجتماع لم يزد على تسعٍ وعشرين وزنة (خروج ٣٨: ٢٤). وإن ما أعده داود لبناء الهيكل لم يزد على ثلاثة آلاف وزنة، وإن ما قدمه رؤساء الشعب لم يزد على خمسة آلاف وزنة (١أخبار ٢٩: ٤ - ٧) وإن الهبة الملكية التي قدمتها ملكة سبا إلى سليمان لم تزد على ١٢٠ وزنة. وإن ما وضعه ملك أشور من الغرامة على حزقيا لم يزد على ٣٠ وزنة (٢ملوك ١٨: ١٤) وإن الغرامة التي وضعها ملك مصر على اليهودية بعد موت يوشيا في وقت فقر البلاد لم تزد على وزنة واحدة. وأراد المسيح أن يشير بوفرة هذا المبلغ إلى كثرة الدَّين الذي على الخاطئ لله بسبب عصيانه وعجزه عن إيفائه. فإنه عندما يراها كما يراها الله لا بد أن يقول «فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ ٱلإِنْسَانُ عِنْدَ ٱللّٰهِ، وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ ٱلْمَرْأَةِ؟» (أيوب ٢٥: ٤) و «وإن كنت تراقب الآثام يا رب فمن يقف؟» (مزمور ١٣٠: ٣) و «لاَ تَدْخُلْ فِي ٱلْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ» (مزمور ١٤٣: ٢). فأسهل علينا أن نحصل على عشرة آلاف وزنة لنوفي ديناً علينا لإنسان من أن نحصل على ما يكفر عن خطية واحدة من خطايانا لله، بدون مساعدته وتقديمه لنا مبلغ الفداء. فتبين من ذلك أننا عاجزون عن إيفاء ما علينا من الدين لله. ولكن الحمد له أنه أعدَّ لنا الفداء باستحقاق المسيح وموته لإنقاذنا من ذلك الدين العظيم.
    ٢٥ «وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَٱمْرَأَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَى ٱلدَّيْنُ».
    لاويين ٢٥: ٣٩ الخ و٢ملوك ١٤: ١ ونحميا ٥: ٥، ٨ وإشعياء ٥٠: ١
    كان بيع الأولاد مع الوالدين جائزاً في الشريعة اليهودية (لاويين ٢٥: ٤٩ و٢ملوك ٤: ١ ونحميا ٥: ٦ وعاموس ٢: ٦ و٨: ٦) وسمحت به الشريعة الرومانية.
    وَيُوفَى ٱلدَّيْنُ أي يُفي قسمٌ منه بقدر ثمن المبيع. وليس لهذا معنى روحي إلا أن الخاطئ المتروك لاحتمال نتائج أعماله تحت دينونة أبدية، فلا يستطيع أن يبرر نفسه أو أن يحرر ذاته من عواقب آثامه. فكل ما في العالم من ذهب وفضة لا يكفر عنها «ٱلأَخُ لَنْ يَفْدِيَ ٱلإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ ٱللّٰهَ كَفَّارَةً عَنْهُ. وَكَرِيمَةٌ هِيَ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ، فَغَلِقَتْ إِلَى ٱلدَّهْرِ» (مزمور ٤٩: ٧، ٨) فلا تُفدى نفس الخاطئ بكل الذبائح والتقدمات، ولا بشيء من الأعمال الصالحة. إذاً فالكلام بهذه المبالغ الطائلة هو فقط ليرينا عظمة الدين، ويبرهن لنا أننا لن نستطيع وفاءه وحدنا مهما عملنا.
    ٢٦ «فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ ٱلْجَمِيعَ».
    فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ هذا علامة الوقار اللائق بالملك والتضرع الشديد له.
    تَمَهَّلْ عَلَيّ الخ في هذا إشارة إلى غاية الخوف والحزن، لأنه وعد بما يستحيل عليه، رغبةً منه أن ينجو من الخطر المحيط به، إذ لم يكن له ما يوفي الدَين، ووعد أن يوفي الكل. ولم ينطق في شيء من كلامه بأدنى اعتراف بذنبه. فمثل هذا الوعد الباطل تكون أحياناً مواعيد الخطاة في وقت شعورهم بخطاياهم وخوفهم من الموت، فينذرون التوبة والطاعة وإصلاح السيرة وهم عاجزون عن القيام بذلك.
    ٢٧ «فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذٰلِكَ ٱلْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ ٱلدَّيْنَ».
    مزمور ٧٨: ٣٨ و٨٦: ٥، ١٥ و١٤٥: ٨
    هذا الملك الحنون الكريم جاد على ذلك العبد بأكثر مما سأله، فلم يسأله سوى المهلة، فترك له كل الدين. وفي هذا مثال لعظمة رحمة الله الذي يغفر كل خطايانا مجاناً، إجابة لطلباتنا وشفقة علينا. وغاية الإنجيل المناداة بهذه الرحمة (رومية ٧: ٢٤، ٢٥ و١يوحنا ١: ٨، ٩).
    ٢٨ «وَلَمَّا خَرَجَ ذٰلِكَ ٱلْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِداً مِنَ ٱلْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُوناً لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ».
    بِمِئَةِ دِينَارٍ ذلك نحو ثلاث جنيهات ذهبية، فنسبة هذا المبلغ في قلته إلى نسبة ذلك الدين في عظمته كنسبة ١ إلى مليون وربع مليون. وهذا يبين جلياً صغر إساءة إنسان إلى آخر من إخوته بالنسبة إلى ما عليه لله، وذلك كنسبة قطرة ماء إلى كل مياه الأرض. والمقصود من كل ذلك أنه بما أن الله يغفر لنا كل تلك الآثام العظيمة، يجب علينا أن نغفر لإخوتنا الإساءة الزهيدة بالنسبة إليها. ولم يقُل إن ذلك الدَين لم يكن حقاً، إنما ظهر من المثل أنه أخطأ في أن طلب الذي له على أخيه بقساوة كهذه، بعدما نال عظيم الرحمة من الملك وهو أعظم احتياجاً من أخيه.
    أَخَذَ بِعُنُقِه عجباً لهذا العبد كيف طلب ما له على أخيه بمثل هذه القساوة بعد ما شعر بحزن المديون وخوفه عند عجزه عن الإيفاء ونال مزيد الرحمة واللطف من سيده الدائن.
    ٢٩ «فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ ٱلْجَمِيعَ».
    الكلمات التي استرحم بها هذا العبد رفيقه هي نفس الكلمات التي استرحم بها ذلك الرفيق سيده، فكان يجب أن تذكره ضيقه والرحمة التي نالها.
    ٣٠ «فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ ٱلدَّيْنَ».
    الذي سُومح بعشرة آلاف وزنة لم يُرد أن يتمهل على مديون له بمئة دينار! من نال رحمة من سيده أبى أن يمنح مثلها العبد أخاه. من سأل المهلة ونال الإبراء المطلق رفض أن يتمهل على صاحبه. فلم يذكر المراحم التي نالها، ولم يشفق على البائس فألقاه في السجن حيث لا سبيل إلى تحصيل ما يوفي الدين. فمن يحقد على أخيه ويضمر له العداوة ويكره أن يتصالح هو مثل ذلك العبد القاسي.
    ٣١ «َلَمَّا رَأَى ٱلْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدّاً. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى».
    الله لا يحتاج إلى من يشهد له بحال المظلومين في هذا العالم. فلعل المراد بالرفقاء المذكورين هنا المسيحيون الذين يذكرون في صلواتهم الظلم والتعدي وعدم الشفقة والمحبة وروح المصالحة في العالم، فالحزن أجدر بهم من الغضب الذي هو أولى بالملك لأنه الحاكم الديّان. والذي يظلم أحداً من أعضاء الكنيسة يُحزن الجميع.
    ٣٢ «فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلشِّرِّيرُ، كُلُّ ذٰلِكَ ٱلدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ».
    أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلشِّرِّيرُ تحقق السيد حينئذٍ رداءة صفات العبد القاسي، وأنه لا يستحق الرحمة التي منحها إياه، وخاطبه بكلام الغيظ. فمن كان مثل هذا العبد في القساوة لا يمكن أن يكون مسيحياً بالحق. فيمكن أن يكون أحد أعضاء الكنيسة مسيحياً في الظاهر وتُعلن صفاته الحقيقية عند الامتحان، كما عُرفت صفات ذلك العبد.
    كُلُّ ذٰلِكَ ٱلدَّيْنِ هذا بيان لعظمته.
    لأَنَّكَ طَلَبْتَ أي سألتني بحزن وانكسار فتأثرت وشفقت عليك.
    ٣٣ «أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضاً تَرْحَمُ ٱلْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟».
    بيَّن السيد للعبد القاسي أنه كان يجب عليه أن يتعلم الشفقة التي نالها، فيعامل العبد رفيقه برحمة، فإنه يجب على من رُحم أن يرحم. فلم يدعُه «شريراً» لأنه أقام دعوى كاذبة على أخيه، بل لأنه طلب حقه بعنف وقسوة بعد أن نال هو أعظم شفقة. فيجب علينا أن نتخذ لطف الله وأناته ومغفرته مثالاً لنا في معاملتنا لغيرنا، وأن نغفر للمذنبين إلينا كما غفر الله لنا.
    فلا يليق بالمسيحي الذي ذاق رحمة الله هنا، ويتوقع أن يُرحم أمام عرش الله يوم الدين أن يكون قاسياً حقوداً. وإن كان له أسباب كافية للغضب فيجب ألا يبقي الغضب في قلبه، بل يغفر للمذنب إليه وفقاً للقول الرسولي «اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ ٱلشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ» (أفسس ٤: ٢٦)
    ٣٤ «وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى ٱلْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ».
    غَضِبَ سَيِّدُهُ كان هذا السيد في أول أمره دائناً طالباً دينه من مديون، فصار دياناً لمذنبٍ.
    سَلَّمَهُ إِلَى ٱلْمُعَذِّبِينَ أي سجنه سجناً مؤبداً مع مقاساة الآلام، وهذا أشرُّ من بيعه الذي هدد به أولاً (ع ٢٥). وكان من عادة القدماء أن يعذبوا المديون إذا رأى الحاكم أنه اختلس مال غيره وأخفاه حتى يعترف. فاعتقد السيد في أول الأمر أن عبده أمين. فلما رأى ما كان منه في معاملة رفيقه تيقن أنه شرير، وظنه مختلساً، فسلَّمه للمعذبين ليعترف. كذلك حكم الله «لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً» (يعقوب ٢: ١٣) فلذلك «بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ» (متّى ٧: ٢) والمقصود بالعذاب في المثل توبيخ الضمير للمذنب القاسي، واحتقار الأتقياء إياه، وغضب الله عليه، والعقاب بعد الموت.
    حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْه لا فرق بين هذا القول وقولنا إلى الأبد، لأنه قيل (في ع ٢٥) «لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي». فقيَّد خروج ذلك العبد بشرط مستحيل، وهو أوضح بياناً لأبدية عقابه. وهذا يشبه ما فعله الفوكيون في بلاد اليونان، فإنهم تركوا مدينتهم وألقوا كرة حديد في مكان عميق من البحر، وأقسموا ألا يرجعوا إلى أن تعوم كرة الحديد على وجه الماء! ولا شك أنهم أرادوا أن لا يرجعوا أبداً. فالواقع أن العدل دان ذلك العبد، والرحمة لم تلتفت إليه. كذلك الخاطئ في سجن الله لا ترجى نجاته إلى الأبد.
    فلا صحة لما استنتجه البعض من هذا العدد من أنه يحتمل أن الخاطئ يوفي الدين لله بمقاساته عذاب جهنم ألوفاً من السنين، لأنه لا يوفي دين الخاطئ إلا بفداء يسوع المسيح. فلا توفيه الأعمال الصالحة، ولا إيلام المعذبين عن الخطايا الماضية. فالذين خابوا من رحمة المسيح في الحياة الأرضية يخيبون منها إلى الأبد. فإن قيل: كيف جاز للملك أن يطالب العبد بما وهبه له؟ قلنا إن الملوك قديماً كانوا أرباب سلطان مطلق، وكانت مشيئتهم هي الشريعة. على أن الهبة في مثل هذا المثل يجوز أن تُسترد، لأنها مقيدة بشرط وهو أن يتصرف بها العبد بما يُرضي سيده، وأنه يصح لسيده أن يطالبه بذلك الدين عقاباً له على كفره بنعمته، وقساوته على رفيقه حين كان يجب عليه أن يكون شفوقاً متحنناً.
    قال بعضهم: هل يُستفاد من هذا المثل أن الله يعاقب الخاطئ على ما غفر له من الآثام؟ فالجواب لا! على أن النسبة بين عفو ملك أرضي عن المديون وبين عفو الله عن الخاطئ ليست كاملة، والخطية ليست كالدين المالي في كل شيء. فإن الدين المالي إذا أوفاه أحد عن المديون لا يبقي للدائن حق أن يطالب المديون به. وغفران الخطية ليس كذلك، لأنه مقيَّد بشرط أن يُظهر الخاطئ الذي غُفر له روح الطاعة لله، وأن يقتفي خطوات المسيح، ويلبس على الدوام ثوب بره ويتحد به كعضو من جسده. ودليل ذلك قول الرسول «وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ» (١يوحنا ١: ٧). فإذاً المغفرة لمن يسلكون في نور المحبة والقداسة والشركة مع إخوتهم، ولكن قصة العبد القاسي كلها تُظهر أنه لم يكن قط إنساناً متجدد القلب مغفور الخطايا، وهو مثال لمن يدعي أنه مسيحي لكنه لم يَطهُر قط من خطاياه السالفة.
    ٣٥ «فَهٰكَذَا أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَلاَّتِهِ».
    أمثال ٢١: ٢ ومتّى ٦: ١٢، ١٤، ١٥ ومرقس ١١: ٢٦ ويعقوب ٢: ١٣.
    معنى هذا العدد كمعنى متّى ٦: ١٥ «إِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ» وكمعنى كولوسي ٣: ١٣ وأفسس ٤: ٣٢ فالله مع كثرة رحمته شديد العقاب، والإيمان الذي لا يعمل بالمحبة ليس هو الإيمان الذي يبرر الخاطئ.
    مِنْ قُلُوبِكُمْ لا قيمة للغفران من مجرد الشفتين فالله لا يغفر هكذا والذي يقول «أنا أغفر ولكن لا أنسى» لا يغفر، إنما يزيد على خطاياه رياءً. ولكن الله إذا غفر يطرح كل الخطايا وراء ظهره (إشعياء ٣٨: ١٧) فهو يصفح عن الإثم ولا يذكر الخطية (إرميا ٣١: ٣٤) وأنه يدوس الآثام ويطرح الخطايا في أعماق البحر (ميخا ٧: ١٩).
    كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ قيَّد ترك الزلات هنا بالإخوة المؤمنين، لكن يجب أن نغفر لكل الناس زلاتهم إذا سألونا المسامحة. فهذه الآية تعلمنا أن أبواب السماء مغلقة دون القساة والمنتقمين ومحبي الحقد، وأنه لا غفران في يوم الدين لمن لم يغفروا لغيرهم. وفي هذا المثل فوائد كثيرة: أهمها خمس وهي الآتية: (١) خطايانا إلى الله عظيمة جداً. (٢) الله يغفر تلك الخطايا تمام المغفرة مجاناً. (٣) زلات إخوتنا إلينا زهيدة، بل ليست شيئاً بالنسبة إلى خطايانا إلى الله.
    (٤) يجب أن نغفر لإخوتنا زلاتهم من قلوبنا. (٥) إنه إن لم نغفر لإخوتنا يغضب الله علينا بعدل ويعاقبنا.

    الأصحاح التاسع عشر


    ١ «وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هٰذَا ٱلْكَلاَمَ ٱنْتَقَلَ مِنَ ٱلْجَلِيلِ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ ٱلْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ ٱلأُرْدُنِّ».
    مرقس ١٠: ١ ويونان ١٠: ٤٠
    لَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هٰذَا ٱلْكَلاَمَ ترك متّى ذكر أمور كثيرة حدثت فى تلك المدة، أي مدة انتقاله من الجليل ومجيئه إلى تخوم اليهودية. وذكر لوقا ويوحنا بعضها، ومن ذلك إرسال السبعين تلميذاً ورجوعهم إليه (لوقا ١٠: ١ - ١٦). وذهاب المسيح إلى السامرة وإبراؤه عشرة برص هناك (لوقا ٩: ٥١ - ٥٦ و١٧: ١١ - ١٩). ومثل الخروف الضال. ومثل الدرهم المفقود. ومثل الابن الضال (لوقا ١٠ - ١٨: ١٤) وذهابه لوقت قصير إلى اورشليم في عيد المظال وتعليمه هنالك وإقامته اليعازر (يوحنا ٧ - ٩).
    ٱنْتَقَلَ مِنَ ٱلْجَلِيلِ هذه نهاية خدمة المسيح الأرضية فى الجليل حيث قضى هنالك أكثر وقت خدمته وذلك نحو ثلاث سنين وهو يبشر الشعب ويعلم الاثني عشر ليكونوا أهلاً للخدمة فى المستقبل. ثم ترك تلك الأرض ولم يرجع إليها بعد ذلك (لوقا ٩: ٥١).
    جَاءَ إِلَى تُخُومِ ٱلْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ ٱلأُرْدُنّ الطريق التى سار فيها المسيح من الجليل إلى اليهودية ليست الطريق المعتادة أو المختصرة، فإنه دار إلى عبر الأردن لتكون له فرصة أن يعلم الشعب هناك. وبين انتقال المسيح ومجيئه إلى تخوم اليهودية مدة جرت فيها الحوادث التى لم يذكر متّى سوى بعضها. والمرجح أنه بين انتقال المسيح من الجليل وبلوغه تخوم اليهودية نحو ستة أشهر، لم يذكر متّى من حوادثها سوى ما في هذا الأصحاح، وأصحاح ٢٠: ١ - ١٨. والمقصود بعبر الأردن هنا ما عرف عند اليونان ببيرية التي سكنها قديماً سبط منسى. وكانت تحت حكم هيرودس أنتيباس، وتسمى الآن الجولان.
    ٢ «وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ هُنَاك».
    متّى ١٣: ١٥ ومرقس ٦: ٥٥، ٥٦
    لم يكتف المسيح بشفاء مرضى الذين تبعوه بل علمهم أيضاً بدليل قول مرقس «فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ أَيْضًا، وَكَعَادَتِهِ كَانَ أَيْضًا يُعَلِّمُهُمْ» (مرقس ١٠: ١). فالظاهر إنه لم يطلبه أحدٌ عبثاً، فإنه كان مستعداً لشفاء الناس من الأمراض الجسدية يومئذٍ، فبالأولى أن يكون مستعداً الآن لإبراء النفوس من أمراض الخطية. وهذا العدد يشير إلى حوادث عدة أشهر.
    ٣ «وَجَاءَ إِلَيْهِ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ ٱمْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ».
    ذكر متّى من حوادث بيرية هذه الحادثة لما فيها من أهمية التعليم فى شأن الطلاق.
    ٱلْفَرِّيسِيُّونَ هؤلاء الأعداء تبعوه إلى أقصى البلاد لمقاومة تعاليمه.
    لِيُجَرِّبُوهُ أي ليجدوا علة للشكوى عليه إلى رؤساء الدين، أو ليهيجوا الشعب عليه كما فعلوا بعد ذلك فى سؤالهم المسيح عن جواز تأدية الجزية لقيصر (متّى ٢٦: ١٦).
    هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ الخ أجاب المسيح على هذه المسألة صريحاً فى وعظه على الجبل (متّى ٥: ٣٢). وبيَّن أنه لا يجوز إلا لعلة واحدة. ولعل الفريسيين لم يسمعوا ذلك الوعظ، أو أنهم أرادوا أن يعرفوا هل هو باقٍ على تعليمه الأول. وانقسم اليهود يومئذٍ إلى فرقتين، قالت إحداهما بمذهب الرباي شمعي وهو عدم جواز الطلاق إلا لأسباب نادرة، وتبحث الأخرى مذهب الرباي هِلَيل، وهو جواز الطلاق لأي علة كانت، وبنى ذلك على ما قيل فى تثنية ٢٤: ١. فأراد الفريسيون أن يوقعوا المسيح بمسائلهم المذهبية، ويحتمل أنهم أرادوا أن يوقعوه بما يشتكون به عليه إلى هيرودس لأنه كان قد طلق امرأته بنت الحارس الغساني، فيقبض عليه ويقتله كما قتل يوحنا المعمدان لتبكيته إياه على مثل هذا الأمر.
    ٤، ٥ «٤ فَأَجَابَ: أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى؟ ٥ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هٰذَا يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِٱمْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ ٱلاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً».
    تكوين ١: ٢٧ و٥: ٢ وملاخي ٢: ١٥ تكوين ٢: ٢٤ ومرقس ١٠: ٥ - ٩ وأفسس ٥: ٣١ و١كورنثوس ٦: ١٦ و٧: ٢
    أَمَا قَرَأْتُمْ أي قد قرأتم. حاد المسيح عن الفخ الذي أخفوه له بتقديمه الجواب من موسى لا من نفسه، فاستشهد بما في كتبهم في شأن عهد الزواج كما هو فى سفر التكوين ١: ٢٦ - ٢٧ ففيه أن العلاقة بين الرجل وامرأته دائمة لا تتغير بتغير انفعالات الزوجين.
    ذَكَراً وَأُنْثَى أي بعلاً واحداً وزوجة واحدة لا بعلاً وزوجتين ولا زوجة وبعلين. فأظهر الله بأن خلق الإنسان فى أول الأمر ذكراً وأنثى، أنه يريد أن لا يكون لبعل واحد سوى زوجة واحدة، وأنه لا يريد أن يطلق المرء امرأته، لأنه ما كان يمكنه أن يطلقها ويقترن بأخرى (تكوين ١: ٢٧ و٥: ٢).
    وَقَالَ نسب المسيح القول هنا إلى الله، وهو فى سفر التكوين منسوب إلى آدم (تكوين ٢: ٢٣) وذلك لأن آدم نطق به بوحي من الله. والدليل على ذلك أن آدم لم يكن يعلم حينئذ العلاقة الوالدية.
    يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ ليس المقصود أن يبعد عن مكانهما، بل أن يرتبط بعلاقة أشد من العلاقة التي بينه وبينهما.
    جَسَداً وَاحِداً أي أن يكون اقتران أحد الزوجين بالآخر كاقتران أحد أعضاء الجسد بالآخر، وأن يدوم ذلك الاقتران بدوام الزوجين، فلا ينتهي إلا بموت أحدهما. وأراد الله بذلك أن الاقتران اتحاد شرعي واتحادٌ في المحبة والمقاصد والأعمال واللذات والأفراح والأحزان.
    وخلاصة الأمر أن كلاً من الزوجين يطلب سعادة الآخر، ويسعى إلى تحصيلها كما يطلبها، ويسعى فى تحصيلها لنفسه، وأن يحزن لحزن الآخر ما داما فى الحياة. فنتعلم أنه لا يجوز الارتباط بالزواج إلا باتفاق الشخصين اتفاقاً تاماً وبالمحبة القلبية. نعم إن الاقتران بالزواج اختياري، ولكن الانفصال ليس كذلك، لأن العلاقة بين الزوجين لا يمكن نزعها بأسهل من نزع العلاقة بين الوالد وولده والأخ وأخيه.
    ٦ «إِذاً لَيْسَا بَعْدُ ٱثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَٱلَّذِي جَمَعَهُ ٱللّٰهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ».
    فَٱلَّذِي جَمَعَهُ ٱللّٰهُ هذا كلام عام يبين أن عهد الزيجة من خطط الله المرسومة، ولذلك لا يجوز نقضه.
    لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَان أي لا ينقض ذلك العهد بشريعة سياسية ولا بشريعة كنسية، ولا يمكن أن ينقضه غير الله، بموت أحد الزوجين.
    ٧ «فَسَأَلُوهُ: فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَقٍ فَتُطَلَّقُ؟».
    تثنية ٢٤: ١ ومتّى ٥: ٣١
    فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى سأله الفريسيون ذلك ليظهروا مخالفته لموسى لتوقعهم أنه يجيبهم بأن موسى خالف شريعة الله.
    ٨ «قَالَ لَهُمْ: إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلٰكِنْ مِنَ ٱلْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هٰكَذَا».
    قال الفريسيون في سؤالهم «أوصى» فقال المسيح فى الجواب «أذن» وبين اللفظتين فرقٌ عظيم في المعنى.
    قَسَاوَةِ قُلُوبِكُم ظن بعضهم أن المقصود بتلك القساوة قساوتهم على نسائهم، فلو مُنعوا من التطليق ضربوهن وظلموهن أو قتلوهن، فأجاز موسى الطلاق لأنه أصغر الشرَّين. والأرجح أن المقصود بها مطلق القساوة التى ينتج منها العناد وعدم الشعور بوجوب الطاعة لشريعة الله، ولذلك لم يطيعوا وصية الله الأصلية فى شأن الزواج لمخالفتها ميول قلوبهم، وعوائق كل الأمم حولهم. فلما رأى موسى أنه لا يستطيع منعهم من التطليق وضع كل ما قدر عليه من الصعوبات فى سبيله. وقال «قلوبكم»مع أن الكلام كان مع أسلافهم بناءً، لأنه اعتبر اليهود أمة واحدة من أول عهدها إلى آخره، وإشارة إلى أن قلوبهم قاسية كقلوب آبائهم.
    إذن: إنما أذن وقتياً بمجرد الحكم السياسي، بلا استناد إلى شريعة أصلية، لعلمه أنهم اعتادوا الطلاق مدة إقامتهم بمصر، وأنهم عنيدون قساة لا يمكنهم أن يردهم دفعة واحدة إلى الشريعة الأولى.
    كِتَابُ طَلاَقٍ هذا كان بالنظر إلى أحوال بني إسرائيل يومئذٍ أفضل واسطة لمنع الطلاق عند الغضب، لأن كتابة مثل ذلك الكتاب كانت تقتضي وقتاً طويلاً عند أرباب الشريعة، فيكون للرجل وقت كافٍ لخمود غضبه ومراجعة أفكاره والنظر في عاقبته ومصالحة امرأَته.
    مِنَ ٱلْبَدْءِ أي منذ رسم الله عهد الزيجة.
    لَمْ يَكُنْ هٰكَذَا أي لم يؤذن للرجال فى تطليق نسائهم.
    ٩ «وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَبِ ٱلزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَٱلَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي».
    متّى ٥: ٣٢ ومرقس ١٠: ١١ ولوقا ١٦: ١٨ و١كورنثوس ٧: ١٠، ١١
    ما قاله المسيح هنا قاله فى بيت دخل إليه (مرقس ١٠: ١٠) وهو جواب لأسئلة بعض تلاميذه.
    أَقُولُ لَكُم كان قوله في أحوال يهود عصره، فإذن موسى ليهود عصره بالطلاق لا يجوز التطليق لليهود في زمن المسيح، فإنه على قول المسيح زنى.
    وصرّح المسيح في هذا العدد بشريعة ملكوته، فرجع إلى شريعة الفردوس، وفق ما قاله قبلاً (متّى ٥: ٣٢) وتلك الشريعة هي الوحيدة في الطلاق للمسيحيين الذين يخضعون للمسيح رباً وإلهاً. فعزز المسيح قدسية الرباط الروحى وشرفه. فمن يزني، رجلاً كان أم امرأة، يحطم هذا الرباط. لذلك فمن يتزوج بمطلقٍ أو مطلقةٍ على هذه الصورة هو زانٍ أيضاً.
    ١٠ «قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: إِنْ كَانَ هٰكَذَا أَمْرُ ٱلرَّجُلِ مَعَ ٱلْمَرْأَةِ فَلاَ يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ».
    أمثال ٢١: ١٩
    هذا يدل على أن أفكار التلاميذ صارت مثل أفكار سائر اليهود في لزوم تسهيل الطلاق. فظهر لهم أنه إذا لم يستطع الإنسان تطليق امرأته وهو يكره البقاء معها لسوء أخلاقها خير له أن لا يتزوج.
    ١١ «فَقَالَ لَـهُمْ: لَيْسَ ٱلْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هٰذَا ٱلْكَلاَمَ بَلِ ٱلَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم».
    ١كورنثوس ٧: ٢، ٧، ٩، ١٧
    ليس الجميع يقبلون هذا الكلام أو (هذا النصح): أي قول التلاميذ «فلا يوافق أن يتزوج». حكم المسيح أن ذلك لا يوافق إلا النادر من الناس، لأنه ضد الطبع البشري. فإذاً قولهم باطل.
    بَلِ ٱلَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم إمكان بقاء الانسان بلا زيجة يتوقف على طبعه وميوله، فالله خلق الناس مختلفي الصفات، فما يسهل على البعض يصعب على الآخر. أما من يكره الزواج طبعاً أو لا يميل إليه فمستثنى من ذلك. على أنه يستحسن أن لا يتزوج الإنسان في أيام الضيق والاضطهاد كما فعل بعض الرسل (١كورنثوس ٧: ١، ٧، ٨، ٢٦، ٢٧، ٣٧) وقوله «أعطي» يدل على أن الميل إلى البتولية صفة خَلْقية لمن أُعطي لهم، لا هبة روحية يمكن الحصول عليها بالصلاة.
    ١٢ «لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هٰكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ ٱلنَّاسُ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ. مَنِ ٱسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ».
    ١كورنثوس ٧: ٣٢، ٣٤ و٩: ٥، ١٥
    ذكر المسيح هنا ثلاثة أنواع من الناس يمكنهم أن يقبلوا قول الرسل ويمتنعوا عن الزواج. (١) الذين ولدوا ولم يستطيعوا الزيجة. و(٢) الذين لم يستطيعوا الزيجة لما أجراه الناس عليهم قساوة، وكثر مثل هؤلاء قديماً في قصور الملوك والأعيان فأمنوهم كثيراً ورفعوا من شأنهم وولوهم أعظم المناصب. وكثر ذلك حتى صار لفظ الخصي لقباً لأرباب المناصب العالية، بغضّ النظر عن كون الملقب يستطيع الزيجة أم لا. ومن الملقبين بذلك فوطيفار فقد سُمي خصياً وهو متزوج (تكوين ٣٩: ١). ولعل وزير كنداكة مثله (أعمال ٨: ٧). و(٣) الذين قاوموا الميل إلى الزواج وغلبوه حتى صاروا كالخصيان، فهم خصيان مجازاً لا حقيقة. وإنما امتنع هؤلاء عن الزواج وأماتوا ميولهم إليه ليعطوا كل وقتهم وأفكارهم للتبشير بالإنجيل كما فعل بولس (١كورنثوس ٧: ٧). ولذلك نصح لغيره أن يقتدي به (١كورنثوس ٧: ٣٢ - ٣٤). فليس قصد المسيح هنا أن يؤخذ كلامه حرفياً، فهو كقوله بقطع اليد وقلع العين (متّى ٥: ٢٩، ٣٩ و١٨: ٨، ٩). فلا شئ يجيز ما فعله أوريجانوس إذ خصى نفسه حقيقة، فإنه أخطأ في فهمه كلام المسيح حرفياً، مع أنه مجاز أراد به إماتة الشهوات. ولا شيء في ذلك يوجب أن ينذر الإنسان بتوليتة كما توهم بعضهم. وخلاصة قول المسيح هنا أن أكثر الناس يتزوجون، فيجب أن يحتملوا ما ينشأ أحياناً عن الزيجة من مصاعب بدون طلب النجاة منها بالتطليق. ولذلك يجب على الإنسان أن لا يرتبط بعهد زيجة بلا تروٍّ وفحص وصلاة، فتكون الزيجة «في الرب فقط» (١كورنثوس ٧: ٣٩).
    لأَجْلِ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ اى ليخدموه لا لينالوه.
    أَنْ يَقْبَل أي يقبل قول الرسول «لا يوافق أن يتزوج» ويميت الميل الطبيعى إلى الزواج.
    فَلْيَقْبَلْ أي فله أن يقبل، فهو إذن لا أمر. والخلاصة أن المسيح لا يمنع البتولية لمن يريدها لخدمة المسيح، فلا ريب أنه كان خيراً للبشارة في أول التبشير بالإنجيل في الأماكن البربرية الوثنية حيث يقاسي المبشرون مشقات كثيرة أن يكون المبشر أعزب. ولكن لا إشارة فى كلام المسيح هنا إلى أن البتولية أقدس من الزيجة، أو أن الأولى ترضي الله أكثر من الثانية. وقد كان الكهنة واللاويون في العهد القديم يتزوجون، وبطرس كان متزوجاً، والأرجح أن غيره من الرسل كانوا متزوجين (١كورنثوس ٩: ٥). وفي العهدين القديم والجديد حُسبت الزيجة رمزاً إلى اتحاد الله بشعبه، وحُسب في العهد الجديد المنع عن الزواج من تعاليم المرتدين عن الإيمان (انظر تعاليم الكتاب المقدس فى هذا الشأن لاويين ٢١: ١٤ ومتّى ٨: ١٤ وأعمال ٢١: ٨، ٩ و١كورنثوس ٧: ١، ٢ و٩: ٥ و١تيموثاوس ٣: ٢ و٤: ١، ٣ وعبرانيين ١٣: ١٤).
    ١٣ «حِينَئِذٍ قُدِّمَ إِلَيْهِ أَوْلاَدٌ لِكَيْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَيُصَلِّيَ، فَٱنْتَهَرَهُمُ ٱلتَّلاَمِيذ».
    مرقس ١٠: ١٣ الخ ولوقا ١٨: ١٥ الخ
    في هذا العمل إشارة إلى العائلة التي لا تكمل بالزوجين فقط، بل بالأولاد أيضاً. ولا شك أن اليهود المؤمنين احترموا أفراد العائلة ورفعوا شأنها. وهنا يثبت السيد المسيح قيمة الوالد وعظمة حاضره ومستقبله، فلم يجارِ المنتهرين بإسكات الأولاد، بل دعاهم إليه. وهنا منتهى التشجيع على التهذيب الروحى الصحيح منذ نعومة الأظفار. والأرجح أن الذين قدموا أولادهم إلى المسيح كانوا مؤمنين التمسوا البركات الروحية لأولادهم، فالذين يحبون أولادهم ويثقون بأن المسيح هو الله ومصدر كل بركة يفعلون ذلك. ولا بد أن هؤلاء كرسوا أنفسهم للمسيح، فزادوا على أن كرسوا أولادهم له. وكان اليهود يقدمون أولادهم لله بالختان، لأنه ختم عهد الله لإبراهيم وهو قوله «أكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك» (تكوين ١: ٧). وعلى هذا النسق قدم أولئك الوالدون أولادهم للمسيح اعتقاداً منهم أنه الله. وكذلك يفعل الوالدون المسيحيون اليوم حين يقدمون أولادهم إلى المعمودية.
    َضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وذلك علامة لمنح البركة (تكوين ٤٩: ١٤ ومتّى ٩: ١٨).
    وَيُصَلِّي وثقوا بفائدة صلاتة كثقة الناس بفائدة صلوات الأنبياء والأتقياء بينهم (عدد ٣٢: ٦ ولوقا ٢: ٢٨).
    ٱنْتَهَرَهُمُ ٱلتَّلاَمِيذ أي انتهروا الذين أتوا بالأولاد (مرقس ١٠: ١٣). ولعل ذلك لأنهم رأوا الأولاد صغاراً فلا يستفيدون شيئاً من تعليم المسيح، فلم يروا في مجيئهم إليه سوى تعبه وتعطيله عن تعليم البالغين.
    ١٤ «أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ: دَعُوا ٱلأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هٰؤُلاَءِ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    متّى ١١: ٢٥ و١٨: ٣
    قال مرقس إن المسيح اغتاظ من فعل التلاميذ فسُرَّ بتقديم الأولاد إليه. وفي ذلك دليل على أن المسيح أرحم من تلاميذه، والوصول إليه أسهل من الوصول إليهم. فلو عرف الناس رقة قلبه ما مالوا إلى واسطة بشرية أو ملكية للاقتراب إليه والحصول على مطالبهم، فلا قلب فى السماء ولا في الأرض أرق من قلبه.
    دَعُوا ٱلأَوْلاَدَ يَأْتُونَ أي دعوا من يقدمونهم يأتون بهم. وهذا تنشيط للوالدين اليوم على أن يقدموا أولادهم لله فى المعمودية متوقعين البركة التي التمسها أولئك الوالدون اليهود. فالبركة الروحية التي نالها أولئك الأولاد يومئذٍ ينالها أولاد المسيحيين اليوم. وفيه تنشيط للأحداث أن يأتوا إلى المسيح بإلايمان متوقعين القبول في أول إدراكهم حقيقة الإتيان إليه.
    إِلَيَّ هذا يؤكد كل التأكيد أن المسيح اهتم بالأولاد وهو يمارس عمل الفداء وأنه جعل لهم محلاً في كنيسته على الأرض، وأنه جعل لمن يموتون منهم فى الطفولية مكاناً في المنازل السماوية الأبدية.
    لاَ تَمْنَعُوهُمْ أي لا تمنعوا الوالدين بانتهاركم إياهم من تقديم أولادهم إليَّ. ويتضمن ذلك نهي كل الوالدين عن منع أولادهم من المجيء إلى المسيح بسوء قدوتهم أو بسوء تعليمهم أو بإهمالهم تربيتهم الدينية، أو بكل ما يشكك الأولاد في قدرة المسيح على تخليصهم. فالوالدون الذين يقصرون عنايتهم على خير أولادهم الزمني يقودونهم إلى العالم فيمنعونهم من المجيء إلى المسيح.
    لِمِثْلِ هٰؤُلاَءِ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَات أي كنيسة المسيح على الأرض وفي السماء. وهذا وفق ما قيل في متّى ١٨: ٣ والمقصود بقوله «مثل هؤلاء» الذين صفاتهم كصفات الأولاد في التواضع والثقة والطاعة والرقة (١كورنثوس ١٤: ٢٠) وخلوصهم من الخطايا التي لصغرهم لم يكونوا عرضة لها ولم يستطيعوها. والأولاد مع هذه الصفات الحسنة محتاجون إلى المسيح الطبيب الروحي، كالمصابين بالأمراض الجسدية ليشفيهم من داء الخطية الكامن فيهم.
    ١٥ «فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ. وَمَضَى مِنْ هُنَاكَ».
    وزاد مرقس على ذلك «فَاحْتَضَنَهُمْ... وَبَارَكَهُمْ» (مرقس ١٠: ١٦) ففعل كما سئل في ع ١٣ (انظر تثنية ٣٤: ٩ وأعمال ٨: ١٧ و١٩: ٦) وليس القصد الأول من هذه الحادثة بيان الحالة التى يصير إليها الأطفال بعد الموت، لكن يمكننا أن نستنتج منها ما يقوي رجاءنا في خلاصهم. فالمسيح لما كان على الأرض أخذ الأولاد على يديه بلطفٍ ومحبة واحتضنهم، فبالأولى أنه يرحب بهم الآن وهو فى السماء بعد أن مات على الصليب وفداهم بدمه.
    وإذا قارنا بذلك كل تعاليم الإنجيل في هذا الشأن لم نشكّ البتة بأن في السماء ربواتٍ لا تحصى من الأطفال مفديين مقدسين وممجدين.
    وَمَضَى مِنْ هُنَاكَ أي من مكان فى بيرية إلى مكان آخر فيها.
    ١٦ «وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا ٱلْمُعَلِّمُ ٱلصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ؟».
    مرقس ١٠: ١٧ ولوقا ١: ٢٥ و١٨: ١٨ الخ
    وَإِذَا وَاحِدٌ هو شاب (ع ٢٠) غني (ع ٢٢) ورئيس أحد المجامع (لوقا ١٨: ١٨) ذو تواضع وغيرة دينية، لأنه أتى إلى يسوع راكضاً وجثا له (مرقس ١٠: ١٧) وذو أدبٍ وصفات محبوبة (مرقس ١٠: ٢١، ٢٢). جاء بغية الحصول على أفضل المواهب، أي الحياة الأبدية من الواهب الوحيد لهذه الموهبة بدليل قوله «أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ» (يوحنا ١٠: ١٠). وكان ذلك الشاب مع كل تلك الصفات محتاجاً إلى ما يجعله أهلاً ليدخل الملكوت السماوي.
    أَيُّهَا ٱلْمُعَلِّمُ ٱلصَّالِحُ هو لقب احترام خاطب به اليهود رجال الدين عندهم.
    أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ الأرجح أن ذلك الشاب فريسي غيور فى القيام بكل مطاليب الشريعة على قدر ما فهم منها، فسأل المسيح ذلك ليرى هل مما فعله سابقاً يكفيلتأكيد الحياة الأبدية، أو هل بقي عليه شيءٌ من الواجبات يخبره المسيح به. فكان يعتقد أن الخلاص بالأعمال لأنه لم يسمع قط من معلمي اليهود أن الخلاص بالنعمة أو بالإيمان. ولعل ضميره لم يطمئن كل الاطمئنان مع أنه لم يوبخه على تركه شيئاً من الواجبات المعلومة.
    لِتَكُونَ لِيَ ٱلْحَيَاةُ أي لأستحقها بعملي. والحياة هنا خلاصة كل السعادة السماوية السرمدية.
    ١٧ «فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ ٱللّٰهُ. وَلٰكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ فَٱحْفَظِ ٱلْوَصَايَا».
    تثنية ٨: ١ وحزقيال ٢٠: ١١ ورومية ١: ٥ وغلاطية ٣: ١٢
    لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ (في ترجمة حديثة تقول «لماذا تسألني عن الصالح» لم يرد المسيح نفي الصلاح أو الألوهية عن نفسه، ويحتمل أنه قصد بذلك واحداً من ثلاثة أمور: (١) التوبيخ اللطيف للشاب على الإطراء المعتاد لا على المدح القلبي. و(٢) أنه لم يرد أن يخاطبه كما يخاطب أحد الربانيين. و(٣) الإشارة إلى عدم الاتفاق بين كلام هذا الشاب واعتقاده، فقد لقَّبه بما يختص بالله وحده وهو يعتقد أنه مجرد إنسان. وهذا أهم ما قصده المسيح. وسأله المسيح ذلك ولم ينتظر الجواب بغية أن يتأمل فيه حسناً فيستنتج أن المسيح إله.
    فَٱحْفَظِ ٱلْوَصَايَ أمره أولاً بحفظ الشريعة تمهيداً لتعليمه حقَّ الإنجيل وفقاً لقول الرسول «قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ» (غلاطية ٣: ٢٤) وبرهاناً له على أنه خاطئ لم يحفظ الشريعة كما يطلب الله، ولا يستطيع ذلك. ولم يُرِد المسيح أن يعلمه قدرة الإنسان على التبرير بالأعمال، لأنه قال في الوقت نفسه «لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ ٱللّٰهُ» وبذلك تشهد بقية تعاليم الكتاب (رومية ٢: ٢٠، ٢٨ و٤: ٦ وغلاطية ٢: ١٦ وأفسس ٢: ٩ و٢تيموثاوس ١: ٩). وقول المسيح للشاب «احفظ الوصايا» هو الجواب الوحيد لسؤاله «أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟» لأن خلاصة سؤاله: كيف يخلص الإنسان بالأعمال؟ فلا جواب لذلك إلا الطاعة الكاملة لكل وصايا الله من مولودٍ بلا خطية، أي حفظ الشريعة كلها فكراً وقولاً وفعلاً منذ الولادة إلى نهاية العمر. فلو سأل الشاب المسيح إن كان قد نال أحدٌ من البشر الحياة الأبدية بطاعته لأجابه: كلا!
    ١٨، ١٩ «١٨ قَالَ لَهُ: أَيَّةَ ٱلْوَصَايَا؟ فَقَالَ يَسُوعُ: لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِٱلزُّورِ. ١٩ أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ».
    خروج ٢: ١٣ ولاويين ١٩: ١٨ وتثنية ٥: ١٧ ومتّى ١٥: ٤ و٢٢: ٣٩ ورومية ١٣: ٩ وغلاطية ٥: ١٤ ويعقوب ٢: ٨
    أَيَّةَ ٱلْوَصَايَا؟ ظن الشاب أن المسيح أشار إلى آيةٍ غفل هو عنها، أو لعله سمع الجدال الشديد بين الفِرق اليهودية في أية هي الوصية العظمى (متّى ٢٢: ٣٦). وظن أن المسيح أشار إلى وصية بعينها هي أعظم الوصايا.
    فَقَالَ يَسُوع لم يذكر المسيح في جوابه إلا ما على اللوح الثاني من الوصايا، وهي واجبات الإنسان لغيره من الناس. وليس لنا أن نستنتج من ذلك أن المسيح يعتبر الواجبات علينا للناس أهم من الواجبات علينا لله. وإنما اختار الجزء الثانى من الوصايا لأنه أسهل لإقناع الشاب بعدم قيامه بكل واجبات الشريعة.
    أَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِك هذا خلاصة ما في اللوح الثاني من الوصايا (لاويين ١٩: ١٨ ومتّى ٢٢: ٣٩). وفي قوله: «أحب قريبك كنفسك» أربعة أمور: (١) النهي عن إضرار القريب في ذاته أو ماله أو صيته. (٢) أنه إذا كان للإنسان دعوى بينه وبين قريبه وجب أن يعامل كلٌّ الآخر بالحق والعدل كما يعامل نفسه. (٣) أن يطلب كل إنسان خير القريب الزمني والروحي، ولا يقتصر على الاعتناء بفائدته الشخصية. (٤) أن يستعد دائماً لإنكار ذاته إسعاداً لقريبه إذا كان في حاجة إليه، كما يريد أن قريبه يفعل به كذلك.
    ٢٠ «قَالَ لَهُ ٱلشَّابُّ: هٰذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَمَاذَا يُعْوِزُنِي بَعْدُ؟».
    هذا جواب شخصٍ صادق لا يدَّعي التقوى، وهو جواب عارف لمطالب الشريعة، وقد حفظها حفظاً خارجياً على قدر معرفته بها، فكان أديباً منذ حداثته. فقوله كقول شاول الطرسوسي في نفسه قبل إيمانه بالمسيح «مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ» (فيلبي ٣: ٦).
    فَمَاذَا يُعْوِزُنِي بَعْدُ؟ هذا دليل على أنه لم يحصل على كمال راحة الضمير، ولم يزل شاعراً باحتياجه إلى شيء لم يعمله بعد، وأنه رغب في أن يستفهم من هذا المعلم الجديد المشهور عن وصية لم يعلّمها غيره من الربانيين قبله، وأنه ظن نفسه مستعداً لطاعة تلك الوصية إن أخبره بها.
    وكانت تعوزه أشياء كثيرة لم يخبره المسيح سوى بواحدٍ منها. وما أعوزه معرفة نفسه والقلب الجديد والإيمان بالمسيح وروح إنكار الذات في سبيل الله ونفع الناس. وزاد مرقس على ذلك قوله «فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ» (مرقس ١٠: ٢١). وعلة تلك المحبة ليست شيئاً من أقوال ذلك الشاب أو أعماله، لكنه أحبه محبة الشفقة والرغبة في خلاص نفسه. وكان هو حسن الآداب يجذب إليه محبة الآخرين خلافاً لسائر الفريسيين المرائين. وهذه المحبة ذُكر أمثالها كثيراً في العهد الجديد (انظر يوحنا ٣: ١٦ وغلاطية ٢: ٢٠ وأفسس ٢: ٤ و١يوحنا ٤: ١٠، ١٩).
    ونرى من ذلك أنه يمكن الإنسان أن يكون أديباً محبوباً حسن الصفات راغباً في الخلاص باحثاً عنه مستعداً لعمل كثير من الواجبات لأجله، ومع ذلك لا يحصل على النجاة الأبدية.
    ٢١ «قَالَ لَهُ يَسُوعُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَٱذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ ٱلْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي ٱلسَّمَاءِ وَتَعَالَ ٱتْبَعْنِي».
    متّى ٦: ٢٠ ولوقا ١٢: ٣٣ و١٦: ٩ وأعمال ٢: ٤٥ و٤: ٣٤، ٣٥ و١تيموثاوس ٦: ١٨، ١٩
    أَنْ تَكُونَ كَامِلاً أي في الطاعة للشريعة. قال الشاب «هذه كلها حفظتها» فلم يسلم المسيح بذلك، بل أتاه بما يُظهر نقصه، وأفاده بطريق نوال الكمال، وهو المحبة التي هي كمال الناموس. ومطلوب ذلك الناموس أن يُحب الله فوق كل شيء، وأن يُحبَّ القريب كالنفس. فإن كان ذلك الشاب قد أطاع الناموس كمال الطاعة، يكون مستعداً أن يسلم ماله طاعة لأمر الله ونفعاً لقريبه، فأمره بما امتحنه به ليريه أي الأمرين أحب إليه: ماله وذاته، أم الله وقريبه؟
    بِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ ٱلْفُقَرَاءَ أمر المسيح الشاب بشيئين: (١) ما ذكره هنا، و(٢) قوله «اتبعني». فكأنه قال له اتخذت مالك إلهاً لك وأحببت الدنيويات واتكلت عليها فاتركها طاعةً لله. عرف المسيح نقطة ضعف ذلك الشاب وشخَّص حالته كطبيب ماهر. فلو كان إلهه حب العلم الدنيوي أو اللذات أو الرئاسة لأمره المسيح بتركها، ونبَّه ضميره بذلك كما نبه ضمير المرأة السامرية بقوله لها: «اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ» (يوحنا ٤: ١٦). وذلك، لا ليخلِّص نفسه بتوزيع ماله على الفقراء، بل ليظهر له هل أحب الرب من كل قلبه أو لا. وليس ما أمره به هو الشيء الذي يعوزه، بل الوسيلة التي يتوصل بها إلى معرفة نقصان طاعته لأوامر الله.
    وفي ما ذكر أربع فوائد: (١) أنه لا دليل على أن اقتناء المال إثم، فالإثم هو المحبة الزائدة للمال «لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ» (١تيموثاوس ٦: ١٠). (٢) لا دليل فيه على أن توزيع المال على الفقراء ونذر الفقر الاختياري فضيلة في عيني الله، وأنه ضروري لطالبي السماء، لأن كثيرين تبعوا المسيح ولم يأمرهم بما أمر ذلك الشاب به، ومنهم زكا الذي كان غنياً (لوقا ١٩: ٨) وإبراهيم كان غنياً جداً ولم يؤمر بذلك مع أنه كان خليل الله. فإن أعطى الإنسان الفقراء كل ماله من دون أن يعطي الله قلبه لم ينتفع شيئاً. (٣) يجب على كل مسيحي أن يكون مستعداً دائماً لطاعة أمر الرب بتركه وظيفته (متّى ٩: ١٩) وماله (متّى ١٨: ١٩ و٢٠: ٢٢) وأصحابه (تكوين ١٠: ٢٧) بل حياته أيضاً (متّى ١٠: ٣٩). (٤) خطية واحدة قد تمنع الإنسان من دخول السماء وهو غافل عنها، فإن محبة المال وحدها منعت ذلك الشاب من الحياة الأبدية. فإذاً يجب على كل إنسان أن يحذر منَ «الْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ» (عبرانيين ١٢: ١) وأن يصلي كما صلى داود «اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا» (مزمور ١٣٩: ٢٣، ٢٤ «ومِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي» (مزمور ١٩: ١٢).
    فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي ٱلسَّمَاءِ في هذا الوعد امتحان لإيمانه، لأنه وعده بكنز غير منظور بدل المال المنظور. وحقق له المسيح بهذا أنه لا يصير بعد توزيع أمواله على الفقراء بائساً، بل أنه يملك كنزاً حقيقياً في السماء، وهو نصيب كل مسيحي حقيقي (متّى ٥: ١٢ و٦: ٢٠ ويوحنا ٦: ٢٧ و١بطرس ١: ٤). ولم يبين المسيح لذلك الشاب أنه يشتري السماء بماله، بل حقق له أنه إن ترك ماله وصار مسيحياً ملك ذلك الكنز. نعم إنه ليس ضرورياً أن يوزع الإنسان كل أمواله في سبيل فعل الخير، ولكن نعجب من كثيرين يدَّعون أنهم مسيحيون ولا يبذلون شيئاً من أموالهم في سبيل بشرى الخلاص في بلادهم أو في البلاد الوثنية، ومع ذلك يتوقعون دخول ملكوت السماء ونوال الخلاص.
    وَتَعَالَ ٱتْبَعْنِي هذا هو الشرط الثاني والأهم، وكان الشرط الأول تمهيداً له. وقوله: «اتبعني» كقوله «كن من جملة تلاميذي» (متّى ١٠: ٣٨ ومرقس ٤: ٢٠). فترك المال بلا التمسك بالمسيح لا ينفع شيئاً. فذلك الشاب بإتباعه المسيح يتعلم كل ما يتعلق بالدين الحق من الإيمان والتوبة والمحبة والسيرة المقدسة النافعة والطاعة لكل أوامر الإنجيل.
    وهذا الشرط لا بد من أن يقوم به كل من يتوقع الخلاص. وليس المقصود من اتباع المسيح السير وراءه حقيقة، لأن ذلك مستحيل. إنما المقصود به سماع تعاليمه والاتكال عليه وطاعة أوامره والاقتداء به والعمل في كرمه والإقرار بدينه وإنكار الذات لأجله.
    ٢٢ «فَلَمَّا سَمِعَ ٱلشَّابُّ ٱلْكَلِمَةَ مَضَى حَزِيناً، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ».
    «وُزن» هذا الشاب «بالموازين فوجد ناقصاً» (دانيال ٥: ٢٧) فاشتاق إلى الحياة الأبدية بعض الاشتياق، ولكنه أحب ماله أكثر منها، فلم يحتمل ما امتحنه المسيح به. فلم يكن كإبراهيم إذ امتحنه الله واحتمل (تكوين ٢٢: ١ - ١٢). شيءٌ واحدٌ أعوزه، فأعوزه الكل! لقد حكم على نفسه بعدم أهليته للدخول إلى الحياة الأبدية. عُرضت عليه «اللؤلؤة الكثيرة الثمن» (متّى ١٣: ٤٦) فلم يشترها.
    مَضَى حَزِينا لأنه سُئل ما لم يرد أن يعطيه، ولأنه لم يمكنه أن يبقى له ماله وينال الحياة الأبدية، أي أنه لم يستطع أن يعبد ربين: الله والمال. وقد تبرهن أن طاعته للناموس ناقصة، فحزن لأن ضميره أمره بوجوب طاعة المسيح، ووبخه على عدم الامتثال. فهو لم ينطق بكلمة، لأن جواب المسيح أفحمه فأحزنه فصرفه. ورأى المسيح انطلاقه فلم يعترضه ولم يدعُه إلى الرجوع بتخفيف الشرط الأول، كأن يكتفي بتوزيع بعض ماله ويبقي لنفسه الآخر. والشرط لا يزال باقياً وإلا فلا يقبل. فمن اقتدى بحنانيا وسفيرة في أمر حقلهما وأبقى بعض الثمن خسر نفسه. وهذا آخر عهدنا بذلك الشاب. نعم إن المسيح أحبه لكن لم يرد أن يخلصه بدون أن يختار لنفسه النصيب الصالح. وعلى كل إنسان أن يختار لنفسه، إما الحياة الأبدية أو الموت (تثنية ٣٠: ١٩ ويشوع ٢٤: ١٥ و١ملوك ١٨: ٢١).
    أَمْوَالٍ كَثِيرَة كانت هذه الأموال شركاً له لأنه رأى بها لذة الحياة والقوة واعتبار الناس له، فتعلق قلبه بها أكثر من تعلقه بالله، فعظُم عليه أن يتركها إرضاءً له. فلو كان إيمانه كإيمان موسى لما كبر لرفض أن يُدعى ابن ابنة فرعون، حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه «كان ينظر إلى المجازاة» (عبرانيين ١١: ٢٤، ٢٦). قال الرسول: «الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ» (كولوسي ٣: ٥) فعلينا جميعاً أن نسمع النصيحة: «أَيُّهَا الأَوْلاَدُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَامِ» (١يوحنا ٥: ٢١).
    ٢٣ «فَقَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ».
    متّى ١٣: ٢٢ ومرقس ١٠: ٢٤ الخ و١كورنثوس ١: ٢٦ و١تيموثاوس ٦: ٩، ١٠
    ٱلْحَقَّ أَقُولُ قال ذلك تقريراً لما كان عازماً أن يقوله على خطر الغِنى، وتوجيهاً لأفكارهم إليه. وهذا تعليقه للحاضرين على ما كان من أمر الشاب، فاتخذه مثالاً ليبين أنه «يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَات».
    يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ أي مثل ذلك الشاب، لأن تجاربه كثيرة لما في الغِنى من أسباب الراحة واللذة والكبرياء والجاه والقوة ونسيان الله. وفوق ذلك أن للمال قوة غريبة على جذب القلوب إليه. ولذلك كان الغنى شركاً يعسر على الإنسان أن يتخلص منه. ومعظم الأغنياء لا يشعرون باحتياجهم إلى الغنى الروحي لاكتفائهم بالغنى الجسدي. وما عُلم من تاريخ العالم يشهد بصحة قول المسيح إن قليلين من الأغنياء يتقون الله. نعم إن إبراهيم كان غنياً تقياً، وكذلك داود وحزقيا ويوشيا ويوسف الرامي. ولكن هؤلاء قليلون جداً بالنسبة إلى أغنياء عصورهم. ولنا من قول المسيح إن الغِنى خطر على أربابه يجذب قلوبهم إلى الاتكال عليه، ومع ذلك نرى كل إنسان يشتهي المال ويبذل الجهد في جمعه مع اعترافه بأنه يضر كل من يقتنيه من الناس، وينسى أن نفسه من ذلك الكل. وكثيراً ما كان نجاح الإنسان في حشد الأموال في الدنيا هلاكاً له في الآخرة، لأنه «هكَذَا طُرُقُ كُلِّ مُولَعٍ بِكَسْبٍ. يَأْخُذُ نَفْسَ مُقْتَنِيهِ» و «رَاحَةَ الْجُهَّالِ تُبِيدُهُمْ» (أمثال ١: ١٩، ٣٢). (انظر أيضاً لوقا ١٢: ١٥ - ٢١ و١٦: ١٩ - ٢٥ و١تيموثاوس ٦: ٩، ١٠ و١٧ - ١٩). وللفقراء هذه التعزية، وهي أنهم ليسوا عرضة لهلاك النفوس كالأغنياء. نعم إن فقرهم لا يخلّصهم، لكنه يقيهم تجارب الإثم التي تصيب الاغنياء. فيجب أن نصلي من أجل الأغنياء بدلاً من أن نحسدهم.
    إِلَى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أي يعسر أن تكون للغني الصفات التي تؤهله لدخول ملكوت النعمة على الأرض وملكوت المجد في السماء.
    ٢٤ «وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضاً: إِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللّٰه».
    هذا كلام جارٍ مجرى المثل عند اليهود، يُضرب للأمر المستحيل وللنادر أو البعيد الوقوع. فالجمل من أكبر الحيوانات المألوفة في اليهودية. وثقب الإبرة أصغر الثقوب. وحسب بعضهم أن المسيح أراد بثقب الإبرة الخادعة (أي الباب الصغير) في الرتاج (أي الباب الكبير) الذي فيه تلك الخادعة. وهذه يعسر على الجمل الدخول منها. ولكن لا دليل على أنهم كانوا يسمون الخادعة بثقب الإبرة ولا أن المسيح أراد ذلك.
    وما قصده المسيح أنه يستحيل أن يتجدد الغني المتكل على غناه ويخلص بدون النعمة الإلهية. ويقوي هذا التفسير ما نقله مرقس عن المسيح في ذلك وهو قوله «مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!» (مرقس ١٠: ٢٤). فالمال لا يُهلك النفس، بل الاتكال عليه. فإن كان للإنسان قليل منه وأحبه كثيراً أهلكه. وإن لم يكن له شيءٌ منه واشتهاه أكثر من كل البركات هلك. وإن كان له مال وافرٌ وأحب الله أكثر منه وأنفقه في سبيل الله والإحسان لم يلحقه ضرر منه.
    ٢٥ «فَلَمَّا سَمِعَ تَلاَمِيذُهُ بُهِتُوا جِدّاً قَائِلِينَ: إِذاً مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟».
    كان سبب تعجبهم مخالفة كلام المسيح لكل ما اعتقدوه من قيمة الغِنى. فلم تزل أفكارهم في ملكوت المسيح زمنية جسدية، فكانوا يحسبون الغنى من أمجاد ذلك الملكوت، فتحيروا وارتابوا من قول المسيح أنه يعسر على الأغنياء أن يدخلوا ذلك الملكوت. وقد وجدوا أنهم يحبون المال ويرغبون في الحصول عليه. فلهذا وقعوا تحت ذلك الحكم.
    ٢٦ «فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ: هٰذَا عِنْدَ ٱلنَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلٰكِنْ عِنْدَ ٱللّٰهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ».
    تكوين ٨: ١٤ وأيوب ٤: ٢ وإرميا ٣٢: ١٧ وزكريا ٨: ٦ ولوقا ١: ٣٧ و١٨: ٢٧ الخ
    فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ نظر إليهم ليقوي تأثير كلامه فيهم، كما فعل غير مرة (مرقس ٣: ٣٤ و٨: ٣٣ ولوقا ٢٢: ١٦).
    هٰذَا عِنْدَ ٱلنَّاسِ أي خلاص الغني. لأنه لا يمكن لحكمة البشر أو قوتهم أن تخترع طريقاً يتغير بها ميل الإنسان الطبيعي إلى حب المال، ولا يستطيع أحد تعلَّق في شرك حب المال أن يفلت منه من تلقاء نفسه.
    عِنْدَ ٱللّٰهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاع المعنى أنه يمكن الغني بنعمة الله أن يخلص، وذلك وفق قول الرسول «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي» (في ٤: ١٣). فلم يُرد المسيح أن الله يستطيع أن يخلص الغني الذي يحب المال ويعبده، إنما أراد أن الله قادر بفعل روحه أن يغير قلب الغني حتى يستطيع أن يترك ماله ويتبع المسيح كما أمر الشاب، وشهد بذلك الواقع فإن الله أعطى بعض الأغنياء نعمة فحسبوا أموالهم لله وأنفسهم وكلاء المسيح، وأنفقوا تلك الأموال في سبيل البشرى الخلاصية في أوطانهم وفي الخارج، فصاروا وسائط خير جزيلة في الأرض، وأمثلة لقوة تلك النعمة التي جعلت شاول المضطهد أن يغدو بولس المبشر.
    ٢٧ «فَأَجَابَ بُطْرُسُ حِينَئِذٍ: هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟».
    تثنية ٣٣: ٩ ومتّى ٤: ٢٠ ومرقس ١٠: ٢٨ ولوقا ٥: ١١
    فَأَجَابَ بُطْرُسُ انصرف الشاب عندما أمره المسيح أن يترك كل شيء ويتبعه، وهذا جعل بطرس يذكر أنه ترك السفينة والشبكة عند بحر الجليل عندما دعاه المسيح ليتبعه، وكذلك فعل أخوه، ورفيقاه ابنا زبدي، وترك متّى وظيفته ورفقاءه. فتساءل بطرس: تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا يكون لنا بعد تلك الخسارة؟ فلم يخلُ كلامه من إظهار البر الذاتي. وكان الأولى أن يترك المستقبل لعناية المسيح ومحبته بدون سؤال.
    تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ ترك الرسل قليلاً، لكنه كان كل ما يمتلكون. فقد فعلوا ما أمر المسيح به ذلك الشاب الغني.. وهذا ما يفعله كثيرون من الوثنيين فيخسرون كثيراً ولا يربحون شيئاً. ولكن ترك كل شيء مع اتباع المسيح هو الطريق الوحيد إلى نيل السعادة الأبدية.
    فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟ أكد المسيح لهم أنه لا يكون له ملكوت أرضي لأنه قرُب أن يموت، فلم يبقَ لهم أن يرجوا المناصب في ذلك الملكوت. وأخبرهم هنا أن الغِنى خطر للنفس وحذرهم منه، فماذا بقي لهم؟ وما هو الكنز الذي وُعد به الشاب بقوله «فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ» (ع ٢١) فهل بقي لهم نصيب في ذلك الكنز؟!.
    ٢٨ «قَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي فِي ٱلتَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً عَلَى ٱثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيّاً تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ».
    إشعياء ٦٥: ١٧ و٢٦: ٢٢ وأعمال ٣: ٢١ و٢بطرس ٣: ١٣ ورؤيا ٢١: ٥ ومتّى ٢٠: ٢١ ولوقا ٢٢: ٢٨ الخ و١كورنثوس ٦: ٢ ورؤيا ٢: ٢٦
    أجاب المسيح بطرس بالرفق والرحمة، ولم يوبخه على قلة إيمانه بذلك السؤال، وأعلن له الميراث المحفوظ للذين تركوا كل شيء لأجله.
    أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي أي في احتمال العار والتواضع.
    فِي ٱلتَّجْدِيد أي عند زوال اتضاع ابن الإنسان وعند نواله مجده. وهذا مثل قوله «متّى جاء ابن الإنسان في مجده» (متّى ٢٥: ٣١). ومثل قول بطرس «الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ» (أعمال ٣: ٢١) (انظر إشعياء ٦٥: ١٧ و٦٦: ٢٢) وذلك التجديد يكون يوم قيامة الموتى كقول الجالس على العرش «هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!» (رؤيا ٢١: ٥) وقول رسوله «وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ» (٢بطرس ٣: ١٣) (انظر رومية ٨: ١٨ - ٢٥). وخلاصة قول المسيح في شأن إثابة رسله ثلاث قضايا: (١) أن ليس لهم شيء من الثواب في هذه الدنيا. وذلك خلاف ما توقعوا. فما كان أمامهم بدل الوظائف والرتب العالية والمجد سوى الإهانة والخسارة والآلام والموت. و(٢) إن الإثابة كلها تكون في المستقبل عندما يجدد ابن الإنسان كل شيء. و(٣) أن التجديد يتضمن تمجيد ابن الإنسان ومشاركة شعبه في مجده.
    مَتَى جَلَسَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يكون مجيء المسيح ثانية بمجد عالٍ قدر ما كان مجيئه الأول بتواضع. فيجلس على كرسي المجد في المجيء الثاني ملكاً غالباً دياناً، بدل مذود البقر الذي وُلد فيه في المجيء الأول.
    تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً عَلَى ٱثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيّاً أراد المسيح بقوله: «أنتم» الرسل باعتبار أنهم جماعة لا كل فرد منهم، لأن يهوذا الاسخريوطي سقط، وأقيم متياس بدلاً منه. وفي هذا القول وعد للاثني عشر رسولاً بشرف خاص عند تمجيد المسيح. وهذا يشير إلى الارتقاء إلى رتبة ثانية من رتب الشرف والأمانة والأثابة العظمى والمكافأة. والأرجح أننا لا ندرك كل مضمون هذا الوعد لأنه صعب على الإدراك كسائر النبوات قبل إتمامها.
    لقد عرف المسيح أن الرسل لا يمكنهم إدراك الأمور السماوية إلا بما اعتادوه من الأمور الأرضية، ولذلك شرح لهم مقصوده بالتشبيه، فشخص لهم بكلامه ملكاً عظيماً جالساً على كرسيه يحيط به أعيان بلاطه من مشيرين وقضاة وغيرهم. ولعله بنى كلامه على ما جاء في (دانيال ٧: ٤، ٢٧) عندما تنبأ بملكوت المسيح. وورد مثل ذلك في قول يوحنا الرسول «وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا» (رؤيا ٢٠: ٤).
    تَدِينُون لا شك أن المسيح هو الديان المعين من الله (يوحنا ٥: ٢٢) وأنه ليس غيره أهلاً لذلك، لأنه يقتضي معرفة كل شيء حتى خفايا القلوب، فنسبة القضاء إلى رسله تحتمل ثلاثة معانٍ: (١) أنهم يتشرفون بتلقيبه إياهم أنهم قضاة. وكان القضاة بمنزلة الملوك قبل زمان شاول. و(٢) أنهم يتشرفون بجلوسهم قرب الديان على كراسي القضاء، كأنهم شركاؤه في المجد. و(٣) أنهم يشهدون بعدل الديان عند تصريحه بالقضاء كما شهد الملاك بقوله «عَادِلٌ أَنْتَ أَيُّهَا الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَكُونُ، لأَنَّكَ حَكَمْتَ هكَذَا» (رؤيا ١٦: ٥).
    أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ معنى ذلك في العهد القديم اليهود، شعب الله الخاص. ومعناه في العهد الجديد غالباً كل المؤمنين لأنهم أولاد إبراهيم المؤمن. فما وعد المسيح رسله به هنا من مشاركتهم في المجد والقضاء وعد الله به جميع المؤمنين (دانيال ٧: ٢٢ ورومية ٨: ١٧ و١كورنثوس ٦: ١، ٣ و٢تيموثاوس ٢: ١٢ ويهوذا ١٤، ١٥). وفي هذا الكلام ما يدل على درجات المجد والسلطة للمؤمنين في السماء. ويفيد ذلك ما قاله المسيح في أحد أمثاله من أنه أثاب أحد وكلائه بأن سلَّطه على عشر مدن، وأثاب آخر بأن سلطه على خمس. ومثله قول الرسول في المؤمنين على سبيل المجاز «لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ» (١كورنثوس ١٥: ٤١).
    ٢٩ «وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتاً أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَباً أَوْ أُمّاً أَوِ ٱمْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ ٱسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ ٱلْحَيَاةَ ٱلأَبَدِيَّةَ».
    مرقس ١٠: ٢٩ الخ، ولوقا ١٨: ٢٩ الخ
    وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ أخبر المسيح الرسل هنا بأن الشرف الذي وعدهم به ليس مختصاً بهم، فيكون لغيرهم ممن ماثلوهم بأن أنكروا ذواتهم من أجل اسمه. وفي ذلك توبيخ لطيف للرسل على ما أظهروه من إمارات الافتخار بما قالوه وسألوه في العدد السابق.
    بُيُوتاً... أَوْ حُقُولاً الأمور المذكورة هنا تركها أصعب على الإنسان من ترك كل ما سواها، لأنها تشتمل على كل لذات العالم وشرفه ومناصبه ومن فيه من الرفقاء والأصدقاء. وهذه كلها يجب على المسيحي أن يتركها إذا منعته من اتباع المسيح. ولا يقتضي كلام المسيح وجوب أن يترك المؤمن به الأمور المذكورة في كل زمن بل يقتضي ذلك أيام الاضطهاد الشديد. واختبر مثل ذلك ألوف وربوات المسيحيين. ولم يقتصر وعده بالإثابة على الذين تركوا تلك الأمور زمن الاضطهاد، بل وعده لغيرهم من المؤمنين الذين يكونون مستعدين في أيام الأمن والراحة أن يتركوا كل مالهم لأجل اسم المسيح، إذا اقتضت الحال ذلك. والتبشير اليوم باسم المسيح في بعض البلاد الوثنية يقتضي على المبشر أن يترك الأصحاب والبيوت والأموال، وذلك ليس أقل من ترك ما ذُكر هنا.
    يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وهنا الكلام مجاز أيضاً يقصد به التكثير، وفي الوقت ذاته يؤكط المسيح السعادة لأتباعه الحقيقيين، فهم يُثابون بقدر وافر من الخيرات. وأشار المسيح هنا بالأكثر إلى ثواب المسيحي في الدنيا. وليس مقصود المسيح من هذا الكلام ما دل عليه بحروفه من أن كل من ترك أخاً يعوض عنه بمئة أخ إلى آخر ما هنالك، بل إن المسيح يجازي المؤمنين عما خسروه بما يزيد سعادتهم مئة ضعف ومن ذلك حصولهم على:
    (١) الابتهاج الروحي. (٢) راحة الضمير (٣) التعزية في الضيق. (٤) تيقنهم محبة الله لهم. (٥) الفرح بالروح القدس (٦) الثقة بغفران خطاياهم. (٧) سكن المسيح في قلوبهم. (٨) حصولهم على زيادة الأصدقاء الأعزاء. (٩) إزالة الخوف من الموت. وهذه كلها متضمنة في قول الرسول «أَبُولُسُ، أَمْ أَبُلُّوسُ، أَمْ صَفَا، أَمِ الْعَالَمُ، أَمِ الْحَيَاةُ، أَمِ الْمَوْتُ، أَمِ الأَشْيَاءُ الْحَاضِرَةُ، أَمِ الْمُسْتَقْبَلَةُ. كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ» (١كورنثوس ٣: ٢١، ٢٢). وبقي في هذا الوعد فوق البركات الروحية (وهي الأكثر) كثيرٌ من البركات الزمنية. فلا ريب في أنه لا يدخل الدين المسيحي مكاناً إلا نفع أهله، فإنه به زاد نجاح الأعمال والأمن على المال وعلى الحرية الشخصية وعلى الحياة. وهو يجعل السلام والألفة بين الناس من أمم وأقاليم مختلفة، ويُديم الصداقة بين الأصحاب، ويجعل الإنسان يعد الخيرات الزمنية علامة رضى الله وعربون الخيرات الزمنية وبذلك تزيد لذته به. ونتيجة كل ذلك أن الدين المسيحي وإن كلف الإنسان بذل كثير من الخيرات الدنيوية، يعوِّضه منه بما يزيد عليه، فلا ينفق شيئاً في سبيل المسيح والإنجيل إلا والله يجزيه ربحاً أكثر منه.
    وَيَرِثُ ٱلْحَيَاةَ ٱلأَبَدِيَّة كل البركات التي ينالها المسيحي من روحية وزمنية عربون السعادة الآتية ورمز إليها و «ظل الخيرات العتيدة». فالخيرات التي يحصل عليها هنا ناقصة ممزوجة بشيء من البلايا وزائلة، والتي يحصل عليها هناك تامة خالصة من كل بلية، باقية إلى الأبد. وهذه العبارة الوجيزة وهي قوله «يرث الحياة الأبدية» تتضمن كل أفراح الآخرة.
    ٣٠ «وَلٰكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ».
    متّى ٢: ١٦ و٢١: ٣١ الخ ومرقس ١٠: ٣١ ولوقا ١٣: ٣٠
    هذا كلام جارٍ مجرى المثل استعمله المسيح مراراً، ليبين تغيير الأحوال. فعلى الإنسان أن لا يحكم بأمور المستقبل بما شاهده من أمور الحال. وهذا نتيجة ما كان من أمر الشاب الغني. وفي ذلك إنذار لجميع التلاميذ ولا سيما من كان منهم في خطر السقوط كيهوذا الاسخريوطي، ولجميع المرائين وجميع المتكلين على برهم الذاتي كذلك الشاب إذ قال «هذه كلها حفظتها منذ حداثتي».
    والأولون الذين يكونون آخرين خمسة أقسام: (١) الذين هم أولون في عيون أنفسهم فيكونون آخرين في عيني الله. (٢) الأولون باعتبار الناس فيكونون آخرين باعتبار الله. وأمثلة الاثنين الفريسيون بالنسبة إلى العشارين والخطاة، فإنهم كانوا أولين في عيون أنفسهم، واعتبرهم الناس كذلك. لكنهم كانوا آخِرين عند الله، وسبقهم العشارون والخطاة إلى ملكوت السماوات. ويحتمل أن يكون مثل ذلك في الكنيسة المسيحية. (٣) الأولون باعتبار زمن دعوة لهم، فيصيرون آخِرين في قبولها، كاليهود. فإن الله دعاهم قبل كل الأمم فسبقتهم الأمم إلى ملكوت السماوات. (٤) الأولون في وسائط النعم فيصيرون آخرين في نوال فوائدها، كالناصرة حيث تربى المسيح. وكفرناحوم حيث صنع أكثر آياته. وهاتان لم تستفيدا من هذا الأكثر كما استفادت السامرة من الأقل، لأنها قبلت المسيح بالفرح. وكيهوذا الاسخريوطي فإنه نال أكثر الوسائط بالنسبة إلى أحد اللصين اللذين صُلبا مع المسيح. (٥) الأولون في المقام والرتبة والغنى في هذا العالم يصيرون آخرين في العالم الآتي بالنسبة إلى لعازر وأمثاله. وأكثر ما يصير الأولون آخرين في يوم الدين.

    الأصحاح العشرون


    ١ - ٧ «١ فَإِنَّ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ مَعَ ٱلصُّبْحِ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ، ٢ فَٱتَّفَقَ مَعَ ٱلْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي ٱلْيَوْمِ، وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ. ٣ ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ ٱلسَّاعَةِ ٱلثَّالِثَةِ وَرَأَى آخَرِينَ قِيَاماً فِي ٱلسُّوقِ بَطَّالِينَ، ٤ فَقَالَ لَهُمُ: ٱذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضاً إِلَى ٱلْكَرْمِ فَأُعْطِيَكُمْ مَا يَحِقُّ لَكُمْ. فَمَضَوْا. ٥ وَخَرَجَ أَيْضاً نَحْوَ ٱلسَّاعَةِ ٱلسَّادِسَةِ وَٱلتَّاسِعَةِ وَفَعَلَ كَذٰلِكَ. ٦ ثُمَّ نَحْوَ ٱلسَّاعَةِ ٱلْحَادِيَةَ عَشَرَةَ خَرَجَ وَوَجَدَ آخَرِينَ قِيَاماً بَطَّالِينَ، فَقَالَ لَـهُمْ: لِمَاذَا وَقَفْتُمْ هٰهُنَا كُلَّ ٱلنَّهَارِ بَطَّالِينَ؟ ٧ قَالُوا لَهُ: لأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْنَا أَحَدٌ. قَالَ لَـهُمُ: ٱذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضاً إِلَى ٱلْكَرْمِ فَتَأْخُذُوا مَا يَحِقُّ لَكُمْ»
    تكوين ١٨: ٢٥ وأفسس ٦: ٨ وعبرانيين ٦: ١٠
    ينتمي العدد الأخير من الأصحاح السابق إلى هذا الأصحاح، لأنه مقدمة المثل المذكور هنا (كما يظهر من عدد ١٦ من هذا الأصحاح). وغاية المسيح من هذا المثل إصلاح خطأ تلاميذه في قولهم «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟» (متّى ١٩: ٢٧). فقد ظنوا أنهم تركوا من أجل المسيح أكثر مما ترك غيرهم من أجله، وأنهم يستحقون أعظم المدح والثواب. فأجابهم المسيح على هذا السؤال بلطف في أول الأمر، وأوضح لهم أنهم يشاركونه في المجد والكرامة يوم مجيئه الثاني، وأنهم سيحصلون في هذا العالم على مئة ضعف ما تركوه من أجله، كما أن لهم الحياة الأبدية في عالم الآخرة.
    ثم ضرب هذا المثل ليعلمهم أن كل ما وعدوا به من البركات هبة لا أجرة، وأن الحياة الأبدية توهب لكل المسيحيين على السواء، أولين كانوا أم آخِرين، وفيه يبين أن الله يوزع النفائس السماوية مجاناً (رومية ٤: ٤، ٥) وأن لا حق لأحد أن يدَّعي أهليته للسماء أو أفضليته فيها بناءً على أنه أتى إلى المسيح قبل غيره، أو لأنه ترك من أجله أكثر من الآخرين، أو لأنه زاد غيرة على سواه.
    فلا يصح أن نتخذ كل ما في ذلك المثل إيضاحاً لما يحدث في السماء عندما يوزع الرب نِعمه على المختارين، لأنه يستحيل أن يحسد سكان السماء بعضهم، أو أن يتذمر أحدهم على الله. بل يجب أن نفهم منه تحذير التلاميذ من دعوى البر الذاتي وانتظار نيل السعادة السماوية كأجرة. فإذاً كلام المسيح ليس نبوءةً بما سيحدث في السماء، بل هو توضيح لنتيجة ما أظهره التلاميذ من البر الذاتي وتوقع السعادة العلوية كأجرة. فبيَّن المسيح لهم أنهم إن لم يرجعوا عما أظهروا كانوا الآخِرين والأصغرين في ملكوت السماوات، وأن الذين يتضعون مع أنهم آخِرون بالنسبة إليهم يجعلهم الله أولين في ملكوته. وأن لا حق للذين دُعوا أولاً إلى ملكوت السموات وتعبوا وقتاً طويلاً أن يدَّعوا ثواباً أعظم من ثواب الذين دُعوا أخيراً وتعبوا زمناً قصيراً.
    مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ أي نظام الحياة المسيحية الذي بدأ على الأرض وسيكمل في السماء.
    رَبَّ بَيْتٍ أي رئيس عائلة، وهو في هذا المثل صاحب كرم يعتني به بواسطة فعلة يستأجرهم يومياً في سوقٍ قرب بيته. فخرج مراراً في النهار واستأجر فعلة وأرسلهم إلى العمل في كرمه. استأجر البعض في أول النهار، واستأجر آخرين قبل الغروب بساعة. واتفق مع الفريق الأول على دينار، وهو أجرة الفاعل في اليوم. والذين استأجرهم بعد الأولين لم يتفق معهم على شيء، لكنه وعد أن يعطيهم ما يستحقون فوثقوا بقوله. ولا شك أنهم توقعوا جزءاً من الدينار على قدر الوقت الذي عملوا فيه. ولما ذهب رب الكرم إلى السوق مرة أخرى وجد عمالاً بطالين، فعاتبهم على ذلك، فاعتذروا بأن أحداً لم يطلبهم للعمل.
    وقصد المسيح من هذا المثل أن يعلمنا معاملة الله للذين يدعوهم إلى العمل في كنيسته. إنها كمعاملة رب الكرم المذكور لأولئك الفعلة. وكثيراً ما يشبِّه الكتاب المقدس الكنيسة بالكرم (إشعياء ٥: ٧ وإرميا ١٢: ١٠ ومتّى ٢١: ٢٨، ٣٣ ولوقا ١٣: ٦).
    ويدعو الله الناس إلى العمل في كنيسته بواسطة الأنبياء والرسل والمعلمين والكتاب والروح القدس. ودعا الله الناس إلى ذلك العمل منذ خلق الإنسان، في الوقت الذي شاءه والطريق التي اختارها. فدعا اليهود أولاً، ودعا بعدهم إلى نور إنجيله وطاعته أمماً مختلفة من الوثنيين في أزمنة مختلفة. ولا زال يدعو البعضهم في هذا العصر. وهو يدعو البعض في سن الصبا وآخرين في سن الشيخوخة. ويدعو بعضهم إلى خدمة طويلة كيوحنا الرسول وبعضهم إلى خدمة قصيرة كيوحنا المعمدان، وكاللص على الصليب وقد قرب من الموت. ولله حكم في دعوة كل أمة في وقتها وكل شخص في وقته. وتلك الدعو كلها من نعمه بدليل قوله «لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ» (يوحنا ١٥: ١٦) والثواب الذي وعد الله به فعلة الكنيسة هو الحياة الأبدية، أي الميراث السماوي وإكليل البر. وكل ذلك الثواب من النعمة على من عمل طويلاً وقاسى التعب الأشد، فالثواب أعظم من أطول الأعمال وأشقها بما لا يقاس. والمقصود بالفعلة في هذا المثل خدام الله بالحق، سواء دُعوا في العصور الأولى من زمن العالم أم العصور الأخيرة، وسواءٌ دُعوا في أول الحياة أم في آخرها. فلا إشارة في المثل إلى أن أحداً من الفعلة زاد اجتهاداً أو أمانة أو غيرة على الآخر، لأنهم كلهم نالوا الجزاء في آخر النهار لأن صاحب الكرم اعتبرهم أمناء.
    ٨ «فَلَمَّا كَانَ ٱلْمَسَاءُ قَالَ صَاحِبُ ٱلْكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: ٱدْعُ ٱلْفَعَلَةَ وَأَعْطِهِمُ ٱلأُجْرَةَ مُبْتَدِئاً مِنَ ٱلآخِرِينَ إِلَى ٱلأَوَّلِينَ».
    متّى ١٣: ٣٩، ٤٠ ورؤيا ٢٠: ١١، ١٢
    لَمَّا كَانَ ٱلْمَسَاءُ أي الغروب وهو وقت انصراف الفعلة. والمقصود به يوم الدينونة لأنه نهاية العالم، ويصح أيضاً أن يراد به نهاية عمر كل إنسان.
    وَأَعْطِهِمُ ٱلأُجْرَة أمر لهم بالأجرة في نهاية يوم العمل وفقاً لشريعة موسى (لاويين ١٩: ١٣ وتثنية ٢٤: ١٥). وذلك يدل على عدل رب الكرم وحنوه.
    مُبْتَدِئاً مِنَ ٱلآخِرِينَ حقَّ له أن يفعل ذلك. ولا فرق للفعلة سواء ابتدأ منهم أو من الأولين، لكنه ذكر هذا الترتيب إتماماً للمقصود من المثل، ليعرف الفعلة كلهم مساواتهم في الأجرة. فلو أعطى الأولين أولاً لانصرفوا ولم يعرفوا كم أخذ الآخِرون. ولا مقتضى للبحث عن معنى الوكيل الروحي، ولكن إن كان المقصود به أحداً فهو الرب يسوع المسيح، الذي هو وكيل بيت الله أي الكنيسة، وهو الذي يوزع الثواب (متّى ١١: ٢٧ ويوحنا ٥: ٢٧ وعبرانيين ٣: ٦). ولا معنى روحي لابتداء الإعطاء من الآخرين، فلا قصد منه سوى المطابقة لقوله «الأولون آخِرون والآخِرون أولون».
    ٩، ١٠ «٩ فَجَاءَ أَصْحَابُ ٱلسَّاعَةِ ٱلْحَادِيَةَ عَشَرَةَ وَأَخَذُوا دِينَاراً دِينَاراً. ١٠ فَلَمَّا جَاءَ ٱلأَوَّلُونَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَكْثَرَ. فَأَخَذُوا هُمْ أَيْضاً دِينَاراً دِينَاراً».
    دِينَاراً دِينَاراً مساواة رب الكرم فعلته في الأجرة عدل للكل، ورحمة للبعض. وإذا نظرنا إلى معاملته الكل رأينا الرحمة، لأن كل ما أعطاه الفعلة هو أكثر مما استحقوه. ولعل علة إعطاء رب الكرم من عملوا قليلاً أجرة نهار تامة شفقة عليهم، لمعرفته أن عيالهم محتاجون ولا يفكيهم أقل من دينار، وأنهم لم يتوقفوا عن العمل بعض النهار عمداً، فلا ذنب عليهم.
    والمعنى الروحي للمساواة في الأجرة هو أن الله يهب الحياة الأبدية لكل خدامه الأمناء، ولا يهب لأحد منهم أقل منها، مهما كانت خدمته قصيرة على الأرض. فالخلاص حظ جميع المؤمنين، وهذا قضاء نعمته، فإنه فتح باب السماء للص الذي آمن ساعة موته كما فتحه لسمعان الشيخ الذي انتظر تعزية إسرائيل زماناً (لوقا ٢: ٢٩). وهو يفتحه للمؤمن الذي يموت اليوم كما فتحه لإبراهيم خليله.
    ١١، ١٢ «١١ وَفِيمَا هُمْ يَأْخُذُونَ تَذَمَّرُوا عَلَى رَبِّ ٱلْبَيْتِ ١٢ قَائِلِينَ: هٰؤُلاَءِ ٱلآخِرُونَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ سَاوَيْتَهُمْ بِنَا نَحْنُ ٱلَّذِينَ ٱحْتَمَلْنَا ثِقَلَ ٱلنَّهَارِ وَٱلْحَرَّ!».
    رومية ٣: ٢٤، ٢٧
    كان لهم الحق أن يتذمروا لو أعطاهم أقل من الأجرة المتفق عليها. ولا محل للتذمر إلا في الظلم، وهنا عدل تام. فلم يتذمروا إلا بسبب حسدهم للذين شفق عليهم رب الكرم بأن أعطاهم أجرة نهار كامل على عمل جزء منه. فاحتمال المتذمرين ثقل النهار وحره هو ما توقعوه عند الاتفاق فأخذوا جزاءه.
    ١٣ - ١٥ «١٣ فَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا صَاحِبُ، مَا ظَلَمْتُكَ! أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ ١٤ فَخُذِ ٱلَّذِي لَكَ وَٱذْهَبْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هٰذَا ٱلأَخِيرَ مِثْلَكَ. ١٥ أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَالِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟».
    رومية ٩: ٢١ وتثنية ١٥: ٩ وأمثال ٢٣: ٦ ومتّى ٦: ٢٣
    المتذمرون هنا كالأخ الأكبر في مثل الابن الضال (لوقا ١٥: ٣١). وأجاب رب الكرم أحدهم كنائب عن الباقين، وبرهن له أنه لم يظلم أحداً منهم، فماله له، وله أن يتصرف به كما شاء إذا لم يظلم أحداً. فإن شاء أن يعطي بعض الناس كل ماله فلا حق لغيره أن يتذمر عليه. وأي حق للأجير الذي أخذ كل أجرته أن يتذمر على مستأجره إن تصدق على غيره؟
    يَا صَاحِب غلب استعمال ذلك في الكتاب المقدس عند مخاطبة الأعلى للأدنى.
    مَا ظَلَمْتُك كذلك يعامل الله كل إنسان بالعدل.
    فَخُذِ ٱلَّذِي لَكَ وَٱذْهَبْ الظاهر من ذلك أن المتذمرين أبوا أن يأخذوا الأجرة المتفق عليها.
    أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ الخ أي هل يقتضي كوني كريماً أن تحسد أنت أخاك؟ لقد أعطيتك حقك الذي لك، وأما هو فأعطيه أكثر من حقه لأنه محتاج. وكثيراً ما ينسب الكتاب المقدس الحسد إلى العين (تثنية ١٥: ٩ وأمثال ٢٣: ٦ و٢٨: ٢٢ ومرقس ٧: ١، ٢) .
    وخلاصة كلام رب البيت أنه برر نفسه، وأثبت أنه عادل، وأن له حقاً أن يساوي الفعلة في الأجرة كما استحسن. فغاية المسيح من هذا المثل أن يُري تلاميذه خطأهم بعدم اقتناعهم بالهبة الإلهية (أي الحياة الأبدية) كغيرهم من المؤمنين، وتوقعهم أن ينالوا أكثر من غيرهم لإتباعهم المسيح قبل الجميع، وتركهم أكثر مما تركه الآخرون لأجله.
    ١٦ «هٰكَذَا يَكُونُ ٱلآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَٱلأَوَّلُونَ آخِرِينَ، لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ».
    متّى ١٩: ٣٠ و٢٢: ١٤
    ٱلآخِرُونَ أَوَّلِين هذا تكرار ما قيل في متّى ١٩: ٣٠. إنما عكس ترتيب الكلمات لمناسبة معاملة رب الكرم للفعلة. ومعناه أن قضاء الله في السماء ليس كقضاء الإنسان على الأرض، فكثيرون ممن يحسبهم الناس في الدنيا آخِرين في القداسة يحسبهم الله في الآخرة أولين، لأن الناس ينظرون إلى الظاهر والله ينظر إلى الباطن. وهذا توبيخ على الكبرياء ومثال في التواضع لبطرس وسائر الرسل الذين حسبوا أنفسهم مستحقين أن يكونوا أولين في السماء. وهو كذلك للذين تنصروا من اليهود وظنوا أنهم يستحقون الامتياز على المؤمنين من الأمم، لأنهم من شعب الله الخاص أصلاً. وهو كذلك المسيحي كل عصر يظنون أنهم أولى بنعمة الله من غيرهم لدخولهم خدمته في أول حياتهم، أو لرتبة بلغوها في الكنيسة، أو لزيادة أتعابهم ومشقاتهم في سبيل المسيح. وهو مثل لكل إنسان في التواضع الذي يكون بدونه الأولون آخِرين، وبه يصير الآخِرون أولين.
    فالخلاص من النعمة، والافتخار بالبر الذاتي يجعل الأولين في كنيسة المسيح آخِرين. فلا يعتبر المسيح طول المدة التي يخدمه عبيده فيها، بل يعتبر كيفية الخدمة. فربما خدمهُ واحد في يوم أكثر مما يخدمه غيره في سنين.
    كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُون تدلنا القرينة على أن المدعوين والمنتخبين هنا مسيحيون حقيقيون. وصرح المسيح بذلك أن كثيرين من الناس يدعون فيؤمنون به ويصيرون أعضاء في كنيسته، ولكن لقلة مواهبهم واجتهادهم لا يشتهرون بين المسيحيين. ولكن بعض هؤلاء وهم قليلون يُنتخبون فيكونون بمجرد مشيئة الله رسلاً أو معلمين أو غير ذلك من موظفي الكنيسة.
    ويحتمل أن المقصود بذلك أن كثيرين يتبعون المسيح ولكن قليلين يخدمونه بالتواضع حباً له لا رغبة في الأجرة، فيستحقون أن يُرفعوا على غيرهم. أو أن قليلين يقبلون الروح القدس قبولاً وافراً ليشتهروا بالقداسة وإفادة الغير. وغاية ذلك المثل بيان عقيدة واحدة: وهي أن الحياة الأبدية هبة يتساوى بها جميع المؤمنين. فإن اعتبرنا أعراض ذلك المثل كلها مستعارة لأمور روحية غلطنا كثيراً. ومن ذلك أربع ضلالات نحن معرضون للسقوط فيها:

    • الخطأ الأول أننا نستنتج أن الخلاص بالأعمال بدعوى أن الفعلة الذين عملوا النهار كله أخذوا أجرهم بعملهم. مع أنه لم يستحق أحد السماء بأعماله، لأن الحياة الأبدية هبة من نعمة الله لكل رجل وامرأة وولد، لا أجرة. إن الناس يستأجرون فعلة، ولكن الله لا يستأجر الناس ليكونوا مسيحيين. قال المسيح كذلك أنتم أيضاً متّى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالن (لوقا ١٧: ١٠).
    • الخطأ الثاني أن نستنتج أنه لا يوجد تفاوت في درجات المجد في السماء بدعوى أن كل فاعل أخذ ديناراً. ولكن هناك تفاوت، وإن لم يُشر إليه هنا، وهو واضح في أماكن كثيرة في الكتاب. (ومن ذلك متّى ٢٥: ١٤ - ٣٠ ولوقا ١٩: ١٢ - ١٩ و١كورنثوس ١٥: ٤١). نعم إن هبة الحياة الأبدية واحدة لكل المختارين، ولكن ليس كل مؤمن يقبل من ملء النعمة كالآخر.
    • الخطأ الثالث أن نستنتج أن القديسين في السماء يحسدون بعضهم بعضاً أو يتذمرون على الله بدعوى أن فعلة الكرم تذمروا على ربه. وهو فرض مستحيل لإظهار، فالحسد يظهر رداءة البر الذاتي وحب الرئاسة.
    • الخطأ الرابع أن نستنتج جواز تأخير التوبة إلى أواخر العمر، بدعوى أن الفعلة الذين استؤجروا في الساعة الحادية عشرة نالوا أجرة مساوية لغيرهم. فإن أصحاب الساعة الحادية عشرة كان لهم عذر كافٍ وهو أنه لم يستأجرهم أحد. فلو رفضوا أن يعملوا قبلاً لم يقبلهم صاحب الكرم أخيراً. ولا عذر لمن يؤخر توبته.


    ١٧ «وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ صَاعِداً إِلَى أُورُشَلِيمَ أَخَذَ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ تِلْمِيذاً عَلَى ٱنْفِرَادٍ فِي ٱلطَّرِيقِ وَقَالَ لَـهُمْ».
    صَاعِداً إِلَى أُورُشَلِيم ليحضر عيد الفصح ويقدم نفسه ذبيحة لفداء العالم. وذكر متّى ابتداءَ سفره من الجليل إلى أورشليم في متّى ١٩: ١ فمضى عليه نحو ستة أشهر في الطريق وهو في بلاد بيرية. وما ذكر هنا من المحادثة بينه وبين تلاميذه كان قرب نهاية تلك المدة. والأرجح أنهم كانوا حينئذٍ قرب أريحا.
    عَلَى ٱنْفِرَادٍ فِي ٱلطَّرِيقِ أُمر كل ذكور اليهود أن يحضروا الأعياد العظيمة في أورشليم (خروج ٣٣: ١٧) فغصَّت الطريق بالمسافرين في مثل ذلك الوقت. واعتاد الأصدقاء والجيران أن يجتمعوا ويسيروا معاً للأمن والتسلية (لوقا ٢: ٤٢) فأخذ يسوع تلاميذه على انفراد من سائر المسافرين لأمرٍ مختص بهم.
    ١٨، ١٩ «١٨ هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِٱلْمَوْتِ، ١٩ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى ٱلأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُوم».
    متّى ١٦: ٢١ ومتّى ٢٧: ٢ ومرقس ١٥: ١، ١٦ الخ ولوقا ٢٣: ١ ويوحنا ١٨: ٢٨ الخ وأعمال ٣: ١٣
    هذه مرة ثالثة أنبأ المسيح تلاميذه بموته، فقال: (١) إن أورشليم محل موته. (٢) إنه يموت في تلك الزيارة لها. (٣) يسلمه إلى الموت أحد أصدقائه. وإتمام ذلك في متّى ٢٦: ١٥. (٤) رؤساء الكهنة والكتبة (أي المجلس الأعلى) يحكمون عليه بالموت وإتمام ذلك في متّى ٢٦: ٥٧. ولما كان سلطان إجراء الحكم بالموت للرومان، أسلموه إليهم بغية ذلك (متّى ٢٦: ٦٦ و٢٧: ٢). (٥) إن الأمم (أي بيلاطس وعساكر الرومان) يجرون ذلك الحكم (متّى ٢٧: ٢٦ - ٣٥). (٦) أنهم يهزأون به (متّى ٢٧: ٢٩). (٧) أنهم يجلدونه (متّى ٢٧: ٢٦) وكان الجلد بسوط ذي ثلاث ألسنة جلدية، يضربون به المحكوم عليه بالصلب قبل أن يصلبوه. (٨) إنه يموت صلباً، وكان ذلك عقاب العبيد وشر الأثمة وذكر إتمام ذلك في متّى ٢٧: ٣٥. (٩) إنه يقوم في اليوم الثالث (ص ٢٨) وزاد مرقس ولوقا على ذلك قول المسيح إنهم يبصقون عليه، وهو من أشد أعمال الإهانة.
    وقد تنبأ بها أنبياء العهد القديم بآلام المسيح هذه، وأوضحها في إشعياء ٥٣ ودانيال ٩: ٢٦، ٢٧. وغاية المسيح من تكرار هذا النبأ لتلاميذه بالتفصيل، أن ينبههم ليحتاطوا من الشك فيه عند وقوع تلك الحوادث المحزنة، وليؤكد لهك قيامته، فيعرفون أن القيامة المبهجة تأتي بعد الآلام القاسية. «وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ» (لوقا ١٨: ٣٤). وسبب هذا هو شدة تأثير الآراء اليهودية من جهة ملك المسيح الزمني، التي أعمت أذهانهم. ولعلهم ظنوا كلامه لغزاً في غاية الإبهام، أو حسبوه نتيجة يأس شديد يبقى قليلاً ويزول.
    ٢٠ «حِينَئِذٍ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ٱبْنَيْ زَبْدِي مَعَ ٱبْنَيْهَا، وَسَجَدَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئاً».
    متّى ٤: ٢١ ومرقس ١٠: ٣٥
    أُمُّ ٱبْنَيْ زَبْدِي اسمها سالومي (قارن متّى ٢٧: ٥٦ مع مرقس ١٥: ٤٠) تبعت يسوع من الجليل (متّى ٢٧: ٥٥) وحضرت صلبه (مرقس ١٥: ٤٠) وأتت إلى القبر (مرقس ١٦: ١).
    مَعَ ٱبْنَيْهَا ذكر مرقس مجيء ابني زبدي فقط. ومن مقارنة البشيرين نستنتج أن الوالدة طلبت ما يريده ولداها، وأنهما أقنعاها أن ترافقهما إلى المسيح وتسأله ذلك. فمعظم الخطأ خطأهما. ويؤكد ذلك أن جواب المسيح كان لهما لا لها.
    وَسَجَدَت زيادة إكرام له جرياً على العادة.
    وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئا أي سألته معروفاً وأخفت المطلوب إلى بعد الوعد به، لأنها شكت في لياقة ذلك الطلب. ومثل هذا طلبت بثشبع إلى سليمان (١ملوك ٢: ٢٠).
    ٢١ «فَقَالَ لَـهَا: مَاذَا تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ لَهُ: قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ٱبْنَايَ هٰذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَٱلآخَرُ عَنِ ٱلْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ».
    متّى ١٩: ٢٨
    سألها المسيح عن مقصودها قبل أن يعدها به لا ليعرفه بل لينبه ضميرها على الخطأ ويبني عليه التوبيخ.
    عَنْ يَمِينِكَ وَٱلآخَرُ عَنِ ٱلْيَسَارِ الجلوس عن يمين الملك وعن يساره من علامات الشرف العظيم وسمو السلطان (١صموئيل ٢٠: ٢٥ و١ملوك ٢: ١٩ ومزمور ١١٠: ١). ويبدو أن الأخوين توقعا أن المسيح يملك على الأرض، رغم كثرة ترديد المسيح عليهم أن ملكوته ليس من هذا لعالم. فأرادا أن يمتازا على غيرهما في يوم نصرته. أما طلبهما التقرب من المسيح فحسن. أما رغبتهما في الرفعة على الآخرين فخطأ. ولعل الذي حملهما على طلب ذلك قول المسيح إن تلاميذه يجلسون على اثني عشر كرسياً (متّى ١٩: ٢٨) فانتظروا قرب مجيئه في المجد (لوقا ١٩: ١١). وحب الرئاسة الذي أظهرا التلميذان هنا أظهره الرسل كلهم قبل ذلك (متّى ١٨: ١ وبعده لوقا ٢٢: ٢٤).
    فِي مَلَكُوتِكَ لم يرد التلميذان بهذا الملكوت ملكوت السماء، بل ملكوت المسيح على الأرض.
    ٢٢ «فَأَجَابَ يَسُوعُ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا ٱلْكَأْسَ ٱلَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِٱلصِّبْغَةِ ٱلَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا قَالاَ لَهُ: نَسْتَطِيعُ».
    ص ٢٦: ٣٩، ٤٢ ومرقس ١٤: ٣٦ ولوقا ١٢: ٥٠ و٢٢: ٤٢ ويوحنا ١٨: ١١
    لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ لم يوبخهما المسيح على حب الرئاسة بل أجابهما بلطف، وأظهر لهما غلطهما في ماهية ملكوته وطريق ارتفاعه عن الارض، كأنه قال لهما: ظننتما أنكما التمستما بتلك الطلبة مكانَي الشرف والمجد والسعادة، والحق أنكما طلبتما بذلك مكانَي أشد الضيق والهوان. فإنه لم يعلم ذلك التلميذان حقيقة ما طلباه، ولكنهما عرفاه يوم رأيا المسيح مصلوباً بين لصين. وغلطهما في حب الرئاسة كغلطهما في غضبهما في غير هذا المكان (لوقا ٩: ٥٥).
    أَتَسْتَطِيعَانِ أي هل لكما من الشجاعة والثبات ما يقدِّركما على احتمال كل ما سأحتمله؟
    أَنْ تَشْرَبَا ٱلْكَأْسَ المقصود بالكأس هنا النصيب الذي يعينه الله للناس من خير أو شر. واستعيرت الكأس للنصيب، لأن الناس اعتادوا أن يشربوا من الكأس أشربة مختلفة بعضها مرٌّ والبعض حلوٌ. وتستعار غالباً في الكتاب للفرح (مزمور ١١: ٦ و١٦: ٥ و٢٣: ٥ و٦٠: ٣ و٧٥: ٨ وإشعياء ٥١: ١٧ وإرميا ٢٥: ١٥ ومراثي إرميا ٤: ٢١ وحزقيال ٢٣: ٣١ ومتّى ٢٦: ٣٩، ٤٢ ويوحنا ١٨: ١١). وأشار المسيح بالكأس إلى ما توقع احتماله من الآلام التي وجب أن يقاسيها قبل أن يدخل المجد، ووجب أن يشاركه فيها المقربون إليه خاصة.
    تَصْطَبِغَا قصد المسيح بالصبغة كقصده بالكأس، أي الإشارة إلى آلامه، واستعارها لذلك في موضع آخر بقوله: «وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟» (لوقا ١٢: ٥٠). وتستعار الصبغة في الكتاب لانسكاب النعمة الإلهية على النفس. ولكن الصبغة هنا صبغة الآلام والهوان والدم. ومشاركة المسيح في الكأس والصبغة تشير إلى الاتحاد التام به في الروح والحياة، أي في القلب والفعل. ومثل ذلك إشارة إلى السرين في الكنيسة المسيحية.
    ولا يزال المسيح اليوم يسأل تابعيه هذا السؤال، فإنكار الذات وحمل الصيب واتباع المسيح مما في كأس المسيح من المرارة وفي صبغته من الآلام واجب كل مسيحي. نعم إن يسوع البار شرب الكأس أولاً واصطبغ بالصبغة، وهو يعيننا على الاقتداء به في ذلك. فيجب أن نقبلهما إذا انتظرنا أن نجلس في الآخرة على عرش بيت الله، أو أن نقف في عتبته.
    نَسْتَطِيعُ لعلهما فهما من سؤال المسيح الإقرار به أمام العالم علانية، أو لعلهما فهما منه أنه يسأل إن كانا مستعدين أن يحاربا معه. ولا ريب أنهما قالا ذلك بإخلاص، ولكن كلامهما لم يخلُ من زيادة الاتكال على الذات، ولذلك سقطا وقت التجربة مع غيرهما من التلاميذ، بدليل قوله «حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا» (متّى ٢٦: ٥٦).
    ٢٣ «َقَالَ لَهُمَا: أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا، وَبِالصِّبْغَةِ ٱلَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا ٱلْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَـهُمْ مِنْ أَبِي».
    متّى ٢٥: ٣٤ وأعمال ١٢: ٢ ورومية ٨: ١٧ و٢كورنثوس ١: ٧ ورؤيا ١: ٩
    لم يحاورهما المسيح في شأن قدرتهما على إتمام وعدهما، فقبله على ما فيه، ووعدهما بعظيم تمييزهما على الآخرين وأقربيتهما منه في أمر واحد: هو مشاركتهما له في آلامه. وتم هذا الوعد لهما بطريقتين مختلفتين، فأحدهما (وهو يعقوب) شرب كأس الآلام واصطبغ بصبغة الدم قبل كل الرسل، فقد مات شهيداً بأمر هيرودس أغريباس (أعمال ١٢: ٢) والآخر يوحنا عاش أكثر من سائر الرسل فاحتمل اضطهادات كثيرة من اليهود (أعمال ٤: ٣ و٥: ١٨، ٤٠) واحتمل الاضطهادات مع سائر المؤمنين التي أجراها القيصران الرومانيان نيرون ودومتيان، ونفاه إلى جزيرة بطمس (رؤيا ١: ٩) ومن هناك كتب إلى المسيحيين قوله «أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ» (رؤيا ١: ٩) فاختبر ما في تلك الكأس من المرارة زمناً أطول من زمن كل الرسل.
    فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَه لم يرد المسيح بذلك نفي الثواب مطلقاً، لأن ذلك يناقض ما قاله في أوقات أخرى (متّى ٢٥: ٣١ - ٤٠ ويوحنا ٥: ٢٢ - ٣٠). لكنه أراد أنه لا يعطي شيئاً بالمحاباة، أو لمجرد إلحاح السائل، أو بلا نظر إلى قصد الآب منذ الأزل. وهو لم يظهر سر القضاء الأزلي في هذا الشأن لإرادة الآب.
    لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَـهُمْ مِنْ أَبِي هذا الأمر مقضيٌ به منذ الأزل، وهو وفق قوله «رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (متّى ٢٥: ٣٤). وسوف يثاب الأخوان حسب غنى نعمته بالفوز بمكان في ملكوته السماوي، فيجب أن يقتنعا بذلك، لأن أدنى مكان في السماء هو ثواب جزيل على أشد الأتعاب وأقسى الآلام لأجل المسيح على الأرض.
    ٢٤ «فَلَمَّا سَمِعَ ٱلْعَشَرَةُ ٱغْتَاظُوا مِنْ أَجْلِ ٱلأَخَوَيْنِ».
    مرقس ١٠: ٤١ ولوقا ٢٢: ٢٤، ٢٥
    سَمِعَ المقصود بما سمعوه من طلبة يوحنا ويعقوب، لا جواب المسيح لهما.
    ٱلْعَشَرَة أي سائر الرسل.
    ٱغْتَاظُوا علة غيظهم ليست خطأ الأخوين، بل رغبتهما في ما طلباه وسبقهما إليه، لأن ذلك مطلب كل الرسل. والذي يوضح أن علة غيظهم غير مذكورة، وأنهم كلهم مثل الأخوين في حب الأفضلية والرئاسة هو أن يسوع وجَّه كلامه إلى الكل، ويتضح هذا في الأعداد الأربعة الآتية.
    ٢٥ «فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ ٱلأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَٱلْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ».
    فَدَعَاهُمْ أي الاثني عشر، فإنهم جميعاً يشتركون في خطأ الأخوين. والأرجح أنهم كانوا يتخاصمون على ذلك الأمر، فدعاهم ليبين لهم الفرق بين ملكوته والممالك الأرضية.
    رُؤَسَاءَ ٱلأُمَمِ أي الرؤساء السياسيين في الممالك الأرضية.
    يَسُودُونَهُمْ أي يتسلط كلٌ منهم على رعيته، ويستخدم سلطانه لنفع نفسه لا لنفع الرعية.
    وَٱلْعُظَمَاءَ أي الوزراء والمشيرين.
    يَتَسَلَّطُون أي يرتقون على سائر الشعب إلى مناصب السلطة والشر والمجد. فالتباين في المنزلة من خواص الممالك الأرضية، وفيها يتم التمييز بين العالي والواطي وبين الرئيس والمرؤوس وبين الكبير والصغير والغني والفقير. وهذه التباينات ظاهرة كل الظهور، فكل الناس يبذلون الجهد ليرتقوا إلى أعلى منزلة. وهذا الجهد يفتح أبواب الكبرياء والحسد والظلم والاغتصاب والمخاصمات العنيفة أمام الناس.
    ٢٦ «فَلاَ يَكُونُ هٰكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيماً فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِماً».
    لاَ يَكُونُ هٰكَذَا فِيكُمْ أي هذا ليس من صفات ملكوتي المختلف عن كل ممالك الأرض، فإن كل أعضائه إخوة متساوون، فالغني والفقير والحر والعبد والعالم والأمي كلهم في رتبة واحدة في الكنيسة. فالخصام على المراتب العالية في تلك الكنيسة عبث. والمسيح لم ينفِ بذلك وجود الرتب بين الرؤساء السياسيين وممارسة سلطانهم لدفع الشر أو منعه عن الرعية ولجلب النفع لها. ولم ينف من الكنيسة ما يلزم من السلطان الضروري لحفظ طهارتها ونظامها، لكنه نفى أن يدَّعي الإنسان رفعة المقام على غيره، أو السيطرة على أجساد غيره من أعضائها أو ضمائرهم، لأن لله وحده السلطان على ضمائر الناس.
    عَظِيما العظمة التي طلبها المسيح في الكنيسة هي عظمة نفع كل عضو لغيره، لا عظمة المقام واللقب. فيحق للمسيحي أن يجتهد في أن يفوق غيره بالاقتداء بالمسيح الذي لم يأتِ ليخدَم بل ليخدُم.
    خَادِماً مما يشجع الإنسان على اختيار خدمة إخوته أمران: التواضع والرغبة في فعل الخير. وهذا خلاف قوانين الأمم الذين رؤساؤهم يسودونهم وعظماؤهم يتسلطون عليهم. وبناء على ذلك سُمي موظفو الكنيسة خداماً (١كورنثوس ٣: ٥ و٢كورنثوس ٣: ٦ و٦: ٤ و١١: ٢٣ وأفسس ٣: ٧، ٢٣، ٢٥ و٤: ٧ و١تسالونيكي ٢: ٢ و١تيموثاوس ٤: ٦)
    ٢٧ «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْداً».
    متّى ١٨: ٤
    معنى هذا العدد هو كمعنى العدد السابق سوى فرقٍ زهيد، وهو أن معظم إشارة الألفاظ في السابق كانت إلى نفع الغير، ومعظمها في الثاني موجهة إلى المقام.
    أَوَّلاً أي في الاسم والصيت والوظيفة. و «الأول» أعظم من «العظيم» كما أن «العبد» أحقر من «الخادم».
    عَبْداً العبد في زمن كتابة الإنجيل أدنى مما هو اليوم كثيراً. فمن اختار أن يكون مثل عبدٍ فاختياره غاية التواضع. فخلاصة العددين موعظة في التواضع ونفع الآخرين.
    ٢٨ «كَمَا أَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ».
    لوقا ٢٢: ٢٧ ويوحنا ١٣: ٤، ١٤ وفيلبي ٢: ٥ الخ، إشعياء ٥: ٢٠، ١١ ودانيال ٩: ٢٤، ٢٦ ومتّى ٢٦: ٢٨ ويوحنا ١١: ٥١، ٥٢ ورومية ٥: ١٥، ١٩ و١تيموثاوس ٢: ٦ وتيطس ٢: ١٤ وعبرانيين ٩: ٢٨ و١بطرس ١: ١٩
    كَمَا أَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ المسيح أحسن مثالٍ لما أمر به تلاميذه في العددين السابقين «فإنه إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ.. أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ» (فيلبي ٢: ٦، ٧) ولم يأت باحتفال ومجد بل باتضاع، وأنفق العمر على عمل الخير للآخرين، واحتمل المشقات ليعطي الناس ما يحتاجون إليه من الجسديات والروحيات، وأنكر نفسه على الدوام من أجلهم. فإنه خدم والديه في الناصرة كل السنين اتي تقضَّت عليه فيها. وخدم الناس في الجليل واليهودية نحو ثلاث سنين ونصف سنة قبل موته. ولم تنته خدمته على الأرض حتى وُضع في قبر يوسف الرامي. وهو لا يزال يخدم المؤمنين في السماء بشفاعته إلى الآب فيهم، وبإرساله مبشريه إلى العالم ينادون بالخلاص للناس. فهو خير مثال «فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ» (١بطرس ٢: ٢١).
    لِيُخْدَمَ كملوك هذا العالم وعظمائه وسائر من لهم خدم وجنود وأمثالهم.
    وَلِيَبْذِلَ نَفْسَه أي حياته. وهذا أعظم برهان على أنه لم يأتِ ليُخدم بل ليخدُم غيره، وكانت خاتمة خدمته للناس بذل حياته عنهم.
    فِدْيَةً هي في الأصل ما يُعطى عن الأسير لنجاته من الأسر. ثم أُطلقت على كل ما ينقذ الإنسان من المصائب أو العبودية أو العقاب أو الموت (خر ٢١: ٣٠ ولاويين ٢٥: ٥٠ وأمثال ١٣: ٨). ويلزم من قوله «بذل نفسه فدية» أمران: (١) إن الناس أسرى الخطية وعبيد لها وتحت دينونة الله من أجلها وعرضة للموت (رومية ٢: ٦ - ٩ و٣: ٩ - ٢٠، ٢٣ وأفسس ٢: ٣ و١يوحنا ٥: ١٩). و(٢) أن المسيح بذل حياته ليفديهم من تلك العبودية والدينونة والموت. مات عنهم اختياراً وقبل الله موته بدل موتهم. وكان موت المسيح أهم مواضيع وعظ الرسل بعد يوم الخمسين. ويتضح لنا من ذلك أن المسيح لم يمت لتثبيت صدق تعاليمه، ولا لتقديم المثال للصبر على الاضطهاد لأجل البر وإعلان محبة الله للناس، وإن كانت هذه من فوائد مجيئه، بل مات كفارة عن الخطاة لكي لا يموتوا إلى الأبد.
    عَنْ كَثِيرِين قصد بهذا المقارنة بين الواحد الذي هو الفادي والمتعدد وهم المفديون. ولأن ذلك الفادي ابن الله كان لموته قيمة لا تُحد فيقبلها الله بدل موت البشر إن أتوا إليه بالإيمان والتوبة. وقوله «عن كثيرين» لا يمنع أنه فدية الجميع إن قبلوه، وفق قول الرسول «الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع» (١تيموثاوس ٢: ٦ ومثل قول يوحنا ٣: ١٦ و١٠: ١٥ و١يوحنا ٢: ٢). ولكن الفداء وإن كان عن الجميع قبله كثيرون لا الجميع. ويظهر كثرتهم قوله «بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ» (رؤيا ٧: ٩).
    فمجيء المسيح من مجد السماء إلى الهوان من أعظم أمثلة إنكار الذات والخدمة في كل تاريخ العالم. واستبداله سجود الملائكة له بخدمته للناس، والجلوس على عرش المجد بالتعليق على صليب العار والموت وعظٌ للتلاميذ لكلا يطلبوا العظمة الدنيوية، بل عظمة نفع الآخرين كما ابتغى هو.
    ٢٩ «وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ مِنْ أَرِيحَا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ».
    مرقس ١٠: ٤٦ ولوقا ١٨: ٣٥
    وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ المعجزة الآتية صنعها المسيح على قول متّى وهم خارجون من المدينة، وهذا وفق ما قاله مرقس (مرقس ١٠: ٤٦). ولكن لوقا قال إن المسيح صنعها «لما اقترب من أريحا» (لوقا ١٨: ٣٥). وقد ظن البعض أن قصد لوقا الإنباء بأن المسيح صنعها وهو قريب من أريحا بقطع النظر عن أنه صنعها داخلها أو خارجها. وظن آخرون أن الأعمى صرخ إلى المسيح وهو داخل المدينة، وأنه تبع يسوع في الطريق، والتقيا بأعمى آخر، فلم يشفهما المسيح إلا بعد خروجه منها. وظن آخرون أن الحادثة التي ذكرها متّى ليست الحادثة التي ذكرها لوقا. ولا عجب إن وُجد في أريحا ثلاثة عميان، لأنها كانت مدينة كبيرة. ولعل المسيح أبرأ الأعمى الذي ذكره لوقا وشاع خبره حتى بلغ الأعميين الآخرين، فلاقياه وهو خارج من المدينة.
    وقول لوقا «لما اقترب» يشير إلى المكان، أو إلى الوقت. ومما يبين لنا أن لوقا لم ينظر إلى الوقت سياق كلامه عن تلك الحادثة، فإنه قال «ثُمَّ دَخَلَ وَاجْتَازَ فِي أَرِيحَا» (لوقا ١٩: ١) وبعدما قال ذلك ذكر حوادث جرت وهو في المدينة كنزوله في بيت زكا. وصعوبة التوفيق بين قول متّى وقول لوقا نتيجة قلة معرفتنا أحوال تلك الحادثة. ولو عرفنا كل تلك الأحوال ما رأينا شيئاً من هذه الصعوبة.
    أَرِيحَا مدينة تقع على بُعد ١٧ ميلاً شمال شرق أورشليم، وسُميت أيضاً مدينة النخل (تثنية ٣٤: ٣). بناها قديماً الكنعانيون ثم افتتحها يشوع وهدمها يوم كانت وطن راحاب إحدى نساء سلسلة نسب المسيح (يشوع ٦: ٢٦). وهي المرأة الأممية الوحيدة التي ذكرت في قائمة الممتازين بالإيمان (عبرانيين ١١) وجدد بناءها حيئيل البيتئيلي بعد ٢٥٠ سنة من هدمها (١ملوك ١٦: ٣٤) وكان فيها أيام إيليا مدرسة لبني الأنبياء (٢ملوك ٢: ٥) وتجاه تلك المدينة شرقي الأردن صعد إيليا إلى السماء، وفيها أبرأ أليشع المياه المرة (٢ملوك ٢) وذكر ٣٤٥ من بنيها بين العائدين من سبي بابل (عزرا ٢: ٣٤) ولرجالها ذكرٌ حسن بين بناة أورشليم (نحميا ٣: ٢) وزيَّنها هيرودس الكبير بقصور نفيسة وقنوات محكمة الصنع ومات، وجدد ابنة أرخيلاوس بعض ما هُدم من قصورها. وكانت في أيام المسيح المدينة الثانية في يهوذا، وبلغ عدد سكانها يومئذٍ نحو مئة ألف، واشتهرت بالبلسم المشهور وهو من محصولاتها المعروفة وعظمت تجارتها كثيراً.
    جَمْعٌ كَثِير ذلك الجمع مؤلف من رفقاء المسيح وجماعات من بلاد مختلفة صاعدة إلى أورشليم للفصح.
    ٣٠ «وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى ٱلطَّرِيقِ. فَلَمَّا سَمِعَا أَنَّ يَسُوعَ مُجْتَازٌ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: ٱرْحَمْنَا يَا سَيِّدُ يَا ٱبْنَ دَاوُدَ».
    متّى ٩: ٢٧
    وَإِذَا أَعْمَيَانِ اقتصر مرقس ولوقا على ذكر أعمى واحد. وإذا قارنا أقوال البشيرين الثلاثة تحققنا إن أقل من المسيح شفى على الأقل أعميين أحدهما ابن تيماوس، وهو أشهرهما لأمر نجهله. فاكتفى مرقس ولوقا بذكره دون رفيقه. وحدث مثل ذلك في أمر المجنونين في جدرة، إذ اكتفى مرقس ولوقا بذكر أحدهما وذكر متّى الاثنين (متّى ٩: ٢٨) وكذلك ذكر متّى الأتان والجحش واقتصر مرقس على ذكر الجحش (متّى ٢١: ٢ ومرقس ١١: ٢).
    فَلَمَّا سَمِعَا أنهما سمعا أولاً ضجيج الجماعات المارة ومخاطباتهم. فسألا عن سبب ذلك فأجابهما البعض أن يسوع مجتاز (لوقا ١٨: ٣٨) ولا ريب أن في ذلك الجواب شيئاً من الاحتقار ليسوع، لأنه اشتهر بأنه معلم وصانع معجزات.
    ٱرْحَمْنَا هذا دليل على شعورهما بشقائهما وعدم استحقاقهما ودليل على ثقتهما بقدرة المسيح على إعانتهما.
    يَا ٱبْنَ دَاوُد إن كان غيرهما لم يعتبره سوى يسوع الناصري، أي ابن بلدة حقيرة، فإنهما اعتبراه عظيماً. ولا شك أنه بلغهما ما صنعه من المعجزات، ويحتمل أنهما أُخبرا بحوادث معموديته في الأردن القريب من أريحا فآمنا بأنه المسيح، ولذلك ناداياه باللقب الذي يطلقه اليهود على المسيح المنتظر.
    نعم إن الأعميين لم يبصراه بعيون الجسد، لكنما رأيا فيه بعيون الإيمان ما لم يره أكثر أهل أريحا، وما لم يره رؤساء الكهنة وعلماء الشعب: إنه هو يسوع مسيح الله. فنداؤهما المسيح بذلك الاسم علامة إيمان عظيم، لأنهما لم يشاهدا شيئاً من آياته.
    ٣١ «فَٱنْتَهَرَهُمَا ٱلْجَمْعُ لِيَسْكُتَا، فَكَانَا يَصْرُخَانِ أَكْثَرَ قَائِلَيْنِ: ٱرْحَمْنَا يَا سَيِّدُ يَا ٱبْنَ دَاوُدَ».
    فَٱنْتَهَرَهُمَا ٱلْجَمْعُ لعل سبب ذلك أنهم ظنوا مناداة الأعميين المتسولين تزعج المسيح، وربما كان يخاطب الناس حينئذٍ فانتهروهما ليسمعوا خطابه.
    فَكَانَا يَصْرُخَانِ أَكْثَرَ لم يُسكتهما انتهار الجمع لشدة رغبتهما في استجابة طلبهما، وشعورهما بشدة مصابهما، وعظمة بركة الشفاء منه. فاستمرا يصرخان وزادا إلحاحاً وأثبتا إيمانهما بمقاومة كل الموانع. فعلى الخطاة الذين يأتون إلى المسيح بغية شفاء نفوسهم أن يتوقعوا الموانع وانتهار الغير إياهم، وأن لا يمنعهم ذلك عن إدراك خلاص المسيح، كما أنه لم يمنع الأعميين من نوال البصر. إنهما اغتنما الفرصة مخافة ألا تسنح لهما غيرها. ويحث الروح القدس الناس على اغتنام الفرصة للحصول على الخلاص بقوله: «هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ» (٢كورنثوس ٦: ٢).
    ٣٢ «فَوَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَاهُمَا وَقَالَ: مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ بِكُمَا؟».
    بلغ الصراخ لأجل الرحمة أذني المسيح حالاً وأوقفه عن المسير، مع أنه صراخ المتسولين على الطريق. ولا يزال اليوم يسمع صراخ طالب الرحمة، وهو بين جنود السماء كما سمعه وهو بين جموع الزوار في أريحا، سواء صعد ذلك الصراخ من كوخ أم من قصر.
    فَوَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَاهُمَا قال مرقس إن الذي ناداه بعض المشاهدين بأمر من المسيح (مرقس ١٠: ٤٩) فاكتفى متّى بإسناد الفعل إلى المسيح لأنه أمر بذلك فهو إسناد مجازي. وزاد مرقس على ما قاله متّى أن بارتيماوس (وهو أحد الاثنين) طرح رداءه رغبة في سرعة الوصول إلى المسيح.
    مَاذَا تُرِيدَانِ ذلك دليل على استعداده لإعانتهما كما دل على ذلك وقوفه ومناداته إياهما، وجعل ذلك وسيلة لإظهارهما ثقتهما بقدرته وإرادته أن يشفيهما.
    ٣٣ «قَالاَ لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَنْ تَنْفَتِحَ أَعْيُنُنَا!».
    كان طلبهما في أول الأمر عاماً، وأما الآن فمختص بنوال البصر.
    ٣٤ «فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا، فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ».
    وجه البشير الأفكار هنا إلى حنو المسيح أكثر مما وجهها لعظيم قوته، لأن كل غاية المسيح من أعماله هو إظهار فرط رأفته لا عظمة قوته. فإن الناس انتهروا الأعميين لصراخهما، وأما المسيح فتحنن عليهما وشفاهما.
    فَلِلْوَقْت أي انهما حصلا على البصر التام في الحال، لا تدريجياً كما حدث لعميان أبراهم المسيح (مرقس ٨: ٢٣ - ٢٥).
    فَتَبِعَاهُ أول ما حصلا على نعمة البصر استخدماها ليتبعا المسيح، دلالة على شكرهما له وإيمانهما به ومحبتهما له. ولعلهما تبعاه إلى أورشليم. ويجب أن كل من أبرأه المسيح من العمى الروحي يتبعه بالشكر والإيمان والمحبة.

  4. #4
    الأصحاح الحادي والعشرون

    اقتصر متّى على ذكر بعض الحوادث في أريحا، فلم يذكر زيارة المسيح بيت زكا، ولم يذكر مثل عشرة الأَمْناء. وضرب المسيح هذا المثل إما في المدينة وإما في الطريق وهو صاعد إلى أورشليم (لوقا ١٩: ١ - ٢٨).
    ١ «وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ ٱلزَّيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ».
    زكريا ١٤: ٤ ومرقس ١١: ١ الخ ولوقا ١٩: ٢٩
    وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ صعود المسيح إلى أورشليم الذي ذُكر في بداءة هذا الأصحاح حدث يوم الأحد العاشر من نيسان، وهو بدء الأسبوع الأخير من حياته على الأرض. والأرجح أنه ترك أريحا نهار الجمعة الثامن من نيسان، ووصل إلى بيت عنيا مساءً عند بدء السبت اليهودي كما يظهر من قول يوحنا «ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا» (يوحنا ١٢: ١).
    بَيْتِ فَاجِي معناه في اليوناني «بيت التين» وهي قرية صغيرة شرق أورشليم على السفح الشرقي من جبل الزيتون، قرب بيت عنيا وعلى الطريق بينها وبين أورشليم. وليس من اليسير تعيين موقعها تماماً اليوم. واستنتج أكثر المفسرين أنها كانت بين بيت عنيا وأورشليم، لأن متّى ذكر وصول المسيح إليها بعدما خرج قاصداً أورشليم. وظنها بعضهم شرق بيت عنيا بناءً على تقديم مرقس ولوقا إياها على بيت عنيا في ذهاب يسوع من أريحا إلى أورشليم. ففهموا من قول متّى أن بيت عنيا كانت متنحِّية عن الطريق السلطانية بين أريحا وأورشليم وبيت فاجي، وأن المسيح في قدومه من أريحا وصل أولاً إلى بيت فاجي، ثم مال عن الطريق إلى بيت عنيا، ثم عاد إليها في سفره إلى أورشليم يوم الأحد.
    جَبَلِ ٱلزَّيْتُون ويقع شرق أورشليم، ويفصل بينهما وادي قدرون (يوحنا ١٨: ١). ويرتفع ٢٥٥٦ قدماً فوق سطح البحر، ولا يزيد عن الهيكل سوى ٣٠٠ قدماً، لأن الهيكل كان على جبل المُريا (٢أخبار ٣: ١). وهو على بعد نحو ميل أو ثلث ساعة من المدينة. وحسبت تلك المسافة عند اليهود سفر سبت (أعمال ١: ١٢) وهو ألفا خطوة. ويقع على سفحه الغربي بستان جثسيماني (قارن لوقا ٢٢: ٣٩ مع مرقس ١٤: ٣٢) وعلى سفحه الشرقي بيت فاجي وبيت عنيا.
    ٢ «قَائِلاً لَهُمَا: اِذْهَبَا إِلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَاناً مَرْبُوطَةً وَجَحْشاً مَعَهَا، فَحُلاَّهُمَا وَأْتِيَانِي بِهِمَا».
    ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي أَمَامَكُمَا الأرجح أنها بيت فاجي التي لم يكونوا قد وصلوا إليها حينئذٍ وهي المذكورة في العدد الأول.
    أَتَاناً... وَجَحْشا اقتصر مرقس ولوقا على ذكر الجحش فقط. وزادا على قول متّى أنه لم يجلس على ذلك الجحش أحدٌ قبل المسيح. وندر ركوب الخيل في الأسفار العادية يومئذٍ في اليهودية لقلتها واستخدامها في الحرب خاصة. واعتاد ملوك بني إسرائيل وأشرافهم ركوب الحمير (قضاة ١٠: ٤، ١٢ و١صموئيل ٢٥: ٢٠) فركوب الحمار لا يدل على الفقر ودناءة المقام فقد ركبه الملوك وقت السلام.
    ٣ «وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئاً فَقُولاَ: ٱلرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا».
    وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ أي اعترضكما، ويظهر من ذلك أن أصحاب الأتان والجحش كانوا من معارف يسوع وعارفي معجزاته، لأنه اشتهر كثيراً بإقامة لعازر في بيت عنيا. فكان قول الرسولين إن الرب محتاج إليهما كافٍ لأن يقنع أصحابهما بتسليمهما إلى الرسولين. ولا يخلو ذلك من علم سابق ونبوة، لأن المسيح عرف الحوادث وأنبأ بها قبل أن تحدث.
    ٤، ٥ «٤ فَكَانَ هٰذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلنَّبِيِّ: ٥ قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعاً، رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ٱبْنِ أَتَانٍ».
    إشعياء ٦٢: ١١ وزكريا ٩: ٩ ويوحنا ١٢: ١٤، ١٥
    الحادث المذكور إتمام للنبوة، والمسيح قصد إتمامها بما فعله (انظر متّى ١: ٢٢) ونطق زكريا بهذه النبوة منذ ٥٥٠ (زكريا ٩: ٩) ونسبها اليهود في كل عصر إلى المسيح المنتظر، ومقدمتها على ما ذكرها متّى من نبوة إشعياء (إشعياء ٦٢: ١١). ولم يفهم التلاميذ يومئذٍ أن ركوب المسيح على جحشٍ كان إتماماً لنبوة زكريا (يوحنا ١٢: ١٦). أمر المسيح تلاميذه قبل هذا الوقت أن لا يُظهروا للناس أنه المسيح ملك اليهود، من أجل ذلك تجنب كل احتفال. ولكن حان الوقت لأن يرفع الحجاب عن دعواه وأن يدخل أورشليم باحتفال، ليُظهر للناس أنه المسيح ملك اليهود الروحي.
    لابْنَةِ صِهْيَوْن هذا اسم من أسماء أورشليم (إشعياء ١: ٨). لأن جبل صهيون هو أحد الجبال التي بُنيت عليها أورشليم وهو جنوب تلك الجبال وأعلاها.
    مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعا تنبأ النبي بأن المسيح يأتي ملكاً مُدعياً حق التسلط على هذا العالم، ولكنه لا يأتي بمركبات وخيل كمحارب من الملوك الأرضيين، بل يأتي بما يليق برئيس السلام. ولا يأتي بعظمة وافتخار بل بالوداعة. وسيرة المسيح كلها وفق هذه النبوة.
    أَتَانٍ وَجَحْشٍ ٱبْنِ أَتَان وفي الأصل «عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ» (زكريا ٩: ٩) فالعطف على ذلك هو للتفسير، فيكون المعنى كقول العامة «حمار ابن حمار» أو لعل متّى قصد الأتان وابنها، وأن التلميذين أتيا بهما وأعداهما للركوب. ولا دليل إلا على أنه ركب أحدهما.
    ٦ «فَذَهَبَ ٱلتِّلْمِيذَانِ وَفَعَلاَ كَمَا أَمَرَهُمَا يَسُوعُ».
    مرقس ١١: ٤
    ذكر مرقس ولوقا أن أصحاب الأتان والجحش اعترضوا الرسولين في أول الأمر، فأجاباهم بالجواب الذي أمرهم به المسيح.
    ٧ «وَأَتَيَا بِٱلأَتَانِ وَٱلْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا».
    ٢ملوك ٩: ١٣
    وَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا القصد بالثياب هنا الخارجية كالرداء والعباءة، ووضعاها احتراماً للراكب كما صنع أصحاب ياهو له (٢ملوك ٩: ١٣). ووضعا الثياب على الدابتين لعدم معرفتهما أيهما يختار أن يركبه.
    جَلَسَ عَلَيْهِمَا أي على أحدهما وهو الجحش كما ذكر مرقس ولوقا. وقال «عليهما» بحذف المضاف الذي هو أحد، لمناسبة تكرارهما بضمير الاثنين.
    ٨ «وَٱلْجَمْعُ ٱلأَكْثَرُ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي ٱلطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَاناً مِنَ ٱلشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي ٱلطَّرِيقِ».
    لاويين ٢٣: ٤٠ ويوحنا ١٢: ١٣
    ٱلْجَمْعُ ٱلأَكْثَرُ بعض هذا الجمع أتى مع يسوع من أريحا، والبعض رافقه من بيت عنيا، والبعض أتوا من أورشليم ليستقبلوه، وسار بعضهم أمامه وبعضهم وراءه، وكان بينهم بعض الفريسيين الذين لم يفرحوا مع الجمع (لوقا ١٩: ٣٩).
    فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ... وأَغْصَان مِنَ ٱلشَّجَرِ احتراماً له كما اعتادوا أن يصنعوا للعائدين من الحرب منتصرين، وللملك الراجع إلى بلاده بعد غيبته عنها. وزاد يوحنا على ذلك أن الذين استقبلوه من أورشليم أتوا بسعف النخل (يوحنا ١٢: ١٢، ١٣) وفرشوه في الطريق إظهاراً لزيادة فرحهم بالانتصار والسلام (رؤيا ٧: ٩).
    ٩ «َٱلْجُمُوعُ ٱلَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَٱلَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ: أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ ٱلآتِي بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي ٱلأَعَالِي!».
    مزمور ١١٨: ٢٥، ٢٦ ومتّى ٢٣: ٢٩
    أُوصَنَّا كلمة سريانية مركبة معنى أولها (أُوْصَ) خلص، ومعنى آخرها (نا) أرجو، وهي منقولة من مزمور ١١٨: ٢٥. وكان استعمالها أصلاً للدعاء، ثم اصطلح الشعب على استعمالها في هتاف السرور. وأكثر ما كانوا يستعملونها لذلك في عيد المظال وهم يرنمون مزمور ١١٨ كله.
    لابْنِ دَاوُدَ هذا إقرار الجمع بأن يسوع هو المسيح ملك اليهود. وقبل المسيح هذا الاحترام بالمعنى الذي قصدوه.
    مُبَارَكٌ ٱلآتِي وهذا منقول من مزمور ١١٨: ٢٦ ويراد به التمجيد والترحيب. وقصد الجمع بذلك إكرام المسيح وحده لا الزوار الآتين معه إلى العيد، فهو وحده المخلص الذي أتى ليخلص شعبه من خطاياهم.
    بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ أي المتسربل بسلطان الرب، والذي وكل الرب إليه إعلان مشيئته.
    أُوصَنَّا فِي ٱلأَعَالِي إن كان قصدهم بذلك التمجيد، فيكون المعنى: ليتمجد المسيح تمجيداً يبلغ السماء ارتفاعاً! وإن كان قصدهم الدعاء، فيكون المعنى: خلِّص من علو السماء. ولا بد من أن هتافات الجمع كانت متنوعة، فذكر متّى بعضها ومرقس ولوقا غيره. فسأل الفريسيون من ذلك الجمع يسوع أن ينتهر الصارخين فأبى (لوقا ١٩: ٣٩). ولما رأى المدينة افتكر في الدينونة الآتية عليها وبكى، ولم يلتفت إلى ما كان له من الاحتفال والتمجيد أسفاً على المصائب المقبلة على تلك المدينة (لوقا ١٩: ٤١).
    ١٠ «وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ٱرْتَجَّتِ ٱلْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: مَنْ هٰذَا؟».
    ٱرْتَجَّتِ ارتجت عند دخوله إليها كما اضطربت عند ميلاده (متّى ٢: ٣) وذلك شأن كل حادث عظيم لانتشار خبره سريعاً بها. ولا عجب من أن ترتج من اجتماع تلك الجماعات الكثيرة وهتافهم واحتفالهم بالمسيح.
    مَنْ هٰذَا؟ هذا سؤال من رأوا تلك الجماعات وسمعوا هتافها من بعيد، ولم يروا من تحتفل به. أو سؤال من نظروه ولم يعرفوا من هو لأنهم غرباء، فإن المدينة كانت حينئذ غاصة بالغرباء بمناسبة عيد الفصح. وسؤالهم هو تعجب واستفهام، ومعناه: أي الناس هذا حتى يرحب به كل هذا الجمع العظيم ويناديه بابن داود ويمجده معتقداً أنه المسيح؟ وهذا كان تأثير الحادثة في العامة، وأما تأثيرها في الفريسيين فذكره لوقا ويوحنا (لوقا ١٩: ٣٩، ٤٠ ويوحنا ١٢: ١٩).
    ١١ «فَقَالَتِ ٱلْجُمُوعُ: هٰذَا يَسُوعُ ٱلنَّبِيُّ ٱلَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ ٱلْجَلِيلِ».
    هذا جواب الجموع للسائلين. وليس فيه من الاحترام ما يوازي الاحترام الذي في هتاف أصدقاء المسيح، لكن فيه تصريحاً باسمه الشائع بين الناس، وهو أسهل على إدراك الغرباء فكأنهم قالوا «نبي الناصرة المشهور».
    ١٢ «وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ ٱللّٰهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي ٱلْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ ٱلصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ ٱلْحَمَامِ».
    تثنية ١٤: ٢٤، ٢٥، ٢٦ ومرقس ١١: ١١، ١٥ ولوقا ١٩: ٤٥ الخ ويوحنا ٢: ١٣ الخ
    لم يهتم متّى بأن يذكر حوادث كل يوم من الأسبوع الأخير على ترتيب وقوعها، ولكن مرقس اهتم كثيراً بذلك. ففي بشارته أن المسيح في أول يوم من دخوله أورشليم «دخل الهيكل ونظر حوله إلى كل شيء» و «إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا» (مرقس ١١: ١١).
    دَخَلَ يَسُوعُ هذا من حوادث يوم الاثنين. وأتى من بيت عنيا إلى أورشليم صباحاً، وفي أثناء مسيره حدث بعض ما كان من أمر التينة (مرقس ١١: ١٢ - ١٤).
    إِلَى هَيْكَلِ ٱللّٰه بُني الهيكل على جبل المُريا، ووسعوا قمة الجبل بأن أقاموا جدراناً عالية في سفحه في وادي يهوشافاط، وملأوا الفراغ بين القمة والجدران بالتراب والحجارة. وبنى سليمان الهيكل الأول سنة ١٠٠٥ قبل الميلاد، واستغرق بناؤه سبع سنين، ثم هدمه نبوخذ نصر سنة ٥٨٤ قبل الميلاد (٢أخبار ٣٦: ٦، ٧). وبنى زربابل الهيكل الثاني مكان الأول بعد سبعين سنة من هدمه. فكان دون الهيكل الأول في الزينة والبهاء، ولم يكن فيه تابوت العهد إذ فُقد هذا في السبي، ولم تظهر فيه سحابة المجد. ومع ذلك فإنه فاق الأول مجداً لدخول المسيح إليه (حج ٢: ٣، ٩). ودنس ملوك الأمم الذين استولوا على أورشليم هذا الهيكل مراراً، وخربوا جانباً منه. وأخذ هيرودس الكبير يرممه ويصلحه ليستميل إليه قلوب اليهود. وبدأ ذلك من سنة ١٨ من حكمه وذلك عام ٢٠ ق م. واشتغل بترميمه نحو عشرة آلاف من مهرة البنائين، وظل خلفاء هيرودس يصلحونه ويبدلون ويغيرون حتى صح قول اليهود للمسيح أنه «بُني في ٤٦ سنة». واتخذوا الحجارة من الرخام الأبيض، وكان منظره من أبهج مناظر أبنية الأرض لتغشيته بكثير من صفائح الفضة والذهب، علاوة على حسن تلك الحجارة. وكانت فسحة الهيكل مربعة عرض كل من جدرانها أربع مئة ذراع.
    وكان في ذلك الهيكل أربع دور:
    الأولى: دار الأمم، وفي الجانب الشرقي منها باب الهيكل الجميل (أعمال ٣: ٢، ١٠) ويحيط بها أروقة، وعلى جوانبها غرف لسكن اللاويين. وفي أحد تلك الجوانب مجمع أو مدرسة لعلماء اليهود. وفي تلك المدرسة جلس يسوع وهو ابن ١٢ سنة وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم (لوقا ٢: ٤٦). وفي تلك الأروقة خاطب الشعب، وفيها اجتمع التلاميذ كل يوم بعد صعوده (أعمال ٢: ٤٦). واشتهر أحد هذه الأروقة أكثر من غيرها بنسبته إلى سليمان (أعمال ٣: ١١) وكان علو هذا الرواق ٧٠٠ قدم. فجرب الشيطان المسيح بأن يطرح نفسه من سطحه إلى أسفل. وكان في تلك الدار موائد للصيارفة وباعة الحمام وأمثالهم. وسُميت دار الأمم لأنه لم يكن لغير اليهود أن يجاوزوها إلى الداخل. ولم يكن في هيكل سليمان دار للأمم، فلم يكن فيه سوى دار للكهنة والدار العظيمة (٢أخبار ٤: ٩).
    الثانية: دار النساء، ونُسبت إليهنَّ لا لأنها مختصة بهن، بل لأنه لم يجز لهن أن يتعدَّينها إلى داخل، فكن يأتين إليها ليقدمن القرابين. وهي أعلى من الدار الأولى، فكانوا يصعدون إليها بتسع درجات. وفصلوا بين الدارين بجدار من حجر علوه ذراع، وأقاموا قرب الدرجات أعمدةً من رخام كتبوا عليها باليونانية واللاتينية إنذارات للأمم، خلاصتها أن من جاوزها منهم إلى الداخل يُقتل (أفسس ٢: ١٣، ١٤). واتُّهم بولس أنه أدخل يونانيين إلى الهيكل ودنس ذلك الموضع المقدس (أعمال ٢١: ٢٨). وكان اليهود يمارسون العبادة العادية في تلك الدار (لوقا ١٨: ١٠ - ١٤) و(أعمال ٢١: ٢٦ - ٣٠) وكان في جوانبها ثلاثة عشر صندوقاً يضع العابدون فيها عطاياهم (مرقس ١٢: ٤١).
    الثالثة: دار إسرائيل، أي دار ذكور العبرانيين، وكانت الدار العظيمة في هيكل سليمان تشتمل على هذه الأقسام الثلاثة (٢أخبار ٤: ٩) وهي أعلى من دار النساء، وكانوا يصعدون إليها من تلك بخمس عشرة درجة، وفصلوا بينهما بجدار ارتفاعه ذراع فيه ثلاثة أبواب.
    الرابعة: دار الكهنة، شرق دار إسرائيل وفيها مذبح المحرقة والمرحضة. وغرب هذه الدار كان الهيكل الحقيقي وهو أعلى منها، وكانوا يصعدون إليه باثنتي عشرة درجة. وكان أمامه رواق يتجه إلى الشرق علوه ١٩٠ قدماً، وفي مدخله عمودان: اسم أحدهما ياكين، والثاني بوعز. وقُسم إلى قسمين: الأول القدس، وطوله ٦٠ قدماً وعرضه ٣٠ قدماً، وفيه المنارة الذهبية ومائدة خبز الوجوه ومذبح البخور. والثاني قدس الأقداس، وهو مربع طول كل جانب منه ٣٠ قدماً. وكان حجاب نفيس يفصل بينه وبين القدس (متّى ٢٧: ٥١).
    وقد هُدم هذا الهيكل في حصار تيطس لأورشليم بعد الميلاد بسبعين سنة كما تنبأ المسيح (متّى ٢٤: ٢) واجتهد الإمبراطور يوليان أن يبنيه سنة ٣٦٣م، ولم ينجح.
    وَأَخْرَجَ كان الذين أخرجهم في دار الأمم. وهذه هي المرة الثانية التي يفعل فيها الأمر نفسه (يوحنا ٢: ١٤، ١٥). وكانوا يتاجرون هناك في حيوانات الذبيحة وكل ما يحتاج إليه العابد للتقدمات من ملح وبخور وزيت وخمر وأمثال ذلك، تسهيلاً لمطالب العبادة. ويحتمل أنهم كانوا يبيعون ما ليس ضرورياً للقرابين، والأرجح أنه كان لرؤساء الكهنة نصيب كبير من ربح تلك التجارة.
    مَوَائِدَ أوجبوا أن تكون النقود التي تُدفع في خدمة الهيكل يهودية (خروج ٣٠: ١٣). وكان زوار الهيكل يأتون من ممالك مختلفة بعملات البلاد التي يقيمون فيها، فاحتاجوا إلى الصيارفة ليبدلوها لهم بنقود يهودية. ولا ريب أن في ذلك ربحاً لرؤساء الكهنة يحصلون عليه من الصيارفة. فلما قلَبَ يسوع موائدهم اضطروا أن ينقلوها إلى أماكن أخرى خارج الهيكل.
    بَاعَةِ ٱلْحَمَامِ كان الفقراء الذين لا يستطيعون أن يشتروا الغنم والبقر يشترون الحمام للذبيحة (لاويين ٥: ٧ و١٢: ٦ - ٨ و١٤: ٢٢). والظاهر أن المسيح لم يلقَ مقاومةً من أحد على ما فعله من طرد الباعة والصيارفة. ولعل ما فعله لا تستطيعه فرقة من الجنود. والذي حمل المسيح على ذلك العمل كان (١) شدة غيرته لله ولبيته. (٢) أنه أراد أن يعلن للشعب أنه هو المسيح، مصلح ما فسد في الدين إتماماً لنبوة ملاخي (مل ٣: ١، ٢). (٣) رمز إلى ما سيفعله في مجيئه الثاني وإلى فعله الروحي في تنقيته كنيسته وقلب كل مؤمن به، لأن كلاً منهما هيكله. ونذكر ثلاثة أسباب لعدم مقاومتهم إياه: (١) هيئته الخارقة الطبيعة، فإنها أوقعت الرعب في قلوبهم فلم يستطيعوا أن يقاوموه. (٢) مرافقته الجموع الكثيرة له والذين كانوا مستعدين أن يساعدوه على كل شيء. (٣) تبكيت ضمائرهم لهم على أنهم مذنبون بتجارتهم. والشاهد على ذلك أن يسوع أصاب بطردهم.
    ١٣ «وَقَالَ لَـهُمْ: مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ ٱلصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ».
    إشعياء ٥٦: ٧ وإرميا ٧: ١١ ومرقس ١١: ١٧
    هذه النبوة من أقوال إشعياء (إشعياء ٥٦: ٧).
    بَيْتِي دعا اللهُ الهيكلَ بيته لأنه بُني لعبادته، وتخصص له، وأُجريت فيه مراسيم الدين والعبادة.
    بَيْتَ ٱلصَّلاَةِ أُضيف البيت إلى الصلاة دون غيرها من مراسيم الدين لأنها الجزء الأعظم من مراسيم العبادة، ولأن الناس اعتادوا أن يعبِّروا بها عن كل ما بقي من تلك الأمور كالتسبيح وتقديم الذبائح والقرابين وقراءة كلمة الله وشرحها وتفسيرها.
    مَغَارَةَ لُصُوصٍ وبخ الله اليهود في زمان إرميا النبي على تدنيسهم بيته بالعبادة الوثنية بهذه العبارة عينها (إرميا ٧: ١١). وكان صراخ الباعة والمشترين وأصوات البهائم ورعاتها في الهيكل تليق بمغارة لصوص يقتسمون فيها المسروقات بالخصام لا ببيت أبيه المقدس. فكأنه قال لهم: دنستم بيتي بتجارتكم حتى صار مثل مغارة اللصوص المتدنسة بفظائعهم.
    وجعلوا الهيكل مغارة لصوص لأنهم سلبوا الله حقه إذ اتخذوا المعبد الإلهي سوقاً للكسب المادي. وسلبوا قاصدي العبادة الروحيين الفرصة التي اغتنموها ليرفعوا قلوبهم إلى الله بالصلاة في مقدسه المعين لها. وسلبوا الغرباء أموالهم بأن خدعوهم وغشوهم ببيع مواد التقدمة وصرف النقود.
    والمرجح أن المسيح بقي كل هذا النهار (وهو نهار الاثنين) في الهيكل يمنع الناس من تدنيسه حتى قيل «إنه لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ» (مرقس ١١: ١٦) وشغل المسيح الوقت بتعليم الناس، وصنع المعجزات. وكان رؤساء الكهنة وحراس الهيكل في كل تلك المدة ينظرون إليه بالغيظ، ويتآمرون على قتله لأنهم عجزوا عن إيقاع الأذى به وقتها (يوحنا ١٢: ١٩ ومرقس ١١: ١٨).
    ١٤ «وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ عُمْيٌ وَعُرْجٌ فِي ٱلْهَيْكَلِ فَشَفَاهُمْ».
    إشعياء ٣٥: ٥، ٦
    عُمْيٌ وَعُرْجٌ كان هؤلاء مجتمعين على جوانب الطرق إلى الهيكل ومداخله، ليطلبوا صدقة من العابدين الداخلين إليه، فتركوا طلب الصدقات ودخلوا دار الهيكل فشفاهم يسوع. ودنس الكهنة بيت الصلاة بأن جعلوه سوق تجارة، أما يسوع فقدسه بأن جعله بيت رحمة. وأظهر بطرده الباعة غيرته لقداسة بيت الله، وأظهر بمعجزاته قوته ورحمته وجوده. فكان صنعه تلك المعجزات جواباً لسؤال الذين سألوا في اليوم السابق «من هذا» (انظر ع ١٠). وصنع المسيح معجزات في أورشليم قبل ذلك ولكن لم يصنعها في الهيكل.
    ١٥ «فَلَمَّا رَأَى رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةُ ٱلْعَجَائِبَ ٱلَّتِي صَنَعَ، وَٱلأَوْلاَدَ يَصْرُخُونَ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَيَقُولُونَ: أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ»؟».
    اغتاظ رؤساء الكهنة من تأثير أعمال المسيح وتعاليمه في نفوس الشعب، وخافوا من خسارة سلطتهم عليهم، ورأوا في نجاحه موانع من تنفيذ قصدهم قتله (يوحنا ١١: ٥٣، ٥٧) وفهموا جيداً أن قصد يسوع من أعماله هو إثبات كونه المسيح، مُصلح الدين اليهودي الذي أنبأ به إشعياء وملاخي (إشعياء ٤: ٤ ومل ٣: ٣ و٤: ١).
    ٱلْعَجَائِبَ في معجزات شفاء المرضى، وطرد الباعة من الهيكل. فتلك زادتهم كراهيةً له بدل أن تقنعهم بصحة دعواه.
    ٱلأَوْلاَدَ يَصْرُخُونَ فِي ٱلْهَيْكَلِ أخذ الأولاد يكررون ما هتفت به الجموع عند دخول المسيح أورشليم والهيكل. ودلَّ هذا على احترام الشعب له. ويحتمل أن الأولاد رأوا آيات المسيح وسبحوه لأجلها.
    ١٦ «وَقَالُوا لَهُ: أَتَسْمَعُ مَا يَقُولُ هٰؤُلاَءِ؟ فَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: نَعَمْ! أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ: مِنْ أَفْوَاهِ ٱلأَطْفَالِ وَٱلرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحاً؟».
    مزمور ٨: ٢
    أَتَسْمَعُ أشاروا بذلك إلى أنه لا يليق أن تسمع أصوات الأولاد في الهيكل، وأنه لا خدمة لهم في العبادة لصغرهم. وقصدوا بذلك توبيخ المسيح على أنه سمح بتقديمهم التسبيح له في ذلك المكان. وقولهم «هؤلاء» يعني قصدهم أنه لا يدعوه «ابن داود» إلا الأولاد الصغار.
    أَمَا قَرَأْتُمْ في هذا السؤال شيءٌ من التوبيخ لرؤساء الكهنة والتعريض بغفلتهم عن كتاب الله، لأنهم لو عرفوا كلام الله حق المعرفة ما عثروا في تسبيح الأولاد في الهيكل إكراماً له. والكلام الذي اقتبسه هنا هو في مزمور ١٨: ٢ من الترجمة السبعينية، ومعناه أن الله يفرح بتسبيح الأولاد له إن كان نتيجة تأملهم في خليقته أو في إرساله المسيح فادياً ومخلصاً. فبيَّن بهذا حُسن تقديم ذلك التسبيح ولياقته في هيكله، وقال إن التسبيح له هو تسبيح لله. ولنا من ذلك أن الله يفرح الآن بصلاة الأولاد وتسبيحهم في البيوت وفي مدارس الأحد وفي الكنائس.
    ١٧ «ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَخَرَجَ خَارِجَ ٱلْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا وَبَاتَ هُنَاكَ».
    مرقس ١١: ١١ ويوحنا ١١: ١٨
    تَرَكَهُمْ أي رؤساء الكهنة.
    إِلَى بَيْتِ عَنْيَا وبات هناك إما في بيت لعازر (يوحنا ١١: ١) أو في بيت سمعان الأبرص (مرقس ١٤: ٣). وكانت تلك القرية على سفح جبل الزيتون الشرقي، واشتهرت بأنها وطن لعازر وأختيه مريم ومرثا. وهي تبعد مسيرة نحو ثلاثة أرباع الساعة من أورشليم (يوحنا ١١: ١٨).
    ١٨ «وَفِي ٱلصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعاً إِلَى ٱلْمَدِينَةِ جَاعَ».
    مرقس ١١: ١٢ الخ
    كثيراً ما ذكر متّى الحوادث بدون التفات إلى ترتيب وقوعها. وأما مرقس فرتب الحوادث حسب أزمنتها وذكرها تفصيلاً. فنتعلم من بشارة مرقس ما لا نتعلمه من بشارة متّى، وهو أن المسيح لعن التينة في صباح يوم الاثنين عند ذهابه إلى المدينة لكي يطهر الهيكل، وأن التلاميذ شاهدوا أنها يبست في صباح الغد أي يوم الثلاثاء. ومتّى ذكر لعنة التينة ويبسها معاً بغضّ النظر عن أن بينهما يوماً، فذكرها بين حوادث يوم الثلاثاء أي بعد تطهيره الهيكل بيوم.
    فِي ٱلصُّبْحِ أي صباح الاثنين على ما قال مرقس ١١: ١٢، ١٥.
    جَاع أظهر يسوع ناسوته بجوعه، وأظهر لاهوته بتيبيس الشجرة بكلامه. أظهر شدة غيرته في التعليم في الهيكل بأن ذهب إليه من بيت عنيا قبل أن يتناول طعاماً.
    ١٩ «فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى ٱلطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئاً إِلاَّ وَرَقاً فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا: لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى ٱلأَبَدِ. فَيَبِسَتِ ٱلتِّينَةُ فِي ٱلْحَال».
    عَلَى ٱلطَّرِيقِ كانت تلك الشجرة مباحة لأبناء السبيل.
    جَاءَ إِلَيْهَا لا يلزم الفهم من ذلك أن المسيح لم يعرف أنها غير مثمرة، فقصد أن يعلم التلاميذ مثالاً أخلاقياً بواسطة تلك الشجرة، ففعل كما يفعل غيره من الناس في مثل تلك الأحوال، فوجدها كثيرة الأوراق، فاتخذ ذلك دليلاً على أن عليها شيئاً من باكورة التين. لأنه من المعلوم أن التين في فلسطين يثمر مع الأوراق، ويُنضج أحياناً بعض الثمر قبل غيره بأيام ليست قليلة.
    وجاء في مرقس أنه لم يكن وقت التين أي وقت نضجه العام. وقال ذلك بياناً لقوله إن المسيح «جاء لعله يجد فيها شيئاً» أي بعضاً من باكورة التين. وإذ لم يكن وقت التين كان يقتضي أن لا يكون زمان الورق، فوجود الورق قبل حينه في تلك التينة يعني أنها مثمرة قبل الأوان.
    وَرَقاً فَقَطْ أي لم يجد شيئاً من الثمر الفج، ولا من الثمر الناضج، ولا إشارة على أنها ستثمر.
    وتلك الشجرة الكثيرة الورق الخالية من الثمر المبكر والمتأخر رمزٌ: (١) إلى المنافق لأنه يدَّعي زيادة التقوى ولا يعمل شيئاً من أعمالها لمجد الله ولخير الناس. (٢) إلى الأمة اليهودية التي ادَّعت أنها الأمة المنفردة بالقداسة على الأرض، لأن لها الشريعة والهيكل والشعائر الدينية من الصوم والأعياد والذبائح الصباحية والمسائية، ومع ذلك فهي خلت من الإيمان والمحبة والقداسة والتواضع والاستعداد لقبول المسيح وطاعة أوامره. فافتخرت بكونها شعب الله الخاص ورفضت ابنه الذي أرسله. (٣) إلى كل إنسان أو كنيسة أو أمة تدَّعي القداسة ولم تأت بأثمار تليق بالتوبة والإيمان (انظر أيضاً مثل شجرة التين في لوقا ١٣: ٦ - ٩).
    لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ خاطب الشجرة كأنها تدرك وكأنها أذنبت. وقصد بذلك إفادة البشر. فلا نظن أن المسيح فعل هذا غضباً، بل هو قصد أن يعلّم البشر بمثال منظور كما علمهم كثيراً قبل ذلك بأمثلة مسموعة. ولا فرق بين الرؤيا وهذا المثال، إلا في أن الرؤيا تكون أثناء النوم، وهذا كان في اليقظة. والمسيح لعن الشجرة لا لأنها بلا ثمر، بل لأنها لكثرة أوراقها كأنها ادَّعت الإثمار كذباً. وكان دعاء المسيح على تلك الشجرة نبوَّة بمستقبل الأمة اليهودية، فشتاتها في كل البلاد (مثل أغصان من تلك التينة) هو إنذار للناس في كل عصر بوقوع دينونة الله عليهم إن لم يأتوا بثمار القداسة، لأنهم كأغصان الكرم التي ينزعها الكرام ويحرقها (يوحنا ١٥: ٢، ٦) ومثل «أَشْجَارٌ خَرِيفِيَّةٌ بِلاَ ثَمَرٍ مَيِّتَةٌ مُضَاعَفًا، مُقْتَلَعَةٌ» (يهوذا ١٢). وهو إنذار لكل الكنائس غير المثمرة ككنيسة أفسس (رؤيا ٢: ٥).
    فَيَبِسَتِ فِي ٱلْحَال نفهم من ذلك أن التينة أخذت تيبس من تلك الساعة. ويُحتمل أن التلاميذ شاهدوا حينئذ الأوراق تذبل. على أن التلاميذ لما رجعوا مساءً إلى بيت عنيا لم يلاحظوا ما أصابها من التغيير، ولكنهم رأوا ذلك في الغد (أي يوم الثلاثاء) وهم راجعون إلى أورشليم (مرقس ١١: ٢٠). فسرعة يبس الشجرة إشارة إلى خراب أورشليم وعقاب الأمة اليهودية.
    ويتضح لنا من هذا ثلاثة أمور: (١) معجزة إظهار قوة المسيح وهو تيبيس الشجرة بكلمة. (٢) مثل لبيان عقاب المنافقين. (٣) النبوة بخراب أورشليم.
    صنع المسيح آيات كثيرة أظهر بها الرحمة. وهذه هي الآية الوحيدة التي أظهر بها العقاب فعلّم بها أنه يُجري العدل والقضاء كما يمنح الرحمة. وقد علّم مثال الدينونة بألطف الطرق، بأن ضرب تلك الشجرة، وهي جسم بلا شعور، ومبذولة لكل عابر سبيل فلم يتلف مالاً خاصاً. وتلك الشجرة عقيمة لا نفع منها للعامة فلم يتلف مالاً عاماً.
    ٢٠ «فَلَمَّا رَأَى ٱلتَّلاَمِيذُ ذٰلِكَ تَعَجَّبُوا قَائِلِينَ: كَيْفَ يَبِسَتِ ٱلتِّينَةُ فِي ٱلْحَالِ!».
    مرقس ١١: ٢٠
    لَمَّا رَأَى ٱلتَّلاَمِيذُ كان ذلك في يوم الثلاثاء. وما سبق في ع ١٨، ١٩ كان في يوم الاثنين، فجمع متّى حوادث اليومين وقصها جملة.
    تَعَجَّبُوا من سرعة تأثير فعل المسيح في التينة. كانت خضراء فأصبحت يابسة كأنها ماتت منذ سنين، وذلك بكلمة فقط. والذي نطق بكلمات التعجب هو بطرس، فكان نائباً عن سائر الرسل كعادته (مرقس ١١: ٢١).
    ٢١ «فَأَجَابَ يَسُوعُ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلاَ تَشُكُّونَ، فَلاَ تَفْعَلُونَ أَمْرَ ٱلتِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضاً لِهٰذَا ٱلْجَبَلِ: ٱنْتَقِلْ وَٱنْطَرِحْ فِي ٱلْبَحْرِ فَيَكُون»
    متّى ١٧: ٢٠ ولوقا ١٧: ٦ و١كورنثوس ١٣: ٢ ويعقوب ١: ٦
    لم يذكر المسيح شيئاً مما قصد بلعنه الشجرة، وترك ذلك لتأمل التلاميذ. وبيَّن لهم قوة الإيمان بتأثير كلامه في التينة. والإيمان المقصود هنا هو الإيمان الضروري لعمل المعجزات. وقد شاهد التلاميذ قوة المسيح بتلك المعجزة، فأكد لهم أنهم يستطيعون أعظم منها إن آمنوا به وقرنوا إيمانهم بالصلاة.
    لِهٰذَا ٱلْجَبَلِ: ٱنْتَقِل الخ هذا الكلام جارٍ مجرى المثل، يراد به المستحيل على القوة البشرية، وذلك مثل ما جاء في قول بولس للكورنثيين (١كورنثوس ١٣: ٢) راجع شرح متّى ١٧: ٢٠. وأراد بالجبل هنا جبل الزيتون وبالجبل في ص ١٧ جبل الشيخ. إن نقل الجبال سهل على الله كإبراء المريض، ومع ذلك لم ينقل جبلاً لأنه ليس من مواضيع صلاة الإيمان. على أن إزالة الأمة اليهودية، والمملكة الرومانية وديانتها الوثنية من أمام الإنجيل، أعظم برهان على قوة الله ونعمته. إنها أعظم من نقل جبل حرمون وجبل الزيتون معاً وطرحهما في البحر. وهذا تم فعلاً. وأكد المسيح أنهم يتغلبون على كل الموانع في سبيل تأسيس الكنيسة.
    ومعلوم أن قوة الله غير محدودة، وأن الرسل يستطيعون أن ينالوا على قدر إيمانهم. فإذا كان لهم إيمان لا يعجزون عن صنع شيء من العجائب مهما كان عظيماً، إن كان ضرورياً لنجاح الإنجيل.
    ٢٢ «وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي ٱلصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ».
    متّى ٧: ٧ ومرقس ١١: ٢٤ ولوقا ١١: ٩ ويعقوب ٥: ١٦ و١يوحنا ٣: ٢٢ و٥: ١٤
    علم المسيح تلاميذه في هذا العدد ما يمكنهم أن يحصلوا به على مساعدة تلك القوة غير المتناهية، وهو الصلاة والإيمان معاً لا أحدهما دون الآخر. ولم يقصد المسيح بهذا القول غير تلاميذه الاثني عشر، ولم يعدهم إلا في نشرهم إنجيله ومقاومة أعدائه. فمن الضروري أن ذلك الوعد مقيد بشرط أنهم لا يطلبون إلى الله شيئاً لا يليق أن يمنحهم إياه.
    كُلُّ مَا أي كل ما هو ضروري لإجراء أعمالهم الرسولية وموافق لإرادة الله.
    ٢٣ «وَلَمَّا جَاءَ إِلَى ٱلْهَيْكَلِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ ٱلشَّعْبِ وَهُوَ يُعَلِّمُ، قَائِلِينَ: بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هٰذَا، وَمَنْ أَعْطَاكَ هٰذَا ٱلسُّلْطَانَ؟».
    مرقس ١١: ٢٧ ولوقا ٢٠: ١ وخروج ٢: ١٤ وأعمال ٤: ٧ و٧: ٢٧
    أتى يسوع في ذلك اليوم (يوم الثلاثاء) إلى الهيكل وبدأ يعلم الشعب كما فعل في يوم الاثنين. وكان مكان تعليمه موافقاً لاجتماع الشعب، وذلك إما دار الأمم أو دار إسرائيل الداخلية. وكان ذلك اليوم آخر يوم من أيام تعليمه العلني على الأرض، وهو من أهم أيام حياته.
    رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ ٱلشَّعْبِ اجتمعوا سابقاً وتآمروا في اتخاذ أحسن الوسائل ليصطادوه أو يجدوا علة يشتكون بها عليه إلى المجلس اليهودي الكبير، أو إلى الوالي الروماني (لوقا ١٩: ٤٧، ٤٨). ويظهر من النتيجة أنهم اتفقوا في تلك المؤامرة على أن يرسلوا إليه أناساً من فرق اليهود المختلفة، يسألونه أسئلة مخادعة ليوقعوه بها. وكان أول تلك المسائل قولهم:
    بِأَيِّ سُلْطَان سأله رؤساء اليهود الدينيين وحراس الهيكل هذا السؤال، وكان لهم حق شرعي في مراقبة الأعمال التي تجري في الهيكل. فأتى يسوع المدينة راكباً باحتفال الجموع الهاتفين بقولهم «أُوصنا» ودخل الهيكل وادَّعى أن له حقاً أن ينظم ويصلح الأمور فيه، مع أنه لم يكن من الكهنة الذين هم بنو لاوي، وليس له سلطان على ذلك من الحبر الأعظم ولا من الوالي الروماني.
    تَفْعَلُ هٰذَا أي طرد من يبيع ويشتري في الهيكل، ومنع كل من يمر بمتاع وتعليمه فيه. فأقام لهم برهاناً كافياً على أنه نبي مرسل من الله بالمعجزات التي صنعها أمام عيونهم. فأظهروا أنهم لم يقتنعوا بذلك البرهان، وطالبوا بغيره. ولم يفعلوا ذلك بإخلاص بل بمكر ليجدوا عليه ما يمكنهم من الشكوى عليه بأنه يجدف. فحاولوا أن يحصلوا على الجواب الذي حصل عليه قيافا بعد ذلك بسؤال صريح، وهو قوله إنه ابن الله (متّى ٢٦: ٦٣، ٦٤).
    ٢٤ - ٢٦ «٢٤ فَأَجَابَ يَسُوعُ: وَأَنَا أَيْضاً أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قُلْتُمْ لِي عَنْهَا أَقُولُ لَكُمْ أَنَا أَيْضاً بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هٰذَا: ٢٥ مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا، مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَمْ مِنَ ٱلنَّاسِ؟ فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: إِنْ قُلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ، يَقُولُ لَنَا: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ ٢٦ وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ ٱلنَّاسِ، نَخَافُ مِنَ ٱلشَّعْبِ، لأَنَّ يُوحَنَّا عِنْدَ ٱلْجَمِيعِ مِثْلُ نَبِيّ».
    متّى ١٤: ٥ ومرقس ٦: ٢٠ ولوقا ٢٠: ٦
    أجابهم يسوع بحكمة فلم يمنحهم فرصة للشكوى. ولم يرد بسؤاله أن يتخلص من الإجابة، إنما سألهم لأن جواب سؤالهم ضمن جواب سؤاله.
    مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا القصد بمعمودية يوحنا كل خدمته، أي تعليمه الذي كانت المعمودية إشارة إليه وختماً له.
    مِنَ ٱلسَّمَاءِ أي من الله. فإن أجابوا بالحق أن معمودية يوحنا من السماء، أي أنه نبي، ففي ذلك جواب لسؤالهم، لأن يوحنا شهد أن ليسوع سلطان المسيح التام (يوحنا ١: ٢٧، ٢٩، ٣٤ و٣: ١٣).
    فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ الأرجح أنهم فكروا في ما بينهم. ولم يكن تفكيرهم ليجاوبوه بما اعتقدوه حقاً، بل ليجهزوا جواباً وفق أهوائهم. فرأوا أنهم إن قالوا إن يوحنا نبي يدينون أنفسهم لأنهم لم يؤمنوا بتعليمه وبشهادته ليسوع أنه المسيح. وإن قالوا إنه ليس نبياً حكموا أنه كاذب، فيهيج عليهم الشعب ويرجمونهم، لأنهم يعتبرون يوحنا نبياً عظيماً صادقاً (لوقا ٢٠: ٦ ويوحنا ٧: ٢٧).
    ٢٧ «فَأَجَابُوا يَسُوعَ: لاَ نَعْلَمُ. فَقَالَ لَـهُمْ هُوَ أَيْضاً: وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هٰذَ».
    إشعياء ٢٩: ١٠ - ١٢ وكولوسي ١: ١٩، ٢٨
    لم يبق لهم سبيل للتخلص إلا بأن يدَّعوا الجهل، فاعترفوا أنهم لا يستطيعون أن يحكموا في أمر يوحنا المعمدان، وثبت أنهم غير أكفاء لأن يحكموا في دعوى المسيح.
    لاَ نَعْلَمُ والصحيح أنهم لم يريدوا أن يظهروا اعتقادهم، فقد اعتقدوا أن معمودية يوحنا من الناس. وعلم المسيح رياءهم ولم يجبهم إلا بالسؤال الذي أفحمهم. ولا شك أنهم خجلوا كثيراً لأنهم اضطروا أن يعترفوا بالجهل بعد أن أرسلوا من أورشليم إلى يوحنا لجنة من الكهنة واللاويين للنظر في دعواه (يوحنا ١: ١٩).
    وَلاَ أَنَا أَقُولُ لأني سكنت الرياح وأمواج البحر بأمري، ومشيت على الماء كما على اليابسة، وأشبعت ألوفاً من الناس من بضعة أرغفة، وشفيت كل أنواع الأمراض بكلمتي أو لمس يدي، وأخرجت الشياطين، وأقمت الموتى. وهذه براهين قاطعة على أن لي سلطاناً إلهياً به فعلت كل ما فعلت، ومع كل هذا لم تؤمنوا. فما فائدة الكلام!
    فنرى من ذلك أن الحق واحد لا يتجزأ. ولا يصح أن يقبل الإنسان جزءاً منه ويترك باقيه. لقد رفضوا دعوى يسوع وامتنعوا عن قبول دعوى المعمدان! ويورد بعض الناس المسائل الدينية متظاهرين أنهم يطلبون الفائدة وهم يبطنون الكفر.
    ٢٨ «مَاذَا تَظُنُّونَ؟ كَانَ لإِنْسَانٍ ٱبْنَانِ، فَجَاءَ إِلَى ٱلأَوَّلِ وَقَالَ: يَا ٱبْنِي، ٱذْهَبِ ٱلْيَوْمَ ٱعْمَلْ فِي كَرْمِي».
    أورد المسيح للكتبة والفريسيين ثلاثة أمثال بيَّن لهم في الأول خطيتهم، وفي الثاني عقابهم، وفي الثالث عاقبة كفرهم وعصيانهم لأمتهم ومدينتهم.
    مَاذَا تَظُنُّونَ؟ سأل الكتبة هذا السؤال ليدينوا أنفسهم بجوابهم له، كما دان داود نفسه بجوابه لناثان. فلم يكتفِ بدفعهم عنه عندما تحاملوا عليه، بل حمل عليهم بما سيأتي من الأمثال، ليبيِّن إثمهم لعدم إيمانهم به.
    ٱبْنَان أراد بالاثنين قسمي الناس الذين بلغتهم تعاليمه. فأحدهما أشرار لم يدَّعوا أنهم يطيعون الله، وتعدوا الشريعة علانية بلا حياء، كالعشارين والزناة. والقسم الثاني هم الذين حاولوا أن يبرروا أنفسهم بأعمال الناموس، كالكتبة والفريسيين، فامتنعوا عن الشر ظاهراً وافتخروا بتقواهم. ويبدو للمشاهد أن القسم الثاني أفضل من القسم الأول، لأن البر الذي في الناموس خير من عدم البر. وهذا المثل عن صاحب كرم يعتني بكرمه هو وعائلته. والقصد برب الكرم الله، وبالكرم العالم (متّى ١٣: ٣٨). وبالابنين ما ذكرناه، وبدعوة أبيهما إلى العمل دعوة الله للناس إلى العمل معه (١كورنثوس ٣: ٩).
    ٱلأَوَّلِ أراد به العشارين والزناة.
    ٱعْمَلْ فِي كَرْمِي ذلك ما يحق لصاحب الكرم أن يأمر ابنه به، وفيه إشارة إلى أن لله حقاً أن يأمر الناس بخدمته. وأعظم ما يأمر الله به قبول ابنه (يوحنا ٦: ٢٩). والذي أمر به رب الكرم ابنه شفاهاً يأمرنا به الله بكتابه، وبروحه، مخاطباً ضمائرنا.
    ٢٩ «فَأَجَابَ: مَا أُرِيدُ. وَلٰكِنَّهُ نَدِمَ أَخِيراً وَمَضَى».
    مَا أُرِيدُ هذا دليل على العصيان والاستخفاف والجسارة، لأنه لم يكلف نفسه عناء تقديم عذر. وما قاله هذا الابن هو قول لسان حال العشارين والزناة.
    نَدِمَ أَخِيراً وَمَضَى أي ذهب إلى الكرم وعمل فيه بالرضى والأمانة كما أمره أبوه. وهكذا فعل العشارون والزناة بالتوبة والطاعة عند تبشير يوحنا المعمدان، كما شهد المسيح لهم في ع ٣٢ فاعتمدوا منه (لوقا ٧: ٢٩). وأتى كثيرون منهم إلى المسيح (لوقا ١٥: ١) فاتضع الذين كانوا عصاة وأطاعوا بنعمة الله والإصغاء إلى ضمائرهم. وظهر من هذا العدد قيمة الندامة. فإذا ندم أو تاب شر الخطاة قبله الله. وظهر منه أيضاً برهان التوبة الحقيقية، وهو العمل لا الكلام ولا الدموع.
    ٣٠ «وَجَاءَ إِلَى ٱلثَّانِي وَقَالَ كَذٰلِكَ. فَأَجَابَ: هَا أَنَا يَا سَيِّدُ. وَلَمْ يَمْضِ».
    متّى ٢٣: ٣ وتيطس ١: ١٦
    لم يرد بتقديم ذكر أحد الابنين على الآخر أن الدعوة وُجِّهت لأحدهما قبل الآخر، إنما أراد أن الاثنين دُعيا دعوة واحدة.
    هَا أَنَا هذا جواب الابن الثاني، وهو جواب رياء لا جواب إخلاص، لأنه لم يقصد العمل وأجاب بما ذكر ستراً لما قصده من العصيان. ودليل ذلك أن المسيح ذكر أنه قال «ها أنا، ولم يمضِ» فلم يقل إنه ندم على قوله كما قال الأول. وفي ذلك إشارة إلى ما فعله الكتبة والفريسيون، فإنهم ادعوا شديد الغيرة لشريعة الله، وتظاهروا بالاستعداد التام للطاعة الكاملة لأوامره، ولكنهم عصوها بدليل قول المسيح عنهم «يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا» وقوله «حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ» (متّى ١٥: ٨ و٢٣: ٢) فقد اقتصروا على حفظ طقوس الشريعة وأعرضوا عن فضائلها، وقاوموا الله في تأسيس ملكوته الإنجيلي، وعزموا على قتل ابنه.
    وَلَمْ يَمْضِ الله لا يقبل الإقرار بالطاعة والتقوى إذا لم يقترن بالعمل. وهذا مثال لما فعله الفريسيون بادعائهم التقوى ادعاء الابن الثاني بقوله «ها أنا». وعدم مضيه مثالٌ لما فعلوه يوم دعاهم الله أولاً إلى التوبة بلسان يوحنا المعمدان، وثانياً بلسان يسوع المسيح.
    ٣١ «فَأَيُّ ٱلاثْنَيْنِ عَمِلَ إِرَادَةَ ٱلأَبِ؟ قَالُوا لَهُ: ٱلأَوَّلُ. قَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ ٱلْعَشَّارِينَ وَٱلزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ».
    لوقا ٧: ٢٩، ٥٠
    إِرَادَةَ ٱلأَبِ هي الطاعة لأمره بالذهاب إلى كرمه والعمل فيه. وأراد بها حفظ كل شريعة الآب السماوي المعلنة في كتابه والاجتهاد في سبيل ملكوته.
    قَالُوا لَهُ: ٱلأَوَّل أجابوا بالصواب، ولم يشعروا بأنهم دانوا أنفسهم بتلك الإجابة لأنهم لم يفهموا قصد المسيح بالمثل. ولا عجب من أنهم لم يشعروا بذلك، لأن الذين يرفعون لله صلوات شكر أنهم أفضل من باقي الناس لا يشعرون بأنهم يشبهون الابن الذي قال «ها أنا يا سيد» ولم يمضِ. فالأول هو الذي أطاع دون الثاني. كان الأول رديء القول جيد العمل. وكان الثاني جيد القول رديء العمل.
    قَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ أوضح المسيح للفريسيين ما لم يفهموه من ذلك المثل، وما قصده بالابنين.
    يَسْبِقُونَكُمْ إلى دخول الملكوت السماوي. أي أن رجاء دخول العشارين والزناة ذلك الملكوت أقوى من رجاء دخول الفريسيين إليه، لأن كبرياء الفريسيين واتكالهم على البر الذاتي جعلاهم يبقون خارج ذلك الملكوت غير مبالين بالملجأ الذي أعده الله للنجاة من غضبه الآتي على العالم الساقط في هاوية الخطية. وأما العشارون فشعروا بإثمهم، وأن لا شيء لهم من البر الذاتي، فبادروا إلى الهروب من ذلك الغضب إلى ملجأ بر المسيح الكامل وفدائه (متّى ٩: ٩ ولوقا ٧: ٢٩ و٣٧ - ٥٠ و١٥: ١، ٢ و١٩: ٢، ٩، ١٠).
    ٣٢ «لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ ٱلْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَمَّا ٱلْعَشَّارُونَ وَٱلزَّوَانِي فَآمَنُوا بِهِ. وَأَنْتُمْ إِذْ رَأَيْتُمْ لَمْ تَنْدَمُوا أَخِيراً لِتُؤْمِنُوا بِه».
    متّى ٣: ١ الخ و٢بطرس ٢: ٢، ٢١ ولوقا ٣: ١٢، ١٣
    طَرِيقِ ٱلْحَقّ أي الطريق الحقيقية لنوال البر، وهي التوبة والإيمان بالمسيح الذي شهد له يوحنا أنه «الطريق والحق والحياة» (يوحنا ١٤: ٦)
    فَآمَنُوا بِه أي بتعليم وجوب التوبة، وبشهادته أن يسوع هو المسيح.
    وَأَنْتُمْ إِذْ رَأَيْتُمْ في هذا تلميح إلى أنه كان يجب على الفريسيين أن يرغبوا في التوبة اقتداءً بالعشارين.
    لَمْ تَنْدَمُوا أشار المسيح بذلك إلى أن الله يرفض بر الفريسيين الذي افتخروا به، وأنهم محتاجون إلى التوبة كالعشارين. ولا يلزم أن يفهم من هذا العدد أن كل العشارين تابوا، ولا أنه لم يتب أحد من الفريسيين. إنما القصد أن الذين آمنوا كانوا ممن قبلوا الرسالة، من أمثال متّى وزكا من العشارين، ونيقوديموس ويوسف الرامي ثم بولس من الفريسيين.
    ولم يعلّم المسيح بهذا المثل أن رجاء خلاص الشرير والمنافق المشهور برذائله أقوى من رجاء خلاص الذي سيرته الظاهرة حسنة. إنما أراد أن يوضح أن الأمل في خلاص أثيم إذا تاب وترك كل خطاياه هو أقوى من الأمل بنجاة الذي يتظاهر بالفضيلة دون أن يترك خطاياه القلبية من الكبرياء على البر الذاتي.
    ٣٣ «اِسْمَعُوا مَثَلاً آخَرَ: كَانَ إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْماً، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجاً، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ».
    مزمور ٨٠: ٨ - ١١ ونشيد الأنشاد ٨: ١١ وإشعياء ٥: ١ الخ وإرميا ٢: ٢١ ومرقس ١٢: ١ الخ ولوقا ٢٠: ٩ الخ، متّى ٢٥: ١٤، ١٥
    اِسْمَعُوا مَثَلاً آخَرَ في هذا تلميح إلى أن الفريسيين أرادوا الانصراف عن المسيح، فلم يسمح لهم بذلك قبل أن يسمعهم كلام التوبيخ والإنذار. وأبان لهم في هذا المثل العقاب الذي سيجلبونه على أنفسهم بعصيانهم.
    إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ رمز برب البيت إلى الله.
    غَرَسَ كَرْماً القصد بالكرم ملكوت الله على الأرض، أي كنيسته التي سلمها أولاً إلى شعب العبرانيين وسماها كرمة (مزمور ٨٠: ٨ وإشعياء ٣: ١ وحزقيال ١٥: ٢) وقوله «غرس كرماً» يدل على أن الله مؤسس الكنيسة، علاوة على أنه ربها. فدعا أولاً إبراهيم من بين النهرين وبدأ تأسيس الكنيسة في عائلته. ثم أتى بنسله من مصر وأسكنه أرض كنعان وفرض لهم رموزاً امتازوا بها عن سائر الأمم كما يمتاز الكرم بسياجه عن غيره من الأراضي، وحماهُ بعنايته (إشعياء ٢٦: ١ و٢٧: ٣ وزكريا ٢: ٥) وفعل ذلك كله ليجعله شعباً مقدساً مثمراً في كل عمل صالح.
    أَحَاطَ... وَحَفَرَ ... وَبَنَى أي فعل كل ما يُنتظر من أصحاب الكروم. وزاد على ذلك ليكن ذلك الكرم مخصباً محفوظاً. وفي ذلك إشارة إلى أن الله لم يترك شيئاً مما يقتضيه صلاح الكرم الروحي أي كنيسته اليهودية حتى صح قوله «ماذا يُصنع أيضاً لكرمي وأنا لم أصنعه له» (إشعياء ٥: ٤). وأشار بولس إلى هذه الوسائط بقوله «الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَـهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ» (رومية ٩: ٤).
    سَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ من عادة أرباب الحقول والكروم أن يسلموها إلى فعلة بشرط أن يؤدوا لأصحابها جزءاً من الثمر. وعلى هذا سلم الله ملكوته أولاً إلى الأمة العبرانية. فكانوا بالنسبة إليه كالفعلة إلى رب الكرم. وكانوا علاوة على ذلك قد عاهدوا الله على أن يكونوا شعبه (خروج ١٩: ٣ - ٨) فكان عصيانهم خيانة ونكثاً بالوعود.
    وَسَافَرَ رَمز بحضور رب الكرم وسفره إلى إظهار وجود الله واحتجابه. فلما كان بنو إسرائيل في البرية، ولا سيما يوم كانوا أمام سيناء، أظهر الله لهم حضوره بأمور كثيرة، فكلمهم بصوت مسموع، وسار أمامهم أربعين سنة بعمود السحاب والنار، وأعطاهم المن من السماء كل تلك المدة، وكان يعاقبهم على عصيانهم وتذمرهم في وقته. فيصحُّ أن يُقال إنه كان حاضراً بينهم في كل تلك المدة. ولكن بعد إقامتهم بأرض كنعان ارتفعت عنهم تلك العلامات الظاهرة امتحاناً لهم، ليرى: هل يطيعون هم أوامره أم لا. وعلى هذا يسوغ أن يقال إنه احتجب عنهم. فكلما أمهل الله الخاطئ في هذه الأرض يصح أن يقال إنه بعُد عنه (٢بطرس ٣: ٣، ٤).
    ٣٤ «وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ ٱلأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى ٱلْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ».
    وَقْتُ ٱلأَثْمَارِ لجني أثمار الكرم الحقيقي وقت معين في كل سنة، ولله كل الحق أن يسأل شعبه ثمار الشكر والطاعة والعبادة والمحبة في كل حين (لوقا ١٣: ٧ ويوحنا ١٥: ٢، ٥، ٨) ويحتمل أن يراد بوقت الأثمار المدة التي تقضَّت على بني إسرائيل بعد إقامتهم بأرض كنعان وانتصارهم على أعدائهم، لأنه كان لهم حينئذ فرصة للتأمل في إتمام الله مواعيده لآبائهم، وإجرائه معجزاته لأجلهم منذ إخراجهم من مصر، ولإظهار ما استفادوه من تعليمه وتأديبه.
    عَبِيدَهُ أشار بذلك إلى الأنبياء الذين دعوا الناس إلى الله وحده، ونهوهم عن الآلهة الباطلة. ولم يُرد بأولئك العبيد الأنبياء الذين أرسلهم في وقت واحد، بل الذين أرسلهم في أزمنة مختلفة منذ كان اليهود أُمة.
    لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ لم يسأل الله الناس أكثر مما يحق له أن يطلبه، فيطلب ثمار البر على قدر ما يعطيهم من وسائط النعمة وفرص التوبة والبركات الروحية، وذلك مثل قوله «أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ كُلَّ عَبِيدِي الأَنْبِيَاءِ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلاً قَائِلاً: لاَ تَفْعَلُوا أَمْرَ هذَا الرِّجْسِ الَّذِي أَبْغَضْتُهُ» (إرميا ٤٤: ٤).
    ٣٥، ٣٦ «٣٥ فَأَخَذَ ٱلْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضاً وَقَتَلُوا بَعْضاً وَرَجَمُوا بَعْضاً. ٣٦ ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضاً عَبِيداً آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ ٱلأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذٰلِكَ».
    ٢أخبار ٢٤: ٢٠، ١ ونحميا ٢٩: ٢٦ ومتّى ٥: ١٢ و٢٣: ٣٤ الخ وأعمال ٧: ٥٢ و١تسالونيكي ٢: ١٥ وعبرانيين ١١: ٣٦، ٣٧
    أشار بذلك إلى معاملة الشعب العبري أنبياء الله (١صموئيل ٢٢: ١٥ و١ملوك ٩: ١٠ و٢٢: ٢٤، ٢٧ و٢أخبار ٢٤: ١٩ - ٢١ و٣٦: ١٦ ونحميا ٩: ٢٦ وإرميا ٣٧: ١٥، ١٦ ولوقا ١٣: ٢٤ وعبرانيين ١١: ٣٧ ورؤيا ١٦: ٦ و١٨: ٢٤).
    ٣٧ «فَأَخِيراً أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ٱبْنَهُ قَائِلاً: يَهَابُونَ ٱبْنِي».
    أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ٱبْنَهُ الأمر الجوهري في هذا المثل توضيح ما بلغه الكرامون من الشر، وهو أنهم أهانوا ابنه علاوة على إهانتهم عبيده المرسلين الأولين. إرسال رب الكرم ابنه كان نهاية الوسائط، إذ رأى أنه لا نفع من إرسال عبيد آخرين. كذلك الله إذ لم يجد نفعاً في إرسال أنبياء آخرين، لأن اليهود اضطهدوا الأنبياء الأولين وقتلوهم، أرسل ابنه الحبيب الذي كان عليهم أن يقبلوه بإكرام كما يقبلون الآب (يوحنا ٣: ١٦، ١٧ و٥: ٢٣ ورومية ٨: ٣، ٣٢ وغلاطية ٤: ٤ و١يوحنا ٤: ٩، ١٤). وإرسال الله ابنه ليموت عن الناس دليل على أنه «لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ» (٢بطرس ٣: ٩).
    يَهَابُونَ ٱبْنِي أي يستحون ويخافون أن يعاملوه كما عاملوا العبيد، فيسمعون له ويطيعونه كما يليق بشرفه ومقامه. فالمسيح أثبت في ذلك أفضليته على كل الأنبياء في كل عصر. لكنه أثبتها بطريق لم يستطع بها الفريسيون أن يثبتوا عليه التجديف بدعواه أنه ابن الله كما كانت غاية مراقبتهم له. ومشابهة الجسديات للروحيات ناقصة، لأن رب الكرم في المثل جهل مقاصد الكرامين الشريرة حين أرسل ابنه إليهم، ظناً منه أنهم سيكفون بذلك عن عصيانهم. وأما الله فعلم منذ الأزل كيف يعامل الناس ابنه، ولكنه أرسله لكيلا يبقى لهم عذر.
    ٣٨ «وَأَمَّا ٱلْكَرَّامُونَ فَلَمَّا رَأَوْا ٱلابْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هٰذَا هُوَ ٱلْوَارِثُ. هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ».
    مزمور ٢: ٨ وعبرانيين ١: ٢ ومزمور ٢: ٢ ومتّى ٢٦: ٣ و٢٧: ١ ويوحنا ١١: ٥٣ وأعمال ٤: ٢٧
    تآمر الكرامون بالشر على الابن عندما رأوه خلافاً لما توقعه رب الكرم منهم. وفعلوا ذلك إما لأنهم لم يخافوا رجوع رب الكرم، أو لأنهم أغمضوا عيونهم عن النظر في عاقبة شرهم. كذلك تآمر اليهود على قتل المسيح ورفضوا أنه مسيحهم وملكهم، فعرَّضوا أنفسهم لعواقب أفعالهم الهائلة. لقد تشاور اليهود على قتل المسيح وفق هذا المثل (يوحنا ١١: ٤٧ - ٥٣). ومثله تآمر إخوة يوسف عليه وهو قادم إليهم (تكوين ٣٧: ١٩) فظنوا أنهم يبطلون مقاصد الله في ترؤّس يوسف عليهم، فخابوا. وكذلك خاب اليهود بظنهم أن يبطلوا مقاصد الله المتعلقة بابنه يسوع المسيح (أعمال ٣: ١٨ و٤: ٢٧، ٢٨).
    هٰذَا هُوَ ٱلْوَارِث علم الكرامون أن الابن هو الوارث الحقيقي. لكن اليهود لم يعرفوا أن يسوع هو المسيح، ولو أن هذا ممكناً لهم لو أنهم نظروا بقلوب وعقول منفتحة إلى المعجزات التي صنعها أمامهم. ولكنهم أغمضوا عيونهم عمداً وقسّوا قلوبهم لكيلا يقتنعوا بما يناقض أهواءهم ويعاكس أغراضهم. لذلك كانوا بلا عذر. أما كون المسيح وارثاً فواضح من أن الله «جعله وارثاً لكل شيء» (عبرانيين ١: ٢).
    نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ رأى الفريسيون أن لا طريق لحفظ سلطانهم على الشعب إلا بقتل المسيح، لأن دعواه تبطل دعواهم (يوحنا ١١: ٤٨ و١٢: ١٩).
    ٣٩ «فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ ٱلْكَرْمِ وَقَتَلُوه».
    متّى ٢٦: ٥ الخ ومرقس ١٤: ٤٦ الخ ولوقا ٢٢: ٥٤ الخ ويوحنا ١٨: ١٢ الخ وأعمال ٢: ٢٣
    قصة معاملة الكرامين ابن رب الكرم نبوَّة بما علم المسيح أنهم قصدوا أن يفعلوه به، وقد فعلوه بعد ثلاثة أيام من ذلك. وأظهر بتلك القصة للفريسيين أنه عالم بمقصدهم السري.
    خَارِجَ ٱلْكَرْمِ ظن البعض ذلك إشارة إلى تسليم يسوع إلى الأمم ليصلبوه (يوحنا ١٨: ٢٨) وإلى أنه يصلب خارج أورشليم (لوقا ٢٣: ٢٣ ويوحنا ١٩: ١٧ وعبرانيين ١٣: ١٢، ١٣). ولم يتحقق أن المسيح قصد بذلك سوى رفض اليهود إياه وقتلهم له.
    ٤٠ «فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ ٱلْكَرْمِ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ ٱلْكَرَّامِينَ؟».
    ذكر هنا رجوع رب الكرم كأنه أمر لا ريب فيه، وأنه يحاكم الكرامين الأشرار. وفي ذلك إشارة إلى رجوع المسيح عند خراب أورشليم. وغايته من سؤاله عما يفعله رب الكرم عند مجيئه أن يدينوا أنفسهم بجوابهم، ويسلموا بأن الدينونة التي ستقع عليهم هي مما يقتضيه العدل.
    ٤١ «قَالُوا لَهُ: أُولَئِكَ ٱلأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكاً رَدِيّاً، وَيُسَلِّمُ ٱلْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ ٱلأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا».
    لوقا ٢٠: ١٦ ولوقا ٢١: ٢٤ وعبرانيين ٢: ٣ وأعمال ١٣: ٤٦ و١٥: ٧ و١٨: ٦ و٢٨: ٢٨ ورومية ٩: ١٠ و١٥: ٩، ١٠، ١٦، ١٨
    قَالُوا أي الكتبة والفريسيون، وربما وافقهم على ذلك غيرهم من الحاضرين. ولعلهم لم يشعروا حينئذٍ بأن المسيح ضرب هذا المثل عليهم، أو أنهم شعروا وتجاهلوا خجلاً من الجمع.
    يُهْلِكُهُمْ حكموا بمقتضى اختبارهم فعل الناس في مثل تلك الأحوال، وبموجب العدل وذلك بعد ما أخذ منهم الكرم وسلمه إلى آخرين. والقول الذي نسبه متّى هنا إلى الفريسيين نسبه مرقس ولوقا إلى المسيح. فنستنتج من أقوال الثلاثة أن المسيح سأل الكتبة والفريسيين أولاً فأجابوه بذلك، فكرر جوابه تصديقاً لقولهم إشارة إلى معنى آخر يستلزمه المعنى الأصلي.
    كَرَّامِينَ آخَرِينَ أشار بذلك إلى دعوة الأمم (رومية ١١: ١١ - ٢٥).
    يُعْطُونَهُ ٱلأَثْمَارَ لا يلزم من ذلك أن يطيع كل الأمم ويقدمون لله أثمار البر. فالقصد به أن الله ينزع وسائط النعمة ممن لا يستعملونها كما ينبغي، ويعطيها لغيرهم. فإن كان هؤلاء أمناء بقيت تلك الوسائط لهم.
    ويشير هذا المثل إلى رفض اليهود خاصة. وفيه بيان معاملة الله لكل من يستحقون وسائط النعمة ويعصونه. وجواب الكتبة والفريسيين هنا نبوة بمستقبلهم. والله لا يسكت عن سلب حقوقه من أثمار كرمه الروحي، فإذا لم يكن الذين سُلم إليهم أمناء سلَّمه إلى غيرهم من أصحاب الأمانة.
    ٤٢ «قَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي ٱلْكُتُبِ: ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي رَفَضَهُ ٱلْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ ٱلرَّبِّ كَانَ هٰذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا».
    مزمور ١١٨: ٢٢، ٢٣ وإشعياء ٢٨: ١٦ ومرقس ١٢: ١٠، ١١ ولوقا ٢٠: ١٧ وأعمال ٤: ١١ وأفسس ٢: ٢٠ و١بطرس ٢: ٦، ٧
    أتى المسيح هنا ببرهان من كتبهم، وهو أن الله أنبأ منذ القدم بنفس الأمر الذي قصده المسيح في هذا المثل.
    فِي ٱلْكُتُبِ أي أسفار العهد القديم (رومية ١: ٢) وما ذكره المسيح في هذا العدد اقتبسه من مزمور ١١٨: ٢٢ وهو المزمور الذي أخذ منه الشعب قولهم «أُوصنا» ونادوا به يوم دخوله المدينة باحتفال.
    ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي رَفَضَهُ الكلام هنا عن حجر في الجبل، اختاره رئيس البنائين رأساً للزاوية ووضع عليه علامة ذلك. لكن البنائين حسبوه غير موافق وتركوه مكانه. والقصد بالبناء هنا كنيسة الله. وبرئيس البنائين الله وبالحجر الذي اختاره رئيساً للزاوية الرب يسوع المسيح الذي عيَّنه الله منذ الأزل ليكون أساساً لبيته الروحي أي كنيسته (إشعياء ٢٨: ١٦) والبناؤون هم الأمة اليهودية، ولا سيما يهود ذلك العصر الذين أبوا أن يقبلوا يسوع مسيحاً (أعمال ٤: ١١ و١بطرس ٢: ٧). وسبب رفضهم يسوع أنه كان من عائلة بائسة، وكان متواضعاً محتقراً من الناس (إشعياء ٥٣: ٢، ٣) وليس له جاه عالمي، ولم يقصد إنشاء مملكة عالمية. ونسبة هذه النبوة إلى يسوع خاصة لا تمنع نسبتها أولاً إلى داود ثم إلى زربابل (زكريا ٣: ٩ و٤: ٦ - ١٠) لأن كلاً منهما كان رمزاً إلى المسيح.
    رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ تمت مقاصد الله وصار المسيح أساس الكنيسة بالرغم من كل مقاومات اليهود (أفسس ٢: ١٩ - ٢٢).
    هٰذَا أي جعل يسوع المسيح أساساً للكنيسة.
    عَجِيب أي هذا الأمر حيَّر كل من نظر فيه، لأنه خلاف ما توقعه أكثر أفراد الأمة العبرية. فلو لم يكن من حكمة الله التي لم تُدرَك ومقاصده الأزلية، ما أمكن أن يحدث. ولا شك أن كل حوادث عمل الفداء هي غاية في العجب. وهل أعجب من أن الله يرسل ابنه الوحيد فادياً، وأن الكلمة الأزلي صار جسداً واتضع في كل حياته على الأرض، ورفضته الأمة المختارة وقتلته! وهل أعجب من إقامة الله إياه من الموت، ومن أنه بنى عليه كنيسته المجموعة من اليهود ومن كل أمم الأرض وجعلها دائمة إلى الأبد! فهذه الأمور كلها لا تزال عجيبة عند الناس في الأرض، والملائكة والقديسين في السماء.
    ٤٣ «لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ».
    متّى ٨: ١١، ١٢
    أوضح المسيح في هذا العدد مقصده من ذلك المثل، ففسّر الكرم بملكوت الله. وعبَّر متّى في بشارته عن الكنيسة بملكوت الله أربع مرات وبملكوت السماء عشرين مرة.
    يُنْزَعُ مِنْكُمْ الخطاب لليهود، والقصد أنه ينزع منهم كل وسائط النعمة والبركات المختصة بشعب الله الخاص، كاستئمانهم على أقوال الله، وإرثهم للمواعيد.
    وَيُعْطَى لأُمَّةٍ أي أن الأمم تُعطى وسائط النعمة التي أهملها اليهود (أعمال ١٣: ٤٦ - ٤٨ و١٥: ١٤ و٢٨: ٢٨ ورؤيا ٥: ٩، ١٠) وتحققت هذه النبوة من جهة الأمم في بيت كرنيليوس (أعمال ١٠) وبإيمان ملايين منهم بالمسيح من ذلك الوقت إلى الآن، وتمَّت أيضاً من جهة اليهود بخراب مدينتهم وتشتتهم في العالم، وبأن قليلين منهم آمنوا بالمسيح ونالوا فوائد خلاصه.
    ٤٤ «وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هٰذَا ٱلْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ».
    إشعياء ٨: ١٤، ١٥ وزكريا ١٢: ٣ ولوقا ٢٠: ٨ ورؤيا ٩: ٣٣ و١بطرس ٢: ٨ وإشعياء ٦٠: ١٢ ودانيال ٢: ٤٤
    في هذا العدد إشارة إلى قوله «يَكُونُ مَقْدِسًا وَحَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ لِبَيْتَيْ إِسْرَائِيلَ، وَفَخًّا وَشَرَكًا لِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ. فَيَعْثُرُ بِهَا كَثِيرُونَ وَيَسْقُطُونَ، فَيَنْكَسِرُونَن» (إشعياء ٨: ١٤، ١٥). وذلك يُظهر عواقب رفض الإيمان بالمسيح في هذا العالم فادياً وفي العالم الآتي دياناً.
    مَنْ سَقَط أشار بذلك من عثروا بالمسيح لاتضاعه (إشعياء ٨: ١٤ و٥٣: ٢ ولوقا ٢: ٣٤ ويوحنا ٤: ٤٤) وأكثر الذين سمعوه حينئذ كانوا في تلك الحال. وهي حال إثم وخطر، لكنها ليست حال يأس، لأنه يمكن للذي وقع فيها أن ينجو منها بالتوبة.
    سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ أي الحجر وكل ما بُني عليه. أو المسيح وكل قوة ملكوته معاً. ولعل ذلك مما قيل في دا ٢: ٣٤، ٣٥، ٤٥ ووقت سقوطه يوم الدين.
    يَسْحَقُه القصد بالمسحوق هنا من وجب عليه الهلاك ويئس من الخلاص، فلا يسقط هذا الحجر للدينونة إلا على من سقط على ذلك الحجر أولاً.
    ٤٥، ٤٦ «٤٥ وَلَمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ عَرَفُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِمْ. ٤٦ وَإِذْ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ خَافُوا مِنَ ٱلْجُمُوعِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ».
    ع ١١ ولوقا ٧: ١٦ ويوحنا ٧: ٤٠
    شعر هؤلاء أخيراً بأن المسيح قصدهم في المثل. فلو لم يخافوا الشعب لبلغوا مقاصدهم منه علانية. فاضطروا أن يحاولوا قتله بمكر وخيانة. وفي قوله «تكلم عليهم» ربما يقصد تكلم عنهم بما هو الحكم عليهم بالتوبيخ الذي يستحقونه، إذ عرف مسبقاً أنهم يزمعون قتله مكراً وخبثاً.
    الأصحاح الثاني والعشرون


    ١ «وَجَعَلَ يَسُوعُ يُكَلِّمُهُمْ أَيْضاً بِأَمْثَالٍ قَائِلاً».
    لوقا ١٤: ١٦ ورؤيا ١٩: ٧، ٩
    تابع المسيح تعليمه بأمثال، فضرب مثلاً في هذا الأصحاح يشبه في بعض أموره المثل الذي ذكر في لوقا ١٤: ١٥ - ٢٤. وهما مثلان مختلفان، لأن ذاك ضُرِب في بيرية في بيت فريسي وهذا في أورشليم في الهيكل. وقصد المسيح في ذاك دعوة الناس إليه. وقصده في هذا دينونتهم على رفضه. وهدف هذا المثل كهدف مثل الكرم، أي إظهار شر اليهود في رفض المسيح، وعقابهم على ذلك. والفرق بين المثلين أن الله في الأول طلب ثمار البر، وفي الثاني عرض البركات على الناس. في الأول خاطب اليهود كأُمة، وفي الثاني خاطبهم كأفراد. وفي الأول رمز إلى المسيح بأنه ابن رب الكرم، وفي الثاني بملك ابن ملك.
    ٢ «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً صَنَعَ عُرْساً لابْنِهِ».
    مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَات أي بركات الإنجيل التي بشر بها المسيح.
    يُشْبِهُ إِنْسَاناً أي أحوال إنسان وأعماله. وتقوم تلك المشابهة بالاستعداد، والدعوات، وقبول كل المدعوين الدعوة أو رفضها، وفرح كل من قابليها.
    عُرْساً كثيراً ما يشبِّه الكتاب المقدس بركات العهد الجديد بعرس (إشعياء ١٥: ٦ و٦١: ١٠ و٦٢: ٥ وهوشع ٢: ١٩ ومتّى ٩: ١٥ ويوحنا ٣: ٢٩ وأفسس ٥: ٢٢ و٢كورنثوس ١١: ٢). ووجه الشبه بين وليمة العرس والإنجيل: الابتهاج وجمع الأصدقاء. ويحق للإنجيل أن يشبه عرساً لأن فيه مسرات، فهو بشارة غفران وسلام ورجاء ومصالحة مع الله ورفقته، وبكل بركات العهد الجديد، ومواعيد السماء، وتعزية الروح القدس. ولأن فيه إظهار محبة المسيح لكنيسته ومحبة الكنيسة للمسيح، ومسرة كل منهما بالآخر، واتحادهما الدائم. وخلاصة ذلك أن بركات الإنجيل تشبه وليمة، ولزيادة ما فيه من المسرة يشبه وليمة عرس، ولما فيه من الشرف والعظمة يشبه وليمة عرس ملك، كوليمة أحشويرش التي «أَظْهَرَ غِنَى مَجْدِ مُلْكِهِ وَوَقَارَ جَلاَلِ عَظَمَتِهِ» (أستير ١: ٤) لأن العريس هو المسيح والعروس هي كنيسته. ومدة التبشير في الإنجيل زمان الخطبة.
    ويقول سفر الرؤيا إن اقتران المسيح بالكنيسة لا يكون إلا بعد مجيئه الثاني (رؤيا ١٩: ٧). فيصح أن نحسب الوليمة المذكورة هنا وليمة خطبة المسيح للكنيسة على الأرض، ووليمة الاقتران في السماء (أفسس ٥: ٢٧). وقد عبَّر الكتاب عن الوليمتين بالعرس.
    ومعروفٌ أن الأمور الدنيوية تعجز عن إيضاح الأمور الروحية، ولذلك ضاق المثل هنا ببيان القصد، لأن أعضاء الكنيسة الحقيقيين فيه هم المدعوون الذين قبلوا الدعوة ولبسوا ثياب العرس، وكلهم يشكِّلون العروس فيها.
    ٣ «وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا ٱلْمَدْعُوِّينَ إِلَى ٱلْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا».
    لا تزال العادة في الشرق حتى اليوم أن يحمل بعض ذوي العروس بطاقة دعوة يذهبون بها إلى بيوت الأصدقاء والجيران يدعونهم إلى العرس قائلين «عقبال عند الجميع».
    عَبِيدَه ظن البعض أن العبيد هم جماعة الأنبياء (متّى ٢١: ٣٦) وهم الذين دعوا الأمة اليهودية لتقبل مراحم الله وبركاته. وظنهم آخرون خدام الإنجيل في أيام المسيح قبل صلبه كيوحنا المعمدان والاثني عشر رسولاً والتلاميذ السبعين، فهؤلاء كلهم نادوا «قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ الله» (مرقس ١: ١٥) وهو المرجَّح. فهي دعوة ثانية، تكرر دعوة الأنبياء الأقدمين جرياً على العادة الباقية إلى هذا اليوم في الولائم، وهي أن المدعو يُدعى ثانية في ساعة الوليمة (أستير ٥: ٨). فيتضح من ذلك أن دعوة المسيح ليست جديدة، بل هي تكميل للدعوة الأولى. فمنذ بدأ أن يكون اليهود أمة قام نبيٌ بعد نبي ليخبر الأمة بإتيان ملكها ومنقذها، ويحثها على الاستعداد لقبوله.
    وهذا المثل بُني على عادة الملوك الأرضيين في ولائمهم، فلم يكن يليق بشرف الملك أن يرسل ابنه ليدعو الناس. ولكن ابن الله ملك السموات والأرض تنازل أن يدعو العالم قائلاً: تعالوا، لأن كل شيء مُعدٌّ.
    ٱلْمَدْعُوِّينَ هم البشر، وأولهم الأمة اليهودية.
    فَلَمْ يُرِيدُوا من الغريب أن المدعوين في المثل يرفضون مثل هذه الدعوة الشريفة المبهجة. والعقل لا يسلم بذلك الرفض إلا بأن أولئك المدعوين كانوا يكرهون تسلط ذلك الملك، وغير راضين أن يظهروا الصداقة له أو أن يقبلوا دعوته لهم بحضور وليمته. فرفضوا الدعوة ليعلنوا بغضهم له وعصيانهم عليه. ويشبه هذا انفعالات أكثر اليهود ضد ملكوت المسيح الروحي، فكان ما أظهروه للمسيح من أعمالهم كما لو قالوا «لا نريد أن هذا يملك علينا» فعدم محبة المسيح ومُلكه سبب رفض دعوته للخلاص.
    ٤ «فَأَرْسَلَ أَيْضاً عَبِيداً آخَرِينَ قَائِلاً: قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ: هُوَذَا غَدَائِي أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ. تَعَالَوْا إِلَى ٱلْعُرْسِ».
    أمثال ٩: ٢
    عَبِيداً آخَرِين الأرجح أن هؤلاء هم الرسل وغيرهم من المبشرين الذين نادوا بالإنجيل بعد صلب المسيح وصعوده، مبتدئين بذلك منذ يوم الخمسين، كاستفانوس وبرنابا وبولس وأمثالهم ممن نادوا بيسوع والقيامة. لكن يحتمل أنه أراد بإرسال العبيد الآخرين تكرير الدعوة إظهاراً لطول أناته ورغبته في خلاصهم.
    قُولُوا لِلْمَدْعُوِّين أشار بذلك إلى أن دعوة الإنجيل عامة شاملة لكل البشر، كقوله «مَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا» (رؤيا ٢٢: ١٧).
    ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي كناية عن البركات الروحية من السلام والمسرة بالمسيح. فهو مثل قوله بفم النبي «يَصْنَعُ رَبُّ الْجُنُودِ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ فِي هذَا الْجَبَلِ وَلِيمَةَ سَمَائِنَ، وَلِيمَةَ خَمْرٍ عَلَى دَرْدِيّ، سَمَائِنَ مُمِخَّةٍ، دَرْدِيّ مُصَفًّى» (إشعياء ٢٥: ٦).
    ويذكر البشير لوقا ٢٤: ٢٢ - ٢٤ هذا المثل ذاته ويضيف إليه أنه لا يزال يوجد مكان. وهذا إشارة إلى أن المدعوين ليسوا يهوداً فقط، بل تعم الدعوة الأمم، ويُفسح لهم المجال لقبول الإنجيل.
    كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ أي أن الآب مستعد أن يقبل الخاطئ، والابن أن يشفع فيه، والروح القدس أن يقدسه، وأن في الإنجيل كل ما تحتاج النفس إليه. وابتدأ الاستعداد للوليمة الإنجيلية زمن الناموس في رسومه وذبائحه وأعياده «ظل الخيرات العتيدة» وأشار المسيح إلى ما في هذه الوليمة من شبع للنفس (يوحنا ٦: ٥١ - ٥٩). وفي خطاب بطرس يوم الخمسين تمام الإيضاح بقوله «كل شيء معد» (أعمال ٢) (انظر أيضاً أعمال ٣: ١٩ - ٢٦ و٤: ١٢).
    ٥، ٦ «٥ وَلٰكِنَّهُمْ تَهَاوَنُوا وَمَضَوْا، وَاحِدٌ إِلَى حَقْلِهِ، وَآخَرُ إِلَى تِجَارَتِهِ، ٦ وَٱلْبَاقُونَ أَمْسَكُوا عَبِيدَهُ وَشَتَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ».
    رومية ٢: ٤ وعبرانيين ٢: ٣
    في هذين العددين بيان معاملة الناس للإنجيل مما فعله اليهود إلى ما يعمله أكثر الناس إلى هذا اليوم. وينقسم أهل العالم إلى قسمين: (١) الذين لا يبالون بالأمور الروحية، وينهمكون بالأمور الدنيوية غير المحرمة، فإثمهم بأنهم اكتفوا بها ولم يلتفتوا إلى الروحيات، وهم المقصودون بالذين «تهانوا ومضوا الخ». وأمثال هؤلاء الذين دعاهم حزقيا الملك إلى عيد الفصح في أورشليم (٢أخبار ٣٠: ١٠) ومنهم ديماس الذي ترك بولس «إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ َ» (٢تيموثاوس ٤: ١٠) وأكثر الناس من هذا القسم. و(٢) الذين يقاومون الإنجيل فعلاً لأنه يقاوم كبرياءهم وبرهم الذاتي وأرباحهم وتعصبهم، وهم المشار إليهم بالذين رفضوا دعوة الملك أولاً ثم أعلنوا عداوتهم بعصيانهم جهاراً وقتلوا عبيده. وذُكر من أمثال هؤلاء في سفر الأعمال أعمال ٤: ٣ و٥: ١٨، ٤٠ و٧: ٥٨ و٨: ٣ و١٢: ٣ و١٤: ٥، ١٩ و١٧: ٥ و٢١: ٣٠ وفي ١كورنثوس ٤: ٣ وفي ١تسالونيكي ٢: ٢، ١٤ - ١٦. وكان استفانوس ويعقوب من أول جيش الشهداء الذين شُتِموا وقُتِلوا.
    ٧، ٨ «٧ فَلَمَّا سَمِعَ ٱلْمَلِكُ غَضِبَ، وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ وَأَهْلَكَ أُولَئِكَ ٱلْقَاتِلِينَ وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ. ٨ ثُمَّ قَالَ لِعَبِيدِهِ: أَمَّا ٱلْعُرْسُ فَمُسْتَعَدٌّ، وَأَمَّا ٱلْمَدْعُوُّونَ فَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّين».
    دانيال ٩: ٢٦ ولوقا ١٨: ٢٧ ومتّى ١٠: ١١، ١٣ وأعمال ١٢: ٤٦
    أشار هنا إلى خراب أورشليم
    جُنُودَهُ القصد بهؤلاء عساكر الرومان، فكل جيوش الأرض جنود الله، بمعنى أنهم يجرون مقاصده عمداً أو اتفاقاً أو على الرغم من أنفسهم. فإنه سمى الأشوريين «قضيب غضبه» (إشعياء ١٠: ٥، ٦). وسمى نبوخذنصر ملك بابل «عبده» (إرميا ٢٥: ٩) مع أن الله عاقب نبوخذنصر على ما فعله (إرميا ٥١: ١١). ولعل القصد بجنود الله ملائكته الذين يجرون عقابه غير منظورين (١أخبار ٢١: ١٥، ١٦ و٢أخبار ٣٢: ٢١).
    مَدِينَتَهُمْ كانت أورشليم أولاً مدينة الملك العظيم أي الله، لكنها صارت بعد ما رفض اليهود ابنه «مدينتهم» (لوقا ١٣: ٣٤، ٣٥) وما قيل هنا مثل ما قيل في متّى ٢١: ٤١ وخربت تلك المدينة بعد ٤٠ سنة من هذا الكلام.
    فَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّين هم أثبتوا على أنفسهم أنهم غير مستحقين لأنهم لم يقبلوا الدعوة، وصار الباقون مستحقين لأنهم قبلوها (أعمال ١٣: ٤٦). فكلا الفريقين لا يستحق الجلوس إلى مائدة الملك.
    انتهى هنا الجزء الأول من هذا المثل وهو المتعلق باليهود. وباقي المثل مختص بتاريخ الكنيسة المسيحية من خراب أورشليم إلى اليوم. وقوله «العرس مستعد» أي أنه مهيأ، ويمكن قبول جميع الداخلين إليه.
    ٩ «فَٱذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ ٱلطُّرُقِ، وَكُلُّ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ فَٱدْعُوهُ إِلَى ٱلْعُرْسِ».
    مَفَارِقِ ٱلطُّرُقِ أرسله إلى تلك المفارق لكثرة الناس فيها عادة، وذلك إشارة إلى تبشير الأمم بالإنجيل بعدما رفضه اليهود. ومن ذلك الوقت دُعي كل أمم الأرض إلى الوليمة الإنجيلية (أعمال ٢١: ٢١، ٢٢) وامتثالاً لقوله «ااذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ» ذهب فيلبس إلى السامرة وبشر هنالك. وبشر بطرس كرنيليوس الروماني ورفقاءه وعمدوهم. ونادى بولس لأهل أثينا بأن «اللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُواِ» (أعمال ١٧: ٣٠).
    ١٠ «فَخَرَجَ أُولَئِكَ ٱلْعَبِيدُ إِلَى ٱلطُّرُقِ، وَجَمَعُوا كُلَّ ٱلَّذِينَ وَجَدُوهُمْ أَشْرَاراً وَصَالِحِينَ. فَٱمْتَلأَ ٱلْعُرْسُ مِنَ ٱلْمُتَّكِئِينَ».
    متّى ١٣: ٣٨، ٤٧
    في هذا العدد وصف المجموعين بالدعوة التي ذُكرت في العدد السابق، وجُمعوا بدون امتياز بين الشريف والدنيء والغني والفقير والعالم والجاهل.
    أَشْرَاراً وَصَالِحِينَ لعل الأشرار هنا الذين رذائلهم ظاهرة للناس كالمرأة الخاطئة التي غسلت قدمي المسيح بدموعها. والصالحين هم الأفاضل ظاهراً كنثنائيل وكرنيليوس. فقبل الأشرار ليكونوا صالحين، وقبلها الصالحون في عيون الناس ليكونوا صالحين في عيني الله.. ولعل القصد بذلك أن الدعوة الإنجيلية عامة تشمل كل أصناف الناس بغض النظر عن أحوالهم السابقة. فالشرط الوحيد هو الإيمان بأن يسوع هو المسيح. أو لعله بيان إمكان أن يكون في الكنيسة مراؤون مع المؤمنين الحقيقيين، كما مرَّ في شرح مثال الشبكة (متّى ١٣: ٤٧، ٤٨). وهذا لا يمنعه ما احتمله الكلام من المعاني السابقة. وقد يكون الشرير في نظر الناس صالحاً، لكنه في نظر الله العكس بالعكس.
    فَٱمْتَلأَ ٱلْعُرْسُ لم يبطل رفض اليهود للمسيح مقاصد الله من إظهار كثرة رحمته وبهاء مجده.
    ١١ «فَلَمَّا دَخَلَ ٱلْمَلِكُ لِيَنْظُرَ ٱلْمُتَّكِئِينَ، رَأَى هُنَاكَ إِنْسَاناً لَمْ يَكُنْ لاَبِساً لِبَاسَ ٱلْعُرْسِ».
    رومية ٣: ٤٢ و١٣: ١٤ و٢كورنثوس ٥: ٣ وأفسس ٤: ٢٤ وكولوسي ٣: ١٠، ١٢ ورؤيا ٣: ٣ و١٦: ١٥ و١٩: ٨
    بقية هذا المثل مختصة بالذين قبلوا الدعوة ظاهراً، ومقارنتهم بالذين قبلوها حقيقة.
    دَخَلَ ٱلْمَلِكُ لِيَنْظُرَ ميَّز الملك نفسه لا الخدم بين المستحق وغيره من المتكئين. وهذا إشارة إلى أن الله وحده يعرف قلوب الناس، فيميز بين المخلصين والمرائين. ولا شك أن الوقت المعين للفحص العظيم هو نهاية العالم كما مر في مثل الزوان (متّى ١٣: ٣٩). وأما الآن فيسير المسيح بين المنائر الذهبية (رؤيا ١٢: ١، ٢) ويميز أعمال كل من يدَّعي أنه مسيحي. وهذا هو الفحص المشار إليه في هذا المثل.
    إِنْسَاناً هو الوحيد الذي وُجد غير أهل لأن يكون من المتكئين الكثيرين. ولكن لا يلزم من ذلك تعيين عدد المرائين بالنسبة إلى عدد المخلصين في الكنيسة. وإن كان لوحدته معنى، فهي تشير إلى تدقيق فحص الملك حتى لا يغفل عن واحد بين كثيرين. وذكر المرائي بين المخلصين يدل على أن القصد بتلك الوليمة هي الكنيسة على الأرض، لأنه لا يمكن لأحدٍ من المرائين أن يحضر وليمة السماء لأنه «يَعْلَمُ ٱلرَّبُّ ٱلَّذِينَ هُمْ لَهُ» (٢تيموثاوس ٢: ١٩).
    لِبَاسَ ٱلْعُرْسِ تتضمن الدعوة إلى العرس أن يأتي المدعو لابساً الأثواب اللائقة بالعرس. وكان عند الملوك الأقدمين والأغنياء جزء كبير في خزائن ثروتهم ملبوسات نفيسة (متّى ٦: ١٩ ويشوع ٧: ٢١ وقضاة ١٤: ١٢ و٢ملوك ٥: ٥ وأيوب ٢٧: ١٦ ويعقوب ٥: ٢)، فجاء في التاريخ أنه كان للوكولوس أحد أغنياء الرومان خمسة آلاف رداء. وأن خمسين فارساً انكسرت بهم السفينة فنجوا بالسباحة وأتوا إلى غلياس، أحد سكان جزيرة صقلية فألبسهم مما في خزانته من الثياب اللباس الكامل. وكان من عادة الملوك والأعيان أن يهبوا لأصدقائهم الثياب الفاخرة علامة مسرتهم بهم، وكان الملوك والخلفاء يقدمون خلعاً، وكان من لا يقبل تلك الهبة يُعد من محتقري واهبها (تكوين ٤١: ٤٢ و٤٥: ٢٢ و٢ملوك ٥: ١٥ وأستير ٦: ٨ ودانيال ٥: ٧).
    والأرجح أن الملك المذكور في المثل وهب لباس العرس لكل المدعوين، كما وهب ياهو ملك إسرائيل لعبدة البعل (١صموئيل ١٨: ٤ و٢ملوك ١٠: ٢٢) ولولا ذلك لم يسكت الذي ليس عليه لباس العرس عن الاعتذار عندما سأله الملك «كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟» فقد كان حضوره بملابسه العادية إهانة متعمَّدةً للملك. ولم يفسر المسيح قصده بلباس العرس، لكن كلامه يدل على أنه شيءٌ من الاستعداد لا بد منه في حضور وليمة عرس الحمَل السماوية، وأنه لا بد من أن يكون قبل حضور الوليمة. ومما نعلمه من آيات أُخرى في الكتاب المقدس هو أن برَّنا الذاتي خرقة نجسة (إشعياء ٦٤: ٦) وأن الله أعد لنا ثياباً بيضاً (رؤيا ٣: ٥ و٦: ١١ و٧: ٩) وهي «الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ» (عبرانيين ١٢: ١٤ ورؤيا ١٩: ٨ ورومية ١٣: ١٤ ولوقا ١٥: ٢٢ وإشعياء ٦١: ١٠ وغلاطية ٣: ٢٧) قداسة من «غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوهَا فِي دَمِ ٱلْحَمَلِ» (رؤيا ٧: ١٤) وهي «بر الله» (رومية ١: ١٧) وذلك البر بالمسيح (رومية ١٠: ٤ وغلاطية ٣: ٢٧ و٢كورنثوس ٥: ٢١) ونحصل عليه بالإيمان به (في ٣: ٩) وهو «هبة أو عطية مجانية» (رومية ٣: ٢٤) وهو «بر ينشئُ فينا براً» (رومية ٨: ٤).
    ورأى بعضهم أن القصد بلباس العرس بر المسيح، وآخر أنه تقدس الروح القدس. وكلاهما صحيح، لأن الأمرين متلازمان. والخلاصة أن القصد بالإنسان الذي عليه لباس العرس هو الذي يتكل على بره الذاتي للخلاص محتقراً البر الذي أعده الله.
    ١٢ «فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبُ، كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ ٱلْعُرْسِ؟ فَسَكَتَ».
    يَا صَاحِبُ هذه الكلمة هنا كلمة لطف موجهة من شخص أعلى إلى أدنى.
    كَيْفَ دَخَلْتَ الخ سؤال الملك وسكوت المسئول يدلان على أن الملك أعد لباساً لكل مدعو، فلم يكن لذلك الإنسان عذر. فإهماله لباس العرس إهانة للملك، فندم حتى لم يستطع أن ينطق بكلمة. وفي هذا العدد وما بعده إشارة إلى ما يحدث يوم الدين، فكل خاطئ لا يقبل في حياته بر المسيح يسأله الله في اليوم الأخير «كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ ٱلْعُرْسِ؟» ويكون يومئذٍ محكوماً عليه من ضميره، فيقف بلا عذر أمام منبر الله مع أنه ربما جلس مدة حياته الأرضية على مائدة الرب بين المخلصين، ولم يعرف أحد منهم أنه مراءٍ. ولكن حين يأتي المسيح للدينونة يُعرف حالاً ويعاقب.
    إن يسوع يدعونا لنأتي إليه بما نحن عليه بلا انتظار أن نكون أكثر أهلية لقبوله. ولكن إن أتينا إليه بقلوبنا، فلن نبقى على ما نحن عليه، لأنه سيغيِّرنا.
    ١٣ «حِينَئِذٍ قَالَ ٱلْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: ٱرْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ، وَخُذُوهُ وَٱطْرَحُوهُ فِي ٱلظُّلْمَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ».
    متّى ٨: ١٢
    لِلْخُدَّامِ هم غير العبيد الذين دعوا الناس إلى الوليمة. فالعبيد هم المبشرون بالإنجيل، والخدام هم الملائكة (متّى ١٣: ٤١، ٤٩).
    خُذُوهُ يُفصَل المراؤون على الأرض عن المخلّصين في اليوم الأخير إلى الأبد، ويُمنعون من السماء (متّى ١٣: ٤٨ و٢تسالونيكي ١: ٩).
    ٱلظُّلْمَةِ ٱلْخَارِجِيَّة في داخل قصر الملك نور وشبع وفرح، وفي الخارج ظلمة وجوع وحزن. والقصد بالظلمة الخارجية شقاء النفس واليأس، نتيجة منع الأثيم من حضرة الله.
    ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ (انظر متّى ٨: ١٢) وهذا دليل على تشديد قصاص الملك لذلك الإنسان على إهانته إياه، وإهانته العريس والعروس والمتكئين أيضاً. وفي ذلك بيان لعاقبة المرائين في الظلمة الجهنمية.
    ١٤ «لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُون».
    متّى ٢٠: ١٦
    (انظر شرح متّى ٢٠: ١٦). كثيرون يُدعون ببشرى الإنجيل، وهم ثلاث فرق: بعضهم يستخفون بها ويفضلون العالم عليها. وبعضهم يبغضون الحق ويقاومونه. وآخرون يعترفون بالحق ظاهراً ولا يقبلونه في قلوبهم. وقليلون يقبلون الدعوة لخلاص نفوسهم ويثبتون بذلك صحة اختيارهم.
    وأمثال القسمين جماعة البالغين العبرانيين الذين خرجوا من مصر، والاثنين اللذين دخلا أرض كنعان (١كورنثوس ١٠: ١ - ١٠ ويهوذا ٥). وجيش جدعون فإنه دُعي إلى الحرب وكان ٣٢ ألفاً، فانتخب منه ٣٠٠ فقط ليكونوا أنصاراً لجدعون وشركاء نصره (قضاة ٧) ودُعي كل اليهود وانتُخب قليلون منهم للحياة لأن أكثرهم فضَّل خطاياه على المخلّص. ودُعي الأمم للخلاص أيضاً (إشعياء ٤٥: ٢٢) فبشروا بالإنجيل أمة بعد أخرى، وإلى الآن لم يقبله إلا القليلون منهم فاثبتوا أنهم انتُخبوا. وهذه الآية خلاصة المثل كله لا خلاصة الجزء الأخير منه. فليس القصد بها أن أكثر أعضاء الكنيسة غير منتخبين وأنهم مراؤون. فالقصد بالمدعوين هنا كل الناس الذين رفض أكثرهم نعمة الله (متّى ٧: ١٣، ١٤).
    ١٥ «حِينَئِذٍ ذَهَبَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ».
    مرقس ١٢: ١٣ الخ ولوقا ٢٠: ٢٠ الخ
    قال لوقا «فَرَاقَبُوهُ وَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَ يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ، حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَى حُكْمِ الْوَالِي» (لوقا ٢٠: ٢٠). وكان الفريسيون قبل ذلك يسألون المسيح كما اتفق لكل منهم. ولكنهم اتحدوا وتشاوروا بعد ذلك واختاروا مسائل معينة اتفقوا عليها، ظنوا أنه لا بد أن يقع ولو في جواب واحدة منها، ليجدوا علّة يشتكون بها عليه إلى بيلاطس الوالي كمهيج الناس على الحكومة. واختاروا أن يسألوه بواسطة أناس يتظاهرون بأنهم يبتغون الاستفادة منه.
    ولو وجدوا علة ليشكوا يسوع إلى الوالي في هذا الشأن لكان تقديمهم إياها من أفظع أعمال الرياء، لأنهم كانوا يبغضون تسلط الرومان، ورغبوا في مسيح سياسي يقودهم إلى طرح نير الاستعمار الروماني. ومن أول أسباب رفضهم أن يسوع هو المسيح هو عدم موافقته إياهم على ذلك. فطلبوا أن يجدوا عليه ذنباً هم مرتكبوه في قلوبهم. وكانت غايتهم مما أعدوه من المسائل له أن يلجئوه إلى جواب يجعل الشعب يكرهه، فيقوم عليه أو يكرهه الوالي فيعاقبه.
    يَصْطَادُوهُ اصطياد الطيور يتم بشرك أو فخ. ورغب الفريسيون اصطياد المسيح فيعرضونه لغضب الشعب أو غضب الوالي. وتوقعوا ذلك بثلاث مسائل (١) سياسية دينية. (٢) أخلاقية تتعلق بالطلاق. (٣) علمية تتعلق بتفسير كتبهم الدينية. فالأولى قدمها الفريسيون والهيرودسيون، والثانية قدمها الصدوقيون، والثالثة قدمها أحد الكتبة. فغلبهم المسيح كلهم وأرجعهم خائبين.
    ١٦ «فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ تَلاَمِيذَهُمْ مَعَ ٱلْهِيرُودُسِيِّينَ قَائِلِينَ: يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ ٱللّٰهِ بِٱلْحَقِّ، وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ ٱلنَّاسِ».
    لوقا ٢٣: ٧
    تَلاَمِيذَهُمْ أي الذين هم يعلمونهم، وقد أرسلوهم إخفاءً لما أضمروه له.
    ٱلْهِيرُودُسِيِّينَ هم فرقة سياسية من اليهود غايتها الانتصار للعائلة الهيرودسية. والمظنون أنهم كانوا يبتغون أن أحد تلك العائلة يملك في أورشليم بدل الوالي الروماني، كما كان في أيام هيرودس الكبير. وتظاهروا بفرط المحبة للرومان والرغبة في طاعتهم بغية الحصول على غايتهم. وكان بين هؤلاء والفريسيين عداوة شديدة. ومع ذلك اتفقوا على الإضرار بالمسيح، فادَّعوا أنهم اختلفوا في مسألة، رفعوا الأمر إليه ليحكم بينهم.
    تُعَلِّمُ... بِٱلْحَقِّ هذا مدح باللسان يخالف ما في القلب. وغايتهم من هذا التملق أن يسر المسيح بهم ويجيبهم بلا حذر. وكثيراً ما قاد التملق الناس إلى الهلاك، وهو أشد خطراً من التهديد (مزمور ٥٥: ٢١). فعلينا أن نحذر المملقين.
    وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ أي أنك لا تخشى أن تتكلم بالحق، وأنك مستقل الأفكار فحكمك بلا هوى.
    إِلَى وُجُوهِ أي لا تنطق بشيء خلاف اعتقادك إرضاءً للسامعين. فقولهم هذا حق، وإن كان قصدهم الخداع، فلم يخطر على بالهم أن المسيح يعلم أفكارهم مع أنه «لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ» (يوحنا ٢: ٢٥).
    ١٧ «فَقُلْ لَنَا مَاذَا تَظُنُّ؟ أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟».
    قيصر اسم لكل إمبراطور من الرومان كفرعون لقب كل ملوك مصر. وكان الإمبراطور يومئذٍ طيباريوس الذي اشتهر بالقساوة والدناءة (ملك سنة ١٤ - ٣٧م). وكان اليهود يؤدون الجزية للرومان بالنسبة إلى أموالهم حسب إقرارهم بأقدارها (لوقا ٢: ١). وتأديتهم الجزية دليل على تسليمهم بسلطة الأجانب عليهم، وعلامة على عبوديتهم. وكان تأديتهم الجزية للرومان من أكره الأمور عندهم ولا سيما عند الفريسيين، واعتقدوا أن تأديتها لا تجوز في شريعة موسى. ففيها ما نصه: «مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا. لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْكَ رَجُلاً أَجْنَبِيًّا لَيْسَ هُوَ أَخَاكَ» (تثنية ١٧: ٦٥). وقامت فتن كثيرة في اليهودية لأخذ الرومان تلك الجزية من أهلها (أعمال ٥: ٣٧) فلو سئل الفريسيون هذا السؤال لأجابوا «لا». ولو سئل الهيرودسيون لأجابوا «نعم» إرضاءً للرومان. فلو قال المسيح «يجوز» لشكا عليه الفريسيون إلى الشعب وأثبتوا أنه خائن لأمته، فيستحيل أن يكون مسيحهم المتوقع أنه يرفع نير الرومان عنهم، فيمكنهم أن يقضوا عليه بلا معارض من الشعب. ولو قال «لا يجوز» لشكاه الهيرودسيون إلى بيلاطس الوالي بحُجَّة أنه عاصٍ يهيج الفتن على قيصر، كما كذب بعضهم بعد ذلك «وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ» (لوقا ٢٣: ٢).
    ١٨ «فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ وَقَالَ: لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي يَا مُرَاؤُونَ؟».
    أظهر المسيح بهذا الجواب أنه يعلم ما في القلوب، وذلك علم مختص بالله. ودعاهم «مرائين» بدون نظر إلى وجوههم، وصدق بذلك، لأنهم كانوا كذلك. فإنهم تظاهروا بأنهم يرغبون في معرفة الحق وغايتهم أن يصطادوه بكلمة.
    ١٩ «أَرُونِي مُعَامَلَةَ ٱلْجِزْيَةِ. فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَاراً».
    متّى ٢٠: ٢
    كشف المسيح رياءهم، وأجابهم على سؤالهم إجابةً لا تعرِّضه لمساءلة الفريقين القائمين عليه. كما علَّمهم علاوة على ذلك تعليماً مفيداً، وأظهر سمو الحكمة السماوية والعلم الإلهي.
    مُعَامَلَةَ ٱلْجِزْيَةِ أي صنف النقود الذي تؤدونه جزية.
    قَدَّمُوا لَهُ دِينَاراً الدينار نقد روماني من الفضة (والجزية التي كانت تؤدى للهيكل شاقل أو نصف شاقل وهو نقد يهودي). وكان وجود ذلك الدينار في أيديهم جواباً لسؤالهم. فإنهم باستعمالهم له أظهروا خضوعهم لقيصر، لأنه «إذا راجت نقود ملك في بلاد، اعترف سكانها بأن ذلك الملك ملكهم». فباستعمال الفريسيين نقود الرومان أقروا بسلطان قيصر عليهم، وبيَّنوا أنهم أجازوا تأدية الجزية له.
    ٢٠ «فَقَالَ لَـهُمْ: لِمَنْ هٰذِهِ ٱلصُّورَةُ وَٱلْكِتَابَةُ؟».
    كان مرسوماً على الدينار صورة رأس قيصر ومكتوباً حوله اسم قيصر وبعض ألقابه الشريفة.
    ٢١ «قَالُوا لَهُ: لِقَيْصَرَ. فَقَالَ لَـهُمْ: أَعْطُوا إِذاً مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّٰهِ لِلّٰه».
    متّى ١٧: ٢٥ ورومية ١٣: ٧ و١بطرس ٢: ١٣، ١٧
    لم يترك المسيح في جابه باباً للشكوى ضده للشعب أو للحاكم الروماني، فقد حكموا قبل أن يسألوه بجواز تأدية الجزية، بدليل ما في أيديهم من عُملة قيصر، وهو إقرار بأنه ملكهم. وبذلك أجاب على مسالة أهم من مسألتهم، حيرت أفكارهم، وهي أنه هل تأدية الجزية لملك أجنبي خيانة لله أو لا؟ فظهر من كلام المسيح أنها ليست خيانة. فالقيام بالواجبات السياسية لا يلزم منه ضرورة مخالفة القيام بالواجبات لله.
    أَعْطُوا إِذاً مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ قوله «ما لقيصر» صدَّق على كل الواجبات السياسية، كتأدية الجزية بناءً على أن نقودها من قيصر، وأنها ترد إليه بأمره، وأن الطاعة واجبة لقيصر ولكل من يعينهم في مناصب. والكتاب المقدس يوجب الطاعة للحكومة السياسية والشريعة البشرية ضمن حدودها (رومية ١٣: ١ - ٧ و١كورنثوس ٧: ٢١ - ٢٤ وأفسس ٦: ٥ - ٨ وكولوسي ٣: ٢٢ - ٢٥ و١بطرس ٢: ١٣ - ١٧). وأفضل رعايا الملوك هم المسيحيون بالحق. والجزء الأول من جواب المسيح هو قوله «أعطوا إذاً ما لقيصر» وُجِّه للفريسيين الذين رفضوا في قلوبهم سلطان قيصر عليهم.
    وَمَا لِلّٰهِ لِلّٰه هذا الجزء الثاني من جواب المسيح ووجَّهه إلى الهيرودسيين الذين رغبوا في الخضوع لقيصر فكانوا في خطر أن يهملوا واجباتهم لله.. لقد كان المشتكون مختلفين في الرأي في ما بينهم، وإنما اجتمعوا معاً مؤقتاً للإيقاع به واصطياده بكلمة.
    ويصدق قوله «ما لله لله» على كل الواجبات الدينية. فنفس الإنسان على صورة الله (تكوين ١: ٢٧) فيجب أن تُعطى النفس له، أي أن نقدم قلوبنا وأموالنا وخدمة أيدينا له بروح الإيمان والمحبة والطاعة. فعلينا أن نطيع حكام الأرض لأن الله أمر بذلك.
    وخلاصة الجواب أنه يجب إعطاء الدينار لقيصر وإعطاء النفس لله. ويجب أن يكون كل إنسان أميناً للحاكم الأرضي وأميناً للحاكم السماوي. ولا يلزم بالضرورة أن تتناقض مطالب الحاكمَيْن. فإن تناقضا وجب أن يطاع الله أكثر من الناس (أعمال ٥: ٢٩).
    ٢٢ «فَلَمَّا سَمِعُوا تَعَجَّبُوا وَتَرَكُوهُ وَمَضَوْا».
    تَعَجَّبُوا لأنه استوفى جواب الفريقين، ولم يتمكن أحدهما من توجيه الشكوى ضده، بعد أن كانوا يظنون أنه لا يمكنه أن ينجو من الفخ الذي أخفوه له. فتحيروا من وفرة حكمته، ثم تركوه وانصرفوا في خجل مفحمين.
    ٢٣ «فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ جَاءَ إِلَيْهِ صَدُّوقِيُّونَ، ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَةٌ، فَسَأَلُوهُ».
    مرقس ١٢: ١٨ الخ ولوقا ٢٠: ٢٧ الخ وأعمال ٢٣: ٨
    صَدُّوقِيُّون ذكروا قبلاً (راجع متّى ٣: ٧) وكان أكثر رؤساء الكهنة من هذه الفرقة (أعمال ٥: ١٧).
    لَيْسَ قِيَامَةٌ أنكروا قيامة الجسد لأنهم أنكروا خلود النفس (أعمال ٢٣: ٨). فإن تلاشت النفس عند الموت لم يبق باب لحياة الجسد. فملاشاة النفوس منافٍ لقيامة الأجساد. فوجه المسيح جوابه إلى الضلالة الأصلية في اعتقادهم، وبرهن من الكتب المقدسة أن موتى هذا العالم لا يزالون أحياء في عالم آخر. فخلود النفس وقيامة الجسد وثواب الأبرار وعقاب الأشرار عقائد ترتبط معاً. فمن أثبت أحدها أثبت الكل.
    ومثل اعتقاد الصدوقيين في ذلك كان اعتقاد الفلاسفة الأبيقوريين الذين خاطبهم بولس في أثينا (أعمال ١٧: ١٨).
    ٢٤ «يَا مُعَلِّمُ، قَالَ مُوسَى: إِنْ مَاتَ أَحَدٌ وَلَيْسَ لَهُ أَوْلاَدٌ يَتَزَوَّجْ أَخُوهُ بِٱمْرَأَتِهِ وَيُقِمْ نَسْلاً لأَخِيهِ».
    تثنية ٢٥: ٥
    قَالَ مُوسَى سنَّ موسى هذه الشريعة دفعاً لانقراض العائلة، ولحفظ اسم الإنسان ونسبته بين أمته إن مات بلا نسل (تثنية ٢٥: ٥، ٦)
    يُقِمْ نَسْلاً لأَخِيهِ كان إذا مات أحد بلا نسل تزوج أخوه أرملته، وسمَّي أول ولد منها باسم الميت، واعتُبر ذلك الولد وارثه وابنه. ومثال ذلك في راعوث ص ٤.
    ٢٥ - ٢٨ «٢٥ فَكَانَ عِنْدَنَا سَبْعَةُ إِخْوَةٍ، وَتَزَوَّجَ ٱلأَوَّلُ وَمَاتَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسْلٌ تَرَكَ ٱمْرَأَتَهُ لأَخِيهِ. ٢٦ وَكَذٰلِكَ ٱلثَّانِي وَٱلثَّالِثُ إِلَى ٱلسَّبْعَةِ. ٢٧ وَآخِرَ ٱلْكُلِّ مَاتَتِ ٱلْمَرْأَةُ أَيْضاً. ٢٨ فَفِي ٱلْقِيَامَةِ لِمَنْ مِنَ ٱلسَّبْعَةِ تَكُونُ زَوْجَةً؟ فَإِنَّهَا كَانَتْ لِلْجَمِيعِ!؟».
    ذكروا للمسيح حادثة من الممكنات البعيدة الوقوع، ظنها الصدوقيون اعتراضاً منافياً لإمكان القيامة. فإنهم فرضوا كأمر لا بد منه أن الموتى إن قاموا بقوا على ما كانوا عليه في هذا العالم، فيكون المتزوجون هنا متزوجين هناك. ولم يقدروا أن يتصوروا كيف تكون امرأة واحدة زوجة لسبعة في وقت واحد! فأنكروا القيامة لأنهم حسبوها مستحيلة.
    لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسْلٌ ذكروا ذلك لئلا يجيبهم المسيح بأنها تكون زوجة لمن ولدت له.
    ٢٩ «فَأَجَابَ يَسُوعُ: تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ ٱلْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ ٱللّٰهِ».
    يوحنا ٢: ٩
    نسب المسيح ضلالهم إلى سببين: (١) جهلهم بما حوته كتبهم الدينية التي اعترفوا أنها إلهية، و(٢) تحديدهم قوة الله، كأنه غير قادر أن يجمع أجزاء الأجساد بعد موتها ورجوعها إلى التراب، وكأنه يعجز أن ينظمها ثانية ويحييها. لقد نسوا أن تجديد بنية الموجود أسهل من إيجاده من لا شيء، فسلَّموا بالخلْق وأنكروا القيامة. فعدم المعرفة بالكتاب المقدس، وعدم الإيمان بقوة الله هما سبب ضلالات كثيرة.
    ٣٠ «لأَنَّهُمْ فِي ٱلْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ ٱللّٰهِ فِي ٱلسَّمَاءِ».
    ١يوحنا ٣: ٢
    لأَنَّهُمْ فِي ٱلْقِيَامَةِ أي الناس بعد القيامة
    لاَ يُزَوِّجُونَ أي لا يعطون بناتهم زوجات لأبناء غيرهم، ولا يأخذون بنات غيرهم زوجات لأبنائهم.
    وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ أي لا يأخذون بنات غيرهم زوجات لأنفسهم. وقول المسيح في هذا العدد جواب مفحم لاعتراض الصدوقيين، وخلاصته أن العلاقة بين الزوج والزوجة مختصة بهذه الدنيا فلا تكون في السماء، فلا موت في السماء (رؤيا ٢١: ٤) ولا حاجة إلى الولادة (لوقا ٣٠: ٣٥، ٣٦). فلو سُئل الفريسيون سؤال الصدوقيين وهو «لمن تكون المرأة من السبعة؟» لأجابوا «هي للأول» ولكن المسيح قال إنها ليست لأحد منهم.
    كَمَلاَئِكَةِ صرّح المسيح بوجود ملائكة، الأمر الذي أنكره الصدوقيون، وقال إن المؤمنين يكونون بعد القيامة كالملائكة في بعض الأمور. فلا تناقض في ذلك لكونهم ذوي أجساد. وهم يشبهون الملائكة في الخلود، وعدم الزواج، وأنهم ليسوا عرضة لنوع من الجوع أو العطش أو الوجع أو النوم أو الشهوات الجسدية، وأن أجسادهم الروحية لا تقبل الفساد. كما أنه لا يلزم أن نفهم من هذا القول إن الذين لا يتزوجونهم أقدس وأفضل من الذين يتزوجون.
    ونفي المسيح الزواج في السماء لا يعني أن الذين عرف بعضهم بعضاً على الأرض لا يعرفون بعضهم في السماء، ولا يعني أن الأصدقاء هنا لا يكونون أصدقاء هناك، ولا أن المتزوجين هنا ينسون هذا هناك. إنما قال إن الجسد الروحاني يخلو من شهوات الجسد الحيواني، لأنه «يُزْرَعُ جِسْمًا حَيَوَانِيًّا وَيُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِيًّا» (١كورنثوس ١٥: ٤٤) ويلزم من تشبيه المسيح الصالحين بالملائكة أنهم يقومون كاملين في القداسة والسعادة.
    ٣١، ٣٢ «٣١ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ قِيَامَةِ ٱلأَمْوَاتِ، أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ: ٣٢ أَنَا إِلٰهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلٰهُ إِسْحَاقَ وَإِلٰهُ يَعْقُوبَ. لَيْسَ ٱللّٰهُ إِلٰهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلٰهُ أَحْيَاءٍ؟».
    خروج ٣: ٦، ١٦ ومرقس ١٢: ٢٦ ولوقا ٢٠: ٣٧ وأعمال ٧: ٣٣ وعبرانيين ١١: ١٦
    برهن المسيح في هذين العددين بما في كتب موسى (خروج ٣: ٦، ١٥) أن الذين ماتوا في هذا العالم أحياء في عالم آخر، ولذلك يستطيعون أن يرجعوا إلى الأجساد ويقومون. واقتصر على إيراد البرهان من كتب موسى، لأن الصدوقيين اعتبروها كلام الله بنوع خاص. ولو أن في العهد القديم براهين أخرى (منها أيوب ١٩: ٢٥، ٢٦ ومزمور ١٦: ١٠، ١١ وإشعياء ٢٦: ١٩ وحزقيال ٣٧ ودانيال ١٢: ٢).
    وقول الله لموسى كان من العليقة الملتهبة في حوريب، بعد موت إبراهيم بـ ٣٢٩ سنة، وبعد موت اسحق بـ ٢٢٤ سنة، وبعد موت يعقوب بـ ١٩٨ سنة. وأكد في ذلك القول إنه لم يزل إلهاً لهم. ولو أنهم تلاشوا ما صحَّ أن يقول هذا، فإن الله ليس إله عدم. فإذاً كانت نفوس أولئك الآباء حية عند الله، لأنه قال ذلك مع أن أجسادهم كانت في القبور طيلة تلك المدة.
    وزاد لوقا على ما قاله متّى «لَيْسَ هُوَ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ، لأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ» (لوقا ٢٠: ٣٨) وأورد المسيح تلك الآية للصدوقيين لما فيها من البرهان على خلود النفس، لأنهم أنكروه. وأما الله فخاطب بها موسى لما فيها من برهان أنه لا يزال يذكر العهد الذي قطعه مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب بأن يجعل نسلهم شعبه الخاص.
    أَنَا إِلٰهُ إِبْرَاهِيمَ... ويَعْقُوب أي إني إلههم الآن كما كنت إلههم وهم على الأرض. فلم يقل كنت إلههم بل «أنا إلههم» أي أنه يديم حياتهم، وهو مصدر سعادتهم وحافظ عهده لهم.
    لَيْسَ ٱللّٰهُ إِلٰهَ أَمْوَاتٍ أي أنه ليس إله مجرد أسماء أولئك الآباء، بل هو إله أشخاصهم. وهو ليس إله مجرد تراب ورماد، بل إله أرواح حية.
    بَلْ إِلٰهُ أَحْيَاء الموتى عند أهل الأرض هم أحياء عند الله. وهذا يخالف اعتقاد القائلين إن أرواح الموتى في سبات تبقى إلى القيامة. اكتفى في رده على الصدوقيين بإيراد ما يُثبت خلود النفس، لأن إنكارهم القيامة نتج عن إنكارهم ذلك الخلود.
    ٣٣ «فَلَمَّا سَمِعَ ٱلْجُمُوعُ بُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ».
    متّى ٧: ٢٨
    ٱلْجُمُوعُ هم المحيطون به سوى الصدوقيين، وكان أكثرهم من الفريسيين. وكان الصدوقيون قليلين بين اليهود بالنسبة إلى الفريسيين. لكن أكثر الكهنة كانوا صدوقيين.
    بُهِتُوا لم تدهشهم عقيدة القيامة بل برهنة المسيح على صحتها بآية لم يخطر على بالهم أنها دليل على القيامة. وبُهتوا من قدرته على إبطال سفسطة الصدوقيين وتعليمه حقائق روحية عظيمة، لأن الجموع كانوا قد اعتادوا أن يسمعوا في الهيكل الجدال بين الصدوقيين والفريسيين في أمور سطحية.
    ٣٤ «أَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ أَبْكَمَ ٱلصَّدُّوقِيِّينَ ٱجْتَمَعُوا مَعاً».
    مرقس ١٢: ٢٨ الخ
    أَبْكَمَ ٱلصَّدُّوقِيِّينَ توقع الصدوقيون أن يبكموا يسوع باعتراضاتهم، فرأوا النتيجة أن يسوع أبكمهم بأجوبته المملوءة حكمة، وبأدلته القاطعة. ولكن مع أنهم أُبكموا لم يقتنعوا.
    ٱجْتَمَعُوا أي الفريسيون، وكانت غاية اجتماعهم أن يجهزوا له فخاً جديداً. فسرورهم بأن المسيح غلب الصدوقيين لم تكسبه رضاهم.
    ٣٥ «وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَامُوسِيٌّ، لِيُجَرِّبَهُ».
    لوقا ١٠: ٢٥
    نَامُوسِيٌّ كان الناموسيون فرقة من الكتبة، وهم فريسيون (مرقس ١٢: ٢٨). ولعلهم تخصصوا في دراسة ناموس موسى، ولو أن باقي الكتبة كانوا يدرسون الكتاب كله من ناموس وأنبياء.
    لِيُجَرِّبَهُ يظهر مما ذكره مرقس أن الفريسيين اتخذوا هذا الناموسي آلة لمقاصدهم الشريرة على المسيح، وأنه لم يشاركهم في تلك المقاصد. ويظهر من ذلك أيضاً أن جواب المسيح أثر فيه تأثيراً كثيراً وأقنعه بجودة تعليمه (مرقس ١٢: ٣٢ - ٣٤). والتجربة التي قصدها الفريسيون هي أن يجاوب المسيح بما يقلل احترام السامعين إياه، إن جاء جوابه خلاف اعتقادهم أو أن يكون ضعيفاً يثير السخرية.
    ٣٦ «يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ ٱلْعُظْمَى فِي ٱلنَّامُوس؟».
    كان هذا من أهم المسائل عند الفريسيين، وانقسموا على الإجابة أحزاباً، فقال بعضهم إن أعظم الوصايا هي وصية الختان، وقال البعض إنها وصية الغسل والتطهيرات، وقال آخرون إنها الوصية المتعلقة بأهداب الثياب (عد ١٥: ٣٨). وقال غيرهم إن رابع الوصايا العشر هي الأهم.
    ٣٧ «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ».
    تثنية ٦: ٥ و١٠: ١٢ و٣٠: ٦ ولوقا ١٠: ٢٧
    إِلٰهَكَ أي الإله الواحد خالقك وحافظك. فنسبته إليك توجب عليك أن تحبه، وتبين تلك العلاقة أنه يستحق تلك المحبة. وفي قوله «إلهك» إشارة إلى أن الله واحد حق، وهو «إلهك» بسبب ما بينكما من عهد كان في جبل سيناء من أنه يكون إلهاً لبني إسرائيل وأن يكون بنو إسرائيل شعباً له. والله بالنسبة للمسيحي إلهُ مصالحةٍ بدم ابنه. وهذا يزيد على ما كان لليهودي.
    ولعل قصد المسيح بذكر القلب والنفس والفكر أن يجمع كل قوى الإنسان على محبة الله، فتُوقف كلها لخدمته.
    قَلْبِكَ يراد بالقلب في الكتاب المقدس مصدر عواطف الإنسان أو انفعالاته. ويلزم من قوله «تحب الرب من كل قلبك» أنه لا يكفي بمجرد العبادة الظاهرة والطاعة الخارجية، لكنه يطلب المحبة القلبية، وأن تفوق محبتنا له محبتنا لغيره، وأن نكون مستعدين أن نترك كل شيء لأجله (أمثال ٢٣: ٢٦ وإرميا ٣: ١٤).
    نَفْسِكَ النفس مصدر حياة الإنسان، فمحبة الله من كل النفس تؤثر في كل طبيعة الإنسان حتى ضميره ومشيئته. فتقتضي أنه إن عاش الإنسان يعيش للرب، وإن مات يموت به (يوحنا ١٤: ١٥، ٢٣ و١كورنثوس ٥: ١٤ وفي ١: ٢١ و١يوحنا ٢ و٤: ١٦).
    فِكْرِكَ القصد بالفكر هنا قوى الإنسان العقلية، فمحبة الله من كل الفكر تقتضي أن تدخل في دروسنا ومباحثنا وأعمالنا الجسدية، وأن نكون مستعدين لأن نتعلم منه كل شيء، وأن نفضل تعاليم كتابه الصريحة على كل أحكام عقولنا (مزمور ١١٩: ١٥، ٩٧ وأمثال ١٢: ٥ و٢كورنثوس ١٠: ٥). فيجب أن تكون محبتنا لله (١) خالصة (٢) قوية (٣) سامية على كل محبة. واقتبس المسيح هذه الآية من التثنية تثنية ٦: ٤، ٥. وبذلك علَّم أن الشريعة كلها تكمل بأمر واحد هو المحبة. وهي تحملنا على تكميل كل واجباتنا لله والناس طوعاً واختياراً. وهي أفضل ما يمكن الإنسان أن يقدمه. ويجب تقديمها لأفضل الكائنات.
    ونتعلم أن الله لا يكتفي باعتقادنا بوجوده ووحدته، واعترافنا بحق سلطانه، وحفظنا يوم عبادته، وتقديمنا القرابين والذبائح. فجوهر ما يرضيه منا المحبة القلبية، وعليها تُبنى طاعتنا المقبولة له، لا على خوفنا من العقاب أو طمعنا في الثواب.
    ٣٨ «هٰذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلأُولَى وَٱلْعُظْمَى».
    ٱلأُولَى أي المقدمة على كل ما سواها في أهميتها وشمولها ودوامها.
    ٱلْعُظْمَى هي العظمى لأن الذي يحفظها يحفظ سائر الوصايا الإلهية. والله هو الأول والأعظم فيستحق أن تكون محبتنا له «الأولى والعظمى». وهذا جواب شافٍ كافٍ على سؤال الناموسي.
    ٣٩ «َٱلثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ».
    لاويين ١٩: ٢٨ ومتّى ١٩: ١٩ ومرقس ٢٢: ٣١ ولوقا ١٠: ٢٧ ورومية ١٣: ٩ وغلاطية ٥: ١٤ ويعقوب ٢: ٨
    والثانية: لم يسألهُ الناموسي عن الوصية الثانية، لكن يسوع انتهز الفرصة ليعلمه الشريعة كلها.
    مثلها: في أن مصدر الوصيتين واحد وهو الله، وأن أساسهما واحد وهو المحبة. والثانية لا تقوم بدون الأولى، لأنه لا يمكن أن نحب أخانا حق المحبة إلا إن أحببنا الله أولاً (١يوحنا ٤: ٢٠، ٢١). وهي مثل الأولى في الإخلاص والمنفعة للعالم.
    كَنَفْسِكَ هذا مقتبس من سفر اللاويين (لاويين ١٩: ١٨) ولم يأمرنا الكتاب المقدس أن نحب أنفسنا لأن هذا أمر مسلَّمٌ به. ويظهر من هذا العدد أن محبة النفس ليس إثماً لأن المسيح جعلها قياس محبتنا للقريب، ولكنها تكون إثماً إذا قادتنا إلى إهمال واجباتنا لله وللناس.
    ٤٠ «بِهَاتَيْنِ ٱلْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ ٱلنَّامُوسُ كُلُّهُ وَٱلأَنْبِيَاءُ».
    متّى ٧: ١٢ و١تيموثاوس ١: ٥
    أي أن هاتين الوصيتين تشتملان على كل جوهر الناموس والأنبياء وهما العهد القديم. ويحق أن يُزاد على ذلك أنهما تشتملان على تعليم المسيح والرسل، أي العهد الجديد بالإضافة إلى العهد القديم، لأن المحبة لله والناس هي خلاصة الدين كله. وقد قال المسيح إنه جاء ليكمل الناموس والأنبياء بنفسه (متّى ٩: ١٧) وبيَّن هنا كيفية تكميله إياهما أيضاً بواسطة تلاميذه إلى نهاية الزمان، وهذا وفق قوله «الْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ» (رومية ١٣: ١٠). وقوله «وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ» (١تيموثاوس ١: ٥).
    بِهَاتَيْنِ ٱلْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ أي تقوم أربع من الوصايا العشر بحفظ الأولى، وست منها بحفظ الثانية.
    ونفهم مما ذكره مرقس أن الناموسي اقتنع من قول المسيح، وتغيرت أفكاره عما كانت عليه عندما أتى إلى المسيح، لأنه أتى ليجربه (راجع ع ٣٤) فرجع يثني عليه (مرقس ١٢: ٣٢). ورأى المسيح أن الناموسي أدرك، فقال إنه ليس بعيداً عن ملكوت الله. ولا دليل لنا على أنه جاوز هذا الحد، فالذي يكتفي بقربه من الملكوت دون دخوله يدركه الهلاك وهو بباب السماء.
    ونفهم مما قاله مرقس أيضاً أنه «لم يجسر أحد بعد ذلك» أن الفريسيين استخدموا يهوذا الخائن وشهود زور ليبلغوا مرامهم من المسيح. ونتج من شر الفريسيين خيرٌ لنا، لأنه لولا اعتراضاتهم ما حصلنا على أجوبة المسيح المفيدة.
    ٤١ «وَفِيمَا كَانَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ».
    مرقس ١٢: ٣٥ الخ ولوقا ٢٠: ٤١ الخ
    هذا الاجتماع هو نفس الذي ذُكر في ع ٣٤. ولعلهم كانوا محيطين به يتوقعون أن ينطق بما يشتكون به عليه.
    سَأَلَهُمْ بعد أن سألوه فأفحمهم. وقد سألهم ليظهر للشعب جهل الفريسيين لكتبهم، وعدم معرفتهم بالصفات المميزة للمسيح المنتظر، وليعلّم تلاميذه كيف يفسرون النبوات المتعلقة به، وليُثبت لاهوته وسلطانه.
    ٤٢ «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي ٱلْمَسِيحِ؟ ٱبْنُ مَنْ هُوَ؟ قَالُوا لَهُ: ٱبْنُ دَاوُدَ».
    فِي ٱلْمَسِيحِ أي في شخصه وحقيقته.
    ٱبْنُ مَنْ هُوَ؟ غايته من هذا السؤال أن يبين أنه ابن الله وابن الإنسان، أي أنه شخص واحد ذو طبيعتين.
    ٱبْنُ دَاوُدَ أجابوه بذلك بلا توقف، لأن المسيح اشتهر عندهم بهذا الاسم بدليل أنهم لما رأوا معجزاته قالوا «ألعلَّ هذا هو ابن داود؟» (متّى ١٢: ٢٣) وأن المرأة الفينيقية صرخت إليه قائلة «ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» (متّى ٢٠: ٣٠) وأن الذين احتفلوا بدخوله أورشليم صرخوا قائلين «أوصنا لابن داود» وكذا كان صراخ الأولاد في الهيكل (متّى ٢١: ٩، ١٥) فذلك الجواب حق ولكنه بعض الحق (لوقا ١: ٣٢ ورومية ١: ٣، ٤). فاكتفى الفريسيون به غير ملتفتين إلى عدم كفايته لموافقة كل النبوات المتعلقة بالمسيح.
    وجهل أكثر اليهود طبيعة المسيح الإلهية للحجاب الذي كان يفصل بين قلوبهم وبين نور الحق، وهو حجاب جعلهم يتوقعون أن يكون المسيح ملكاً زمنياً مثل كورش أو إسكندر الكبير أو يوليوس قيصر، يجلس على كرسي داود ويجدد عظمة المملكة اليهودية. فعلى ذلك لم يلزم عندهم أن يكون له سوى الطبيعة البشرية والمساعدة الإلهية.
    ٤٣، ٤٤ «٤٣ قَالَ لَـهُمْ: فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِٱلرُّوحِ رَبّاً قَائِلاً: ٤٤ قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟».
    مزمور ١١٠: ١ وأعمال ٢: ٣٤ و١كورنثوس ١٥: ٢٥ وعبرانيين ١: ١٣ و١٠: ١٢، ١٣
    يتبين من هذين العددين ثلاثة أمور: (١)إن داود كتب المزمور المقتبس منه، وهو المزمور ١١٠. (٢) أنه كتبه بالوحي. (٣)أنه لم ينبئ بملك عادي من نسله بالمسيح المنتظر.
    يَدْعُوهُ دَاوُدُ أي في المزمور. والمقصود هنا خاصة مزمور ١١٠ لأن اليهود كلهم اعتقدوا أنه إنباء بالمسيح. ويؤيد ذلك آيات كثيرة (انظر أعمال ٢: ٣٤ و١كورنثوس ١٥: ٢٥ وعبرانيين ١: ١٣ و٥: ٦ و٧: ١٧ و١٠: ١٣).
    بِٱلرُّوحِ أي بوحي الروح القدس فهو معصوم. وهذا قول واحد من أقوال كثيرة للمسيح تُثبت أن العهد القديم من وحي الله.
    رَبّاً دعوة داود المسيح رباً اعتراف بأن المسيح أعظم منه، لأن هذا ما يقال من الأدنى إلى الأعلى. فلو كان المسيح مجرد إنسان من نسل داود لكان دون داود فكيف يليق بداود الملك العظيم المقتدر الذي لم يعرف رباً له إلا الله أن يدعو واحداً من نسله ربه. فهل يحسن بإبراهيم أن يدعو واحداً من نسله ربهُ. فهل يحسن بإبراهيم أن يدعو إسحاق ابنه أو يعقوب حفيده رباً له؟ فمن المحال أن يكرم الابن البشري رباً لأبيه.
    ٱلرَّبُّ أي الآب، وهو الأقنوم الأول في الثالوث، وهو المتكلم.
    لِرَبِّي هذا الرب هو المسيح ضرورة، لأن الله لا يخاطب بما خاطب به هذا الرب ملكاً أرضياً. والياء (ي) في ربي راجعة لداود.
    عَنْ يَمِينِي يراد باليمين مكان الإكرام الأعظم (١ملوك ٢: ١٩ و١صموئيل ٢٠: ٢٥ ومتّى ٢: ٢١). والجلوس عن يمين الملك دليل على الاشتراك في المجد والسلطان الملكي.
    أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً هذا مجاز مبني على عادة الملوك قديماً، فقد كانوا يضعون أقدامهم على رقاب أسراهم دلالة على كمال النصر (يشوع ١٠: ٢٤ و٢صموئيل ٢٢: ٤١ و١كورنثوس ١٥: ٢٥ وعبرانيين ١٠: ١٣) وتتم هذه النبوة بما يفعله المسيح في اليوم الأخير.
    ٤٥ «فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً، فَكَيْفَ يَكُونُ ٱبْنَهُ؟».
    لم يرد هنا جواب لهذا السؤال، ولكنه ورد في رومية ١: ٣، ٤ وهو أن المسيح إنسان وإله، فهو ابن داود في ناسوته، ورب داود في لاهوته. ولأنه إله كان في زمن داود كما كان منذ الأزل، رب داود وملكه. ولأنه إنسان كان ابنه، جاء من نسله. وإن كان الفريسيون جهلوا هذا الجواب كما ادعوا بسكوتهم، فهم أذنبوا لأنهم جهلوا النبوات أو تغافلوها، ولأن المسيح أعلن لهم سابقاً بتعليمه أنه ابن الله وابن الإنسان (يوحنا ١٠: ٢٤ - ٣٨). وهذا ما اشتكوا به عليه إلى بيلاطس (يوحنا ١٩: ٧) وسؤال قيافا المسيح «هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» يدل على أنه لم يجهل ذلك الجواب (متّى ٢٦: ٦٣).
    وفي هذا الأصحاح أدلة كثيرة على حكمة المسيح السامية، لأنه أوضح تعاليمه الصادقة، ولم يقع في شيء من الفخاخ التي أخفاها له أعداؤه الكثيرون البارعون في كل أنواع المكر والاحتيال. وعلاوة على ذلك فإنه أخجلهم وأبكمهم.
    ٤٦ «فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّة».
    مرقس ١٢: ٣٤ ولوقا ١٤: ٦ و٢٠: ٤٠
    فَلَمْ يَسْتَطِعْ لم يستطيعوا لأنهم لم يريدوا لئلا يبرهنوا بكلامهم أنهم على ضلال.
    يَسْأَلَهُ بَتَّة قصد أن يوقعه بما يشتكي به عليه. واعتزلوا ذلك لاختبارهم سوء عاقبته لهم.

    الأصحاح الثالث والعشرون


    في هذا الأصحاح آخر خُطب المسيح العلنية العامة. ولما فرغ من الخطاب خرج من الهيكل واقتصر بعد ذلك على تعليم تلاميذه. وكل هذا الأصحاح خطاب واحد لا مجموع أقوال مختلفة، كرر فيه بعض ما قاله قبلاً (انظر لوقا ١١: ٤٣ - ٤٥ و١٣: ٣٣ - ٣٦). وخلاصة هذا الخطاب هي إنذار الشعب وتحذيره من معلميه الدينيين. نعم فيه صرامة ولكنها نتجت عن محبته وشفقته، لأن غايته كانت تحذير الغنم من الذئاب.
    ١ «حِينَئِذٍ خَاطَبَ يَسُوعُ ٱلْجُمُوعَ وَتَلاَمِيذَهُ».
    حِينَئِذٍ أي في الوقت الذي أبكم فيه المعترضين.
    ٱلْجُمُوعَ وَتَلاَمِيذَهُ الأرجح أن التلاميذ كانوا قريبين منه وأن الجموع كانوا محيطين بهم.
    ٢ «قَائِلاً: عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ».
    نحميا ٨: ٤، ٨ وملاخي ٢: ٧ ومرقس ١٢: ٣٨ ولوقا ٢٠: ٤٦
    كُرْسِيِّ مُوسَى كان موسى مشرِّعاً وقاضياً لبني إسرائيل (خروج ١٨: ١٣) وقد خلفه في ذلك معلمو الناموس ومفسروه، فحُسبوا أنهم جلوس على كرسيه.
    جَلَسَ كان من عادات المعلمين في ذلك العصر أن يجلسوا وقت التعليم.
    ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّون كان أكثر الكتبة من فرقة الفريسيين، ولذلك بكّتهم المسيح معاً. وكثيراً ما كان المسيح يحادث الكتبة في زمن تبشيره، ويجتهد أن يقنعهم بأنهم ضالون وأثمة. ولكنهم لم يستفيدوا شيئاً من تعليمه ولا من مشاهدتهم آياته، فأخذ يحذر تلاميذه منهم.
    ٣ «فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَٱحْفَظُوهُ وَٱفْعَلُوهُ، وَلٰكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ».
    رومية ٢: ١٩ الخ
    فَكُلُّ مَا قَالُوا مما هو وفق شريعة موسى فقط، وحذرهم سابقاً من اتّباع تقاليدهم (متّى ١٥: ١ - ٦). وكان الكتبة والفريسيون أعضاء المجلس الكبير، فكانت لهم سلطة سياسية. ولهذا أمر يسوع تلاميذه أن يكرموهم الإكرام اللائق بوظيفتهم، ويطيعوهم في الأمور السياسية التي لا تخالف شريعة الله. وكانوا رؤساء الدين أيضاً، فوجب أن يطاعوا في كل ما يأمرون به من الشريعة الإلهية، ولو كانوا أشراراً.
    حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا ذكرت مخالفة أعمالهم لتعليمهم في رومية ٢: ١٨ - ٢٤. فأقدس الوظائف لا تقدس أصحابها. فمن الخطأ أن نكرم سيرة معلمي الدين إن كانت شريرة. وهذا الخطأ شاع في كل زمان ومكان. فيا له من توبيخ صارم أن نكون قوالين غير فعالين، كأنما ديانتنا هي باللسان فقط لا في القلب. وأكثر ما ينطبق هذا على رجال الدين. فليحذر خدامه قبل أن يحذروا الآخرين!
    ٤ «فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ ٱلْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ ٱلنَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ».
    أَحْمَالاً ثَقِيلَةً أمر الفريسيون الشعب بحفظ الشريعة الموسوية الطقسية بكل اعتناء، فكان ذلك نيراً ثقيلاً كما شهد بطرس الرسول (أعمال ١٦: ١٠). وكلفوا الشعب بكثير من بذل الوقت والتعب والنفقات، فكان اليهود بما حمَّلهم الفريسيون كدوابٍ حُمِّلت أثقالاً فوق طاقتها.
    لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا فإنهم أبوا أن يشاركوا الشعب في شيء من نفقات الهيكل. ولم يكلفوا أنفسهم بممارسة شيء من الطقوس ليرضوا الله، ولم تكن عبادتهم قلبية ولو كلفتهم القليل، كحركة الإصبع.
    ٥ «وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ ٱلنَّاسُ، فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ».
    متّى ٦: ١، ٢، ٥، ١٦ وعدد ١٥: ٣٨، ٣٩ وتثنية ٦: ٨ و٢: ١٢ وأمثال ٣: ٣
    وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ أي الأعمال الدينية.
    لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ ٱلنَّاسُ فيمدحونهم بالتقوى، غير مكترثين برضى الله الذي هو القصد الوحيد من كل أمور الدين (متّى ٦: ٥)
    فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ قال الله لشعبه بفم موسى في شأن الناموس «فيكون علامة على يدك وعصابة بين عينيك» (خروج ١٣: ١٦) وقال في كلماته «اربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك» (تثنية ٦: ٨ و١١١: ١٨ وأمثال ٣: ١، ٣ و٦: ٢١). فاتخذ اليهود هذا المجاز حقيقة، وأخذوا أربع جمل من الشريعة الأولى (من خروج ١٣: ١ - ١٠) والثانية من خروج ١٣: ١١ - ١٦ والثالثة من تثنية ٥: ٤ - ٩ والرابعة من تثنية ١١: ١٣ - ٢١. وكتبوها على رقٍ وجعلوها أحرازاً ربطوها على عضد أيديهم اليسرى ليكون أقرب إلى القلب، وآخر على الجبهة بين العينين بربط من الجلد.
    وكان كل يهودي مكلفاً بذلك متّى بلغ سن الثالثة عشرة. وكانوا يأتون ذلك وقت العبادة فقط. وأما الفريسيون فكانوا يلبسونها دائماً في كل مكان حتى في الأسواق، ويعرضونها أكثر من غيرهم للتظاهر بزيادة التقوى والغيرة في الناموس. ولم يأت اليهود ذلك إلا بعد سبي بابل.
    أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ أمر الله اليهود أن يجعلوا على هدب الذيل عصابة أسمانجونية (عدد ١٥: ٣٧ - ٤١ وتثنية ٢٢: ١٢) ليتذكروا وصايا الله عندما ينظرون إليها كالخيط الذي يعقد على الإصبع ليذكر من ربطه سبب ربطه. ونسب اليهود إلى تلك العصابة قداسة خاصة، فلذلك لمست المرأة المصابة بنزف الدم مثلها من ثوب المسيح (متّى ٩: ٢٠ ولوقا ٨: ٤٤ انظر أيضاً متّى ١٤: ٣٦). وأمر الكتبة أن يكون عدد الخيوط الأسمانجونية في الهدب ٦١٣ وفق عدد أوامر الشريعة، على ما ظنوا. وكبر الفريسيون أهداب ثيابهم أكثر من غيرهم دلالة على زيادة اجتهادهم في حفظ دقائق الشريعة.
    ٦ «وَيُحِبُّونَ ٱلْمُتَّكَأَ ٱلأَوَّلَ فِي ٱلْوَلاَئِمِ، وَٱلْمَجَالِسَ ٱلأُولَى فِي ٱلْمَجَامِعِ».
    ٱلْمُتَّكَأَ ٱلأَوَّلَ كانت المائدة من موائد الولائم عند اليهود مؤلفة من ثلاث قطع. على طرفي واحدة منها الاثنتان الأخريان على وضع عمودي. فتشبه مربعاً نزع أحد أضلاعه. فيكون الرابع مدخلاً لموزعي الطعام. وكانوا يضعون حول ثلاثة الجوانب الخارجة منها أسرة يتكئ عليها الأَكلة ورؤوسهم على أكفهم اليسرى متجهة إلى المائدة، وأرجلهم منفرجة إلى الوراء. فكان متكأ صاحب الوليمة في الصدر مقابل مدخل المائدة، والمتكأ الأول أي محل الشرف عن يمينه. فرغب الفريسيون فيه للكبرياء.
    ٱلْمَجَالِسَ ٱلأُولَى كان في صدر كل مجمع يهودي صندوق تحفظ فيه رقوق الشريعة، ومنبر تقرأ عليه التوراة. وقرب ذلك المنبر مجالس يجلس عليها شيوخ المجامع تجاه الشعب، فرغب الفريسيون في الجلوس عليه تكبراً على غيرهم. وبذلك أخطأوا، وإلا فمجرد الجلوس عليها ليس خطية.
    ٧ «وَٱلتَّحِيَّاتِ فِي ٱلأَسْوَاقِ، وَأَنْ يَدْعُوَهُمُ ٱلنَّاسُ: سَيِّدِي سَيِّدِي».
    ٱلتَّحِيَّاتِ فِي ٱلأَسْوَاقِ لم يكتفِ الفريسيون بالتحيات العادية التي يليق استعمالها بالجميع، بل أحبوا أن يحييهم الناس بأعظم التحيات بدعوى أنهم أقدس من غيرهم. فكانوا يذهبون إلى الأسواق حيث يكثر الناس، طمعاً في أن ينالوا التحيات هناك.
    سَيِّدِي سَيِّدِي هذا ترجمة «ربي» في اليونانية ومعناها في الأصل رئيس، ثم أُطلقت على المعلم الديني. وكان عند اليهود ثلاثة ألقاب شرف يلقبون بها المعلمين قدر علمهم وقداستهم، وهي: راب ورابي ورابوني. والثاني أعظم من الأول والأخير أعظم من كليهما. فرغب الفريسيون أن يلقبوا ببعض تلك الألقاب.
    وما أصدق هذا الوصف على رجال الدين الذين يهتمون بالمظاهر فقط، الذين لسوء الحظ مرات كثيرة يصدق فيهم القول «لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها». وما أشد انطباق هذا الكلام على الذين يتخذون الوظائف وسيلة للعظمة لا غاية للخدمة.
    ٨ «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ ٱلْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعاً إِخْوَةٌ».
    ٢كورنثوس ١: ٢٤ ويعقوب ٣: ١ و١بطرس ٥: ٣
    وأما أنتم فلا تُدعَوا سيدي: أي لا تقبلوا الألقاب التي تشير إلى الشرف الديني والأفضلية في التقوى أو السلطان المتعلق بها. وقد منع المسيح تلاميذه من قبول تلك الألقاب لأنها من علامات الكبرياء، ولأنها علامة رئاسة في الروحيات لم يسلم المسيح بأن تكون بين التلاميذ.
    لأن معلمكم واحد المسيح: لا ريب في أن المسيح وحده هو المستحق أن يكون معلماً في الكنيسة، بمعنى أنه يسن شرائعها إذ هو وحده معصوم من الغلط. وكل من يدَّعي حق سن الشرائع من البشر، أو يغير الذي رسمه المسيح، يسلب حقوق المسيح، لأن المسيح هو معلم الكنيسة (يوحنا ١٣: ١٣)، وهو الرئيس الوحيد لها، ولم يزل حياً ليرشدها بحضوره الروحي القدوس. فهو لا يحتاج إلى خليفة
    إِخْوَةٌ أي أنكم قدام الله وفي الكنيسة متساوون في الرتبة والشرف. وما قيل في هذا العدد لا يمنع أن يكون في كنيسة المسيح معلمون بأمره، يعلمون الشعب التعليم الذي وضعه هو، وأن يسموا بألقاب تشير إلى أنواع وظائفهم كرعاة وشيوخ الخ (كولوسي ١٢: ٢٨ وأفسس ٤: ١١) ولا يمنع من تلقيبنا بعض الناس بما يدل على اعتبارنا إياهم لتقدمهم في السن أو في العلم، ولكنه يمنع من ادعاء السلطان الشخصي في الكنيسة والأمور الروحية، ويمنع من روح الكبرياء ومحبة المدح والحصول على الإكرام العالمي.
    ٩ «وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَباً عَلَى ٱلأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».
    ملاخي ١: ٦
    أَباً عَلَى ٱلأَرْضِ منع هنا من إعطاء الإكرام والطاعة المختصين بالله وحده لأحد من الناس. فإقامة إنسان مقام الله عبادة وثنية كإقامة صنم. والمسيح لم يُجز لأحد أن يدَّعي على الكنيسة رئاسة كرئاسة الأب لعائلته. ولم يسمح لأحد أن يطيع غيره من الناس في الروحيات الطاعة التي تجب على الابن لأبيه في الأمور الدينية (رومية ١٤: ٤، ١٠، ١٢ و١بطرس ٥: ٣). وهذا لا يمنع الولد من أن يسمي والده أباً (أفسس ٦: ٤) ولا الشاب من أن يلقب بذلك الأكبر منه سناً احتراماً له (قضاة ١٧: ١٠ و٤٨: ١٩ و٢ملوك ٦: ٢١ و١٣: ١٤ وأعمال ٧: ٢ و٢٢: ١ و١كورنثوس ٤: ١٥ و١يوحنا ٢: ١٣، ١٤) ولا يمنع من تلك التسمية إشعاراً بالمحبة كما فعل بولس (١كورنثوس ٤: ١٤، ١٥ وفليمون ١٠). وكما فعل بطرس (١بطرس ٥: ١٣). إن كان الله أبانا فمن نحن بقية البشر مهما عظم مركزنا الديني.
    لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ بمعنى أنه رب الضمير الوحيد (أفسس ٤: ٦ وعبرانيين ١٢: ٩) فشرائعه التي في كتابه هي الشرائع الوحيدة التي كلف الكنيسة بها. وتعليم المسيح إيانا أُبوة الله من أفضل التعاليم. ولو لم يعلم العالم إلا ذلك لكفى أن يأتي من السماء إلى الأرض. نعم عرف الناس الله خالقاً وملكاً ودياناً قبل مجيء المسيح، لكنهم لم يعرفوه أباً.
    ١٠ «وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ ٱلْمَسِيحُ».
    مُعَلِّمِينَ معنى هذا العدد كالعدد السابق. ورغب الفريسيون في ثلاثة ألقاب وهي «سيدي» و «أب» و «معلم» فحذر المسيح تلاميذه من طلب تلك الألقاب كبرياء، أو تلقيبهم الناس بها طاعة لهم في الروحيات. ولم يرد المسيح أن نقيم مقامه أحداً من البشر ولو أفضلهم، لأنهم ليسوا معصومين من الغلط ليكونوا معلمين مكانه. وليسوا قادرين أن يكفروا عن الآثام ككهنة. ولم يعينهم الله وسطاء بينه وبيننا لأنهم أناس انفعالاتهم كانفعالاتنا، يحتاجون مثلنا إلى دم المسيح وإرشاد الروح القدس. نعم يميل الناس أن يستندوا على رئيس ديني منظور، لكن الاستناد على المسيح غير المنظور أكثر أمناً. ورغب الكتبة في أن يكونوا رؤساء أحزاب تنسب إليهم كحزب هليل وحزب شمعي، أما المسيح فلم يشأ أن يكون في كنيسته أحزاب ولا أن تنسب تلك الأحزاب إلى البشر. ووبخ بولس الكورنثيين لمخالفتهم هذا (١كورنثوس ١: ١٢، ١٣) وقال يعقوب «لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ!» (يعقوب ٣: ١) فالمسيح هو المعلم الوحيد في الروحيات الذي يجب أن نطيعه. فليس لأحد من الناس حق أن يأمر بشيء في الأمور الروحية لا يستطيع أن يُثبته بقوله «هكذا قال الرب».
    ١١ «وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِماً لَكُمْ».
    متّى ٢٠: ٢٦، ٢٧
    تكلم المسيح سابقاً بما يوافق هذا المعنى، وفيه قاعدة ملكوته الضرورية وهي أن عظمة الإنسان على قدر نفعه. فالذي يخدم المسيح وكنيسته أكثر من غيره هو أعظم من ذلك الغير. والمسيح نفسه خير مثال لتلك العظمة لأنه «لم يأتِ ليخدَم بل ليخدُم». وسمَّى الناس الذين أضروا البشر بحروبهم كإسكندر الكبير ويوليوس قيصر ونابليون «عظماء». وأما المسيح فسمَّى خادمي البشر ونافعيهم «عظماء». فإذا رفضنا ألقاب الرئاسة وتلقبنا بألقاب الخدمة ونحن نخالف ذلك فعلاً، كان عملنا عبثاً.
    ١٢ «فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِع».
    أيوب ٢٢: ٢٩ وأمثال ١٥: ٣٣ و٢٩: ٢٣ ولوقا ١٤: ١١ و١٨: ١٤ ويعقوب ٤: ٦ و١بطرس ٥: ٥
    يكره الله المتكبرين ويخفض الأعين المرتفعة. والكبرياء من أعظم الموانع لنمو الفضائل المسيحية، بدليل قول المسيح «كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض» (يوحنا ٥: ٤٤) فالله يحب المتواضعين ويرفعهم في حينه (١بطرس ٥: ٥). فالتواضع من أفضل البراهين على تجديد القلب وتقترن به مواعيد كثيرة.
    ١٣ «لٰكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ قُدَّامَ ٱلنَّاسِ فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ ٱلدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ».
    لوقا ١١: ٥٢
    أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وجه المسيح بقية كلامه من وعظه في الهيكل إلى الكتبة والفريسيين، بعدما خاطب تلاميذه بالجزء الأول منه وذلك من عدد ١ - ١٨، وصرح بإثم معلمي الدين غير الأمناء من اليهود. فقال لهم ثماني مرات «ويلٌ لكم» وسبع مرات «أيها المراؤون» ومرتين «أيها الجهال والعميان» ومرة «أيها الحيات أولاد الأفاعي».
    كان وعظ المسيح الأول العام مجموع تطويبات لتلاميذه الحقيقيين (ص ٥) وكان وعظه الأخير العام مجموع ويلات وتهديدات لأعدائه.
    تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ الخطية الأولى التي وبخ عليها الكتبة والفريسيين هي محاربتهم للملكوت الجديد الذي أتى المسيح لينشئه بتعليمه، أي مقاومتهم للإنجيل. وكان هؤلاء باعتبارهم معلمي الشعب كحفظة مفاتيح قصر استعملوها للإغلاق دون الفتح، بدليل قوله «لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ. مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ، وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ» (لوقا ١١: ٥٢) لأنهم رفضوا إنذار يوحنا المعمدان وتعاليم المسيح وشهادة معجزاته وأدلة النبوات الواضحة المتعلقة به المثبتة دعواه، وصدوا الناس عن معرفة طريق الخلاص بوضعهم الطقوس مكان قداسة القلب والسيرة.
    ٱلدَّاخِلِينَ أي عامة الشعب الذين سمعوا المسيح بسرور (مرقس ١٢: ٣٧) ومالوا إلى الإيمان به، ولكن الرؤساء أنذروهم وأغروهم برفضه، وأغلقوا ملكوت السماء قدام الناس بثلاثة أمور: (١) سوء تعليمهم و(٢) سوء سيرتهم و(٣)اضطهادهم. ولم تزل أبواب السماء مغلقة قدام الناس في أماكن كثيرة بمثل تلك الأمور إلى هذه الساعة.
    ١٤ «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ ٱلأَرَامِلِ، وَلِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ. لِذٰلِكَ تَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ».
    مرقس ١٢: ٤٠ ولوقا ٢٠: ٤٧ و٢تيموثاوس ٣: ٦ وتيطس ١: ١١
    الخطية الثانية: هي التي وبخ المسيح الكتبة والفريسيين عليها هي الطمع، فإنه حملهم على خطيتين: ظلم الناس، واتخاذ الدين وسيلة إلى حشد الأموال.
    تَأْكُلُونَ بُيُوتَ ٱلأَرَامِلِ كان الكتبة والفريسيون فقهاء الشعب فوكل إليهم المحتضرون كتابة الوصية واتخذوهم أوصياء، فاغتنموا بذلك الفرصة لاختلاس أموال الناس، ولا سيما أموال الأرامل العاجزات عن مقاومتهم. واقتصر المسيح على أكلهم بيوت الأرامل لأن ظلمهم إياهن أفظع من ظلمهم غيرهن، لأنهن موضوع شفقة الله والإنسان.
    تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ أطالوا صلواتهم بسبب الطمع، فإنهم أطالوها ليحسبهم الناس أتقياء ويوكلوهم على أموالهم وأموال أولادهم، أو أن يقدموا لهم التقدمات باعتبار أنهم أولياء الله. قيل إن بعض الفريسيين كان يشغل ثلاث ساعات متوالية بالصلاة. والمسيح لم يوبخهم على مجرد إطالة الصلاة بل على غايتهم الخداعية من تلك الإطالة.
    تَأْخُذُونَ أي تجلبون على أنفسكم باستحقاقكم.
    دَيْنُونَةً أَعْظَمَ أي عقاب الله في جهنم. وكانت دينونتهم أعظم من دينونة غيرهم، لأنهم اتخذوا وظيفتهم التي هي رئاسة الشعب ووكالة الله سبباً في سلب أموال الناس، وجعلوا التقوى تجارة وستراً للإثم.
    ١٥ «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ ٱلْبَحْرَ وَٱلْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِداً، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ٱبْناً لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفاً».
    رؤيا ١٨: ٦
    الخطية الثالثة: هي غيرتهم الطائفية التي لم تنتج عن محبة الحق.
    تَطُوفُونَ ٱلْبَحْرَ وَٱلْبَرَّ هذا كلام جارٍ مجرى المثل يشير إلى أعظم الاجتهاد .
    دَخِيلاً الدخيل الوثني يتهوَّد بقبوله الختان والمعمودية وسائر طقوس الديانة. فالمسيح لا يوبخ على الاجتهاد في إرشاد الوثنيين الجهلاء إلى الحق والخلاص شفقة على نفوسهم وغيرة لله، لكنه يوبخ على الاجتهاد الذي غايته نوال المدح من الناس وزيادة عدد الطائفة لزيادة القوة الشخصية.
    ٱبْناً لِجَهَنَّمَ أي مثل الذين في جهنم وأهلاً لها. وهذا وصف لمن جاوز الحد في الشر. ولا نتوقع أن يتبع المرائين إلا المراؤون! فكان دخلاء الفريسيين حينئذٍ ليسوا وثنيين مخلصين ولا يهوداً مخلصين، فإنهم هدموا حواجز الخطية التي وضعها دينهم الأول، ولم يأخذوا شيئاً من حواجز الدين الثاني، فظلوا غائصين في شرور الوثنيين، وزادوا عليها شرور اليهود، فضوعفت لهم دينونة الدينين. ومثال أولئك الدخلاء بيت هيرودس، الذين كانوا أكبر الأشرار. وانتقاد المسيح لدخلاء الفريسيين لا يعني أنه يذم كل الدخلاء، فإن بعضهم كانوا من الأتقياء المخلصين (أعمال ١٣: ٤٣).
    ١٦ «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْقَادَةُ ٱلْعُمْيَانُ ٱلْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِٱلْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلٰكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَبِ ٱلْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ».
    متّى ١٥: ١٤ وع ٢٤ ومتّى ٥: ٣٣، ٣٤.
    الخطية الرابعة: التي ارتكبها الكتبة والفريسيون هي تعليمهم الكاذب في أمر القسم.
    ٱلْقَادَةُ ٱلْعُمْيَانُ كانوا بمنزلة القادة للشعب باعتبارهم معلميهم الروحيين، وكانوا كالعميان لأنهم جهلوا طريق الحق، وجرّوا غيرهم إلى طريق الباطل، فكانوا ضالين ومضلين.
    ٱلْقَائِلُونَ أي في تعليمهم الشعب.
    مَنْ حَلَفَ بِٱلْهَيْكَلِ نهى المسيح عن الحلف بالهيكل قبل ذلك، وصرح بأن ذلك كالحلف بالله (متّى ٥: ٣٤).
    فَلَيْسَ بِشَيْء أي لا يوجد على الحالف شيئاً، فمن نذر شيئاً أو وعد بشيء وحلف على القيام بإيفائه بالهيكل، فكأنه لم ينذر ولم يعد. وكثيراً ما شاع الحلف بالهيكل بين اليهود.
    بِذَهَبِ ٱلْهَيْكَلِ الأرجح أن المقصود بذلك القربان الذهبي في الخزانة المقدسة. فأذنب أولئك المعلمون لأنهم أجازوا تعليمهم الكذب والحنث خداعاً، والاستخفاف بالمُقسَم به الذي هو الله. وفي هذا التعليم تمييز باطل، والغاية منه تعظيم شأن القرابين وتفضيلها على الهيكل ليرغب الشعب في إكثار التقدمات، فيربح أولئك المعلمون.
    يَلْتَزِمُ أي يجب عليه أن يفي بالوعد المقسم عليه.
    لم يكن معلمو الناموس يريدون القسم على الإطلاق، ولكنهم جُرّوا للتساهل مع العامة الذين استعملوا القسم على أنواعه رغم التحذير والإنذار. ولكن هؤلاء المعلمين أخطأوا كما يخطئ رجال الدين والكنيسة مرات كثيرة، بأنهم ينزلون للناس بدلاً من أن يرفعوهم.
    ١٧ «أَيُّهَا ٱلْجُهَّالُ وَٱلْعُمْيَانُ، أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلذَّهَبُ أَمِ ٱلْهَيْكَلُ ٱلَّذِي يُقَدِّسُ ٱلذَّهَبَ؟».
    ٱلْجُهَّالُ وَٱلْعُمْيَانُ لأنهم لم يستطيعوا أن يدركوا أن ليس للذهب قداسة في ذاته، وأن القداسة المنسوبة إليه كانت من الهيكل، وأن قداسة الهيكل كانت من الله الذي اتخذه بيتاً يُعبَد فيه. فإذاً تمييزهم بين الحلف بالهيكل والحلف بذهبه باطل، فكلاهما ليس بشيء، والاعتبار كله لإله الهيكل.
    ١٨ «وَمَنْ حَلَفَ بِٱلْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلٰكِنْ مَنْ حَلَفَ بِٱلْقُرْبَانِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ».
    المذبح المقصود هنا هو مذبح المحرقات في دار الكهنة وهو مصنوع من النحاس. وكان طوله ٢٠ ذراعاً وعرضه ٢٠ ذراعاً وعلوه عشر أذرع (٢أخبار ٤: ١) وعليه قدموا كل ذبائحهم الدموية. واعتادوا أن يحلفوا به كثيراً.
    بِٱلْقُرْبَانِ المقصود بالقربان هنا ما يقدم على المذبح، فجعلوه أقدس من المذبح ليزيدوا اعتباره في عيون الناس فيزيد ربحهم به.
    يَلْتَزِمُ أي يثبت عليه أن يقوم بما حلف بالقربان أن يفعله.
    ١٩ «أَيُّهَا ٱلْجُهَّالُ وَٱلْعُمْيَانُ، أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلْقُرْبَانُ أَمِ ٱلْمَذْبَحُ ٱلَّذِي يُقَدِّسُ ٱلْقُرْبَانَ؟».
    خروج ٢٩: ٣٧
    ٱلْجُهَّالُ وَٱلْعُمْيَانُ هذا مثل ما ذكر في ع ١٧ فقد ميَّزوا بين أمرين لا فرق بينهما. فالذي قدس القربان هو المذبح الذي وُضع عليه، والذي قدس المذبح هو الله الذي ذلك المذبح له.
    ٢٠، ٢١ «٢٠ فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِٱلْمَذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِكُلِّ مَا عَلَيْهِ، ٢١ وَمَنْ حَلَفَ بِٱلْهَيْكَلِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِالسَّاكِنِ فِيهِ».
    ١ملوك ٨: ١٣ و٢أخبار ٦: ٢ ومزمور ٢٦: ٨ و١٣٢: ١٤
    علّم المسيح في هذين العددين أن كل قسم بالمذبح أو القربان أو الهيكل أو الذهب هو بالحقيقة قَسمٌ بالله، وأن كل ما ميزه الفريسيون بين الأقسام بها باطل. فالأقسام أو الحلف بواحد مما ذُكر على أمور زهيدة إثمٌ. والأقسام بكل منها في أمور ذات بال يُلزم المُقسم بالقيام بما أقسم به عليه. فكان خطأ الفريسيين بأنهم غفلوا في تعليمهم التمييز بين الأقسام عن الله الشاهد في كل قسَمٍ.
    بِالسَّاكِنِ فِيهِ أي بالله الذي كان الهيكل بيته، حيث أظهر مجده قديماً بين الكاروبيم (١ملوك ٨: ١١، ١٣ ومزمور ٨: ١) فكانت الذبائح التي تُقدم فيه لله وكذلك كل صلاة وتسبيح بناءً على أنه مكانٌ تلتقي به روح الإنسان بالله.
    ٢٢ «وَمَنْ حَلَفَ بِٱلسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ ٱللّٰهِ وَبِالْجَالِسِ عَلَيْه».
    مزمور ١١: ٤ ومتّى ٥: ٣٤ وأعمال ٧: ٤٩
    بِٱلسَّمَاءِ أي السماء العليا حيث يُظهر الله مجده بنوع خاص.
    بِعَرْشِ ٱللّٰهِ هذا مأخوذ من عادة الملوك الأرضيين أن يجلسوا على عرش لإظهار مجدهم للرعية. ونتيجة كل ما قيل في شأن الأقسام أنها كلها بالله، وأن كلها متساوية في إلزام الذي أقسم، إذ الشاهد بكلٍ منها هو الله. فلو بقي المسيح على الأرض بالجسد لوبخ كثيرين من الناس اليوم على نفس غلط الفريسيين.
    ٢٣ «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ ٱلنَّعْنَعَ وَٱلشِّبِثَّ وَٱلْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ ٱلنَّامُوسِ: ٱلْحَقَّ وَٱلرَّحْمَةَ وَٱلإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هٰذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْك».
    لوقا ١١: ٤٢ ، ١صموئيل ١٥: ٢٢ وهوشع ٦: ٦ وميخا ٦: ٨ ومتّى ٩: ١٣ و٢: ٧
    الخطية الخامسة: التي ارتكبها الكتبة والفريسيون هي أنهم جعلوا عرضيات الدين جوهرياته، وجوهرياته عرضياته، فاهتموا بالقشور دون اللباب.
    تُعَشِّرُونَ أمر الله اليهود في شريعة موسى أن يؤدوا عُشر دخلهم نفقة على اللاويين (لاويين ٢٧: ٣٠ وعدد ١٨: ٢٠ - ٢٤) وعشراً آخر منه لخدمة الهيكل (تثنية ١٤: ٢٢، ٢٤) وعُشراً ثالثاً منه لخدمة لهيكل (تثنية ١٤: ٢٢، ٢٤) وعُشراً آخر ينفقه على الفقراء كل سنة ثالثة (تثنية ١٤: ٢٨، ٢٩). أي أن كل واحد من اليهود كان عليه أن ينفق مما يقرب ثُلث دخله في سبيل الله. هذا علاوة على ما كان يتبرع به.
    ٱلنَّعْنَعَ وَٱلشِّبِثَّ وَٱلْكَمُّونَ هذه بقول صغيرة طيبة الرائحة، تستعمل غالباً في الأطعمة لتزيدها لذة. وقد تستعمل أدوية لكنها قليلة القيمة. واختلف اليهود في وجوب تأدية عشرها مع عشر حاصلات الحقول من الحنطة والخمر والزيت المعينة في الشريعة (تثنية ١٢: ١٧). فحكم الكتبة والفريسيون بوجوب تلك التأدية، فلم يلمهم المسيح على ذك الحكم، بل لامهم على أنهم أهملوا التدقيق في أمور أولى منها وألزم.
    تَرَكْتُمْ أي غفلتم واستهنتم.
    أَثْقَلَ ٱلنَّامُوسِ أي أهم مطالب الشريعة. نعم أن كل مطالب الله في الشريعة ذات شأن، ولكن أعظمها وأهمها قداسة القلب والسيرة وسائر الفضائل الروحية. لكن الفريسيين اعتنوا بالأمور العرضية كأنواع اللباس والطعام وحفظ الطقوس الخارجية، ولم يكترثوا بالتواضع والإيمان والمحبة ونحوها. فإن العهد القديم نفسه صرّح بما هو الأهم فيه (انظر إشعياء ١: ١٧ وميخا ٦: ٨ وهوشع ١٢: ٦)
    ٱلْحَقَّ المقصود بالحق هنا التمييز الروحي بين العرض والجوهر، وبين الرمز والمرموز إليه، وظل الخيرات والخيرات نفسها (لوقا ١٢: ٥٧ ويوحنا ٧: ٢٤). ويصح أيضاً أن يراد بالحق هنا العدل.
    ٱلرَّحْمَةَ أي إظهار الرفق والشفقة على الناس ولا سيما المصابون والخطاة (متّى ٥: ٧). وكثيراً ما قصر الفريسيون عن هذه الفضيلة (لوقا ٧: ٣٩ ويوحنا ٨: ٣ - ٥).
    ٱلإِيمَانَ كثيراً ما ورد الإيمان في العهد القديم بمعنى الأمانة لله والاتكال عليه. وهذه الفضائل الثلاث (الرحمة والحق والإيمان) تشمل أعظم واجباتنا للناس ولله. أما الفريسيون فغفلوا عنها لأنهم كانوا ظالمين منتقمين محبين الذات خادعين مرائين، لكنهم عشروا النعنع والشبث والكمون بكل تدقيق.
    هٰذِه أي الواجبات التي اعتنوا بها.
    تِلْكَ أي الواجبات العظمى وأنهم اكتفوا بالجزء الأصغر من واجباتهم دون الأعظم وبذلوا كل الجهد في حفظ الطقوس الخارجية بدلاً من الطهارة القلبية. فالتقي بالحق هو الذي يهتم بشريعة الله كلها، بجزئياتها وكلياتها، ويحترم كل وصية منها الاحترام الذي أراده الله لها.
    ٢٤ «أَيُّهَا ٱلْقَادَةُ ٱلْعُمْيَانُ، ٱلَّذِينَ يُصَفُّونَ عَنِ ٱلْبَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ ٱلْجَمَل».
    ٱلْقَادَةُ ٱلْعُمْيَانُ أهم ما يضطر إليه القادة هو النظر الصحيح، وإلا أضلوا من يقودونهم. وكان عمى الفريسيين أنهم جهلوا خطايا قلوبهم، وهو أشر أصناف العمى، وهو سبب عدم تمييزهم بين الحق والباطل في الروحيات.
    يُصَفُّونَ كان عادة اليهود تصفية الخمر والماء أحياناً قبل الشرب لئلا تكون في إحداها بعوضة، وهي بموجب الشريعة نجسة كالجمل. فأكلهما محرَّم (لاويين ١١: ٤، ٢٣، ٤١، ٤٢).
    ما أبدع هذه المبالغة وما أوقعها في النفس! فالقول ببلع الجمل من قبيل المجاز الذي يزيد الكلام روعة وجمالاً.
    يَبْلَعُونَ ٱلْجَمَل من أعظم الخلاف أن يجتهد الإنسان في حفظ الناموس إلى حدٍ يصفي عنده شرابه عن صغائر كالبعوضة، وهو ولو استطاع لبلع الحيوان الكبير المحرم أكله كالجمل! أراد المسيح بهذا أن يظهر غلط من يتجنب الصغائر ويرتكب الكبائر مطمئناً. ومثال ذلك ما تراءى في سيرة الفريسيين في بذل الدراهم ليهوذا الإسخريوطي ليسلم إنساناً زكياً إلى الموت، وهم يرفضون ضمها إلى خزانة الهيكل عندما ردها إليهم! واستئجار شهود زور على المسيح ووقوفهم خارج دار بيلاطس «صارخين اصلبه اصلبه» وهم يعتزلون دخول تلك الدار خوفاً من أن يتنجسوا. ولومهم التلاميذ على أكلهم الخبز بأيدٍ غير مغسولة، وهم يبطلون الوصية الخامسة من وصايا الله العشر بتعليمهم الكاذب في شأن القربان.
    ٢٥، ٢٦ «٢٥ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ ٱلْكَأْسِ وَٱلصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوآنِ ٱخْتِطَافاً وَدَعَارَةً! ٢٦ أَيُّهَا ٱلْفَرِّيسِيُّ ٱلأَعْمَى، نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ ٱلْكَأْسِ وَٱلصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضاً نَقِيّاً».
    مرقس ٧: ٤ ولوقا ١١: ٣٩
    الخطية السادسة: التي وبخ المسيح الكتبة والفريسيين عليها هي تفضيلهم الطهارة الطقسية على طهارة القلب والسيرة.
    خَارِجَ ٱلْكَأْسِ وَٱلصَّحْفَةِ كانوا يغسلون آنية الطعام بكل عناية خوفاً من النجاسة الطقسية (مرقس ٧: ٢ - ٥).
    مَمْلُوآنِ ٱخْتِطَافاً وَدَعَارَةً هذا مجاز قُصد به أمران: (١) أنهم حصلوا على طعامهم وشرابهم بالظلم والخداع لأنهم طماعون. و(٢) أنهم شرهوا ونهموا في الطعام والشراب طوعاً لشهواتهم لا لتغذية أجسادهم.
    ٱلأَعْمَى نسب المسيح إليه العمى لأنه لم يرَ الأمر الواضح الذي للبصير. وهو فرط جهالة من يدَّعي الطهارة بتنقيته خارج الإناء الذي لا يمس الطعام أو الشراب، وتركه داخله بلا غسل! وأظهر بهذا التعبير جهل الفريسيين باجتهادهم في تطهير أجسادهم وتركهم نفوسهم نجسة بخطايا يكرهها الله والناس.
    نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ.. الخ الكأس النظيفة هي النظيفة خارجاً وداخلاً. والإنسان الطاهر هو الطاهر طقسياً وأخلاقياً. فالأدب الظاهر ليس شيئاً ما لم يكن نتيجة الأدب الباطن. فأول واجبات الإنسان هو أن ينقي قلبه من الشر (إرميا ٤: ١٤). وهذا وفق قول الحكيم «فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ» (أمثال ٤: ٢٣) إن الدين هو أساس الأخلاق لا الأخلاق أساس الدين، والله وحده يقدر أن يطهر داخل الإنسان (مزمور ٥١: ٧، ١٠ وحزقيال ٣٦: ٢٥، ٢٦ ويوحنا ٣: ٣، ٥).
    ٢٧، ٢٨ «٢٧ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. ٢٨ هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً، وَلٰكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً».
    لوقا ١١: ٤٤ وأعمال ٢٣: ٣
    الخطية السابعة: التي وبخ المسيح الكتبة والفريسيين عليها هي الرياء. نعم إن الخطايا التي وبخهم عليها سابقاً لم تخلُص من الرياء، لكن المسيح وبخهم هنا على الرياء المحض الظاهر.
    قُبُوراً مُبَيَّضَةً المؤمنون المخلصون هياكل حية مقدسة، وأما الفريسيون المراؤون فليسوا سوى قبور موتى مبيضة. وكان اليهود يحسبون لمس القبر ينجس، بناءً على قوله «كُلُّ مَنْ مَسَّ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ قَتِيلاً بِالسَّيْفِ أَوْ مَيْتًا أَوْ عَظْمَ إِنْسَانٍ أَوْ قَبْرًا، يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ» (عد ١٩: ١٦، ١٨). وكان يهود أورشليم يبيضون قبورهم في الخامس عشر من شهر آذار كل سنة لينتبه لها الغرباء الزائرون، فلا يمسوها غفلة لئلا يتنجسوا. وفعلوا ذلك امتثالاً لقوله «فيعبر العابرون في الأرض، وإذا رأى أحد عظم إنسان يبني بجانبه صوة حتى يقبره القابرون» (حزقيال ٣٩: ١٥) وكان المسيح يخاطب اليهود بذلك في الزمن الذي كانوا قد أكملوا فيه تكليس القبور فكانت بيضاء جداً.
    مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً كان أغنياء اليهود يجتهدون أيضاً في تزيين قبور موتاهم إظهاراً لإكرامهم ومحبتهم لهم، ودلالة على غنى العائلة. ولا لوم عليهم في ذلك لأن الذين يعتقدون بقيامة الأموات يعتنون بمدافن الموتى. وقال المسيح إن الفريسيين مثل تلك القبور، فإن خارجها أبيض جميل، وداخلها عظام أموات! لأنهم يظهرون للناس أتقياء وهم يرتكبون الخطايا الفظيعة عمداً. وهذا هو الرياء الذي يكرهه الله.
    مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً كان الرياء ظاهرهم كالكلس على القبور: الإثم داخلهم كنجاسة القبور، كالحسد والشهوات والطمع والبُغض والانتقام وحب الرئاسة. والحق أن المرائين كالقبور نجسون ومنجَّسون.
    ٢٩، ٣٠ «٢٩ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ ٱلأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ ٱلصِّدِّيقِينَ، ٣٠ وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ ٱلأَنْبِيَاءِ!ِ».
    لوقا ١١: ٤٧
    الخطية الثامنة والأخيرة: التي وبخ المسيح الكتبة والفريسيين عليها هي تظاهرهم بزيادة الاحترام للأنبياء الموتى، وتلويم قاتليهم، بينما هم متمثلون بالقتلة، لا بالأنبياء ولا بالشهداء.
    تَبْنُونَ قُبُورَ ٱلأَنْبِيَاءِ الخ أظهر اليهود إعجاباً ظاهرياً بصفات أولئك الأنبياء وإكراماً لأسمائهم، وقصدهم أن يحسبهم الناس أتقياء كالأنبياء غيورين للدين مثلهم. وكان الأولى أن يكرموهم بالسير في خطواتهم والاقتداء بفضائلهم. لكنهم عملوا عمل هيرودس الكبير، فمع أنه عملاق في الإثم بنى قبر داود وزيَّنه أفخر زينة.
    وَتَقُولُونَ أي تظهرون بالفعل والكلام. فإنهم أبانوا غيظهم على آبائهم وكرههم لأعمالهم، لكنهم سلكوا سلوك آبائهم باضطهادهم الأتقياء وقصدهم قتل المسيح، فشاركوا آباءهم في قتل رجال الله.
    ٣١ «فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ ٱلأَنْبِيَاء».
    أعمال ٧: ٥١، ٥٢ و١تسالونيكي ٢: ١٥
    تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُم لأنكم تذمون الخطايا وترتكبونها، وتلومون القتلة وتتمثلون بهم، وتكرمون شهداء الأنبياء ولا تجرون بحسب تعاليمهم ولا تقتفون خطواتهم، فتشهدون على أنفسكم بأنكم تعرفون الحق وأنتم تسيرون في سبيل الشر. فلم يقصد المسيح أن بناءهم المدافن هو بمثابة شهادتهم على أنفسهم، بل اعتمد على أعمالهم، لأن شهادة ذلك البناء زور لمخالفتها سيرة حياتهم.
    أَبْنَاءُ قَتَلَةِ ٱلأَنْبِيَاء وذلك ليس بالتسلسل الطبيعي، بل بأعمالكم الشريرة لأنها تظهر تسلسلكم منهم، وأنكم ورثتم خصالهم الخبيثة بأنكم تسيرون في سبلهم، تضطهدون الصديقين وتقصدون قتل المسيح، ورياؤكم في كل ذلك جعلكم مكروهين جداً في عيني الله.
    ٣٢ «فَٱمْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ».
    تكوين ١٥: ١٦ و١تسالونيكي ٢: ١٦
    هذا أمرٌ لفظاً وخبرٌ معنى. فمناه أنهم سيبقون على ما هم عليه إلى أن يملأوا مكيال آبائهم. ويحسن أن نتصور لفهم هذا التشبيه مكيالاً كاد يمتلئ، وأنه متّى امتلأ يُنزع من مكانه. فأراد المسيح أن الأمة اليهودية منذ أيام الآباء ارتكبت إثماً فوق إثم، وذخرت لنفسها غضب الله. فكانت لا تحتاج أن تزيد على ما سلف من آثامها سوى قتل ابن الله ليمتلئ مكيال شرهم، ويأتي وقت نزعهم من مكانهم وزمن عقابهم. وذلك وفق قول الله لإبراهيم في شأن الأموريين «َفِي ٱلْجِيلِ ٱلرَّابِعِ يَرْجِعُونَ إِلَى هٰهُنَا، لأَنَّ ذَنْبَ ٱلأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى ٱلآنَ كَامِلاً» (تكوين ١٥: ١٦). فلم يمتلئ مكيال شرهم إلا بعد مرور ٤٠٠ سنة من خطاب الله لإبراهيم. ويوافقه أيضاً ما قيل في الآيات الآتية (إرميا ٤٤: ٢٢ ورؤيا ١٤: ١٥، ١٨).
    ٣٣ «أَيُّهَا ٱلْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي، كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ».
    متّى ٣: ٧ و١٢: ٣٤
    هذا كلام قوي جداً ولا عجب إن ثاروا حانقين ساخطين. وقارن هذا القول بإنذار يوحنا المعمدان في متّى ٣: ٧.
    أَيُّهَا ٱلْحَيَّاتُ شبههم بالحيّات لأنهم مثلها في الخداع والأذى.
    أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي سماهم قبلاً «أبناء قتلة» وسماهم هنا «أبناء الأفاعي» دلالة على المشابهة لشر الحيات.
    كَيْفَ تَهْرُبُونَ أي ما دمتم على تلك الصفات لا يمكنكم أن تهربوا من الدينونة.
    دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ أي الحكم عليهم بعذاب جهنم. وتكلم المسيح بذلك باعتبار أنه ديان إلهي لمن لا يصغون إلى إنذاره. وهذا خلاصة ما أنبأهم به من قوله «الويل لكم» ثماني مرات. وللمسيح وحده الحق بأن ينطق بمثل ذلك الكلام، لأنه وحده يعلم ما في القلوب، وهو الذي عينه الله دياناً للعالمين.
    ٣٤ «لِذٰلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ».
    متّى ١٠: ١٧ و٢١: ٣٤، ٣٥ وأعمال ٥: ٤٠ و٧: ٥٨، ٥٩ و٢٢: ١٩ و٢كورنثوس ١١: ٢٤، ٢٥
    أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً سمَّى اليهود معلميهم في الدين بهذه الأسماء، فاتخذها المسيح أسماء لرسله وسائر المبشرين الذين عزم على أن يرسلهم. وإرسالهم إلى الأشرار برهان على عظمة شفقته عليهم ورغبته في خلاصهم.
    فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ مثل استفانوس (أعمال ٧: ٥) ويعقوب (أعمال ١٢: ١، ٢)
    وَتَصْلِبُونَ لم يكن لليهود يومئذٍ أن يصلبوا أحداً، لكنهم كانوا يسلّمون من يحكمون عليه بالموت صلباً إلى الرومان ليجروا الحكم فيه. ولا شك أنهم فعلوا ذلك بالمسيحيين. وعدم وروده في التواريخ ليس دليلاً على عدم حدوثه، لأن تواريخ تل الأزمنة قليلة ومختصرة جداً.
    وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ ومن أمثال ذلك ما ذُكر في سفر الأعمال (أعمال ٥: ٤٠ و٢٢: ١٩، ٢٤) وما ذُكر في ٢كورنثوس ١١: ٢٤، ٢٥.
    فِي مَجَامِعِكُمْ (متّى ١٠: ١٧ وأعمال ٢٢: ١٩) لأن المجمع كان مكاناً للحكم والقصاص.
    وَتَطْرُدُون الخ وقع ذلك على أكثر الرسل. ولنا مما ذُكر أن منح الله وسائط النعمة يعظم إثم الذين يرفضونها ويعجل عقابهم.
    ٣٥ «لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زَكِيٍّ سُفِكَ عَلَى ٱلأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ ٱلصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا ٱلَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ ٱلْهَيْكَلِ وَٱلْمَذْبَحِ».
    رؤيا ١٨: ٢٤ وتكوين ٤: ٨ و١يوحنا ٣: ١٢ و٢أيام ٢٤: ٢٠، ٢١
    يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ شبَّه المسيح هنا إثم الأمة اليهودية بسفكها الدم الزكيّ، وشبَّه ما استحقته من القصاص على ذلك بنهرٍ يعظُم بكل قتل ارتُكب من أيام هابيل إلى آخر قتل ترتكبه تلك الأمة. وكله يصب دفعة واحدة عليها في الأيام الأخيرة. فإن الأمة اليهودية صُورت في كل عصورها بشخص واحد. وأن الجيل الذي كان في عصر المسيح اشترك بسفكه دم المسيح ورسله في إثم الأمة كلها، بل في إثم كل قاتل منذ خلق الإنسان، ولذلك اشتركت في عقاب أولئك الأثمة (متّى ٢٧: ٢٥ وأعمال ٥: ٢٨) ومن ذلك خراب هيكلهم ومدينتهم، وقتل بعضهم وسبي الباقين.
    كُلُّ دَمٍ زَكِيٍّ أي كل عقاب يستحقه سفاك الدم الزكي (٢ملوك ٢١: ١٦ و٢٤: ٤ وإرميا ٢٦: ١٥ ومرقس ٤: ١٣) ومثل ذلك قوله على بابل «وَفِيهَا وُجِدَ دَمُ أَنْبِيَاءَ وَقِدِّيسِينَ، وَجَمِيعِ مَنْ قُتِلَ عَلَى الأَرْضِ» (رؤيا ١٨: ٢٤). فالله عاقب العبرانيين على آثامهم في وقت ارتكابهم إياها بعض العقاب (إشعياء ٩: ١٢ - ١٧). وأبقى إيقاع بعضه على أولادهم الذين تبعوا خطواتهم الأثيمة وفقاً لقوله «أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ» (خروج ٢٠: ٥) نعم إن الله لا يحسب إثم الآباء على الأبناء إن كانوا أبرياء «اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ... بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ» (حزقيال ١٨: ٢٠). وذلك بشرط أن لا يرتكب الابن خطية أبيه، ولا يلتمس له العذر عنها، وإلا كان شريكاً له فيها وفي عقابها. وكثيراً ما نرى أن نتائج خطايا الإنسان تقع على أولاده، كفقر أولاد السكارى والمسرفين والذين يخالفون شرائع الصحة والعفة.
    دَمِ هَابِيلَ كان هابيل أول قتيل قتله أخوه قايين. وكان اليهود مثل ذلك القاتل روحاً وفعلاً، فشاركوه في العقاب. ويظهر من هذا أن الله يراقب كل المظالم التي تقع على عبيده، ولا بد أن يطالب بدمهم.
    زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا لم يتحقق من هو زكريا هذا. لكن ظن أكثر المفسرين أنه النبي الذي ذُكر في سفر الأيام الثاني (٢أخبار ٢٤: ٢٠ - ٢٢) فإن اليهود قتلوه في دار بيت الرب، وقال عند موته «الرب ينظر ويطالب» ولكن ذاك كان ابن يهوياداع. ويحتمل أنه كان له اسمان كما كان لكثيرين من اليهود، مثل متّى الذي كان اسمه أيضاً لاوي، ومثل لباوس الذي سُمي أيضاً تداوس. ويحتمل أن يكون المقصود بالابن: الحفيد، وذلك وارد بكثرة في الكتاب المقدس. ويوافق ذلك أن يهوياداع مات في سن المئة والثلاثين، ولم يُقتل زكريا إلا بعد موته بمدة. وظن البعض أن المسيح لم يقل «ابن برخيا» لأن لوقا نقل كلام المسيح بدونه، ولم يوجد ذلك في قول متّى في أقدم النسخ. فعلَّة وقوعه هنا هي أن أحد النساخ في القرون الأولى أدخله تفسيراً، فحُسب زكريا بن يهوياداع زكريا بن برخيا كاتب النبوة المعروفة (زكريا ١: ١) ولعل هذا هو الأرجح.
    ٱلَّذِي قَتَلْتُمُوه أي قتلته أمتكم، ولكنكم شاركتم القتلة في ذلك لأنكم نسجتم على منوالهم.
    بَيْنَ ٱلْهَيْكَلِ وَٱلْمَذْبَح المقصود بالهيكل هنا قدس الأقداس، وبالمذبح مذبح المحرقة تجاهه في دار الكهنة (متّى ٢٦: ٦١ ويوحنا ٢: ١٩).
    ٣٦ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هٰذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هٰذَا ٱلْجِيلِ».
    هذا نتيجة ملئهم مكيال آبائهم. فالذي أضاف آخر جزء إلى المكيال وملأه شريكٌ للذي وضع فيه أول جزء! ولا ظلم في ذلك لأنهم عملوا أعمال آبائهم، وأظهروا أن روحهم كروح أولئك الآباء. ولأنهم قادرون أن يتخلصوا من ورثة الإثم والقصاص بالتوبة وطلب الرحمة.
    عَلَى هٰذَا ٱلْجِيلِ خربت أورشليم بعد ذلك بأربعين سنة، فلا بد أن كثيرين من المخاطبين وغيرهم من اليهود المعاصرين شاهدوا خرابها. وبهذا تم قول المسيح حقيقة. وظن كثيرون أن المسيح أراد بقوله «هذا الجيل» أمة اليهود بلا التفات إلى الزمان كما ورد في متّى ١٢: ٤٥ وأعمال ٢: ٤٠ وفي ٢: ١٥ وهو المرجح.
    ٣٧ «يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ ٱلأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ ٱلدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا».
    لوقا ١٣: ٣٤ وتثنية ٣٢: ١١، ١٢ ومزمور ١٧: ٨ و٩١: ٤
    يَا أُورُشَلِيمُ رثى المسيح تلك المدينة بهذا الكلام سابقاً (لوقا ١٣: ٣٤، ٣٥) إظهاراً لشفقته عليها بعد اضطراره إلى إنذارها. أما شفقته فكانت على شعب الأمة المضَلين. وخص المسيح أورشليم بالذكر لأنها المدينة المقدسة عند اليهود ومركز سياستهم ودينهم، ولأنها زادت على غيرها من المدن شراً كما زادت عليها عظمة. ولما رثى أورشليم لم يرثِ الساكنين فيها حينئذٍ فقط، بل رثى كل من سكنها في العصور الماضية، وكل من يسكنها في السنين المستقبلة فقد مثلوا جميعهم أمامه كأنه يخاطبهم وهم يصغون إليه.
    قَاتِلَةَ ٱلأَنْبِيَاءِ أي المعتادة أن تسفك دم الأنبياء، والمستعدة أن تسفكه (١ملوك ١٨: ٤ ونحميا ٩: ٢٦ وإرميا ٢: ٣٠ و٢٦: ٢٣ وعبرانيين ١١: ٣٧). وأراد بالأنبياء رُسل الله في كل عصر. وأراد بقوله «قاتلة» كل المظالم والتعديات التي أوقعها اليهود على أولئك الرسل.
    رَاجِمَةَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا متّى ٢١: ٣٥ ويوحنا ١٠: ٣١، ٣٩ وأعمال ٧: ٥٨ و٢١: ٣١ و٢٢: ٢٢، ٢٣.
    كَمْ مَرَّةٍ... أَنْ أَجْمَعَ أظهر المسيح بهذا فرط محبته ورقة قلبه على أهل أورشليم، وشوقه الشديد إلى أن يحميهم ويعتني بهم. وأشار بذلك إلى وعظه وإرساله رسله أمام وجهه إليهم.
    أَوْلاَدَكِ أي سكانك وسائر أمتك، وأراد بقوله «أجمع» أنه يحميهم من الهلاك الزمني والهلاك الأبدي. ورثى المسيح اليهود للمصائب التي ستأتي عليهم لصلبهم إياه. لكنه لم يرثِ نفسه للآلام التي ستقع عليه منهم.
    كَمَا تَجْمَعُ ٱلدَّجَاجَةُ كثر هذا التشبيه في الكتاب المقدس دلالة على عناية الله وحمايته (تثنية ٣٢: ١١ ومزمور ١٧: ٨ و٣٦: ٧ و٥٧: ١ و٦١: ٤ وإشعياء ٣١: ٥ وملاخي ٤: ٢ ومتّى ٢٤: ٢٨).
    وَلَمْ تُرِيدُوا (إشعياء ٢٨: ١٢ و٣٠: ١٥ ويوحنا ٥: ٤٠). نعم إن أفراداً من اليهود قبلوا المسيح وآمنوا به ونجوا، ولكن اليهود باعتبار أنهم أمة رفضوه وأظهروا عنادهم وشرهم برفضهم ما أظهره من المحبة لهم. وفي هذا العدد وما يليه بيان حرية الإنسان التامة، والمسؤولية التي عليه لمقاومته وعناده وشره برفضه محبة المسيح. وفيه أيضاً بيان سلطان الله المطلق الذي يظهر بقضائه على تلك الأمة، والتصريح بأنه لا بد من وقوع ذلك القضاء. ولا زال المسيح يشفق على الخطاة الساقطين إلى هاوية الهلاك، كما شفق يومئذٍ على أثمة اليهود. ولا زال يرغب في إنقاذهم، ويتضرع إليهم بكتابه المقدس، وكلام مبشريه، أن يأتوا إليه ليخلصوا. وعلة عدم نجاتهم الوحيدة هي أنهم لم يريدوا. ومِن رفض المسيح هلك لا محالة لأنه ليس بغيره الخلاص.
    ٣٨ «هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً».
    بَيْتُكُمْ أي هيكلكم الذي كان سابقاً بيت الله (٢أخبار ٦: ٢ ومزمور ٢٦: ٨) لكن الله هجرهُ فصار بيتهم لا بيته.
    خَرَاباً كان حينئذٍ خراباً من الناحية الروحية، ولكنه مزمع أن يصير خراباً حقيقياً فإن المسيح بعد نطقه بهذا الكلام بقليل ترك الهيكل إلى الأبد (متّى ١٤: ١) وهذا دليل على بدء خرابه. والذي قاله المسيح عن الهيكل وقع على أورشليم نفسها وعلى سائر بلاد اليهود. وبعد هذا الترك بقليل جاء الرومان آلة انتقام الله وأكملوا الخراب.
    ٣٩ «لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَنِي مِنَ ٱلآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ ٱلآتِي بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ».
    مزمور ١٨: ٢٦ ومتّى ٢١: ٩
    هذا وداع المسيح للهيكل وللأمة اليهودية وختام كلامه لها، وما قاله بعد إنما خاطب به رسله المختارين.
    إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَنِي لم يظهر المسيح بعد قيامته إلا لقليلين انتخبهم الله شهوداً بقيامته (أعمال ١٠: ٤٠، ٤١).
    حَتَّى تَقُولُوا هذه نبوة برجوع اليهود في المستقبل إلى الرب (تثنية ٤: ٣٠، ٣١ وهوشع ٣: ٤، ٥ وزكريا ١٢: ١٠ و١٤: ٨ - ١١ ورومية ١١: ٢٥ - ٣٢) وهذه النبوة لم تتم بعد، ولكن لا بد من إتمامها.
    مُبَارَكٌ ٱلآتِي الخ هذا مقتبس من مزمور ١١٨: ٢٦ وقد نادى به بعض التلاميذ عند الاحتفال بدخوله أورشليم (متّى ٢١: ٩) والذي اشترك فيه بعض الناس. كذلك سيكون نداء كل الأمة اليهودية عن يقين أن يسوع هو المسيح والترحيب به بسرور وقبوله بفرح.

    الأصحاح الرابع والعشرون


    ١ «ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَمَضَى مِنَ ٱلْهَيْكَلِ، فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ لِكَيْ يُرُوهُ أَبْنِيَةَ ٱلْهَيْكَلِ».
    مرقس ١٣: ١ الخ ولوقا ٢١: ٥ الخ
    خَرَجَ يَسُوع هذا خروجه الأخير من الهيكل، وقد ذهب بعده إلى جبل الزيتون (ع ٣) وتكلم معه تلاميذه في الطريق عن غرابة بناء الهيكل (مرقس ١٣: ٤).
    أَبْنِيَةَ ٱلْهَيْكَلِ (راجع متّى ٢١: ١٢) أي كل ما بُني في أرضه من غُرف ودور وأروقة وأعمدة وأبواب جميلة مغشاة بالفضة والذهب، وكان أحدهما من النحاس الكورنثي. قال مرقس إن التلاميذ وجهوا أفكار المسيح إلى حجارة الهيكل. وقال يوسيفوس المؤرخ إن طول بعض تلك الحجارة كان ٤٥ ذراعاً، وعرضه ستاً، وسمكه خمساً، وإنه كان أكبر الحجارة في الجانب الشرقي من الهيكل حيث بُني الجدار من بطن الوادي إلى قمة جبل الموريَّا.
    ٢ «فَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هٰذِهِ؟ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ هٰهُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!».
    ١ملوك ٩: ٧ وإرميا ٢٦: ١٨ وميخا ٣: ١٢ ولوقا ١٩: ٤٤
    حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ كان كلامه يظهر وقتئذٍ من أبعد الممكنات، لأن اليهود كانوا يومئذٍ في حال السلم والراحة. وكان الرومان في قوة لا يظن أحد أن تعصاها أمة صغيرة كاليهود. وكان الهيكل واسعاً غنياً في غاية السمو وافتخار الأمة به، ولكن بعد ٤٠ سنة أخربه الرومان في سنة ٧٠م، لأن اليهود عصوا الرومان فأرسل الرومان الجنود لإذلالهم. وأراد تيطس القائد الروماني أن يحتفظ بالهيكل، لكن أحد جنوده ألقى النار إلى الهيكل خلافاً لأمره. ولما بدأت تتقد فيه بذل جهده في إطفائها فلم يستطع، فتم خرابه.
    وبعد أن استولى تيطس على المدينة والهيكل أمر بهدم المدينة والأسوار إلى أسسها، ولم يترك إلا ثلاثة أبراج بناها هيرودس الكبير في ناحية الشمال الغربي من المدينة. وفعل العسكر ذلك رغبة في إرضائه، وفي كشف ما دُفن هنالك من الكنوز. فحرث كيرنتيوس روفس أحد قواد تيطس الأرض التي كانت فيها أسس الهيكل. قيل إن الخراب بلغ مبلغاً غريباً حتى تعذر على من قصد ذلك المكان التصديق إنه كان مأهولاً. ولا يناقض نبوة المسيح ما يصادف اليوم من بقايا جدران المدينة التي أقيمت لتوسيع دائرة الهيكل، فإن بقاءها هنالك نتج عن مواراتها بالحجارة التي طُرحت عليها وقت الهدم. ولم يكن من قصد الجنود أن يبقوا حجراً على حجر فوقع ذلك رغماً عن إرادتهم. ولم تظهر بقايا تلك الجدران إلا بعد مرور سنين كثيرة.
    ٣ «وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ ٱلزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلتَّلاَمِيذُ عَلَى ٱنْفِرَادٍ قَائِلِينَ: قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هٰذَا، وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ؟».
    ١تسالونيكي ٥: ١ الخ
    تنبأ لهم إرميا بمثل هذا الخراب في أيام نبوخذنصر، ويمكن مطالعة الكثير من أصحاحات هذه النبوة لمناسبتها ولزيادة التشابه بين السيد له المجد وهذا النبي العظيم إرميا، الذي تكلم بالحق ولم يشأ أن يساير الباطل.
    جَبَلِ ٱلزَّيْتُون هو شرق أورشليم، وتُرى منه المدينة والهيكل بوضوح.
    ٱلتَّلاَمِيذُ أي أربعة منهم وهم بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس (مرقس ١: ٣). وهذا لا يستلزم أن بقية التلاميذ لم يسمعوا الخطاب. إنما السؤال كان من الأربعة.
    هٰذَا أي خراب أورشليم بناءً على ما قاله وهو في الهيكل (متّى ٢٢: ٣٨) وما قاله وهو على الطريق (ع ٢).
    مَجِيئِكَ أشار المسيح إلى مجيئه الثاني في متّى ٢٣: ٣٩ وتوقع التلاميذ رجوعه يقيناً وحقيقة ليعاقب أعداءه ويملك ملكاً أرضياً، حتى أنهم بعد موته وقيامته كانوا لا يزالون يتوقعون قرب مجيئه (١تسالونيكي ٢: ١٩ و٣: ١٣ ويعقوب ٥: ٧ و١يوحنا ٢: ٢٨).
    ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ لا نعرف ماذا قصدوا بانقضاء الدهر. هل أرادوا بها نهاية النظام الحاضر وبدء مُلك المسيح على الأرض كانتظارهم مع سائر اليهود، أو هل أرادوا نهاية العالم كله كما أنبأ المسيح (في متّى ١٣: ٣٩، ٤٠ وكما في متّى ٢٩: ٣٨). فجمعوا في هذا السؤال ثلاثة أشياء: (١) خراب الهيكل (٢) مجيء المسيح ثانيةً (٣) انقضاء العالم.
    ٤ «فَأَجَابَ يَسُوعُ: ٱنْظُرُوا، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ».
    أفسس ٥: ٦ وكولوسي ١: ٨، ١٨ و٢تسالونيكي ٢: ٣ و١يوحنا ٤: ١
    فَأَجَابَ يَسُوعُ نقرأ إجابته في أصحاحي ٢٤، ٢٥ كليهما، وهو ما تفوه به على الجبل. وفي هذا الجواب ثلاثة أمور تستحق الالتفات إليها: (١) إن المسيح لم يبين زمان حدوث ما أنبأ به. (٢) إنه أنبأ بأمرين هما: خراب أورشليم ونهاية العالم. وأولهما رمز إلى الثاني، فيعسر علينا كثيراً أن نميز أي الأمرين كان يشير إليه، وأين ينتهي كلامه عن الأول، وأين يبدأ الثاني. وليس هناك فاصل واضح، لكننا نعلم أن أول كلامه كان يشير بالأكثر إلى خراب أورشليم الذي هو رمز، وآخره إلى نهاية العالم الذي هو المرموز إليه. والذي يقرب أن يكون فاصلاً بينهما هو في متّى ٢٤: ٢٨. وكثير منه يشتمل على كلا الموضوعين. و(٣) أن تلك النبوة كسائر النبوات لم يقصد الله أن نفهمها حق الفهم إلا بعد أن تتم. وغايته منها أن تقوى ثقتنا بصدقه عند إتمامها، لا مجرد إنبائنا بالمستقبل (يوحنا ١٤: ٢٩)
    ٱنْظُرُوا حذرهم يسوع قبل أن يجيب سؤالهم من أن يُخدعوا، فأنبأهم بأمور تظهر للناس أنها من علامات مجيئه وهي ليست كذلك.
    ٥ «فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِٱسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ».
    إرميا ١٤: ١٤ و٢٣: ٢، ٢٥ ومتّى ٢٤: ١١، ٢٤ ويوحنا ٥: ٤٣
    كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ أنبأهم بقيام كثيرين يخدعون الشعب فإن كل الأمة اليهودية كانت تنتظر مجيء المسيح وقتئذٍ، مما شجَّع كثيرين على الادعاء أنهم مسحاء، وحمل الأمة على تصديقهم.
    بِٱسْمِي أي بدعوى أنهم مسحاء وأن نبوات العهد القديم تمت بهم، وبذلك يُخشى من أنهم يخدعون الرسل أنفسهم. قال يوسيفوس المؤرخ اليهودي إن مزورين وسحرة جذبوا إليهم كثيرين إلى البرية بعد أن وعدوهم بالمعجزات. فمنهم من جُنَّ ومنهم من عاقبة فيلكس الوالي. وكان من المزورين ذلك المصري الذي ذُكر في سفر الأعمال (أعمال ٢١: ٣٨) أنه جذب إليه كثيرين من الناس إلى جبل الزيتون واعداً إياهم أنه سيخرب أسوار أورشليم بكلمته. وقال أيضاً إن البلاد امتلأت بالمسحاء الكذبة، وإنه كل يوم كان يُمسَك أناسٌ منهم ويُقتلون.
    ٦ «وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ هٰذِهِ كُلُّهَا، وَلٰكِنْ لَيْسَ ٱلْمُنْتَهَى بَعْدُ».
    بِحُرُوبٍ كان وقت نطق المسيح بهذه النبوة سلام عام، ولكن صار بعده اضطرابات وفتن كثيرة وحروب هائلة في أماكن مختلفة، ومنها الحرب التي اشتعلت في الإسكندرية سنة ٣٨م بين المصريين واليهود المقيمين بها، ومنها حرب اتقدت في سلوكية قُتل فيها خمسون ألفاً من اليهود، وكثرت الحروب في المملكة الرومانية بين أحزابها فقُتل فيها أربعة أباطرة في ١٨ شهراً.
    وفي هذه العبارات استعمل المسيح وظيفته النبوية على أكمل وجه، فحذر تلاميذه وأتباعه من الخطر ليحذِّروا الآخرين فينجون هم، وينجو من يسمعون ويتحذرون. ولكنهم لم يتحذروا لسوء الحظ.
    لاَ تَرْتَاعُوا أي لا تخافوا من خراب أورشليم حينئذٍ، بل توقعوا علامات أخرى قبله.
    ٧ «لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ».
    ٢أخبار ١٥: ٦ وإشعياء ١٩: ٢ وحجّي ٢: ٢٢
    أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ تم ذلك بأن هاج خصام وقتل شديد بين اليهود والسامريين، وبين اليهود ومن سكن معهم المدن من اليونانيين، فقتل يونانيو قيصرية عشرين ألفاً من اليهود. ثم انتقم اليهود من اليونانيين الساكنين في القرى. وقام في الرومان قيصران أوثو وفيتليوس، فالتحمت الحرب بين أحزابهما.
    مَجَاعَاتٌ منها المجاعة التي تنبأ بها أغابوس (أعمال ١١: ٢٨) وحدثت سنة ٤٩م. وكتب نبأ تلك المجاعات المؤرخون الوثنيون منهم تاسيتوس وسنيكا.
    وَأَوْبِئَةٌ ومن ذلك وباء تفشى في روما سنة ٦٥م مات به ثلاثون ألفاً.
    وَزَلاَزِلُ منها زلزلة في كريت سنة ٤٦م، وزلزلة في روما سنة ٥١ م وزلزلة في أفاميا سنة ٦٣ وزلزلة في لاذقية فريجية سنة ٦٠م وزلزلة في أورشليم سنة ٦٧م. وذكر أنه في أيام نيرون حدثت زلازل في كولوسي وسميرنا (أي إزمير) ومليتوس وساموس وخيوس وغيرها.
    ٨ «وَلٰكِنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ ٱلأَوْجَاعِ».
    أي أن الأوجاع التي تكون وقت خراب أورشليم أشد من الأوجاع المذكورة، وأن تلك الحروب والزلازل والمجاعات وغيرها ليست أدلة على مجيء المسيح ونهاية العالم.
    ٩ «حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٍ وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ ٱلأُمَمِ لأَجْلِ ٱسْمِي».
    متّى ١٠: ١٧، ٣٢ ويوحنا ١٥: ٢٠ و١٦: ٢ وأعمال ٤: ٢، ٣ و٧: ٥٩ و١٢: ١ الخ و١بطرس ٤: ١٦ ورؤيا ٢: ١٠، ١٣
    يُسَلِّمُونَكُم تنبأ المسيح أن لتلاميذه نصيباً من تلك المصائب، وهي الاضطهادات من الخارج. وهذا كان أول شرور أربعة تنبأ بأنها تقع على كنيسته الصغيرة.
    يَقْتُلُونَكُمْ أي يقتلونكم أنتم ومن يؤمن إيمانكم (أعمال ٧: ٥٩، ٦٠ و٨: ٣، ٤ و١٢: ٢).
    مُبْغَضِينَ أي من الوثنيين واليهود (أعمال ١٦: ١٩ - ٢٢ و١٩: ٢٨ و٢٨: ٢٢ و١بطرس ٢: ١٢ و٣: ١٦ و٤: ١٤). قال تاسيتوس المؤرخ الروماني إن المسيحيين فرقة مكروهة من الناس. وحسب الرومان اعتناق المسيحية إثماً يستحق مرتكبه الموت.
    لأَجْلِ ٱسْمِي أي لاعترافكم بي ونسبتكم إليَّ ولسيركم سيرتي. وكان المسيحيون يهيجون بغض الرومان لهم لتوبيخهم إياهم على عبادة الأوثان، وعلى ما كانوا يرتكبونه من الرذائل.
    ١٠ «وَحِينَئِذٍ يَعْثُرُ كَثِيرُونَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيُبْغِضُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً».
    متّى ١١: ٦ و١٣: ٥٧ و٢تيموثاوس ١: ١٥ و٤: ١٠
    تنبأ المسيح في هذا العدد بضيق ثانٍ يأتي على كنيسته، وهو ارتداد بعض أعضائها وخيانتهم لإخوتهم.
    يَعْثُرُ ارتد كثيرون عن المسيح للضيقات التي وقعوا فيها، وللاضطهاد ولخسارة المال والأصحاب والحياة، ولبطء نجاح الكنيسة وعدم مجيء المسيح في الحال. وكثيراً ما نرى في رسائل الرسل التحذير من الارتداد، مما يدلنا على كثرة وقوعه.
    وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً أي أن المرتد منهم يسلم الثابت. قال تاسيتوس إنه في مدة اضطهاد نيرون الذي سماه «تأديباً» حكم على كثيرين من المسيحيين بالقتل بناءً على شهادة بعضهم. وكان ذلك التسليم إلى المجالس والقضاة الوثنيين.
    وَيُبْغِضُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً لم يرد المسيح أن المؤمنين الحقيقيين يفعلون ذلك، بل المدَّعين أنهم مسيحيون. وأشد أعداء الكنيسة في كل عصورها كانوا من أعضائها المرتدين الذين أضروها إضراراً لم يستطعه غيرهم. وزاد لوقا على ما ذكره متّى هنا قول المسيح «سَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالإِخْوَةِ وَالأَقْرِبَاءِ وَالأَصْدِقَاءِ» (لوقا ٢١: ١٦). وذكر متّى من أقوال المسيح مثل هذا قبلاً (متّى ١٠: ٢١).
    ١١ «وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ».
    متّى ٧: ١٥ وأعمال ٢٠: ٢٩ و١تيموثاوس ٤: ١ الخ و٢بطرس ٢: ١.
    هذا شرٌ ثالث تنبأ المسيح بأنه يقع على الكنيسة، وهو نشوء بدع وتعاليم فاسدة فيها.
    أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ المقصود بالأنبياء هنا معلمو الديانة. وتدل الآيات التالية على تمام هذه النبوة: (أعمال ٢٠: ٣ ورومية ١٦: ١٧، ١٨ و٢كورنثوس ١١: ١٣ وغلاطية ١: ٧ - ٩ وكولوسي ٢: ١٧ و١تيموثاوس ١: ٦، ٧، ٢٠ و٤: ١و٢تيموثاوس ٢: ١٨، ١٩ و: ٦ - ٨ و٢بطرس ٢: ١، ٢ و١يوحنا ٢: ١٨ و٤: ١ و٢يوحنا ٧ ويوحنا ومتّى ٢٤: ٤). وقد وُصف الأنبياء الكذبة في هذه الآيات برسل كذبة ومعلمين كذبة، وأضداد المسيح وأرواح مضلة.
    وذكر يوسيفوس عن قيام أنبياء كذبة بين اليهود قبل خراب أورشليم بل في زمن الحصار نفسه، وأنهم وعدوا الناس بنجاة من السماء فمنعوهم عن الهروب من المدينة ومن التسليم إلى الرومان حين عرضت عليهم شروط الصلح وثبتوهم على عنادهم.
    ١٢ «وَلِكَثْرَةِ ٱلإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ ٱلْكَثِيرِينَ».
    تنبأ المسيح هنا بالشر الرابع الذي يقع على كنيسته، وهو أنها تتأثر من الشرور التي تكثر في العالم فتشبه أهله. وهذا ما يشير إليه قوله «تَبْرُدُ مَحَبَّةُ ٱلْكَثِيرِينَ» وتمَّ ذلك كما نرى من الآيات التالية: (غلاطية ٣: ١ و١تيموثاوس ٦: ٩، ١٠ و٢تيموثاوس ١: ١٥ و٤: ١٠ ويعقوب ٢: ٢، ٦ وعبرانيين ١٠: ٢٥ ورؤيا ٢: ٤ و٣: ١٥.
    ١٣ «وَلٰكِنِ ٱلَّذِي يَصْبِرُ إِلَى ٱلْمُنْتَهَى فَهٰذَا يَخْلُصُ».
    متّى ١٠: ٢٢ وعبرانيين ٣: ٦، ١٤ ورؤيا ٢: ١٠
    يحتمل هذا الكلام معنيين: (١) أن الذي يبقى ثابتاً في إيمان المسيح بمحبة وغيرة، مع احتمال الإهانة والاضطهاد والفقر بدون فتور إلى وقت خراب أورشليم، لا يهلك فيها. جاء في التواريخ أنه لم يُقتل أحد من المسيحيين في وقت حصار أورشليم ولا في وقت خرابها. وزاد لوقا بنقله ما يوافق هذا المعنى وهو قول المسيح «وَلكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ» (لوقا ٢١: ١٨). (٢) أن الذي يثبت إلى يوم موته شهيداً أو يُقتل قتلاً من أجل اسمي، أو الذي يموت موتاً طبيعياً وهو مؤمن بي وبمجيئي الثاني في موكب الغلبة والانتصار ينال خلاصاً أبدياً. وفي كلا المعنيين يعلمنا أن الذي يثبت في إيمانه إلى نهاية ما عيَّنه الله من امتحانه ينال ثوابه (أفسس ٦: ١٣ ورؤيا ٢: ٧ - ١١، ١٧) وفيه وعظ بالصبر والثبات في أزمنة الضيق. ولنا مما سبق أمران: (١) فرط شر العالم قبل خراب أورشليم و(٢) مثله قبل نهاية العالم.
    ١٤ «وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوتِ هٰذِهِ فِي كُلِّ ٱلْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ ٱلأُمَمِ. ثُمَّ يَأْتِي ٱلْمُنْتَهَى».
    رومية ١٠: ١٨ وكولوسي ١: ٦، ٢٣
    بِبِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوتِ أي الإنباء بالخلاص الذي بالمسيح.
    فِي كُلِّ ٱلْمَسْكُونَةِ غلب استعمال المسكونة في العهد الجديد للمملكة الرومانية، كما يظهر من قول لوقا «فِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ» (لوقا ٢: ١) ومثله ما جاء في أعمال ١١: ٢٨ ثم أُطلقت على كل ما عُلم من الأرض المسكونة في تلك الأيام.
    ووفقاً لهذه النبوة بشر الرسل والمسيحيون الأولون بالإنجيل في كل أقطار الأرض المعروفة يومئذٍ، في نحو ثلاثين سنة بعد موت المسيح، أي قبل خراب أورشليم بنحو عشر سنين. ومما سهَّل نشر تلك البشارة نشوء كنيسة مسيحية في روما، لأن أخبار تلك المدينة كانت تبلغ كل مكان، لأنها عاصمة المملكة. كما سهَّل نشرها زيارة اليهود المتشتتين في الأرض مدينة أورشليم في عيد الفصح، فاستطاعوا بذلك أن يحملوا أخبار ما سمعوه من أمر الدين المسيحي إلى كل البلاد التي أقاموا بها. ويثبت ذلك قول بولس الرسول «أَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا؟ بَلَى! إِلَى جَمِيعِ الأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُهُمْ، وَإِلَى أَقَاصِي الْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ» (رومية ١٠: ١٨) وقوله «الإنجيل الَّذِي قَدْ حَضَرَ إِلَيْكُمْ كَمَا فِي كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا» وقوله «الإِنْجِيلِ، الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ، الْمَكْرُوزِ بِهِ فِي كُلِّ الْخَلِيقَةِ الَّتِي تَحْتَ السَّمَاءِ» (كولوسي ١: ٦، ٢٣ أنظر أيضاً ٢تيموثاوس ٤: ١٧).
    شَهَادَةً بمحبة الله ومقاصده الرحيمة للجنس البشري الساقط.
    لِجَمِيعِ ٱلأُمَمِ لا لشعب الله المختار فقط. وذلك لكي يقبلوا الإنجيل أو يرفضوه فإن قبلوا كانت تلك الشهادة لهم وإن رفضوه كانت عليهم.
    ثُمَّ يَأْتِي ٱلْمُنْتَهَى أي نهاية مدينة أورشليم وصيرورة اليهود أمة مستقلة. وحدث ذلك منذ أربعين سنة بعد النطق بهذا الكلام أي نحو سبعين سنة للميلاد. وأعلن المسيح أنه سيبشر بالإنجيل في كل المسكونة قبل تلك النازلة. وما ذكرناه هو وفق قول المسيح لكنه بعض ما دلَّ عليه لا كله. لأن فيه بيان انتشار الإنجيل بين قبائل الأرض قبل مجيء المسيح الثاني في يوم الدين. فلنا مما سبق أنه في الأيام الأخيرة تكثر وسائل معرفة الإنجيل إلى حد لم يعهده العالم قبل كترجمة كتاب الله إلى كل لغات الأرض، وإرسال المبشرين إلى كل أقطار الدنيا منادين بخلاص ابن الله.
    ولنا من ذلك أنه كلما قرب المنتهى زاد علامتان من علاماته وضوحاً، إحداهما زيادة شرور العالم مع ارتداد بعض المحسوبين مسيحيين. والأخرى زيادة غيرة الكنيسة في المناداة بالإنجيل ونجاة الخطاة من الهلاك.
    ١٥ «فَمَتَى نَظَرْتُمْ «رِجْسَةَ ٱلْخَرَابِ» ٱلَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ ٱلنَّبِيُّ قَائِمَةً فِي ٱلْمَكَانِ ٱلْمُقَدَّسِ لِيَفْهَمِ ٱلْقَارِئُ».
    دانيال ٩: ٢٣، ٢٥، ٢٧ و١٢: ١١ ومرقس ١٣: ١٤ ولوقا ٢١: ٢٠ الخ
    ما في هذا العدد إلى العدد السابع والعشرين يختص بالحوادث المتعلقة بخراب أورشليم.
    فَمَتَى نَظَرْتُمْ المخاطبون هم مسيحيو اليهودية.
    رِجْسَةَ ٱلْخَرَابِ أي الرجسة التي هي علة الخراب. ولا ريب في أن الرسل عرفوا ما أراد المسيح برجسة الخراب لكن يتعذر علينا الآن أن نعرفه. فظن بعضهم أنه أراد بها الجيش الروماني الذي كانت مقدمته تحمل تماثيل القياصرة الرومانيين وألوية على رؤوس عصيها تماثيل النسور. وكانوا يعبدون تلك التماثيل كآلهة. فيكون المقصود بقوله «قَائِمَةً فِي ٱلْمَكَانِ ٱلْمُقَدَّسِ» قيام الجيش أمام أورشليم في حصارها الأول بقيادة سستيوس غالوس سنة ٦٦ للميلاد، وفي حصارها الثاني بقيادة فسباسيانوس سنة ٦٨ وبقيادة تيطس سنة ٧٠. وما يوافق هذا قول لوقا «مَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ» فإنه قال ذلك مكان قول متّى «رِجْسَةَ ٱلْخَرَاب» الخ (لوقا ٢١: ٢٠). وظن آخرون أنها إشارة إلى تدنيس الهيكل عينه سنة ٦٦ بجماعة من اليهود سمّوا الغيورين دخلوا الهيكل للمحاماة عنه فحاربوا فيه وقتلوا وارتكبوا فظائع أُخر فيه. والأرجح الأول على أنه يصح أن يراد بها الأمران على أن الأول رجسة خارجية والثاني رجسة داخلية.
    قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ (دانيال ١٩: ٢٦، ٢٧ و١١: ٣١ و١٢: ١١) أشار دانيال إلى اجتهاد أنتيوخس أبيفانس في أبطال المحرقة اليومية لله، والاستعاضة عنها بعبادة جوبتر أولمبيوس الذي أقام تمثاله في الهيكل المقدس. وقال المسيح إنه سيحدث مثل هذا التنجيس والتدنيس قبل خراب أورشليم، وإنه يكون علامة للمسيحيين.
    قَائِمَةً فِي ٱلْمَكَانِ ٱلْمُقَدَّسِ كانت أورشليم عند اليهود مدينة مقدسة ولا سيما الهيكل (متّى ٤: ٥) وكذلك كانت الأرض حول تلك المدينة. وعلى هذا يصح أن يكون المقصود من قول المسيح «رجسة الخراب» الجيش الروماني حول المدينة، أو أفعال الغيورين الفظيعة داخل الهيكل.
    لِيَفْهَمِ ٱلْقَارِئُ ظن أكثر المفسرين أن هذه العبارة زادها متّى لتنبيه القراء إلى ذلك التحذير، بناءً على أنه لو كان المسيح ذكرها في خطابه لقال «ليفهم السامع». ولا مانع من أنه هو نفسه ذكر تلك العبارة لعلمه أن كلامه سيُكتَب.
    ١٦ «فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْيَهُودِيَّةِ إِلَى ٱلْجِبَالِ».
    فَحِينَئِذٍ أي حين يحدث ما ذُكر يعلم المسيحيون أن المنتهى قريب، وأن الوقت الذي يجب فيه أن يبادروا إلى الهرب قد أتى.
    فِي ٱلْيَهُودِيَّة هذا يدل على أن الخطر لم يكن على الذين في أورشليم فقط، بل كان على الذين في سائر اليهودية أيضاً.
    إِلَى ٱلْجِبَالِ يحتمل أن المسيح لم يقصد بهذه الجبال جبالاً معينة. والأرجح أنه قصد أقرب الجبال إلى اليهودية ،وهي جبال جلعاد شرق الأردن. فكثيراً ما صارت الجبال ملجأ من العسكر لموافقتها للاختباء، ولتوفر كهوف السكن فيها. وقال أُوسابيوس المؤرخ المسيحي إن كثيرين من المسيحيين هربوا إلى «بيلا» شرق الأردن، وشمال أرض بيرية. ولم يُقتل أحدٌ منهم في الحصار. وبعدما بدأ سستوس غالوس في الحصار أخذ جزءاً من المدينة وأحرقه لأسباب مجهولة، ثم رفع الحصار وتنحى بجيشه عن المدينة، فاغتنم المسيحيون فرصة الهرب وكان ذلك في سنة ٦٨م.
    ١٧ «وَٱلَّذِي عَلَى ٱلسَّطْحِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئا».
    أوجب بذلك الهروب سريعاً عند ظهور العلامة. ونفهم منه أن سلَّم البيوت كان خارجها، فيمكن الإنسان أن ينزل من على السطح بدون أن يدخل البيت. ولعل سطوح البيوت كانت عند ذاك متصلة حتى يمكن الإنسان أن يجتازها من سطح إلى آخر، ويسرع بالخروج من المدينة. وسبب هذا التنبيه أن نجاة حياتهم هي أهم من إنقاذ أمتعتهم، علاوة على أنها تثقلهم فتعيقهم عن الهرب.
    ١٨ «وَٱلَّذِي فِي ٱلْحَقْلِ فَلاَ يَرْجِعْ إِلَى وَرَائِهِ لِيَأْخُذَ ثِيَابَهُ».
    الذي يخرج إلى الحقل يترك طبعاً رداءه أي ما يلبسه فوق ثيابه في البيت. فنهاه هنا عن أن يرجع ليأخذه مع شدة حاجته إليه في الجبال التي سيهرب إليها. فكان عليه أن يهرب من الحقل إلى الجبل رأساً.
    ١٩ «وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَٱلْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ».
    لوقا ٢٣: ٢٩
    أظهر المسيح بهذا الكلام حزنه على اللواتي يصعب عليهن الهروب بسبب حبلهم أو حمل أطفالهن، مما يصعِّب سرعة الهروب، واحتمال تقلبات الجو، والتعرض لمشقات العيش في الجبال.
    ٢٠ «وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ وَلاَ فِي سَبْتٍ».
    فِي شِتَاء لأنه يصعب السفر في ذلك الفصل لتوحل الطرق، وقصر النهار، وشدة البرد، وغزارة المطر في الجبال.
    وَلاَ فِي سَبْتٍ لأنه يصعب السفر في ذلك اليوم، إما لتوبيخ الضمير لأنهم حسبوا السفر فيه محرماً بموجب الشريعة، أو لأنهم لا يقدرون أن يُخرجوا أمتعتهم من أبواب المدن فيه، أو لأن رجال الشرطة من اليهود يمنعونهم عن السفر فيه باعتباره ضد الشريعة. وهنا دليل قاطع على أن المسيح احترم شريعة السبت، ولا يريد كسرها كما اتهمه أعداؤه.
    ويظهر من قول المسيح «صلوا لكي لا يكون» لا يوجد تناقضاً بين قضاء الله وإجابته الصلاة، لأنه قضى بخراب أورشليم مع قدرته أن يجعل أحوال ذلك الخراب غير ملجئة المسيحيين على السفر في شتاء أو سبت. وقول متّى «في سبت» من جملة الأدلة على أنه كتب إنجيله لأجل اليهود.
    ٢١ «لأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ٱبْتِدَاءِ ٱلْعَالَمِ إِلَى ٱلآنَ وَلَنْ يَكُونَ».
    دانيال ٩: ٢٦ و١٢: ١
    ذكر المسيح ضيق تلك الأزمنة العظيم لينتبه تلاميذه لأمره بالهروب، وقد أوضحه لوقا أكثر مما أوضحه متّى (لوقا ٢١: ٢٤، ٢٥). وأنبأ به موسى (تثنية ٢٨: ٤٩ - ٥٧). وأنبأ به دانيال (دانيال ١٢: ١). وقال يوسيفوس إنه قتل من اليهود عند افتتاح المدينة مليوناً ومئة ألفاً، وأُسر منهم ٩٧ ألفاً، وعُذب كثيرون ثم قتلوا. وقـُتل في ضواحيها ٢٥٠ ألفاً. فبلغ كل القتلى مليون و٣٥٠ ألفاً. وقال إن الرومان صلبوا ممن أُسروا من اليهود مدة الحصار خلقاً كثيراً حتى لم يبقَ مكان لنصب الصلبان، ولم يجدوا صلباناً كافية لصلب كل أولئك الأسرى. وقال إنه مات كثيرون في المدينة من شدة الجوع، وإن بعض النساء قتلت أولادها وأكلتهم وقال «لو قارنا مصائب جميع الناس منذ الخليقة بما قاساه اليهود لوجدناه أعظم من جميعها». وزاد هول الحصار بأن بدءه كان في عيد الفصح، وكان حينئذٍ على قول البعض ثلاثة ملايين في تلك المدينة.
    ٢٢ «وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ ٱلأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلٰكِنْ لأَجْلِ ٱلْمُخْتَارِينَ تُقَصَّرُ تِلْكَ ٱلأَيَّامُ».
    إشعياء ٦٥: ٨، ٩ وزكريا ١٤: ٢، ٣
    تُقَصَّرْ أي تُجعل أقصر مما اعتادوه من أوقات محاصرة المدن، أو أنها تقصر عما يتوقعونه بالنظر إلى قوة المدينة. فالأشوريون لم يستطيعوا أن يفتحوا صور إلا بعد حصار خمس سنين. والبابليون حاصروها ١٣ سنة. فلو اتحد أهل أورشليم ودافعوا عنها بغيرة وحمية ما أمكن الرومان نظراً لمتانتها أن يفتحوها إلا بعد محاصرتها سنين عديدة. ومع ذلك فإنهم فتحوها بعد حصار خمسة أشهر. على أنه حدثت الوقائع بين أهل اليهودية والرومان مدة نحو سنتين قبل ذلك.
    لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ لأن اليهود كان يقتل بعضهم بعضاً داخلاً، وكان الرومان يقتلونهم من خارج. فلو طال ذلك الوقت كأوقات الحصار المعتادة فنيت الأمة اليهودية بأسرها، وكان أسباب تقصير مدة الحصار سنة (١) أمر كلوديوس قيصر لهيرودس أغريباس بالكف عن تحصين المدينة بعدما شرع فيه سنة ٤٢، ٤٣م (٢) انقسام اليهود حزبين وتوانيهم عن الاستعداد اللازم للحصار قبل بدئه وعن الدفاع الواجب في وقته. (٣) إحراق يوحنا وسمعان رئيسي الحزبين أهراء الحنطة وبقية الأطعمة، وكان فيها ما يكفي كل سكان أورشليم عدة سنين وكان إحراقها قبل مجيء تيطس بقليل. (٤) مجيء تيطس بغتة، فلم يكن اليهود يتوقعونه، وكانوا مهتمين بفرائض الفصح، فاستولى تيطس على بعض حصون المدينة بلا حرب لعدم انتباه اليهود له. (٥) العناية الإلهية: لأنه لم تكن أسباب بشرية كافية لتقصير مدة الحصار. قال يوسيفوس العبري وتاسيتوس الوثني «إن هذه المصائب جاءت على اليهود من نقمة الله على قوم امتلأت كأس ذنوبهم» وتيطس بعد أن أجال نظره في المدينة وعلو أبراجها وأسوارها وعظم حجارتها قال «بمؤازرة الله قد ظفرنا في هذه الغزوة، وهو سبحانه الذي أخرج اليهود من هذه الحصون لأنه ماذا تستطيع أيادي البشر أو آلاتهم الحربية أن تصنع في مثل هذه الأبراج» ولم يرتضِ تيطس أن يكلل بعد هذه الغلبة نفسه بالمجد كما جرت عادة الرومان، وقال إنه لم يكن هو صاحب هذا الأمر والعمل، ولكن غضب الله على اليهود هو الذي أعطاه الغلبة. (٦) تغير فكر تيطس في كيفية الحصار، فإنه عزم في أول الأمر أن يبني سوراً حول أورشليم ويتركها إلى أن تسلم جوعاً. فلو بقي على ذلك لمرَّ عليه سنون قبل أن يفتح أورشليم. ولكنه بعد ما بنى جانباً من السور بدا له أن يهجم عليها ويفتحها عنوة.
    ٱلْمُخْتَارِينَ أي المسيحيين الحقيقيين الذين آمنوا من بين اليهود. فلأجلهم قصر الله أيام الحرب لا لأجل اليهود. لأنه لو طالت الحرب في اليهودية لهلك المسيحيون في الجبال التي هربوا إليها جوعاً وبرداً. ولا يبعد عن الظن أن تلك الضيقات هي رمز إلى الضيقات التي تأتي على العالم قبل مجيء المسيح ثانيةً (دانيال ١٢: ١) وكما قصر الله مدة الضيقات الأولى لأجل مختاريه سيقصر الضيقات الأخيرة لأجلهم.
    ٢٣ «حِينَئِذٍ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هُوَذَا ٱلْمَسِيحُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ فَلاَ تُصَدِّقُوا».
    مرقس ١٣: ٢١ ولوقا ١٧: ٢٣ و٢١: ٨
    حِينَئِذٍ أي في وقت تلك الضيقات.
    هُوَذَا ٱلْمَسِيحُ انتظر اليهود أن الله يرسل النجاة في أشد الضيقات، فادَّعى كثيرون من المخادعين أنهم مسحاء وتبعهم كثيرون، ولا بد أنهم سألوا المسيحيين أن يصدقوهم أيضاً.
    فَلاَ تُصَدِّقُوا قال ذلك لأنه قد أتى، ولم يبق لهم أن ينتظروا غيره.
    ٢٤ «لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ ٱلْمُخْتَارِينَ أَيْضاً».
    تثنية ١٣: ١ و ع ٥: ١١ و٢تسالونيكي ٢: ٩، ١٠، ١١ ورؤيا ١٣: ١٣ ويوحنا ٦: ٣٧ و١٠: ٢٨، ٢٩ ورومية ٨: ٢٨ - ٣٠ و٢تيموثاوس ٢: ١٦
    مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ انظر شرح عدد ٥.
    أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ انظر شرح ع ١١، ومتّى ٧: ١٤ و٢تسالونيكي ٢: ٩ - ١٢.
    آيَاتٍ... وَعَجَائِب كاذبة كأفعال السحرة. وتنبأ موسى بمثل ذلك في تثنية ٣: ١ - ١٣. وكانت تظهر أنها صحيحة، حتى أنها لولا نعمة الله لخدعت المسيحيين أيضاً. ولعل المسيح أراد تحذير تلاميذه من توقع مجيئه الثاني على أثر خراب أورشليم.ولا شك أنه قصد تحذير شعبه في العصور الآتية من أن ينخدعوا بأقوال المعلمين الكذبة، كما حذرهم أيضاً بأفواه رسله (٢تسالونيكي ٢: ٨ - ١٢ و١تيموثاوس ٤: ١ - ٣ و٢تيموثاوس ٣: ١ - ٥ ورؤيا ١٣: ١٤ و١٩: ٢١.
    ٢٥ «هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ».
    أنبأهم بذلك لئلا يسقطوا في التجربة ويضلوا، وليتحققوا صدق كلامه عند تمام هذه النبوة.
    ٢٦ «فَإِنْ قَالُوا لَكُمْ: هَا هُوَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ فَلاَ تَخْرُجُوا! هَا هُوَ فِي ٱلْمَخَادِعِ فَلاَ تُصَدِّقُوا».
    أنبأ يوسيفوس بأن بعض المخادعين جذبوا الناس وراءهم إلى البرية، فمنهم من جذب إلى هناك أربعة آلاف نفس (انظر أيضاً أعمال ٢١: ٣٨). وبعضهم اختبأوا في الهيكل وغيره من مخابئ المدينة ليزيدوا إيهام تابعيهم. وكان اليهود ينتظرون أن يظهر المسيح في مكان غير الذي يتوقعونه.
    ٢٧ «لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ ٱلْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى ٱلْمَغَارِبِ، هٰكَذَا يَكُونُ أَيْضاً مَجِيءُ ٱبْنِ ٱلإِنْسَان».
    لوقا ١٧: ٢٤
    حقق المسيح لتلاميذه في هذا العدد والذي يليه انه لا يأتي في الخفاء بل في العلن كالبرق وكطيران النسور.
    كَمَا أَنَّ ٱلْبَرْقَ يكون مجيء المسيح كالبرق في أمرين: (١) أنه واضح و(٢) أنه فجأة (زكريا ٩: ١٤ ولوقا ١٠: ١٨). ويصح ما قيل هنا على مجيئه لخراب أورشليم، وعلى مجيئه لدينونة العالم. على أنه ينطبق بالأكثر على مجيئه يوم الدين كقوله «هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ» (رؤيا ١: ٧).
    مِنَ ٱلْمَشَارِقِ... إِلَى ٱلْمَغَارِبِ لا دلالة في هذا على أن الجيش الروماني يأتي من المشارق لخراب أورشليم، أو أن المسيح يظهر في يوم الدين من الشرق أولاً، لأنه لم يقصد أن ينبئنا عن الجهة التي يأتي منها، بل غايته أن يخبرنا بكيفية مجيئه.
    ٢٨ « لأَنَّهُ حَيْثُمَا تَكُنِ ٱلْجُثَّةُ فَهُنَاكَ تَجْتَمِعُ ٱلنُّسُورُ».
    أيوب ٣٩: ٣٠ ولوقا ١٧: ٣٨
    كثيراً ما يستعير الكتاب المقدس النسور للجيوش الأجنبية التي يرسلها لعقاب الأمم المذنبة (مراثي إرميا ٤: ٩ وهوشع ٨: ١ وحبقوق ١: ٨). والذي يوضح المشابهة بينهما قوله «أَوْ بِأَمْرِكَ يُحَلِّقُ النَّسْرُ وَيُعَلِّي وَكْرَهُ؟ يَسْكُنُ الصَّخْرَ وَيَبِيتُ عَلَى سِنِّ الصَّخْرِ وَالْمَعْقَلِ. مِنْ هُنَاكَ يَتَحَسَّسُ قُوتَهُ. تُبْصِرُهُ عَيْنَاهُ مِنْ بَعِيدٍ. فِرَاخُهُ تَحْسُو الدَّمَ، وَحَيْثُمَا تَكُنِ الْقَتْلَى فَهُنَاكَ هُوَ» (أيوب ٣٩: ٢٧ - ٣٠) وقصد المسيح هنا ثلاثة أمور:

    • تشبيه الأمة اليهودية بالجثة لأن أخلاقها فسدت، ولم تعُد صالحة إلا أن لتكون فريسة لجيوش الأمم، كما تكون الجثة فريسة لطيور السماء ووحوش البرية. وتشبيه الجيوش الرومانية بالنسور لأنها رسل الله لانتقامه من اليهود كما أنبأ موسى بقوله «يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ أُمَّةً مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ كَمَا يَطِيرُ النَّسْرُ الخ» (تثنية ٢٨: ٤٩). ومن غريب الاتفاق أنه كانت على أعلام الرومان صُوَر النسور.
    • متّى فقدت أُمة أو كنيسة حياتها الأخلاقية والروحية وأشبهت جثة فاسدة أتت رسل الله للانتقام، كما وقع على الناس زمن الطوفان إذ أرسل الله مياهه فأغرقتهم، وكما حدث لسدوم وعمورة إذ أرسل الله ناره من السماء وأحرقهما، وكما جرى للكنعانيين إذ أرسل الله عليهم بني إسرائيل فأبادوهم، وكما لقي العشرة الأسباط أولاً ثم سبط يهوذا يوم فسدوا بعبادة الأوثان فأرسل الله عليهم البابليين فسبوهم، وكما أصاب المملكة الرومانية أيضاً يوم أرسل الله عليها جنود شمال أوربا فاستولوا عليها (إشعياء ٦٦: ١١ وحزقيال ٣٩: ٤) ولا ريب في أن مثل ذلك يقع على كل خادم خائن لله وولدٍ عاصٍ له.
    • يرسل الله في اليوم الأخير ملائكته ليعاقب العالم الأثيم وهذا هو الإتمام الأعظم لهذا الإنذار بعد أن وقع جزئياً مراراً كثيرة في تاريخ العالم. فيظهر لنا هذا العدد ضرورة عقاب الخطية وتحقق وقوعه ولزوم شموله.


    ٢٩ «وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ ٱلأَيَّامِ تُظْلِمُ ٱلشَّمْسُ، وَٱلْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَٱلنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، وَقُوَّاتُ ٱلسَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ».
    دانيال ٧: ١١، ١٢ وإشعياء ١٣: ١٠ وحزقيال ٣٢: ٧ ويوئيل ٢: ١٠، ٣١ و٣: ١٥ وعاموس ٥: ٢٠ و٨: ٩ ومرقس ١٣: ٢٤ الخ ولوقا ٢١: ٢٥ الخ وأعمال ٢: ٢٠ ورؤيا ٦: ١٢
    علم المسيح في هذا العدد وما يليه أنه يقترن بمجيئه الثاني تقلبات مخيفة في نظام الكون وجمع مختاريه. وقد رأى بعض المفسرين أن هذا لا يشير إلى خراب أورشليم. وقال آخرون إن كلام المسيح هنا مجاز أشار به إلى أمرين: (١) النوازل التي تحل باليهود بعد خراب مدينتهم كطردهم من الأرض المقدسة وبيعهم عبيداً للأمم. و(٢) سقوط الممالك الوثنية والانقلابات السياسية المشار إليها بإظلام الشمس الخ.
    والحق أنه لا يستطيع أحدٌ أن يجزم بتعيين الوقت الذي أشار إليه المسيح، ولكن أكثر المفسرين اعتقدوا أن المسيح تكلم بهذا العدد وما بعده إلى نهاية الأصحاح عن مجيئه العظيم للدينونة. واستخدم في هذا أسلوب الأنبياء في أنهم نظروا إلى عظائم الأمور واعتبروها قريبة، ولم يلتفتوا إلى ما يسبقها من صغائرها. فهم كمن ينظر إلى الجبال على أمد بعيد فيرى قممها قريبةً من بعضها، ولا يرى الأودية الواسعة بينها.
    وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ قال الذين اعتقدوا إن هذا يشير إلى مجيء المسيح في يوم الدين «هذا إنباء من عنده ألف سنة كيوم واحد» (٢بطرس ٣: ١٨) فالمدة بيننا وبين ذلك المجيء إن لم تكن «للوقت» أو في الحال لنا، فهي كذلك له. وقال بعض هؤلاء إن قصد المسيح بقوله «للوقت بعد ضيق الخ» أنه لا تكون علامات أخرى لذلك المجيء. ومن تلك العلامات ارتداد كثيرين، وشيوع الشر، وانتشار بشرى الخلاص في كل الأرض، وظهوره فجأةً، وإتيان ملائكة النقمة كالنسور. فليس بعد ما ذكره من العلامات إلا نهاية العالم. ورأى قليل من المفسرين أن ذلك إنباء بمصائب اليهود بعد خراب مدينتهم.
    تُظْلِمُ ٱلشَّمْس الخ لعل هذا الإنباء يتم حقيقة ومجازاً، فالحقيقي لا يحتاج إلى تفسير، وهذا هو المعنى الوارد في ٢بطرس ٣: ١٠، ١٢ ورؤيا ٢٠: ٢١. وأما المجازي فيراد به الانقلاب السياسي والاضطراب والخطر كما ورد كذلك مراراً كثيرة في الكتاب (مزمور ١١٨: ٧ - ١٤ و٦٨: ١ وإشعياء ٣: ٩ و٥: ٣٠ و٢٤: ٢٣ و٣٤: ٢، ٤ وإرميا ٤: ٢٨ وحزقيال ٣٢: ٢، ٧، ٨ ويوئيل ٢: ٣١ و٣: ١٥ وعاموس ٨: ٩، ١٠ وميخا ٣: ٦ ورؤيا ٨: ١٢). وتوقع الناس في كل عصر إلى أن المصائب كالمجاعات والأوبئة والحروب من حوادث السماء الغريبة كالخسوف والكسوف وظهور النجوم ذوات الأذناب والشهب والنيازك.
    وَقُوَّاتُ ٱلسَّمَاوَات يحتمل أن المقصود بالقوات العناصر التي ذكرها بطرس الرسول في قوله «وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً» (٢بطرس ٣: ١٠).
    ٣٠ «وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ فِي ٱلسَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ ٱلسَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِير».
    دانيال ٧: ١٣ وزكريا ١٢: ١٢ ومتّى ١٦: ١٧ ومرقس ١٣: ٢٦ ورؤيا ١: ٧
    عَلاَمَةُ ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ تظهر تلك العلامة في غاية الوضوح، وتدل أوضح دلالة على مجيء ابن الإنسان حتى لا يشك في مجيئه أحد. ولم يخبرنا المسيح بماهية تلك العلامة، فالبحث عنها عبث. إنما نعلم أن دانيال أنبأ بمجيء المسيح ثانية (دانيال ٧: ١٣) والمسيح نفسه أنبأ بذلك المجيء (متّى ٢٦: ٢٧، ٢٨). وأنبأ بأنه يأتي في مجد أبيه مع الملائكة في سحاب السماء (٢٦: ٦٤ ولوقا ٢١: ٢٧ وأعمال ١: ١١ و١تسالونيكي ٤: ١٧ ورؤيا ١٩: ١٠ - ١٤). ونعلم أيضاً أن الله كلما ظهر لأحدٍ من الناس ظهر بنور لامع.
    تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ يحتمل هذا الكلام ثلاثة معان الثالث منها هو المرجح: (١) نواح أهل اليهودية. وسموا قبائل لأنهم قسموا في الأصل إلى اثنتي عشرة قبيلة. وسينوحون على ما ينزل بهم من المصائب كما أنبأ الله بلسان نبيه زكريا بقوله «وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ ٱلنِّعْمَةِ وَٱلتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، ٱلَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ. فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ يَعْظُمُ ٱلنَّوْحُ فِي أُورُشَلِيمَ كَنَوْحِ هَدَدْرِمُّونَ فِي بُقْعَةِ مَجِدُّونَ. وَتَنُوحُ ٱلأَرْضُ عَشَائِرَ عَشَائِرَ » (زكريا ١٢: ١٠ - ١٤) وتمت نبوة المسيح بهذا المعنى لأنه قُتل من اليهود غير ما ذكرنا سابقاً خمسون ألفاً في الإسكندرية وعشرة آلاف في دمشق وثلاثة عشر ألفاً في سثوبولس ومثل ذلك كثير لا محل لذكره هنا. بلغت مناحة اليهود كل البلاد التي تشتتوا فيها وكانت مناحة الخوف أعظم من مناحة التوبة. (٢) نواح وثنيي العالم على سقوط أوثانهم وتلاشي عبادتهم الوثنية قبل مجيء المسيح عند امتداد ملكوته (مزمور ٢: ٥ وإشعياء ٢: ١٨ - ٢٠ و١كورنثوس ١٥: ٢٥). (٣) وهو الأهم، وكل ما سواه رمزٌ إليه: نواح غير التائبين وغير المؤمنين عند نهاية العالم المشار إليها بقوله «هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ» (رؤيا ١: ٧) وذلك لإتيان الدينونة عليهم ولرفضهم قبوله مخلّصاً لهم. فلا ينوح الذين طعنوه حقيقة يوم صلبه وحدهم (يوحنا ١٩: ٣٧) بل ينوح معهم الذين طعنوه في كل عصر بآثامهم ورفضهم إياه (عبرانيين ٦: ٦).
    وَيُبْصِرُونَ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ أي ينظرون المسيح آتياً ليدين العالم. فالذين يعتقدون أن هذا الكلام يتعلق بخراب أورشليم يفهمون من هذا أن اليهود يرون من خراب أورشليم برهاناً واضحاً على صحة دعوى المسيح، لأنه أتم بذلك نبوءته.
    عَلَى سَحَابِ ٱلسَّمَاءِ المسيح صعد إلى السماء في سحابة، وقيل إنه يأتي كما صعد (أعمال ١: ٩، ١١ ودانيال ٧: ١٣ ومتّى ٢٦: ٦٤ ورؤيا ١: ٧).
    بقوة: تظهر قوة يسوع (١) بإيقاع النقمة على أورشليم والأمة اليهودية (٢) بامتداد ملكوته في العالم (٣) بإقامته الموتى يوم الدين (يوحنا ٥: ٢٩، ٣٠ و١كورنثوس ١٥: ٥٢) وحل العالم المادي (٢بطرس ٣: ٧، ١٠، ١٢).
    وَمَجْدٍ كَثِير يظهر مجده عند إتيانه (١) بتأسيس مملكته على الأرض. (٢) بمجيئه بعد ذلك ليدين الأرض. ويأتي حينئذٍ منتصراً مسربلاً بالمجد بالمقارنة بتواضعه في مجيئه الأول. ويكون بعض ذلك المجد من صفاته الذاتية (متّى ٢٦: ٦٤) وبعضه من تجند الملائكة له وحضورهم معه (متّى ٢٥: ٣١)
    ٣١ «فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوقٍ عَظِيمِ ٱلصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ ٱلأَرْبَعِ ٱلرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ ٱلسَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا».
    متّى ١٣: ٤١ و١كورنثوس ١٥: ٥٢ و١تسالونيكي ٤: ١٦
    القول هنا كالقول في متّى ١٣: ٤١، ٤٩ ولعل ذلك أُنجز جزئياً بنجاة المسيحيين عند خراب أورشليم وفقاً لوعده العام في مزمور ٩١: ١١. ولا شك أنه ينجز تماماً عند نهاية العالم حين يجمع كل مختاري الله إلى محل الأمن والراحة كما قيل في ١تسالونيكي ٤: ١٦.
    بِبُوقٍ عَظِيمِ ٱلصَّوْت كما كان عند إعطاء الشريعة من طور سيناء (خروج ١٩: ١٨، ٢٠) وكما كان يجري عند اليهود تنبيهاً للاجتماع إلى الأعياد أو الحروب (لاويين ٢٥: ٩ وعدد ١٠: ١ - ١٠ وقضاة ٣: ٢٧ ومزمور ٨١: ٣ وإرميا ٤: ٥).
    مُخْتَارِيهِ (متّى ١٣: ٣٩ و٤١ - ٤٣ و١كورنثوس ١٦: ٥١ ورؤيا ٧: ٢ - ٤).
    مِنَ ٱلأَرْبَعِ ٱلرِّيَاحِ أي من كل جهات الأرض حسب الاصطلاح العبراني (تثنية ٤: ٣٢ و٣٠: ٤ ومزمور ١٩: ٦) والمعنى أن الملائكة تجمع شعب الله من كل مكان يكون فيه (مرقس ١٣: ١٧).
    كان كل ما ذُكر في هذا الأصحاح جواباً لسؤال الرسل الثاني وهو «ما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر؟» (ع ٣) فبدأ به ليبين علامات خراب أورشليم، وانتهى بتبيين علامات نهاية العالم. ثم أجابهم على السؤال الأول وهو قولهم «متّى يكون هذا؟» فبدأ بالإجابة عن وقت خراب أورشليم وانتهى بالإجابة عن وقت نهاية العالم
    ٣٢ «فَمِنْ شَجَرَةِ ٱلتِّينِ تَعَلَّمُوا ٱلْمَثَلَ: مَتَى صَارَ غُصْنُهَا رَخْصاً وَأَخْرَجَتْ أَوْرَاقَهَا، تَعْلَمُونَ أَنَّ ٱلصَّيْفَ قَرِيبٌ».
    لوقا ٢١: ٢٩ الخ
    فَمِنْ شَجَرَةِ ٱلتِّينِ ضرب المسيح لرسله مثل التينة قبل أن يجيبهم على سؤالهم ليبين لهم أن العلامات التي ذكرها تحقق الحوادث التي تليها، كما أن ورق شجرة التين يؤكد قرب الصيف.
    ٣٣ «هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً، مَتَى رَأَيْتُمْ هٰذَا كُلَّهُ فَٱعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى ٱلأَبْوَابِ».
    يعقوب ٥: ٩
    هٰذَا كُلَّهُ أي ما ذكره من العلامات التي تتقدم خراب أورشليم في ع ٥ - ١٥، ٢٤ وهذا جوابه الأول على سؤالهم، أي أن الخراب يلي ظهور العلامات سريعاً.
    ٣٤ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هٰذَا ٱلْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هٰذَا كُلُّهُ».
    متّى ١٦: ٢٨ و٢٣: ٣٦ ومرقس ١٣: ٣٠ الخ ولوقا ٢١: ٣٢ الخ
    لاَ يَمْضِي هٰذَا ٱلْجِيلُ هذا جوابه الثاني على السؤال المذكور، أي أن أورشليم تخرب وبعض ذلك الجيل في الحياة. ومعدل حياة الجيل ما بين ثلاثين وأربعين سنة، وخراب أورشليم كان بعد أربعين سنة من وقت هذا الجواب. ولا شك أن كثيرين ممن كانوا أحياء على الأرض حينئذٍ شاهدوا خراب أورشليم، وأن واحداً من الأربعة الذين سألوا المسيح عن ذلك كان حياً وقت ذلك الخراب، وهو يوحنا.
    حَتَّى يَكُونَ هٰذَا كُلُّهُ أي كل ما ذكره في شأن خراب أورشليم ومصائب الأمة اليهودية. وقال بعضهم معنى قوله «هذا كله» ما ذكرناه في شأن أورشليم في شرح عدد ٣٣، وزاد على ذلك ما قيل في ع ٢٩ - ٣١. وإن كل هذه النبوات تمت في عصر ذلك الجيل، أي في مدة نحو أربعين سنة، وأن بعضها تم حقيقة وبعضها تم مجازاً. ولا تناقض بين قولهم وقول من اعتقدوا أن تلك النبوات تتم أيضاً في يوم الدين، فيكون التمام الأول رمزاً إلى الثاني. واعتقد هؤلاء أن قصد المسيح بقوله «هذا الجيل» الأمة اليهودية التي جرى عليها ما لم يجرِ على أمة أخرى من أمم الأرض، فإنها تفرقت بن كل الأمم ولم تمتزج بهم منذ العصور البعيدة إلى الآن.
    ٣٥ «ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلٰكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ».
    مزمور ١٠٢: ٢٦ وإشعياء ٥١: ٦ وإرميا ٣١: ٣٥ الخ ومتّى ٥: ١٨ وعبرانيين ١: ١١ و١بطرس ١: ٢٥
    قال المسيح ذلك تأكيداً لصحة إنبائه بخراب أورشليم ونهاية العالم، فإن أثبت شيء يعلمه الإنسان من المخلوقات هو نظام العالم، ولكن كلام المسيح أثبت منه، لأن العالم مع طول مدته ومتانته يزول، ولكن كلام ابن الله حقٌ لا يزول (مزمور ١٠٢: ٢٩ وإشعياء ٥١: ٦). وفيه إشارة إلى طول الزمان الذي يمضي قبل أن تتم نبوته التمام النهائي، وإلى حاجة إيمان الناس بتلك النبوات إلى تقوية وتثبيت.
    ٣٦ «وَأَمَّا ذٰلِكَ ٱلْيَوْمُ وَتِلْكَ ٱلسَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ ٱلسَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ».
    زكريا ١٤: ٧ ومرقس ٣: ٣٢ وأعمال ١: ٧ و١تسالونيكي ٥: ٢ و٢بطرس ٣: ١٠
    ذٰلِكَ ٱلْيَوْمُ أي يوم الدين. فرغ من الكلام على وقت خراب أورشليم بعد أن أبان لهم علامتين لذلك (ع ٣٢ - ٣٤).
    فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَد قال هذا لقطع رجاء الرسل أن يعرفوا وقت يوم الدين، فالأمر مؤكد والزمان مجهول.
    وَلاَ مَلاَئِكَة الله لم يخبرهم. فيتضح إنه لم يرد أن يخبر تلاميذه بذلك الوقت. ويؤكد بذلك قوله «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ» (أعمال ١: ٧). وزاد مرقس على ما قيل هنا قوله «ولا الابن» (مرقس ١٣: ٣٢). وهذا وفق قوله «وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ الخ» (لوقا ٢: ٥٢). وما نسب إليه من الجوع والإعياء والنوم والوجع والحزن والبكاء يبين أنه كان إنساناً تاماً كما ظهر من معجزاته إنه كان إلهاً تاماً. وإنه كان يمكنه إذا شاء أن يجعل ناسوته لا يستفيد من لاهوته لأنه «إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ.. أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ» (فيلبي ٢: ٦، ٧). ولا نستطيع أن ندرك كيف أن يسوع باعتباره إنساناً لا يعرف الزمان الذي عينه باعتباره إلهاً. ولكن هذا ليس بأبعد من إدراكنا سر التثليث أو سر التجسد.
    ٣٧ «وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذٰلِكَ يَكُونُ أَيْضاً مَجِيءُ ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ».
    بقية كلام المسيح في هذا الأصحاح تحذيرات من الغفلة عن يوم الدين والحث على الاستعداد له، لأنه علم أن عدم تعيينه وقت مجيئه للناس يحملهم على عدم توقعه. وضرب لهم لأجل تلك الغاية مثل الناس قبل الطوفان.
    أَيَّامُ نُوحٍ هو العاشر من آدم، وكان واعظاً بالبر. وكان الناس في أيامه أشراراً جداً. وكان حكم الله قريب الوقوع عليهم وهم غافلون، فأرسله الله نذيراً لهم ينبئهم بالدينونة الآتية فبقوا في غفلتهم. لقد نبههم فلم يسمعوا وهكذا كما قال حزقيال (راجع حزقيال ٣٣: ٦ وما بعده).
    مَجِيءُ ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ أي مجيئه للدينونة، ويسمى أيضاً أيام ابن الإنسان (لوقا ١٧: ٢٦) «وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح» (تيطس ٢: ١٣). أنبأ المسيح إنه يكون الناس في مجيئه الثاني كما كان الناس في أيام نوح. وذكر الطوفان في هذا المقام يثبِّت نبأه في العهد القديم.
    ٣٨ «لأَنَّهُ كَمَا كَانُوا فِي ٱلأَيَّامِ ٱلَّتِي قَبْلَ ٱلطُّوفَانِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُزَوِّجُونَ، إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحٌ ٱلْفُلْكَ».
    تكوين ٦: ٢ الخ و٧: ٤، ١١ الخ ولوقا ١٧: ٢٦ الخ و١بطرس ٣: ٢٠
    يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ أي يعيشون كعادتهم غير متوقعين حدوث الطوفان، مع أن نوحاً حذرهم ١٢٠ سنة (دون تعيين زمن حدوثه) وصنع الفلك أمام عيونهم (١بطرس ٣: ١٩، ٢٠ و٢بطرس ٢: ٥ و٣: ٦). فهم لم يخطئوا بالأكل والشرب، بل بالانهماك فيهما، غير ملتفتين إلى الإنذارات الإلهية.
    ٣٩ «وَلَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى جَاءَ ٱلطُّوفَانُ وَأَخَذَ ٱلْجَمِيعَ، كَذٰلِكَ يَكُونُ أَيْضاً مَجِيءُ ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ».
    أُنذروا ولم يؤمنوا (٢بطرس ٢: ٥). فبقوا غير مكترثين وغير خائفين يولمون الولائم ويحتفلون في الأعراس وهم على شفا الهلاك. والأرجح أنهم لم يصدقوا نوحاً حتى دخل الفلك وبدأ المطر يقع إلى أن جرفتهم مياه الطوفان إلى الموت، ولم ينج سوى نوح وعائلته. فهكذا تكون حال الناس عند نهاية العالم، غير مؤمنين وغير مستعدين.
    ٤٠، ٤١ «٤٠ حِينَئِذٍ يَكُونُ ٱثْنَانِ فِي ٱلْحَقْلِ، يُؤْخَذُ ٱلْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ ٱلآخَرُ. ٤١ اِثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ عَلَى ٱلرَّحَى، تُؤْخَذُ ٱلْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ ٱلأُخْرَى».
    لوقا ١٧: ٣٤ الخ
    هذان العددان متعلقان بعدد ٣١، وخلاصتهما أن الله يرسل ملائكته ليجمع مختاريه فيأخذ بعض الناس لملاقاة المسيح ويترك الآخرين للهلاك (دانيال ١٢: ٢). والذين ذُكروا فيهما رجال ونساء يمارسون أعمالهم العادية، بعضهم في الحقل والبعض في البيت. وذكرهم دون غيرهم بياناً لأن الله يهتم بمختاريه ولو كانوا من أدنى الناس، ويرسل ملائكته لتأخذهم إليه ولا تترك أحداً منهم. ويظهر من ذلك أن الأشرار والأبرار يبقون مخلصين إلى النهاية (لوقا ١٧: ٣٤). وهذا موافق لما ذكره الرسول بقوله «ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ» ١تسالونيكي ٤: ١٧) ويتضح أن الكلام هنا على اليوم الأخير لا على خراب أورشليم من أن هذا لا تسبقه علامات بخلاف ذاك. وكان على المسيحيين في خراب أورشليم أن يهربوا. وأما هنا فيؤخذون.
    ٤٢ «اِسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ».
    متّى ٢٥: ١٣ ومرقس ١٣: ٣٣ الخ ولوقا ٢١: ٣٦
    كرر هنا الأمر بالانتباه والاستعداد بناءً على احتمال أن كل ساعة هي الساعة الأخيرة.
    ٤٣ «وَٱعْلَمُوا هٰذَا أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ ٱلْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ يَأْتِي ٱلسَّارِقُ، لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ».
    متّى ١٤: ٢٥ ولوقا ١٢: ٣٨، ٣٩ و٢بطرس ٣: ١٠ ورؤيا ٣: ٣
    رَبُّ ٱلْبَيْتِ لم يورد المسيح هذا الإنسان نموذجاً لتلاميذه، لأنه لم يعزم على السهر إلا عندما بلغه النبأ بمجيء السارق، والمسيح أمرهم أن يتوقعوا مجيئه دائماً، ولهذه الغاية عينها كتم عنهم وقت إتيانه. وضربوا المثل قديماً بمجيء السارق ليلاً لكل أمرٍ مفاجئ (١تسالونيكي ٥: ٢ و٢بطرس ٣: ١٠ ورؤيا ٣: ٣ و١٦: ٥). ووجه الشبه بين مجيء المسيح للدينونة ومجيء السارق ليلاً أن كلاً منهما يكون بغتة، فإن اللص يأتي حين يظن الناس نياماً، والمسيح يأتي والعالم غافل عنه. ويختلف مجيء المسيح عن مجيء السارق في أنه لا يخيف إلا من جعلوا كنزهم في هذا العالم فقط. وفي هذا إشارة إلى أنه سيكون الناس كلهم في خطر عظيم من الغفلة، وإنه يجب على عبيد الله أن يسهروا على الدوام أي كل الوقت لا وقتاً دون آخر.
    فِي أَيِّ هَزِيعٍ قسم اليهود الليل قبل استيلاء الرومان عليهم إلى ثلاثة هُزُع، وقسموه بعد الاستعمار الروماني إلى أربعة، وجعلوا كل هزيع ثلاث ساعات. وذُكر الهزيع الثاني والهزيع الثالث في لوقا ١٢: ٣٨ والرابع في متّى ١٤: ٢٥.
    ٤٤ «لِذٰلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ».
    ١تسالونيكي ٥: ٢، ٦.
    غاية المسيح من كل تلك التنبيهات حث تلاميذه على الاستعداد والانتباه والأمانة والصلاة (لوقا ٢١: ٣٦) وبيَّن لهم حقيقة ذلك الاستعداد بقوله «اكنزوا لكم كنوزاً في السماء» (متّى ٦: ٢). وأوضحه بولس الرسول أيضاً (١تسالونيكي ٥: ٤ - ١١).
    ٤٥ «فَمَنْ هُوَ ٱلْعَبْدُ ٱلأَمِينُ ٱلْحَكِيمُ ٱلَّذِي أَقَامَهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ ٱلطَّعَامَ فِي حِينِهِ؟».
    لوقا ١٢: ٤٢ وأعمال ٢٠: ٢٨ و١كورنثوس ٤: ٢ وعبرانيين ٣: ٥
    ٱلْعَبْدُ ٱلأَمِينُ هو من يقوم بكل ما يجب عليه لسيده.
    ٱلْحَكِيمُ هو الذي يتوقع مجيء سيده (أمثال ٢٢: ٣ و٢٧: ١٢). فالأمانة والحكمة صفتان لازمتان للمسيحي.
    سيده: المقصود بالسيد هنا الرب يسوع، بدليل قوله «أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ» (يوحنا ١٣: ١٣).
    أَقَامَهُ... عَلَى خَدَمِهِ يظهر من هنا أن العبد الذي أقامه كذلك رسول أو معلم روحي، ولكن المسيح لم يقصر كلامه على هذا فقط، بل عن كل إنسان منحه المعرفة والمال والوظيفة التي يستطيع بها التأثير في أفكار الناس وأعمالهم. وأوجب الله على مثل هذا أن يحاسب حساباً مدققاً على كل ما وُهبه. والسيد أقام ذلك العبد لا لإظهار شرفه أو رفعة مقامه، بل ليفيد غيره بتعليمه (١كورنثوس ٣: ٥ و٤: ١، ٢ و١٢: ٢٨ و١تسالونيكي ٥: ١٢، ١٣). وأراد بخدمه كنيسته التي هي عشيرة المسيح (أفسس ٣: ١٥).
    لِيُعْطِيَهُمُ ٱلطَّعَامَ أي القوت الروحي أو الإرشاد والتعليم (عبرانيين ٥: ١٢ و١بطرس ٢: ٢). ولذلك سُمّي رؤساء الشعب الروحيون رُعاة (يوحنا ٢١: ١٥، ١٧ وأعمال ٢٠: ٢٨). ويعطي الله الناس الغنى والسلطان ووسائط أخرى يستطيع الخادم بها أن يساعد المحتاجين (لوقا ٢٢: ٢٦ و١كورنثوس ٣: ٢ و٤: ١، ٢ و١٤: ٢٢ و٢تيموثاوس ٢: ١٥ و١بطرس ٥: ٢، ٣.
    فِي حِينِهِ أي وقت الحاجة. وأفضل أوقات فعل الخير هو الآن! وهذا وفق قول الرسول «حسب ما لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع ولا سيما لأهل الإيمان» (غلاطية ٦: ١٠). والخلاصة أن ذلك العبد يقوم بكل أعماله متوقعاً مجيء سيده في كل ساعة فيفحص فيها أعماله.
    ٤٦ «طُوبَى لِذٰلِكَ ٱلْعَبْدِ ٱلَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هٰكَذَا».
    رؤيا ١٦: ١٥
    طُوبَى... إِذَا جَاءَ سَيِّدُه هذا التطويب للأمين يوم مجيء الرب.
    يَفْعَلُ هٰكَذَا أي يكون أميناً لسيده مهتماً براحة إخوته ونفعهم.
    ٤٧ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِه».
    متّى ٢٥: ٢١، ٣٣ ولوقا ٢٢: ٢٩
    يُقِيمُهُ الخ يبين من هذا أن عمله لا ينتهي بانتهاء حياته الأرضية، فخدمته على الأرض استعداد لخدمته العظمى في السماء. ولا إشارة بذلك إلى أفضلية بعض القديسين في السماء على الأرض في الرئاسة، إنما يستنتج منه عظمة الإثابة وإظهار رضى الله عليه. وعبَّر عن تلك الإثابة بما اعتاده الملوك بإظهار رضاهم على عبيدهم بترقيتهم ورفع مقامهم، كما فعل فرعون بيوسف (تكوين ٣٩: ٤، ٦) وذلك وفق قول المسيح «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ» (يوحنا ١٢: ٢٦). وقوله «كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ» (متّى ٢٥: ٢١) (انظر أيضاً رومية ٨: ١٧ ورؤيا ٢: ٢٦ و٣: ٢١).
    ٤٨ «وَلٰكِنْ إِنْ قَالَ ذٰلِكَ ٱلْعَبْدُ ٱلرَّدِيُّ فِي قَلْبِهِ: سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ».
    ذٰلِكَ ٱلْعَبْدُ فرض هنا ذلك العبد عينهُ خائناً، بدل أن يكون أميناً.
    فِي قَلْبِهِ أي ظن في قلبه وأظهر ظنَّه بعمله.
    سَيِّدِي لم يزل يقرُّ بأنه عبده.
    يُبْطِئُ قُدُومَهُ ذلك يشير إلى مضي زمان طويل قبل مجيء الرب. وحمله طول هذا الزمان على الظن أن سيده لا يرجع أبداً. وقول هذا العبد كقول القوم الذين ذكرهم بطرس الرسول بقوله «سَيَأْتِي قَوْمٌ قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟ لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ» (٢بطرس ٣: ٣، ٤). (انظر أيضاً جامعة ٨: ١١ وحزقيال ١٢: ٢٧ ورومية ٢: ٤) وإبطاء المسيح قدومه امتحان لإيمان الكنيسة وعلة ارتداد كثيرين.
    ٤٩ «فَيَبْتَدِئُ يَضْرِبُ ٱلْعَبِيدَ رُفَقَاءَهُ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ ٱلسُّكَارَى».
    يَضْرِبُ ٱلْعَبِيدَ رُفَقَاءَهُ أي الأمناء من أولئك العبيد. فاتخذ ذلك العبد رتبته وسيلة إلى الظلم والإمعان في الشهوات واللذات المحظورة. ويحسب المسيح مثل هذا العبد كل مسيحي، ولا سيما المعلم الديني غير الأمين في وظيفته، إذ أنه يتخذ وظيفته فرصة لكي «يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ» (١بطرس ٥: ٣) ويرافق الدنيويين، ويتهافت على مشتهيات هذا العالم.
    ٥٠ «يَأْتِي سَيِّدُ ذٰلِكَ ٱلْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا».
    يَأْتِي رب العبد لا يمنع ولا يعيق قدوم السيد، فلا بد أن يأتي إلى كل العالم يوم الدين، وإلى كل إنسان يوم موته.
    فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُه كرر هنا ما ذكره سابقاً من أنه يأتي بغتة حين لا يتوقع أحد إتيانه. ويصدق كلام المسيح هنا على الكنيسة كلها عند نهاية العالم، وعلى كل الناس عند موتهم. ويغلب أن يأتي الموت في وقتٍ يقل انتظاره فيه.
    وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا هذا دليل على غرابة المفاجأة في مجيئه، فلا يسبقه النبأ به ولو بساعة واحدة.
    ٥١ «فَيُقَطِّعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ ٱلْمُرَائِينَ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ».
    متّى ١٨: ١٢ و٢٥: ٣٠
    فَيُقَطِّعُهُ اعتاد القدماء أن يقتلوا المذنبين تقطيعاً (١صموئيل ١٥: ٣٣ و٢صموئيل ١٢: ٣١ ودانيال ٢: ٥ و٣: ٢٩ وعبرانيين ١١: ٣٧)
    نَصِيبَهُ مَعَ ٱلْمُرَائِينَ لأنهم حُسبوا شر الناس لاجتهادهم في ان يخدموا سيدين: الأول بالقول والثاني بالفعل (رؤيا ٢١: ٢٧ و٢٢: ١٥)
    ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ هذا كناية عن اليأس والألم (متّى ٨: ١٢). وهما عقاب غير الأمين من المسيحيين، وهو عقاب مخيفٌ وأبديٌ. ولنا مما قيل في مثل العبد من ع ٤٢ - ٥١. إن صفات العبد الأمين خمس: (١) أنه أمين لسيده وأمين في وظيفته. (٢) أنه حكيم في توقع مجيء سيده، فهو يقول على الدوام «هُوَذَا الدَّيَّانُ وَاقِفٌ قُدَّامَ الْبَابِ» (يعقوب ٥: ٩) (٣) أنه صبور على بطء سيده (٤) يستعمل سلطانه لنفع غيره (٥) يُثاب بمدح سيده إياه ورفع مقامه. وصفات العبد الرديء خمس وهي: (١) يشك في مجيء سيده ويقول سيدي يبطئ قدومه (٢) يستعمل سلطانه لظلم غيره (٣) يلهو باللذات الجسدية (٤) يعاشر الدنيويين. (٥) يعاقب عقاباً فجائياً مخيفاً لا نهاية له.

    الأصحاح الخامس والعشرون


    ١ «حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ عَشَرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ ٱلْعَرِيسِ».
    أفسس ٥: ٢٩، ٣٠ ورؤيا ١٩: ٧ و٢١: ٢، ٩
    هذا المثل كمثل الوكيل في الأصحاح السابق، يُعلم وجوب السهر والاستعداد لملاقاة المسيح عند مجيئه الثاني بغتة.
    مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ أي الملكوت الذي أتى المسيح ليقيمه على الأرض، وهو هنا يعني كنيسته المنظورة. ومشابهة الكنيسة للعريس سبق الكلام عنهما في شرح متّى ٢٢: ٢ (انظر أيضاً أفسس ٥: ٢٥ - ٣٢ ورؤيا ١٩: ٧، ٩ و٢١: ٢٩). والمقصود بالعريس المسيح، كما يتضح من مزمور ٤٥ وسفر نشيد الأنشاد. والعروس هي الكنيسة بجملتها.
    عَشَرَ عَذَارَى المقصود بهن أعضاء الكنيسة بمقتضى الظاهر، حيث لا يتبين المؤمن بالحق منهم إلا في النهاية. وحال الكنيسة عند مجيء المسيح ثانية تشبه حالة العذارى هنا.
    واستعار للكنيسة الإناث دون الذكور للمناسبة، فإن الكنيسة مؤنثة، وعادة الأعراس يومئذٍ أن تكون رفيقات العروس إناثاً. فليس للعذارى معنى خاص غير الإناث، ولا يصح أن نحسب كونهن عذارى دليلاً على زيادة طهارتهن، لأن خمساً منهن جاهلات. لكن ذلك ضروري لمناسبة المثل لأن عادة الأعراس في تلك الأيام أن تكون رفيقات العروس عذارى. ويوافق معنى المثل ما ورد في ٢كورنثوس ١١: ٢ ورؤيا ١٤: ٤. وليس المقصود أن عددهن عشراً سوى أنه وفق العادة. ويشبه ذلك ما ذكر في سفر راعوث (راعوث ٤: ٢). والعشرة عدد حسبه اليهود أقل ما يلزم لاجتماع قانوني في الصلاة، أو لاجتماع فرقة لأكل الفصح، أو لإقامة حفل عرس.
    مَصَابِيحَهُنَّ كانت عادة اليهود أن يحتفلوا بالعرس ليلاً، فلزم أن يحملوا مصابيح للإضاءة والزينة. والمقصود بها هنا الإقرار بالدين (لوقا ١٢: ٣٥). وعدم التفريق بين المصابيح يدل على أنه لم يظهر فرق بين المؤمنين الحقيقيين والمؤمنين في الظاهر.
    خَرَجْنَ لِلِقَاءِ ٱلْعَرِيسِ أي خرجن من بيوتهن إلى بيت العروس ليرافقنها في ملاقاة العريس عند مجيئه ليأخذها من بيت أبيها إلى بيته حيث الوليمة، ويذهبن معها إلى هناك. وسرد المثل على هذه الصورة يعطينا فكرة واضحة عن تلك العادات الشرقية القديمة، وكثير منها معمول بها حتى اليوم.
    ٢ «وَكَانَ خَمْسٌ مِنْهُنَّ حَكِيمَاتٍ، وَخَمْسٌ جَاهِلاَتٍ».
    متّى ١٣: ٤٧ و٢٢: ١٠
    حَكِيمَاتٍ أظهرن حكمتهن بأنهن اهتممن بأمور المستقبل واستعددن لها.
    جَاهِلاَت كانت جهالتهن أنهن لم ينتبهن لأمور المستقبل وما تقتضي من الاستعداد. والفرق بين الحكيمات والجاهلات كالفرق بين الذي بنى بيته على الصخر والذي بنى بيته على الرمل (متّى ٧: ٢٤ - ٢٧). ولنا من هذا المثل أن الكنيسة لا تزال إلى آخر الزمان تشتمل على أعضاء مخلصين وأعضاء مرائين، كما ظهر في مثل الحنطة والزوان (متّى ١٣). ومساواة عدد الحكيمات للجاهلات ليس جوهرياً في المثل، فلا يلزم منه تساوي عدد المرائين والمخلصين.
    ٣ «أَمَّا ٱلْجَاهِلاَتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتا».
    أراد بذلك الإقرار ظاهراً بالدين دون النعمة الباطنة، فهن بمنزلة المزروع في الأرض المحجرة في مثل الزارع (متّى ١٣: ٥، ٢٠، ٢١).
    ٤ «وَأَمَّا ٱلْحَكِيمَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتاً فِي آنِيَتِهِنَّ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ».
    أي اعترفن بالدين ظاهراً، ولكن كان لهن نعمة في الباطن. والمقصود بالزيت هنا النعمة التي هي موهبة الروح القدس (زكريا ٤: ٢، ١٢ وأعمال ١٠: ٣٨). ونحصل على هذه النعمة بالصلاة وغيرها من الوسائط الروحية (٢كورنثوس ١: ٢١ و١يوحنا ٢: ٢٠، ٢٧) ويمكن للمسيحيين بتلك النعمة أن «يضيئوا كأنوار في العالم» (فيلبي ٢: ١٥ و٢بطرس ١: ١٠).
    ٥ «وَفِيمَا أَبْطَأَ ٱلْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ».
    ١تسالونيكي ٥: ٦
    أَبْطَأَ ٱلْعَرِيسُ في هذا إشارة إلى طول المدة بين مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني. ولا ريب أنها أطول مما انتظرت الكنيسة، فقد مرَّ عليها أكثر من عشرين قرناً ولم يجئ العريس بعد.
    نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ لا لوم عليهن بذلك في المثل ولا على الكنيسة في المعنى، لأن هذا النوم طبيعي لمن يطيلون السهر. والحكيمات نمن كالجاهلات، فلا بأس من النوم بعد تكميل الاستعداد. ولم تُمنع الجاهلات من دخول الوليمة لسبب نومهن.
    ٦ «فَفِي نِصْفِ ٱللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا ٱلْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَٱخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ».
    متّى ٢٤: ٣١ و١تسالونيكي ٤: ١٦
    نِصْفِ ٱللَّيْلِ هو الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى المصابيح المعدة للإضاءة، ويصعب فيه الحصول على لوازم المصابيح إذ لم تكن مهيأة. ولنا من هذا أن المسيح يأتي ثانية والناس في غفلة عن مجيئه.
    صَارَ صُرَاخٌ الصوت الذي يوقظ الناس من نومهم في نصف الليل يكون غالباً مفاجئاً لكل العالم، فتسمعه كل أذن ويكون مخيفاً إذا لم يستعدوا له. وقد استنتج البعض من هذا الكلام أن المسيح يأتي في نصف الليل حقيقة، فجعلوا السهر جزءاً من العبادة الواجبة على المسيحي، ولكن الأرض كروية يأتي المسيح إليها في وقت واحد. فالوقت الذي يكون نصف الليل عند قوم يكون نصف النهار عند آخرين! وذلك الصوت الذي ينادى به العالم كله في ذلك اليوم ينادى به كل إنسان في نهاية حياته. والصارخ حينئذٍ هو الموت. والاستعداد اللازم لملاقاة العريس هو عينه لازم لملاقاة الموت.
    ٧ «فَقَامَتْ جَمِيعُ أُولَئِكَ ٱلْعَذَارَى وَأَصْلَحْنَ مَصَابِيحَهُنَّ».
    فَقَامَتْ جَمِيعُ أُولَئِكَ ٱلْعَذَارَى هذا غير مقصور على النيام الأحياء على الأرض حين مجيء المسيح ثانيةً، فهو يصدق على جميع المدعوين مسيحيين الذين رقدوا في القبور منذ تأسيس الكنيسة إلى نهايتها. ولكن يعسر إيضاح ذلك في المثل.
    أَصْلَحْنَ مَصَابِيحَهُنَّ ألزمتهن المناداة بإقبال العريس أن ينظرن في أحوال مصابيحهن ليرين أفيها زيتٌ أم لا. كذلك يلزم كل واحد يوم الموت ويوم مجيء الرب ثانية أن يمتحن نفسه كما أن الرب يمتحنه أيضاً. وكثيراً ما حدث أن المؤمنين عند موتهم أظهروا فضائلهم الروحية أعظم إظهار، كأن مصابيحهم أُصلحت جديداً بزيت النعمة. وقد يتفق أن يفاجئ الموت المسيحي بالحق وهو متوقع أن يحيا زماناً أطول في خدمة الرب، فيضطرب في أول الأمر حتى يضعف رجاؤه، فيكون كمصباح يكاد ينطفئ، ثم يرجع إلى نفسه ويرى أساس إيمانه ورجائه فيجدد ثقته، كأن مصباحه أُصلح من مصدر إلهي.
    ٨ «فَقَالَتِ ٱلْجَاهِلاَتُ لِلْحَكِيمَاتِ: أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ».
    نلاحظ هنا أن الفرق ليس في المصباح من جهة شكله أو حجمه، بل: هل فيه زيت أم لا؟! كذلك في ديانتنا، يجب أن نعرف: هل نحن حسب الظاهر فقط، لنا صورة التقوى فقط؟
    أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ علة ذلك نظرهن في حال مصابيحهن إذ وجدنها كادت تنطفئ من الحاجة إلى الزيت، فظهرت جهالتهن بعدم استعدادهن الضروري. وفي هذا إشارة إلى أنه يأتي على كل إنسان وقت يُمتحن فيه دينه: هل هو دين قلبي؟ ويحتمل أن مصباح المرائي يكفيه مدة الحياة. ولكن متّى اضطُر أن يسير في وادي ظل الموت يظهر ضعف نوره وفراغه من الزيت، فيقع في الحيرة والاضطراب. وهنا طلبت الجاهلات إلى الحكيمات أن يعالجن نقصهن، كذلك سيطلب المسيحيون الدنيويون إلى المسيحيين أن يشاركوهم في فضائلهم، فيكونون كبلعام الذي لم يرد أن يحيا حياة الأبرار مع أنه أحب أن يموت موتهم، وأن تكون آخرته كآخرتهم (عد ٢٣: ١٠).
    ٩ «فَأَجَابَتِ ٱلْحَكِيمَاتُ: لَعَلَّهُ لاَ يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ، بَلِ ٱذْهَبْنَ إِلَى ٱلْبَاعَةِ وَٱبْتَعْنَ لَكُنَّ».
    لَعَلَّهُ لاَ يَكْفِي الخ أَبت الحكيمات إجابة طلب الجاهلات لأسباب كافية فأظهرن بذلك حكمتهن. والغاية من ذكر الحديث بين الحكيمات والجاهلات تعليمنا عدة حقائق: (١) أن كل إنسان يعطي الله حساباً عن نفسه لا عن غيره (مزمور ٤٩: ٧ ورومية ١٤: ١٢ و١بطرس ٤: ١٨). (٢) أن وقت الموت أو وقت مجيء الرب ليس وقت الحصول على النعمة، بل هو قبلهما. نعم ربما يوجد الزيت للبيع عند نصف الليل، ولكن لا أمل أن توجد النعمة بعد الموت أو في يوم في يوم الدين. (٣) أنه ليس لأحد من الناس أكثر مما يحتاج لنفسه من النعمة. فلا يقدر مسيحي أن يعطي غيره شيئاً من نعمته لتُحسَب للمعطى له، إنما كل ما يستطيعه هو أن يدل المحتاجين إلى المصدر الذي أخذ هو منه إن بقي وقت لذلك.
    ٱبْتَعْنَ لَكُنَّ الشراء هنا كناية عن الرغبة في تحصيل المطلوب وترك كل شيء لأجله، كما ورد في إشعياء ٥٥: ١ ومتّى ٣: ٤٦ ورؤيا ٣: ١٨. فالنعمة لا تُشترى لأنها هبة الله.
    ١٠ «وَفِيمَا هُنَّ ذَاهِبَاتٌ لِيَبْتَعْنَ جَاءَ ٱلْعَرِيسُ، وَٱلْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى ٱلْعُرْسِ، وَأُغْلِقَ ٱلْبَابُ».
    لوقا ١٣: ٢٥
    جَاءَ ٱلْعَرِيسُ لا بدَّ من أن يأتي المسيح وإن أبطأ قدومه.
    وَٱلْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى ٱلْعُرْسِ الآن في غيبة العريس تنوح الكنيسة وتصوم (متّى ٩: ١٥) ولكنه سيأتي ويأخذ عروسه لتكون معه (يوحنا ١٧: ٢٤) فيفرح بها وتفرح به (إشعياء ٦٢: ٥). فمهما حزنت بطول الانتظار فإنها ستعوَّض عنه بفرح الدخول إلى العرس. ويكون ذلك الفرح بمشاهدة المسيح والاقتراب منه ونوال القداسة والراحة وكل الخيرات السماوية بواسطته (رؤيا ١٩: ٧ - ٩ و٢١: ٢).
    فزيت المستعدات هو نعمة الله في القلب، وهي الاستعداد الوحيد الضروري، فهي تشتمل على التوبة والإيمان والمسرة الطاهرة. فلا بد من أن المستعدات لملاقاة العريس السماوي تكون ثيابهن قد غُسلت بدم الحمَل، واكتسين بثوب بره وتجددن بروحه القدوس (مرقس ١٦: ١٦ ويوحنا ٥: ٢٤ وأعمال ٣: ١٩ و١تيموثاوس ٦: ١٧ - ١٩ و٢بطرس ٣: ١١، ١٢ ورؤيا ٢٢: ١١)
    أُغْلِقَ ٱلْبَابُ ذُكِر إغلاق الباب في سفر التكوين أيضاً (تكوين ٧: ٩٦) وفي سفر الرؤيا (رؤيا ٣: ١٢). وهدف ذلك الإغلاق هو إبهاج الداخلين وراحتهم وأمنهم، ومنع دخول غيرهم. وإغلاق باب السماء يمنع أن يدخل إليه شيءٌ من الوجع أو العالم الشرير وإبليس المجرب وكل الشكوك والأهوال والخطايا والموت. ومعنى الباب هنا مدخل الرحمة بالمسيح (يوحنا ١٠: ٧، ٩) وهو الذي يدخل به الإنسان من الخطية إلى القداسة ومن الموت إلى الحياة ومن الشقاء إلى السعادة ومن العداوة لله إلى المصالحة معه. ويظل هذا الباب مفتوحاً للعالم بأجمعه إلى مجيء المسيح ثانيةً، ولعله يبقى مفتوحاً لكل إنسان إلى ساعة موته. ويستثنى من ذلك من جدَّف على الروح القدس، فإنه يوصد أمامه وهو في الحياة. وأفضل أوقات الدخول في ذلك الباب الساعة الحاضرة بدليل القول الرسولي «هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص» (٢كورنثوس ٦: ٢) ويسمى أيضاً باب الرحمة وباب الرجاء وباب الخلاص. وللمسيح سلطان عليه بدليل قوله «الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ» (رؤيا ٣: ٧) ويغلق دون كل إنسان عند موته ودون العالم يوم الدين (جامعة ٩: ١٠ و١١: ٣ ومتّى ٢٥: ٤٦ ورؤيا ٢٢: ١١).
    ١١ «أَخِيراً جَاءَتْ بَقِيَّةُ ٱلْعَذَارَى أَيْضاً قَائِلاَتٍ: يَا سَيِّدُ، يَا سَيِّدُ، ٱفْتَحْ لَنَا».
    متّى ٧: ٢١ - ٢٣
    عمل الجاهلات يشير إلى عمل من يطلب الرحمة بعد فوات وقتها وابتداء يوم الدين. وما قيل في إتيانهن إلى بيت العريس وطلبهن الدخول عبثاً يشير إلى ما يحدث لو أمكن المسيحيين المرائين أن يصلوا إلى باب السماء ويلحوا بسؤال الدخول.
    ١٢ «فَأَجَابَ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ».
    مزمور ٥: ٥ وحبقوق ١: ١٣ ويوحنا ٩: ٣١
    قد يكون في هذه العبارة إشارة إلى أن لا شيء ينفع الإنسان ليُدخله السماء بعد الموت، فهو سينال القرار حالاً إن كان سيبقى مع الله أم يبقى بدونه إلى الأبد. فلننتبه إذن قبل فوات الأوان.
    مَا أَعْرِفُكُنَّ أي لا أعرفكن لأني لم أشاهدكن مع العروس لما دخلت. والمعنى الروحي أن المسيح لا يعرف المرائين تلاميذ له. فمعنى المعرفة هنا الإقرار والقبول كمعناها في قوله: «أَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي» (يوحنا ١٠: ١٤). فيجب أن تبدأ معرفة المسيح لنا في هذه الحياة ليعرفنا عند الموت وبعده إلى الأبد. وقول المسيح لأحدٍ من الناس «ما أعرفك» كافٍ لأن يكون أشد عقاب أبدي له (متّى ٧: ٢٣ و٢تيموثاوس ٢: ١٩). والنتيجة هي ما ورد في قوله «هُوَذَا عَبِيدِي يَشْرَبُونَ وَأَنْتُمْ تَعْطَشُونَ. هُوَذَا عَبِيدِي يَفْرَحُونَ وَأَنْتُمْ تَخْزَوْنَ. هُوَذَا عَبِيدِي يَتَرَنَّمُونَ مِنْ طِيبَةِ الْقَلْبِ وَأَنْتُمْ تَصْرُخُونَ مِنْ كآبَةِ الْقَلْبِ، وَمِنِ انْكِسَارِ الرُّوحِ تُوَلْوِلُونَ» (إشعياء ٦٥: ١٣، ١٤). فإذا غفل أحد عن الاستعداد ليوم الدين في هذه الحياة فإنه يضطرب في ساعة موته أو في يوم مجيء الرب. وإن اجتهد في جبر النقص بنفسه، أو بطلب مساعدة غيره من الناس كان اجتهاده عبثاً لأن استعداد النفس للدينونة عمل حياة الإنسان كلها، فلا يمكن أن يتم في المدة القصيرة بين النزع وهو مضطرب جداً ومفارقة النفس للجسد، ولا يمكن أن يتم في أهوال يوم الدين وانقلاب العالم.
    ١٣ «فَٱسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ ٱلْيَوْمَ وَلاَ ٱلسَّاعَةَ ٱلَّتِي يَأْتِي فِيهَا ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ».
    متّى ٢٤: ٤٢، ٤٤ ومرقس ١٣: ٣٣، ٣٥ ولوقا ٢١: ٣٦ و١كورنثوس ١٦: ١٣ و١تسالونيكي ٥: ٦ و١بطرس ٥: ٨ ورؤيا ١٦: ١٥
    هذا تكرار معنى متّى ٢٤: ٤٢. وخلاصة كل الأمثال التي ذكرها في هذا الخطاب من تأكيد مجيئه وعدم تعيين وقته وجوب السهر والاستعداد بالنعمة الإلهية لذلك، وانتهاز كل فرصة للقيام بالواجبات. والطريق الوحيدة للاستعداد ليوم مجيء المسيح هي أن نستعد كل يوم.
    ١٤ «وَكَأَنَّمَا إِنْسَانٌ مُسَافِرٌ دَعَا عَبِيدَهُ وَسَلَّمَهُمْ أَمْوَالَهُ».
    متّى ١٨: ٢٤ و٢١: ٣٣ ولوقا ١٩: ١٢ الخ
    مثل الوزنات كمَثل العذارى العشر، يعلِّمنا وجوب الاستعداد الدائم لمجيء المسيح والحساب. والعبيد هنا كالعذارى هناك، فالمقصود بالفريقين المسيحيون المعترفون بالمسيح علناً. والفرق بين المثلين في أمرين: (١) في مثل العذارى يحاسب الحكيمات عموماً والجاهلات كذلك، وفي مثل الوزنات يحاسب كل شخص بمفرده. (٢) في مثل العذارى لم يعين العمل لهن وهن ينتظرن العريس. وفي مثل الوزنات عيَّن العمل للعبيد وأمرهم بالاجتهاد فيه. فخلاصة تعليم الأول وجوب الاستعداد، وخلاصة تعليم الثاني وجوب الاجتهاد.
    وضرب المسيح مثل الوزنات ليعلِّمنا وجوب العمل بكل قوة، وانتهاز كل فرصة في خدمته، ومكافأة الذين يفعلون ذلك، وعقاب المتهاونين. قال الحكيم «كُلُّ مَا تَجِدُهُ يَدُكَ لِتَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ بِقُوَّتِكَ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَل وَلاَ اخْتِرَاعٍ وَلاَ مَعْرِفَةٍ وَلاَ حِكْمَةٍ فِي الْهَاوِيَةِ الَّتِي أَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَيْهَا.» (جامعة ٩: ١٠) وقال الرسول «كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ» (١كورنثوس ١٥: ٥٨).
    كَأَنَّمَا إِنْسَانٌ أي أن المسيح يعامل الناس في ملكوته معاملة هذا الشخص لعبيده.
    مُسَافِرٌ هذا إشارة إلى ذهاب المسيح إلى السماء وقت صعوده وبقائه هناك لا ينظره تلاميذه على الأرض إلى يوم مجيئه الثاني، بلا دليل ظاهر على حضوره لمكافأة الأمناء ومعاقبة الخائنين. وقوله «مسافر» هنا كقوله «سافر» في متّى ٢١: ٣٣.
    عَبِيدَهُ أي أرقاءه لا أُجراءه. فهم كأليعازر الدمشقي في بيت إبراهيم، ويوسف في بيت فوطيفار. فبعض السادة رفع مقام بعض العبيد فوكل إليهم الأعمال ذات الشأن، وأذن لهم أن يعملوا ما أرادوا من الأعمال التجارية والصناعية، وأعطاهم رأس مال لذلك على شرط أن يعطوه قدراً معيناً من الربح. والظاهر أن العبيد المذكورين هنا ممن رُفع مقامهم، وبقوا على تلك الحال مدة سفر سيدهم. والمقصود بهؤلاء العبيد كل رسله والمبشرين والمعترفين باسمه، أي كنيسته على الأرض.
    سَلَّمَهُمْ أَمْوَالَهُ ليستعملوها في خدمته. ودعا هذه الأموال «وزنات» أي البركات الروحية التي أعطاها لكنيسته بجملتها ولأعضائها بمفردهم. وهذه البركات وإن كانت روحية تشتمل على مواهب جسدية يمكن أن تستعمل لغايات روحية، ومنها المناصب، والقدرات العقلية، والفرص لعمل الخير، والغنى والعلم والفصاحة وتأثير السيرة، وكنوز النعمة كالكتب الإلهية وغيرها من الكتب المفيدة، وأيام الراحة والتبشير وخدمة بيت الله (أفسس ٤: ٨ - ١٢). وهذه الوزنات سلمها الله لكل المسيحيين فصاروا جميعهم وكلاءه.
    ١٥ «فَأَعْطَى وَاحِداً خَمْسَ وَزَنَاتٍ، وَآخَرَ وَزْنَتَيْنِ، وَآخَرَ وَزْنَةً كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ. وَسَافَرَ لِلْوَقْتِ».
    رومية ١٢: ٦ و١كورنثوس ١٢: ٧، ١١، ٢٩ وأفسس ٤: ١١
    خَمْسَ وَزَنَاتٍ (انظر شرح متّى ١٨: ٢٤) إن كانت الوزنة من الفضة فقيمة تلك الوزنات ١٢٥٠٠ جنيه ذهبي وإن كانت ذهباً فقيمتها ٣٠ ألف جنيهاً ذهبياً.
    وَزْنَتَيْنِ أي نحو ١٢٠٠ جنيه ذهبي.
    وَزْنَةً ٦٠٠ جنيهاً ذهبياً. والمقصود بتلك الوزنات القوى العقلية والجسدية والمواهب الروحية والفرص لعمل الخير التي يهبها الله بسخاء لشعبه. ووفرة النقود التي أعطاها للعبيد إشارة إلى عظمة قيمة أقل المواهب الروحية. ومما يستحق ذكره في هذا المثل أن السيد أعطى ذلك المال كله دفعة واحدة، ولم يكرر العطاء. لكن الرب يعطي عبيده مواهبه ووسائل فعل الخير بلا انقطاع.
    عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ عرف السيد صفات كلٍ من أولئك العبيد فأعطاه من النقود ما يستطيع أن يتصرف به بما له من الحكمة والتدبير.
    وأعطاهم تلك الوزنات ديناً لا هبة. كذلك أعطى الله البعض مواهب مختلفة لم يعطها غيرهم، فامتازوا على غيرهم بوسائل عمل الخير (رومية ١٢: ٦ و١كورنثوس ٤: ٧ و١٢: ٤ - ٣١ وأفسس ٤: ٧ - ١٢). وكل عطاياه ديْنٌ لا هبة، فكل من زاد قدرةً زاد مسئوليةً، فإن «مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ» (لوقا ١٢: ٤٨) والله لا يضع على أحد مسؤولية فوق طاقته، ولا ينتظر من أحد أكثر مما أعطاه، ولا يترك أحداً من شعبه بلا وزنة ولا مسؤولية. وأقل ما وكله إلى كل إنسان أن يرى نفسه مستعدة للسماء.
    وَسَافَرَ لِلْوَقْتِ أشار بهذا إلى أن المسيح يراقب الكنيسة وهو غير منظور، وأنه لا يحاسب عبيده في الحال، وأن وقت غيبته هي كل المدة بين صعوده ومجيئه الثاني.
    ١٦، ١٧ «١٦ فَمَضَى ٱلَّذِي أَخَذَ ٱلْخَمْسَ وَزَنَاتٍ وَتَاجَرَ بِهَا، فَرَبِحَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخَرَ. ١٧ وَهٰكَذَا ٱلَّذِي أَخَذَ ٱلْوَزْنَتَيْنِ، رَبِحَ أَيْضاً وَزْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ».
    فَمَضَى أي أخذ يتاجر فور سفر سيده.
    وَتَاجَرَ الخ أي بذل الاجتهاد بالحكمة.
    فَرَبِحَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ كانت نتيجة اجتهاده تضاعُف ماله.
    وكذا كان أمر صاحب الوزنتين. والمقصود بذلك أن المسيحي كلما استعمل مواهبه الروحية في عمل الخير زادت قوة ونفعاً، وكلما اغتنم الفرص لذلك العمل كثرت له. إن المسيحي الحقيقي يستعمل كل قواه لمجد المسيح وبنيان كنيسته، وذلك مما فرض عليه (رومية ١٤: ٢ و١كورنثوس ١٤: ١٢) ويجتهد في أن يتقدم وينمو في معرفة الله والنعمة والتقوى، ويقول مع داود «مَاذَا أَرُدُّ لِلرَّبِّ مِنْ أَجْلِ كُلِّ حَسَنَاتِهِ لِي؟» (مزمور ١١٦: ١٢) ومع بولس الرسول «يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟» (أعمال ٩: ٦) فيحسب حريته وشرفه وفرحه أن يخدم المسيح وكنيسته على الدوام.
    ١٨ «وَأَمَّا ٱلَّذِي أَخَذَ ٱلْوَزْنَةَ فَمَضَى وَحَفَرَ فِي ٱلأَرْضِ وَأَخْفَى فِضَّةَ سَيِّدِهِ».
    أَخْفَى اعتاد الناس قديماً أن يدفنوا أموالهم في الأرض لحفظها (متّى ١٣: ٤٤ - ٤٦). ويحتمل أن العبد فعل ذلك غيظاً من سيده، لأنه أعطى رفيقيه أكثر مما أعطاه، أو لفتوره وكسله في خدمة سيده، أو لأنه لم يتوقع رجوع سيده للمحاسبة. ورجا أنه إن رجع يكتفي بأن يأخذ ما سلمه إياه من المال. وعلى كل حال لم يعمل شيئاً مفيداً بوزنته. ويشير هذا العبد إلى الإنسان الذي يهمل استعمال قواه، وعدم انتهاز فرصه التي يمنحها الله له. وكثيرون مثل هذا العبد ويعتذرون اعتذاره. ومن وجوه ذلك الاعتذار:
    (١) إنهم ليسوا في مقام عالٍ ليؤثروا في غيرهم. (٢) إنهم ضعفاء قليلو الفرص، فيعتذرون لأنهم عاجزون عن القيام بالأعمال العظيمة ويتركون كل عمل. (٣) إن الذين يقدرون على العمل المطلوب كثيرون، فلا حاجة لخدمتهم.
    ثم إن الذي دفن مال سيده في المثل هو صاحب الوزنة الواحدة. ولكن كثيراً ما نرى أن أصحاب المواهب الكثيرة العظمى في الكنيسة يدفنونها، بأن يستعملوها لأنفسهم لا لله. ولعل ذكر أمر صاحب الوزنة الواحدة دلالة على التدقيق في الحساب. فإذا كان السيد يسأل عن وزنة واحدة دُفنت، فكم بالحري يسأل عن أعظم منها من المواهب المدفونة.
    فِضَّةَ سَيِّدِه فهي ليست فضته ليتصرف بها كما يشاء. ومما زاد خطأه أنه كسل ورفيقاه اجتهدا، فكان يجب أن يحرك نشاطهما غيرته. الذي كسل في المثل واحد، لكن الذين يكسلون في الكنيسة كثيرون! منهم من يهمل تلاوة الكتاب المقدس والصلاة الانفرادية، أو يدنس يوم الرب، أو يحب العالم أو المال، فيصدق عليهم قول دانيال لبيلشاصر «أَمَّا اللهُ الَّذِي بِيَدِهِ نَسَمَتُكَ، وَلَهُ كُلُّ طُرُقِكَ فَلَمْ تُمَجِّدْهُ» (دانيال ٥: ٢٣).
    ١٩ «وَبَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَتَى سَيِّدُ أُولَئِكَ ٱلْعَبِيدِ وَحَاسَبَهُمْ».
    بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ كان يمكن الرسل أن يستنتجوا من ذلك أن مجيئه الثاني بعيد. وبُعد ذلك المجيء كافٍ ليمتحن أمانة الكنيسة كلها. وطول حياة كل إنسان كافٍ ليمتحن أمانته واجتهاده. ويوم الدين نهاية غياب ذلك السيد عن الكنيسة كلها.. ويوم وفاة كل إنسان نهاية غياب المسيح عنه.
    أَتَى... وَحَاسَبَهُمْ مهما طالت مدة غياب السيد فلا بد أن يأتي. ويوم مجيئه يوم حساب (رومية ١٤: ١٠ و٢كورنثوس ٥: ١١). وهو يوم فرح للأمناء ويوم خوف وخزي للخائنين. ويظهر من هذا المثل أن الحساب لا ريب في وقوعه، وعمومه وتدقيقه، وأن الله لم يعط الإنسان شيئاً الآن لمجرد تمتعه به من الصحة أو القوة الجسدية أو المال، فكل شيء ديْنٌ يُحاسب عليه بكل تدقيق (١كورنثوس ١٤: ١٢) وعليه أن يستعد لذلك الحساب كل ساعة لجهله وقت مجيء سيده.
    ٢٠ «فَجَاءَ ٱلَّذِي أَخَذَ ٱلْخَمْسَ وَزَنَاتٍ وَقَدَّمَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخَرَ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، خَمْسَ وَزَنَاتٍ سَلَّمْتَنِي. هُوَذَا خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخَرُ رَبِحْتُهَا فَوْقَهَا».
    كل إنسان يعطي لله حساباً عن نفسه لا عن غيره.
    سَلَّمْتَنِي اعترف بأن كل ما كان له كان من مال سيده. فعلى المسيحيين أن يذكروا على الدوام ما أخذوه من الله ليستعدوا لإعطائه الحساب عنه.
    رَبِحْتُهَا فَوْقَهَا أي ربحها لسيده لا لنفسه. وهذا مثل ما جاء في لوقا ١٩: ١٨. فيجب على المسيحي أن يحسب كل نتائج أتعابه لله لأنه هو يعطينا النعمة للحصول عليها (يوحنا ١٥: ٥ و١كورنثوس ١٥: ١٠) والنتائج الصالحة تتبع كل عملٍ عُمل باجتهاد وأمانة (يعقوب ٣: ١٣ ورؤيا ١٤: ١٣) وهي موضوع حقيقي للفرح (في ٢: ١٦). وهبات الله الروحية لنا لا تعفينا من الاجتهاد بدليل قول الرسول «تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ» (فيلبي ٢: ١٢، ١٣).
    ٢١ «فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلصَّالِحُ وَٱلأَمِينُ. كُنْتَ أَمِيناً فِي ٱلْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى ٱلْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ».
    متّى ٢٤: ٤٧ ، ٢٣، ٣٤، ٤٦ ولوقا ١٢: ٤٤ و٢٢: ٢٩، ٣٠ وإشعياء ٥٣: ١١ وعبرانيين ٤: ٣ - ١١ و١٢: ٢ و٢تيموثاوس ٢: ١٢ و١بطرس ١: ٨ ورؤيا ٣: ٢١
    نِعِمَّا وهي اختصار «نِعْم ما فعلت». وهذا المدح من فم الله أفضل من أعظم مديح من الناس وأشرف منه. وهذا مثل قوله في مدح مريم «عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا» أي على قدر استطاعتها (مرقس ١٤: ٨).
    ٱلصَّالِحُ وَٱلأَمِينُ لم يقل الصالح والمجتهد، ولا الصالح والناجح، بل الصالح والأمين. فالأمانة كانت أكثر اعتباراً من سائر الصفات عند ذلك السيد، وكذلك هي عند الله.
    أُقِيمُكَ عَلَى ٱلْكَثِيرِ لم يكن ثوابه الراحة بل اتساع دائرة عمله، وكذلك يثيب الله عبيده الأمناء (رومية ٢: ٦، ٧) فسعادة السماء لا تقوم بمجرد الراحة بل بسمو الخدمة.
    فَرَحِ سَيِّدِكَ أي إلى وليمة فرح تجلس مع سيدك فيها. والعبد الذي يجلس مع سيده يكون قد تحرر. كذلك يثيب المسيح عبيده الأمناء حسب قوله «لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا... لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ» (يوحنا ١٥: ١٥) وقوله «طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ... اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ» (لوقا ١٢: ٣٧) (انظر أيضاً ١كورنثوس ١٥: ٥٨ و٢تيموثاوس ٤: ٨ ورؤيا ٢: ١٠ و٣: ٢٠، ٢١). فالذين يدخلون في فرح السيد السماوي يكونون شركاء له في الفرح الذي ناله لأمانته في عمل الفداء، ويكونون رفقاءه في المجد. وذلك الفرح غير محدود في العظمة والبقاء. ولا شك أن هذا الثواب أعظم مما يستحقه أحدٌ من الناس أو يرجوه أو يتصوره.
    ٢٢، ٢٣ «٢٢ ثُمَّ جَاءَ ٱلَّذِي أَخَذَ ٱلْوَزْنَتَيْنِ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، وَزْنَتَيْنِ سَلَّمْتَنِي. هُوَذَا وَزْنَتَانِ أُخْرَيَانِ رَبِحْتُهُمَا فَوْقَهُمَا. ٢٣ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلصَّالِحُ ٱلأَمِينُ. كُنْتَ أَمِيناً فِي ٱلْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى ٱلْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِك».
    ع ٢١
    قول السيد لهذا العبد كقوله الذي قبله. والثواب على أمانته لا على قدر ربحه. فالإثابة واحدة بغضّ النظر عن مقدار الربح.
    ٢٤، ٢٥ «٢٤ ثُمَّ جَاءَ أَيْضاً ٱلَّذِي أَخَذَ ٱلْوَزْنَةَ ٱلْوَاحِدَةَ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، عَرَفْتُ أَنَّكَ إِنْسَانٌ قَاسٍ، تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ وَتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُرْ. ٢٥ فَخِفْتُ وَمَضَيْتُ وَأَخْفَيْتُ وَزْنَتَكَ فِي ٱلأَرْضِ. هُوَذَا ٱلَّذِي لَكَ».
    دُعي صاحب الوزنة الواحدة إلى الحساب كصاحب الوزنات الخمس. وظهر في جوابه ضعف حجة من يتخذ قلة مواهبه وفرصه عذراً لعدم العمل. وإن الله يطلب أن يخدمه الإنسان، سواء كان قليل المواهب والفرص أم كثيرها. وهذا وفق قول الرسول «ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا» (١كورنثوس ٤: ٢). وقوله «إِنْ كَانَ النَّشَاطُ مَوْجُودًا فَهُوَ مَقْبُولٌ عَلَى حَسَبِ مَا لِلإِنْسَانِ، لاَ عَلَى حَسَبِ مَا لَيْسَ لَهُ» (٢كورنثوس ٨: ١٢).
    عَرَفْتُ يظن كثيرون أنهم يعرفون الله، والحق أنه لا يعرفه أحد ما لم يشعر بأنه محبة، أي أبٌ رحيم جواد. ويخطئ بعضهم بأن يحسبه قاسياً كما أخطأ اليهود في أيام حزقيال فقالوا: «الآبَاءُ أَكَلُوا الْحِصْرِمَ وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ» وقالوا «لَيْسَتْ طَرِيقُ الرَّبِّ مُسْتَوِيَةً» (حزقيال ١٨: ٢، ٢٥). وكذلك يخطئ من يحسبه رب رحمة بلا عدل، كمن قال عليه الله بلسان نبيه «ظَنَنْتَ أَنِّي مِثْلُكَ» (مزمور ٥٠: ٢١).
    قَاسٍ أي طامعٌ بخيلٌ تطلب أكثر مما لك، وظالمٌ لا شفقة في قلبك على العاجزين. وبمثل ذلك يتهم الناس الله بدعوى أنه يكلفهم ما لا يستطيعونه، كتكليف فرعون بني إسرائيل أن يصنعوا الطوب المفروض عليهم بدون أن يعطيهم التبن (خروج ٥: ٧، ٨) فطلبوا عذراً لأنفسهم عن كسلهم فادعوا أن الله قاسٍ ظالم. فخطأهم في تصورهم صفات الله يمنعهم عن خدمته بفرح واجتهاد ومحبة.
    تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ وَتَجْمَعُ الخ هاتان الجملتان بمعنىً واحد، أتى بهما تأكيداً لمعنى قوله السابق إن السيد يكلفه بالعمل ويأكل الربح. وهو كذب ستر به كسله. وكثيرون يقولون ما قاله ذلك العبد فيلومون الله على آثامهم. فإن صدقناهم حكمنا بأن الله هو علة خطاياهم، فيشبهون بذلك أباهم آدم في قوله لله «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ» (تكوين ٣: ١٢). والله خلاف ما قال ذلك العبد الكسلان، فإنه لا يحصد حيث لم يزرع، بل هو يزرع بركات كثيرة ويحصد قليلاً من الشكر والخدمة. نعم إنه ينتظر الحصاد حيث يزرع (إشعياء ٥: ٢) لا حيث لا يزرع.
    فَخِفْتُ ادَّعى أنه خاف أن تضيع الوزنة بالاتجار بها فيعرض نفسه للوم سيده القاسي وعقابه، فخبأ الوزنة حفظاً لها. وتدل وقاحته في الجواب على كذب دعواه، فإنه لم يبال بغيظ سيدِه، وكان يعلم أنه ليس قاسياً. فلو خاف حقاً لنهض من كسله واجتهد في التجارة لكي لا يلام.
    هُوَذَا ٱلَّذِي لَكَ أي هذه الوزنة التي أعطيتني إياها. فكأنه قال: هذا كل ما لك حق أن تسألني إياه. ولم يلتفت إلى تعطيل المال كل تلك المدة الطويلة، وخيبة رجاء سيده، وعدم قيامه هو بالخدمة التي على عبدٍ مثله. ويدلنا كلامه على أنه ظن عذره مقبولاً، وأن لا لوم عليه فصحَّ عليه قول الحكيم «اَلْكَسْلاَنُ أَوْفَرُ حِكْمَةً فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ مِنَ السَّبْعَةِ الْمُجِيبِينَ بِعَقْل» (أمثال ٢٦: ١٦). نعم أمكن ذلك العبد أن يرد الوزنة إلى سيده كما هي، لكن يستحيل أن يرد الإنسان إلى الله المواهب الروحية التي لم يستعملها بالحكمة، لأنه يكون بذلك قد أتلفها. فالمسيحي الكسلان شرٌ من العبد الكسلان، لأنه رد مال سيده وأما المسيحي الكسلان فبذَّره.
    ٢٦ «َأَجَابَ سَيِّدُهُ: أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلشِّرِّيرُ وَٱلْكَسْلاَنُ، عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ أَزْرَعْ، وَأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَبْذُرْ».
    عرف السيد أن عذر العبد باطل، وأنه كسلان لا يحب سيده ولا يجتهد في خدمته.
    يخطئ من يظن أن السيد يتساهل مع الفقراء ويقبلهم في السماء لأنهم فقراء، وهذا غير صحيح البتة. إذ أن الفقير الكسلان هو كالغني البخيل. كلاهما مخطئ. وعلينا أن نربح أنفسنا لملكوت الله بالجهد والتعب وجلب الثمار التي تليق بالحياة الأبدية.
    ٱلشِّرِّيرُ كان شره كسله، وسوء ظنه في سيده. لقد أعطانا الله عقولنا وأجسادنا لنستعملها لمجده وخير الناس، فعدم استعمالنا إياها تبذيرٌ وإتلافٌ. فالوزنات التي ننفقها على أنفسنا تُحسب أنها مدفونة، وإهمال القيام بالواجبات شرعاً كالتعدي على الشريعة.
    وَٱلْكَسْلاَنُ أبان كسله بأن أخفى مال سيده فلم يربح له شيئاً.
    عَرَفْتَ وقع ذا الكلام من السيد موقع الشرط في جوابه، أي إن كنت قد عرفت ما قلتَ، كان يجب عليك أن تفعل حسبما عرفت وتضع مالي عند الصيارفة. وهذا يظهر من قول السيد «مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ عَرَفْتَ أَنِّي.. الخ» (لوقا ١٩: ٢٢). وهو مثل قول أليفاز «إِنَّ فَمَكَ يَسْتَذْنِبُكَ، لاَ أَنَا، وَشَفَتَاكَ تَشْهَدَانِ عَلَيْكَ» (أيوب ١٥: ٦). على أن السيد لم يسلِّم بصدق قول العبد إنه قاسٍ وظالم، كما أنه لم ينفِ عن نفسه التهمة لكي يثبت جهل العبد وكذبه بعدم تصرفه بحسب معرفته واعتقاده. فلو خاف حقاً لاجتهد في دفع غيظ سيده بما يحصله من ربح ذلك المال. ومثل عذر هذا الكسلان عذر كل خاطئ، فإن بطلان العذر يظهر يوم الدين، وتزيد به دينونته. إن أرملة صرفة لم تعتذر بفقرها حتى لا تقدم شيئاً لإيليا النبي (١ملوك ١٧: ١٢ - ١٥). ويوحنا وبطرس لم يمتنعا عن الوعظ لأنهما عديما العلم وعاميان (أعمال ٤: ١٣) ولا يجوز لأحد أن يهمل عمل الخير لقلة وسائله أو مواهبه.
    ٢٧ «فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عِنْدَ ٱلصَّيَارِفَةِ، فَعِنْدَ مَجِيئِي كُنْتُ آخُذُ ٱلَّذِي لِي مَعَ رِباً».
    متّى ٢١: ١٢ ولوقا ١٩: ٢٣
    ٱلصَّيَارِفَة هم الذين يأخذون المال برباً قليل ويعطونه سُلفةً للغير بربح أكثر منه. وشاع ذلك كثيراً في أيام الرومان. كان قصد السيد عندما أعطاه الوزنة أن يزيدها بالاتجار بها، ولكنه رأى أن أقل واجبات ذلك العبد أنه إن كسل عن الاتجار يضع فضته عند الصيارفة. وذلك عمل لا يقتضي نشاطاً أو تعباً، فيربح شيئاً. والربح القليل خير من لا شيء. فمنع الربح عن سيده خطأ يساوي منع رأس المال عنه. وما قيل هنا ليس دليلاً على جواز الربا أو منعه، لأنه إشارة إلى ما اعتاده أصحاب المال يومئذٍ. وقد حرَّمت الشريعة على اليهودي أن يأخذ الربا من ابن ملته، لكن سُمح له أن يأخذه من غيره (خروج ٢٢: ٢٥ وتثنية ٢٣: ١٩، ٢٠). ولم نجد من معنى روحي لذلك سوى أنه ينبغي أن نستعمل الروحيات لمنفعة قريبنا ومنفعة أنفسنا. وتلك الحكمة والتدبير اللذين يستعملهما الناس في الدنيويات. وبهذا أبطل السيد عذر العبد، وبيَّن فساد حجته. كذلك يبطل ما يأتيه الخطاة من الأعذار والحجج يوم الدين لإهمالهم الواجبات الدينية، لأنهم لم يبذلوا الجهد، ولا استعملوا ما وهبه الله لهم من الوسائل، ولم يطلبوا زيادة ذلك.
    هل أخذ الربا مخالف لشريعة موسى؟ أليس أن الربا المعقول للأشخاص المحتاجين هو حافز لهم للعمل، وليس لابتزاز أتعابهم. وعلى هذا الأساس تقوم التجارة والعمران.
    ٢٨ «فَخُذُوا مِنْهُ ٱلْوَزْنَةَ وَأَعْطُوهَا لِلَّذِي لَهُ ٱلْعَشْرُ وَزَنَاتٍ».
    خسر الكسلان كل الوسائل التي له وعُوقب شر عقاب. وظهرت زيادة خسارته بالمقارنة بزيادة ربح الأمين. ولم يرد المسيح بإعطاء ما للواحد للآخر نقل المواهب من الأول إلى الثاني، بل ما نراه كثيراً في العالم أن الله بعد ما يعطي بعض الناس فُرصاً لعمل الخير لا يستعملونها، يأخذها منهم ويهبها لغيرهم، فيكون للأول الخجل والندامة لأنه خسر ما كان يمكنه أن يحصل عليه من الثواب. وهذا مثل قول صموئيل لشاول الملك «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ» (١صموئيل ١٥ ٢٨). ويصح أن يقال بهذا المعنى أن الخيرات التي كانت للغني في الدنيا كانت للعازر المسكين في الآخرة. والغاية من هذا المثل كله إيقاظ ضمائر الغافلين من المعترفين بالمسيح وتأكيد إجراء الحساب الدقيق يوم الدين على كل ما أهملوه من واجباتهم، وعلى كل تعدياتهم، بدليل أن العبد الذي لم يقتُل ولم يلعن ولم يكذب ولم يسرق ولم يبذر مال سيده، حُكم عليه وعُوقب لمجرد كسله وإهماله.
    ٢٩ «لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَٱلَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ».
    متّى ١٣: ١٢ ومرقس ٨: ١٨ و١٩: ٢٦ ويوحنا ١٥: ٢
    هذا كلام جارٍ مجرى المثل مرَّ تفسيره في متّى ١٣: ١٢. ومثله قول الحكيم «يَدُ الْمُجْتَهِدِينَ تَسُودُ، أَمَّا الرَّخْوَةُ فَتَكُونُ تَحْتَ الْجِزْيَةِ» (أمثال ١٢: ٢٤). والمعنى أن الأمين يُجازى بأن يوكل إليه أعظم مما اؤتمن عليه أولاً. وأما الخائن فتؤخذ منه الوسائط التي أُعطيت له ويُعاقب عليها.
    وَمَنْ لَيْسَ لَهُ أي من لا شيء له يدل على اجتهاده وأمانته في تصرفه بوكالته. فمن كان له وزنة ودفنها لم ينتفع بها ولم ينفع غيره بها، هو كمن ليس له شيءٌ. ولا يُقال إن لأحدٍ شيئاً إلا إن استعمله.
    فَٱلَّذِي عِنْدَهُ أي ما أُعطيه من المواهب والوسائل أو الوكالة. وكثيراً ما نرى أمثلةً لما يقوله هذا العدد. فالمال ينتقل من أيدي أهل الكسل إلى أيدي أهل الاجتهاد. وعضو الجسد الذي لا يُستعمل يضمر ويضعف، ولكن الذي يُستعمل يعظم ويقوى. وكذلك القوى العقلية فإنها تقوى بالاستعمال وتضعف بدونه.
    ٣٠ «وَٱلْعَبْدُ ٱلْبَطَّالُ ٱطْرَحُوهُ إِلَى ٱلظُّلْمَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ، هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَان».
    متّى ٨: ١٢ و٢٤: ٥١
    انظر شرح متّى ٨: ١٢ وهنا قارن بين حال العبد البطال، فإنه قال للأول «ادخل» وقال عن الثاني «اطرحوه». فكان الأول في نور وفرح في بيت سيده، وكان الثاني في الظلمة الخارجية والحزن واليأس. فكان هذا العبد كالتينة التي بلا ثمر (لوقا ١٣: ٦ - ٩) وعقابه كعقاب الضيف الذي لم يكن عليه لباس العرس (متّى ٢٢: ١٣) وكعقاب المرائين (متّى ٢٤: ٥١) فخطيته كخطيتهم. وخلاصة معنى هذا المثل الروحي تظهر ثمان قضايا: (١) إن المسيحيين كلهم عبيد سيدٍ غاب عنهم. (٢) إن الله يهب لعبيده مواهب مختلفة وفرصاً متنوعة للخدمة. (٣) إنه ينتظر من كل مسيحي أن يستعمل مواهبه وما له من الوسائل على قدر طاقته، لمجده، لأن المسيحي نالها ليستعملها لا ليتزين بها. (٤) إن من تصرف بالمواهب بالحكمة والاجتهاد كما قصد الله زادها له كثيراً ونال الثواب والرضى. (٥) يأتي يوم فيه يُحاسب المسيحي على كل مواهبه ووسائطه وإن ذلك الحساب يكون خاصاً مدققاً بلا محاباة. (٦) يظن الخطاة أن الله قاسٍ ظالم بما يكلفهم به، ويمنعهم سوء ظنهم من إتيانهم إليه وخدمتهم له. (٧) يعتبر الله إهمال الواجبات تعدياً على شريعته، ويعاقب المهمل كما يعاقب المعتدي (عبرانيين ٢: ٣ و٦: ٧، ٨) (٨) يظهر يوم الدين بطلان كل ما يقدمه الخونة من الأعذار على عدم أمانتهم.
    ٣١ «وَمَتَى جَاءَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ ٱلْمَلاَئِكَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ».
    زكريا ١٤: ٥ ومتّى ١٦: ٢٧ و١٩: ٢٨ ومرقس ٨: ٣٨ وأعمال ١: ١١ و١تسالونيكي ٤: ١٦ و٢تسالونيكي ١: ٧ ويهوذا ١٤ ورؤيا ١: ٧
    من هذا العدد إلى آخر الأصحاح بقية جواب المسيح على سؤال الرسل «مَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟» (متّى ٢٤: ٣) وفيه يبيِّن ما سيحدث يوم الدين ويوضح الأعمال الواجبة على تلاميذ المسيح ليُظهروا محبتهم له مدة غيبته. لقد علَّمهم في مثل العذارى العشر وجوب السهر، وفي مثل الوزنات وجوب الاجتهاد، ويعلمهم هنا العمل الذي يرضاه، وهو إظهار الرحمة للمساكين والمصابين من شعبه، لأنه يحسب الإحسان إليهم إحساناً إليه. وكلام المسيح هنا ليس مثلاً، مع أنه شبَّه في ع ٣٢ ،٣٣ عمله بعمل الراعي الذي يفصل الخراف عن الجداء. لكنه يصوِّر أموراً مستقبلة لتظهر كأنها حدثت أمامنا.
    جَاءَ المجيء الثاني للدينونة في نهاية العالم (متّى ١٣: ٤٠ و٢٤: ٣٠ وأعمال ١٦: ٣١ ورومية ٢: ١٦ و١كورنثوس ٤: ٥) وهذا ما أشار إليه بمجيء العريس (متّى ٢٥: ٦) ورجوع صاحب الوزنات من السفر (ع ١٩).
    ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ سمى ابن الله نفسه بذلك بياناً لاتحاد لاهوته بالناسوت، وورد هذا اللقب نحو خمسين مرة في هذا الإنجيل. والمراد بذكره هنا أن المسيح حين يأتي ليدين العالم لا يأتي بمجرد لاهوته بل بطبيعتيه (يوحنا ٥: ٢٢).
    فِي مَجْدِهِ أي في بهائه باعتباره ابن الله (يوحنا ١٧: ٥) وفي شرفه الذي أعطاه الآب إياه جزاء اتضاعه بتجسده وموته فادياً (مرقس ٨: ٣٨ وفيلبي ٢: ٩، ١٠ ومزمور ٩: ٧). وهذا تتميم لنبوة دانيال ٧: ١٣، ١٤.
    ٱلْمَلاَئِكَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ وصف الملائكة بالقديسين لطهارتهم (مرقس ٨: ٣٨ و٢تسالونيكي ١: ٧ ورؤيا ١٩: ١٤) ولتمييزهم عن الملائكة الساقطين. وقد خدم الملائكة القديسون المسيح في عمل الفداء واهتموا بذلك العمل (متّى ١٣: ٤٠ و٢٤: ٣١ ولوقا ٢: ٩ - ١٤ وعبرانيين ١: ١٤).
    يَجْلِسُ ديّاناً وملكاً (يوحنا ٥: ٢٢) وظافراً بعد محاربته.
    عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ أي كرسيه المجيد (إشعياء ٦: ١ ودانيال ٧: ٩ ورؤيا ١٢: ١٣ و٢٠: ١١) فما أعظم الفرق بين حاله حينئذٍ، وحاله عندما كان طفلاً في مذود بيت لحم، وحاله عندما كان يجول وليس له محل يسند فيه رأسه، وحاله حين تركه تلاميذه وأحاط به أعداؤه يستهزئون به، وحاله حين وقف كمذنب أمام بيلاطس، وحين جُرح جَلداً ولبس الشوك، وحين صلب بين لصين.
    ٣٢ «وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ ٱلشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ ٱلرَّاعِي ٱلْخِرَافَ مِنَ ٱلْجِدَاءِ».
    رومية ١٤: ١٠ و٢كورنثوس ٥: ١٠ ورؤيا ٢٠: ١٢ وحزقيال ٢٠: ٣٨ و٣٤: ١٧، ٢٠ ومتّى ١٣: ٤٩
    جَمِيعُ ٱلشُّعُوبِ اليهود والأمم (متّى ٢٨: ١٩ ولوقا ٢٤: ٤٧) وهم جميع الأحياء والذين قاموا من الموت من أول خلق الإنسان إلى يوم القيامة (يوحنا ٥: ٢٨، ٢٩ و٢كورنثوس ٥: ١٠ ورؤيا ٢٠: ١٣). فما أعظم ذلك الجمع المشتمل على كل البشر والملائكة. وما أهم ذلك الاجتماع لنا، لأننا نكون هناك إما بين أهل الفوز والمسرة، أو بين أهل الخزي والعار والحزن.
    فَيُمَيِّزُ يميِّز ملائكته (متّى ١٣: ٤١ ومرقس ٨: ٣) بين الأخيار والأشرار الذين يجتمعون في هذا العالم، ولكنهم ينفصلون يوم الدين إلى الأبد. وفي الدنيا يتميز بعض الناس على بعض بالغنى والشرف والعلم والتمدن، ولكن كل ذلك لا يعتبر يومئذٍ. فيومها الذي سيُعتبر صفاتهم الظاهرة بأعمالهم. ومن المعلوم أن تلك الصفات تختلف بمقتضى إيمانهم بالمسيح أو عدم إيمانهم به.
    كَمَا يُمَيِّزُ ٱلرَّاعِي الخ يميز بسهولة وصواب. وهذا دليل على معرفة المسيح غير المحدودة، لأنه ميز بها بين عدد لا يحصى من البشر بالسهولة والإصابة اللتين يميز بهما كل يوم بين أفراد قطيعه الصغير من الغنم والمعزى. وهذا مثل قول حزقيال النبي «وَأَنْتُمْ يَا غَنَمِي، فَهكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَحْكُمُ بَيْنَ شَاةٍ وَشَاةٍ، بَيْنَ كِبَاشٍ وَتُيُوسٍ» (حزقيال ٣٤: ١٧). وهو دليل واضح على أن العالم ينقسم في اليوم الأخير إلى قسمين فقط، كما قال المسيح في مثل الحنطة والزوان (متّى ١٣: ٣٠) ومثل السمك الجيد والرديء (متّى ١٣: ٤٨). وبين المؤمنين وغير المؤمنين (مرقس ١٦: ١٦) ولا قسم ثالث بين الذين قاوموا الإنجيل والذين اهتموا به.
    ٣٣ «فَيُقِيمُ ٱلْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَٱلْجِدَاءَ عَنِ ٱلْيَسَارِ».
    ٱلْخِرَافَ أراد بالخراف الصالحين، لأن الخراف وديعة لا تؤذي، ولأنها تحب راعيها وتخضع له، وتشعر باحتياجها إليه (متّى ١٨: ١٢ ويوحنا ١٠: ٧، ١٤ - ١٧ ومزمور ١٠٠: ٣). فكل الذين آمنوا بالمسيح وأظهروا إيمانهم بأعمالهم يُحسبون صالحين أو خراف رعيته.
    عَنْ يَمِينِهِ أي في محل الشرف. والدعوة إليه علامة رضى الملك، فالذين في ذلك المكان يقيمون في رضى الملك وحمايته. وتقدم شرح مثل هذا في متّى ٣٢: ٤٤ (انظر أيضاً ١صموئيل ٢٠: ٢٥ و١ملوك ٢: ١٩ وأعمال ٢: ٢٥، ٣٣ وأفسس ١: ٢٠ وعبرانيين ١: ٣).
    ٱلْجِدَاءَ المقصود بها الأشرار لأنها أقل من الخراف قيمة ونفعاً وألفة وطاعة.
    عَنِ ٱلْيَسَارِ هو محل الإهانة، فالذين في هذا المكان يحكم عليهم الملك ويرفضهم.
    ٣٤ «ثُمَّ يَقُولُ ٱلْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا ٱلْمَلَكُوتَ ٱلْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ».
    رومية ١٤: ٩ ورؤيا ١٩: ١٦ ورومية ٨: ١٧ و١بطرس ١: ٤، ٩ و٣: ٩ ورؤيا ٢١: ٧ ومتّى ٢٠: ٢٣ ومرقس ١٠: ٤٠ و١كورنثوس ٢: ٩ وعبرانيين ١١: ١٦
    ٱلْمَلِكُ سُمي المسيح في هذا الفصل «ابن الإنسان» و «الراعي» و «الديان» وسُمي هنا أيضاً «الملك». وسمى نفسه بالملك قبل منتهى اتضاعه بأقل من ثلاثة أيام. وكثيراً ما تكلم المسيح قبل ذلك في شأن ملكوته، لكن هذه أول مرة سمى نفسه ملكاً (رؤيا ١٧: ١٤ و١٩: ١٦). فالمسيح يجلس في يوم الدين ملكاً ودياناً ليمتحن ويحكم بالثواب والعقاب، ويُجري قضاءه. فالذي أتى أولاً بصورة عبد (فيلبي ٢: ٧) يأتي ثانياً ملكاً مجيداً. ولا يكون ملك اليهود فقط كما كُتب على الصليب، ولا ملك المختارين وحدهم، بل ملك العالمين، ملك الملوك ورب الأرباب.
    تَعَالَوْا اليوم يقول للناس «تعالوا إليَّ» للخلاص فالذين يسمعونه ويأتون إليه يقول لهم «تعالوا» للمجد (يوحنا ١٤: ٣ و١٧: ٢٤) فهذا اعتراف المسيح بهم أمام وجه أبيه والملائكة الصالحين.
    يَا مُبَارَكِي أَبِي كان هؤلاء محتقري العالم (متّى ١: ٢٢) فعلم الله أنهم له (٢تيموثاوس ٢: ١٩) فكانوا مباركيه وهم أحياء على الأرض. لكنهم لم يعلموا عظمة بركتهم حتى بلغوا السماء، وعلامات كونهم مباركي الآب أربع وهي: (١) أنهم منتخبون للخلاص (٢تسالونيكي ٢: ١٣ و١بطرس ١: ٢). (٢) أنهم عطية الآب للمسيح (يوحنا ١٧: ٦). (٣) إن الله قدرَّهم على صالح الأعمال بواسطة روحه القدوس. (٤) إن الله أحبهم ومجدهم في السماء.
    رِثُوا يرثون لأنهم أبناء الله بالولادة الجديدة، ولأن المسيح اشترى لهم ذلك الميراث (رومية ٨: ١٤ - ١٧ وغلاطية ٣: ٢٩ و٤: ٦، ٧ وتيطس ٣: ٧ وعبرانيين ١: ١٤ ويعقوب ٢: ٥).
    ٱلْمَلَكُوتَ أي كل الحقوق والبركات المختصة بالملكوت، ورأسه المسيح. وعلى هذا قال الرسول «لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ» (رومية ١٤: ١٧).
    ٱلْمُعَدَّ الذي يزيد عظمة ذلك الميراث طول المدة التي صُرفت في إعداده، ووفرة كنوز حكمة الله وغناه التي أُنفقت عليه.
    لَكُمْ أي أُعدَّ لكل فرد منكم على قدر حاجته، فلم يعد للبشر عموماً، ولا للكنيسة كلها، بل لكل نفس من المؤمنين.
    مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ أي منذ الأزل، لا من بدء الخليقة، وذلك في قصد الثالوث الأقدس وقضائه. ومع أن الإعداد كان قبل إنشاء العالم إلا أنه لم يتم إلا بعد موت المسيح، لأن موته كان الجزء الأعظم من ذلك الإعداد. والمسيح صعد إلى السماء ليكمله بدليل قوله «أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا» (يوحنا ١٤: ٢) وإعداد ذلك الملكوت للمؤمنين منذ الأزل يؤكد ثبوته لهم وكماله في ذاته (أفسس ١: ٣ - ٥) وإنه هبة من إنعامه لا أجرة، لأنه أُعد قبل أن يُخلق المؤمنون (رومية ٦: ٢٣ و٨: ٢٩، ٣٠ وأفسس ١: ١١ و٢تسالونيكي ٢: ١٣ و١بطرس ١: ٢).
    ٣٥، ٣٦ «٣٥ لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. ٣٦ عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ».
    إشعياء ٥٨: ٧ وحزقيال ١٨: ٧ ويعقوب ١: ٢٧ وعبرانيين ١٣: ٣ ويوحنا ٥ ويعقوب ٢: ١٥، ١٦ و٢تيموثاوس ١: ١٦
    لأَنِّي لا بد أن يُظهر المؤمنون بأعمالهم استعدادهم لذلك الملكوت المعد لهم، أي بكونهم معدين له كما هو معد لهم. ويظهر مما يأتي أن كل الناس يدانون في يوم القضاء حسب أعمالهم. ولا تناقض بين هذا وكون الخلاص بالإيمان، لأنه لا سبيل لإظهار صحة الإيمان إلا بالأعمال. وغاية الدينونة العلنية إظهار عدل الله في مجازاة الأخيار والأشرار، وهو يُعلن للمخلوقات بإظهار أعمالهم التي بُني الحكم عليها.
    جُعْتُ... عَطِشْتُ... كُنْتُ غَرِيباً الخ ذكر المسيح هنا ستة أعمال فعلها الأبرار وأظهروا بها شفقتهم ورقتهم وعدم الاعتناء بذواتهم واستعدادهم لإنفاق أوقاتهم وأموالهم وقواهم وراحتهم على نفع إخوة المسيح لأجل المسيح.
    ومن أمثلة إطعام الجياع ما جاء في ١ملوك ١٧: ١٠ - ١٥ وراعوث ٢: ١٤ - ١٧ ومن أمثلة سقى العطاش ما جاء في متّى ١٠: ٤٠ - ٤٢ ومن أمثلة إضافتهم للغرباء ما جاء في تكوين ١٨: ٢ - ٥ و١٩: ١ - ٣ ومن أمثلة كسوة العريان ما جاء في لو ٨: ٢، ٣، ٦ و١٠: ٣٠ - ٣٧ ومن أمثلة زيارة المسجونين ما جاء في إرميا ٣٨: ٧ - ١٣ و٢تيموثاوس ١: ١٦، ١٧ ومما يستحق الاعتبار في هذا الكلام ستة أمور: (١) إن الأعمال التي يثاب عليها المرء ليست أعمالاً عظيمة كإطلاق المسجونين أو شفاء المرضى، بل مجرد زيارتهم. فاعتذار من يهمل الواجبات الصغرى بدعوى أنه لم يتيسر له أن يقوم بالكبرى باطلٌ، لأنه قد ظهر من هذا المثل أن كل شخص يقدر أن يخدم الرب يسوع نفسه. (٢) المراحم التي ذُكرت هنا جسدية لا روحية، كتعليم الجهال ودعوة الخطاة إلى التوبة والإيمان والطاعة، مع أنها أعظم من الأولى. ولهذا سببان: (أ) أنها حُسبت كأنها فُعلت بالمسيح، فقال «جعت وعطشت» الخ، ولكن لم يصح أن يقول أنا جهلت فعلمتموني. أخطأت فدعوتموني إلى التوبة. ضللت فهديتموني، إلى غير ذلك من المراحم الروحية. و(ب) إن أُثيب على المراحم الصغرى فلا بد يُثاب على الكبرى، وعدم الاعتناء بالصغرى دليل على إهمال الكبرى «لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟» (١يوحنا ٤: ٢٠). (٣) إن كل الأعمال التي ذُكرت هي من الخدمة الشخصية وإنكار الذات بإنفاق المال والعناية، وتدل على رقة القلب والمحبة الأخوية لأجل المسيح . وهذه كلها تبرهن أن الذين يقومون بها لهم روح السماء، فهم مستعدون لها. (٤) إن المسيح كان أعظم قدوة للعالم بممارسته مثل تلك الأعمال، فمَن عمل مثلها يظهر أنه شبه المسيح (٢كورنثوس ٨: ٩). (٥) لا داعي للمسيحي الحقيقي أن يخاف الحساب في يوم الدين، لأن قانون المحاسبة هو أن أفعال الرحمة التي يفعلها بالبشر تُحسب أنها فُعلت بالمسيح، وهذا خير اطمئنان له. (٦) كما يتنكر الملوك أحياناً ويجولون بين الرعية ليلاحظوا أعمالهم، يجول المسيح بين شعبه وهو غير منظور، إذ يتنكر في فقراء شعبه. فالذين يؤوون الغرباء من أتباع المسيح يمكنهم أن يستضيفوا ملائكة كما قال الرسول (عبرانيين ١٣: ٢) بل يستضيفون الرب يسوع نفسه.
    ٣٧ - ٣٩ «٣٧ فَيُجِيبُهُ ٱلأَبْرَارُ حِينَئِذٍ: يَارَبُّ، ٣٨ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَاناً فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيباً فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَاناً فَكَسَوْنَاكَ؟ ٣٩ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟».
    جواب الأبرار هنا أظهر تواضعهم، لأنهم شعروا أنهم لا يستحقوا المدح والثواب. فالذين يتواضعون على الأرض يبقون متواضعين في السماء. وأظهر أيضاً تعجبهم فقد جهلوا أنهم عندما فعلوا الخير بإخوتهم فعلوه بالمسيح، لأنهم لم يخدموه شخصياً. فتبين من أقوالهم أنهم لم يحسبوا نوال ذلك الثواب أجرة استحقوها بأعمالهم الصالحة، وقد أصابوا بذلك. ولا ضرورة للحكم بأن الأبرار نطقوا بنفس تلك الأجوبة، لكنها هي خلاصة أفكار قلوبهم، وقد عرفها فاحص القلوب وأعلنها.
    ٤٠ «فَيُجِيبُ ٱلْمَلِكُ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هٰؤُلاَءِ ٱلأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ».
    أمثال ١٤: ٣١ و١٩: ١٧ ومتّى ١٠: ٤٢ ومرقس ٩: ٤١ وعبرانيين ٦: ١٠
    لنا من جواب المسيح أربعة أشياء: (١) إن المسيح عندما يجازي الأبرار لا يقتصر على اعتبار أعمالهم، بل يلاحظ غاياتهم من تلك الأعمال. (٢) إن الفضيلة المسيحية التي جُعلت هنا علامة الإيمان الصحيح بالمسيح هي المحبة، لأنها أعظم الفضائل، بدليل القول الرسولي «أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ» (١كورنثوس ١٣: ١٣) ولأنها إكليل صفات الله فإنه محبة (١يوحنا ٤: ٨، ١٦). فإذا وُجدت المحبة في الإنسان وُجدت فيه سائر الفضائل، وإن فقدها فقد الكل. لقد جعل المسيح التواضع علامة الإيمان به في متّى ١٨: ٣، لأنه أساس تُبنى عليه سائر الفضائل في أول الأمر. لكن المحبة رأس ذلك البناء عند كماله «فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ» (رومية ١٣: ١٠) وهي رباط الكمال (كولوسي ٣: ١٤). (٣) يحسب المسيح ما صُنع من المعروف لتلاميذه إكراماً له وأنه صُنع له، بحسب قوله «مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي. وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ بِاسْمِ تِلْمِيذٍ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ» (متّى ١٠: ٤٠، ٤٢). وقوله لشاول وهو يضطهد الكنيسة «لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» (أعمال ٩: ٤) وهذا دليل على شدة الاتحاد والشركة في الشعور بين المسيح وشعبه حتى أنه يحضر معهم حيث كانوا، ويشاركهم في فقرهم وضيقهم، ويحسب المساعدة لهم عين المساعدة له، واضطهادهم هو عين اضطهاده. ويظهر ذلك الاتحاد أيضاً من آيات كثيرة مثل (يوحنا ١٥: ٤ - ٦ و١كورنثوس ٦: ١٥ وأفسس ٥: ٢٣ - ٣٢).
    إِخْوَتِي أي تلاميذي (يوحنا ٢٠: ١٧) وشركائي في ضيقتي (عبرانيين ٢: ١٠، ١١). والمسيح وهو ملك على عرش المجد لا يزال يحسب المؤمنين به من البشر إخوته.
    هٰؤُلاَءِ ٱلأَصَاغِرِ أي الذين هم أقل اعتباراً واشتهاراً عند المؤمنين من غيرهم، والمحتقرون عند سائر أهل العالم. ومدح المسيح على صنع المعروف لإخوته لا يعني أننا لا نفعل الخير لغيرهم (متّى ٥: ٤٤).
    ٤١ «ثُمَّ يَقُولُ أَيْضاً لِلَّذِينَ عَنِ ٱلْيَسَارِ: ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى ٱلنَّارِ ٱلأَبَدِيَّةِ ٱلْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ».
    مزمور ٦: ٨ ومتّى ٧: ٢٣ و١٣: ٤٠، ٤٢ ولوقا ١٣: ٢٧ و٢بطرس ٤ ويهوذا ٦
    ٱذْهَبُوا عَنِّي المسيح نفسه الذي قال لهم أولاً «تعالوا إليَّ» قال لهم أخيراً «اذهبوا عني». فالذين قالوا لله في حياتهم الدنيا «ابعد عنا» (أيوب ٢٢: ١٧) سيسمعونه يقول لهم ابعدوا عني. وهذا بدء عذاب جهنم لأن «أمام الله شِبَعُ سُرُورٍ» (مرقس ١٦: ١١) والبعد عنه الموت الثاني.
    يَا مَلاَعِينُ هذا عكس ما قيل للأبرار، فإنه قال لهم «يا مباركي أبي». والملاعين هم المحرومون من كل خيرٍ ومسرة والمُعاقبون بالآلام والأحزان. ولم يقل لهم «يا ملاعين أبي» كما قال للأبرار «يا مباركي أبي» لأن من الله الخلاص، وأما الهلاك فيأتي على الناس من أعمالهم، فهم لعنةٌ على أنفسهم (إشعياء ٥٠: ١).
    إِلَى ٱلنَّارِ ٱلأَبَدِيَّةِ هذه النار ليست للتطهير بل للعذاب، وهي علامة غضب الله على الخطاة لأنه بالنسبة إليهم «نَارٌ آكِلَةٌ» (عبرانيين ١٢: ٢٩) فعلى ذلك يكون عقابهم مؤكداً شديداً دائماً
    ٱلْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ سبق أن الملكوت أي السماء معدٌ للأبرار، ولكنه لم يقل إن جهنم معدَّة للأشرار، بل للشياطين (رؤيا ١٩: ٢٠ و٢٠: ١٨) والشياطين هم الملائكة الساقطون (يهوذا ٦ ورؤيا ١٢: ٨، ٩) وقد أُعدَّ لهم محل العذاب الذي استحقوه. فأشرار الناس اقتدوا بهم وشاركوهم في الإثم فأعدوا أنفسهم لمرافقتهم، فذهبوا إلى أماكنهم كما ذهب يهوذا الإسخريوطي إلى مكانه (أعمال ١: ٢٥) فإذاً دينونتهم عادلة.
    ٤٢ - ٤٥ «٤٢ لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي. ٤٣ كُنْتُ غَرِيباً فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَاناً فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضاً وَمَحْبُوساً فَلَمْ تَزُورُونِي. ٤٤ حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضاً: يَارَبُّ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً أَوْ عَطْشَاناً أَوْ غَرِيباً أَوْ عُرْيَاناً أَوْ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟ ٤٥ فَيُجِيبُهُمْ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هٰؤُلاَءِ ٱلأَصَاغِرِ فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا».
    أمثال ١٤: ٣١ و١٧: ٥ وزكريا ٢: ٨ وأعمال ٩: ٥
    ما يستحق الاعتبار في هذه الأعداد سبعة أمور: (١) إن الأشرار دينوا هنا، لا أنهم سرقوا أو تعدوا الوصايا، بل لمجرد إهمالهم الواجبات، فلهم لم يُظهروا المعروف لتلاميذ المسيح ولا لمسيحهم بواسطتهم، فأظهروا عدم مشابهتهم للمسيح، وعدم استعدادهم لملكوته بعدم اعتنائهم بالفقراء والمحتاجين والغرباء والمسجونين. فإذا دين هؤلاء فبالأولى أن يُدان مرتكبو الفظائع، ويعاقب مُهملو النعمة والمجدفون والمضطهدون. (٢) إن الأعمال التي دينوا على إهمالها يستطيع أن يعملها كل إنسان يريد أن يقوم بها. (٣) خلاصة إثمهم إنهم عاشوا لأنفسهم، فأنفقوا عليها القوات والمواهب التي وهبها الله لهم لنفع غيرهم من البشر في تخفيف أحزانهم وتكثير أفراحهم. ولا يلزم من ذلك أن الأشرار يدانون يوم القضاء على مجرد ما أخطأوا به إلى إخوتهم بغضّ النظر عما ارتكبوه ضد الله، إذ الغاية هنا بيان عدل الله في عقاب الأشرار بأمثلة تدركها أذهان البشر. (٤) جهل الأشرار عظمة خطيتهم فظنوا أن حكم الله عليهم سيكون على إهمالهم ما يجب عليهم لغيرهم من الناس، ولم يفطنوا أنهم أهملوا بذلك ما يجب عليهم للمسيح. وخطايا الناس أفظع مما يظنون، ونتائجها تمتد دائماً إلى ما لم يخطر لهم على بال. (٥) ادَّعوا أن المسيح لو أتى بنفسه لكانوا خدموه، ولو عرفوا أنه يمكنهم خدمته بالإحسان إلى تلاميذه لأحسنوا إليهم. وكذلك الناس اليوم يخدعون أنفسهم بتركهم الواجبات الصغرى الحاضرة مدَّعين أنه لو فُتحت لهم الأبواب إلى كبار الواجبات لقاموا بها خير قيام. (٦) ليس في جوابهم شيءٌ يدل على التواضع أو التوبة، بل خلاصته تبرير أنفسهم، فصفاتهم في الآخرة تبقى كصفاتهم في الدنيا. ويمكن الناس أن يقوموا بأعمال تذيع صيتهم بين أهل الأرض، كما فعل الفلاسفة والأبطال والمكتشفون والمخترعون. ولكن ليس لمثل هؤلاء اعتبار في يوم الدين إن قال لهم المسيح «فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا». (٧) إن قوله «بي» أساس يُبنى عليه ما يستحق الثواب من الأعمال.
    ٤٦ «فَيَمْضِي هٰؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَٱلأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ».
    دانيال ١٢: ٢ ويوحنا ٥: ٢٨، ٢٩ ورومية ٢: ٧ الخ ورؤيا ٢١: ١ - ٨
    عَذَابٍ أَبَدِيٍّ... حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ هما حالان أولهما في أبعد بعدٍ عن الله. وثانيهما في أقرب قربٍ إليه. والأول أجرة الخطية، والثاني هبة الله، ولا يوجد موقف ثالث.
    لقد وُصف كلاهما بما وُصف به الآخر. فإذاً يدوم شقاء الأشرار كما تدوم سعادة الأبرار. وورد هذا الوصف ٦٦ مرة في الإنجيل، في ٥١ منها بياناً لدوام سعادة الأبرار، ومرتين بياناً لسرمدية الله، وست مرات بياناً لدوام عقاب الأشرار. فعقاب الأشرار يبقى ما بقيت سعادة الأبرار ووجود الله وملكوت المسيح. ومن الشواهد على أبدية العقاب بعد الموت ما يأتي من الآيات (مزمور ٩: ١٧ وإشعياء ٣٣: ١٤ ومرقس ١٦: ١٦ ولوقا ١٦: ٢٦ ويوحنا ٣: ٣٦ و٢تسالونيكي ١: ٧ - ٩).
    لقد أوضح السيد له المجد قيمة الديانة العملية المثمرة بإطعام الجائع وكسوة العريان ونفقة الخير والرحمة للفقير والمسكين. أي أن الإيمان يجب أن يعمل بالمحبة لأجل خدمة الآخرين، فإننا نتصل بالله مترجين نعمته ورحمته، ثم نتصل بأخينا الإنسان لنفرج كربه ونخفف ضيقه.
    تتضمن الحياة الأبدية، علاوة على خلود النفس، أنها تكون في أحسن حال للعمل، وتنال أسمى السعادة والبركات والثواب بدون خطر السقوط في الخطية، وأنها تعاين الله وتكون مثله في القداسة. والمسيح هو الذي اشترى لها كل ذلك (٢تيموثاوس ١: ١٠). وكما أن الحياة الأبدية كناية عن كمال السعادة والقداسة، كذلك العذاب الأبدي كناية عن تمام الشقاء والإثم.
    ومما يحقق لنا دوام العذاب في جهنم أنه لا يمكن أن يُغفر للخاطئ بلا توبة، ولا يمكنه أن يدخل السماء بدون تجديد قلبه. فكيف يستطيع ذلك في جهنم حيث لا تأثير للروح ولا لوسائط النعمة؟ فليس في الجحيم سوى كل ما يثبته في الإثم! وقد أخبرنا الله بكل هذا التحذير لأنه محبة، وهو يريدنا أن نهرب من الموت الأبدي وننال الحياة الأبدية. فإن صعب علينا الكلام عن عذاب الأشرار أو قراءة أخباره، فكم يصعب ويؤلم احتماله.
    ولا بد أن جميع الناس يقفون يوم الدين عن يمين الديان أو عن يساره. فلنا الآن أن نختار الموقف الذي نحبه، إذ لا اختيار لنا في ذلك اليوم. ولا بد من أن جميعهم يسمعون إما قوله «تعالوا إليَّ» أو قوله «اذهبوا عني». ولنا الآن أن نختار سماع الصوت الذي نحبه. ولا بد من أن جميعهم ينالون إما الحياة الأبدية أو العذاب الأبدي، فحياتنا الزمنية ووسائط النعمة وُهبت من الله لكي نتمسك بالحياة الأبدية. فإهمالنا الحياة يعرِّض نفوسنا للموت والهلاك!

    الأصحاح السادس والعشرون


    ذكر متّى في هذا الأصحاح أربعة أمور جهَّزت الطريق لصلب المسيح، وهي إنباء المسيح عن موته (ع ١، ٢)، ومؤامرة الرؤساء عليه (ع ٣ - ٥)، ودهن مريم إياه لتكفينه (ع ٦ - ١٣)، وتعهُّد يهوذا بتسليمه (ع ١٤ - ١٦). ولم يذكر متّى هذه الأمور حسب ترتيب وقوعها.
    ١ «وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هٰذِهِ ٱلأَقْوَالَ كُلَّهَا قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ».
    هٰذِهِ ٱلأَقْوَالَ كُلَّهَا أي ما قاله لتلاميذه على جبل الزيتون (في متّى ٢٤، ٢٥) عندما أجاب على سؤال أربعة منهم (مرقس ١٣: ٣). ويظهر من هذا العدد ومن أسلوب التعليم أن أقوال المسيح هنا موجَّهة إلى الكل لا إلى الأربعة الذين سألوه. وهي أقوال تتعلَّق بممارسته لوظيفته النبوية. وما بقي من بشارة متّى يتعلق بممارسته لوظيفته الكهنوتية بآلامه وموته.
    ٢ «تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ ٱلْفِصْحُ، وَٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ».
    مرقس ١٤: ١ الخ ولوقا ٢٢: ١ الخ ويوحنا ١٣: ١
    تَعْلَمُونَ لم يقصد المسيح أن يعرِّفهم بموعد الفصح، فهُم يعرفونه، لكنه قصد أن يخبرهم بتسليمه إلى الموت حينئذٍ حسبما أنبأهم به في متّى ٢٠: ١٨.
    بَعْدَ يَوْمَيْنِ كان الوقت الذي تكلم فيه مساء الثلاثاء أي ليلة الأربعاء فيكون هذان اليومان الأربعاء والخميس إلى مسائه، الذي هو أول يوم الجمعة ووقت أكل الفصح.
    ٱلْفِصْحُ أي عيد اليهود الأعظم، أُمروا به في خروج ١٣. والفصح كلمة عبرانية معناها «العبور» إشارةً إلى عبور الملاك المُهلك عن بني إسرائيل حين قتل أبكار المصريين. وكانت مدة العيد ٧ أيام من ١٥ نيسان إلى ٢١ منه (لاويين ٢٣: ٥) ولم يجز اليهود أن يأكلوا في تلك المدة كله من الخبز سوى الفطير، ولذلك سُمي أيضاً عيد الفطير. واقتضت ممارسة الفصح خمسة أمور: (١) ذبح الخروف، و(٢) رش الدم على قائمتي باب وعتبةِ بيت المعيِّد، و(٣) شيّ الخروف صحيحاً من دون أن يُكسر عظم منه. وفي شيِّه رمزٌ إلى آلام المسيح من أجلنا (يوحنا ١٩: ٣٦ و١كورنثوس ٥: ٧)، و(٤) أكله مع الخبز الفطير والأعشاب المرة، و(٥) عدم إبقاء شيءٍ منه إلى الصبح.
    واتَّفق اليهود أن لا ينقص عدد آكلي خروف الفصح في بيت واحد عن عشرة، وأن لا يزيدوا عن العشرين. فإن لم يبلغ سكان البيت الواحد العشرة اشترك بيتان في خروف واحد. وكانوا يأكلون الفصح في أول فرصة بسرعة، وأحقاؤهم ممنطقة، وأحذيتهم في أرجلهم، وعصيُّهم في أيديهم، إشارةً إلى خروجهم من مصر. والظاهر أن ذلك أُهمل قبل مجيء المسيح. وكانوا يجهزون الخروف في عاشر الشهر (خروج ١٢: ١ - ٦) وهذا أُهمل كذلك. واكتفوا في أيام المسيح برش الكهنة الدم في الهيكل في وقت ذبح الخروف عوضاً عن رشهم إياه في البيت كما أمرهم موسى. واستعملوا في أيام المسيح الخمر مع الخروف وهو ما لم تأمرهم الشريعة به. وكيفية أكل الفصح في أيام المسيح كانت كما يأتي:
    يبدأون بشُرب كأس خمر ممزوجة بماءٍ بعد تقديم الشكر لله، وسُمِّيت هذه الكأس بالكأس الأولى. وبعد هذا يغسلون أيديهم ويقدمون شكراً مختصراً لله. ثم يضعون على مائدة الفصح هذه الأطعمة: الأعشاب المُرة والخبز الفطير والخروف وخليط التمر والزبيب والتين واللوز في الخل، فيأكلون أولاً قليلاً من الأعشاب المرَّة مع شكرٍ آخر، ثم يرفعون كل الأطعمة عن المائدة ويقدمون لكلٍّ كأساً كالأولى. وقيل إن علة رفع تلك الأطعمة جعل الأولاد يسألون عن سبب ذلك العيد (انظر خروج ١٢: ٢٦، ٢٧).
    وكان رئيس المتكأ يبدأ حينئذٍ يروي لهم نبأ عبودية اليهود في مصر وأخبار نجاتهم وسبب فرض عيد الفصح. ثم يردّون الأطعمة إلى المائدة، ويقول رئيس المتكإ «هذا هو الفصح، فلنأكل لأن الرب فصح (عبر) عن بيوت آبائنا في مصر». ثم يرفع بيده بعض الأعشاب المرة ويقول «هذا إشارة إلى مرارة العبودية المصرية». ثم يرفع شيئاً من الفطير ويقول «هذا إشارة إلى سرعة نجاتهم» ثم يتلو مزموري ١١٣ و١١٤ ويصلي صلاة مختصرة، ويشرب كل واحد الكأس التي وُضعت قدامه وتُسمّى «الكأس الثانية». ثم يغسلون أيديهم ثانية ويأكلوا الفصح، ثم يغسلون أيديهم ويشربون كأس خمر سموها «كأس البركة» لأن رئيس المتكإ كان يقدم شكراً خاصاً مع شربها لله على صلاحه. وهذه هي الكأس هي التي يُظن أن المسيح أخذها لما رسم العشاء الرباني، وسماها بولس «كأس البركة» (١كورنثوس ١٠: ١٦). ثم يشربون كأساً أخرى عند الانصراف سُميت «الهلل» أي التهليل، لأنهم كانوا يهللون لله عند شربها بتلاوة مزمور ١١٥ - ١١٨. وبحسب هذه العادة رتل المسيح وتلاميذه قبل انصرافهم إلى جبل الزيتون. وكانوا أحياناً يرنمون «الهلل الأكبر» بتلاوة مزمور ١٢٠ - ١٣٨ وكانوا يجمعون ما بقي من الخروف ويحرقونه.
    وجاءت لفظة الفصح في الإنجيل بثلاثة معانٍ: (١) خروف الفصح نفسه (مرقس ١٤: ١٢ ولوقا ٢٢: ٧)، و(٢) الخروف والعشاء (متّى ٢٦: ١٧ ومرقس ١٤: ١٤ ولوقا ٢٢: ١١)، و(٣) كل عيد الفطير، وهو المقصود هنا وفي لوقا ٢٢: ١ ويوحنا ٢: ١٣ و٦: ٤ و١١: ٥٥ و١٢: ١ و١٣: ١.
    والفصح المذكور في الآية التي نفسرها هو الرابع في أيام خدمة المسيح. ذكر الأول في يوحنا ٢: ٢٣ والثاني في يوحنا ٥: ١ والثالث في يوحنا ٦: ٤ والرابع في آيتنا وفي يوحنا ١٣: ١.
    يُسَلَّمُ أنبأهم قبلاً بأنه يسلم وعيَّن لهم هنا وقت التسليم بأنه يكون بعد يومين، أي في العيد.
    لِيُصْلَبَ انظر شرح متّى ٢٧: ٣٥.
    ٣ «حِينَئِذٍ ٱجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةُ وَشُيُوخُ ٱلشَّعْبِ إِلَى دَارِ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ ٱلَّذِي يُدْعَى قَيَافَا».
    حِينَئِذٍ ٱجْتَمَعَ أي أعضاء مجلس السبعين. والأرجح أن اجتماعهم كان بعد خروج المسيح من الهيكل، وهو الذي ذُكر في متّى ٢٤: ١. وربما تآمروا عليه وهو يتكلم مع تلاميذه بما ذُكر في متّى ٢٤، ٢٥.
    رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ أي رؤساء الفرق الأربع والعشرين التي قُسم الكهنة إليها (١أيام ٢٤: ١ - ١٩).
    ٱلْكَتَبَة حفظة الكتب المقدسة ومفسروها.
    شُيُوخُ ٱلشَّعْبِ أي نوابه في المجلس الكبير. وكان الحبر الأعظم رئيسه.
    دَارِ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ أي الحبر الأعظم. كان من عادة أعضاء ذلك المجلس أن يجتمعوا في إحدى ديار الهيكل، لكن كان يجوز أن يجتمعوا في دار رئيس الكهنة. ولعل غاية اجتماعهم في تلك الدار في ذلك الوقت إخفاء مشورتهم عن الشعب لأن ديار الهيكل كانت تغصُّ بالناس في أيام الفصح.
    وأما وظيفة رئيس الكهنة فأول من تولاها هو هارون (خروج ٢٨). وكان يرثها الأكبر من سلالته في القرون الأولى من تاريخ بني إسرائيل (عدد ٣: ١٠). ولما استولى عليهم ملوك اليونان (نحو ١٦٠ سنة ق م) أخذوا يبيعون تلك الوظيفة لمن يدفع الثمن الأوفر. وبعدما استولى الرومان عليهم أخذوا يعزلون الرئيس ويقيمون غيره كما يشاؤون بقطع النظر عن الأهلية والكفاءة. وجرت هذه العادة منذ عصر هيرودس الكبير إلى زمان خراب أورشليم، وبلغ عدد الذين تداولوها ثمانية وعشرون في ١٠٧ سنة، ذُكر في الإنجيل ثلاثة منهم، هم حنان وقيافا وحنانيا. وكان يُلقب كل من أخذ تلك الوظيفة برئيس الكهنة ويجلس في المجلس الكبير طول حياته ولو عُزل.
    قَيَافَا واسمه يوسف أيضاً كما قال يوسيفوس المؤرخ، وهو من الصدوقيين، وكان صهر حنان الذي تولى تلك الوظيفة قبله، ولم يزل يلقب برئيس الكهنة بعد انتقال الوظيفة إلى صهره (لوقا ٣: ٢ وأعمال ٤: ٥، ٦). وكان قيافا رئيساً للكهنة في سنة ٢٦ - ٣٦ م. ثم عزله فيتاليوس القائد الروماني بعد ست سنين من صلب المسيح.
    ٤ «وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يُمْسِكُوا يَسُوعَ بِمَكْرٍ وَيَقْتُلُوهُ».
    مزمور ٢: ٢ ويوحنا ١١: ٤٧ وأعمال ٤: ٢٥ الخ
    بِمَكْرٍ لأنهم لم يجسروا أن يفعلوا ذلك علانية. لقد قصدوا أن يقتلوا يسوع منذ أن أقام لعازر (يوحنا ١١: ٥٣) ومنعهم عنه قبلاً خوفهم من الشعب، لأن الكثيرين حسبوه نبياً (لوقا ٧: ١٦) وتأثروا كثيراً بتعاليمه (لوقا ٢١: ٣٨).
    ٥ «وَلٰكِنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ فِي ٱلْعِيدِ لِئَلاَّ يَكُونَ شَغَبٌ فِي ٱلشَّعْبِ».
    خروج ١٢: ١٦
    لَيْسَ فِي ٱلْعِيدِ الخ كذا قصدوا أولاً بناءً على معرفتهم كثرة عدد المجتمعين في العيد، لأنهم لم ينقصوا في بعض السنين عن ثلاثة ملايين، ولعلمهم بكثرة عدد الجليليين بينهم، وهم الذين أخذ المسيح تلاميذ وأصدقاء كثيرين منهم. ولعلهم ذكروا الاحتفال الذي كان للمسيح عند دخوله المدينة منذ يومين، فخافوا أن يقوم عليهم أولئك الأصدقاء إذا هم قبضوا عليه علانية وقتئذٍ. ولكن خيانة يهوذا عدلت بهم عن ذلك القصد، لأنه أراهم طريقاً يمسكونه بها خفية فلا يكون شغب. وفي هذا بيان لتتميم الله مقاصده بالرغم من الأشرار، فإنه شاء أن يكون موت المسيح في وقت العيد لينتشر نبأ ذلك عن طريق كثرة المشاهدين، وليقترن موت المسيح بذبح خروف الفصح.
    ٦ «وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ ٱلأَبْرَصِ».
    متّى ٢١: ١٧
    بَيْتِ عَنْيَا في سفح جبل الزيتون الشرقي، وتُعرف اليوم باللعازرية، وهي تبعد نحو ثلاثة أرباع الساعة مشياً عن أورشليم، وهي وطن مريم ومرثا ولعازر، المكان الذي اعتاد المسيح أن يتردد عليه (لوقا ١٠: ٣٨ - ٤١ ومرقس ١١: ١١، ١٢) وكان في الأسبوع الأخير من حياته الأرضية يعلّم في الهيكل في النهار ويخرج في الليل ليبيت في جبل الزيتون (لوقا ٢٢: ٣٥). ويظهر من كلام متّى في آية الشرح وكلام البشيرين الآخرين أن الموضع الذي كان يبيت فيه هنالك هو بيت عنيا. ومن تلك القرية عينها صعد إلى السماء (لوقا ٢٤: ٥٠).
    بَيْتِ سِمْعَانَ ٱلأَبْرَصِ إن كان سمعان أبرص بالفعل وكان حياً، فلا يمكن أن يحضر معهم، لأن شريعة موسى تمنعه من ذلك. وربما شفاه المسيح وبقي ملقباً بما كان عليه. وربما مات وبقي بيته يُنسب إليه. وظن البعض أنه أبو مريم ومرثا ولعازر، وظنه آخرون نسيباً لتلك العائلة، وأن العائلتين كانتا في بيته بناءً على قول يوحنا «صَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ، وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ» (يوحنا ١٢: ٢). ولكن لم يخشَ يوحنا ذلك لأنه كتب إنجيله بعد خراب أورشليم حين لم يكن خطر عليهم.
    ٧ «تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ ٱمْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبٍ كَثِيرِ ٱلثَّمَنِ، فَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ».
    مرقس ١٤: ٣ الخ ويوحنا ١١: ١، ٢ و١٢: ٣ الخ
    ٱمْرَأَةٌ قد تكون مريم أخت مرثا ولعازر. ويجب هنا أن يميز بين هذه المرأة والمرأة التي ذكرها لوقا في متّى ٧: ٣٦ - ٣٨ لأن تلك كانت في الجليل وهذه في بيت عنيا، وتلك كانت خاطئة مشهورة وهذه شهد لها المسيح بأنها اختارت النصيب الصالح، وتلك كانت في بيت سمعان الفريسي وهذه كانت في بيت سمعان الأبرص، وتلك دهنته في أول تبشيره وهذه دهنته في نهاية ذلك التبشير.
    قَارُورَةُ في الأصل اليوناني هي وعاءٌ من رخام لين أبيض شفاف، استعمله القدماء كثيراً للأطياب الثمينة، ثم أطلقت على كل قنينة، سواء كانت من رخام أم من معدن أم زجاج. وكانت القوارير غالباً ذوات أعناق طويلة يسدون أفواهها بالطفال. فإذا أرادوا سكب الطيب منها كسروا العنق أو الطفال (مرقس ١٤: ٣).
    طِيبٍ قال مرقس ويوحنا إن ذلك كان طيب ناردين (مرقس ١٤: ٣ ويوحنا ١٢: ٣) وهو أثمن ما عُرف يومئذٍ من الأطياب. كانوا يأتون به من بلاد الهند ويستخرجونه من نبات هناك. وهو سائل كالزيت ذو رائحة ذكية (نشيد الأنشاد ١: ١٢ و٤: ١٣، ١٤). وكان أغنياء الأقدمين يتطيبون به. وقال يوحنا إن مريم أتت بمناً من ذلك الطيب (يوحنا ١٢: ٣) وهو في اليوناني «لتراً» وهو وزن يوناني وروماني يعادل مئة درهم. وقال أيضاً «امْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ» (يوحنا ١٢: ٣).
    كَثِيرِ ٱلثَّمَنِ قال يهوذا إن قيمته تساوي ٣٠٠ دينار (يوحنا ١٢: ٥) وذلك نحو ١٠ جنيهات ذهبية، وكان الدينار وقتها أجر الفاعل في النهارً (متّى ٢٠: ٩). فيكون ثمن طيب تلك القارورة يعدل أجرة الفاعل سنة كاملة، بعد حذف الأيام التي لا يجوز العمل فيها. وهذا دليل على أن عائلة مريم كانت غنية حتى استطاعت تحمُّل مثل تلك النفقة.
    سَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ ويظهر من نبأ يوحنا أنها دهنت رجليه أيضاً ومسحتهما بشعرها. وكان دهن الرأس مألوفاً، وأما دهن القدمين فلم يكن كذلك، فهو دليل على تواضعها.
    وَهُوَ مُتَّكِئٌ اعتاد الناس في أيام المسيح أن يتكئوا على الأسرَّة عند الأكل كما أوضحنا في شرح متّى ٢٠: ٦. وهذا الاتكاء سهَّل لمريم الوصول إلى رأسه وإلى قدميه. وقصدت مريم بذلك إكرام يسوع لاعتقادها أنه المسيح، ولإظهار شكرها لإقامته أخاها لعازر من الموت. ومثل هذا الإكرام يليق تقديمه لأعظم الملوك.
    ٨، ٩ «٨ فَلَمَّا رَأَى تَلاَمِيذُهُ ذٰلِكَ ٱغْتَاظُوا قَائِلِينَ: لِمَاذَا هٰذَا ٱلإِتْلاَفُ؟ ٩ لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هٰذَا ٱلطِّيبُ بِكَثِيرٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ».
    يوحنا ١٢: ٤ الخ.
    فَلَمَّا رَأَى تَلاَمِيذُهُ ذٰلِكَ ٱغْتَاظُوا يظهر أن أصل هذا التذمر هو يهوذا (يوحنا ١٢: ٥) وهو أول ما ذُكر من كلامه في الإنجيل «قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ» (يوحنا ١٢: ٦) فلو وصلت يده إلى ذلك المبلغ لسرق بعضه. وحمل تذمرُه غيرَه من التلاميذ على تكرير ما قاله هو. وكثيراً ما نشاهد أن تذمر جماعات كثيرة ينشأ من إنسان واحد وينتشر إلى غيره كنار في الحصيد. فعلى المسيحيين أن يعلموا أن الكثيرين سيتذمرون على أعمالهم الخيرية، لأنهم يجهلون غايتها.
    هٰذَا ٱلإِتْلاَفُ لم يرَ التلاميذ فائدة أو منفعة من بذل ذلك الطيب بتلك الطريقة، لأنهم حسبوه إتلافاً وتبذيراً. كذلك كثيراً ما يحسب أهل العالم ما يبذله المسيحيون من الأموال في سبيل بشرى الخلاص بين الوثنيين إتلافاً وتبذيراً. والحق أن لا شيء مما نقدمه للمسيح هو إتلاف مهما كان ثميناً، كصرف الحياة في خدمته في البلاد البعيدة، أو بذلها من أجله كما بذلها الشهداء. ولا حقَّ لأهل العالم أن يتذمروا على المسيحيين بذلك لأنه لا يحق لكل مسيحي أن ينفق ماله كيف شاء كما يحق للعالمي أن يتصرف بماله كما يريد.
    يُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ أصل هذا الاعتراض من يهوذا لأنه لم يكن يبالي بالفقراء إنما اتخذ ذلك حُجة للتذمر (يوحنا ١٢: ٦). وكثيراً ما يستر الأشرار مقاصدهم السيئة بحجاب التقوى.
    ١٠ «فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَـهُمْ: لِمَاذَا تُزْعِجُونَ ٱلْمَرْأَةَ؟ فَإِنَّهَا قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَناً».
    فَعَلِمَ يَسُوعُ أي علم كل ما يتعلق بذلك التذمر كالذي ابتدأه، والدواعي التي دعته إليه.
    وَقَالَ لَـهُمْ كلم يسوع الجميع لكن كلامه كان توبيخاً ليهوذا الإسخريوطي على الخصوص. ويهوذا نفسه شعر بذلك وزاد عزمه على ما أضمره من الخيانة، كما تدل عليه القرينة في العدد ١٤ ومما قيل في مرقس ١٤: ١٠.
    لِمَاذَا تُزْعِجُونَ ٱلْمَرْأَةَ؟ كان ذلك التذمر بالحقيقة على المسيح، كأنه لا يستحق ما فعلته تلك المرأة من إكرامه. وكأن له الحق أن يوبخهم على ذلك، لكنه لم يهتم إلا بانزعاج أفكار مريم. ولا ريب في أنها انزعجت من كلامهم «لأنهم كانوا يلومونها» (مرقس ١٤: ٥).
    عَمَلاً حَسَناً حكم المسيح بحسن عملها لعلمه بحسن نيتها، لأنها فعلت ذلك احتراماً له، ولأنه كان موافقاً لمقتضى الحال، أي أنه كان جزءاً من تكفينه. هذا ما رآه المسيح، وأما الرسل فنظروا إلى عدم النفع الظاهر من عملها، فحكموا بخلاف ما حكم هو به. على أن إنفاقها ذلك على المسيح خير من إنفاقها إياه على ما تتحلى به أو تزين به بيتها، بل خير من انتفاع الفقراء الوقتي به.
    ١١ «لأَنَّ ٱلْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ».
    تثنية ١٥: ١١ ويوحنا ١٢: ٨ ومتّى ١٨: ٢٠ و٢٨: ٢٠ ويوحنا ١٣: ٣٣ و١٤: ١٩ و١٦: ٥، ٢٨ و١٧: ١١
    لأَنَّ ٱلْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ دفع المسيح اعتراضهم كأنهم أتوا به عن إخلاص. ولم يوبخ مُنشئ ذلك الاعتراض على ريائه. فذكر الاعتناء بالفقراء كأنه واجبٌ كل يوم على كنيسته إلى نهاية الزمان. وذلك موافق لما قيل في مزمور ٤١: ١ وأمثال ١٤: ٢١ و٢٩: ٧ وغلاطية ٢: ١٠.
    وَأَمَّا أَنَا فَلَسْت الخ أي أن فرص إكرام جسده قاصرة على الزمن الحاضر، لأنه على وشك الموت والصعود إلى السماء، وعدم إقامته بالجسد في الأرض بعد.
    ١٢ «فَإِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هٰذَا ٱلطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذٰلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي».
    بيَّن المسيح هنا سبب حكمه بحُسن عمل مريم وخطإ تذمر التلاميذ، وكان اليهود ينفقون الكثير على تحنيط الموتى (يوحنا ١٩: ٣٩) واعتبروا هذا من الفضائل الواجبة، فقال المسيح إن ذلك الإنفاق كان لتكفينه، فلا داعي للاعتراض. ولا بد أم التلاميذ تعجبوا من كلامه وحزنوا وخجلوا، لأنهم لم يذكروا أن المسيح سيموت مع أنه أنبأهم بذلك مراراً (متّى ٢٠: ١٩ ولوقا ١٨: ٣١، ٣٢).
    ظن البعض أن مريم قصدت بما عملت أن يكون جزءاً من تكفين المسيح، لأنها سمعت أنه سيموت صلباً، وحسبت أنه لا يكون لها فرصة لذلك بعد موته، فسبقت إليه قبل أن يموت. فإن صحَّ هذا الظن يكون أنها أدركت ما لم يدركه أحدٌ من الرسل. وظن آخرون (وهو الأرجح) أنها لم تقصد بذلك سوى إكرام للمسيح، وأن المسيح نسب إلى عملها معنىً لم تقصده. نعم أنها عملت حسناً ولكن عملها كان أحسن مما حسبته. ومهما كان الظن فقد قصد الله أن يكون دهن المسيح استعداداً لدفنه، وجعل مريم واسطة ذلك.
    ١٣ «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهٰذَا ٱلإِنْجِيلِ فِي كُلِّ ٱلْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضاً بِمَا فَعَلَتْهُ هٰذِهِ تِذْكَاراً لَهَ».
    ٱلْحَقَّ قال هذه الكلمة تنبيهاً لهم لِما سيقوله.
    هٰذَا ٱلإِنْجِيلِ هو بشارة خلاص للعالم بموت المسيح. وحقق المسيح للتلاميذ أنه حيث امتد خبر ما فعله هو لأجل خلاص البشر يُروَى ما عملته مريم له، وهذا أعظم ثواب.
    فِي كُلِّ ٱلْعَالَمِ هذا تنبؤ بانتشار الإنجيل في كل الأرض.
    يُخْبَرْ أَيْضاً بِمَا فَعَلَتْهُ هذه نبوءة غريبة تبيَّن صدقها منذ نحو ألفي سنة. فلو لم يكن المسيح ابن الله لاستحال أن يعلم أن عمل امرأة في بيت عنيا سيُذكَر بعد ألوف من السنين، ويُترجم خبره في كل لغات العالم جزاءً على ما عملته له.
    ولم يوجد ملك في العالم مهما كان مقتدراً استطاع أن يحقق دوام ذكر عملٍ يتعلق به. ولا ريب أن مريم سرَّت لأن المسيح مدح عملها ووعد بدوام ذكرها، وإن لامها التلاميذ. وحصلت على ذلك الثواب لأنها لم تأتِ ما أتته بغية إن تُثاب ولا أن تشتهر بالكرم، بل لمجرد إكرام ربها. وهي مثال وقدوة حسنة لنا.
    ١٤ «حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ، ٱلَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا ٱلإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ».
    متّى ١٠: ٤ ومرقس ١٤: ١٠ ولوقا ٢٢: ٣ ويوحنا ٣: ٢٠، ٣٠
    حِينَئِذٍ أي على أثر ما سبق. وقال الإنجيلي ذلك ليبين أن ما يأتي نتيجة ما سبق بغضّ النظر على قرب الزمان أو بُعده. وقد حرَّك توبيخ المسيح يهوذا ليتمم ما كان يفكر فيه.
    يَهُوذَا ٱلإِسْخَرْيُوطِيَّ انظر شرح متّى ١٠: ٤. لم يهتم متّى ببيان ما حمل يهوذا على تسليم المسيح، فإنه ربَّى الطمع في قلبه حتى جعله طمَعُهُ آلةً مناسبة للشيطان (لوقا ٢٢: ٣) ولما خاب رجاؤه أن يملك المسيح على الأرض جسدياً، وما يتعلق بذلك من الشرف والغِنى لإنباء المسيح بموته (ع ٢) ولعلمه مقاصد رؤساء الكهنة من جهته (يوحنا ١١: ٤٧)، ولغيظه من إتلاف الطيب وتوبيخ المسيح له، أجاب داعي التجربة الشيطانية وذهب ليسلم المسيح طمعاً بالأجرة. نعم إن الشيطان هيَّج يهوذا على تلك الخيانة، لكن يهوذا خان ربَّه باختياره. وهذا من الأدلة القاطعة على أن محبة المال من شر فخاخ إبليس، وأنها مما يقود إلى أفظع الخطايا.
    إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ لعله ذهب إليهم وقت التئام مجمع السبعين للمؤامرة على المسيح كما ذُكر في (ع ٣) وكان ذلك مساء الثلاثاء، أي بعد يومين من العشاء، فبقي يهوذا عازماً على الخيانة فعلاً مدة يومين.
    ١٥ «وَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ ٱلْفِضَّةِ».
    خروج ٢١: ٣٢ وزكريا ١١: ١٢ ومتّى ٢٧: ٣
    مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي هذا برهان على تمام عزمه على تسليم المسيح إليهم، وهو وفق قول مرقس «ثُمَّ إِنَّ يَهُوذَا... مَضَى إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ» (مرقس ١٤: ١٠).
    فَجَعَلُوا لَهُ لم يعطوه في الحال، بل وعدوه بتسليم المبلغ عند تسليمه المسيح إليهم.
    ثَلاَثِينَ مِنَ ٱلْفِضَّةِ أي ثلاثين شاقلاً من الفضة لأنه هو المعهود عندهم في المعاملات. والشاقل يساوي حول ١٢ جراماً من الفضة، فيكون مبلغ ما أخذه يقارب ٣٦٠ جراماً وهذا كان ثمن العبد (خروج ٢١: ٣٢). فبيع المسيح للموت كعبدٍ ليحرِّرنا من العبودية الدائمة للخطية والموت. ويحتمل أن قول زكريا «فَقُلْتُ لَـهُمْ: إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلاَّ فَامْتَنِعُوا. فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ» (زكريا ١١: ١٢) نبوءة بذلك. فما أعظم الفرق بين قيمة المسيح عند مريم وقيمته عند يهوذا، فإنها انفقت على إكرامه عند العشاء ثلاث مئة دينار، وباعه يهوذا للموت بأقل من ثُلث هذه القيمة.
    ١٦ «وَمِنْ ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ».
    وَمِنْ ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ أي من وقت مشاورته للرؤساء من مساء يوم الثلاثاء، قبل الفصح بيومين (ع ٢، ٣). وظنَّ البعض أن يهوذا هذا كان من سكان أورشليم، ولذلك عرف رؤساء الكهنة أكثر من غيره من الرسل، وأنه حسب زعمه قد خاب أمله بيسوع فلم يكن المسيح المنتظر لكي يملك ملكاً أرضياً على اليهود.
    فُرْصَةً أي وقتاً وموضعاً مناسبين لتسليمه (لوقا ٢٢: ٦) حتى لا يشاهد الشعب القبض عليه ويخلصوه.
    لِيُسَلِّمَهُ لا يدلهم فقط على الموضع المناسب للقبض عليه، بل أن يشترك معهم فعلاً في القبض عليه. وخيانته هذه حملت الرؤساء على تغيير مقصدهم الأول (ع ٥).
    ولا شكَّ أن في قصة يهوذا الإسخريوطي فوائد للكنيسة، كما في قصة امرأة لوط التي أمر المسيح بذكرها (لوقا ١٧: ٣٢) ونكتفي بأن نذكر سبعاً من تلك الفوائد:

    • الحصول على أفضل الوسائط لا يضمن الخلاص، فقد كان يهوذا رسولاً مختاراً، ومن الاثني عشر، ورفيقاً للمسيح، شاهد معجزاته وسمع تعاليمه، وكان شريكاً لبطرس ويعقوب ويوحنا، ونال من وسائط النعمة ما لم ينله إبراهيم وموسى ودانيال وإشعياء، ومع كل ذلك هلك. وهذا يحقق صحة قول المسيح «من ليس له، فالذي عنده يُؤخذ منه» (متّى ٢٥: ٢٩).
    • يمكن أن ينال الإنسان صيتاً حسناً بين الناس وهو بلا تقوى أمام الله. فإن المسيح أرسل يهوذا كسائر الرسل ليعلّم ويصنع الآيات. وظهر أنه ترك كل شيء لأجل المسيح كغيره من الرسل، ولم يظن أحدٌ منهم فيه سوءاً لأنهم عيَّنوه أميناً لصندوقهم. وحين قال المسيح للرسل «واحد منكم يسلمني» لم يفتكر أحد في يهوذا بل نظر إلى نفسه أولاً، بدليل قول كل واحد منهم «هل أنا يا رب؟».
    • محبة المال خطر عظيم، وكان يهوذا من أول محبي المال، ويدل على ذلك قوله لهؤلاء الكهنة «ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟». نعم إن يهوذا ترك كثيراً عندما تبع المسيح، لكنه لم يترك طمعه فأهلكه، كثقبٍ واحد في السفينة يُغرقها في المال. فحب المال حمل دليلة على تسليم شمشون إلى الفلسطينيين، وحمل جيحزي على خداع نعمان والكذب على أليشع، وحمل حنانيا وسفيرة على أن يكذبا على الروح القدس، وحمل رسولاً من رسل المسيح على أن يرتكب أفظع الآثام وهو تسليم ابن الله إلى قاتليه. فعلينا أن ننتبه لقول الرسول «مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ» (١تيموثاوس ٦: ١٠).
    • لا عجب من خيبة الأمل في الأصحاب. لأن المسيح نفسه ذاق مرارة كأس خيبة الأصدقاء، وصار بذلك قادراً على أن يشعر معنا ويرثي لنا في مثل تلك الحال (عبرانيين ٤: ١٥).
    • شرَّ أعداء المسيح كان من أقرب أصحابه، كما أنبئ بذلك في مزمور ٤١: ٩. وهذا أضرَّ الكنيسة التي هي جسد المسيح في كل عصر أكثر من كل الأعداء، لأنه لا يقدر أحد أن يضرها مثل ضرر من تربَّى في حضنها.
    • قد ينتج من الشر خيرٌ، فإن عاقبة خيانة يهوذا كانت أفضل برهان على صحة دعوى المسيح. لأنه بعد ما سلَّمه كان يجب أن يسكت ضميره، ويوقف توبيخ الآخرين له بأن يذكر شيئاً من عيوب المسيح. ولكن المسيح زكيٌّ بلا عيب، فرأينا يهوذا يطرح في الخزانة ما أخذه أجرة على إثمه قائلاً «أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً». وهذا يفحم من يقول «ليس لنا شهادة عن بر المسيح سوى شهادة أصحابه».
    • الندامة على الإثم لا تُصلح ما أفسده ولا تُسكت الضمير، فإن يهوذا ندم وردَّ الدراهم واعترف بإثمه، لكنه لم يقدر أن ينقذ المسيح بذلك، لأنهم أجابوه بقولهم «ماذا علينا؟ أنت أبصِر» (أي: هذه مشكلتك لا مشكلتنا). ولم يستطع يهوذا أن يسكت ضميره «فمضى وخنق نفسه». وأما الذي لا تنفعه الندامة فينفعه دم المسيح إذا لجأ إليه. ولكن يهوذا لم يفعل كذلك.


    ١٧ «وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ ٱلْفَطِيرِ تَقَدَّمَ ٱلتَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ ٱلْفِصْحَ؟».
    خروج ١٢: ٦، ١٨ ومرقس ١٤: ١٢ ولوقا ٢٢: ٧
    وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ ٱلْفَطِيرِ أي في يوم الخميس الرابع عشر من نيسان، حين يعزل كل خمير من بيوتهم (خروج ١٢: ١٥ - ١٧) وكانوا يأتون في هذا اليوم بخروف الفصح إلى الهيكل ويذبحونه هناك بين الساعة الثالثة والخامسة بعد الظهر (خروج ١٢: ٦ ولاويين ٢٣: ٥ ولوقا ٢٢: ٧). وحُسب ذلك اليوم أول أيام الفطير لأنه كان فيه ذلك الاستعداد. فأيام العيد الأصلية سبعة، ولكن إذا حسبنا ذلك اليوم من العيد كانت ثمانية. وبعد الغروب من نهار ذلك اليوم كان بدء يوم الجمعة، وهو هنا الخامس عشر من نيسان الذي كانوا يأكلون فيه الفصح حسب الوصية (خروج ١٢: ٦ - ٨ و٢٣: ٥).
    مضى على المسيح يوم الأربعاء كله وجزءٌ من يوم الخميس وهو في بيت عنيا. ولم يذكر الإنجيليون شيئاً من أعماله في هذه المدة. وأكل المسيح الفصح مع تلاميذه في الوقت الذي اعتاد الإسرائيليون أكله فيه. وهذا يظهر من قول لوقا «وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ الْفِصْحُ» (لوقا ٢٢: ٧)، ويظهر من غيرة المسيح في القيام بكل الشريعة، ويظهر من استحالة أن يذبح الكهنة خروف الفصح ويرشوا دمه حول المذبح ويسلموه إلى بطرس ويوحنا في غير وقته. ويؤيد ذلك ما جاء في مرقس ١٤: ١٢، ١٦، ١٧.
    تَقَدَّمَ ٱلتَّلاَمِيذُ الخ الأرجح أن ذلك كان صباح يوم الخميس وكانوا حينئذٍ في بيت عنيا، والواجب أن يأكلوا الفصح في أورشليم فكان لا بدَّ أن يستعدوا هناك قبل الوقت لأنهم غرباء.
    ١٨ «فَقَالَ: ٱذْهَبُوا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ، إِلَى فُلاَنٍ وَقُولُوا لَهُ: ٱلْمُعَلِّمُ يَقُولُ إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ ٱلْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي».
    يوحنا ١٣: ١
    فَقَالَ ٱذْهَبُوا لم يذكر متّى عدد المرسلين، ولكن لوقا ذكر أنه أرسل اثنين هما بطرس ويوحنا (لوقا ٢٢: ٨).
    إِلَى ٱلْمَدِينَةِ أي أورشليم
    إِلَى فُلاَنٍ ذكر مرقس ولوقا أنه أعطاهما علامة يعرفان بها الإنسان الذي أرسلهما إليه، وهي أنه عند وصولهما إلى المدينة يلاقيهما إنسان حامل جرة ماء، وأمرهما أن يتبعاه ويخاطبا رب البيت الذي يدخله بالكلام الذي أمرهما به. فأقام لتلاميذه تلك العلامة برهاناً جديداً على معرفته الغيب. ولعله أتى ذلك لكيلا يدع سبيلاً ليهوذا إلى معرفة المكان فيخبر الرؤساء فيمسكوه في وقت الفصح، ولعله لم يذكر اسم رب البيت خوفاً عليه من الأعداء، لأنه من أصحاب المسيح الذين لم يعترفوا به علانية خوفاً من اليهود (يوحنا ١٢: ٤٢).
    ٱلْمُعَلِّمُ الظاهر أن المسيح عُرف بهذا اللقب بين تلاميذه، فكان كافياً لأن يعرفه صاحب البيت وأنه مستحق اتخاذ مكان عنده. وكان اليهود معتادين إضافة من يحضرون العيد فكانوا يستعدون لها كل سنة.
    وَقْتِي قَرِيب لا شك أن المسيح أشار بذلك إلى وقت آلامه وموته (يوحنا ١٢: ٢٣ و١٣: ٣٢ و١٧: ١). ولا نعلم هل فهم صاحب البيت أو التلميذان ذلك المعنى أم لا. ولعلهم ظنوه وقت ظهوره ملكاً.
    مَعَ تَلاَمِيذِي ذلك يقتضي أن المكان كان واسعاً ليسع جماعة مثل هذه. قال متّى ولوقا إن ذلك المكان كان «عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً مُعَدَّةً» (مرقس ١٤: ١٥). وأعدَّ يهود أورشليم كثيراً من الأماكن الكبيرة كتلك العلية لكثرة الغرباء الذين يأتون أورشليم لأكل الفصح، وجهزوها بالمفروشات كالحُصر، وبالموائد والأسرَّة للاتكاء، والماء والمغاسل والمناشف (يوحنا ١٣: ٤، ٥).
    ١٩ «فَفَعَلَ ٱلتَّلاَمِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا ٱلْفِصْحَ».
    قال لوقا «فانطلقا ووجدا كما قال لهما» (لوقا ٢٢: ١٣) وبذلك كان لهم برهان جديد على معرفته الغيب.
    وَأَعَدُّوا ٱلْفِصْحَ أي اشتروا خروفاً وأخذوه إلى الهيكل بين الساعة الثالثة والخامسة بعد الظهر من ذلك النهار، فذبحه الكهنة ورشوا دمه حول المذبح، وأعطوه للرسل فطبخوه حسب الوصية، وأحضروا أعشاباً مرة وخبزاً فطيراً وصحافاً وكؤوساً. ويتبين من تمام الحديث أنهم أخذوا خمراً أيضاً.
    ٢٠ «وَلَمَّا كَانَ ٱلْمَسَاءُ ٱتَّكَأَ مَعَ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ».
    مرقس ١٤: ١٧ الخ ولوقا ٢٢: ١٤ ويوحنا ١٣: ٢١
    لَمَّا كَانَ ٱلْمَسَاءُ أي مساء الخميس عند الغروب، وهو بدء يوم الجمعة الخامس عشر من نيسان (تثنية ١٦: ٦).
    وما يأتي هي حوادث حياة المسيح الأرضية في هذا اليوم، الذي هو آخر يوم له على الأرض وهي:

    • المشاجرة بين التلاميذ في من منهم يكون أكبر. والأرجح في أن ذلك وقت اتكائهم على المائدة وغسل المسيح أرجلهم توبيخاً لهم على ذلك، وتعليماً لهم عن التواضع (لوقا ٢٢: ٢٤ ويوحنا ١٣: ٣ - ٥).
    • أكل الفصح.
    • تعيين المسيح للخائن وخروج ذلك الخائن.
    • رسم العشاء الرباني
    • يسوع يخبر بإنكار بطرس إياه وترك بقية الرسل له.
    • خطاب المسيح الوداعي المذكور في يوحنا ١٤، ١٥، ١٦ وصلاته المذكورة في يوحنا ١٧.
    • الترنيم والخروج من المدينة
    • تألم يسوع في جثسيماني
    • قبض العساكر عليه.


    ٱتَّكَأَ كان بنو إسرائيل يأكلون الفصح في أول أمرهم وهم وقوف (خروج ١٢: ١١) ثم تركوا تلك العادة وبدلوها بالاتكاء على الأسرة مسندين أياديهم اليسرى آكلين بالأيادي اليمنى، واتخذوا عذرهم في ذلك أن الوقوف كان إشارة إلى أيام العبودية والهرب والخطر، وأن اتكاءهم بعده إشارة إلى وصولهم إلى أرض الميعاد واطمئنانهم وراحتهم.
    وكان يوحنا في متكأ الرسل قدام المسيح حتى إذا مال إلى الوراء يلامس رأسه صدر المسيح (يوحنا ١٣: ٢٥). والأرجح أن يهوذا الإسخريوطي كان وراءه أو قريباً منه جداً حتى يمكنه أن يكلمه ولا يسمع غيره، وأن يناوله اللقمة يداً بيد (يوحنا ١٣: ٢٦). ولعل مشاجرة الرسل المذكورة في لوقا ٢٢: ٢٤ ابتدأت وقت الاتكاء، وكانت علتها المسابقة إلى المتكأ الأول. فغسل يسوع أرجل التلاميذ توبيخاً لهم على ذلك (يوحنا ١٣: ١ - ٢٠).
    ٢١ «وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ قَالَ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي».
    فِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ انظر شرح ع ٢.
    وَاحِداً مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي أنبأ المسيح قبل ذلك بأنه يُسلَّم إلى أيدي أعدائه (متّى ١٧: ٢٢ و٢٠: ١٨ ولوقا ٩: ٤٤). وأنبأ هنا أنه يقبل الخيانة، وأن الخائن واحد من الاثني عشر. وقال يوحنا إن المسيح قبل ما أنبأ بذلك «اضطرب بالروح» كأنه حمل فوق ما تحتمل طاقته. وهو أن يسلمه واحد من تلاميذه الذين اختارهم وأحبهم وأكرمهم. وذلك الاضطراب حمله على أن يشهد بما علم (يوحنا ١٣: ٢١) ويُحتمل أن المسيح أراد بهذا الإعلان أن يعلن ليهوذا الإسخريوطي أن مقاصده الشريرة كانت معلومة ليحثه على انتهاز فرصة التوبة إن شاء. وأعلن ذلك لبقية التلاميذ ليتوقعوا حدوثه ولا يتعجبوا منه. وليدفع ما يعتريهم من ضعف الإيمان عند حدوثه لو لم يخبرهم به لأنهم يذكرون حينئذٍ أنه عرفه قبل وقوعه وأنبأ به.
    ٢٢ «فَحَزِنُوا جِدّاً، وَٱبْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟».
    فَحَزِنُوا جِدّاً نتج من هذا الإنباء حزن حقيقي لقلوب كل التلاميذ سوى يهوذا. أما هو فتظاهر بالحزن ولم يكن به من حزن.
    وَٱبْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ دل قولهم على أن كلاً منهم (إلا يهوذا) خالٍ من ذلك القصد الشرير، وأنه شاعر بضعفه وقابليته للوقوع في تلك التجربة الفظيعة، وخائف أن يقع فيها. وأما قول يهوذا كقولهم فنتيجة رياء غريب وسترٌ لشرِّه. ولم يسأل المسيح إلا بعد الجميع (ع ٢٥). والظاهر أنه لم يشكَّ أحدٌ من التلاميذ في يهوذا، لكن كل واحد غيره شكَّ في نفسه قبل أن يشك فيه.
    ٢٣ «فَأَجَابَ: ٱلَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي ٱلصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي».
    مزمور ٤١: ٩ ولوقا ٢٢: ٢١ ويوحنا ١٣: ١٨
    ٱلَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي الخ إذا قارنّا هذا العدد بما جاء في يوحنا ١٣: ٢٦ نعلم أن يسوع وضع يده في الصحفة مع يد يهوذا، وأن المسيح غمس اللقمة وناولها له. وهذه العلامة الأخيرة كانت سراً بين المسيح وبين يهوذا، يُحتمل أن بطرس اطَّلع عليها (يوحنا ١٣: ٢٣ - ٢٦) لأنه سأل يوحنا بالإشارة أن يسأل المسيح عمَّن قصده بقوله «إن واحداً منكم يسلمني» فاتكأ يوحنا على صدر يسوع وسأله سراً عن علامة يُعرف بها الشخص المراد. فكانت تلك العلامة لقمة غُمست في الصحفة وأُعطيت الخائن. وبهذه الخيانة تمت النبوة القائلة «رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ» (مزمور ٤١: ٩).
    ٢٤ «إِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلٰكِنْ وَيْلٌ لِذٰلِكَ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذٰلِكَ ٱلرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَد».
    مزمور ٢٢ وإشعياء ٥٣ ودانيال ٩: ٢٦ ومرقس ٩: ١٢ ولوقا ٢٤: ٢٥، ٢٦، ٤٦ وأعمال ١٧: ٢، ٣ و٢٦: ٢٢، ٢٣ و١كورنثوس ١٥: ٣ ويوحنا ١٧: ١٢
    هذا العدد تابع ما قاله يسوع في ع ٢١ وموجَّه إلى الكل.
    ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ أي أنا الكلمة المتجسدة
    مَاضٍ أي مائتٌ كما ورد في تكوين ١٥: ٢ ومزمور ٣٩: ١٣.
    كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أي في نبوات العهد القديم. (قابل مزمور ٤١: ٩ مع يوحنا ١٣: ١٨ وانظر إشعياء ٥٣: ٤ - ٩ ودانيال ٩: ٢٦، ٢٧). وتلك النبوات بُنيت على قضاء الله وعلمه السابق، وأُعلنت للتلاميذ لتكون عزاءً لهم زمن الأحزان بأن ما حدث لم يكن إلا بقصد الله وتعيينه بالحكمة والصلاح. ومثل هذا العزاء هو لكل مؤمن في كل ضيق وحزن.
    وَلٰكِنْ وَيْلٌ قال هذا شفقةً على يهوذا لما سيجلبه على نفسه من العذاب الشديد. وتحذيراً له من العواقب.
    كَانَ خَيْرا الخ هذا كلام جارٍ مجرى المثل، يُراد به عقاب هائل لا تُرجى له نهاية. وهو يدل على ثلاثة أمور:
    (١) إن الإثم الذي عزم يهوذا على ارتكابه فظيعٌ جداً يوجب عليه القصاص الشديد. و(٢) إن ذلك القصاص لا بد منه. و(٣) إنه أبديٌ. لأنه لو كانت له نهاية ينال بعدها يهوذا الأفراح السماوية ما صحَّ أن يُقال عليه «خيرٌ له لو لم يولد». لأنه على فرض صحة ذلك يكون وجوده خيراً له. فإن قيل كيف يصح الحكم على يهوذا بأنه آثم مع أنه نفَّذ قضاء الله الأزلي قلنا (١) إن كل ما فعله إنما فعله باختياره، ولذلك فهو مسؤول بما فعل، لأن قضاء الله لم يسلبه حرية إرادته، ولم يجبره على الفعل ولا أغراه به. (٢) إنه فعل كل ما فعله بقصد شرير، لأنه خالف ضميره وشريعة الله، ورفض نصائح المسيح وربَّى الرذائل في قلبه، كالطمع والخيانة والجحود، فكفر النعمة ولم يشكر على أفضل وسائطها، وارتكب أشر الآثام على أعظم وأقدس البشر، لأزهد غاية وهي الحصول على ثلاثين من الفضة. (٣) لو رفع قضاء الله وعلمه السابق المسؤولية عن يهوذا ومنع جواز عقابه، لمنع جواز مكافأة البار، لأن بره من قضائه، لأن ذلك القضاء يعمُّ كل أفعال الناس (أعمال ١: ١٦ - ١٨ و٢: ٢٣ و٤: ٢٧، ٢٨).
    ٢٥ «فَسَأَلَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ: هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟ قَالَ لَهُ: أَنْتَ قُلْتَ».
    أَنْتَ قُلْتَ أي نعم. الأرجح أن المسيح أجاب يهوذا بذلك سراً، فلم يسمعه أحدٌ من التلاميذ. وسؤاله المسيح «هل أنا هو؟» من أكبر أنواع الرياء. وزاد المسيح على قوله «أنت قلت» قوله «ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة» (يوحنا ١٣: ٢٨). وهذا سمعه الجميع، لكنهم لم يفهموا لماذا كلمه به. والأرجح أنه خرج حالاً ولم يشترك مع سائر الرسل في العشاء الرباني كما شاركهم في أكل الفصح، بدليل قول يوحنا (الذي راعى ترتيب الحوادث دون غيره) «لَمَّا أَخَذَ اللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ» (يوحنا ١٣: ٣٠) وكانت تلك اللقمة من الفصح كما هو ظاهر.
    ٢٦ «وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ ٱلْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى ٱلتَّلاَمِيذَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا. هٰذَا هُوَ جَسَدِي».
    مرقس ١٤: ١٢ الخ ولوقا ٢٢: ١٨ الخ و١كورنثوس ١١: ٢٣ الخ أعمال ٢: ٤٢ و١كورنثوس ١٠: ١٦
    وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أي الفصح، وكانوا حينئذٍ على وشك النهاية (لوقا ٢٢: ١٥ - ٢٠ و١كورنثوس ١١: ٢٥) فلم يكونوا قد قاموا عن المائدة، ولم يزل خبز العشاء قدامهم.
    أَخَذَ يَسُوعُ ٱلْخُبْزَ أي رغيفاً من الخبز الفطير الذي أمامه.
    وَبَارَكَ أي طلب بركة الله عليه، أو شكر الله لأجله كما قال لوقا (لوقا ٢٢: ١٩ وبولس ١كورنثوس ١١: ٢٤). ولا يلزم من قوله «بارك» أنه حدث تغيير سري في الخبز، كما لم يلزم ذلك وقت إشباع الآلاف الخمسة في البرية. (قارن مرقس ١٤: ٢٢ بـ مرقس ٦: ٤١ وبـ لوقا ٩: ١٦ وبـ يوحنا ٦: ١١).
    وَكَسَّرَ أشار بذلك إلى ما كان عازماً أن يحتمله من الآلام، وإلى جسده المكسور على الصليب لأجل آثامنا (١كورنثوس ١١: ٢٤)، أي أن جسده يُجرح ويُطعن ويُقتل. فالكسر إشارة إلى أن المسيح كفارةٌ وذبيحة عنا. وزاد لوقا على ذلك قوله «الذي يُبذل عنكم» (لوقا ٢٢: ١٩). والمقصود بذلك أن كل فوائد موت المسيح على الصليب لأجلهم، فكأنه قال «كما أني أعطيكم هذا الخبز المكسور لكي تأكلوه، هكذا أبذل لكم جسدي ليقتل لأجل خطاياكم».
    وممّا فعله المسيح هنا سُمي العشاء الرباني أحياناً «كسر الخبز» (أعمال ٢: ٤٢ و١كورنثوس ١٠: ١٦) وكما أن القمح لا يُشبع الإنسان إلا إذا كُسر، كذلك المسيح لم يخلصنا إلا بموته عنا (يوحنا ١٢: ٢٤).
    خُذُوا كُلُوا لنا من ذلك ثلاثة أمور:

    • كما نأكل الخبز فنجعله جزءاً من أجسادنا، كذلك يجب أن نقبل المسيح في قلوبنا ونقتات به بالإيمان. والفعل الأول ضروري لحياة الجسد، والفعل الثاني ضروري لحياة النفس.
    • كما أن الخبز المأكول يقوت أجسادنا، كذلك المسيح إذا قُبل بالإيمان يقيت نفوسنا. فالمسيح ليس مجرد الذبيحة لتبريرنا، بل هو أيضاً قوتٌ لنموِّنا في النعمة والقداسة. وجسد المسيح حياة العالم الروحية.
    • إن أكلنا مع المسيح ومع بعضنا فإننا نشير إلى اتحادنا وشركتنا كأعضاء عائلة واحدة، مقترنين برأس واحد (١كورنثوس ١٠: ١٦) فالعشاء الرباني وليمة محبة للمسيح وتلاميذه. وعلى هذا يجب أن نمارس العشاء الرباني لمنفعته ومعناه.


    هٰذَاِ أي الخبز.
    هُوَ جَسَدِي في ذلك أمران: (١) ذلك الخبز رمزٌ إلى جسده، و(٢) إنه تذكار له. ولنا على أنه رمزٌ إلى جسد المسيح لا جسده حقيقة اثنا عشر برهاناً:

    • العشاء الرباني سرٌّ، وفي كل سر رمزٌ ومرموز إليه. والخبز هو الرمز، وجسد المسيح المرموز إليه. فلو استحال الخبز وصار جسده، لم يبقَ رمزٌ، إنما يبقى المرموز إليه. فلا يكون العشاء حينئذٍ سراً.
    • جسد المسيح الحقيقي كان أمامهم حياً، فلا يمكنهم أن يعتقدوا أنهم يأكلون جسده ويشربون دمه وهو لم يمُت بل كان يخاطبهم. وذلك ينافي أحكام عقولنا أن نعتقد أننا أكلنا جسد المسيح بعينه في العشاء الرباني، بينما ذلك الجسد بكماله في السماء. وإلا لكان للمادة خواص الروح، وللمحدود خواص غير المحدود.
    • أخذ ذلك الخبز رمزاً يفيدنا بتعاليم جوهرية ويوافق قول المسيح «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ» (يوحنا ٦: ٥١). وقال ذلك قبل ما رسم العشاء الرباني بزمان طويل.
    • اعتاد المسيح أن يستخدم المجاز في أغلب تعاليمه، وكثيراً ما حذر تلاميذه من أن يتخذوا المجاز حقيقة (يوحنا ٣: ٦٣). فلا شيء من الغرابة بأن يكون كلامه هنا مجازاً. ومن ذلك قوله «أَنَا هُوَ الْبَابُ» (يوحنا ١٠: ٩) و «أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ» (يوحنا ١٥: ١، ٥) وقوله «اَلزَّارِعُ الزَّرْعَ الْجَيِّدَ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ. الزَّرْعُ الْجَيِّدُ هُوَ بَنُو الْمَلَكُوتِ. وَالزَّوَانُ هُوَ بَنُو الشِّرِّيرِ» (متّى ١٣: ٣٧، ٣٨). وقوله «تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ» (لوقا ١٢: ١).
    • أخذ ذلك الخبز رمزاً يوافق كل تعاليم الكتاب المقدس كقوله «الثَّلاَثَةُ الْقُضْبَانِ هِيَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، والثَّلاَثَةُ السِّلاَلِ هِيَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ» (تكوين ٤٠: ١٢، ١٨) وقوله «اَلْبَقَرَاتُ السَّبْعُ الْحَسَنَةُ هِيَ سَبْعُ سِنِينَ، وَالسَّنَابِلُ السَّبْعُ الْحَسَنَةُ هِيَ سَبْعُ سِنِينَ» (تكوين ٤١: ٢٦) وقوله «لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ» (١كورنثوس ١٠: ٤) وقوله «لأَنَّ هَاجَرَ جَبَلُ سِينَاءَ فِي الْعَرَبِيَّةِ» (غلاطية ٤: ٢٥). وقوله «السَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ هِيَ مَلاَئِكَةُ السَّبْعِ الْكَنَائِسِ، وَالْمَنَايِرُ السَّبْعُ هِيَ السَّبْعُ الْكَنَائِسِ» (رؤيا ١: ٢٠) وقوله «نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ» (١كورنثوس ١٠: ١٧) فلو صحَّ أن الخبز صار جسد المسيح بقوله «هذَا هُوَ جَسَدِي» لصحَّ أن أجساد المسيحيين صارت خبزاً بقوله «نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ». وقِس على ذلك ما جاء في كثير من الأمثال (تكوين ١٥: ١ ومزمور ٣١: ٣ و٨٤: ١١ وحزقيال ٣٧: ١١ ويوحنا ١٠: ٧، ١١ وعبرانيين ١٢: ٢٩).
    • إذا أخذنا قوله على الخبز حقيقة، وجب أن نأخذ قوله على الكأس كذلك، وكلاهما محال حتى عند القائلين بالاستحالة، لأنه إن كان قوله عن الخبز إنه جسده حقيقة وجب أن يكون له كل أعراض جسد المسيح، وإلا فهو مجاز لا حقيقة. والذين يعتقدون الاستحالة يقولون إن الخبز استحال إلى جسد المسيح دون أعراض هذا الجسد، فينفون ما يثبتون. ويلتزم أولئك المعتقدون التسليم بأن الكأس (لا الخمر التي فيها) صارت العهد الجديد بدم المسيح بدليل قوله «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي» (١كورنثوس ١١: ٢٥). ولم يقُل أحدٌ ذلك، وهو محال بنفسه. وإن سلمنا بالمحال وقلنا إن ذلك الخبز صار جسد المسيح، فالرغيف الذي كان في يده دون غيره، فليس الرغيف في الماضي ولا في المستقبل هو جسده.
    • يدلنا على أن كلام المسيح هنا رمزي أنه بُني على كلام الكتاب في الفصح الذي هو رمزي بالإجماع، بدليل قوله عن خروف الفصح «تأكلون بعجلة. هو فصح للرب» أي الخروف رمز إلى الفصح أي عبور الملاك عن بيوت بني إسرائيل، ويستحيل أن يكون الخروف كذلك.
    • يجب أخذ كلام المسيح مجازاً لأن الحقيقة تنافي شهادة الحواس. وإن قلنا: لا اعتبار لشهادة الحواس، لم يبقَ لنا شهادة صحيحة بمعجزات المسيح ورسله، ولا ثقة بقوله «هذا هو جسدي» لأن تلاميذه أدركوه بالسمع (وهو من الحواس) فلا تُعتبر شهادته ولا نثق بعيوننا حين نقرأه.
    • يجب اتخاذ كلام المسيح عن الخبز مجازاً، لأن الحقيقة تخالف جوهر تعليم الإنجيل، لأنها تجعل الحياة الروحية متوقفة على تناول اللحم والدم بدلاً من أن تجعلها متوقفة على المؤثرات الروحية كالإيمان بالمسيح وفعل الروح القدس وفقاً لقوله «إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له» (رومية ٨: ٩).
    • اتخاذ ذلك القول حقيقة يناقض قول بولس في خبز العشاء الرباني لأنه سماه «خبزاً» ثلاث مرات بعد أن باركه المسيح وكسره (١كورنثوس ١١: ٢٦ - ٢٨).
    • اتخاذ ذلك القول حقيقة يلزم منه تكرار المعجزة في كل عشاء رباني، ويلزم منه أن كل شخص بقطع النظر عن صفاته الأخلاقية يستطيع عمل أعظم المعجزات.
    • القول بالاستحالة يجعل العشاء الرباني ذبيحة، وهذا ينافي تعليم العهد الجديد لتصريحه بأن المسيح ذُبح مرة واحدة لأجل خطايا العالم (عبرانيين ٩: ٢٨ و١٠: ١٢ - ١٨).


    وأما كون الخبز تذكاراً لجسد المسيح فعليه ثلاثة براهين:

    • ما نقله لوقا عن المسيح وهو قوله «اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي» (لوقا ٢٢: ١٩)
    • قول بولس في ما تسلمه من الرب «اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي.. فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ» (١كورنثوس ١١: ٢٤ و٢٦).
    • هذا السر بدل الفصح، وأكل الفصح تذكار للفصح الكبير الحقيقي (خروج ١٢: ١١).


    ٢٧ «وَأَخَذَ ٱلْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: ٱشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ».
    وَأَخَذَ ٱلْكَأْسَ اعتاد اليهود أن يشربوا في الفصح أربع كؤوس من الخمر. والأرجح أن الكأس المذكورة هنا هي الثالثة من الأربع، وهي تُشرب بعد أكل الخروف والأعشاب المرَّة والفطير (وتسمى كأس البركة) ودليل ذلك «تناولها بعد العشاء» (لوقا ٢٢: ٢٠ و١كورنثوس ١١: ٢٥).
    وَشَكَرَ يجب علينا أن نشكر المسيح في كل عشاء رباني ونحن نذكر الفوائد التي كانت لنا من ذبيحته اقتداءً بالمفديين في السماء القائلين «مُسْتَحِق أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً» (رؤيا ٥: ٩ و١٠). وسُمي العشاء الرباني لما فيه من تقديم الشكر «أفخارستيا» أي تقدمة الشكر.
    وَأَعْطَاهُم أي الكأس كما أعطاهم الخبز، فلا شيء في عمله يدل على أن الكأس تختص بالرسل والخبز لهم ولغيرهم .
    ٱشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُم أمرهُ بذلك أعم من أمره بالخبز، فكأنه أراد أن يحذر كنيسته من ضلالة عرف أنها تحدث بعدئذٍ عند بعض الناس، وهي منع الكأس عن العامة.
    ٢٨ «لأَنَّ هٰذَا هُوَ دَمِي ٱلَّذِي لِلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ ٱلَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا».
    خروج ٢٤: ٨ ولاويين ١٧: ١١وإرميا ٣١: ٣١ ومتّى ٢٠: ٢٨ ورومية ٥: ١٥ وعبرانيين ٩: ٢٢
    هٰذَا هُوَ دَمِي أي رمز دمي وتذكاره كما جاء في أمر الجسد في شرح العدد ٢٦. وكان دم الحيوانات في القرون الماضية يرمز إلى دم المسيح. ومنذ ذلك الوقت صارت كأس العشاء الرباني أي خمرها تشير إليه (عبرانيين ٩: ١٣، ١٤).
    ومعنى الدم هنا الحياة، وهو كذلك في تكوين ٩: ٤ ولاويين ١٧: ١٤. وكان دم المسيح دم حياته لأنه مات بسفكه، وهو دم ثمين، ودم ملكيٌّ، ودم زكي، ودم كفارة، ودم تقدمة اختيارية، ودم مقبول عند الله فداءً عن العالم.
    ٱلَّذِي لِلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ كانت العهود كلها تُثبَّت قديماً بسفك الدم (عبرانيين ٩: ١٩، ٢٠)، ولا اختلاف بين العهدين إلا في الواسطة. فالعتيق كان بدم الحملان على يد موسى (خروج ٢٤: ٨) والجديد كان بدم الحمل على يد المسيح (يوحنا ١: ٢٩) انظر للمقارنة بينهما ما ورد في غلاطية ٤: ٢١ - ٣١ وعبرانيين ٨: ٩ - ١٣ و١٠: ١٦ - ١٨ وقارن تثنية ٢٨: ١ و٣٠: ١٦ مع رومية ٧: ٢٥ و٨: ١). وفي العهد القديم تلميحات وإشارات إلى العهد الجديد (إرميا ٣١: ٣١ - ٣٤). أما دم خروف الفصح فرُشَّ على قائمتي الباب وعتبته، وأما دم المسيح فرُشَّ على قلوبنا. والملاك المُهلك جاوز بني إسرائيل ولم يُهلك أبكارهم لما رأى الدم. والله يتجاوز عنا في يوم الدين عند إهلاكه أصحاب القلوب التي لم تُرش بدم المسيح بنظره إلى هذا الدم.
    ٱلَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ أي بدلاً من أن يسفك دمهم، والمراد بالكثيرين كل الذين يقبلون دم المسيح شرطاً لخلاصهم بموجب العهد الجديد. (متّى ٢٠: ٢٨ ورومية ٥: ١٥، ١٩ و١تيموثاوس ٢: ٦ وعبرانيين ٩: ٢٨ ورؤيا ٥: ١١ و٢٢: ١٧).
    لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا أي لتحصيل الصفح عن الخاطئ. كان دم ذبائح العهد القديم يشير إلى ذلك الصفح ولم يحصله، لكن دم ابن الله الوحيد الكثير الثمن حصَّله (أعمال ٥: ٣١ وعبرانيين ٩: ٢٢) وذلك لثلاثة أسباب: (١) ذلك الدم جعل المغفرة ممكنة دون منافاة عدله وحقه، لأن المسيح مات بدل الخاطئ فأوفى العدل حقه وأثبت صدق الله. (٢) أنه جعل تلك المغفرة لائقة لأنه يطهر قلب الخاطئ ويزيل ميله إلى ارتكاب الإثم (١يوحنا ١: ٧ وتيطس ٢: ١٤). (٣) إنه يؤكد للخاطئ أن له مغفرة عند الله (مزمور ٣٠: ٤).
    والتعليم المشار إليه بالخبز والكأس واحد، إلا أن الكأس توضح بعض أموره أكثر إيضاح. ومن ذلك أن المسيح مات على الصليب ذبيحة من أجل خطايانا (متّى ٢٠: ٢٨ ويوحنا ١: ٢٩ و١٢: ٢٤، ٣٢ و٣٣ و١٥: ١٣ ورومية ٣: ٢٥ و٥: ٦، ٨، ١٠ و١كورنثوس ١٥: ٣ وأفسس ٥: ٢ وعبرانيين ٧: ٢٢ و٩: ١٢، ١٦، ٢٦، ٢٨ و١٠: ١٠، ١٩ و١بطرس ٢: ٢٤ و١يوحنا ١: ٧ ورؤيا ١: ٥ و٥: ٩). ومنه أنه صار عهداً بين الله ويسوع، وهو أن الله يقبل موت المسيح بدلاً من الخاطئ، وبين المسيح والمؤمن به وهو أنه يقبله إذا آمن به وتاب. والكأس هي ختم هذا العهد. وفي أكل الخبز زيادة إيضاح لأمر ذي شأن، وهو أن المسيح يُشبع حياة الإنسان الروحية إذا قبله بالإيمان.
    ٢٩ «وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ ٱلآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ ٱلْكَرْمَةِ هٰذَا إِلَى ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيداً فِي مَلَكُوتِ أَبِي».
    رؤيا ١٩: ٧، ٩
    إِنِّي مِنَ ٱلآنَ لاَ أَشْرَبُ أي إني لا أحضر معكم في هذا العشاء ثانية على الأرض بالجسد، لأني عازم أن أموت وتتم بموتي كل الرموز والإشارات. فهذا الفصح هو الفصح الأخير الذي آكله معكم. فعندما نجتمع في بيت أبي نشترك حينئذٍ في ما كان يشير إليه كل ما ذُكر.
    نِتَاجِ ٱلْكَرْمَةِ أي الخمر، سمّاها كذلك بعد البركة، وهذا دليل على أنها لم تستحل إلى دمه. ومن المحال أن تستحيل إلى ذلك لأن كل قطرة من دمه كانت لا تزال تجري في عروقه.
    ٱلْيَوْمِ أي الوقت
    أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيداً الخ لم يُقصر العشاء الرباني على أن يكون بدلاً من فصح اليهود وتذكاراً لموت المسيح، بل كان أيضاً إيماءً وتلميحاً إلى وليمة عرس الحمَل في ملكوته السماوي وعربوناً لها. وأراد المسيح أن يتوقع المؤمنون به كلما تناولوا ذلك السر مجيئه الثاني بالجسد. فهو وليمة أرضية أشار بها المسيح إلى الوليمة السماوية. وأفراحنا الروحية هنا على مائدة الرب ظل للأفراح العلوية الدائمة. وقوله «أشربه» لا يلزم منه أن في السماء خمراً أو ما شابهها من المشتهيات الجسدية، ولا ولائم حقيقية هنالك. ولكن لأن الولائم تحل محل الأفراح والراحة بعد التعب والجهاد ومجتمع الأصحاب، ولأن الخمر كانت تُشرب في عيد الفصح فرحاً بالنجاة من عبودية مصر واعتياد شربها في كل الولائم في ذلك الوقت، استعارها المسيح كناية عن المسرات السماوية والفرح بالنجاة من رق الخطية. وأبان بقوله «معكم» أن كل تلاميذه يجتمعون به في السماء. وأشار بقوله «أشربه جديداً» إلى معناه الروحي. وأراد بقوله «ملكوت أبي» السماء حيث يملك بلا معارض.
    ٣٠ «ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ ٱلزَّيْتُونِ».
    مرقس ١٤: ٢٦ الخ
    سَبَّحُوا اعتاد اليهود أن يترنموا في آخر الفصح بمزموري ١١٥، ١١٦ فالأرجح أن المسيح وتلاميذه سبحوا الله بالترنيم بهما. ويظن أن المسيح في نحو ذلك الوقت بعد الترنيم أو قبله تحدَّث بما جاء في يوحنا ١٤ - ١٦، ثم صلاته المذكورة في يوحنا ١٧ منها. ويحسن أن يسبح الشعب ربَّه بترنيمات وتسابيح كلما اجتمعوا للعبادة، ولا سيما متّى اجتمعوا للعشاء الرباني وذكر الفوائد العظمى المتعلقة به.
    خَرَجُوا إِلَى جَبَلِ ٱلزَّيْتُونِ أي إلى بستان جثسيماني كما يدل عليه ما جاء في ع ٣٦.
    وخلاصة ما ذُكر من أمر العشاء الرباني في عشر قضايا:

    • رسم المسيح فريضة العشاء الرباني طقساً دائماً في كنيسته إلى أن يأتي ثانية، كما يتبين من أمره هنا. ومن قول بولس إنه «تسلَّم من الرب». فعلى كل المسيحيين ممارسة هذا السر (١كورنثوس ١١: ٢٦).
    • لكل مسيحي نصيبٌ في فوائد موت المسيح، وهذا سبب ذكره ذلك الموت، في قوله «جسدي الذي أبذله لأجلكم» و «جسدي المكسور لأجلكم» و «دمي المسفوك لأجلكم».
    • بُني ذلك السر على الفصح وحل محله، فذاك كان يذكر اليهود بنجاة أبكارهم من الهلاك الزمني، وهذا يذكر المسيحيين بالنجاة من الهلاك الأبدي لكل المفديين بموت المسيح فصحنا (رومية ٨: ٢ و١كورنثوس ٥: ٧) وهذا السر هو العلاقة بين النظام اليهودي والنظام المسيحي.
    • هذا السر كما رسمه المسيح موافق جداً ليشخِّص أمامنا موت المسيح على الصليب،وليجعله مؤثراً فينا، لأن العناصر المحسوسة تعين النفس على إدراك الحقائق الروحية.
    • يحضر المسيح مع شعبه روحياً كرئيس المتكأ كلما مارسوا العشاء الرباني بالطاعة والإيمان والتوبة والشكر، ويتحدون به اتحاداً مُحيياً. ويجدد لهم كل فوائد موته المُشار إليه بذلك السر وفوائد حياته في السماء. ولهذا يتضمن لنا أكثر مما تضمنه الفصح لليهودي التقي، لأن الفصح كان له مجرد تذكار ورمز، وأما العشاء الرباني فيزيد على ذلك بأنه اتحاد روحي حقيقي. فعلاوة على أنه إشارة إلى ما عمله المسيح لأجلنا فهو دلالة على أن المسيح حال فينا وفقاً لقول الرسول «مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي» (غلاطية ٢: ٢٠) وقوله «الَّذِينَ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ مَا هُوَ غِنَى مَجْدِ هذَا السِّرِّ فِي الأُمَمِ، الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ» (كولوسي ١: ٢٧).
    • لا تتوقَّف منفعة تناول هذا السر على كيفية ممارسته، ولا على ماهية الآنية التي يتناول منها، ولا على أن الخبز فطير أو خمير، ولا على رتبة خادم الدين، ولا على الكلمات التي ينطق بها لتخصيص الخبز والخمر بخدمة العشاء الرباني.. بل يتوقف على إيمان الذي يتناوله، لأنه كما أن الجسد يقتات بالخبز والخمر فيصيران جزءاً منه بالأكل والشرب، هكذا عندما نقبل بالإيمان خبز العشاء الرباني وخمره نصير شركاء جسد المسيح ودمه ونقتات به (١كورنثوس ١٠: ١٦).
    • لا بد أن يُطحَن القمح قبل أن يؤكل خبزاً، ولا بد للعنب أن يُعصر قبل أن يُشرب خمراً. كذلك جسد المسيح لا يمكن أن يكون حياتنا ما لم يُسحق ويموت لأجلنا. وهذا ما يشير إليه استعمال الخبز والخمر في العشاء الرباني.
    • العشاء الرباني، علاوة على ما ذُكر، إنباءٌ بوليمة عرس الحمل في السماء وظلٌ لها (ع ٢٩ ومرقس ١٤: ٢٥).
    • رسم المسيح هذا السر لنذكر به موته لا حادثة أخرى من حوادث حياته الأرضية كميلاده أو تجليه أو صعوده. وأظهر بهذا أن موته هو الأمر الجوهري في دينه الذي يجب أن يؤمن به كل مسيحي ويستند عليه للخلاص.
    • كلما مارس المسيحيون هذا السر شهدوا علناً بموت المسيح وخضوعهم للمصلوب وباتكالهم عليه، وهكذا «يخبرون بموته» كما أمر ١كورنثوس ١١: ٢٦ وشهدوا بأكلهم وشربهم مع غيرهم من المؤمنين أنهم إخوة في عائلة واحدة وأعضاء جسد واحد رأسه المسيح.


    ٣١ «حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هٰذِهِ ٱللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ ٱلرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ ٱلرَّعِيَّةِ».
    متّى ١١: ٦ ويوحنا ١٦: ٣٢ وزكريا ١٣: ٧
    الأرجح أن الذي قاله المسيح هنا قاله وهو سائر إلى جثسيماني.
    كُلُّكُمْ تنبأ قبل ذلك بأن واحداً من رسله يسلمه، وهذا خرج منهم (وهو يهوذا). وتنبأ هنا بأمرٍ يشترك فيه كل الباقين.
    تَشُكُّونَ فِيَّ أي تقعون في أحوال يضعف بها إيمانكم بأني المسيح، حتى أنكم تستحون بي وتتركونني. وعلة شككم هو تسليمي إلى أعدائي على يد يهوذا وقبضهم عليَّ، وما يحدث لي من الإهانات ويصيبني من الآلام، خلاف ما كنتم تتوقعون أن يبلغه المسيح ابن الله.
    فِي هٰذِهِ ٱللَّيْلَةِ أي الليلة التي تناولوا فيها العشاء الرباني وسمعوا مواعظ المسيح الأخيرة. ففيها جُرِّبوا بإنكار المسيح، فسقطوا. كذلك يأتي يومٌ على المسيحيين يتجربون بأشد التجارب بعد أن يحصلوا على أحسن وسائط النعمة. ولا عجب أن صار الصليب عثرة للعالم، لأن رسل المسيح عثروا بظله قبل أن يُرفع المسيح عليه.
    لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ في زكريا ١٣: ٧. علم الرب بسابق العلم ترك تلاميذه إياه وتمام تلك النبوة به. وفي الأصحاح الذي اقتبست تلك الآية منه إشارات كثيرة إلى المسيح وعمل الفداء منها ذكر فتح ينبوع للتطهير من الخطية، وذكر رجل في يده جروح جُرِح في بيت أحبائه، وذكر راعٍ هو رجل رفقة رب الجنود.
    أَضْرِبُ ٱلرَّاعِيَ يحتمل أن يكون معنى هذا أن الله ضربه، أو أنه سلمه للضاربين (قارن خروج ٤: ٢١ مع خروج ٨: ١٥) وهو المراد هنا. وأجرى الله ذلك بسماحه لليهود والرومان أن يضربوه لأجل خطايا العالم (رومية ٨: ٣٢).
    الراعي في هذه الآية هو المسيح كما يظهر من زكريا ١١: ٧ - ١٤. وأصل ما اقتبسه البشير في العبراني خطاب الله للسيف وأمره إياه بالضرب، ولا فرق بين الأصل والاقتباس في المعنى، فالاقتباس مجازٌ عقلي أُسند به الفعل إلى الآمِر. ومثله ما جاء في إشعياء ٥٣: ٤ - ١٠. فالذين ضربوه فعلوا باختيارهم ما قصد الله حدوثه، فلم يمكنهم ضربه لو لم يقضِ الله به.
    خِرَافُ ٱلرَّعِيَّةِ المراد بالخراف هنا الرسل الذين هربوا عندما قُبض على المسيح كقطيع غنم مرتعب، وتطلق الخراف أحياناً على كل شعب الله (يوحنا ١٠: ١٦) ولعل المسيح أشار أيضاً بهذا القول إلى الأمة اليهودية التي كانت في الأصل رعية الله وتبددت منذ رفضت الراعي المضروب.
    ٣٢ «وَلٰكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى ٱلْجَلِيلِ».
    متّى ٢٨: ٧، ١٠، ١٦ ومرقس ١٤: ٢٨ و١٦: ٧
    بَعْدَ قِيَامِي قد أنبأ بقيامته مرتين قبل ذلك (متّى ١٦: ٢٠، ٢١ و٢٠: ١٩) وهذه هي المرة الثالثة. ولكن ليس هناك إشارة على أنهم أدركوا معنى هذا النبأ ولا أنهم تأثروا منه أكثر من ذي قبل.
    أَسْبِقُكُم في هذا إشارة إلى عمل الراعي لخرافه فإنه «مَتَى أَخْرَجَ خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ يَذْهَبُ أَمَامَهَا، وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ» (يوحنا ١٠: ٤) وفيه إنباءٌ بأن الخراف وإن ضُرب الراعي وتبددت تُجمع أيضاً، وأنه سيجمع تلاميذه وإن تركوه. وقال ذلك ليكون تعزية لهم في وقت الحزن، وتشجيعاً لهم عند الخوف، وإعلاماً لهم أين يجدونه.
    إِلَى ٱلْجَلِيلِ أمضى المسيح أكثر وقت تعليمه في الجليل، وآمن به هنالك أكثر تابعيه. والجليل وطن أكثر رسله، فمن الطبيعي أن يرجع إليه بعد قيامه. وما أجمل أن يعود تلاميذه إلى المكان الذي أخذهم منه لأن في ذلك قوة لهم هم بأمسِّ الحاجة إليها. ولكن عليهم أن يقيموا في مدينة أورشليم إلى أن يُلبسوا قوة من الأعالي، وبعد ذلك يتمم الوعد لهم. ولعله عيَّن حينئذٍ جبلاً قرب طبرية للاجتماع بهم (قابل متّى ٢٨: ١٦ مع يوحنا ٢١: ١). ولا يقتضي هذا أن المسيح خصص ذلك الاجتماع بالرسل وحدهم، ولعله جعله لكل المؤمنين به (لوقا ٢٤: ١٣ - ٣١، ٤١) لأن متّى قال في إنبائه بهذا الاجتماع إن بعض الحاضرين شكوا، فلا نظن أنهم من الرسل بعدما شاهدوه مراراً في أورشليم حياً بعد موته. والمرجح أن الاجتماع ضمَّ من يزيدون على ٥٠٠ أخ (١كورنثوس ١٥: ٦). وتعيينه الاجتماع العام في الجليل لا ينفي أن المسيح اجتمع أحياناً مع بعض تلاميذه في أورشليم قبل ذلك.
    ٣٣ «فَقَالَ بُطْرُسُ لَهُ: وَإِنْ شَكَّ فِيكَ ٱلْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَداً».
    وَإِنْ شَكَّ فِيكَ ٱلْجَمِيعُ يستنتج مما ورد في بشارتي متّى ومرقس أن بطرس تكلم بهذا بعدما خرجوا جميعاً من متكأ الفصح. لكن يظهر مما قاله لوقا ويوحنا أنه تكلم بذلك قبل خروجهم، فلعله قاله مرتين. ولا عجب إن كان المسيح يكرر التحذير لبطرس مرتين، فكرر بطرس إنكار شكه فيه كذلك. ومما يقوي ذلك أن التحذير الذي ذكره متّى ليس هو التحذير الذي ذكره لوقا (قارن هذا العدد مع لو ٢٢: ٣١، ٣٢)
    لم يلتفت بطرس إلى ما في كلام المسيح من التعزية والوعد، بل إلى ما هو محزن فيه، فجاء جوابه كما يأتي:
    فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أظهر بطرس في هذا محبته للمسيح، كما أظهر مبادرته المعتادة إلى الرد السريع، والجسارة، وإظهار اتكاله على نفسه، وجهله بضعفه وكبريائه التي جعلته يظن أنه أثبت من سائر التلاميذ. فكان سقوطه سبيلاً له إلى أن يعلم أنه قابل السقوط. وكان على بطرس أن يتيقن ذلك في إنباء المسيح وليسأل الله المعونة. وذكر لوقا هنا أكثر مما ذكره متّى في شأن هذا الحديث (لوقا ٢٢: ٣١، ٣٢).
    ولنا مما ذكر أربع فوائد: (١) العزم الشديد على تجنب الخطية لا يكفي ليمنع الإنسان من ارتكابها، وكذلك النذر والوعد وإن ختمه بدمه. (٢) لا أحد يعرف ضعفه وما سيرتكبه قبل أن يُجرَّب. (٣) قد يترك الله المسيحيين الحقيقيين يقعون في الخطايا الفظيعة ليعلِّمهم ضعفهم. (٤) يجب أن نسأل الله أن يعيننا على الدوام (٢كورنثوس ١٢: ٩، ١٠ وفي ٢: ١٢، ١٣ و٤: ١٣).
    ٣٤ «قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هٰذِهِ ٱللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّات».
    مرقس ٤: ٣٠ ولوقا ٢٢: ٣٤ ويوحنا ١٣: ٣٨
    يَصِيحَ دِيكٌ يحتمل صياح الديك ثلاثة معانٍ:

    • الهزيع الأول من الليل المعروف عادة عند اليهود، كما يظهر من قول المسيح «لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِي رَبُّ الْبَيْتِ، أَمَسَاءً، أَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ، أَمْ صَبَاحًا» (مرقس ١٣: ٣٥).
    • وقت من الوقتين اللذين اعتاد الديك أن يصيح فيهما. أولهما نحو نصف الليل، والثاني قرب الفجر.
    • صياح الديك معين كما جاء في قوله «اللَّيْلَة قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ» (مرقس ١٤: ٣٠). فوجه الاختلاف بين البشيرين في هذا النبأ تُدفع بأن أحدهم أراد بصياح الديك أحد تلك المعاني، والآخر غيره. والظاهر أن متّى ويوحنا قصدا بصياح الديك قسماً من الليل، ومرقس ولوقا قصدا به صياح الديك حقيقة، لأنهما ذكرا أن الديك صاح مرتين. وذكر هذه النبوة الإنجيليون الأربعة. ولما تمت كانت دليلاً قاطعاً على أن المسيح يعلم الغيب بذاته فهو إله.


    تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّات ظن بطرس أن إنكاره إياه ولو مرة واحدة محال، فقال المسيح له إنه ينكره ثلاث مرات. أي ينكر معرفته إياه كما جاء ذلك في إنباء المسيح (لوقا ٢٢: ٣٤) وفي إنكار بطرس (متّى ٢٦: ٧٤). وهو يتضمن إنكار أنه من تلاميذه (لوقا ٢٢: ٥٨). وهذا الإنكار ليس إلا إنكار إيمانه بأن المسيح ابن الله، وهو منافٍ لإقراره السابق (متّى ١٦: ١٦) وإثمٌ عظيم كان يمكن أن يهلكه، لولا توبته (لوقا ١٢: ٩). على أن كثيرين تمثلوا ببطرس في إنكار المسيح وقت الضيق ونسيان نذورهم.
    ٣٥ «قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: وَلَوِ ٱضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ! هٰكَذَا قَالَ أَيْضاً جَمِيعُ ٱلتَّلاَمِيذِ».
    كان يجب أن يصدق بطرس أن المسيح يعرفه أكثر مما يعرف هو ذاته، لكنه ثبت على كلامه وزاد عليه. إنه يسهل على الإنسان ذكر الموت بشجاعة والموت بعيدٌ عنه، لكنه متّى لاقى الموت وجهاً لوجهٍ جَبُنَ وخاف أشد الخوف. فالاتكال على النفس مقدمة السقوط (أمثال ١٦: ١٨ و١كورنثوس ١٠: ١٢).
    جَمِيعُ ٱلتَّلاَمِيذِ أظهر تأكيد بطرس أنه أمين للمسيح، فاقتدى به سائر الرسل، لكنهم جميعاً تركوا معلمهم وهربوا عند اقتراب الخطر (ع ٥٦). ولم يجبهم المسيح شيئاً على قولهم بل ترك الأمر إلى العاقبة لتظهر صدق قوله وقدر أمانتهم.
    ٣٦ «حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ: ٱجْلِسُوا هٰهُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ».
    مرقس ١٤: ٣٢ الخ ولوقا ٢٢: ٣٩ الخ ويوحنا ١٨: ١
    ضَيْعَةٍ أي أرض مزروعة، والمقصود بها هنا أرض محاطة بسياج، فيها أشجار زيتون وغيره، لأنها سُميت أيضاً بستاناً (يوحنا ١٨: ١، ٢٦) وكانت في جبل الزيتون. واسمها في العبراني جثسيماني. وكانت صالحة للتنزه والانفراد. ويحتمل أن صاحبها كان صديقاً ليسوع لأنه اعتاد أن يذهب إليها مع تلاميذه (لوقا ٢٢: ٣٩، ٤٠).
    جَثْسَيْمَانِي كلمة عبرانية معناها «معصرة زيت» وهي شرق أورشليم على سفح جبل الزيتون الغربي (لوقا ٢٢: ٣٩) بينها وبين أورشليم وادي قدرون (يوحنا ١٨: ١). «وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ، لأَنَّ يَسُوعَ اجْتَمَعَ هُنَاكَ كَثِيرًا مَعَ تَلاَمِيذِهِ» (يوحنا ١٨: ٢).
    وغاية المسيح في ذهابه إلى ذلك البستان هي أن يقوي نفسه بالصلاة لأجل آلامه المستقبلة، وأن يحتمل هناك بعض تلك الآلام التي يجب أن يحتملها، وأن يعطي أعداءه فرصة لأن يمسكوه بلا هياج ولا ضرر لتابعيه. وما عمله المسيح مثال لنا لنلجأ إلى الله وقت التجربة بالصلاة.
    لِلتَّلاَمِيذِ أي لثمانية منهم.
    ٱجْلِسُوا هٰهُنَا الأرجح أن المكان الذي أمرهم بالجلوس فيه كان قرب مدخل البستان، ووجودهم هناك كان مانعاً من أن يباغت المسيح أحدٌ وهو يصلي. وأشار بقوله «ههنا» إلى محل منفرد تحت أشجار البستان.
    هُنَاكَ أي داخل البستان
    ٣٧ «ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَٱبْنَيْ زَبْدِي، وَٱبْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ».
    متّى ١٤: ٢١ و١٧: ١ ولوقا ٨: ٥١
    وأَخَذَ مَعَهُ أي انفرد بالتلاميذ الثلاثة المذكورين هنا دون سائر الرسل.
    بُطْرُسَ وَٱبْنَيْ زَبْدِي أي يعقوب ويوحنا (متّى ١٠: ٢) وكان قد اختار هؤلاء الثلاثة ليشهدوا مجده الإلهي على جبل التجلي. واختارهم هنا شهود آلام نفسه وتواضعه لأنه قرَّبهم منه تعزية لهم. واحتياجه إلى مثل هذه التعزية دليل واضح على شدة حزنه واضطرابه.
    وَٱبْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ لا نقدر أن ندرك علة اكتئاب المسيح في البستان كل الإدراك، فهو من أسرار الفداء. ولا بد أنه احتمل هناك جزءاً من الآلام التي كان يجب أن يحتملها في فداء الخطاة، فوفَّى حينئذٍ بعض الدَّين الذي على الخطاة لشريعة الله، ووفَّى ما بقي منه وهو معلق على الصليب (إشعياء ٥٣: ٤ - ٦). وحَمل وقتئذٍ خطايا العالم، وحزن واكتأب من عظمة ثقل ذلك الحمل.
    والأرجح أن الشيطان رجع إليه في ذلك الوقت يحاربه جديداً بأشد التجارب، لأن جزءاً من غلبة المسيح لأجلنا هو محاربته الشيطان عنا.
    ولأن إبليس الذي هو الحية العتيقة علم أن وقته قصير، فجمع كل قواه للهجوم الأخير على «نسل المرأة» ليمنعه من إتمام عمله العظيم، لأن ما بقي من حياته الأرضية كان «ساعة أعدائه وسلطان الظلمة» (لوقا ٢٢: ٥٣). وهذا معنى قوله «لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ.. قُومُوا نَنْطَلِقْ مِنْ ههُنَا (أي إلى جثسيماني)» (يوحنا ١٤: ٣٠، ٣١).
    ولعل طبيعته الإنسانية حُرمت حينئذٍ من تعزية الأب الذي حجب عنه وجهه كما حصل له وهو على الصليب. وذلك كان أشد عذاب له، ولكنه كان ضرورياً لاحتمال القصاص عن الخطاة. هذا مع معرفته كل حوادث الصلب قبل حدوثها من آلام الجسد والنفس، من خيانة أحد تلاميذه، وإنكار غيره له، وترك الجميع إياه، وكل ما جلبه عليه حسد الرؤساء وبغضهم من الإهانة وقسوة الرومان عليه وهزئهم به وضربهم إياه، واضطراب نفسه وآلام جسده على الصليب.
    ٣٨ «فَقَالَ لَـهُمْ: نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى ٱلْمَوْتِ. اُمْكُثُوا هٰهُنَا وَٱسْهَرُوا مَعِي».
    مزمور ٥٥: ٤، ٥ ويوحنا ١٢: ٢٧
    تألم المسيح لأجل الخطاة كل مدة حياته الأرضية، لكن آلامه زادت في تلك الساعة كثيراً.
    حَتَّى ٱلْمَوْتِ المراد بذلك أنه اشتد حزنه كثيراً حتى كادت قواه الإنسانية لا تحتمله. ولربما لم يستطع احتماله، أو لم يأته ملاك من السماء يقويه (لوقا ٢٢: ٤٣)، أو أن آلامه كانت حينئذٍ مثل آلام الموت. ومما يعرف أن الناس قد يموتون من مجرد الحزن الشديد. فإذا كانت أحزان الإنسان الخاصة كافية لإماتته أحياناً، فكم بالأحرى تكون أحزان عالم الخطاة في قلب شخص واحد. قال لوقا «صَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ» (لوقا ٢٢: ٤٤).
    اُمْكُثُوا هٰهُنَا عيَّن المسيح لهم مكاناً يلبثون فيه وهو يبعد عنهم قليلاً. وذلك ليدفع عنهم ما يلحقهم من الألم بمشاهدتهم آلامه، أو أنه فضَّل أن يحتمل تلك الآلام بدون أن تراه عينٌ بشرية.
    ٱسْهَرُوا مَعِي كإنسانٍ شعر باحتياجه إلى أن يشاركه غيره من البشر في شدة أحزانه، فتعزى قليلاً بقرب أولئك الأصحاب الأعزاء من البشر. لذلك سألهم أن يمكثوا بالقرب منه، وأمرهم أن يسهروا لأن ذلك يُظهر مشاركتهم له في الحزن، لأن النوم دليل على عدم الاكتراث بمصابه، ولأن سهرهم وقاية من مباغتة الأعداء له.
    ٣٩ «ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هٰذِهِ ٱلْكَأْسُ، وَلٰكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ».
    عبرانيين ٥: ٧ ومتّى ٢٠: ٢٢ ويوحنا ١٢: ٢٧ ويوحنا ١٥: ٣ و٦: ٣٨ وفيلبي ٢: ٨
    تَقَدَّمَ قَلِيلاً أي «انفصل عنهم نحو رمية حجر» (لوقا ٢٢: ٤١) وذلك ليجاهد في الصلاة بأكثر حرية. ولم يكن البعد بينه وبين التلاميذ الثلاثة كافياً لمنعهم في يقظاتهم بين نوماتهم المتوالية أن ينظروه تارة جاثياً على الأرض وطوراً مطروحاً عليها، وأن يسمعوا أجزاءً من صلواته لله. وعلى ذلك قيل في الرسالة إلى العبرانيين «الذين في أيام جسده إذ قدَّم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلِّصه من الموت» (عبرانيين ٥: ٧).
    فخيرٌ لكل مسيحي أن ينفرد عن الناس للصلاة الشخصية، لأنه وقتها يستطيع أن يعبِّر عن أفكاره بحرية ويظهر تضرعاته واعترافه وهمومه ومخاوفه وآماله وطلباته لأجل غيره.
    خَرَّ عَلَى وَجْهِه قال لوقا إنه جثا على ركبتيه. فلا بد من أنه خرَّ على وجهه بعد أن جثا من شدة تضرعه إلى الله.
    يَا أَبَتَاهُ حُجب عن نفسه النور السماوي، ومع كل ذلك لم يشك في بنوته لله ومحبة الآب له. كذلك يعزينا نحن أحسن التعزية في أوقات الأحزان أن نعتبر الله أباً لنا، ونخاطبه باعتبار أنه كذلك، ذاكرين أنه «كما يترأف الآب على البنين يترأف الرب على خائفيه» (مزمور ١٠٣: ١٣).
    إِنْ أَمْكَنَ زاد مرقس على هذا قول يسوع «يَا أَبَا الآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ» (مرقس ١٤: ٣٦) واقتبس لوقا قوله «إن شئت» (لوقا ٢١: ٤٢). أراد المسيح أن يزيل شدة مرارة الكأس التي كان يشربها، إن كان ممكناً أن تتم إرادة الآب بدونها، لأن إرادة المسيح كانت خاضعة لإرادة أبيه. نعم إن الله على كل شيء قدير، لكنه لا يخالف قضاءه الأزلي. وعدم مخالفته لذلك لا ينافي قدرته. فمراد المسيح بقوله «إن أمكن» إنه إن صحَّ بموجب عدل الله وصدقه وقداسته تخليص الخطاة بدون الآلام التي بدأ حينئذٍ يحتملها، فإنه يرغب في ذلك.
    لْتَعْبُرْ عَنِّي لو عبرت الكأس عن المسيح لشربها الخطاة كلهم إلى الأبد، لأنه لا بد من أن يشربها إما هو أو الذين ناب عنهم.
    هٰذِهِ ٱلْكَأْسُ أي كأس الكفارة والموت (قارن هذا مع متّى ٢٠: ٢٢) وهي تشتمل على الآلام التي يجب أن يحتملها ليكفر عن آثام البشر. وينبغي أن نعلم أنه أشار بذلك إلى آلامه النفسية لا إلى آلامه الجسدية، لأن ما قاله لتلاميذه سابقاً في شأن موته ينفي ظنَّ خوفه من الموت الجسدي، ويدل على ذلك أيضاً أنه حين جُلد وصُلب وتألم لم ينزعج البتة. ويستحيل أن ابن البار يخاف من تسليم روحه عند الموت إلى يدي أبيه.
    إن كأس آلام المسيح هي كأس خلاصنا، شرب كل ما فيها من المر وملأها لنا ابتهاجاً. فإن كانت كأس الأحزان لم تعبر عن ابن الله وهو يسأل ذلك، فهل يحقُّ لنا أن نتذمر إذا طلبنا منه رفع كأس الحزن عنا ولم تُرفع. على أن صلاة المسيح لم تكن عبثاً، لأن الله أجابه بمد يد المساعدة ليقويه على احتمال آلامه (عبرانيين ٥: ٧ ولوقا ٢٢: ٤٣). وسبب أنه لم يُجِز عنه تلك الكأس أنه لا طريق للخلاص بغير أن يشربها، لأن محبة الله لابنه تمنع تعذيبه بلا لزوم. فإنه لعظمة شفقته على البشر الساقطين لم يشفق على ابنه (رومية ٨: ٣٢).
    لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا كان المسيح إنساناً تاماً كما كان إلهاً تاماً.. فكانت له مشيئة إلهية. وكان قابلاً للوجع والحزن والضعف والخوف الذي يختص بالطبيعة البشرية (عبرانيين ٤: ١٥ و٥: ١). وقوله «لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا» من جملة أقواله باعتبار أنه إنسان عليه حمل أكثر ما تستطيع طبيعته البشرية حمله. ولا ريب في أن الطبع البشري يطلب في مثل أحوال المسيح تخفيف ذلك إن أمكن، لأن مثل آلام المسيح مما يستحيل أن تختاره طبيعة بشرية. وحاشا للمسيح باعتباره إلهاً وإنساناً معاً أن يكون قد تحول ولو قليلاً في تلك الساعة عن قصده بالموت عن خطايا العالم أو الندم على ذلك.
    بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ بقيت طبيعته البشرية في كل ما اختارته أو رفضته ثابتةً في الخضوع لإرادة الآب (مزمور ٤٠: ٦، ٧ ويوحنا ٤: ٣٤)، فلم يكن يريد شيئاً منافياً لإنجاز عهد الفداء. ويظهر من قوله هنا انتصار الروح على الجسد، أي غلبة الروح النشيط الصبور الخاضع لإرادة الآب على الجسد الذي هو محدود القوة على احتمال الآلام. ونحن نظهر مشابهتنا للمسيح بإخضاع مشيئتنا لإرادة الله، وشربنا بالصبر كل كأس من كؤوس الحزن يضعها الآب بيدنا، وإلا فليس لنا روح المسيح ونحن ليس له.
    بين أقوال المسيح التي ذكرها متّى ومرقس ولوقا من صلواته فرق زهيد، ولعل سبب ذلك أن كلاً منهم قصد إيراد المعنى لا الألفاظ بعينها. ولا يبعد عن الظن أن المسيح في صلواته الطويلة المكررة نطق بكل الكلمات التي ذكرها الإنجيليون وغيرها أيضاً. فذكر كل إنجيلي ما عرف منها أو استحسنه بحسب غايته.
    ٤٠ «ثُمَّ جَاءَ إِلَى ٱلتَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَاماً، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: أَهٰكَذَا مَا قَدِرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟».
    ٱلتَّلاَمِيذِ أي الثلاثة: بطرس ويعقوب ويوحنا، وأتى إليهم للتعزية وليحذرهم من خطر التجربة.
    فَوَجَدَهُمْ نِيَاماً قال لوقا إنهم ناموا حزناً (لوقا ٢٢: ٤٥). وقد أثبت الأطباء أن الحزن الشديد وتوقع الموت يجلب النوم الثقيل. ولكن يختلف تأثير ذلك باختلاف الطباع، فإنه يوقظ البعض وينيم البعض الآخر. وتخلَّص التلاميذ من شدة الحزن بالنوم، ولكن المسيح غلب الحزن بالصلاة. وكان فعلهم في تلك الساعة كفعلهم في جبل التجلي، لأنهم ناموا حينئذٍ والمسيح يصلي. ولا عجب من أن التلاميذ ناموا لأنه كان نحو نصف الليل.
    فَقَالَ لِبُطْرُسَ وجَّه المسيح كلامه إلى بطرس لأن بطرس سبق ووعد بالمحبة للمسيح والثبوت فيها أكثر مما وعد بهما باقي الرسل.
    أَهٰكَذَا مَا قَدِرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي كأنه قال: إن لم تستطيعوا مقاومة النوم فكيف تستطيعون مقاومة التجارب العظمى؟ قلتم إنكم مستعدون أن تموتوا معي، أفلا تقدرون أن تسهروا قليلاً معي في ضيقتي؟
    سَاعَةً وَاحِدَةً لا دليل لنا على أن المسيح أراد بالساعة معناها الحقيقي، وأنها نفس الزمن الذي مضى عليهم وهم نائمون، أو أنه أراد بها «وقتاً قصيراً». وفي السؤال إظهار حزنه لنومهم وتعجُّبه منه، وتبكيته لهم عليه لأنهم لم يشعروا بالخطر المحيط بسيدهم وبهم أيضاً. ولأنهم نسوا مواعيدهم منذ عهد قصير، ولأنهم لم يظهروا المشاركة التامة له في الحزن. ولا شك في أنه زاد حزناً لما رآهم نائمين بعد ما طلب منهم أن يسهروا معه.
    ٤١ «اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا ٱلرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا ٱلْجَسَدُ فَضَعِيفٌ».
    مرقس ١٣: ٣٣ و١٤: ٣٨ ولوقا ٢٢: ٤٠، ٤٦ وأفسس ٦: ١٨.
    اِسْهَرُوا وَصَلُّوا ذكر المسيح واجبين ينبغي أن يقترنا معاً، فكان عليهم أن يسهروا لأنهم كانوا حينئذٍ عُرضة لتجارب عظيمة، وليكونوا مستعدين لدفعها في أول هجومها وهم صاحون منتبهون. وعليهم أن يصلوا، أي أن يطلبوا معونة الله، لأن من الحماقة أن يحارب الإنسان الشيطان بدون طلب المعونة الإلهية. فيجب علينا أن نلجأ إلى الله في أول قدوم التجربة.
    لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ ومعنى ذلك كمعنى الطلبة السادسة في الصلاة الربانية. فأراد أن يسهروا ويصلوا لئلا تغلبهم التجربة. والتجربة التي كانوا معرَّضين لها حينئذٍ هي فقدان ثقتهم بالمسيح وتركهم إياه عند زوال أمانيهم وآمالهم الأرضية. ولا يليق بأحد أن يدخل في التجربة اختيارياً لأن المسيح نفسه لم يدخل في التجربة إلا لما أصعده الروح (متّى ٤: ١).
    أَمَّا ٱلرُّوحُ فَنَشِيطٌ أي ميلكم إلى السهر معي وإلى كل خدمة لي أمر حسن. قال ذلك وهو عالم أن بطرس سينكره والكل يتركونه، لأنه تأكد أنهم يحبونه وأنهم عازمون على أن يكونوا أمناء له وثابتين في الإيمان به. وإنهم قالوا بإخلاص إنهم مستعدون أن يمضوا معه إلى السجن وإلى الموت (لوقا ٢٢: ٣٣ ومتّى ٢٦: ٣٥). ولكن مجرد الميل الحسن إلى الصلاح لا يتكفل بحفظ الإنسان (سواء كان رسولاً أو غيره) من الوقوع في الخطية عند التجربة.
    وَأَمَّا ٱلْجَسَدُ فَضَعِيفٌ المراد بالجسد هنا الانفعالات البشرية التي تجعل الإنسان ينفر من الألم والعار والخطإ وتعرُّض الروح للتجربة. وذكَّر المسيح رسله بضعف أجسادهم لا ليعذرهم على نومهم بل ليحثَّهم على السهر والصلاة. ومن اقتران الروح النشيط بالجسد الضعيف في المسيحي تحدث فيه المحاربة بين الطبيعتين الروحية والجسدية (رومية ٧: ٢١ - ٢٥). «لأن الجسد يشتهي ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر» (غلاطية ٥: ١٧) ولكن روح المسيح النشيط غلب الجسد الضعيف وقت التجربة. وأما الرسل فجسدهم الضعيف غلب روحهم النشيط حينئذٍ.
    ٤٢ «فَمَضَى أَيْضاً ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هٰذِهِ ٱلْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ».
    فَمَضَى أَيْضاً ثَانِيَةً وَصَلَّى قال لوقا إنه «كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ» (لوقا ٢٢: ٤٤).
    أظهر متّى أن الفرق بين صلاة المسيح الأولى وصلاته الثانية، في زيادة تسليم إرادته إلى إرادة الآب، لأنه لم يسأل في الثانية أن تعبر الكأس عنه بل أن تكون له القدرة على إتمام إرادته تعالى. وأجاب الله صلاته كما أجاب صلاة بولس بأن أعانه على التجربة (٢كورنثوس ١٢: ٨ - ١٠) ومجيء الملاك لمساعدته كما قال لوقا دليل على أن طبيعة المسيح الإلهية لم تساعد طبيعته البشرية في وقت آلامه، لأن المسيح تألم كأحد البشر، واحتاج إلى تعزية بشرية كسائر الناس وإلى الضروريات الجسدية من مستلزمات القوت والكسوة وما أشبههما، وقوَّت الملائكة طبيعته البشرية كغيره من الأتقياء (عبرانيين ١: ٧).
    ٤٣ «ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضاً نِيَاماً، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً».
    لم يكف توبيخ المسيح للرسل وأمره إياهم بالسهر أن يمنعهم من النوم الذي تسلط عليهم. ولم يذكر متّى أن المسيح أيقظهم ولا أنه تركهم نائمين. لكن نستنتج من مرقس أنه أيقظهم، ولم يستطيعوا أن يجيبوه بشيءٍ لفرط ما عراهم من الخجل (مرقس ١٤: ٤٠).
    ٤٤ «فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضاً وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذٰلِكَ ٱلْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ».
    تكرار الصلاة لفرط الأشواق القلبية ليس بالتكرار الباطل الذي نهى المسيح عنه (متّى ٦: ٧) ولا ريب في أن الله أجاب صلوات المسيح بمنحه القوة على احتمال كل ما كان عليه من الآلام، وهو وفق قول الكتاب «الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ» (عبرانيين ٥: ٧). ونحن عندما نصرخ إلى الله في بليَّة يهبنا القوة على احتمالها بالصبر والنعمة، لنستفيد منها استجابةً لصلواتنا التي ندعوه فيها لرفع تلك البلية عنا.
    ٤٥، ٤٦ «٤٥ ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: نَامُوا ٱلآنَ وَٱسْتَرِيحُوا. هُوَذَا ٱلسَّاعَةُ قَدِ ٱقْتَرَبَتْ، وَٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي ٱلْخُطَاةِ. ٤٦ قُومُوا نَنْطَلِقْ. هُوَذَا ٱلَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ ٱقْتَرَب».
    إِلَى تَلاَمِيذِهِ ليس إلى الثلاثة فقط بل إلى الثمانية الآخرين أيضاً. ولم يظهر من كلامه هنا المعنى الذي قصده في خطابه لهم، لكن مقتضيات الحال توضحه، فإن المسيح كان يتوقع مجيء يهوذا الخائن بفرقة من العسكر ليقبض عليه، فوضع بعض تلاميذه قرب مدخل البستان كحراس يحفظونه من هجوم الأعداء عليه بغتة. وأخذ معه البعض وأمرهم بالسهر والصلاة، ثم انفصل عنهم قليلاً وصلى سائلاً الآب دفع تلك التجربة عنه إن أمكن، وإلا فيمنحه قوةً على احتمالها. فكانت نتيجة صلواته أنه تأكد أن عبور تلك الكأس عنه غير ممكن، ولكنه نال قدرةً على شربها، ولذلك امتنع عن طلب عبورها عنه، واستعد لاحتمال كل ما كان عليه أن يقوم به، فأنبأ تلاميذه بأنه لا حاجة إلى أن يسهروا ويصلوا معه بعد، وإن فرصة مساعدتهم له على مقاومة التجربة قد مضت.
    وقد قصد المسيح بقوله «نَامُوا ٱلآنَ وَٱسْتَرِيحُوا» إعفاءهم مما أمرهم به في ع ٣٦، ٣٨، ٤٠، ٤١. وأباح لهم الراحة والنوم بدون تقييد بوقت معين فكأنه قال: لم يبقَ داعٍ لسهركم وصلاتكم معي، وإن فعلتم ذلك لا ينفعني الآن شيئاً. فإذاً ناموا واستريحوا متّى تريدون وبقدر ما تشتهون.
    ٱلسَّاعَةُ قَدِ ٱقْتَرَبَتْ مضت ساعة السهر والصلاة التي ذُكرت في ع ٤٠ وأتت ساعة الآلام.
    قُومُوا المرجح أن المسيح قال ذلك عند ابتداء ظهور «الجمع الكثير بالسيوف والعصي والمصابيح» والخلاف بين قوله هنا وقوله قبلاً «ناموا واستريحوا» لفظيٌ لا معنويٌ، لأن المقصود بأمره لهم بالنوم والاستراحة إباحة عدم السهر والصلاة لمنع الأعداء عنه ولنوال القوة له ولهم. وقال بعضهم إن قصد المسيح بقوله «ناموا واستريحوا» هو التعجب والاستغراب. فكأنه قال لهم: أهذا وقت النوم والراحة ومعلمكم يُسلَّم إلى الأعداء؟.. وهذا وفق قوله «لماذا أنتم نيام؟» (لوقا ٢٢: ٤٦) أي هذا وقت الانتباه والعمل لا وقت النوم والراحة.. قوموا ننطلق. وقال آخرون إنه أذن لهم في النوم والاستراحة بذلك القول على تقدير قوله «إن قدرتم» فيكون المقصود: أنا لا أمنعكم من النوم إن لم يمنعكم الأعداء، لكنهم لا بد أن يمنعوكم لأن الخائن قريبٌ منا. وقال البعض إنه مضت مدة بين قوله «ناموا واستريحوا» وبين قوله «قوموا ننطلق» وقد تركهم يسوع نائمين فيها حتى شاهد الجمع مقبلاً فأيقظهم بقوله الثاني. وكل هذه التفاسير مقبولة، والأرجح عندنا ما ذكرناه أولاً.
    نَنْطَلِق لمقابلة الأعداء المقبلين، ولمواجهة الخطر الذي لم يُرِد أن يهرب منه أو يمنع وقوعه.
    هُوَذَا ٱلَّذِي يُسَلِّمُنِي هو الذي أخبرهم به في عدد ٢١. وكان مستيقظاً مجتهداً في تسليم المسيح فيما كان أصحابه الأحد عشر نياماً.
    ٤٧ «وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ ٱلشَّعْبِ».
    مرقس ١٤: ٤٣ الخ ولوقا ٢٢: ٤٧ الخ ويوحنا ١٨: ٣ وأعمال ١: ١٦.
    ذكر البشيرون الأربعة القبض على المسيح، وقد شاهد متّى ويوحنا ذلك. ولعل مرقس نقل الخبر عن بطرس الذي هو شاهد عينٍ. والذي أورده لوقا أكثر اختصاراً مما ذكره غيره. ويوحنا وحده ذكر سقوط الجنود الذين قبضوا عليه إلى الأرض.
    وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّم أي أن وصول الأعداء أيقظهم من نومهم.
    يَهُوذَا أي الإسخريوطي، فإنه كان يعرف ذلك الموضع الذي اعتاد المسيح أن يجتمع فيه بتلاميذه (يوحنا ١٨: ١).
    أَحَدُ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ ذُكر هذا ليبين فظاعة خيانته، فمع أنه من رسل المسيح أقنع الرؤساء أن يمسكوه في وقت العيد على غير قصدهم الأول.
    جَمْعٌ كَثِيرٌ كان هذا الجمع مؤلفاً (١) من الجند المعين لخدمة الهيكل (يوحنا ١٨: ٣ ولوقا ٢٢: ٥٢). وكان هؤلاء يهوداً. وذُكروا أيضاً في ٢ملوك ١١: ٩ ويوحنا ٧: ٢ وأعمال ٤: ١ - ٣ وأتوا حاملين عصياً و(٢) من فرقة عساكر الرومان (يوحنا ١٨: ٣، ١٢) أرسلهم بيلاطس للقبض على المسيح، خاصة بطلب من مجلس السبعين، أو لخدمة ذلك المجلس خدمة عامة في مدة العيد. وهذا يوافق قول بيلاطس لأهل ذلك المجلس «عندكم حرَّاس» (متّى ٢٧: ٦٥) وكان رجال ذلك المجمع متسلحين بسيوف قصيرة. (٣) من خدم رئيس الكهنة الذين أتوا للمشاورة أو للمساعدة أو للشماتة بمصاب خصم سيدهم كما أظهروا بعد ذلك (ع ٦٧ ومرقس ١٤: ٦٥) (٤) من بعض أعضاء المجلس من الكهنة والشيوخ الذين أتوا بأنفسهم ليشاهدوا القبض عليه (لوقا ٢٢: ٥٣). ويحتمل أنه كان مع هؤلاء لفيف ممن اعتادوا أن يجتمعوا في المدينة إذ علموا أن فرقة من العسكر تذهب للقبض على أحد منهم. والظاهر أن رجال الجمع كانوا كثيرين كأنهم كانوا يتوقعون مقاومة عنيفة. وربما قصد الرؤساء بجمع أولئك الكثيرين أن يوقعوا الشبهة على المسيح أنه من كبار الأثمة وأهل الشغب. وأخذ ذلك الجمع مصابيح ومشاعل، مع أن القمر كان يومئذٍ بدراً بغية أن يفتشوا عن المسيح في مخابئ ذلك البستان، سواء في كهف أو ظل شجرة لظنهم أنه يختبئ فيه. وكان قدام هذا الجمع كله الخائن يهوذا.
    مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَة الخ أي من عند مجلس السبعين على ما يرجح.
    ٤٨، ٤٩ «٤٨ وَٱلَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلاً: ٱلَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ. ٤٩ فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: ٱلسَّلاَمُ يَا سَيِّدِي! وَقَبَّلَهُ».
    ٢صموئيل ٢٠: ٩
    أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً أي عيَّن لهم قبل الوقت ما يمنعهم من القبض على غير المسيح. وهذا ما كان يحتاج إليه القابضون، ولا سيما الجند الروماني ليميزوا بينه وبين تلاميذه.
    أُقَبِّلُهُ القبلة علامة المحبة والصداقة والأمانة (خروج ٤: ٢٧ و١٨: ٨ و١صموئيل ٢: ٤١ و٢صموئيل ١٥: ٥) ولنا من عادات اليهود والمسيحيين الأولين إن التلاميذ كانوا يقبّلون معلمهم مثلما كان المؤمنون يقبل بعضهم بعضاً إكراماً (رومية ١٦: ١٦ و١تسالونيكي ٥: ٢٦).
    أَمْسِكُوهُ.. بحرص هذا دليل على أن يهوذا خاف أن يأتي أصحاب المسيح ويخلصوه. أو أن المسيح يستعمل قوته في المحاماة عن نفسه. أو أن يتوارى عنهم كما كان يفعل سابقاً حين أحاط الأعداء به ليوقعوا به الضرر (لوقا ٤: ٣٠ ويوحنا ٨: ٥٩ و١٠: ٣٩).
    َلِلْوَقْتِ تَقَدَّم أي يهوذا قبل كل الجمع.
    ٱلسَّلاَمُ يَا سَيِّدِي! مما زاد فظاعة إثم يهوذا رياءه باتخاذ علامة الصداقة وتحية المودَّة وسيلة إلى خيانته القاسية بلا خوف ولا حياء. وهذا يذكرنا بقبلة يوآب الخادعة لعماسا (٢صموئيل ٢٠: ٩، ١٠).
    ٥٠ «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟ حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوُا ٱلأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ».
    مزمور ٤١: ٩ و٥٥: ١٣
    صَاحِبُ أي رفيق لا حبيب (متّى ٢٠: ١٣ و٢٢: ١٢).
    لِمَاذَا جِئْتَ؟ لم يجهل المسيح غاية مجيئه فسأله لينبه ضميره ويجعله يتأمل في الإثم الذي ارتكبه. وزاد لوقا على ذلك قوله «يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟» (لوقا ٢٢: ٤٨) وفي ذلك الوقت حدثت المخاطبة المذكورة في يوحنا ١٨: ٤ - ٨ بين المسيح وقادة العسكر.
    ٥١ «وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ ٱلَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَٱسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذُنَهُ».
    يوحنا ١٨: ١٠
    وَاحِد أي بطرس (يوحنا ١٨: ١٠، ١١).
    كتب يوحنا إنجيله بعد خراب أورشليم حين زال الخطر عن أتباع المسيح إذا ذُكر اسم أحدهم في أمر يتعرض به لانتقام الحكام.
    ٱسْتَلَّ سَيْفَه لم يكن مع الرسل سوى سيفين (لوقا ٢٢: ٣٣) كان أحدهما مع بطرس وفق ما يُنتظر من صفاته في الشجاعة والتسرُّع.
    عَبْدَ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ ذكر يوحنا أن اسم هذا العبد كان ملخس. ولعل ذلك العبد كان المتقدم إلى القبض على يسوع.
    فَقَطَعَ أُذُنَهُ أي الأذن اليمنى كما أبان يوحنا. كان التلاميذ قد سألوا المسيح قبلاً: أيضربون أم لا؟ (لوقا ٢٢: ٤٩) فلم يصبر بطرس إلى أن يسمع الجواب، فسبق إلى الضرب بسرعة. والدليل على ذلك أن سيفه أخطأ المقتل ولم يبلغ سوى أُذن العبد.
    ٥٢ «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلسَّيْفَ بِٱلسَّيْفِ يَهْلِكُونَ».
    تكوين ٩: ٦ ورؤيا ١٣: ١٠
    رُدَّ سَيْفَكَ وجَّه هذا الكلام إلى بطرس لأن السيف كان مسلولاً بيده. وأمر المسيح بذلك دليل واضح على أنه لم يُرد أن يحارب تلاميذه عنه.
    إِلَى مَكَانِهِ أي إلى غمده.
    كُلَّ ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلسَّيْفَ الخ هذا كلام جارٍ مجرى المثل وجَّهه المسيح أولاً إلى بطرس، وقصد به أن مقاومته للجمع المقبل عليه من الجهالة، ولا ينفع المسيح ولا يرضيه، بل إنه يجلب الخطر على التلاميذ. ودفع الخطر عن بطرس بشفائه أذن ملخس التي لو بقيت مقطوعة لأقاموا الدعوى عليه. ولكن إبراء المسيح إياها منعهم من إقامة الدعوى خوفاً من إذاعة نبأ المعجزة. وكان يجب أن المشاهدين كلهم يتخذون تلك المعجزة برهاناً على أن يسوع شخص إلهيٌ. وقصد المسيح من قوله لبطرس ما ذُكر، تنبيه تلاميذه على أن مقاومتهم للجند تُعرضهم للقتل. ومعناه عموماً أن الغاصبين يُغصبون والمعتدين يُعتدى عليهم (تكوين ٩: ٦ ورؤيا ١٣: ١٠). والذي يصدق على الشخص يصدق على الأمة. فإذا سلَّت أمة سيوف الحرب للهجوم سلتها الأمة الأخرى للدفاع. وسيف العصيان يجلب على من يستله سيف الانتقام. وتتعلم الكنيسة من ذلك أن ربها لا يريد أن تحمي نفسها أو تنتصر على غيرها بالأسلحة الجسدية (٢كورنثوس ١٠: ٣، ٤) لأن أسلحتها روحية، وهي كلام الله والصلاة والصبر. والانتقام لله لا لها (رومية ١٢: ١٩) ولكن ذلك لا يمنع على الإطلاق استعمال السيف لأن الإنجيل يجيز ذلك في بعض الأوقات (رومية ١٣: ٤).
    ٥٣ «أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ ٱلآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ ٱثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ؟».
    ٢ملوك ٦: ١٧ ودانيال ٧: ١٠
    أَتَظُنُّ قال ذلك تنبيهاً لإيمان بطرس ليذكر ما رآه من قوة المسيح، لأن عمله دلَّ على أنه نسي قدرة المسيح على المعجزات، وأنه شكَّ في عناية الله بابنه وظنَّه أنه قد تركه. وأكد المسيح بما قاله لبطرس وسائر الرسل أن تسليمه تمَّ باختياره لا رغماً عنه.
    أَسْتَطِيعُ أي أقدر إن أردت مقاومة الأعداء.
    ٱلآنَ أي في حال قبض الأعداء عليَّ. وخلاصة كل هذا الحديث أنه لو أراد المقاومة وسأل المدد لأرسل الآب السماوي له في الحال المعونة الكافية.
    ٱثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً لعله ذكر هذا العدد من جيوش الملائكة وفقاً لعدد تلاميذه في الأصل، فكأنه قال: لي عند الآب بدلاً من اثني عشر شخصاً ضعفاء وأحدهم خائن، اثنا عشر جيشاً من الملائكة المقتدرين قوة. والجيش هنا في الأصل اليوناني «لجئون» أو فيلق، وهو القسم الأكبر من أقسام الجنود الرومان وعدد رجاله عندهم ستة آلاف. وذكر هذا العدد العظيم ليبين قوته بالنسبة إلى تلك الفرقة الصغيرة التي أتت لتقبض عليه. ويحتمل أنه لم يقصد بذلك سوى عدد لا يُحصى من الملائكة. فإذا كان ملاك واحد ضرب في ليلة واحدة ١٨٥ ألفاً من جنود الأشوريين (٢ملوك ١٩: ٣٥) فما قولك باثني عشر جيشاً ينقضّون على تلك الفرقة الصغيرة!
    ويتعزَّى المسيحيون بمعرفتهم أن تحت أمر المسيح دائماً جيشاً من الملائكة هذا عدده، وأنه صاحب السلطان مع الآب، وأنه شفيعهم.
    ٥٤ «فَكَيْفَ تُكَمَّلُ ٱلْكُتُبُ: أَنَّهُ هٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟».
    إشعياء ٥٣: ٧ الخ وع ٢٤ ولوقا ٢٤: ٢٥، ٤٤، ٤٦
    فَكَيْفَ تُكَمَّلُ أي كيف تكمل إذا سألتُ الآب المساعدة ونجوتُ من الخطر المحيط بي؟
    ٱلْكُتُبُ هي التي تنبئ بآلامه وموته (مزمور ٢٢ وإشعياء ص ٥٣ ودانيال ٩: ٢٦ وزكريا ١٣: ٧).
    فالمسيح سلم نفسه إلى الأعداء بلا مقاومة لكي تكمل هذه النبوات وغيرها، ويجهز الخلاص للعالم. وتلك النبوات تظهر مشيئة الله وقصده. وليس من العدل أن يضع الله خطايا العالم على يسوع البار إلا وهو راضٍ بذلك. وقال ذلك تعزية للتلاميذ وتقوية لإيمانهم، لأنه أكَّد لهم أن كل تلك الحوادث المحزنة قضى بها الآبُ في سابق علمه. فهي لم تقع على المسيح بغتة، ويجب أن لا يعثر تلاميذه.
    ٥٥ «فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ قَالَ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ: كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي».
    لِلْجُمُوعِ أي لرؤساء الكهنة وقادة جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه (لوقا ٢٢: ٥٢).
    كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ لم يعترض المسيح على قبضهم عليه بل على طريقته ووقته، لأنهم قبضوا عليه كما يُقبض على شر الأشقياء وكما قبضوا على باراباس (يوحنا ١٨: ٤٠) كأنهم توقعوا أن يقاومهم مقاومة عنيفة لا كمعلم هادئ محب للسلام. وطريق القبض عليه كما ذُكر زاد عار تسليمه إلى الموت. وما ذكره متّى ليس كل العار الذي وقع عليه حينئذٍ، لأن العسكر والخدم أوثقوه أيضاً (يوحنا ٨: ١٢).
    كُلَّ يَوْمٍ أي عدة أيام متوالية في ذلك الزمان، ومراراً في أثناء ممارسته وظيفته.
    أَجْلِسُ هادئاً لا أؤذي أحداً، ولا أظهر شيئاً من القسوة التي تقتضيها أعمالكم واستعدادكم إلى أن تمسكوني.
    أُعَلِّمُ فِي ٱلْهَيْكَلِ أي جهاراً حتى لا يكون لكم أن تتهموني بدسائس سرية تحتاجون بها إلى أن تقبضوا عليَّ سراً، ولأن علة دعواكم عليَّ هي كلماتي. فلماذا لم تمسكوني وأنا أُعلم أمامكم؟!
    وَلَمْ تُمْسِكُونِي هذا دليل على أنكم لم تجسروا على ذلك علانية، وأنه لا حجَّة لكم تبرركم أمام الناس بقبضكم عليَّ (متّى ٢١: ٤٦).
    ٥٦ «وَأَمَّا هٰذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ ٱلأَنْبِيَاءِ. حِينَئِذٍ تَرَكَهُ ٱلتَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا».
    مراثي إرميا ٤: ٢٠ وع ٥٤ ومرقس ١٤: ٥٠ ويوحنا ١٨: ٥
    كُتُبُ ٱلأَنْبِيَاءِ أي الكتب التي أنبأت بآلامي وموتي. وخيانة يهوذا وظلمكم لم يكونا إلا بمقتضى قضاء الله الأزلي. فكرر لهم هنا ما قاله قبلاً لتلاميذه (ع ٥٤) وأظهر به لهم أن الذي قدَّرهم عليه لا أيديهم ولا عصيهم ولا سيوفهم ولا رُبطهم، بل مجرد إرادته، وكان ذلك إتماماً لمقاصد الله المكتوبة في كتب الأنبياء.
    حِينَئِذٍ تَرَكَهُ ٱلتَّلاَمِيذُ لأنهم خافوا من هجوم الجند عليهم ليلاً، وبسبب خيبة آمالهم بالقبض على المسيح الذي لم يظهر شيئاً من قوته لإنقاذ نفسه. ولأن كلامه أبان أنه عزم أن يسلم نفسه إلى أيدي أعدائه ليفعلوا به ما قضى الله به. فخوفهم وخيبة آمالهم أنسياهم وعدهم أنهم لا يتركونه (ع ٣٥) فهربوا. ولا شك أن هربهم زاد كأس المسيح مرارة «لأنه داس المعصرة وحدهُ، ومن الشعوب لم يكن معه أحدٌ، ونظر ولم يكن له معين وتحيَّر إذ لم يكن له عاضد» (إشعياء ٦٣: ٣، ٥) والمسيح حين سلم نفسه إلى الأعداء سألهم أن يتركوا تلاميذه (يوحنا ١٨: ٨) وذكر متّى هنا أن كل التلاميذ هربوا، والظاهر أن اثنين منهم (وهما يوحنا وبطرس) عندما رأيا أن لا أحد لحق التلاميذ ليقبض عليهم، رجعا وتبعا المسيح من بعيد.
    ٥٧ «وَٱلَّذِينَ أَمْسَكُوا يَسُوعَ مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ، حَيْثُ ٱجْتَمَعَ ٱلْكَتَبَةُ وَٱلشُّيُوخُ».
    مرقس ١٤: ٥٣ الخ ولوقا ٢٢: ٥٤ الخ ويوحنا ١٨: ١٢، ١٣، ١٤
    حُوكم المسيح أمام القضاة والحكام ست مرات: ثلاثاً قدام قضاة من اليهود، واثنتين أمام بيلاطس، وواحدة أمام هيرودس.. واستُهزئ به أربع مرات. وبُرّئ ثلاث مرات. وحُكم عليه مرتين. وأول محاكمة جرت عليه كانت أمام حنان رئيس الكهنة السابق، وبقي يُسمَّى برئيس الكهنة بعد عزلهِ، وبقيت سلطته الجبرية كما كانت قبل ذلك لتقدمه وفرط ذكائه. وفي هذه المحاكمة لم يُطلب شهود، ولم يذكرها سوى يوحنا (يوحنا ١٨: ١٣ - ٢٣). والمرة الثانية أمام قيافا، وذكرها متّى في هذا العدد ومرقس ١٤: ٥٣ - ٦٤. والثالثة أمام المجلس صباح يوم الجمعة، وذكر وقوف المسيح فيه وما جرى حينئذٍ لوقا وحده (لوقا ٢٢: ٦٦ - ٧١)، ولو أن متّى اقتصر على ذكر اجتماع المجلس والحكم وقتئذٍ (متّى ٢٧: ١). وكانت المحاكمة الأولى فحصاً استعدادياً. وكانت الثانية لإبراز الشهادات عليه من فمه ومن غيره، وحكموا عليه فيها ليلاً، وذلك لم يكن شرعياً. وكانت الثالثة للحكم بالموت عليه شرعاً. وفي أثناء تلك المحاكمات أنكره بطرس. ولا فرق بين ذكر إنكاره قبل ذكر المحاكمة وذكره بعدها. فاستحسن لوقا ذكره قبلها، واستحسنه متّى ومرقس بعدها، واستحسن يوحنا ذكره في أثناء كلامه على المحاكمة.
    إِلَى قَيَافَا أي إلى قصر قيافا. والظاهر أن ذلك القصر كان واسعاً معداً لرئيس الكهنة، يشتمل على ساحة واسعة تحيط بها المخادع والغُرف. والأرجح أنه كان لكل من حنان وقيافا موضعاً خاصاً في ذلك القصر. وكان هناك إيوان (أو بيت كبير) ترتفع أرضه عن أرض الساحة (مرقس ١٤: ٦٦) كان يجلس فيه أعضاء مجلس السبعين أحياناً. وأوقف المسيح أمام قيافا ليسمع الدعوى عليه ثانية، لأنه وقف أمام حميه حنان (يوحنا ١٨: ١٩ - ٢٣). وكان ذلك في أثناء مجيء الأعضاء إلى المجلس في نحو الساعة الثانية بعد نصف الليل، على ما يُظن. وقُصد بالمحاكمة الليلية السرية أن لا تعرف بها الجماهير التي تحب يسوع فتحاول تخليصه من أيديهم، بينما هم (أي الرؤساء) يريدون هلاكه لا خلاصه.
    وقيافا صدوقي كحنان (انظر شرح ع ٣) تولى رئاسة الكهنة عشر سنين، من سنة ٢٧ - ٣٧م، وهو الذي قال قبل ذلك: خير أن يموت المسيح (يوحنا ١١: ٥٠).
    ٱلْكَتَبَةُ وَٱلشُّيُوخُ كان اجتماعهم، اجتماع المجلس الكبير الذي يسمَّى مجلس السبعين، بغتةً. وكان لا يُحسب الاجتماع شرعياً ما لم يكن عدد المجتمعين ثلاثة وعشرين فما فوق. وكان من قوانينهم أنهم مهما حكموا في ذلك المجلس ليلاً فإنه لا يُعد شرعياً ما لم يكرر نهاراً. ويُحتمل أنهم اجتمعوا سابقاً، وكانوا يتوقعون رجوع الفرقة التي ذهبت للقبض على المسيح. والمرجح أن قيافا دعاهم بعدما عرف أنه قُبض على المسيح.
    ٥٨ «وَأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَارِ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ، فَدَخَلَ إِلَى دَاخِلٍ وَجَلَسَ بَيْنَ ٱلْخُدَّامِ لِيَنْظُرَ ٱلنِّهَايَةَ».
    يوحنا ١٨: ١٥
    َأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَه وذلك لأمرين: (١) محبته الشخصية للمسيح، و(٢) رغبته في مشاهدة ما يحدث.
    إِلَى دَارِ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ أي إلى ساحة الدار حيث أضرم الخدم ناراً للاصطلاء (لوقا ٢٢: ٥٥) وسبق بطرس تلميذ آخر هو يوحنا، وأدخل بطرس (يوحنا ١٨: ١٥، ١٦).
    وَجَلَسَ بَيْنَ ٱلْخُدَّامِ جلس بعض الوقت كما هنا ووقف وقتاً آخر يصطلي كما ذكر يوحنا (يوحنا ١٨: ١٨) والظاهر أنه ظن أن لا أحد يعرفه ولا يلتفت إليه.
    لِيَنْظُرَ ٱلنِّهَايَةَ يدل هذا على أن رغبة بطرس في مشاهدة ما يجري هنالك كانت سبب مجيئه.
    ٥٩ «وَكَانَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخُ وَٱلْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ».
    وَٱلْمَجْمَعُ كُلُّهُ أي كل من حضر المجلس من الأعضاء. والأرجح أن يوسف الرامي ونيقوديموس (وهما من أعضاء ذلك المجلس) كانا غائبين (لوقا ٢٣: ٥١ ويوحنا ٧: ٥٠، ٥١ و١٩: ٣٩).
    ٦٠ «فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلٰكِنْ أَخِيراً تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ».
    مزمور ٢٧: ١٢ و٣٥: ١١ ومرقس ١٤: ٥٥، ٥٦ وأعمال ٦: ١٣ وتثنية ١٩: ١٥
    فَلَمْ يَجِدُوا أي لم يجدوا شهادة يستطيعون أن يبنوا عليها الحكم بقتله «لأَنَّ كَثِيرِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا، وَلَمْ تَتَّفِقْ شَهَادَاتُهُمْ» (مرقس ١٤: ٥٦، ٥٩).
    وَلٰكِنْ أَخِيراً أي بعد المحاورات عبثاً.
    شَاهِدَا زُورٍ هذا أقل عددٍ تقوم به الشهادة شرعاً (عدد ٣٥: ٣٠ وتثنية ١٧: ٩ و١٩: ١٥).
    ٦١ «وَقَالاَ: هٰذَا قَالَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ ٱللّٰهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ».
    متّى ٢٧: ٤٠ ويوحنا ٢: ١٩
    قال المسيح لليهود منذ ما يزيد عن سنتين قبل ذلك «انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ.. وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ» (يوحنا ٢: ١٩، ٢١) وشهدوا عليه هنا بأنه قال ذلك عن الهيكل الحقيقي. وبين شهادتهم وقول المسيح فرق عظيم، لأنه قال إنه يقيمه في ثلاثة أيام إذا نقضوه هم. وهم شهدوا أنه قال: أنا أقدر أن أنقضه. وما قاله على جسده مجازاً قالوه على هيكل أورشليم حقيقة. وهذه الشهادة الكاذبة لم تنفعهم شيئاً لأن الشهود اختلفوا فيها. ولو أثبتوا عليه أنه هدَّدهم بأن يخرب الهيكل لحكموا عليه بالتجديف (أعمال ٦: ١٣). على أن أعضاء المجلس كلهم كانوا يعلمون ما أراد المسيح بالهيكل كل المعرفة، ودليل ذلك قول المجلس لبيلاطس «تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ» (متّى ٢٧: ٦٣).
    ٦٢ «فَقَامَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هٰذَانِ عَلَيْكَ؟».
    مرقس ١٤: ٦ الخ
    سؤال رئيس الكهنة هنا نتيجة عجزه عن أن يجد علة للشكوى ضده، فحاول أن يحمل المسيح على أن يشتكي على نفسه. وحَمل إنسانٍ أن يشتكي على نفسه إذا لم تثبت الدعوى عليه ينافي قوانين العدل. ومعنى السؤال: هل شهادة هذين الشاهدين عليك من جهة نقض الهيكل صادقة أم كاذبة؟ وقيام رئيس المجلس في مثل تلك الحال ليخاطب المدَّعى عليه دليل على أنه محتدٌّ لأنه عجز عن أن يجد علة على المسيح.
    ٦٣ «وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتاً. فَسَأَلَهُ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ: أَسْتَحْلِفُكَ بِٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ؟ ٱبْنُ ٱللّٰهِ».
    إشعياء ٥٣: ٧ ومتّى ٢٧: ١٢، ١٤ ولاويين ٥: ١ و١صموئيل ١٤: ٢٤، ٢٦.
    فَكَانَ سَاكِتاً ولعل المجلس أيضاً بقي ساكتاً يتوقع الجواب من يسوع. وكان سكوت المسيح إتماماً لنبوة إشعياء (إشعياء ٥٣: ٧) ووفقاً لشهادة بطرس (١بطرس ٢: ٢٣). وسكت لعلمه أن المجلس قرر قتله، وأن كلامه لا يدفعهم إلى عدل أو رحمة. ولو فسر ما قصده من كلامه عن نقض الهيكل ما قبلوا تفسيره ولا تعليمه.
    أَسْتَحْلِفُكَ بِٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ هذا هو القسَم العادي في الشريعة اليهودية (عدد ٥: ١٩، ٢١ ويشوع ٧: ١٩) ومعناه: أسألك أن تحلف بالله أن تشهد بالحق كله، كأنك واقف في حضرة الإله الحي.
    هَلْ أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ؟ لا علاقة لهذا السؤال بشهادة الشاهدين، فظهر منه الدافع الحقيقي. فلم يكن حكم الإدانة بسبب كلام المسيح عن الهيكل، ولا أنه يهيج الفتنة بين الناس كما شهدوا عليه أمام بيلاطس (لوقا ٢٣: ٢) بل يدينونه لأنه وهو إنسان فقير ادَّعى أنه المسيح المنتظر.
    ٱبْنُ ٱللّٰهِ يظهر من بشارة لوقا أن السؤال الواحد هنا هو مجموع سؤالين، أي «هل أنت المسيح؟» و «هل أنت ابن الله؟». ولم يفرِّق أنبياء العهد بين مضموني هذين السؤالين لأنهم اعتقدوا أن المسيح هو ابن الله (مزمور ٢: ٧ و٤٥: ٦، ٧ وإشعياء ٧: ١٤ و٩: ٦ وميخا ٥: ٢). وأما اليهود في أيام المسيح فالمرجح أنهم اعتقدوا أن المسيح نبي وملك وفاتح منتصر. وسبب ذلك السؤال كله هو أن يجدوا ما يشتكون به على المسيح من تجديف. ولم يكن يسوع مضطراً إلى الإجابة، فتكلم لا ليتخلَّص منهم، بل لئلا يستنتجوا من سكوته أنه رجع عن دعواه أنه المسيح ابن الله. وكان في وسعه أن ينجو من دعواهم أنه جدف إما بأن ينكر قوله إنه المسيح ابن الله، وهذا محال، وإما أن يعترف به ويبرهن صحته. لكنهم لم يسمحوا له بإقامة البرهان.
    ٦٤ «قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضاً أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ ٱلآنَ تُبْصِرُونَ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ ٱلْقُوَّةِ، وَآتِياً عَلَى سَحَابِ ٱلسَّمَاءِ».
    يوحنا ١٣: ٣١ ومزمور ١١٠: ١ وأعمال ٧: ٥٥ ودانيال ٧: ١٣ ومتّى ١٦: ٢٧ و٢٤: ٣٠ ولوقا ٢١: ٢٧ ويوحنا ١: ٥١ ورومية ١٤: ١٠ و١تسالونيكي ٤: ١٦ ورؤيا ١: ٧
    أَنْتَ قُلْتَ هذا كقولك «نعم». فقال يسوع هنا إنه هو المسيح وإنه الله، وكذا فهم المجلس. ولم يقل لهم ما يدل على أنهم أخطأوا الفهم. ولنا من ذلك أنه يجب علينا أن نتكلم إذا فُهم من سكوتنا إنكار الحق. وجواب المسيح على طلب الحلف يثبت أن القَسَم في المحاكمة يجوز إذا كانت الدعوى حقيقية وذات شأن.
    مِنَ ٱلآنَ تُبْصِرُونَ أي الذي أدعيه الآن بالكلام ستكتشفون صحته بالعيان. فالذي قدمه المسيح هنا علامةٌ على صحة دعواه، وإنذارٌ لهم وإنباءٌ بالدينونة.
    جَالِساً عَنْ يَمِينِ ٱلْقُوَّةِ أي عن يمين الله، وذلك مكان الشرف والوقار والقضاء والراحة (مزمور ١١٠: ١ ودانيال ٧: ١٣، ١٤).
    وبهذا نسب يسوع إلى نفسه النبوات التي أنبأ بها داود ودانيال بالمسيح. وربما أشار بقوله إنه ابن الإنسان إلى الفرق العظيم بين حال تواضعه وهو واقف يحاكم موثقاً كمذنب قريباً أن يموت مهاناً، وحال ارتفاعه حين يصير المحكوم عليه حاكماً والحاكمون محكوماً عليهم.
    وَآتِياً عَلَى سَحَابِ ٱلسَّمَاءِ هذا كما في متّى ٢٤: ٣٠. كان الرؤساء قد طلبوا أن يُريهم آية من السماء فأبى (مرقس ٨: ٤١) ولكنه الآن وعدهم بتلك الآية وهي مجيئه الثاني ليدين العالم. ولعله أشار أيضاً إلى مجيئه الروحي ليهدم مدينتهم، وهو رمزٌ إلى مجيئه يوم الدين العظيم. وسؤال رئيس الكهنة عن أمرين: كون يسوع هو المسيح، وكونه ابن الله. فأجابه يسوع بالإيجاب، وزاد على المطلوب بقوله إنه ديان العالم.
    ٦٥ «فَمَزَّقَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً: قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ!».
    ٢ملوك ١٨: ٣٧ و١٩: ١
    فَمَزَّقَ... ثِيَابَهُ هذه هي العلامة المألوفة للحزن عند اليهود (٢ملوك ١٨: ٣٧). وقصد رئيس الكهنة أن يُظهر بها أسفه واقشعراره من فظاعة التجديف في حضرته. وكان هذا إغراءً للمجلس ليحكم على يسوع كما حكم هو عليه. وكان كل ما أظهره من الانفعالات رياءً لأنه فرح بسماع إقرار يسوع الذي سيتذرَّع به ليحكم عليه. على أنه بموجب شريعة موسى لا يجوز لرئيس الكهنة أن يمزق ثيابه (لاويين ١٠: ٦ و٢١: ١٠). ولعله نهي الشريعة عن تمزيق ثيابه يختص بحزنه الخاص بعائلته، لا في الحزن العام.
    نتعجب من سرعة هذا الحكم مما يدل على تواطؤ المجتمعين، الذين انتظروا مجرد كلمة يقولها المتهم أمامهم ليحكموا عليه كالغوغاء التي لا تعرف العدالة ولا الإنصاف.
    قَدْ جَدَّفَ لأنه ادَّعى لنفسه بعد أن حلَّفه الصفات المختصة بالله وحده. ولا شكَّ أن المسيح بجوابه ساوى نفسه بالآب. فلو كان مجرد إنسان لكان جوابه تجديفاً، ولكان القضاء عليه عدلاً (يوحنا ١٠: ٣١ - ٣٣). ولكنه لم يكن مجرد إنسان، ولم يتكلم بغير الحق، فهو لم يجدف. فكان على أعضاء المجلس أن ينظروا في دعواه ليعلموا أحقٌ هي أم لا، لكنهم صرفوا أذهانهم عما يثبت دعواه من البراهين القاطعة، وافترضوا بدون أدنى دليل أنه خادع.
    ٦٦ «مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَأَجَابُوا: إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ ٱلْمَوْتِ».
    لاويين ٢٤: ١٦ ويوحنا ١٩: ٧
    مَاذَا تَرَوْنَ؟ طلب بهذا حكم المجلس باعتباره رئيساً.
    إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ ٱلْمَوْتِ «الجميع حكموا عليه» بذلك (مرقس ١٤: ٦٤) وقولهم «إنه مستوجب الموت» صورة الحكم التي اعتادها اليهود في حكمهم على المدَّعى عليه بالقتل عندما كان لهم السلطان على إجراء ذلك. ولكن الرومان منعوهم عنه (يوحنا ١٨: ٣١) فلم يبقَ لهم إلا صورة الحكم.
    وحكموا على المسيح بما ذُكر بناء على ما قيل في شريعة موسى التي أمرت برجم المجدِّف (لاويين ١٤: ١٠ - ١٦ وتثنية ١٨: ٢٠). وكان يمكن لأعضاء المجلس أن يأمروا الناس برجم يسوع بالرغم من الحكام الرومان، فهكذا فعلوا باستفانوس الشهيد المسيحي الأول، كما كان يمكنهم أن يستأذنوا بيلاطس في ذلك. ولكنهم لم يفعلوا هذا خوفاً من أن كثيرين من الشعب يدافعون عن يسوع ويعملون على إنقاذه، فاستحسنوا أن يسألوا بيلاطس أن ينفِّذ حكمهم بأن يقتله. وكان القتل عند الرومان في مثل هذه الحادثة بالصلب، وهذا علة صلب يسوع دون رحمة. وكان أعضاء ذلك المجلس يعتبرون حكمهم نهائياً. لكنهم اضطروا أن يجتمعوا أيضاً ليجعلوا هذا الحكم شرعياً، لأن تلمودهم منع المحاكمة ليلاً. فاجتمعوا ثانيةً بعد طلوع الفجر وكرروا طلب الحكم عليه (متّى ٢٧: ١ ولوقا ٢٢: ٧). وهذه نهاية استماع الدعوى على يسوع ثانية أمام قضاة اليهود.
    وما حكموا به عليه لم يكن شرعياً بموجب كتاب التلمود (وهو من أقدس كتب اليهود) لأن التلمود لم يُجز للمجلس أن يفحص ليلاً عن دعوى جنائية يمكن أن يحكم على من تثبت عليه بالموت. ومنع أن يُحكم على المدَّعى عليه بالموت في نفس اليوم الذي يُحاكم فيه. ومنع أن يُحكم عليه بذلك بمجرد شهادته على نفسه. فإذا كان الناس حكموا على ذلك البار واهب الحياة بأنه مستوجب الموت، فهل غريب إذا حكموا على أحد عبيده ظلماً؟ أو يحق لذلك العبد أن يتذَّمر؟
    ٦٧ «حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ، وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ».
    إشعياءد ٥: ٦ و٥٣: ٣ ومتّى ٢٧: ٣٠ ولوقا ٢: ٦٣ ويوحنا ١٩: ٣
    حِينَئِذٍ بَصَقُوا كان البصق، ولا يزال، غاية الإهانة، وعلامة الكره الشديد (عدد ١٢: ١٤ وأي ٣٠: ١٠ وإشعياء ٥٠: ٦). وكان الذين بصقوا هم غير رجال الشرطة القساة وحراس الهيكل وخدَم رئيس للكهنة (مرقس ١٤: ٦٥ ولوقا ٢٢: ٦٣). والأرجح أن أولئك العسكر ورفقاءهم أخذوا يسوع من المحكمة إلى الدار. وربما عند ذلك تمكن المسيح من مشاهدة بطرس وسمع كلامه باللعنات والأقسام (لوقا ٢٢: ٦١) والتفت إليه. ونظرته تلك أبكت بطرس بكاءً مراً. وكان من عاداتهم يومئذٍ أن يسلموا المحكوم عليه بالموت إلى العسكر ليهينوه ويهزأوا به كما شاءوا. فالظاهر أن أعضاء المجلس سلموا يسوع إلى أولئك الفئات من الناس وذهبوا إلى بيوتهم وبقوا فيها إلى الصباح. والأرجح أن وقت انصرافهم كان نحو الساعة الثالثة بعد نصف الليل، فيكون المسيح قد احتمل إهانة أولئك القساة وتعذيبهم نحو ثلاث ساعات.
    لَكَمُوهُ أي ضربوه بجمع الكف ليظهروا بغضهم وإهانتهم وغيظهم مما نسبوا إليه من التجديف.
    لَطَمُوهُ أي ضربوه براحة اليد وهذه طريقة أخرى لتعذيبه وإظهار ما سبق. وقد أنبأ إشعياء بكل هذه الإهانات منذ سبع مئة سنة قبل وقوعها (إشعياء ٥٠: ٦ و٥٣: ٣، ٧).
    ٦٨ «قَائِلِينَ: تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا ٱلْمَسِيحُ، مَنْ ضَرَبَكَ؟».
    مرقس ١٤: ٦٥ ولوقا ٢٢: ٦٤
    قال مرقس إنهم غطوا وجهه ولكموه وقالوا له تنبأ إلخ (مرقس ١٤: ٦٥). وفعلوا ذلك هزءاً بادِّعائه أنه نبي لأن النبي يقدر أن يعرف ضاربه وإن كان وجهه مغطى. ولأن المسيح صبر على ذلك ولم يجبهم بشيء اتخذوا ذلك دليلاً على أنه لا يستطيع أن يعلم من ضربه وأنه خادع. فوا أسفاه! كيف أن اليدين اللتين أبكمتا الأرواح وسكَّنتا البحار والرياح وتكلمتا بكلمة الحياة صارتا عرضةً لقساوة أولئك الأشقياء نحو ثلاث ساعات!
    فما أعظم الفرق بين ما صار إليه المسيح وما يليق أن يكون فيه. فإن المنقذ هنا صار موثقاً، والديان مشكواً عليه، ورئيس المجد مهاناً، والقدوس البار محكوماً عليه بالذنب، وابن الله محسوباً مجدفاً، والذي هو القيامة والحياة مسلَّماً للموت، ورئيس الكهنة الأزلي مديناً من رئيس الكهنة الوقتي.
    ٦٩ «أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِساً خَارِجاً فِي ٱلدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً: وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ ٱلْجَلِيلِيِّ».
    مرقس ١٤: ٦٦ ولوقا ٢٢: ٥٥ ويوحنا ١٨: ١٦، ١٧، ٢٥
    أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِساً ذكر دخول بطرس دار رئيس الكهنة في ع ٥٨ وإن خدَم البيت أضرموا ناراً في ساحة الدار ليصطلوا. والاصطلاء كان حينئذٍ مقبولاً لأنه كان ليل، وأورشليم عالية، وكان الشهر نيسان العبراني، فدخل بطرس بينهم ليصطلي. ونتعلم من هذا أنه من الخطر على تلاميذ المسيح أن يخالطوا أعداءه، ولو لأسباب جائزة بنفسها.
    جَارِيَةٌ أي إحدى إماء قصر رئيس الكهنة وهي البوابة (مرقس ١٤: ٦٦ ويوحنا ١٨: ١٧)
    وَأَنْت أي أنا أعرف أن يوحنا تلميذ يسوع (١٨: ١٦) ولابد أنك أنت كذلك. وهذه الجارية سألت بطرس قبل هذا أو بعده قائلة «أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ تَلاَمِيذِ هذَا الإِنْسَانِ؟» (يوحنا ١٨: ١٧).
    ٧٠ «فَأَنْكَرَ قُدَّامَ ٱلْجَمِيعِ قَائِلاً: لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ».
    فَأَنْكَرَ هذا إنكاره الأول وكانت علتهُ حياؤه وخوفه، كما أن إيمانه بالمسيح ضعُف وهو يرى المسيح ضعيفاً كل الضعف عند القبض عليه. ولعله قال في نفسه: إقراري بالمسيح يضرني ولا يفيده.
    لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ هذا تجاهل أظهر به أعظم الاستغراب من اتهامها إياه أنه من تلاميذ يسوع، وزاد على هذا قوله «لست أنا» (يوحنا ١٨: ١٧). وقوله «لَسْتُ أَعْرِفُهُ يَا امْرَأَةُ!» (لوقا ٢٣: ٥٧).
    ٧١ «ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى ٱلدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ: وَهٰذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ ٱلنَّاصِرِيِّ».
    وخَرَجَ إِلَى ٱلدِّهْلِيزِ اعتزل بطرس ضوءَ النار وذهب إلى ظلمة الدهليز ليتجنب التفاتهم وأسئلتهم، فإنه خاف على حياته. ولا شكَّ أن ضميره كان يؤنبه ويزيده خوفاً.
    قال مرقس إنه في أثناء ذلك صاح الديك أول مرة (مرقس ١٤: ٦٨) ولم يكن ذلك الهزيع المعروف عندهم «بصياح الديك» لأن ذلك كان قرب الفجر، وإنكار بطرس الأول كان في بدء محاكمة يسوع نحو نصف الليل أو بعده بقليل.
    رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَت الخ يظهر من قول مرقس أن الجارية الأولى أخبرت الجارية الثانية بظنها أن بطرس من تلاميذ المسيح بقولها «إن هذا منهم» (مرقس ١٤: ٦٩) وإن الجارية الثانية قالت ذلك أمام آخرين. ويظهر مما قال لوقا ويوحنا أن آخرين صدقوها بالخبر والاستفهام (لوقا ٢٢: ٥٨ ويوحنا ١٨: ٢٥).
    ٧٢ «فَأَنْكَرَ أَيْضاً بِقَسَمٍ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ ٱلرَّجُلَ».
    فَأَنْكَرَ أَيْضاً هذا إنكاره الثاني.
    بِقَسَمٍ أتى ذلك إثباتاً لصدق ما قال ودفعاً للريبة والشبهة عنه. فنرى من ذلك أن سقوط بطرس كان متسارعاً منذ بدئه، وقد نسي ما قاله المسيح عن خطية الحلف (متّى ٥: ٣٤) وزاد ذلك الإثم على كذبه.
    إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ ٱلرَّجُلَ هذا قوله للجارية، وأما ما خاطب به الآخرين الذي صدَّقوها بسؤالهم فقوله «لست أنا» (يوحنا ١٨: ٢٥).
    ٧٣ «وَبَعْدَ قَلِيلٍ جَاءَ ٱلْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: حَقّاً أَنْتَ أَيْضاً مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ».
    قضاة ١٢: ٦ ولوقا ٢٢: ٥٩
    وَبَعْدَ قَلِيلٍ أي بعد نحو ساعة (لوقا ٢٢: ٥٩). وفي تلك المدة كان بطرس قد رجع من الدهليز إلى النار (يوحنا ١٨: ٢٥).
    ٱلْقِيَامُ وَقَالُوا كان بين أولئك القيام نسيب ملخس الذي قطع بطرس أذنه (يوحنا ١٨: ٢٦).
    لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ أرادوا بذلك أن لهجته تدل على أنه جليلي. ومن جملة ما يميز أهل الجليل عن أهل اليهودية أن الجليليين كانوا يفرقون في نطق السين والثاء. والمسيح قضى أكثر الوقت في الجليل فلذلك سُمِّي جليلياً. وكان أكثر تلاميذه الأولين من هناك، فنسبوا كل تلاميذه إلى الجليل (مرقس ١٤: ٧٠ ولوقا ٢٢: ٥٩ وأعمال ٢: ٧).
    ٧٤ «فَٱبْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: إِنِّي لاَ أَعْرِفُ ٱلرَّجُلَ! وَلِلْوَقْتِ صَاحَ ٱلدِّيكُ».
    يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ أي يسأل الله أن يعاقبه إن كان كاذباً. ولعل القسم هنا كان أشدَّ مما سبقه من أقسام.
    إِنِّي لاَ أَعْرِفُ ٱلرَّجُلَ! هذا إنكاره الثالث. ولم يظهر في هذه الحادثة إن كان ثلاثة أشخاص اتهموا بطرس، ولم يظهر أنه دفع التهم بثلاثة أجوبة فقط، بل الأرجح أن الذين اشتركوا فيها كثيرون، وأنه كرر الإنكار بأقوال مختلفة متوالية في وقت قصير بدليل تنوع أنباء الإنجيليين الأربعة. والأمر الجوهري إن بطرس أُتهم ثلاث مرات متميزة، وأنه أنكر المسيح ثلاث مرات كذلك. والأرجح أنه في كل مرة من هذه الثلاث كانت الاتهامات من الحاضرين كثيرة ومتنوعة، وكانت إنكاراته كذلك. فذكر بعض البشيرين بعضها وذكر البعض بعضاً آخر. ومما يقوي ذلك أنه يبعد عن الظن أن لا يكون في مدة الساعات الثلاث التي جرت فيها المحاكمة وبطرس بين أعداء المسيح سوى ثلاثة أسئلة وثلاثة أجوبة. والخلاصة أن عدد مرات السؤال والجواب كانت ثلاثة كما ذُكر، ولكن الأسئلة والأجوبة في كلٍ منها كانت متعددة.
    صَاحَ ٱلدِّيكُ أشار متّى بذلك إلى صياح الديك المعتاد في مثل ذلك الوقت، ولذلك سُمي الهزيع الثالث «صياح الديك» وأوله الساعة الثالثة بعد منتصف الليل (مرقس ١٣: ٣٥) ولم يلتفت متّى إلى عدد مرات ذلك الصياح، ولكن مرقس ذكر أن هذا الصياح هو الصياح الثاني (مرقس ١٤: ٧٢). فالظاهر أن بطرس لم ينتبه إلى الصياح الأول ولم يتأثر به.
    ٧٥ «فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ ٱلَّذِي قَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ ٱلدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرّاً».
    ع ٣٤ ومرقس ١٤: ٣٠ ولوقا ٢٢: ٦١، ٦٢ ويوحنا ١٣: ٣٨
    فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ صاح الديك أمرٌ زهيد في نفسه ولكن الروح جعله واسطة لتنبيه ضمير بطرس. وقال لوقا «إنه عندما صاح الديك التفت المسيح ونظر إلى بطرس» (لوقا ٢٢: ٦١). والأرجح أن ذلك كان عند نهاية المحاكمة وتسليم يسوع إلى الشرطة ليهزأوا به قبل أن غطوا وجهه. وقصد المسيح بنظره إلى بطرس حينئذٍ أربعة أمور:

    • أن يذكره بإنبائه له أنه سينكره، ووعد بطرس له بالثبات.
    • إظهار حزنه على أن أحد أحبائه أنكره.
    • تبكيت بطرس لتنبيه ضميره.
    • إظهار شفقته على بطرس ومحبته له. ولم يكن في تلك النظرة شيءٌ من الغضب. وتأثير صياح الديك مع نظر يسوع ذكَّر بطرس بالحوار السابق بينه وبين المسيح (ع ٣٣ - ٣٥) وأقنعه بفظاعة إثمه وقاده إلى التوبة.


    خَرَجَ إِلَى خَارِجٍ الخ لم يكن خروجه هرباً من الخطر، بل لفرط حزنه الذي حبَّب إليه الانفراد. وبكى لخجله وأسفه على ما كان من ضعفه وخوفه وكفره بالنعمة، وإثمه بأنه أنكر المسيح بأقسام بعد افتخاره بشجاعته وثباته. والحق أن إثمه كان عظيماً جداً لأنه ارتكبه بعد أن كان تلميذاً للمسيح ثلاث سنين، سمع أثناءها تعاليمه وشاهد معجزاته، وكان واحداً من الثلاثة المتميِّزين على غيرهم، وتعشى معه منذ بضع ساعات، وسمع تحذيره له من هذا الإثم، ووعده قائلاً «ولو متُّ معك لا أنكرك». وكانت دواعي هذا الإنكار قليلة لأن أحداً لم يهدده ولا اعتدى عليه. وشاهد يوحنا هناك، ويوحنا معروف أنه من تلاميذ المسيح، ولم يصبه شيءٌ.. غير أن أسف بطرس لم يكن كأسف يهوذا، لأن أسف يهوذا كان أسف اليأس، وأسف بطرس أسف التوبة الحقيقية. والدليل على ذلك انفراده وشدة ندمه ودوام تأثيره. فكانت توبته كتوبة داود (مزمور ٥١). فالفرق بين المرائي والمسيحي أن الأول يسقط ولا يقوم، والآخر يسقط ويقوم تائباً متواضعاً متجدد الحياة الروحية. وما قيل عن بطرس هنا آخر ما لنا من خبره إلى صباح يوم الأحد حين ذهب مع يوحنا إلى القبر.
    وفي هذه الحادثة خمس فوائد:

    • ضعف الإنسان في عمل الصلاح. فبطرس الرسول رفيق المسيح سقط، والذي كان أول معترف أن المسيح ابن الله صار أول منكرٍ أنه يعرف الرجل. والذي سُمي بالصخرة ظهر في وقت التجربة أنه قصبة مرضوضة. فمن من الناس يستطيع أن يتكل على نفسه؟ إن أشد العزم وكثرة النذور لا يكفلان الإنسان من السقوط ساعة التجربة.
    • إذا دخل المسيحي بين أعداء المسيح ولم يُعلن أنه من أصحابه يُخشى عليه بعد قليل أن يُعتبر من أعدائه.
    • خطوة واحدة في سبيل الإثم تقود إلى ثانية، والثانية تقود إلى ثالثة، وهلم جراً، كما كان من أمر بطرس. فخطوته الأولى كانت الاتكال على ذاته كما ظهر من قوله «إن شك فيك الجميع فأنا لا اشك أبداً». والثانية الكسل الروحي، فإن المسيح أمره أن يسهر ويصلي فنام. والثالثة أنه ترك المسيح وهرب خوفاً. والرابعة معاشرته الأشرار دون أن يضطره أحدٌ لذلك. وهذه الخطوة قادته إلى الخامسة، وهي إنكار المسيح ثلاث مرات باللعن والحلف.
    • يُظهر السلوك بعد التوبة الحقيقية صدق التوبة وعمقها. والسلوك هو الشرط الضروري لنوال المغفرة لا سببه، لأن سببه هو دم يسوع وشفاعته.
    • المسيحي الحقيقي عرضة للسقوط في الخطية كغيره من الناس، لكنه لا يخطئ عمداً بارتكاب ما يعلم إنه خطية. ومتّى سقط في شيء من ذلك تاب وعاد إلى مقاومة الإثم.



    الأصحاح السابع والعشرون


    ١ «وَلَمَّا كَانَ ٱلصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ ٱلشَّعْبِ عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ».
    مزمور ٢: ٢ ومرقس ٢٢: ٦٦ و٢٣: ١ ويوحنا ١٨: ٢٨
    وَلَمَّا كَانَ ٱلصَّبَاحُ أي صباح يوم الجمعة. قال لوقا في ذلك «ولما كان النهار» (لوقا ٢٢: ٦٦) والأرجح أنهما أرادا وقت شروق الشمس.
    جَمِيعُ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ ٱلشَّعْبِ نفهم مما قاله مرقس ولوقا أن هذا الاجتماع كان اجتماع مجلس السبعين، وهو غير الاجتماع الذي كان ليلاً (مرقس ١٥: ١ ولوقا ٢٢: ٦٦) ونفهم من قوله «جميع» أكثر أعضاء المجلس، لأننا نعلم أن بعض الأعضاء لم يوافقوا الآخرين على مقاصدهم في أمر المسيح (لوقا ٢٣: ٥٠، ٥١). والأرجح أن هذا الاجتماع كان في أحد أروقة الهيكل، لأنه مكان الاجتماع القانوني. وقال لوقا إنهم أصعدوه (أي من دار رئيس الكهنة) إلى مجمعهم.
    حَتَّى يَقْتُلُوهُ لم يذكر متّى وقوف المسيح أمام هذا المجمع وما جرى في المحاكمة، ولكن لوقا ذكر ذلك بالتفصيل (لوقا ٢٢: ٦٦ - ٧١). وهذه وقفة ثالثة وقفها المسيح أمام رؤساء اليهود فالأولى كانت أمام حنان، والثانية أمام قيافا، والثالثة التي ذُكرت هنا. وكانت لهم في هذا الاجتماع غايتان:
    الأولى: جعل ما حكموا به ليلاً شرعياً، لأن التلمود يقول إن الحكم بقتل المذنب لا يكون شرعياً ما لم يكن نهاراً، وإنه لا يجوز امتحان ذلك المذنب والحكم عليه في جلسة واحدة.
    الثانية: الاتفاق على أي طريق يرفعون بها الدعوى إلى بيلاطس ليحملوه على أن يحكم عليه بالموت.
    ويستنتج مما جرى بعد ذلك أنهم اتفقوا على ثلاثة أمور:

    • الأول: أن يسألوا بيلاطس أن يُجري حكمهم بقتل يسوع بلا سؤال (يوحنا ١٨: ٣٠)
    • والثاني: فإذا لم يسلم بيلاطس بذلك اشتكوا على يسوع بأنه ادَّعى أنه ملك اليهود، فعصى قيصر، وقاد غيره إلى العصيان، بدليل سؤال الوالي له: «أأنت ملك اليهود؟» (ع ١١) وقولهم لبيلاطس «إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ، قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ» (لوقا ٢٣: ٢).
    • والثالث: إن لم ينجحوا في الأمرين الأول والثاني، اشتكوا عليه أنه ادَّعى أنه ابن الله (يوحنا ١٩: ٧) وذلك تجديف يستحق مرتكبه القتل، بموجب ناموسهم. ولكن النتيجة كانت أن بيلاطس لم يسلم لهم بالأمر الأول، وبرَّأه بعد الفحص من الأمر الثاني (لوقا ٢٣: ٤، ١٤، ١٥، ٢٢) ورأى أن الأمر الثالث ليس جنايةً عند الرومان. فلم يبق لهم إلا أن يرجعوا إلى الأمر الثاني وهو دعواهم أنه خان قيصر، فألزموا بيلاطس على غير إرادته أن يحكم عليه بالموت (يوحنا ١٩: ١٢، ١٥) فإذاً المسيح قُتل بدعوى لم يحكم بها مجمع السبعين.


    ٢ «فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ ٱلْبُنْطِيِّ ٱلْوَالِي».
    متّى ٢٠: ١٩ ويوحنا ١٨: ٣١ وأعمال ٣: ١٣
    أَوْثَقُوهُ الظاهر أنهم حلوا وثاقهُ لما أتوا به إلى الهيكل، لأنهم أتوا به موثقاً من البستان (يوحنا ١٨: ١٢) وذهبوا به كذلك من عند حنان إلى قيافا (يوحنا ١٨: ٢٤).
    وَمَضَوْا بِهِ وهم جمهور وافرٌ ليلقوا الرعب في قلوب أصحاب المسيح، لئلا يخلّصوه منهم، ليوهموا بيلاطس أن الذي جاءوا به إليه ارتكب ذنباً فظيعاً.
    وَدَفَعُوهُ لكي يحكم عليه بالقتل كجانٍ مستوجب الموت، فأرادوا أن يجعلوا الوالي آلة يجري مقاصدهم، لأن الرومان لم يسمحوا لهم بتوقيع عقوبة الموت (يوحنا ١٨: ٣١). (وكما جاء في تاريخ يوسيفوس المؤرخ اليهودي) وتسليمهم بذلك شهادة على صحة مجيء المسيح حقيقة، بدليل قول رئيس الآباء يعقوب: «لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ» (تكوين ٤٩: ١٠). فكان يجب أن ينتبهوا لذلك. وحصلوا بدفع يسوع إلى بيلاطس على شيء من مرماهم، وهو أنه نُقل من أيديهم إلى أيدي الرومان قبل أن يسمع أصحابه بالقبض عليه، فيعجزون عن الدفاع عنه.
    بِيلاَطُسَ كان أرخيلاوس بن هيرودس الكبير آخر ملك على اليهودية. نُفي من حكمه سنة ٦م، ومن ذك الوقت أخذ قيصر يقيم الولاة على اليهودية. وكان بيلاطس سادس والٍ على اليهودية عيَّنه طيباريوس قيصر، فتولى حكم اليهودية عشر سنين من ٢٧ - ٣٦م. وتولى ٦ سنوات قبل صلب المسيح وأربعاً بعده. وكان قاسياً (لوقا ١٣: ١) ظالماً سريع التقلب، عصيه اليهود مراراً، وسفك دماء كثيرين إخماداً لفتنهم، فأبغضوه أشد البغض وشكوه مراراً لقيصر. على أنه كان بصيراً في بيان الحق والعدل، لكن لم تكن له قوة أدبية ليحامي عن الحق عند المقاومة. فكان يكره اليهود ويبغضهم، لكنه خاف أن يشكوه للإمبراطور. وعُزل من ولايته في نحو الوقت الذي عُزل فيه قيافا من كهنوته. وكان مقام الوالي غالباً في قيصرية على شاطئ بحر الروم (أعمال ٢٣: ٣٣ و٢٥: ١ و٤: ٦، ١٣). ولكنه كان يذهب إلى أورشليم في أيام الأعياد العظيمة ليمنع الشغب والتشويش ويجري الأحكام. وكان منزل الوالي في أورشليم في القصر الذي يُسمى قصر هيرودس الكبير على جبل صهيون.
    ٣ «حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا ٱلَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ ٱلثَّلاَثِينَ مِنَ ٱلْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخِ».
    متّى ٢٦: ١٤، ١٥
    رَأَى يَهُوذَا... أَنَّهُ قَدْ دِين لا يظهر من قول متّى في أي وقت حدث ما أتاه يهوذا هنا، ولعل ذلك كان بعد أن عرف أنه حُكم على يسوع في بيت قيافا وأُتي به إلى الهيكل لإثبات الحكم عليه شرعاً، فتبعهم يهوذا إلى هناك ودخل الهيكل وتكلم مع الكهنة قبلما ذهبوا بالمسيح إلى بيلاطس، وبقي بعضهم هناك، ورجع البعض إلى الهيكل.
    نَدِمَ لا بدَّ أن يهوذا عرف قبل أن سلَّم سيده أن دينونته ستكون نتيجة ذلك التسليم إلى أعدائه، ولكنه لم يندم إلا بعد وقوع النتيجة. ومعنى ندمه هنا تغير مشاعره، فلم يفرح بعد ذلك بما كسبه من الفضة بتسليم ربه، فبقي طمعه إلى ذلك الوقت حجاباً على عينيه حتى لم يرَ فظاعة خيانته. لكن لما حصل على بغيته لم يستطع سروره بها أن يغطي عينيه. ولم يكن ندمه عند ذاك توبة حقيقية وإلا لحمله على طلب المغفرة فينالها. والتوبة الصحيحة تقود المذنب إلى المسيح، ولكن ندمه أبعده عنه. وهي تقود إلى حياة الطهر، وذاك قاده إلى زيادة الإثم لأنه زاد على خيانته بأن قتل نفسه. وكان ندمه كندم قايين وشاول الملك، منتجاً لليأس والعذاب. فعندما وبخهُ ضميره وشعر بالنتائج المرعبة التي جلبها على نفسه، اتخذه إبليس آلة اختيارية له لإتمام مقاصده، ثم تركه بلا تعزية وبلا رجاء. وهكذا تنفتح عينا كل من كان خاطئاً عاجلاً أو آجلاً، فيرى فظاعة خطيته ومرارة نتائجها بعد مرور فرص التوبة (أمثال ١: ٢٦ - ٢٨، ٣١) ومما ذُكر من أمر يهوذا نعرف شيئاً من عذاب الضمير الذي يقع على خطاة الجحيم حيث دودهم لا يموت (مرقس ٩: ٤٤).
    رَدَّ ٱلثَّلاَثِينَ مِنَ ٱلْفِضَّةِ الأرجح أنه أخذ تلك الفضة حتى أُتي بالمسيح إلى دار رئيس الكهنة ليلاً، فجاء بالمبلغ الذي كان قد اشترط عليه (متّى ٢٦: ١٤) مما يدل على أنه هو كل الأجرة (وهي نحو ثلاث جنيعات ذهبية) لا عربونها كما ظن بعضهم. وردَّه تلك الأجرة يدل على أنه قصد الرجوع عن كل ما ارتكب من أمور خيانته، ويثبت أن الطمع كان علة تلك الخيانة.
    إن ما اختبره يهوذا في ما ذُكر اختبره كثيرون من الناس بعده، وهو أن بعض ما يتوقع الإنسان الحصول عليه يظهر ثميناً لذيذاً جميلاً، ولكنه يراه بعد الحصول عليه بلا قيمة لأن كل ربح العالم لا يشتري راحة الضمير.
    ٤ «قَائِلاً: قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً. فَقَالُوا: مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ».
    ١صموئيل ٢٥: ١٧، ٢٤ وأعمال ١٨: ١٥
    أَخْطَأْتُ اعترف بخطئه خيفة من نتيجته، لا شعوراً بفظاعته في ذاته.
    سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً أي دم إنسان بريء. ضميره هو الذي ألجأه إلى هذا الاعتراف، وبه دان نفسه وأوقع عليها اللعنة، لأنه مكتوب «مَلْعُونٌ مَنْ يَأْخُذُ رَشْوَةً لِكَيْ يَقْتُلَ نَفْسَ دَمٍ بَرِيءٍ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ» (تثنية ٢٧: ٢٥) وظن يهوذا بشهادته ليسوع بالبراءة أنه ينقض ما حكموا به عليه. إن ذلك الدم البريء لو التجأ إليه يهوذا بالتوبة الحقيقية والإيمان لكفَّر عن إثمه وأنقذه من الهلاك الأبدي. وكان له زميل هو اللص المصلوب الذي استنجد بالسيد حينما قال له «اذكرني يا رب متّى جئت في ملكوتك».
    وسيرة يهوذا توضح قول الكتاب «غَضَب الإِنْسَانِ يَحْمَدُكَ» (مزمور ٧٦: ١٠) فلا شك أنه سمح بدخول يهوذا الإسخريوطي بين الرسل ليؤدي هذه الشهادة ببراءة المسيح لأنه عاشره معاشرة متواصلة نحو ثلاث سنين. فلو رأى فيه شيئاً من العيب أو سمع منه أدنى كلمة شريرة لكان أول المخبرين بهما لكي يبرر نفسه أمام الآخرين ويسكت ضميره. فلو ذكر الكتاب أن أحد تلاميذ المسيح سلمه إلى الموت ولم يذكر شيئاً مما يتعلق بتبرئته، لاتخذ أعداء المسيحية ذلك دليلاً على أنه خادع. ولو كانت الشهادة بطهارة المسيح وبره من أصدقائه فقط لاتخذ الأعداء ذلك حجة لرفض دينه. فباعتراف يهوذا سُدَّت أفواه المعترضين.
    مَاذَا عَلَيْنَا؟ أي حصلنا على مطلوبنا فلا يهمنا شيء آخر. وفي هذا أربعة أمور:

    • الأول: إن رؤساء الكهنة لم يبالوا بندم يهوذا شيئاً. ولو اهتموا به ما استطاعوا إزالته وإراحة ضميره.
    • الثاني: إن قساوة قلوب أولئك الرؤساء كانت في غاية الغرابة، إذ لم يبالوا سوى بالقبض على المسيح وقتله، ولم يلتفتوا إلى ذلك البرهان الجديد على براءة المسيح فقد قصدوا أن يقتلوه، بريئاً كان أم مذنباً.
    • الثالث: إن الذين يتخذهم الأشرار آلة لإجراء مقاصدهم الشريرة لا يجدون ممن اتخذوهم شفقة أو تعزية أو نجاة في وقت البليَّة وسوء العواقب. وصداقة الأشرار لا فائدة منها.
    • الرابع: الإثم يكون في قبضة الإنسان قبل أن يرتكبه، ولكنه متّى ارتكبه خرج من سلطانه. ولو ندم واعترف به، وردَّ ما ربحه بواسطته، فلا يمكنه أن يرد الأمر إلى ما كان عليه. فبعد ندَم يهوذا وكل ما نتج عنه لم يزل المسيح موثقاً ويهوذا خائناً.


    إن المسيحي الحقيقي عرضة للسقوط في الخطية كغيره من الناس لكنه لا يخطئ عمداً بارتكاب ما يعلم أنه خطية، ومتّى سقط فربما تاب وعاد إلى مقاومة الإثم. وحديث سقوط بطرس مما يزيد ثقتنا بصدق الإنجيل. فلو كان الإنجيل من تصورات البشر وتأليفهم لم يذكر مثل ذلك لمن كانوا أول أنصار الدين والمبشرين به. والواقع إننا نقرأ هذا الحديث في البشائر الأربع مع أن الذي أوضح ذلك الخبر أكثر من سائر الإنجيليين هو مرقس الذي كتب إنجيله بإرشاد بطرس نفسه.
    أَنْتَ أَبْصِرْ أي نحن أعطيناك أجرتك وانتهى أمرنا معك. فإن كنت قد سلمت دماً بريئاً فأنت المطالب، فلا نرفع عنك المسؤولية ولا نشاركك فيها. ولو قبل رؤساء الكهنة قوله اعترافاً له بإثمه وحلوه منه لبقي عليه كما كان. وهذا هو المثال الوحيد في الكتاب المقدس لاعتراف بشرٍ لبشر، وهو بلا فائدة. ومثله سائر اعترافات الإنسان لغيره من الناس سواء قالوا «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» أم قالوا «نحن نحلُّك». ولكنه لو اعترف للمسيح بدلاً من أن يعترف لأولئك الرؤساء لغفر لهُ.
    ٥ «فَطَرَحَ ٱلْفِضَّةَ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَٱنْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ».
    ٢صموئيل ١٧: ٢٣ وأعمال ١: ١٨
    فَطَرَحَ ٱلْفِضَّةَ فعل ذلك لأن ما رغب فيه في أول الأمر كرهه في نهايته.
    فلو أمكنه أن يطرح ذنب الخيانة عن نفسه بطرحه الفضة من يديه لأصاب بما عمل. فالخاطئ الذي لا يغفر المسيح له لا بد من أن يأخذ أجرة خطيته، وهي الحزن واليأس والموت، لأن الذي يزرع للجسد فمن الجسد يحصد فساداً. وأمثلة ذلك عخان وجيحزي وحنانيا وسفيرة ويهوذا. ونتعلم من هذا أنه مهما ربح الإنسان من الخطية اختلاساً من الناس بالخداع، أو اختلاساً من الله بتدنيسه يومه، ففرحه بذلك الربح لا يساوي حزنه من توبيخات ضميره، وذلك وفق قول الحكيم «كُنُوزُ الشَّرِّ لاَ تَنْفَعُ» (أمثال ١٠: ٢).
    فِي ٱلْهَيْكَلِ أي مكان في الهيكل، وهو إما محفلهم هناك قبل انصرافهم وذهاب بعضهم إلى بيلاطس مع يسوع وبقاء البعض في الهيكل لأجل الخدمة. والأرجح هو الأخير.
    وَٱنْصَرَفَ من الهيكل ومن المدينة.
    وَخَنَقَ نَفْسَهُ لأنه شعر بأن حياته حملٌ لا يطاق فإنه أملَ أن يستريح بطرح الفضة، فلم يجد راحة. فرأى بعد ذلك أن يقتل نفسه بغية الراحة، وخاب أيضاً، لأنه لا ملجأ من اليأس إلا جنب المسيح المطعون. والقبر ليس ملجأ من ذلك. وقصة يهوذا تذكرنا بقصة شاول الملك خاصة في ندامته بعد أوانها وفي قتله نفسه (١صموئيل ١٥: ٣٠).
    ذكر متّى هنا أن يهوذا خنق نفسه ولم يذكر شيئاً من أحوال ذلك. وأما بطرس فقال في مخاطبته التلاميذ بعد نحو أربعين يوماً «فإن هذا (أي يهوذا) اقتنى حقلاً من أجرة الظلم، وإذ سقط على وجهه انشقَّ من الوسط، فانسكبت أحشاؤه كلها» (أعمال ١: ١٨). ونستنتج من كل ما ذُكر أن يهوذا علَّق نفسه فوق مكان شاهق، فانقطع الحبل فهوى وكان ما كان. والظن أنه الجبل الذي هو عبر وادي هنوم جنوب أورشليم تجاه جبل صهيون.
    ٦ «فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ ٱلْفِضَّةَ وَقَالُوا: لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي ٱلْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ».
    لاَ يَحِلُّ هذا مبنيٌ على ما جاء في شريعة موسى (تثنية ٢٣: ١٨) ولذلك كانوا لا يلقون في خزانة الهيكل شيئاً من المسكوكات الأجنبية، وفي الوقت ذاته كان ذلك ثمن دم اشتروه. ولما جاء الشاري يريد أن يبيعه لهم أبوا، فكانوا قساة في الناحيتين. وهكذا علقت بهم جريمة الصلب للأبد.
    فِي ٱلْخِزَانَةِ أي الصناديق الموضوعة في دار النساء (متّى ١٥: ٥) وكانوا يحسبون ما يُلقى فيها مقدساً، وسمّوه «قرباناً» أي «تقدمة لله». فرؤساء الكهنة قتلوا المسيح بلا شعور بالخطية، ودنسوا أنفسهم بدمه وهم يظهرون الخوف من ذنب زهيد، كوضع فضة يهوذا في الخزانة.
    ثَمَنُ دَمٍ أي أجرة قاتل إنسان، وهي هنا الفضة التي أعطوها ليهوذا ليسلم المسيح.
    ٧ «فَتَشَاوَرُوا وَٱشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ ٱلْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ».
    فَتَشَاوَرُوا أي أعضاء المجلس، وكان موضوع مؤامراتهم: ماذا يفعلون بالفضة التي ردها يهوذا، ولعلهم فعلوا ذلك بعد صلب يسوع بقليل.
    حَقْلَ ٱلْفَخَّارِيّ هو أرض تُعرف بهذا الاسم. والأرجح أنها سميت كذا لأن الخزافين قديماً كانوا يأخذون منها التراب لعمل الفخار. وإذا أخذ من الأرض ترابها لا تبقى صالحة للزراعة فتُباع رخيصة.
    مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ الأرجح أن هؤلاء الغرباء ليسوا من الأمم، لأنه لم يكن من مسؤوليات رؤساء الكهنة أن يُعدوا مقبرة لهم. فهي لغرباء اليهود من دخيل أو أصيل إذا مات في أورشليم فقيراً أو مخذولاً. ويحتمل أن يهوذا أول من دُفن هناك، ولذلك قيل إنه «اقتنى حقلاً» (أعمال ١: ١٨).
    ٨ «لِهٰذَا سُمِّيَ ذٰلِكَ ٱلْحَقْلُ «حَقْلَ ٱلدَّمِ» إِلَى هٰذَا ٱلْيَوْمِ».
    أعمال ١: ١٩
    حَقْلَ ٱلدَّمِ أي الذي اشتُري بثمن الدم.
    هٰذَا ٱلْيَوْمِ أي الوقت الذي كتب فيه متّى إنجيله وهو نحو عام ٦٠م.
    ٩ «حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا ٱلنَّبِيِّ: وَأَخَذُوا ٱلثَّلاَثِينَ مِنَ ٱلْفِضَّةِ، ثَمَنَ ٱلْمُثَمَّنِ ٱلَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ».
    حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ الذي فعله رؤساء الكهنة بدون قصد كان إتماماً لنبوة رآه متّى متمماً لبعض نبوات العهد القديم.
    بِإِرْمِيَا ٱلنَّبِيِّ ما ذكره متّى اقتبسه معنى لا لفظاً، وهو من زكريا لا من إرميا (زكريا ١١: ١٣). ظن بعضهم أن متّى اقتصر على ذكر «النبي» دون اسمه كما هو في الترجمة السريانية وبعض النسخ اليونانية. والذي يؤيد هذا أن متّى اقتبس من زكريا ثلاث مرات غير هذه، ولم يذكر اسمه (متّى ٢١: ٥ و٢٦: ٣١ و٢٧: ٩، ١٠). وإن بعض الكتبة أدخل اسم إرميا بناءً على ما قيل في (متّى ١٨: ٢ - ٦) منه.
    وظن آخرون أن متّى نفسه كتب اسم زكريا مختصراً، أي أشار إليه بالحرفين الأولين من اسمه في التهجئة اليونانية، والفرق بينهما وبين الحرفين الأولين من إرميا في تلك اللغة زهيد فغلط الكاتب بالنسخ. وكان الاختصار المذكور شائعاً يومئذٍ كما هو شائع الآن.
    وظن غيرهم إن سفر إرميا كان اسماً لمجموع النبوات في كتاب واحد، لأنه كان أول ذلك المجموع في كتبهم القديمة. والترتيب المعروف هو ترتيب السبعين الذين ترجموا العهد القديم إلى اليوناني. والظاهر أن الأول هو الأرجح.
    وَأَخَذُوا ٱلثَّلاَثِينَ الخ الثلاثون من الفضة في كلام النبي زكريا هي أجرته من الشعب لممارسة وظيفته بينهم. وهذا المبلغ كان ثمن عبدٍ، فلذلك كان تأدية هذه الأجرة له وهو نبي الله إهانة لله. وأمر النبي أن يلقيها للفخاري علامة للرفض قائلاً «الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ» (زكريا ١١: ١٣). ولا شك أن الكلام المذكور يخبر بما جرى على المسيح، لأن زكريا النبي ذكر أنه كان بمنزلة راعٍ، والراعي رمزٌ إلى المسيح الذي هو الراعي الصالح لشعب الله. والثمن الزهيد الذي أُعطي لزكريا (وهو ثمن أرض) كالثمن الزهيد الذي أعطاه الرؤساء من دم المسيح. والفضة التي ردها النبي إشارة إلى تلك التي ألقاها يهوذا في الهيكل وأبى الرؤساء أن توضع في الخزانة. وإلقاء النبي تلك الفضة في هيكل الرب إلى الفخاري يشبه شراء الرؤساء حقل الفخاري بالفضة التي ألقاها يهوذا في الهيكل.
    ١٠ «وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ ٱلْفَخَّارِيِّ، كَمَا أَمَرَنِي ٱلرَّبُّ».
    زكريا ١١: ١٢، ١٣
    عَنْ حَقْلِ ٱلْفَخَّارِيِّ وفي كلام النبي أنها أُلقيت إلى الفخاري ثمن حقله.
    كَمَا أَمَرَنِي ٱلرَّبُّ أشار بذلك إلى قوله في الأصل «فَقَالَ لِي الرَّبُّ: أَلْقِهَا» (زكريا ١١: ١٣).
    ١١ «فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ ٱلْوَالِي. فَسَأَلَهُ ٱلْوَالِي: أَأَنْتَ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ؟ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ تَقُولُ».
    مرقس ١٥: ٢ ولوقا ٢٣: ٣ ويوحنا ١٨: ٣٣ ويوحنا ١٨: ٣٧ و١تيموثاوس ٦: ١٣
    فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ ٱلْوَالِي هذا وقوف المسيح الرابع للمحاكمة. وكان أول وقوف له أمام والٍ، ووقف بعده مرتين أمامه. وحكم بيلاطس ثلاثاً بأنه بريء. واجتهد ثلاثاً في أن يطلقه. ورفض اليهود إطلاقه ثلاثاً وطلبوا موته. والمكان الذي وقف فيه كان قصر هيرودس الذي كان يقيم فيه الوالي في أورشليم، وكان على جبل صهيون يوصل بينه وبين الهيكل قنطرة. وكان وقت إتيانهم إلى الوالي نحو ساعة بعد شروق الشمس. وذكر يوحنا بالتفصيل ما تركه متّى واختصره. فنعلم مما قاله يوحنا أن رؤساء الكهنة خاطبوا الوالي خارجاً ولم يدخلوا القصر خيفة أن يتنجسوا به، لأن الوالي من الأمم فلا بد من أن يكون في قصره شيء من الخمير، فلو دخلوا تنجسوا ولم يمكنهم أن يأكلوا من الولائم المقدسة المختصة بالفصح وبقيت سبعة أيام! وخرج بيلاطس واستقبلهم خارجاً (يوحنا ١٨: ٢٩) وسألهم أي شكاية لهم على يسوع. فأجابوه بأول الأمور الثلاثة التي اتفقوا عليها، وسألوه أن يحكم على يسوع دون أن يذكروا له ذنباً وقالوا «لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ!» (يوحنا ١٨: ٣٠) لكن بيلاطس أبى أن يحكم عليه بناءً على هذه التهمة، وقال لهم «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ» (يوحنا ١٨: ٣١). فكأنه قال: أنا لا أحكم على أحد ما لم أعلم ذنبه، فأجروا أنتم ما تستطيعونه من الأحكام. فأبوا أن يفعلوا كما قال، لأنهم قصدوا قتل يسوع، وهم لا يستطيعون ذلك بموجب القانون الروماني، فخاب أملهم من هذا الأمر.
    أَأَنْتَ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ؟ هذا السؤال يدل على ماهَّية الشكوى الثانية على يسوع، وهي التهمة الثانية التي اتفقوا عليها، وهي ادعاؤهم أنه المسيح ملك اليهود، كما يتبين من سؤال بيلاطس ليسوع هنا (يوحنا ١٨: ٣٣) ومن قول لوقا «ابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ، قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ» (لوقا ٢٣: ٢) وظن الرؤساء أن بيلاطس ربما يخاف من التساهل بهذه القضية لأنها دعوة سياسية ودينية معاً، ولأنه علم أن اليهود كانوا ينتظرون ملكاً يحررهم من عبودية الرومان ويعيدهم إلى مجدهم القديم. فظنوا بيلاطس يتوهم أن يسوع يقصد ذلك ويحكم عليه خوفاً من الرومان وغيظاً منه. وفي هاتين الشكايتين لم يُذكر شيءٌ من أمر التجديف الذي حكموا عليه به في مجلسهم.
    وسأله بيلاطس «أأنت ملك؟» ليرى هل من شيءٍ في ادعائه المُلك ينافي حق الرومان أو يعرضه للخطر. فسأل يسوع بيلاطس قبل أن يجاوبه على سؤاله نفياً أو إيجاباً ما يلزم منه أن يبين بيلاطس له أي معنى قصد بالمُلك؟ أمعنى رومانياً سياسياً، أم معنى يهودياً روحياً؟ وهو قوله «أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟» (يوحنا ١٨: ٣٤ - ٣٧).
    أَنْتَ تَقُولُ أقر يسوع أنه ملك (١تيموثاوس ٦: ١٣) ولكنه فسَّر لبيلاطس أن ملكه روحي لا دنيوي بقوله «ملكوتي ليس من هذا العالم». وعلى ذلك لم يكن فيه شيءٌ مناف لحقوق قيصر (يوحنا ١٨: ٣٣ - ٣٨). فيسوع لم يصرح بأنه ملك إلا بعد أن وقع في أيدي أعدائه، لأنه أزمع أن يملك بواسطة الصليب. وأما صفات ملكوت المسيح فهي: (١) إن له سلطاناً على قلوب الناس. (٢) إن له سلطاناً على من يطيعونه باختيارهم. (٣) إنه يتأسس على موت المسيح. (٤) إن الروح القدس يصونه ويوسعه. (٥) إن شريعته مشيئة الله. (٦) إن سياسته كلها روحية. (٧) إن غايته مجد الله والحمل. (٨) إن نجاحه يتضمن تمجيد كل المفديين.
    وكانت نتيجة امتحان بيلاطس للمسيح أنه صرح بتبرئته الأولى بقوله «أنا لست أجد فيه علة واحدة» (يوحنا ١٨: ٣٨). فكان يجب عليه أن يطلقه حينئذٍ.
    ١٢ «وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ».
    متّى ٢٦: ٦٣ ويوحنا ١٩: ٦
    يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ هيَّجت تبرئة بيلاطس ليسوع غضب الرؤساء عليه، فرفعوا أصواتهم بشكايات مختلفة لم يذكرها متّى. لكن فهمنا بعضها من قول لوقا «كَانُوا يُشَدِّدُونَ قَائِلِينَ: إِنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئًا مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى هُنَا» (لوقا ٢٣: ٥).
    لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ هذا كان وفق نبوة إشعياء (إشعياء ٥٣: ٧) وقد ذكرها بطرس أيضاً (١بطرس ٢: ٢٣). وكانت علة سكوته معرفته أن اليهود صمموا على قتله، وأنه لا ينفعه شيءٌ من كل ما يمكنه قوله. وإنه شهد سابقاً للحق فلم تبقَ حاجة إلى ذلك حينئذٍ. وكانت شكايتهم كلها بلا إثبات ببراهين ولا شهود، فلم يحاول دفعها، لأنه لو دفعها جاءوا بغيرها كثيراً. وإذا اقتنع بيلاطس بأجوبته فليس له شجاعة أدبية على أن يطلقه.
    ١٣، ١٤ «١٣ فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟ ١٤ فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ ٱلْوَالِي جِدّا».
    متّى ٢٦: ٦٢ ويوحنا ١٩: ١٠
    فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ ظن بيلاطس أن المسيح يجيبه إذا لم يرد إجابة اليهود. ولكن كانت النتيجة واحدة، أي أن المسيح بقي ساكتاً. ولعل غاية بيلاطس من سؤاله هي الوقوف على علة جديدة يبنى عليها الحكم بعقابه أو بإطلاقه.
    كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟ سمَّى بيلاطس شكايات اليهود «شهادات» مع أنها كانت بلا إثبات. ولعل هذا كان من الأسباب التي حملت يسوع على السكوت، ليُظهر لبيلاطس أنه كان يجب عليه أن يطلب من المشتكين أن يثبتوا دعاويهم، ولا يسأل المشكو عليه ليدينه من اعترافه. وكانت الشكوى عليه أنه يهيج الشعب للعصيان . والبراهين على بطلان تلك الشكوى واضحة لا تحتاج إلى كلام، وهي سيرته المشهورة للناس واعتراضه على الذين أرادوا أن يصيروه ملكاً. وأنه ليس له أسلحة وجيش، ولم يقل كلمة تغري الناس بالعصيان.
    تَعَجَّبَ ٱلْوَالِي لأنه رأى يسوع جرى على خلاف عادة المشكو عليهم، ولا سيما المتهمون بإثارة العصيان على الدولة، فقد رفض الدفاع عن نفسه وهو عرضة للموت. والمتهمون بمثل ذلك يتوقع أن يكونوا قساة لا يخشون الكلام.
    وإذ كان بيلاطس محتاراً فيما يعمل، وسمعهم أثناء شكاويهم يرددون اسم «الجليل» (لوقا ٢٣: ٦) خطر على باله أنه يمكنه التخلص من هذه الدعوى بإرسال يسوع إلى هيرودس أنتيباس ملك الجليل، الذي كان وقتها في أورشليم ليعيِّد الفصح، فأرسله إليه ليحاكمه، وتبعه رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه. وفي هذا برهان على ضعف بيلاطس، فهو يتهرب من الحق، ويحاول أن يخفف عن ضميره بإحالة الشكاوى إلى هيرودس بزعم أنه يهودي فيمكنه الفصل في الأمر أكثر منه، لا سيما وأن يسوع كان تابعاً لسلطنة هيرودس.
    فسأله هيرودس مسائل كثيرة وهزأ به هو وعساكره، فبقي يسوع ساكتاً ولم يجبه بشيءٍ. وهذا وقوف يسوع الخامس للمحاكمة. فبرأه هيرودس برده إياه إلى بيلاطس بدون أن يحكم عليه بشيء (لوقا ٢٣: ٦ - ١٢، ١٥). وهذه تبرئة ثانية ليسوع شهد بيلاطس بها بقوله «ولا هيرودس أيضاً» (لوقا ٢٣: ١٥). وبعد رجوع يسوع من عند هيرودس دعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء إلى دار الاجتماع خارج الولاية (لوقا ٢٢: ١٣) وجلس على كرسي الولاية وهو كرسي يمكن نقله، كان يجلس عليه الولاة الرومان وقت القضاء الشرعي. وقال للشعب: «وَقَالَ لَهُمْ:«قَدْ قَدَّمْتُمْ إِلَيَّ هذَا الإِنْسَانَ كَمَنْ يُفْسِدُ الشَّعْبَ. وَهَا أَنَا قَدْ فَحَصْتُ قُدَّامَكُمْ وَلَمْ أَجِدْ فِي هذَا الإِنْسَانِ عِلَّةً مِمَّا تَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ.، وَلاَ هِيرُودُسُ أَيْضًا، لأَنِّي أَرْسَلْتُكُمْ إِلَيْهِ. وَهَا لاَ شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ صُنِعَ مِنْهُ» (لوقا ٢٣: ١٤ و١٥). وهذه تبرئتهُ الثالثة العلنية من أنه يهيج فتنة على قيصر (أعمال ٣: ١٣) وهذا يذكرنا بقصة بلعام الذي بارك إسرائيل ثلاث مرات بعد ما استأجره بالاق للعنة (عدد ٢٤: ١٠). فكان يجب على بيلاطس أن يطلقه حينئذٍ.
    ١٥ «وَكَانَ ٱلْوَالِي مُعْتَاداً فِي ٱلْعِيدِ أَنْ يُطْلِقَ لِلْجَمْعِ أَسِيراً وَاحِداً، مَنْ أَرَادُوهُ».
    مرقس ١٥: ٦ الخ ولوقا ٢٣: ١٧ ويوحنا ١٨: ٣٩.
    فِي ٱلْعِيدِ أي أسبوع العيد كله، لأن «العيد» اسم لذلك الأسبوع.
    يُطْلِقَ... أَسِيراً لم يُعلم زمن ابتداء هذه العادة ولا علتها، ولا بد من أن غايته كانت كرشوة لليهود ليتحملوا نير الرومان، فأطلقوا لهم في ذلك العيد الأسير الذي يريدونه تذكاراً لخروج بني إسرائيل من مصر.
    ١٦ «وَكَانَ لَـهُمْ حِينَئِذٍ أَسِيرٌ مَشْهُورٌ يُسَمَّى بَارَابَاسَ».
    كان هذا الإنسان أحد جماعة أثاروا فتنة على الرومان وقتلوا بعضهم (مرقس ١٥: ٧ ولوقا ٢٣: ١٩). فكان هذا الإنسان مرتكباً فعلاً ما اتهموا به يسوع كذباً، وكان فوق ذلك لصاً قاتلاً.
    ١٧، ١٨ «١٧ فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ ٱلَّذِي يُدْعَى ٱلْمَسِيحَ؟ ١٨ لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً».
    لَـهُمْ أي للمجتمعين في القصر من عامة الناس ليطلبوا إطلاق أسير حسب العادة (مرقس ١٥: ٨)
    بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ علم بيلاطس أن رؤساء اليهود سلموا يسوع حسداً، وأن العامة احترمته، فتحوَّل عن الرؤساء وسأل العامة آملاً أنهم يطلبون إطلاق يسوع فيتخلص من إلحاح الرؤساء في طلب قتله، لأنه كان يريد أن يطلق يسوع (لوقا ٢٣: ٢٠). فارتكب بيلاطس بهذا السؤال ذنباً عظيماً على يسوع إذ جعله مساوياً لقاتل مشهور بالشرور والمعاصي، وجعل البريء بموجب شهادته أثيماً محكوماً عليه بالموت. وأخطأ في ظنه أن الشعب يختار إطلاق محسنٍ كيسوع على إطلاق مسيء كباراباس.
    ١٩ «وَإِذْ كَانَ جَالِساً عَلَى كُرْسِيِّ ٱلْوِلاَيَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ٱمْرَأَتُهُ قَائِلَةً: إِيَّاكَ وَذٰلِكَ ٱلْبَارَّ، لأَنِّي تَأَلَّمْتُ ٱلْيَوْمَ كَثِيراً فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِه».
    جَالِساً لعلَّ ما يأتي حدث وهو ينتظر جواب الشعب على سؤاله.
    عَلَى كُرْسِيِّ ٱلْوِلاَيَةِ كان هذا الكرسي «فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ «الْبَلاَطُ» وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ «جَبَّاثَا» (يوحنا ١٩: ١٣). وهذا كان قدام القصر ليحضره اليهود ولا يتدنسون.
    أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ٱمْرَأَتُهُ إنه لأمر غريب أن تكون الوحيدة التي تكلمت كلمة حسنة في المسيح وابتغت إطلاقه من بيلاطس هي امرأة وثنية، مع أن تلاميذه تركوه، وجمهور أُمتِه صرخ قائلاً «اصلبهُ». ولعلها سمعت أخبار المسيح من خِدم بيتها أو من زائراتها.
    إِيَّاكَ وَذٰلِكَ لا ريب في أنه بلغها أخبار معجزات المسيح وقوته الغريبة، وتحققت أنه بار مما سمعته من أخباره، فخافت على زوجها وسائر العائلة من نقمة إلهية إن حُكم عليه.
    ٱلْبَارَّ هذه الشهادة من أغرب الأمور، وقد قدمتها امرأة بيلاطس تبرُّعاً.
    تَأَلَّمْتُ... فِي حُلْمٍ حَلِمت في الليلة البارحة حلماً أخافها كثيراً، ثم وجدت صور ذلك الحلم الهائل تتعلق بأمر الشخص الواقف أمام زوجها للمحاكمة. ومرادها باليوم الليلة الماضية لأنها كانت عندهم جزءاً من اليوم.
    اعتبر القدماء أن الأحلام إعلانات إلهية أكثر مما نعتبرها الآن. ومن غرائب الاتفاق أن تحلم بشخص لم تعرف من أمره شيئاً، ولم يكن قد قُبض عليه عند حلمها. ولا عجب أن الله الذي أرى فرعون وساقيه وخبازه وبختنصر وغيرهم من الوثنيين أحلاماً غير عادية، يُري تلك المرأة حلماً يحذر زوجها به من ارتكاب تلك الخطية الفظيعة.
    ٢٠ «وَلٰكِنَّ رُؤَسَاءَ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخَ حَرَّضُوا ٱلْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ».
    مرقس ٥: ١١ ولوقا ٢٣: ١٨ يوحنا ١٨: ٤٠ وأعمال ٣: ١٤
    كان اختيار إطلاق الأسير للشعب لا للرؤساء، فخاف الرؤساء أن يذهب كل جهدهم باطلاً ويخيب رجاؤهم إن اختار الشعب يسوع. فأسرعوا يخاطبون الشعب، واجتهدوا في أن يقنعوهم بأن يطلبوا إطلاق باراباس. ولعلهم قالوا للشعب إن باراباس محب للوطن وإن الرومان قبضوا عليه لأنه سعى في تحرير اليهود وحارب لأجل حقوقهم وإن يسوع جليلي (وأغلب اليهود يكرهون الجليليين) وأن مجلس السبعين حكم عليه بالموت. ومهما كان كلامهم فخلاصته مدح باراباس وذم يسوع. فلم يتركوا شيئاً من الوسائل التي حثهم عليها مكرهم وحسدهم وبغضهم وخبثهم.
    ٢١ «فَسَأَلَ ٱلْوَالِي: مَنْ مِنَ ٱلاثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ فَقَالُوا: بَارَابَاسَ».
    فَسَأَلَ ٱلْوَالِي كان ذلك بعد أن أعطاهم فرصة كافية للنظر في من يختارونه. وتلك الساعة كانت من أهم الساعات في تاريخ الأمة اليهودية، فيها يختارون يسوع مسيحاً وملكاً لهم، أو يرفضونه.
    مَنْ مِنَ ٱلاثْنَيْنِ أي يسوع أم باراباس.
    فَقَالُوا: بَارَابَاسَ اختاروا اللص القاتل ورفضوا الفادي الذي هو بلا عيب. وكان ذلك عمل الشعب والرؤساء معاً. وقد ذكر بطرس هذا في موعظته يوم الخمسين: «أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ، وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ.. وَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أَيْضًاً» (أعمال ٣: ١٤، ١٥، ١٧).
    ٢٢ «قَالَ لَـهُمْ بِيلاَطُسُ: فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ ٱلَّذِي يُدْعَى ٱلْمَسِيحَ؟ قَالَ لَهُ ٱلْجَمِيعُ: لِيُصْلَبْ!».
    فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ سؤال خطير للغاية، وهو سؤال للأجيال كلها لا لذلك الجيل وحده. وعلى الجواب يتوقف إخلاصنا للمبدأ السامي الذي اعتنقناه، ونريد أن نحيا ونموت من أجله.. في هذا السؤال تعجُّب وشيء من سؤال الشعب أن يعيدوا نظر الاختيار بين يسوع وباراباس. ولعله نتج عن أمله أن يطلبوا إطلاق الاثنين، فيكون له حجة لمقاومة الرؤساء وإطلاق يسوع بلا خوف من أن يشكوه إلى الإمبراطور. أو أنهم إذا لم يطلبوا إطلاقه طلبوا قصاصاً خفيفاً له يجريه عليه ويطلقه.
    ٱلَّذِي يُدْعَى ٱلْمَسِيحَ قال ذلك ترغيباً للشعب في إطلاقه. وكان عليه أن يسأل ضميره لا الشعب: ماذا يفعل بيسوع ويطرد اليهود كما طردهم الوالي غاليون عندما أتوا ببولس إلى كرسي الولاية (أعمال ١٨: ١٢ - ١٦). ولا بد أن يعرض هذا السؤال عينه على كل واحد منا في وقت من أوقات حياته، ويضطر أن يختار ماذا يفعل بيسوع: هل يقبله مخلصاً وحيداً أم يرفضه.
    لِيُصْلَب إذا قيل: لماذا طلب اليهود صلب يسوع وهذا العقاب ليس من وسائل معاقبات اليهود؟ ولم يطلبوا رجمه أو قتله بطريق أُخرى من طرق القتل المعتادة عندهم. قلنا: هذا لأن بيلاطس جعل يسوع بمنزلة واحدة مع باراباس، لأن الرومان حكموا على باراباس بالموت، فلو أُجري عليه الحكم لقتلوه صلباً. فلو طلبوا إطلاق يسوع لصُلب باراباس، ولكنهم طلبوا إطلاق باراباس فوقع الصلب على المسيح. ولعل الذين بدأوا يصرخون: «ليُصلب» هم الرؤساء، وتبعهم الشعب حالاً في ذلك، وكرر هؤلاء العبارة. على أي حالٍ لقد حثَّ الرؤساء الشعب (كما ذُكر في ع ٢٠). وغاية الرؤساء من صلب يسوع الذي هو أقبح طرق العقاب أمران: الأول التشفي من البغض. والثاني أن يجعلوا اسم المسيح مكروهاً إلى حدٍّ لا يلتفت فيه أحدٌ إلى دعواه. ولا بد أنه كان لله مقاصد في ذلك نفذوها هم بدون قصد إتماماً لإنباء المسيح (متّى ٢٠: ١٩ و٢٦: ٢ ويوحنا ٣: ١٤ و٨: ٢٨)، وتحقيقاً لنبوة إشعياء من أنه يكون محتقراً ومخذولاً من الناس (إشعياء ٥٣). والأرجح أن الذين صرخوا قائلين «ليُصلب» ليسوا هم الذين هتفوا منذ خمسة أيام قائلين «أوصنا» (متّى ٢١: ٨ ولوقا ١٢: ١٢، ١٣) على أنه يحتمل أن يكون منهم من اشترك في الأمرين. ولكنه من العجب أنه لم يصرخ أحد بين أولئك الألوف قائلاً: «ليُطلَق».
    ٢٣ «فَقَالَ ٱلْوَالِي: وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟ فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخاً قَائِلِينَ: لِيُصْلَبْ».
    فَقَالَ ٱلْوَالِي: وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟ هذا استفهام إنكاري معناه أن يسوع لم يعمل شراً. قال لوقا إنه سألهم ذلك ثلاث مرات. وذكر متّى أن الشعب طلب صلب يسوع ثلاث مرات. (ع ٢١، ٢٢، ٢٣) وذكر لوقا أن بيلاطس قال إنه لم يجد فيه علةً تستحق الموت، وأن هيرودس لم يجد ذلك أيضاً. ثم عرض عليهم أن يجلده أملاً أن يكتفوا بمشاهدة تعذيبه ثم يطلبون إطلاقه، فيكون قد خلصهُ من عقاب أعظم. وكان ذلك اعترافاً من بيلاطس بجُبنه وضعفه لأنه سمح بجلد إنسان حكم علناً بأنه بار. وقد ظلم بيلاطس المسيح ظلمين: الأول: مساواته بباراباس، والثاني التسليم بجلده كمذنب.
    لِيُصْلَبْ قصد بيلاطس بسؤاله أن يجيبوه ببيان ذنب يسوع، ولكنهم أجابوه بتكرار قولهم «ليُصلب» وهذا نتيجة عجزهم عن تبيين ذنب له، وإقرار بأنه لا ذنب عليه، وإلا فلو عرفوا له ذنباً لذكروه. وهذا تبرير آخر عند المحاكمة فوق ما سبقه من يهوذا، ومن بيلاطس، ومن امرأته. فهو لم يتألم لإثمٍ عليه، بل لآثام العالم.
    ٢٤ «فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئاً، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ ٱلْجَمْعِ قَائِلاً: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هٰذَا ٱلْبَارِّ. أَبْصِرُوا أَنْتُمْ».
    تثنية ٢١: ٦ - ٩
    يَحْدُثُ شَغَبٌ حدث الشغب في اليهودية مرات قبل ذلك، فأصاب بيلاطس لومٌ شديد من طيباريوس قيصر، فخاف أن زيادة هذا الشغب يجلب عليه لوماً أشد، ربما يسبِّب عزله. ومن العجب أن الرؤساء كانوا يخافون الشغب من القبض على المسيح، وأن اجتهاد بيلاطس في إطلاق المسيح كاد يكون علَّة الشغب، وكانت العلة لذلك لو لم يرجع عنه.
    أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ فعل هذا العمل كناية عن أنه بريء من كل ما يجرونه بعد ذلك على يسوع. وكان اليهود يفهمون المراد بذلك (تثنية ٢١: ٦ ومزمور ٧٣: ١٣). ولا نظن أن بيلاطس أخذ تلك الإشارة عن اليهود، لأنها مسألة منطقية. ولكن طلب بيلاطس أن يدفع المسؤولية عنه بذلك الفعل لا يجديه نفعاً. نعم إنه غسل يديه بالماء، ولكن ذلك لم يغسل قلبه من الذنب، وقد دان نفسه لأنه سلم إلى الموت من حكم ببراءته، وبأنه حاكم ضعيف يقضي بمقتضى صراخ الشعب بما هو خلاف اعتقاده. ففي عمله شهادة للمسيح، وعلى نفسه، وعلى اليهود. والمرجح أنه ظن أن الشعب يأبى أن يأخذ المسؤولية كلها على نفسه، ويرجع عن طلبه.
    إِنِّي بَرِيءٌ هذا القول لم يبرئه، لأنه لم يطلق المسيح.
    هٰذَا ٱلْبَارِّ دعاه باراً (كما دعته امرأته ع ١٩) وهو مزمع أن يسلمه إلى الموت ويُطلق بدلاً منه المذنب الشهير باراباس. وهذا شهادة لقول الرسول «إِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ... الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ» (١بطرس ٣: ١٨)
    أَبْصِرُوا أَنْتُمْ أي أن مسؤولية الحكم على هذا البار بالموت لا بد أن تقع على أحد، فأنا لا أحملها، فتكون عليكم بمعرفتكم واختياركم.
    ٢٥ «فَأَجَابَ جَمِيعُ ٱلشَّعْبِ: دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا».
    تثنية ١٩: ١٠ ويشوع ٢: ١٩ و٢صموئيل ١: ١٦ و١ملوك ٢: ٣٢ وأعمال ٥: ٢٨.
    دَمُهُ عَلَيْنَا أي إذا كان باراً يُعاقب أحدٌ بموته فذلك علينا. فلم ينجح بيلاطس في إنقاذ المسيح، لأن الشعب حمل كل مسؤولية موته طوعاً واختياراً. وهذا القول لم يخفف جرم بيلاطس من حكمه على المسيح، لكنه جعلهم شركاءه في ظلمه بذلك الحكم. وقولهم «دَمُهُ عَلَيْنَا» مبنيٌ على الشريعة القديمة. وهي أنه إذا شكا أحدٌ غيره كذباً وظهر كذبه عوقب بما كان يُعاقب به المشكو لو لم يظهر الكذب. وعلى هذه الشريعة حُكم على شكوى دانيال بطرحهم في جب الأسود، ووقع على أدوني بازق (قضاة ١: ٧) وحُكم على أجاج ملك عماليق (١صموئيل ١٥: ٣٣).
    وَعَلَى أَوْلاَدِنَا أي العقاب الذي يترتب على قتل يسوع إن كان بريئاً نأخذه ميراثاً لأولادنا كما أخذناه نصيباً لنا. على أنه لا حقَّ لهم أن يدعوا على لأولادهم بتلك النقمة الإلهية، لكنها أتت عليهم بعدالته، لأنه بعد ذلك بأربعين سنة هُدمت مدينتهم ونُقض هيكلهم ومات أكثر من مليون من أولادهم بالجوع والسيف، وصُلب ألوف منهم.
    قال يوسيفوس المؤرخ اليهودي «إنه لم يبقَ محل للصلبان للناس» وظل أغلب أولادهم متشتتين في العالم عرضة للإهانة والاضطهاد، حتى لم تحتمل أُمة تحت السماء ما احتملوه. ولم يخطر على بالهم عاقبة اللعنة التي دعوا بها على أنفسهم يومئذٍ. على أن تلك اللعنة تتحول إلى بركة للذين يتوبون منهم، ويؤمنون بأن يسوع هو المسيح. وإن ذلك الذي كان عليهم انتقاماً يصير لهم تطهيراً. فإن قيل: كيف يعاقب الله الأولاد بذنوب آبائهم وقد قال بفم حزقيال «اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ» (حزقيال ١٨: ٢٠). قلنا لا يلحق عقاب الوالدين بالأولاد إلا إذا مدحوا أعمال آبائهم، وتبعوا خطواتهم، وشعروا بشعورهم. ويقول الوحي إن الأمة اليهودية سترفض أعمال أسلافها، وستؤمن أن يسوع هو المسيح، وستنجو حينئذٍ من تلك اللعنة (زكريا ١٢: ١٠ - ١٤).
    ومن العجب أن اليهود بعد أن قالوا: دمه علينا وعلى أولادنا، أنكروا ذلك بعد قليل بقولهم للرسل «أَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ وَصِيَّةً أَنْ لاَ تُعَلِّمُوا بِهذَا الاسْمِ؟ وَهَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هذَا الإِنْسَانِ» (أعمال ٥: ٢٨).
    ٢٦ «حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَـهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ».
    إشعياء ٥٣: ٥ ومرقس ١٥: ١٥ ولوقا ٢٣: ١٦، ٢٤، ٢٥ ويوحنا ١٩: ١، ١٦
    أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ أطلق مرتكب الذنب الذي اتهموا المسيح به كذباً، وهو العصيان على الرومان. فنجا ذلك المحكوم عليه بالموت من العقاب الذي وقع على يسوع. وكذلك كل خطاة العالم المحكوم عليهم بالموت يستطيعون أن ينجوا من عقابهم، لأن إثم الجميع وُضع على ذلك البار.
    فَجَلَدَهُ هذا بعد ما حكم عليه بالصلب جرياً على عادة الرومان في من حُكم عليهم بالصلب. وكان إيلام ذلك شديداً، لأنهم كانوا يعرُّون الذي يريدون جلده ويربطونه إلى عمود منحنياً ويضربونه على ظهره بالسوط، وكان ذلك السوط سيوراً من الجلد مربوطاً بأطرافها قِطعٌ حادة من معدن أو عظمٍ، فكانت تمزق الجلد واللحم أيضاً. وكثيراً ما كان يُغشى على المجلودين أو يموتون من الألم. وكان الجلادون من عساكر الرومان الذين لا يشفقون على أحد من اليهود، لأنهم كانوا يهينون الأمة اليهودية كلها ويبغضونها، ولم يكونوا مقيدين بالشريعة اليهودية التي تمنع ما يزيد على أربعين جلدة، فضربوه بقدر ما شاءوا.
    ومُنع في الشريعة الرومانية أن يُجلد أحدٌ من الرومانيين وخصوا الجلد بالعبيد وبأهل البلاد التي استولوا عليها لأنهم كانوا عندهم بمنزلة العبيد (أعمال ٢٢: ٢٥)
    وقد فسَّر إشعياء غاية المسيح في احتمال آلام الجلد بقوله «هُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا... وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا» (إشعياء ٥٣: ٥)
    وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ لم يستطع بيلاطس أن يسلمه لو لم يكن «مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ» (أعمال ٢: ٢٣). وأسلمه إلى العسكر الروماني ليجري عليه الحكم. وكان بذلك كأنه أسلمه إلى اليهود، لأنه صُلب بموجب حكم مجلس السبعين كما يظهر من قول لوقا «وَأَسْلَمَ يَسُوعَ لِمَشِيئَتِهِمْ» (لوقا ٢٣: ٢٥). وقصد متّى بقوله «ليُصلب» القضاء بالصلب، ولكنه ذكر الصلب نفسه بعد ذلك (ع ٣٥). وبهذا الحكم خالف بيلاطس ضميره وتحذير زوجته، فدمُ المسيح عليه كما كان على اليهود، لأنه حكم باعتبار إنه قاضٍ جالس على كرسي القضاء الروماني، وكان الصلب عقاباً رومانياً، والذين صلبوا المسيح جنود رومانية كانت تحت أمره، وهو الذي أمر بكتابه العنوان الذي وُضع فوق الصليب.
    ٢٧ «فَأَخَذَ عَسْكَرُ ٱلْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ ٱلْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ ٱلْكَتِيبَةِ».
    مرقس ١٥: ١٦ ويوحنا ١٩: ٢ وأعمال ١٠: ١
    إِلَى دَارِ ٱلْوِلاَيَةِ الظاهر أنهم جلدوا المسيح خارج دار الولاية، وأرجعوه إليها بعد أن جلدوه.
    ٱلْكَتِيبَةِ أي فرقة من عسكر الرومان الذي كان تحت أمر بيلاطس. كان في سوريا أربعة جيوش رومانية يسمَّى كل منها «لجيئوناً» Legion كان ثلاثة منها تقيم بقيصرية والرابع يقيم بأورشليم. وعدد اللجيئون ستة آلاف جندي إذا كانت كاملة، ولم يطلقوها على أقل من ٤٦٠ جندياً.
    ولعل سبب تسليم بيلاطس المسيح إلى مثل هذا العدد الكبير هو أن رؤساء الكهنة حذروا بيلاطس من أن أصحاب يسوع قد يخلصونه عنوة.
    ٢٨ «فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيّاً».
    لوقا ٢٣: ١١
    فَعَرَّوْهُ عروه قبل الجلد. ثم ألبسوه بعد أن جلدوه، ثم عروه أيضاً. فلم يشفقوا عليه بما شاهدوه من جراحه الزرقاء الدامية المحاطة بالورم من شدة الجلد.
    رِدَاءً قِرْمِزِيّاً وسمي أرجواناً أيضاً. والأرجح أن هذا الرداء كان من الأردية العتيقة الذي تركه أحد الولاة في القصر، وكان الأرجوان من ملابس الحكام والأغنياء (لوقا ١٦: ٩ ورؤيا ٧: ٤). وكان قيصر روما نفسه يلبس ثوباً من الأرجوان، فألبس العسكر يسوع ذلك الثوب هزءاً بدعواه أنه ملك اليهود، كما هزأ اليهود قبلاً بدعواه إنه نبي (متّى ٢٦: ٦٨).
    ٢٩ «وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: ٱلسَّلاَمُ يَا مَلِكَ ٱلْيَهُودِ».
    مزمور ٦٩: ١٩ وإشعياء ٥٣: ٣
    إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ أي من نبات شائك، وصنعوا له ذلك بدلاً من إكليل الذهب المرصَّع بالجواهر التي اعتاد الملوك أن يلبسوه، وفعلوا ذلك هزءاً منه بأنه ملك.
    وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ كان من عادة الملك أن يحمل صولجاناً بيده عند امتثال بعض الرعية أمامه إشارة إلى سلطانه (أستير ٤: ١١ و٨: ٤). والصولجان عصا معكوفة الرأس مصنوعة من الذهب أو العاج أو غيرهما من المواد النفيسة. ويُقال عن الملك الصارم بذي عصاً (أي صولجان) من حديد (مزمور ٢: ٩ و١٢٥: ٣). فوضع الجند القصبة في يد المسيح بدلاً من الصولجان لزيادة الهزء به.
    وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ كأنه هيرودس الملك أو طيباريوس قيصر.
    ٱلسَّلاَمُ يَا مَلِكَ فعلوا ذلك تمثيلاً لما كان يفعله الناس عند مواجهة الملوك.
    ٣٠ «وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا ٱلْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ».
    إشعياء ٥٠: ٦ ومتّى ٢٧: ٦٧
    بَصَقُوا بعد أن أظهروا له الإكرام الملكي تهكماً أخذوا يهينونه بالبصق عليه، وهو من أقبح ضروب الإهانة.
    وَأَخَذُوا ٱلْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ كانت القصبة هنا بمنزلة الصولجان، دليل القوة لصاحبه، فضربوه بها بياناً لقوتهم على الهزء به. وبضربه على رأسه دخل شوك إكليله في الجبهة والرأس. وهذه إهانة ثالثة ليسوع. فالأولى إهانة خدام الهيكل والرئيس له (متّى ٢٦: ٦٧)، والثانية إهانة هيرودس وعسكره (لوقا ٢٣: ١١)، والثالثة إهانة جنود بيلاطس كما ذكر هنا. وكان كل ذلك إتماماً لنبوة نطق بها منذ سبع مئة سنة قبل إتمامها، وهي قوله «بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ، وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ» (إشعياء ٥٠: ٦). وقصد العسكر بما فعلوه ثلاثة أمور: الأول تلذذهم بالقساوة. والثاني التشفي من غيظهم على يهودي، والثالث إظهار الاحترام لقيصر لظنهم أن يسوع اعتدى على حقوقه بدعوى أنه ملك. ويسوع باعتبار أنه إنسان كان يشعر بألم الضرب كغيره من الناس، وكذلك بألم التهكم والإهانة. وفيها كلها لم يفه بكلمة، مع أنه كان يسهل عليه أن يظهر سلطانه وقوته ويميتهم جميعاً في لحظة. فاحتماله كل ذلك بالصبر والسكوت اختياراً دليل على عظمته الملكية. وغايته من احتمال تلك الإهانة على الأرض في دار بيلاطس هو ضمان الإكرام لنا في السماء. «لِذٰلِكَ رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ ١٠ لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ، ١١ وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ» (في ٢: ٩ - ١١).
    لقد أخذ الجنود يهزأون بيسوع بعد أن دخل بيلاطس قصره، بدليل قول البشير «فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا خَارِجًا» (يوحنا ١٩: ٤، ٥). فكانت النتيجة أن صرخ رؤساء الكهنة والخدام مكررين قولهم «اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!». فكأن مشاهدتهم يسوع في حال اتضاعه أوقدت فيهم نار البغض والحسد من جديد. فبيلاطس الذي تربى في العسكر واعتاد سفك الدم حتى صار عنده بمنزلة الماء كان أرق قلباً من اليهود، واشمأز أن يفعل ما طلبوه، وقال لهم: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ». فكأنه قال لهم: أبيح لكم ما هو على خلاف الشريعة، وأغض النظر عنه (يوحنا ١٩: ٦). لكن رؤساء الكهنة رفضوا ما عرضه بيلاطس عليهم، لأنهم أرادوا أن يتم صلبه بموجب الشريعة الرومانية وبسلطان الرومان. وذكروا حينئذٍ العلة الحقيقية التي حملتهم على طلب قتل المسيح، وهي الأمر الثالث الذي اتفقوا عليه، وهو التجديف، بدليل قولهم «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ» (يوحنا ١٩: ٧) وهذا لم يذكروه قبلاً لبيلاطس. ومرادهم أن يظهروا لبيلاطس أن يسوع إن لم يستوجب الموت بشرع الرومان فهو يستحقه بموجب الشريعة اليهودية. فلما سمع بيلاطس كلامهم أخذ يسوع أيضاً إلى دار الولاية وفحص دعواه من جديد (يوحنا ١٩: ٩ - ١١) وهذا فحص سادس للمسيح. وبعد أن أكمل بيلاطس الفحص خرج وجلس على كرسي الولاية ثالثة واجتهد أن يخلص يسوع. وكان آخر التماسه من اليهود قوله «هُوَذَا مَلِكُكُمْ!. أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟» (يوحنا ١٩: ١٢ - ٢٥).
    لا ندري مقدار الإخلاص في هذا الكلام وهل قصد بيلاطس ما قاله؟ أم أن ذلك محاولة اليائس الأخيرة لإنقاذ بريء؟ وعند ذلك ترك رؤساء الكهنة شكواهم على يسوع بالتجديف ورجعوا إلى الشكوى الأولى، وهي أنه عصى قيصر بدعواه أنه ملك، بدليل قولهم «إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ! لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!» (يوحنا ١٩: ١٢، ١٥). فاستسلم لطلبهم خوفاً من أن يشتكوه أنه ليس محباً لقيصر!
    والوقت الذي شُغل بمحاكمة يسوع كان نحو ثلاث ساعات، وذلك من الصبح إلى الساعة الثالثة قبل الظهر.
    وإذا راجعنا الحوادث التي جرت أثناء محاكمة المسيح رأينا بطرس قد أنكر يسوع ثلاث مرات، وأن يسوع حوكم أمام رؤساء اليهود ثلاث مرات: واحدة أمام حنان وواحدة أمام قيافا والثالثة قدام المجلس صباحاً. وحوكم ثلاث مرات أمام غير اليهود، اثنتين أمام بيلاطس وواحدة أمام هيرودس. واختار اليهود ثلاث مرات إطلاق باراباس، ورفضوا إطلاق يسوع ثلاثاً، واجتهد بيلاطس ثلاث مرات أن يقنع الشعب باختيار إطلاق يسوع، وأعلن براءته ثلاث مرات (لوقا ٢٢: ٤، ١٤، ١٥، ٢٢). وحُذر اليهود ثلاثاً: حذرهم المسيح بمجيئه ثانية للدينونة (متّى ٢٦: ٢٤)، ويهوذا باعترافه (ع ٤)، وبيلاطس بشهادته ببراءة يسوع (ع ٢٤).
    ٣١ «وَبَعْدَ مَا ٱسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ ٱلرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ».
    إشعياء ٥٣: ٧
    نَزَعُوا عَنْهُ ٱلرِّدَاءَ أي الرداء القرمزي، ولم يذكر شيئاً من أمر إكليل الشوك.
    ثِيَابَهُ الخارجية والداخلية (يوحنا ١٦: ٢٣، ٢٤)
    وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ «كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى ٱلذَّبْحِ» (إشعياء ٥٣: ٧). فتم ما أنبأ به هو نفسه من جهة صلبه (متّى ٢٠: ١٩ و٢٦: ٤٥).
    وصُلب في الساعة الثالثة أي قبل الظهر بنحو ثلاث ساعات (مرقس ١٥: ٢٥). وما ورد في بشارة مرقس يوافق ما ذكره متّى ولوقا. وأما ذكر الساعة السادسة في يوحنا فالأرجح أنها من غلط الناسخين، لأن اليونانيين كانوا يدلون على الأعداد بأحرف، والفرق بين الحرف الدال على «ثلاثة» والحرف الدال على «ستة» زهيد جداً. ويؤيد ذلك أن في بعض النسخ القديمة لبشارة يوحنا تذكر «الثالثة» بدل «السادسة» كما في بشارة مرقس. وظن بعضهم أن يوحنا استعمل الحساب اليهودي فوقع ذلك الخلاف. وكان اليوم عند الرومان كاليوم عند الأوربيين، يبدأ من نصف الليل، فتكون السادسة في يوحنا وقت طلوع الشمس، وهو بداءة محاكمة يسوع عند بيلاطس، وهي التي قصدها يوحنا بـ «تلك الساعة».
    ٣٢ «وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَاناً قَيْرَوَانِيّاً ٱسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ».
    عدد ١٥: ٣٥ و١ملوك ٢١: ١٣ وأعمال ٧: ٥٨ وعبرانيين ٢٤: ١٢ ومرقس ٢٣: ٢٦ وأعمال ٢: ١٠ و٦: ٩
    خَارِجُونَ إلى مكان الصلب خارج المدينة. ولهذا قال الكتاب «فَإِنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُدْخَلُ بِدَمِهَا عَنِ الْخَطِيَّةِ إِلَى «الأَقْدَاسِ» بِيَدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ تُحْرَقُ أَجْسَامُهَا خَارِجَ الْمَحَلَّةِ. لِذلِكَ يَسُوعُ أَيْضًا، لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ» (عبرانيين ١٣: ١١ و١٢). وهذا وفق شريعة موسى في أمر المحكوم عليهم بالموت (عدد ١٥: ٣٥ انظر أيضاً ١ملوك ٢١: ١٣ وأعمال ٧: ٥٨) وبذلك تمم يسوع الرموز بكونه ذبيحة عن الخطية (لاويين ٤: ١٢ و١٦: ٢٧ وعدد ١٩: ٣).
    إِنْسَاناً قَيْرَوَانِيّاً أي من القيروان، وهي مدينة في ليبيا في شمال أفريقيا تسمى «سارنيكا» وكانت وقتئذٍ من أملاك الرومان، وسكنها كثيرون من اليهود (أعمال ٢: ١٠) لأن بطليموس لاجي أرسل منهم إلى هناك مئة ألف قبل ذلك بـ ٣٠٠ سنة، فزادوا كثيراً حتى صار لهم مجمع خاص في أورشليم (أعمال ٦: ٩). وكان بعضهم من أول المبشرين المسيحيين (أعمال ١١: ٢٠ و١٣: ١). والمرجح أن سمعان القيرواني أتى إلى أورشليم حينئذٍ للاحتفال بعيد الفصح. وذكر مرقس إنه كان أبا إسكندر وروفس كأنهما معروفان عند المسيحيين (مرقس ١٥: ٢١).
    فَسَخَّرُوهُ الخ الذين سخروه هم الجنود. وكانت العادة إن الذي يحمل الصليب هو المحكوم عليه بالصلب، فكان حمل الصليب دلالةً على شدة العار والهوان والمصيبة. وكان يسوع قد حمله في أول الطريق (يوحنا ١٩: ١٧) والظاهر إنه أعيا عن حمله لشدة ضعف جسمه من الجلد والهزء والأرق، ولذلك سخَّر العسكر سمعان بحمله. ولم يكن أحد من اليهود أو الرومان يحمل باختياره صليب المحكوم عليه لما في ذلك من العار. ولعل سمعان كان أول من صادفوه في الطريق بعد عجز يسوع عن حمل صليبه، أو لأنهم رأوه أجنبياً فاستخفوا به، أو لعله ظهر على وجهه شيءٌ من إمارات الشفقة على يسوع فسخَّروه. وإن كان سمعان مات مؤمناً بالمسيح فلا شك أنه يحسب الآن ذلك العار أعظم مجدٍ له.
    ٣٣ «وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ ٱلْمُسَمَّى: مَوْضِعَ ٱلْجُمْجُمَةِ».
    مرقس ١٥: ٢٢ ولوقا ٢٣: ٣٣ ويوحنا ١٩: ١٧
    الموضع الذي صُلب يسوع فيه مجهول الآن وقد كثرت الآراء فيه. وقلما التفت كتبة الأسفار الإلهية إلى تعيين أماكن الحوادث التي ذكروها.
    جُلْجُثَةُ كلمة عبرانية معناها جمجمة. والأرجح أن إطلاق هذا الاسم على مكان صلب يسوع لأنه أكمة مدورة خالية من الصخور والأشجار، تشبه جمجمة الإنسان شكلاً وهيئة. فلا صحة لقول بعضهم إنه سمي بذلك لكثرة ما طُرح فيه من جماجم القتلى. ومما يبطل هذا القول أن اليهود كانوا يدفنون كل عظم من عظام البشر في الأرض بكل احتراس واعتناء. وكل ما نعرفه من أمر الموضع الذي صُلب فيه المخلص خمسة أمور:
    الأول: إنه خارج المدينة (ع ٣١) والثاني: إنه قريب من المدينة (يوحنا ١٩: ٢٠) والثالث: إنه على جانب الطريق والشارع (مرقس ١٥: ١٩) والرابع: إنه كان قريباً من أحد البساتين الكثيرة التي كانت محيطة بأورشليم، وكان في ذلك البستان قبر ليوسف الرامي (يوحنا ١٩: ٤١) والخامس: إن المكان كان يُعرف عند العامة بالجمجمة (لوقا ٢٣: ٣٣).
    ٣٤ «أَعْطَوْهُ خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ»
    مرقس ٦٩: ٢١ وع ٤٨
    أَعْطَوْهُ المرجح أن الذين أعطوهُ يهود لأنه لم يكن من عادات الرومان، ولأن اليهود كانوا يتبرعون به لكل محكوم عليه بالموت عند قتله. ولأن رجال الدين اليهود أعلنوا أنه من أعمال التقوى، بناءً على قول الحكيم «أعطوا مسكراً لهالك وخمراً لمري النفس. يشرب وينسى فقره، ولا يذكر تعبه أيضاً» (أمثال ٣١: ٦، ٧)
    خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ وقال مرقس «أَعْطَوْهُ خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمُرّ » (مرقس ١٥: ٢٣) فإن عسكر الرومان كان يشرب نوعاً من الخمر رخيصاً حامضاً يختلف عن الخل قليلاً، فيصح أن يعبر عن كل منهما بالثاني. والمرارة والمر كثيراً ما يردان بمعنى واحد، وهو شراب من الأعشاب المرة كالأفسنتين وأمثاله، ممزوجاً بماء بزر الخشخاش. وغايتهم من مزج الخمر به وإعطائه للمصلوب تسكين آلامه بإسكاره وتخديره. والظاهر أن المسيح ذاته إكراماً لمن أظهر له المعروف بإعطائه إياه أبى أن يشربه، لأنه فضَّل أن يكون شاعراً بآلامه، فيشرب الكأس التي أعطاه الآب ليشربها، وشربها كلها (مزمور ٦٩: ٢١).
    ٣٥ «وَلَمَّا صَلَبُوهُ ٱقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلنَّبِيِّ: ٱقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً».
    مرقس ١٥: ٢٤ ولوقا ٢٣: ٣٤ ويوحنا ١٩: ٢٤ ومزمور ٢٢: ١٨.
    صَلَبُوهُ كان الصلب شر الميتات المعروفة قديماً لما فيه من التشهير والعار والآلام الشديدة وطول مدة العذاب، فقد يبقى المصلوب حياً ثلاثة أيام، يعتريه عطشٌ وجوعٌ وأرقٌ وحمى من التهاب الجراح، ولا يستطيع الحركة التي تزيد آلامه.
    ولم يكن الصلب من أنواع العقاب عند اليهود، فمن المحال أن يهودياً يصلب يهودياً. والمراد بالتعليق «على خشبة» في التوراة هو ما نعرفه الآن بالشنق (تثنية ٢١: ٢٢، ٢٣). وأصل الصلب جاء من بلاد الفرس، واستعمله المصريون واليونانيون. ولم يصلبوا الرومان رومانياً، بل خصوا ذلك الموت بالعبيد وشر الأثمة وأهل الولايات التي استولوا عليها لأنهم حسبوهم كالعبيد. وكراسوس (القائد الروماني) سيج الطريق من مدينة كبيوا إلى مدينة روما بصلبان العبيد الذين عصوا الرومان. وصلب أوغسطس قيصر ستة آلاف عبد في جزيرة صقلية لأنهم عصوه. وكان الصليب قطعتين متعارضتين من الخشب فيهما عمود يدخل بين رجلي المصلوب ليحمل بعض ثقله فلا يتمزق لحم مدخل المسامير فيسقط المصلوب. وكانوا ينصبون الصليب أحياناً رأسياً ويرفعون الإنسان عليه ويسمرونه، ولكنهم كانوا يضعونه على الأرض أفقياً ويمدون المصلوب بعد أن يعروه عليه ويسمرونه بمسامير في رجليه ويديه على خشبة الصليب. وكانوا أحياناً يسمرون اليدين فقط ويربطون الرجلين بحبال على الصليب (والظاهر أنهم سمروا يدي يسوع ورجليه معاً بدليل ما جاء في بشارة لوقا، لوقا ٢٤: ٣٩، ٤٠). ثم يرفعون الصليب بالمصلوب وينصبونه رأسياً في حفرة معدة له. وكانوا أحياناً يُنزلون الصليب في حفرته بسرعة وعنف لتخليع مفاصل المصلوب وتشديد عذابه. وكان ارتفاع رجلي المصلوب فوق الأرض من نصف ذراع إلى ذراع. ولما سمَّر العسكر يسوع على صليبه صلى قائلاً «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لوقا ٢٣: ٣٤).
    وأوضحت النبوات والرسائل غاية صلب يسوع، وهي أن يكون ذبيحة الكفارة عن خطايا الناس، وأن يحتمل اللعنة التي وجبت على الخطاة، فتم بصلبه قوله «الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ الله» (تثنية ٢١: ٢٣) وليوفي الدين الذي على الإنسان ويصالحه مع الله. فصار اسم الصليب بعد أن مات عليه المسيح إشارة إلى الشرف والبركة والفداء، بعد أن كان علامة العار واللعنة والعذاب.
    ٱقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ أي القميص وما فوقه (يوحنا ١٩: ٢٣، ٢٤). وكانت ثياب المصلوب نصيب الصالبين، وكان الذين صلبوا المسيح أربعة نزعوا ثيابه قبل صلبه.
    مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا أي على قميصه لأنه كان «بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ» (يوحنا ١٩: ٢٣) ومقامرتهم تحت الصليب دليل على عدم شفقتهم على المصلوب.
    مَا قِيلَ بِٱلنَّبِيِّ القول المشار إليه وارد في مزمور ٢٢: ١٨ وهو نبوة خاصة بيسوع، لأنه لم يجرِ مثلها على داود. وكانت تعرية المسيح من ثيابه أمراً لا يُعتد به بالنسبة إلى ما احتمله باختياره لما «أَخْلَى نَفْسَهُ» من كل الأمجاد السماوية لأجلنا (فيلبي ٢: ٦).
    ٣٦ «ثُمَّ جَلَسُوا يَحْرُسُونَهُ هُنَاكَ».
    عدد ٥٤
    حرسوهُ لئلا يأتي أصحابه وينزلوه عن الصليب حياً. وكان الحراس بعدئذٍ شهوداً بصحة دعوى المسيح (ع ٥٤).
    ٣٧ «وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً: هٰذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ».
    مرقس ١٥: ٢٦ ولوقا ٢٣: ٣٨ ويوحنا ١٩: ١٩
    فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ أي علة صلبه. وكانت العادة أن يحمل المحكوم عليه بالصلب إعلان سبب صلبه إلى حيث يُصلب، وهناك يوضع فوق رأسه.
    هٰذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ علة صلبه عند بيلاطس دعواه إنه ملك. وكتب هذا العنوان بثلاث لغات كانت شائعة في سوريا وقتئذٍ، وهي العبرانية واليونانية واللاتينية. وذكر مرقس أن العنوان كان «ملك اليهود» (مرقس ١٥: ٢٦) . وقال لوقا إن كان «هٰذَا هُوَ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ» (لوقا ٢٣: ٣٨) وقال يوحنا إنه كان «يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ» (يوحنا ١٩: ١٩) والمعنى واحد. ولعل اختلاف الألفاظ لاختلافها في لغات العنوان الثلاث، بأن نقل بعضهم عن إحدى اللغات وبعضهم عن لغات أُخرى. وقصد بيلاطس بذلك العنوان تعيير اليهود بصلب ملكهم. واعترضه الرؤساء على ما كُتب فلم يبالِ بهم (يوحنا ١٩: ٢٠) فما لقَّب المجوس به يسوع عند ميلاده تمجيداً له لقبه به بيلاطس عند موته هزءاً به. والعنوان كله حق، لأن معنى يسوع مخلص، وتولى المُلك بآلامه وموته.
    ٣٨ «حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ ٱلْيَسَار».
    إشعياء ٥٣: ١٢ ومرقس ١٥: ٢٧ ولوقا ٢٣: ٣٢، ٣٣ ويوحنا ١٩: ١٨
    الأرجح أن هذين اللصين هما من رفقاء باراباس وشركائه في الفتنة والقتل (مرقس ١٥: ٧) وكان قد حُكم عليهما قبلاً بالموت. فلو قُضي على باراباس بالقتل لصُلب على الأرجح بين ذينك اللصين، فأخذ يسوع مكانه. وكان ذلك إتماماً للنبوة القائلة «أُحصي مع أثمة» (إشعياء ٥٣: ١٢). على أن بيلاطس لم يقصد بذلك سوى الإهانة تهكُماً بأنه ملك، وأنه لا بدَّ من وزيرين لإكرامه وخدمته. وهذا مما زاد عار صلب المسيح وما احتمله من أجلنا لكيلا نُحصى نحن مع الأثمة. فالمكانان اللذان أخذهما اللصان عن يمينه وعن يساره هو ما طلبه سابقاً ابنا زبدي على غير علم (متّى ٢٠: ٢١).
    ٣٩ «وَكَانَ ٱلْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ».
    مزمور ٢٢: ٧، ٩ و١٠: ٢٥ ومرقس ١٥: ٢٩ ولوقا ٢٣: ٣٥
    ٱلْمُجْتَازُونَ أي المارون اتفاقاً، أو لمجرد مشاهدة المصلوب، أو بقصد التشفي منه.
    يُجَدِّفُونَ أي يشتمون بأقوال مختلفة، وهذا خلاف ما يتوقع من الطبيعة البشرية، لأن آلام ذلك المصلوب كان يجب أن تحرك شفقتهم عليه. وكان المجدفون عليه ثلاث فئات: المجتازون (ع ٣٩)، ورؤساء الكهنة (ع ٤١)، والعسكر (لوقا ٢٣: ٣٦).
    ييَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ هزءاً وشماتة (أيوب ١٦: ٤ وإشعياء ٣٧: ٢٢ وإرميا ١٨: ١٦). وكل ذلك ليتم ما أُنبئ به (مزمور ٢٢: ٧ و١٠٩: ٢٥).
    ٤٠ «قَائِلِينَ: يَا نَاقِضَ ٱلْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ فَٱنْزِلْ عَنِ ٱلصَّلِيبِ».
    متّى ٢٦: ٦١، ٦٣ ويوحنا ٢: ١٩
    يَا نَاقِضَ ٱلْهَيْكَلِ أي يا مدَّعي نقض الهيكل. وتهكموا عليه بذلك بناءً على الشهادة التي أُديت عليه زوراً في أثناء محاكمته في مجلس اليهود (متّى ٢٦: ٦١). وعلى ما قاله مجازاً في بدء تبشيره (يوحنا ٢: ١٩) ولعل الرؤساء كرروا هذه الشكوى على مسامع الجموع عندما عرض عليهم بيلاطس أن يختاروا بين يسوع وباراباس، ليقنعوهم أن يختاروا باراباس دون يسوع، لأن اليهود كانوا يفتخرون بالهيكل كل الافتخار، ويغتاظون من أقل شيءٍ يشينه. وهذه الشكوى هي قولهم «يَا نَاقِضَ ٱلْهَيْكَلِ ..» هي كل ما استطاع أعداء المسيح أن يعيبوه عليه بعد أن نظروا في كل سيرته ثلاثاً وثلاثين سنة. على أنهم لم يستطيعوا إثباتها عليه مع أنهم استأجروا شهود زور لذلك.
    خَلِّصْ نَفْسَكَ! فكأنهم قالوا إن من استطاع أن ينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام يقدر أن يخلص نفسه، لأن من قدر على الأعظم يسهل عليه الأصغر.
    إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ هذا كقول الشيطان للمسيح وقت التجربة (متّى ٤: ٣) وتهكموا عليه بهذا بناءً على دعواه إنه ابن الله عند المحاكمة (متّى ٢٦: ٦٣، ٦٤).
    فَٱنْزِلْ عَنِ ٱلصَّلِيبِ علَّقوا تصديقهم أن المسيح ابن الله على نزوله عن الصليب. ولكن إن كانت كل المعجزات التي أجراها في ما يزيد عن ثلاث سنين لم تبرهن لهم صحة تلك القضية، فكيف تثبتها هذه المعجزة الوحيدة؟ نعم إن المسيح لم يفعل لهم هذه المعجزة التي طلبوها، ولكنه أتاهم بأعظم منها، وهي قيامته من القبر، لأن الانتصار على الموت أعظم من الهروب منه بنزوله عن الصليب. وأكثر الناس يشبهون هؤلاء المجدفين، يرغبون في مخلص لا صليب له ولا لأحد من أتباعه.
    ٤١ «وَكَذٰلِكَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ أَيْضاً وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ ٱلْكَتَبَةِ وَٱلشُّيُوخِ قَالُوا».
    رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ... مَعَ ٱلْكَتَبَةِ وَٱلشُّيُوخِ هم أعضاء مجلس السبعين، وقد أتوا ليفرحوا بمشاهدة آلام عدوهم. فعجباً من شدة بغض هؤلاء للمسيح، فإنهم لم يكتفوا بتسليمه إلى الموت، بل رغبوا في مشاهدة آلامه. ولم يزُل غضبهم عليه بعد موته، بل بقوا يبغضونه ويعيرونه وهو في القبر (متّى ٢٧: ٦٣). وكان على رؤساء الكهنة أن يجتمعوا حينئذٍ في الهيكل ليحتفلوا بالعيد المقدس بدلاً من أن يذهبوا ويقفوا عند الصليب ليشاهدوا آلام المسيح (لا ٢٣: ٧).
    ٤٢ «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا. إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ ٱلآنَ عَنِ ٱلصَّلِيبِ فَنُؤْمِنَ بِهِ».
    خَلَّصَ آخَرِينَ لم يقولوا هذا عن إخلاص، بل كان قصدهم أن يسوع ادَّعى أنه يخلص أجساد الناس من المرض والموت بقوته، وأنه فعل ذلك بمساعدة بعلزبول، وادَّعى تخليص نفوس لكونه المسيح. أو لعلهم لفظوا ذلك استهزاءً باسمه يسوع (أي مخلص) الذي كُتب فوق رأسه على الصليب. وما قالوه تهكماً هو الحق عينه، لأن المسيح جاء إلى الأرض ليخلص آخرين، وخلصهم بموته.
    وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا ظنوا عدم تخليصه نفسه هو نتيجة عجزه، واستنتجوا من هذا العجز إن كل معجزاته كانت خداعاً وسحراً.. فما أبعد ظنهم عن الحقيقة، فهو أراد أن لا يخلص نفسه ليخلص آخرين، وليس ممكناً أن يخلص نفسه والآخرين معاً. ولو خلص نفسه لهلك الجنس البشري بأسره (متّى ٢٦: ٥٣، ٥٤)
    إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ قالوا ذلك بناءً على دعواه إنه ملك، وبناءً على ما كتب في العنوان من أنه ملك اليهود. على أن يسوع أثبت ببراهين كثيرة أنه ملك إسرائيل. فموته من أجل خطايا العالم أعظم البراهين على ذلك، لأن به تمت النبوات بملكه (إشعياء ٥٣ ودانيال ٩: ٢٤ - ٢٧).
    فَنُؤْمِنَ بِهِ كذا ادَّعوا، ولكن لو نزل عن الصليب لبقوا ينكرون دعواه. وتركوا هذا البرهان كما تركوا غيره، بدليل إنهم لم يقتنعوا بقيامته وهي أعظم المعجزات (متّى ٢٨: ١٤، ١٥). هم قالوا: لينزل عن الصليب فنؤمن به، وأما نحن فنقول: آمنا به لأنه لم ينزل عنه. ولو نزل ما استطاع أحدٌ من الناس أن يؤمن به لخلاص نفسه.
    ٤٣ «قَدِ ٱتَّكَلَ عَلَى ٱللّٰهِ، فَلْيُنْقِذْهُ ٱلآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ٱبْنُ ٱللّٰهِ».
    مزمور ٢٢: ٨
    أنبأ داود بأنهم سيعيرون المسيح بهذه الكلمات قبل النطق بها بألف سنة (مزمور ٢٢: ٨). وقصدهم بقولهم إنه «ٱتَّكَلَ عَلَى ٱللّٰه» أما إنه خدع نفسه بظنه أنه اتكل عليه، وأما أنه ادعى الاتكال كذباً.
    عيَّروه أولاً بأنه ما قدر أن يخلص نفسه، وزادوا عليه هنا أن الله لم يرد أن يخلصه. واتخذوا ذلك حجة قاطعة على أنه ليس ابن الله، لأنه لا يوجد أب يقدر أن يخلص ابنه ويخذل ابنه! ونسوا ما جاء في كتبهم أن المسيح يكون «مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ ٱللّٰهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا... وَٱلرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا» (إشعياء ٥٣: ٤ - ٦). ونسوا ما قاله داود في مزمور ٢٢. وتوهموا أن المسيح ليس ابن الله لأن الله تركه مدة من الوقت. ويتوهم كثيرون أن الذين يتركهم الله في المصاب على الأرض ليسوا أبناء الله بالتبني، كأن المصاب علامات غضب الله عليهم.
    ٤٤ «وَبِذٰلِكَ أَيْضاً كَانَ ٱللِّصَّانِ ٱللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ».
    مرقس ١٥: ٣٢ ولوقا ٢٣: ٣٩
    ٱللِّصَّانِ... يُعَيِّرَانِه ابتدأ كلاهما يعيرانه معاً. ولم يذكر متّى ألفاظ تلك التعييرات ولكن ذكرها لوقا. وقال أيضاً إن واحداً منهما تاب بعد ذلك وهو على الصليب، وصلى للمسيح ونال منه مغفرة إثمه والوعد بالدخول إلى الفردوس (لوقا ٢٣: ٣٩ - ٤٣) ومن العجب أن اللصين عيراه، مع أن المتوقع من شركاء المصاب أن يشفق كل منهم على الآخر ويجتهد في تعزيته. ولكن المصائب لا تليِّن القلب ولا تغير الطبيعة الخاطئة، فإن ذلك ليس إلا فعل النعمة الإلهية.
    وما أظهره المسيح من الحلم والصبر على تلك التعييرات خير مثال لنا إذا عيَّرنا الناس بغير حق.
    وفي تلك الأثناء وكَل يسوع العناية بأُمه إلى يوحنا (يوحنا ١٩: ٢٦، ٢٧).
    ٤٥ «وَمِنَ ٱلسَّاعَةِ ٱلسَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ إِلَى ٱلسَّاعَةِ ٱلتَّاسِعَةِ».
    عاموس ٨: ٩ ومرقس ١٥: ٣٣ ولوقا ٢٣: ٤٤
    وَمِنَ ٱلسَّاعَةِ ٱلسَّادِسَةِ... إِلَى ٱلسَّاعَةِ ٱلتَّاسِعَةِ أي من الظهر إلى العصر.
    كَانَتْ ظُلْمَةٌ كانت هذه الظلمة معجزة، لأنه لا يمكن أن تُكشف الشمس إلا والقمر هلال، وكان يومئذٍ عيد الفصح وهو يقع والقمر بدرٌ. وكان لائقاً للطبيعة أن تلبس ثوب الحداد حزناً وتعجباً من إثم الناس الذين صلبوا ذاك الذي هو نور العالم وشمس البر. وكانت تلك الظلمة (١) إشارة إلى مصارعة يسوع قوات الظلمة الروحية. (٢) توبيخاً للمجدفين عليه وتسكيتاً موقوتاً لهم عن تعييراتهم، مع أنها لم تؤثر فيهم أكثر مما أثرت الظلمة المصرية في فرعون (خروج ١٠: ٢٢، ٢٧). (٣) إشارة إلى احتجاب وجه الآب عنه وحرمانه من التعزية السماوية. ولكن تلك الظلمة كانت لا شيء بالنسبة إلى الظلمة التي تكاثفت على قلب المسيح وهو يحمل ثقل خطايا الناس، فجعلته يصرخ «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟» (مرقس ١٥: ٣٤). (٤) إظهاراً لاشتراك الطبيعة مع المسيح في آلامه وفزعها من فظاعة إثم قاتليه.
    عَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ قُصد بذلك أحياناً اليهودية فقط، وأحياناً أخرى اليهودية وما جاورها من البلاد. ولا نعلم إن كان قد قُصد به كل العالم أو لا. وذكر بعض المؤرخين المسيحيين المصريين حدوث تلك الظلمة، ومنهم ترتيليان وأوريجانوس من آباء الكنيسة. وذكر أيضاً بعض المؤرخين الوثنيين ومنهم فليغون الروماني، فقد قال هذا إن تلك الظلمة حدثت في السنة الرابعة عشرة من ملك طيباريوس، وكانت مما لم يسبق لها نظير في الكثافة، وأن النجوم ظهرت حينئذٍ.
    ٱلسَّاعَةِ ٱلتَّاسِعَة نفهم من ذلك أن الظلمة زالت بعد هذه الساعة وعاد ضوء الشمس.
    ٤٦ «وَنَحْوَ ٱلسَّاعَةِ ٱلتَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: إِيلِي إِيلِي، لَمَا شَبَقْتَنِي (أَيْ: إِلٰهِي إِلٰهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟».
    عبرانيين ٥: ٧ ومزمور ٢٢: ١
    وَنَحْوَ ٱلسَّاعَةِ ٱلتَّاسِعَةِ صَرَخَ يتبين أن المسيح بقي ساكتاً في ساعات الظلمة الثلاث.
    بِصَوْتٍ عَظِيمٍ هذا دليل على شدة الألم
    إِيلِي إِيلِي لفظة عبرانية مكررة اقتبسها يسوع من المزامير (مزمور ٢٢: ١). وقال مرقس إن المسيح قال «إلوي إلوي» وهذا مثل إيلي إيلي، إلا أن مرقس نقله بلفظه السرياني كما نطق به المسيح. وكتب داود المزمور الذي اقتبس يسوع منه تلك اللفظة على آلام نفسه، فكانت ضيقاته وانتصاراته رمزاً إلى ضيقات المسيح وانتصاراته. وما قاله الرؤساء في ع ٤٣ هزءاً بيسوع مقتبس من مزمور ٢٢: ٨. وإلقاء القرعة المذكور في ع ٣٥ مأخوذ من ع ١٨ من ذات المزمور.
    وقول يسوع «إِيلِي إِيلِي» هو القول الرابع الذي نطق به على الصليب، ولم يذكره إلا متّى ومرقس، وهما لم يذكرا غيره مما قاله على الصليب.
    لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ لم يقل: لماذا سمحت أن يجلدني العسكر ويسمرني على الصليب، وأن يعيرني الناس؟ لكن قال: لماذا تركتني أنت؟ لأن هذا أقسى من كل ما كان في كأس آلامه.
    شعر المسيح في شدة آلامه التي احتملها لأجل خطايا العالم بأنه متروك من الله الذي حجَب وجهه عنه باعتبار أنه نائب الخطاة.
    وعامله كمذنبٍ ليظهر غضبه على الخطية، وحجب وجهه عن ابنه وقتاً قصيراً لكيلا يحجبه عنا إلى الأبد، كما كان عدله يقتضي لو لم يمت المسيح. وكان احتجاب وجه الآب عن ابنه جزءاً من دَيْن عدله على الخاطئ الذي أوفاه نائبنا مؤدياً ثمن فدائنا، لأنه ذاق الموت عن كل إنسان (عبرانيين ٢: ٩) ولأنه جعل وهو «لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ» (٢كورنثوس ٥: ٢١) وهذا إتمام لقول إشعياء «أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ» (إشعياء ٥٣: ١٠).
    ولا ريب أن في ذلك تكرير آلامه في جثسيماني. والأرجح أن الشيطان في ذلك الوقت شدد تجاربه بدليل قول المسيح «هذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ» (لوقا ٢٢: ٥٣) ولم يصرخ يسوع من آلامه الجسدية بل صرخ من احتجاب وجه أبيه عنه. وإذا كانت نتيجة احتجاب وجه الله عن المسيح ذلك الصراخ الذي لم ينتج عن كل آلامه الجسدية، فكم تكون شدة عذاب الهالكين باحتجاب وجه الله عنهم إلى الأبد. ومع أن يسوع رأى الآب قد تركه فإنه لم يزل واثقاً به بدليل قوله: «إلهي إلهي» لا «الله الله».
    والحق أن الله لم يترك يسوع حقيقة، لأنه في ذلك الوقت عينه كان يقوم بالعمل الذي سُرَّ الله بأن يضعه عليه، وأحبه باعتبار كونه ابنه ساعتئذٍ أكثر من كل محبته له فيما مضى، لكنه صرف وجهه عنه باعتبار أنه كفيل الخطاة.
    (ذهب كثيرون إلى أن تفسير قوله «إيلي إيلي.. الخ» ليس في الأصل، بل كتبه أحد الناسخين، لأن متّى إنجيله للعبرانيين وهم لا يحتاجون إلى تفسير الكلمات العبرانية).
    ٤٧ «فَقَوْمٌ مِنَ ٱلْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا».
    كان هؤلاء قوم من اليهود لأن العسكر الروماني لا يعرف شيئاً من أمر إيليا. وهناك تشابه بين «الوي» و «إيليا» فربما توهَّم بعض السامعين أنه ينادي إيليا. والأرجح أنهم فهموا قوله، ولكنهم حرفوه للهزء بدعواه أنه المسيح، لأن اليهود توقعوا أن إيليا يأتي قبلما يأتي المسيح، وتظاهروا الآن أنهم يتوقعوا مجيء إيليا إليهم.
    ٤٨ «وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَلاًّ وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ».
    مزمور ٦٩: ٢١ ومرقس ١٥: ٣٦ ولوقا ٢٣: ٣٦ ويوحنا ١٩: ٢٩
    وَلِلْوَقْتِ في نحو هذا الوقت قال يسوع أيضاً «أنا عطشان» (يوحنا ١٩: ٢٢). فجاء أحدهم بالإسفنجة إجابة لقول المسيح. ولعله أتى ذلك من قبيل الشفقة، لأن العطش من علامات شدة الآلام على الصليب (انظر شرح آية ٣٥). ولعله أتى ذلك هزءاً إذ قال هو نفسه «اتْرُكُوا. لِنَرَ هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا لِيُنْزِلَهُ!» (مرقس ١٥: ٣٦). وكيف كان قصد ذلك الإنسان بما فعله كان عمله أشرف له من أن يضع التاج على رأس أعظم ملوك الأرض، لأنه إذا كان إعطاء كأس ماء بارد لأحد تلاميذ المسيح الصغار لا يذهب بلا أجر، فبالأولى أن يُثاب من أعطى المعلم نفسه مثل ذلك.
    إِسْفِنْجَةً أتى بإسفنجة لأن الحال لم تسمح باستعمال الكأس. ولعل تلك الإسفنجة كانت سدادة لآنية من الخل كان يشربه العسكر.
    خَلاًّ أي خمراً حامضاً كان يشربها العسكر إطفاءً للعطش. وكان هذا الخل مثل الخل الذي قُدم له أولاً سوى أنه ليس فيه شيء من المر والمخدرات، وهو مثل ما قدم له العسكر هزءاً به (لوقا ٢٣: ٣٦)
    عَلَى قَصَبَةٍ لا حاجة إلى أن يكون طول تلك القصبة أكثر من ذراع لكي يبلغ بها الواقف على الأرض شفتي المسيح. وسمى يوحنا تلك القصبة «زوفا» لأنها كانت من نبات الزوفا.
    وَسَقَاهُ فشرب (يوحنا ١٠: ٣٠) إنجازاً للنبوة القائلة «فِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاً» (مزمور ٦٩: ٢١).
    ٤٩ «وَأَمَّا ٱلْبَاقُونَ فَقَالُوا: ٱتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ».
    ٱلْبَاقُونَ فَقَالُوا: ٱتْرُكْ هذا لا ينافي قول مرقس إن ساقيه قال ذلك أيضاً (مرقس ١٥: ٣٦) ومعناه أنه لا حاجة إلى أن يعطوه شيئاً، لأنه يتوقع إتيان إيليا ليعزيه وينشطه ويقويه. فقال الساقي «إن الذي سقيته يكفيه إلى أن يأتيه حسب توقعه». ويظهر من هذه السخرية أنهم لم يرهبوا شيئاً من ظلمة الساعات الثلاث الماضية. والأرجح أنهم نسبوها إلى علة طبيعية.
    ٥٠ «فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ ٱلرُّوحَ».
    مرقس ١٥: ٣٧ ولوقا ٢٣: ٤٦
    صَرَخَ لم يذكر متّى ما قاله يسوع في صراخه، وهو قوله «قد أُكمل» (يوحنا ١٩: ٣٠). ولم يذكر متّى قوله الآخر وذكره لوقا (لوقا ٢٣: ٤٦). ولعل ذلك الصراخ كان هتاف الفرح لأنه أكمل عمل الفداء. وصراخه بصوت عظيم عند موته دليل على أنه لم يمت ضعفاً وإعياءً بل أنه كان في تمام قوته.
    وكانت أقوال المسيح على الصليب سبعة، ثلاثة قبل الظلمة وأربعة بعدها:

    • الأول: صلاته من أجل أعدائه (لوقا ٢٣: ٣٤)
    • الثاني: وعده اللص التائب بالفردوس (٢٣: ٤٣)
    • الثالث: تكليف يوحنا برعاية العذراء (يوحنا ١٩: ٢٧)
    • الرابع: صراخه إلى الله عند شدة آلامه (متّى ٣٧: ٤٦ ومرقس ١٥: ٣٤)
    • الخامس: قوله «أَنَا عَطْشَانُ» (يوحنا ١٩: ٢٨)
    • السادس: قوله «قَدْ أُكْمِلَ» (يوحنا ١٩: ٣٠)
    • السابع: تسليمه روحه إلى الله بكل ثقة واطمئنان (لوقا ٢٣: ٤٧)


    أَسْلَمَ ٱلرُّوحَ أي مات. وعبر الإنجيليون كلهم عن موته بهذه العبارة، وهى تعني أنه مات اختياراً، وهذا وفق قوله «إني أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها» (يوحنا ١٠: ١٧، ١٨)،وقول النبي «إِنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ» (إشعياء ٥٣: ١٢).ومات في الساعة التاسعة أي وقت تقديم الذبيحة المسائية، بعد ست ساعات من صلبه ونحو ثماني عشرة ساعة من القبض عليه في البستان.
    ويندر أن يموت المصلوب بعد وقت قصير كهذا أي في ست ساعات، والغالب أن يموت المصلوب بلا واسطة غير الصلب بعد ٣٦ ساعة. وقد بقى بعض المصلوبين ثلاثة أيام أو أربعة، فظنَّ أكثر المفسرين إنه كان لموته سبب لم يُعهد في المصلوبين. وقال الأطباء إن علة موته سريعاً هو تمزق صمامات القلب بضغط الدم عليها من الصلب وشدة الاكتئاب ومما جرى عليه سابقاً من شدة حزنه في البستان والسهر والجلد وهزء العسكر به. وذلك يوافق قول يوحنا (يوحنا ١٤: ٣٤) إن عسكرياً طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء. ووجود دم وماء في القلب ينتج من تمزُّق صمامات الدم عن سائر أجزاء القلب لأنه ينفصل بذلك مصل.
    واحتمل المسيح كل ما احتمله نيابةً عنا، فجُلد لكي نُشفى بحبُره، ودين وهو بارٌ لنتبرر ونحن أثمةن ولبس إكليل الشوك لنلبس إكليل المجد، وعُرِّي من ثوبه ليكسونا ثوب بره، ورُذل وأهين لنكرَم، وأحصي مع الأثمة لنُحصى مع الأبرار، وقبل أن يتَّهم بالعجز عن تخليص نفسه ليخلِّص نفوس الغير إلى التمام، ومات شر الميتات لنحيا إلى الأبد في خير المجد والسعادة. فلا موت ذا أهمية كموته، لأنه أوفى به الدين العظيم الذي لله على الخطاة، وفتح أبواب الحياة لكل المؤمنين، وقام بكل مطالب الشريعة ليكون الله باراً ويبرر الأثمة، وقدم كفارة تامة عن خطايا الناس، وانتصر على الشيطان انتصاراً كاملاً، وأوضح فظاعة الخطية، وبيَّن عظمة محبة الله ورأفته.
    ٥١ «وَإِذَا حِجَابُ ٱلْهَيْكَلِ قَدِ ٱنْشَقَّ إِلَى ٱثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَٱلأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَٱلصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ».
    خروج ٢٦: ٣١ وأيوب ٣: ١٤ ومرقس ١٥: ٣٨ ولوقا ٢٣: ٤٥
    حِجَابُ ٱلْهَيْكَلِ هو الحجاب الفاصل بين القدس وقدس الأقداس. وكان من إسمانجوني موشى بذهب، طوله نحو ٢٨ ذراعاً وعرضه نحو ١٤ ذراعاً. ولم يكن يجوز لأحد سوى رئيس الكهنة أن يدخل إلى ما وراءه، وكان رئيس الكهنة يدخل قدس الأقداس مرة واحدة في السنة «وليس بِلاَ دَمٍ» (خروج ٢٦: ٣١ و٣٠: ١٠ ولاويين ١٦: ٢ - ١٩ وعبرانيين ٩: ٧)
    ٱنْشَقَّ كان انشقاقه في التاسعة التي هي وقت تقديم الذبيحة المسائية، ووقت تبخير الكاهن في القدس أمام الحجاب.
    ويشير انشقاق ذلك الحجاب إلى ثلاثة أمور:

    • موت المسيح في ذلك الوقت عينه، ويوضحه قول كاتب رسالة العبرانيين «طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ» (عبرانيين ١٠: ٢٠). فقد انشق في ذلك الوقت حجابان، حجاب جسد يسوع، وحجاب الهيكل.
    • نسخ النظام الموسوي وإبطال كل الطقوس التي كانت تشير إلى الكفارة. لأن الكفارة الحقيقية تمَّت بموت المسيح لأنه حمل الله الحقيقي الذي ذُبح، ودخل رئيس الكهنة الأعظم إلى قدس الأقداس السماوية بدم نفسه ليشفع فينا (عبرانيين ٦: ١٩،٢٠ و٩: ١٢، ٢٤). وأُقيمت عبادة روحية بدل العبادة الطقسية، فلا حاجة بعد إلى رئيس كهنة أرضي، ولا إلى رش دم في قدس الأقداس، ولا إلى التبخير في الهيكل. قد أُنجزت كل النبوات بالمسيح وأُكمل عمل الفداء.
    • إزالة كل حاجز بين الله والإنسان، لأن الحجاب كان يرمز إلى أن طريق الإنسان إلى الله مغلق، وكان شقه إشارة إلى فتح طريق حديث حي يصل به الإنسان إلى الله. وقد بطُل أن يكون قدس الأقداس في أورشليم مكاناً خاصاً لحضور الله بين الناس، وأنه يسوغ لكل إنسان أن يقترب من الله ويقف في محضره الأسنى، لأن قدس الأقداس السماوية فُتح له.
      والذين شاهدوا انشقاق الحجاب هم الكهنة دون غيرهم، فأخبروا الآخرين، لأن كثيرين منهم آمنوا بالمسيح (أعمال ٦: ٧). ولا ريب من أن مشاهدتهم ذلك أثرت فيهم كثيراً.


    وَٱلأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ لم يذكر هذه الحادثة وما في العددين الآتيين أحد من البشيرين سوى متّى، وهي ليست زلزلة طبيعية بل خارقة الطبيعية، وهي شهادة إلهية بأمور محسوسة تشير إلى أهمية موت المسيح. واعتبرت الزلازل في الكتاب المقدس في الغالب إنها علامة لحضور الله وقوته (قضاة ٥: ٤ و٢صموئيل ٢٢: ٨ ومزمور ٧٧: ١٨ و٩٧: ٤ و١٠٤: ٣٢ وعاموس ٨: ٩ وحبقوق ٣: ١٠). ولم تكن تلك الزلزلة هائلة أو ضارة ليكون لها ذكر في تواريخ العالم، بل كانت إشارة إلى اشتراك الخليقة الجمادية مع الخلائق الروحية في الانفعالات. وكما أن الشمس في السماء حجبت نورها لكي لا تشاهد آلام المسيح، كذلك الأرض ارتجفت من فظاعة إثم سكانها بصلبهم رب المجد. وكأن ذلك كان جواباً لقول الهازئين بالمسيح «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!» (متّى ٢٧: ٤٠).
    وَٱلصُّخُورُ تَشَقَّقَت تشقق الصخور مما يحدث كثيراً وقت الزلزلة. وحدوثه عند موت المسيح كان علامة غضب الله، ووعظاً وإنذاراً للناس الذين أظهروا بأعمالهم أن قلوبهم كانت أقسى من الصخور، لأن الصخور تشققت وقلوبهم لم تزل على حالها.
    ٥٢، ٥٣ «٥٢ وَٱلْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ ٱلْقِدِّيسِينَ ٱلرَّاقِدِينَ ٥٣ وَخَرَجُوا مِنَ ٱلْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا ٱلْمَدِينَةَ ٱلْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ».
    وَٱلْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ كانت القبور يومئذٍ حفراً في صخور يسد كل منها بحجرٍ كبير، فالزلزلة دحرجت تلك الحجارة عن تلك القبور. وفي ذلك إشارة إلى أن موت المسيح سيكون علة فتح كل القبور، وإبطال سلطة الموت وكسر قيوده.
    ٱلْقِدِّيسِينَ سمى الكتاب المقدس بذلك المؤمنين من الأحياء والأموات. والقرينة تبين المعنى هنا. ولم يذكر البشير من هم أولئك القديسون وكم هم، ولا المدة التي عاشوها بعد قيامتهم، ولا كيف انتقلوا من الأرض. فالبحث عن ذلك عبث وليس من ورائه فائدة.
    ٱلرَّاقِدِينَ أي الموتى (١كورنثوس ١٥: ١٨، ٢٠ و٢تسالونيكي ٤: ١٥). ووجه الشبه بين موت الأبرار والرقاد هو مثل النوم والراحة بعد التعب والعودة إلى الوجدان في الأجساد. فكما يستيقظ الراقدون هنا في صباح الزمني يستيقظ الراقدون في المسيح في صباح القيامة الأبدي. والأرجح أن الذين قاموا يومئذٍ كانوا ممن ماتوا من عهد قريب، وإلا ما عرف الذين شاهدوهم أنهم كانوا موتى وقاموا. والواقع أنهم عرفوهم كذلك.
    خَرَجُوا مِنَ ٱلْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ يظهر من هذا أنهم لم يقوموا إلا بعد أن قام المسيح. وظهورهم حينئذٍ برهان على أن المسيح غلب الموت وصار باكورة الراقدين (١كورنثوس ١٥: ٢٠ و٢٣ وكولوسي ١: ١٨). وذكر متّى قيامتهم قبل وقتها ليجمع في مكان واحد كل المعجزات المقترنة بموت المسيح، كعادته في جمع الحوادث المتماثلة بغضّ النظر عن أوقاتها. فانه حدثت زلزلة عند قيامته (متّى ٢٨: ٢) روى لنا نتيجتها مع خبر الزلزلة التي حدثت عند موته
    ٱلْمَدِينَةَ ٱلْمُقَدَّسَةَ أي أورشليم ودعيت مقدسة لأنه كان فيها هيكل الله المقدس، وكانت مركز العبادة.
    وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ لأنهم لو ظهروا لاثنين أو ثلاثة فقط لظنَّ الناس أنهم توهموا ذلك، والأرجح أن الذين شاهدوهم كانوا من تلاميذ المسيح. وظن بعضهم إنهم بقوا أحياء على الأرض مدة الأربعين يوماً التي بقى فيها المسيح على الأرض بعد قيامته، وأنهم صعدوا معه كما قاموا معه.. ولكن لا دليل على ذلك.
    ٥٤ «وَأَمَّا قَائِدُ ٱلْمِئَةِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوُا ٱلزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدّاً وَقَالُوا: حَقّاً كَانَ هٰذَا ٱبْنَ ٱللّٰهِ».
    ع ٣٦ ومرقس ١٥: ٣٩ ولوقا ٢٣: ٤٧
    َأَمَّا قَائِدُ ٱلْمِئَةِ هو قائد العسكر الذين صلبوا المسيح وحرسوه
    وَٱلَّذِينَ مَعَهُ هم أربعة جنود سخروا أولاً بالمسيح وهو على الصليب (لوقا ٢٣: ٣٦)
    مَا كَانَ أي كل ما اقترن بموت المسيح من الحوادث، وهي الظلمة، وصبر المسيح وصلاته من أجل قاتليه، ووعده بالفردوس لأحد المصلوبين معه، وصراخه عند موته، مع الزلزلة عندما أسلم الروح.
    خَافُوا جِدّاً لأنهم حسبوا الظلمة والزلزلة من أدلة غضب الله.
    وَقَالُوا الأرجح أن القائد قال ذلك أولاً وتبعه الآخرون.
    هٰذَا ٱبْنَ ٱللّٰهِ اتهم المسيح بأمرين: التجديف بدعواه أنه ابن الله، وإثارة الفتنة على الدولة الرومانية، وبرره بيلاطس مراراً من الأمر الثاني. واشتكى الرؤساء عليه إلى بيلاطس بالأمر الأول، ولعل القائد كان حاضراً وقتئذٍ وسمع ما قيل. ولا شك أنه سمع أيضاً والأربعة الذين معه قول اليهود الواقفين يستهزئون «إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب» وظنوا في أول الأمر إن دعوى المسيح باطلة، وإنه كان إنساناً فقط ومذنبا أيضاً. ولكن بعدما شاهدوا حوادث الساعة السادسة ومعجزاتها تحققوا إنه لم يكن مثيراً للفتنة ولا مجدفاً ولا إنساناً عادياً، بل إنه أحد الآلهة، وأنه يستحق اللقب الذي ادَّعى به. وذكر لوقا أن هذا القائد قال أيضاً «إن هذا الإنسان كان باراً» أي غير خادع (لوقا ٢٣: ٤٧). فتكون شهادة لوقا كشهادة متّى، لأنه إذا كان غير خادع فهو صادق بدعواه أنه ابن الله.
    أثرت معجزات الصلب في أولئك الوثنيين الذين جهلوا أعمال المسيح السابقة وتعاليمه أكثر مما أثرت في رؤساء اليهود الدين حصلوا على وسائط معرفة الحقيقة من جهة المسيح، لأنهم لم يخافوا ولم يقتنعوا. فلا أقسى من قلوب الذين يعلمون الحق ويقاومونه.
    وكانت التأثيرات العظمى بعد موت المسيح أربعة:

    • التأثير في الهيكل بأن شق حجابه
    • التأثير في الأرض بأن تزلزلت وصخورها تشققت
    • التأثير في عالم الموت بأن قام الموتى
    • التأثير الذي يقود للإيمان في قلوب المشاهدين من قائد المئة (لوقا ٢٣: ٤٧) وممن معه من الجند (ع ٥٤) ومن الجموع هنالك (لوقا ٢٣: ٤٨)


    ٥٥ «وَكَانَتْ هُنَاكَ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُنَّ كُنَّ قَدْ تَبِعْنَ يَسُوعَ مِنَ ٱلْجَلِيلِ يَخْدِمْنَهُ».
    لوقا ٨: ٢، ٣
    نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ وكان معهن بعض معارفه (لوقا ٢٣: ٤٩) ومن جملتهن يوحنا الرسول (يوحنا ١٩: ٣٥). وكانت أم المسيح هنالك في أول الصلب. والأرجح أنها لم تستطع أن تحتمل مشاهدة ابنها يتألم، فسمحت ليوحنا أن يأخذها إلى بيته بعد ما طلب منه المسيح ذلك (يوحنا ١٩: ٢٧) لأنها لم تذكر حينئذٍ مع تلك النساء.
    يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ كان وقوفهن بعيداً إما من شدة الحزن، وإما من الخوف، وإما من دفع العسكر إياهن. وكن في أول الأمر عند الصليب (يوحنا ١٩: ٢٥، ٢٦)
    تَبِعْنَ يَسُوعَ مِنَ ٱلْجَلِيلِ شغل سفر يسوع من الجليل نحو ستة أشهر، وهو يجول في برية شرق الأردن
    يَخْدِمْنَهُ أي ينفقن عليه من أموالهن (لوقا ٨: ٢)
    ٥٦ «وَبَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ ٱلْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي، وَأُمُّ ٱبْنَيْ زَبْدِي».
    ص ١٣: ٥٥ ومرقس ١٥: ٤٠
    مَرْيَمُ ٱلْمَجْدَلِيَّةُ ذكرت هذه المرأة في (متّى ٢٨: ٢ ومرقس ١٦: ١٩ ولوقا ٨: ٢ ويوحنا ٢٠: ١ و١١ - ١٨). وكانت من المجدل، وهي قرية على الشاطئ بحر الجليل الغربي، قرب مدينة طبرية. وكان الرب قد أخرج منها سبعة شياطين.
    وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي هي امرأة كلوبا (يوحنا ١٩: ٢٥) وكلوبا هو حلفى (متّى ١٩: ٣)
    أُمُّ ٱبْنَيْ زَبْدِي هي سالومة (مرقس ١٥: ٤٠) وابناها يعقوب ويوحنا (متّى ١٠: ٢) ولعلها ذكرت هنالك ما سألت المسيح عنه لولديها (متّى ٢٠: ٢٠). وأنه لو أجابها لذلك لكان ابناها مصلوبين بدل اللصين.
    وفي نحو ذلك الوقت أتى اليهود إلى بيلاطس وسألوه أن يستعمل الوسائط لتعجيل موت المصلوبين، لكيلا تبقى أجسادهم معلقة على الصليب إلى الغد. فأمر الجنود بكسر سيقان المصلوبين، فكسروا ساقي اللصين، وطعن أحدهم جنب يسوع لكي لا يبقى شك في موته.
    ٥٧ «وَلَمَّا كَانَ ٱلْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ ٱلرَّامَةِ ٱسْمُهُ يُوسُفُ وَكَانَ هُوَ أَيْضاً تِلْمِيذاً لِيَسُوعَ».
    ٱلْمَسَاءُ أي المساء الأول، وذلك نحو العصر (انظر شرح متّى ١٤: ١٥) لأن المسيح مات في الساعة التاسعة من النهار.
    جَاءَ إلى قصر بيلاطس.
    رَجُلٌ غَنِيٌّ كان أكثر تلاميذ المسيح فقراء خلافاً لهذا التلميذ. ولا شك أن الغِنى بركة إذا أراد أربابه أن ينفقوه في سبيل الله.
    مِنَ ٱلرَّامَةِ لم يتحقق أي الرامات، لأن الرامات كانت كثيرة في عهد إسرائيل. ولعلها الرامة التي ولد فيها صموئيل النبي (١صموئيل ١: ١٠، ١٩) شمال أورشليم وعلى مسافة نحو ست ساعات منها.
    يُوسُفُ كان هذا الرجل «مشيراً شريفاً» أي أحد أعضاء مجلس السبعين (مرقس ١٦: ٢٣). وكان «صالحاً باراً» (لوقا ٢٣: ٥٠). وممن ينتظرون ملكوت الله حسب قول الأنبياء (مرقس ١٦: ٤٣ ولوقا ٢: ٢٥، ٣٨ و٢٣: ٥١) وكان مخالفاً لرفقائه في المجلس بدليل قوله «هذَا لَمْ يَكُنْ مُوافِقًا لِرَأْيِهِمْ وَعَمَلِهِمْ» (لوقا ٢٣: ٥١)
    تِلْمِيذاً لِيَسُوعَ قال يوحنا «إنه وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ، وَلكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ» (يوحنا ١٩: ٣٨).
    ٥٨ «فَهٰذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلاَطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى ٱلْجَسَدُ».
    وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ هذا يقتضي شجاعة عظيمة، لأنه عرَّض نفسه للعار بكونه من تابعي المصلوب. وعرَّضها لخطر الحكومة لأن ما عمله يُعتبر اشتراكاً مع المقتول في ذنبه. ولولا الخوف من ذلك الخطر لربما كان قد طلبه غيره كيوحنا وبطرس وبعض النساء اللواتي خدمنه وهو حي. ولا نستبعد أن يوسف الرامي عُزل من مجلس السنهدريم بسبب ذلك، وأقل ما لحقه من ذلك إنه حرم نفسه بلمسه جثة المسيح من كل احتفالات العيد. وما كان يمكنه أن ينزل جسد المسيح ويدفنه إلا بإذن الوالي، وإنما طلب يوسف ذلك وفقاً لشريعة موسى لأنها أمرت بدفن المعلق على الخشبة في نهار قتله، وحسبت إبقاءه ليلاً بلا دفن تنجيساً للأرض (تثنية ٢١: ٢٢، ٢٣). وكان سبب آخر للرغبة في دفنه نهاراً لأنه كان وقت العيد واليوم الذي صلب فيه كان استعداداً للسبت (يوحنا ١٩: ٣١). واعتاد الرومان أن يتركوا جثث المصلوبين على صلبانهم حتى تفنى أو تأكلها الجوارح، وأما اليهود فاعتادوا أن يطرحوا جثث المصلوبين في حفرة في وادي هنوم، ولذلك سُمي ذلك الوادي «وادي الجثث» وكانوا يطرحون كل أقذار المدينة هنالك. والأرجح أن جثتي اللصين طرحتا هنالك. ولولا طلب يوسف لطُرح جسد المسيح معهما كما كان قصد رؤساء اليهود.
    أَمَرَ بِيلاَطُسُ حِينَئِذٍ قال مرقس إن بيلاطس تعجب لما سمع أن يسوع مات سريعاً هكذا، فدعا قائد المئة واستخبره عن ذلك (مرقس ١٥: ٤٤). فلما تحقق إنه مات أذن ليوسف أن يأخذه ليدفنه مع أنه عرف أن ذلك يغيظ رؤساء اليهود. وسمح ليوسف بذلك لأنه كان غنياً شريف النفس والوظيفة. ولعله سمح بذلك طاعةً لضميره أيضاً.
    وفي سبق العلم الإلهي أنه سيقوم أناس ينكرون موت المسيح، فكثَّر بعنايته براهين موته، فمنها طعن جنبه بالحربة (يوحنا ١٩: ٣٤، ٣٥)، وإقرار قائد المئة بذلك لبيلاطس (مر١٥: ٤٥). وشهادة رؤساء اليهود أنفسهم في العرض الذي قدموه إلى بيلاطس (ع ٣٦)
    ٥٩ «فَأَخَذَ يُوسُفُ ٱلْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ».
    وأخذ يوسف الجسد: وساعده على ذلك نيقوديموس الذي هو مثله في أنه من أعضاء مجلس السبعين. وهذا أتى بمئة مناً من مزيج مر وعود. ولا شك أنه كان مثل يوسف، لم يوافق رفاقه في حكمهم على يسوع، لأنه خالفهم قبلاً في عزمهم على مقاومة يسوع (يوحنا ٧: ٥٠ - ٥٢).
    وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ وهذا لا يفعلونه إلا للأغنياء والشرفاء. وكان ذلك الكتان شقة طويلة تحيط بالجسم مراراً. ولا شك أن الأطياب وُضعت على الجسم تحت اللفافة الأولى.
    ٦٠ «وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ ٱلْجَدِيدِ ٱلَّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي ٱلصَّخْرَةِ، ثُمَّ دَحْرَجَ حَجَراً كَبِيراً عَلَى بَابِ ٱلْقَبْرِ وَمَضَى».
    إشعياء ٥٣: ٩
    فِي قَبْرِهِ أي القبر الذي أعدَّه يوسف لنفسه. لأنه لم يكن للمسيح قبر كما لم يكن له سرير يوم ميلاده، ولا مسكن في حياته الأرضية. وتم بوضعه في ذلك القبر قول النبي «جُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ» (إشعياء ٥٣: ٩). ولعل معنى قوله «جُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ» هو ما قصده رؤساء اليهود لأنهم أرادوا أن يُطرح جسده في وادي هنوم كأجساد سائر المصلوبين. ومعنى قوله «وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ» ما قصده الله إبطالاً لقصد اليهود، بدفن المسيح في قبر يوسف الغني. وكان ذلك القبر في بستان قرب الجلجثة أي مكان الصلب (يوحنا ١٩ : ٤١)
    ٱلْجَدِيد كان دفن يسوع في قبر جديد لائقاً به نظراً لمقامه الحقيقي، وضرورياً لرفع كل شك في قيامته لئلا يقال بعدها إن غيره قام. فكل ما تعلق بدفن المسيح كان من إكرامه الإكرام الواجب له.
    نَحَتَهُ فِي ٱلصَّخْرَةِ كون ذلك القبر منحوتاً في صخرة يدفع اعتراضهم بعد ذلك أن أصحابه سرقوه، بدعوى أن العسكر كانوا يحرسون باب القبر من جانب، فرفع تلاميذه الحجارة من الجانب الآخر!
    دَحْرَجَ حَجَراً الخ كانت هيئة ذلك الحجر كهيئة حجر الرحى نحتوا لها قدام القبر طريقاً يرتفع جانبها الأبعد من القبر قليلاً دفعاً للحجر من السقوط عن القبر، ودحرجوه عن محيطه إلى الطريق المنحوتة أمام القبر لسد بابه تماماً.
    ٦١ «وَكَانَتْ هُنَاكَ مَرْيَمُ ٱلْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ ٱلأُخْرَى جَالِسَتَيْنِ تُجَاهَ ٱلْقَبْرِ».
    مَرْيَمُ ٱلأُخْرَى هي أم يعقوب ويوسي التي ذكرت في العدد ٥٦ (مرقس ١٥: ٤٦). وكانت هذه مع رفيقتها المجدلية جالستين هنالك لتشاهدا كل ما يحدث، ولم تذهبا إلا بعد ذهاب الجميع. اقتصر متّى على ذكر هاتين المرأتين، وأما لوقا فذكر النساء ولم يعين عددهن ولا أسماءهن وقال «رَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطًا وَأَطْيَابًا» بغية اكتمال تحنيطه بعد مضي السبت (لو ٢٣: ٥٥، ٥٦)
    ٦٢ «وَفِي ٱلْغَدِ ٱلَّذِي بَعْدَ ٱلاسْتِعْدَادِ ٱجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ».
    ٱلاسْتِعْدَادِ شاع هذا الاسم عند اليهود لليوم السادس من كل أسبوع لأنه كان استعداداً لليوم الذي يليه وهو السبت. فكانوا يعدون فيه ما يلزم من المأكل والمشرب والوقود وغيرها من لوازم السبت. وكان أول السبت مغرب الجمعة. وقوله «الغد» في هذه الآية يحتمل معنيين. الأول مساء الجمعة بعد الغروب، والثاني صباح السبت، لأن هذا الغد كان يوم السبت وهو من مغرب الجمعة إلى مغرب السبت. ولا شك أن المعنى هنا مساء الجمعة، لأن الرؤساء لم يمكنهم أن يتركوا القبر بلا حراس ليلة واحدة لشدة خوفهم من أن تلاميذه يسرقون جسده.
    ٱجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ الخ أي أعضاء المجلس الكبير وهؤلاء مع أنهم نالوا مأربهم من قتل المسيح لم يزالوا مهتمين بأمره، لأن اجتماعهم في غير وقته أي في يوم السبت دليل على اضطراب أفكارهم.
    ٦٣ «قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذٰلِكَ ٱلْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ».
    متّى ١٦: ٢١ و١٧: ٢٣ و٢٠: ١٩ و٢٦: ٦١ ومرقس ٨: ٣١ و١٠: ٣٤ ولوقا ٩: ٢٢ و١٨: ٣٣ و٢٤: ٦، ٧ ويوحنا ٢: ١٩
    تَذَكَّرْنَا كان هؤلاء الرؤساء يرسلون جواسيس ليراقبوا يسوع وينقلوا إليهم كل كلمة يسمعونها منه (لوقا ٢٠: ٢٩)
    ٱلْمُضِلَّ كانوا يتهمونه بأنه يضل الشعب (يوحنا ١٧: ١٢). ومن الغريب أنهم لم يستحوا من ذمِّهم في يسوع بهذه النميمة أمام بيلاطس مع أنهم سمعوا تصريحه مراراً ببراءته. واتخذوا أمامه عدم إنقاذ الله ليسوع من الموت دليلاً على كذب دعواه.
    بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ الظاهر أنهم فهموا هذا من قول يسوع «انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ» (يوحنا ٢: ١٩). مع أنهم ادعوا في محكمتهم أن معناه غير ذلك. ولعلهم استنتجوه أيضاً من قول يسوع للكتبة «كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ» (متّى ١٢: ٤٠). والأعجب أنهم فهموا هذا المعنى من كلام المسيح مع أن الرسل لم يفهموه يوم قاله، وأنهم ذكروه حين كان يوحنا وبطرس قد نسياه. فالحسد والبغض ينبهان أفكار الناس أحياناً أكثر من الصداقة والمحبة على أن عرض رؤساء اليهود لبيلاطس ما ذكر شهادة بأن المسيح أنبأ قبل موته بقيامته بعد ثلاثة أيام.
    ٦٤ «فَمُرْ بِضَبْطِ ٱلْقَبْرِ إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ، لِئَلاَّ يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ إِنَّهُ قَامَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، فَتَكُونَ ٱلضَّلاَلَةُ ٱلأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ ٱلأُولَى».
    مُرْ بِضَبْطِ ٱلْقَبْرِ أي اختمه واحرسه بالعسكر
    إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِث استعمالهم هذه العبارة بدل العبارة التي استعملوها في الآية السابقة وهي قولهم «بعد ثلاثة أيام» دليل على أنهم أرادوا بالعبارتين معنى واحداً، أي أنهم لم يقصدوا بقولهم «بعد ثلاثة أيام» ٧٢ ساعة بل يوماً كاملاً بين جزئين من يومين. وما قصدوه بذلك هو عين ما قصده المسيح.
    يَسْرِقُوهُ أي يأخذوا جسده خفية. ويظهر من قولهم هذا عمى قلوبهم من البغض والحسد والكبرياء، حتى إنهم لم يظنوا إمكان قيامته، وإلا ما ظنوا أن ختم الوالي وحراسة العسكر يمنعانها.
    ٱلضَّلاَلَةُ ٱلأَخِيرَة اتهموا المسيح إنه مضل وأرادوا بالضلالة الأولى قوله «بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ» (ع ٦٣). وبالضلالة الأخيرة قول تلاميذه بعد أن يسرقوه «إِنَّهُ قَامَ مِنَ ٱلأَمْوَات»وقولهم «ٱلضَّلاَلَةُ ٱلأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ ٱلأُولَى» دليل على أن شهادة الرسل بقيامة المسيح تثبت صحة كل ما ادَّعاه أكثر من كل تعليمه ومعجزاته
    ٦٥ «فَقَالَ لَـهُمْ بِيلاَطُسُ: عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَٱضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ».
    يظهر لنا من قول بيلاطس أنه كانت فرقة من العسكر تحت أمر رؤساء الكهنة في وقت العيد، فأذن لهم أن يستخدموها لحراسة القبر. أو أنه كتب أمراً بتعيين جماعة من الجند لتلك الحراسة وأعطاهم إياها عند قوله «عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ» أي أمرت لكم بذلك. ولا يبعد أن يكون من عينوا لحراسة القبر هم الذين عينوا لحراسة يسوع على الصليب. ومما يثبت أن الذين عُينوا كانوا من الجند الروماني أنهم عندما قام المسيح ذهبوا إلى رؤساء الكهنة وأخبروهم بما كان (متّى ٢٨: ١١) وأنهم مسؤولون لبيلاطس (متّى ٢٨: ١٤). وموافقة بيلاطس على طلب الرؤساء تدل على رغبته في إرضائهم، وأن ضميره لم يؤنبه على تسليم البريء إلى الموت.
    ٦٦ «فَمَضَوْا وَضَبَطُوا ٱلْقَبْرَ بِٱلْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا ٱلْحَجَرَ».
    دانيال ٦: ١٧
    ضَبَطُوا ٱلْقَبْرَ كل ما أتاه الرؤساء من الوسائط لمنع انتشار الخبر الكاذب بالقيامة صار أثبت برهان على صحة وقوعها، لأنه بذلك لم يبقَ محل للخداع، ولا إمكان لظن بوقوعه.
    بِٱلْحُرَّاسِ الأرجح أنهم كانوا ستة عشر، يسهر في كل مخفر أربعة منهم كما كان في سجن بطرس (أعمال ١٢: ٤).
    خَتَمُوا ٱلْحَجَرَ الأرجح أنهم لصقوا طرف خيط بالشمع الأحمر على صخرة القبر وطرفه الآخر بحجر الباب، وختموا شمع الطرفين. وأن الخاتم الذي ختموا به كان خاتم بيلاطس أعطاه لقائد العسكر. فكان نزع الختم به خيانة توجب القتل على مرتكبها. وحدث مثل هذا يوم وُضع دانيال في جب الأسود (دانيال ٦: ١٧).
    فالاحتياطات التي اتخذت لمنع الخداع وسرقة الجسد ثلاثة: أي كون الحجر ثقيلاً، ووجود الختم، والحراس.
    دخل يسوع القبر كما يدخله كل الناس على الرغم منهم. ولكن دخول المسيح إياه جعل ما كان مظلماً منيراً لتابعيه. ومكثه مدةً تحت سلطان الموت جزءٌ من اتضاعه ليفدي البشر (رومية ١٤: ٩) و «يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» (عبرانيين ٢: ١٧).

    الأصحاح الثامن والعشرون


    ١ «وَبَعْدَ ٱلسَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ ٱلأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ ٱلْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ ٱلأُخْرَى لِتَنْظُرَا ٱلْقَبْرَ».
    مزمور ١٦: ١ ولوقا ٢٤: ١ ويوحنا ٢٠: ١ ومتّى ٢٧: ٥٦
    نأتي الآن إلى صفحة مشرقة بالنور، إذ بعد اشتداد الظلمة يأتي الفجر، وبعد الصليب تبزغ أنوار القيامة المجيدة. هذا هو موضوع كرازتنا، ليس المصلوب فقط بل القائم من الأموات الذي صار باكورة الراقدين.
    وَبَعْدَ ٱلسَّبْتِ أي يوم الراحة اليهودي وهو اليوم السابع من الأسبوع.
    عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ ٱلأُسْبُوعِ عبر مرقس عن ذلك بقوله «بَاكِرًا جِدًّا... إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ» (مرقس ١٦: ٢) وعبر عنه لوقا بقوله «أول الفجر» (لوقا ٢٤: ١) وعبر عنه يوحنا بقوله «بَاكِرًا، وَالظَّلاَمُ بَاق» (يوحنا ٢٠: ١). وكل هذه العبارات بمعنى واحد، وهو الصباح. وربما نتج ما يظهر من الفرق بينها أن بعض البشيرين ذكر وقت خروج النساء من بيوتهن ليزرن القبر، وذكر البعض وقت وصولهن إليه. وذلك اليوم أي أول الأسبوع وهو يوم الأحد، صار من ذلك الوقت السبت المسيحي تذكاراً لقيامة المسيح فيه.
    مَرْيَمُ ٱلْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ ٱلأُخْرَى كانت هاتان المرأتان آخر من ترك الصليب والقبر مساء الجمعة (متّى ٢٧: ٥٦، ٦١) وكانتا أول من زار القبر صباح الأحد. واقتصر يوحنا علي ذكر مريم المجدلية لأنها أشهر، ولأن المسيح ظهر لها عند قيامته. وذكر مرقس امرأة ثالثة هي سالومة (مرقس ١٦: ١) وأتى بعد هؤلاء الثلاث فرقة أخرى من النساء حاملات حنوطاً وهن اللواتي تبعن يسوع من الجليل (لوقا ٢٣: ٥٥، ٥٦ و٢٤: ١ - ١٠) ولم يتحقق أن تكون يونا (وهي امرأة خوزي وكيل هيرودس لوقا ٨: ٣) مع الفرقة الأولى أو الفرقة الثانية (لوقا ٢٤: ١٠)
    لِتَنْظُرَا ٱلْقَبْرَ فعلتا ذلك للتعزية في حزنهما، ولإظهار إكرامهما لذلك الميت، وليريا هل بقي القبر كما تركتاه. وبقي سبب آخر لم يذكره متّى وذكره مرقس ولوقا وهو إتيانهما بأطياب لتكميل تحنيط جسد المسيح، لأنه لم يكمل يوم الجمعة للسرعة في دفنه. ولربما كان من جملة ما حملهما على ذلك بعض الرجاء أن يحدث شيء غريب في اليوم الثالث من دفنه على ما أنبأ به سابقاً. ويظهر أنهما لم يعرفا شيئاً من أمر الحراس الذين أرسلوا إلى هنالك يوم الجمعة بعد غيابهما، ولا من أمر ختم القبر، فلم تهتما إلا بدحرجة الحجر عن باب القبر لأنهما لا تقدران على دحرجته (مرقس ١٦: ٣).
    ٢ «وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ ٱلرَّبِّ نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ ٱلْحَجَرَ عَنِ ٱلْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْه».
    مرقس ١٦: ٥ يوحنا ٢٤: ٤ ويوحنا ٢٠: ١٢
    زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ هذا تكرار ما حدث عند موت المسيح. وعندما دحرج الملاك الحجر زادت القيامة وقاراً وهيبة، وذلك يليق بها، كما أنه نبّه الحراس ليشاهدوا الملاك عند نزوله.
    مَلاَكَ ٱلرَّبِّ... وَدَحْرَجَ لم تشاهد المرأتان هذا لأنه حدث قبل وصولهما (مرقس ١٦: ٢ - ٤) ولوقا ٢٤: ٢ ويوحنا ٢٠: ١). ودحرجة الملاك للحجر لم تكن لأجل المسيح، فلم يكن هناك مانع من خروجه من القبر بجسده الذي اتخذه عند القيامة (يوحنا ٢٠: ١٩، ٢٦) بل لأجل النساء والتلاميذ ليدخلوا القبر ويتحققوا قيامته.
    لم يشاهد أحد من البشر قيامة المسيح أثناء قيامته. وهرب الحراس قبل وصول المرأتين (لوقا ٢٤: ٢ ويوحنا ٢٠: ١) وقال الملاك لهما «لَيْسَ هُوَ هٰهُنَا، لأَنَّهُ قَامَ» (ع ٦)
    أنبأ الملائكة مريم بولادة المسيح، ونادوا بها للرعاة، وأعانوا المسيح وقت التجربة، وشددوه عند آلامه في جثسيماني، ودحرجوا الحجر عن القبر، وبشروا النساء بقيامته.
    وَجَلَسَ عَلَيْه هذا شاهده الحراس قبلما هربوا.
    ٣ «وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَٱلْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَٱلثَّلْجِ».
    دانيال ١٠: ٦
    مَنْظَرُهُ كَٱلْبَرْقِ أي لامع لمعاناً باهراً (خروج ٣٤: ٢٩ ، متّى ١٧: ٢ ، رؤيا ١: ١٤)
    وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَٱلثَّلْجِ إشارة إلى الطهارة وإلى صفات الملائكة (دانيال ٧: ٩ ، رؤيا ٣: ٤، ٥، ١٨ و٤: ٤، ٦: ١١، ٧: ٩، ١٣)
    ٤ «فَمِنْ خَوْفِهِ ٱرْتَعَدَ ٱلْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ».
    ٱرْتَعَدَ ٱلْحُرَّاسُ نسب متّى ارتعادهم إلى مشاهدتهم الملاك. ولكن لا ريب في أنه أثر فيهم أيضاً ارتجاف الأرض من الزلزلة، ولمعان النور الباهر، ودحرجة الحجر عن الباب.
    وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ هذا دليل على شدة هولهم حتى فقدوا القوة وأغمى عليهم، وكان ذلك قبل وصول المرأتين. وحلَّ الحراس من الملائكة محل الحراس من العسكر.
    ٥ «فَقَالَ ٱلْمَلاَكُ لِلْمَرْأَتَيْنِ: لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ ٱلْمَصْلُوبَ».
    فَقَالَ ٱلْمَلاَكُ كان جوابه على سؤال غير ملفوظ، وهو خوف المرأتين. والبشير متّى لم يذكر هنا سوى ملاك واحد وهو المتكلم، وهذا لا يمنع من أن يكون هنالك غيره من الملائكة كما ذكر البشيرون الآخرون، ومن أن يكون بعض الملائكة خارج القبر وبعضهم داخله، وأن يكون بعضهم وقوفاً والبعض جلوساً (مرقس ١٥: ٥ ولوقا ٢٤: ٤ ويوحنا ٢٠: ١٢)
    لِلْمَرْأَتَيْن الأرجح أن مريم المجدلية عندما رأت القبر مفتوحاً جرت إلى المدينة وأخبرت بطرس ويوحنا، وأنها لم تسمع ما قاله الملاك، لأنها لو سمعت أخباره بقيامة المسيح ما قالت لهما «أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!» (يوحنا ٢٠: ٢) وما قالت لمن ظنته البستاني «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ، وَأَنَا آخُذُهُ» (يوحنا ٢٠: ١٥).
    لاَ تَخَافَ كانت مشاهدة الملاك والقبر مفتوحاً كافية لأن ترهبهما، فبادر الملاك إلى مخاطبتهما حاملاً معه كلمات الاطمئنان.
    إِنِّي أَعْلَمُ علم من هيئة مجيئهما وحديثهما وما في أيديهما من الأطياب.
    يَسُوعَ ٱلْمَصْلُوبَ عُرِف بين الملائكة بهذا اللقب (رؤيا ٥: ٦ و٧: ٩)
    ٦ «لَيْسَ هُوَ هٰهُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ. هَلُمَّا ٱنْظُرَا ٱلْمَوْضِعَ ٱلَّذِي كَانَ ٱلرَّبُّ مُضْطَجِعاً فِيهِ».
    متّى ١٢: ٤٠ و١٦: ٢١ و١٧: ٢٣ و٢٠: ١٩
    شهد ملاكان بهذه الشهادة لنساء أُخر داخل القبر ( لوقا ٢٤: ٦، ٧ )
    برهنت قيامة المسيح صحَّة دعواه وأن دينه حق إلهي (أعمال ٢: ٢٢، ٢٤) وبرهنت أيضاً حياة المسيح بعد موته وقوته (رومية ٥: ١١).
    وهي عربون الحياة المستقبلة لكل مؤمن (١كورنثوس ١٥: ٢٠، ٣٢)
    كَمَا قَالَ متّى ١٢: ٤ و١٦: ٢١ و١٧: ٢٣ ويوحنا ٢: ١٨ - ٢٢
    ٱنْظُرَا ٱلْمَوْضِعَ الخ لتتحققا من عدم وجود جسد فيه، وهذا يثبت قولي إنه قام.
    ٱلرَّبُّ لم يقل ربكما بل «الرب» إثباتاً أنه الله. فالذي دعاه «المصلوب» قبلاً دعاه هنا «الرب».
    ٧ «وَٱذْهَبَا سَرِيعاً قُولاَ لِتَلاَمِيذِهِ إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ. هَا هُوَ يَسْبِقُكُمْ إِلَى ٱلْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ. هَا أَنَا قَدْ قُلْتُ لَكُمَا».
    متّى ٢٦: ٣٢ ومرقس ١٦: ٧
    لِتَلاَمِيذِهِ أي كل التلاميذ ولا سيما لبطرس (مرقس ١٦: ٧)
    يَسْبِقُكُمْ إِلَى ٱلْجَلِيلِ الجليل هو القسم الشمالي من الأرض المقدسة حيث قضي المسيح أكثر وقت خدمته فيه. ووعد تلاميذه قبل موته أن يجتمع معهم في الجليل بعد قيامته. وليس معنى قوله «يسبقكم» أنه يسير قدامهم في الحال، بل أنه عازم على إنجاز وعده باجتماعه معهم هناك. وعلة اجتماعه معهم في الجليل لا في أورشليم الاحتراس من شيوع أمره، وهياج الاضطهاد على تلاميذه، ولأن مساكن أكثر تلاميذه هناك.
    أَنَا قَدْ قُلْت الخ قال الملاك هذا تأكيداً وتحقيقاً لما سبق وقاله
    ٨ «فَخَرَجَتَا سَرِيعاً مِنَ ٱلْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ، رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ».
    فَخَرَجَتَا... مِنَ ٱلْقَبْرِ هذا دليل واضح على أنهما كانتا داخل القبر.
    بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ قلما يجتمع الخوف والفرح معاً، فاجتماع الاثنين الآن هو دليل آخر على عظمة المشهد وروعته. وكان خوفهما بسبب مشاهدة الملاك وسماع صوته. وكان فرحهما بسبب تبشيره إياهما بقيامة المسيح.
    رَاكِضَتَيْنِ رغبتهما في تبشير التلاميذ بقيامة المسيح حملتهما علي الإسراع والهرب، والأرجح أن هاتين المرأتين كانتا مريم أم يعقوب وسالومة (مرقس ١٦: ٨). أما مريم المجدلية التي كانت معهما في أول الأمر فإنها رأت القبر مفتوحاً وظنت أن جسد المسيح قد سُرق، فرجعت إلى المدينة لتخبر بطرس ويوحنا، ولذلك لم تشاهد الملاك. ثم عادت إلى القبر، ولكن بطرس ويوحنا سبقاها إليه وشاهداه فارغاً، ورجعا إلى المدينة. ثم وصلت مريم وبقيت هناك، وظهر المسيح لها قبل الجميع (مرقس ١٦: ٩)
    ٩ «َفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ: سَلاَمٌ لَكُمَا. فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَه».
    مرقس ١٦: ٩ ويوحنا ٢٠: ١٤
    لاَقَاهُمَا هذا ظهور المسيح الثاني بعد قيامته، وكان الأول ظهوره للمجدلية (مرقس ١٦: ٩) فمرقس قصد بقوله «أولاً» الظهور الأول من الثلاثة التي اقتصر عليها، كما أراد بقوله «أخيراً» آخر هذه الثلاثة. فيحتمل أنه ظهر قبلها.
    سَلاَمٌ لَكُمَا هذا السلام تعزية لهما في حزنهما على موته، وتهنئة لهما بقيامته.
    أَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ إمساكهما بقدميه حقق لهما قيامته، وقبوله سجودهما إثبات للاهوته لأنهما احترمتاه وسجدتا له باعتبار أنه شخص إلهي، ولذلك لم يرفض شيئاً مما فعلتاه من علامات الإكرام، ورفض ما فعلته مريم المجدلية (يوحنا ٢٠: ١٧). ولا شك أن علة ذلك هو إكرامها له باعتبار أنه صديق بشري.
    ١٠ «فَقَالَ لَـهُمَا يَسُوعُ: لاَ تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى ٱلْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي».
    يوحنا ٢٠: ١٧ ورومية ٨: ٢٩ وعبرانيين ٢: ١١
    لاَ تَخَافَا لأنهما خافتا طبعاً لمشاهدتهما بغتة يسوع حياً بعد تيقنهما أنه مات.
    لإِخْوَتِي أي تلاميذي. وسمّاهم إخوة بالمعنى الروحي. وهذه أول مرة دعا تلاميذه إخوة له. ولو أنه قال قبلها على وجه العموم «مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي... هُوَ أَخِي» (متّى ١٢: ٥٠) وتخصيص تلاميذه وقتئذٍ بذلك الاسم إشارة إلى أنه غفر لهم تركهم إياه وشكهم فيه وإنكارهم إياه، وأكد لهم بذلك محبته لهم، وأمَّنهم كما أمَّن يوسف إخوته الذين باعوه إلى مصر بقوله «أَنَا يُوسُفُ أَخُوكُمُ» (تكوين ٤٥: ٤). فيسوع مع إنه هو غالب الموت والجحيم لم يزل يحسب تلاميذه إخوة له.
    إِلَى ٱلْجَلِيلِ هذا تكرار لوعده لهم (متّى ٢٦: ٣٢) ووعد الملاك للمرأتين (ع ٧). وقصد المسيح أن يكون الاجتماع هناك عاماً.
    ١١ «وَفِيمَا هُمَا ذَاهِبَتَانِ إِذَا قَوْمٌ مِنَ ٱلْحُرَّاسِ جَاءُوا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ ٱلْكَهَنَةِ بِكُلِّ مَا كَانَ».
    فِيمَا هُمَا ذَاهِبَتَانِ أي في أثناء ما سبق.
    قَوْمٌ مِنَ ٱلْحُرَّاسِ هذا دليل على أن الحراس تشتتوا من شدة الخوف، فذهب بعضهم إلى جهة والبعض إلى جهة أخرى. ولكن تركهم القبر بلا إذن عرَّضهم للقصاص الشديد. على أن هروبهم هو شهادة بصحَّة حوادث القيامة، لأنه لا يمكن أن يهربوا ويعرضوا أنفسهم لذلك القصاص إلا لهولٍ عظيم.
    وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ ٱلْكَهَنَةِ في هذه فرقتان من المخبِّرين: الأولى المرأتان، وكان خبرهما بشارة التلاميذ. والثانية الحراس وكان خبرهم إنذاراً وعلة حزن وخجل للرؤساء.
    وأخبر الحراس رؤساء الكهنة لأن بيلاطس جعل الحراس يومئذٍ تحت أمر أولئك الرؤساء، ولا بد أن ذلك الخبر أزعجهم كثيراً لأنهم مبغضو المسيح وقاتلوه، وأزعج الصدوقيين منهم أكثر مما أزعج سائرهم لأنهم أنكروا إمكانية القيامة (أعمال ٤: ٤٢). وقيامة المسيح تبطل زعمهم بأن لا قيامة ولا أرواح! وكان الرؤساء قد وعدوا أن يؤمنوا بالمسيح إن نزل عن الصليب (متّى ٢٧: ٤٢) فوجب أن يؤمنوا به لما هو أعظم من النزول عن الصليب بشهادة حراسهم. وهم كانوا قد طلبوا آية من المسيح، ووعدهم بآية يونان النبي، فأنجز وعده (متّى ١٢: ٣٩، ٤٠) فكان عليهم أن يتوبوا ويؤمنوا به.
    بِكُلِّ مَا كَانَ أي الزلزلة، وإتيان الملاك، وانفتاح القبر.
    ١٢ «فَٱجْتَمَعُوا مَعَ ٱلشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا ٱلْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً».
    فَٱجْتَمَعُوا مَعَ ٱلشُّيُوخِ اجتمع رؤساء الكهنة المتفقون على قتل المسيح، في مجلس السبعين. ولا شك أن يوسف الرامي ونيقوديموس لم يجتمعا معهم.
    تَشَاوَرُوا أي رأوا آراء مختلفة حتى اتفقوا على واحدٍ منها، والظاهر أنه لم يخطر على بالهم أن يخبروا الشعب بحقيقة الواقع، لأنه لو عرف الشعب بظهور الملائكة وكل ما صار لاستنتجوا بالضرورة أن دعوى المسيح صادقة، ولكانوا آمنوا به.
    أَعْطَوُا ٱلْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً أي رشوهم رشوة وافرة، وكانوا قد رشوا الإسخريوطي وشهود الزور قبل الصلب، واضطروا بعد الصلب أن يرشوا العسكر بأكثر من ذلك.
    ١٣ «قَائِلِينَ: قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلاً وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ».
    ظهر عجزهم وحيرتهم من أنهم لم يستطيعوا الوصول إلى حجة يقبلها العقل أعظم مما ذكروا. وأي عاقل يصدق أن تلاميذه الذين هم صيادون من الجليل يجسرون على فتح قبر يحرسه الجنود الرومان؟ أو أنهم إن جسروا على ذلك يكون لهم أدنى رجاء للنجاح، لأنه لا يتوقع أن يكون أولئك الحراس كلهم نياماً في وقت واحد مع علمهم أن قصاص من ينام وقت الحراسة هو الموت (أعمال ١٢: ١٩)؟ فإن صح أن الحراس كانوا نياماً كلهم، فمن أين عرفوا أن تلاميذه سرقوه؟ ليس لهم إذاً سوى أن يقولوا: نمنا واستيقظنا فوجدنا القبر مفتوحاً خالياً من الميت. ولو كان بعضهم نياماً والبعض ساهرين لنبَّه الساهرون النائمين، ومنعوا التلاميذ من السرقة! ولو صح أن الحراس ناموا وتركوا التلاميذ يسرقون الجسد ويشيعون الخبر الكاذب بقيامته ما صدق أحد أن الرؤساء لا يغضبون على الحراس ويسرعون إلى بيلاطس ويشتكون عليهم ويطلبون قصاصهم، ويسألونه القبض على التلاميذ وعقابهم على خيانتهم الحكومة بنزع الختم! وإن لم يقم المسيح فأي منفعة للتلاميذ من سرقة جسده وادعاء قيامته، إذ ليس لهم من ذلك سوى العار والعذاب والموت.
    ١٤ «وَإِذَا سُمِعَ ذٰلِكَ عِنْدَ ٱلْوَالِي فَنَحْنُ نَسْتَعْطِفُهُ، وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ».
    ذٰلِكَ أي أنكم كنتم نياماً وقت الحراسة.
    ٱلْوَالِي أي بيلاطس
    نَسْتَعْطِفُهُ الأرجح أنهم اعتمدوا أن يرشوه لأنه كان مشهوراً بحب الرشوة، فوعدوهم بعد أن رشوهم بأن يرضوا ببلاطس حتى يعفو عن الحراس ويصفح عما ارتكبوه من مخالفتهم القوانين العسكرية، إن بلغه خبر نومهم. ولكن لا دليل على أن بيلاطس سأل عن هذا الأمر.
    وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ كان الرؤساء مستعدين أن يعدوا الحراس بكل شيء في سبيل أن يغيروا شهادتهم بالواقع.
    ١٥ «فَأَخَذُوا ٱلْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هٰذَا ٱلْقَوْلُ عِنْدَ ٱلْيَهُودِ إِلَى هٰذَا ٱلْيَوْمِ».
    إِلَى هٰذَا ٱلْيَوْمِ أي اليوم الذي كتب فيه متّى بشارته، وكان ذلك بعد نحو ثلاثين سنة للقيامة، لأن اليهود كانوا وقتئذٍ يعتقدون صدق ذلك الخبر الكاذب، وما زالوا يصدقونه إلى الآن، مع أنه قد مرَّ عليه أكثر من ١٨٠٠ سنة.
    ١٦ «وَأَمَّا ٱلأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذاً فَٱنْطَلَقُوا إِلَى ٱلْجَلِيلِ إِلَى ٱلْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ».
    ٱلأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذاً اقتصر على ذكر هؤلاء لأنهم أشهر ممن سواهم من المؤمنين.
    ٱنْطَلَقُوا لم ينطلقوا إلا بعد نهاية عيد الفصح، فأقل ما مكثوه في أورشليم كان ثمانية أيام بعد قيامة المسيح، لأن يوحنا ذكر حضورهم هنالك في الأحد الذي قام المسيح فيه، والأحد الذي بعده (يوحنا ٢٠: ١٩، ٢٦)
    إِلَى ٱلْجَبَلِ لا شيء يعين لنا هذا الجبل، والمرجح أنه قرب بحر الجليل
    حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ (متّى ٢٦: ٣٢).
    ١٧ «وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلٰكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا».
    وَلَمَّا رَأَوْهُ يدلنا ما ذُكر في هذه الآية على أنه كان للمسيح تلاميذ غير الأحد عشر رسولاً المذكورين آنفاً، لان الأحد عشر شاهدوه قبلاً في أورشليم ونفوا شكوكهم (يوحنا ٢٠: ٢٠، ٢٧، ٢٨). والأرجح أن الذين اجتمعوا بالمسيح في الجليل غير الأحد عشر، وهؤلاء ذكرهم بولس بقوله «بَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ» (١كورنثوس ١٥: ١٦) وهذا الاجتماع عينه المسيح قبل موته (إشعياء ٢٦: ٣٢) وأخبر به المسيح أيضاً (ع ١٠)
    سَجَدُوا لَهُ كان هذا السجود عبادة روحية، وعبدوه باعتبار كونه ملكاً ومسيحاً وابن الله المنتصر على الموت.
    بَعْضَهُمْ شَكُّوا ولا نعجب من هذا الشك فإن الخبر بالقيامة كان غريباً جداً وغير منتظر، والأرجح أنهم نسوا قوله إنه بعد ثلاثة أيام يقوم. وكان هذا الشك وقتياً، بسبب عدم تحققهم في أول الأمر أنه هو الذي عرفوه قبل الموت، لأنه كان قد حدث بعض التغيير في منظره بعد القيامة عاق أقرب معارفه عن تحققه فوراً. وهذا ما جرى مع مريم المجدلية التي ظنته في أول الأمر البستاني (يوحنا ٢٠: ١٥) وهو ما جرى مع التلميذين اللذين ذهبا معه إلى عمواس (لوقا ٢٤: ١٦، ٣١) وما جرى مع بطرس ويوحنا وغيرهما عند بحر الجليل (يوحنا ٢١: ١، ٤). وساقتهم تلك الشكوك إلى التحقيق فلم يتركوا لنا شكاً في صحة قيامته، لأنهم فحصوا كل شيء قبل أن يؤمنوا بالقيامة.
    ولا بد أن يكون المسيح قد ظهر لتلاميذه مراراً كثيرة في الأربعين يوماً التي بقي فيها على الأرض بعد قيامته لم يذكر سوى بعضها (يوحنا ٢٠: ٣٠ وأعمال ٣١) والذي ذُكر منها عشرة:

    • ظهوره لمريم المجدلية: يوحنا ٢٠ : ١٢، ١٨ ومرقس ١٦: ٩ - ٢٠
    • لبعض النساء الراجعات من القبر: متّى ٢٨: ٩، ١٠
    • لبطرس (لوقا ٢٤: ٣٤ و١كورنثوس ١٥: ٥) ولعله ظهر له بعد الظهر بقليل
    • لتلميذين منطلقين إلى عمواس (مرقس ١٦: ١٢ ولوقا ٢٤: ١٣) وكان ذلك نحو المساء.
    • لعشرة تلاميذ في أورشليم مساء يوم قيامته (لوقا ٢٤: ٣٦، ٤٢)
      (وكانت هذه الخمسة كلها يوم قيامته في أورشليم أو بالقرب منها).
    • للأحد عشر في الأحد الثاني بعد قيامته (لوقا ٢٠: ٢٦).
      (وكان ذلك أيضاً في أورشليم)
    • لسبعة من الرسل على شاطئ بحر الجليل (يوحنا ٢١: ١، ٤٢).
    • لأكثر من خمس مئة أخ مع الأحد عشر رسولاً علي جبل في الجليل (متّى ٢٨: ١٦ و١كورنثوس ١٥: ٦).
    • ليعقوب (١كورنثوس ١٥: ٧).
    • لكل رسله يوم صعوده وظهر لهم أولاً في أورشليم ثم في بيت عنيا حيث صعد (لوقا ٢٤: ٥٠).


    والأدلة على صحة قيامة المسيح كثيرة نقتصر على عشرة منها:

    • ظهوره مراراً بعد قيامته، فلو ظهر مرة واحدة لأمكن أن يُقال إن الذين شاهدوه توهموا. ولأنه ظهر ليس أقل من عشر مرات لم يبق في ذلك شك
    • كثرة الشهود بقيامته فلو شهد واحد إنه رآه عشر مرات لبقي باب الشك، ولكن الشهود كانوا أكثر من واحد، حتى وصل عددهم إلى أكثر من خمس مئة.
    • طول المدة التي ظهر فيها وهي أربعون يوماً، ومرات ظهوره المذكورة كانت ستاً مختلفة. وكانت قيامة المسيح موضوع حديث الرسل وتأملاتهم وصلواتهم في كل تلك المدة، فكان لهم وقت كافٍ لفحص الأمر بالتأني والتدقيق.
    • وضوح ظهوره في كل مرة، فإن منها ما كان في الصباح، ومنها ما كان في المساء، ومنها ما كان بينهما. وظهر داخل البيت، وعلي الطريق، وعلى شاطئ البحر، وعلى قمة الجبل، وفي أوقات معينة. وهذه الأحوال تمنع من الخداع.
    • تحقق المشاهدون قيامته بشهادة حواسهم، فإنهم رأوه مراراً في أيام مختلفة حتى لم يبق في نفوسهم شك في أنه هو هو. وسمعوه يتكلم، فمريم المجدلية عرفته من صوته، وسمع التلاميذ خطابه الطويل لهم. ولمسوه (متّى ٢٨: ٩ ولو ٢٤: ٣٩) وأكلوا معه فإنه تعشى مع اثنين في عمواس (لو ٢٤: ٣٩، ٤٣) وتغدَّى مع سبعة من التلاميذ عند بحر الجليل (يوحنا ٢١)
    • لم تكن قيامته منتظرة، ولو انتظرها الذين شاهدوا المسيح بعد قيامته لظنوا أن آمالهم خدعتهم وتصوراتهم زينت لهم ذلك. وتدل الأخبار على أنهم لم يصدقوها إلا بصعوبة. فليس توما وحده الذي شك فيها إلى أن التزم بقوة البيان ليؤمن بها.
    • التغيير العظيم الذي حدث في الرسل حينئذٍ، فإنهم انتقلوا من حالة اليأس إلى الرجاء ومن الجبن إلى الشجاعة، وما علة ذلك إلا صحة قيامته.
    • ختم الرسل شهادتهم بصحة القيامة بدمائهم.
    • اعتقاد كل المسيحيين من ذلك اليوم إلى هذه الساعة بصحة تلك القيامة.
    • اتخاذ الأحد يوم راحة بدلاً من السبت، فإن حفظ اليوم السابع كان فرضاً دينياً نحو أربعة آلاف سنة فيستحيل أن تتفق الكنيسة بأسرها على إبداله بالأحد لأمر لم يحدث.


    ولنا في قيامة المسيح ثلاث فوائد كبرى:

    • البرهان القاطع على صحة دعوى المسيح، فالقيامة شهادة سماوية إلهية، واعتقدها الرسل وشهدوا بها، واستندوا عليها في تبشيرهم. ولولا صحة القيامة لكان الدين المسيحي باطلاً (١كورنثوس ١٥: ١٤).
    • تحقق انتصار المسيح على عدو الإنسان الأخير أي الموت فإنه كل من قام من الموت قبله خضع له ثانيةً، أما المسيح فقام ولا يتسلط عليه الموت بعد.
    • قيامة المسيح إنباءٌ بالقيامة العامة وعربون لها، لأن المسيح «قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ» (١كورنثوس ١٥: ٢٠).


    قيامة المسيح معجزة المعجزات:


    مما يدل على أن قيامة المسيح معجزة المعجزات أنها تشتمل على كل ما هو خارق للطبيعة في سائر المعجزات. ولنا على ذلك أربعة براهين:

    • تغيير نظام الخليقة بتلك الزلزلة غير العادية.
    • تغيير شرائع المادة بأن الجسد الذي قام المسيح به كان غير خاضع لنواميس المادة، لأنه دخل الغُرف والأبواب مغلقة، وتوارى عن أبصار مشاهديه وهو بينهم.
    • انتصار المسيح على سلطان الموت بقيامته وإقامته غيره من موتى القديسين
    • ظهور الملائكة حراساً للقبر ورسلاً إلى الناس.


    ١٨ «فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلأَرْضِ».
    دانيال ٧: ١٣ ،١٤ ومتّى ١١: ٢٧ ولوقا ١: ٣٢ و١٠: ٢٢ ويوحنا ٣: ٣٥ و٥: ٢٢ و١٣: ٣ و١٧: ٢ وأعمال ٢: ٣٦ ورومية ١٤: ٩ و١كورنثوس ١٥: ٣٧ وأفسس ١: ١٠، ٢١ وفيلبي ٢: ٩، ١٠ وعبرانيين ١: ٢ و٢: ٨ و١بطرس ٣: ٢٢ ورؤيا ١٧: ١٤
    فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ هذا يدل على أن المسيح كان بعيداً عنهم في أول الأمر، فاقترب من الكل أو ممن شكوا فزال شكهم لأنهم تأكدوا أنه هو هو، كما زال شك توما كذلك في غير هذا الوقت (يوحنا ٢٠: ٢٧، ٢٨) .
    دُفِعَ أي من الآب إلى الابن باعتبار أنه إنسان وإله. والسلطان الذي دُفع إليه حينئذٍ كان له منذ الأزل باعتبار كونه إلهاً، ولكنه أخلى نفسه منه عند تجسده تنازلاً ليكفر عن خطايا الناس، وأُعيد إليه عند قيامته. فسياسة الكون الآن في يد المسيح لإجراء عمل الفداء.
    إِلَيَّ الضمير راجع إلى يسوع المسيح الإله المتجسد. وهذا مما يثبت لاهوت المسيح، لأنه من المحال أن يتقلد المخلوق صفات الخالق، والمحدود صفات غير المحدود. وأن يستعمل البشر قوة الله غير المتناهية.
    كُلُّ سُلْطَانٍ دُفع إليه ذلك إثابةً على اتضاعه، وليمارسه لإجراء عمل الفداء (دانيال ٧: ١٤ ورومية ١٤: ٩ وأفسس ١: ٢٠، ٢٣ وفيلبي ٢: ٩، ١١ وكولوسي ٢: ١٠ وعبرانيين ١: ٣، ٦ و١٢: ٢ و١بطرس ٣: ٢٢ ورؤيا ١٧: ١٤)
    فِي ٱلسَّمَاءِ :

    • ليرسل الروح القدس (يوحنا ١٥: ٢٦ وأعمال ١: ٥، ٨ و٢: ٤، ٣٣ و٤: ٣١)
    • ليرسل الملائكة (أعمال ٥: ١٩ و١٢: ٧ و٢٧: ٢٣ وأفسس ١: ٢٠، ٢٣)
    • ليشفع عند الآب (رومية ٨: ٣٤ وعبرانيين ٧: ٢٥)
    • ليسمع صلوات شعبه ويستجيبها (١يوحنا ٥: ١٤، ١٥)


    عَلَى ٱلأَرْض ليجعل العناصر طوع أمره ومتممة مقاصده، وليجعل غضب الإنسان يحمده (مزمور ٧٦: ١٠)، وليفدي شعبه ويحفظهم، ويؤسس كنيسته ويعتني بها ويحميها، ويمد ملكوته في العالم.
    ١٩ «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلآبِ وَٱلابْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».
    مرقس ١٦: ١٥ وإشعياء ٥٢: ١٠ ولوقا ٢٤: ٤٧ وأعمال ٢: ٣٨، ٣٩ ورومية ١٠: ١٨ وكولوسي ١: ٢٣
    انتهت بشارة متّى بأمر ووعد، كلاهما ذو شأن عظيم. وبعد أن تحققت القيامة صار على التلاميذ واجبات خطيرة يجب أن يقوموا بها بكل أمانة: عليهم أن يتلمذوا الناس بالتعليم الصحيح قبل أن يعمدوهم بهذا الإيمان الذي يغير العالم.
    فَٱذْهَبُوا الفاء هنا سببية فإن المسيح أخذ كل السلطان، وأوجب عليهم أن يذهبوا غير ملتفتين إلى ضعفهم، متكلين على حضوره معهم وتقويته إياهم. ولم يقصر أمره بالذهاب على رسله ولا على من حضر وقتئذٍ من المؤمنين، بل وجَّهه إلى كل مسيحي منذ ذلك الوقت إلى نهاية الزمان، وهذا ظاهر من وعده في ع ٢٠ «هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». ومن الواضح أنه لا يصح قصر ذلك الوعد على من لا يعيش إلى انقضاء الدهر. كما أن قصر الأمر المقترن بالوعد على الأحد عشر تلميذاً مستحيل. وذلك ما فهمته الكنيسة من أمره واتخذته دستوراً لها (أعمال ٨: ٤)
    وَتَلْمِذُوا أي ارشدوا الناس إلى معرفة الإنجيل ليصيروا مسيحيين، لا بالإجبار بل بالتعليم، لتقتنع عقولهم وضمائرهم فيقبلوا المسيح وخلاصه. وهذه هي الوظيفة العظيمة الوحيدة التي سلمها المسيح كنيسته. فهي لم توكل لتخضع الأمم بل لتعلمهم. وسيف الروح أي كلمته هو السلاح الوحيد الذي يجب أن يستعمل لامتداد ملكوته.
    جَمِيعَ ٱلأُمَم كان إرسال المبشرين بالإنجيل في أول الأمر إلى اليهود ( ص ١٠) ولكن المسيح أطلقه هنا، فأمر بتبشير كل الناس يهوداً وأمماً. وهذا يناقض أراء اليهود، لأنهم اعتقدوا أن معرفة الدين الحق مقصورة عليهم، حتى أن تلاميذ المسيح توقفوا عن طاعة هذا الأمر لتعصبهم اليهودي (أعمال ١١: ٣ و١٥: ٥ وغلاطية ٢: ١٢) فمضت عليهم سنون وهم يتأخرون عن إجرائه حتى ألزمهم الاضطهاد في أورشليم أن يذهبوا منها ويبشروا الأمم ولم يُقدِم بطرس على إجراء ذلك إلا برؤيا من السماء. ولم تُقدِم الكنيسة عليه إلا بشهادة بطرس لهم بتلك الرؤيا (أعمال ١٠).
    وتبين مما ذكر:

    • أن الدين المسيحي سيكون دين كل أهل الأرض، لا أحد أديانها.
    • أن هذا الدين موافق لاحتياجات جميع الناس (رومية ١: ١٦ و١٠: ١٢)
    • يجب أن تكون الكنيسة بأسرها لجنة عظيمة لنشر الإنجيل إلى أن يؤمن الناس كلهم بالمسيح.


    وَعَمِّدُوهُم هذا هو الجزء الثاني من توكيل المسيح للمؤمنين، وهو أن يعمدوا الناس إذا قبلوا تعليمهم وآمنوا بالمسيح. والتعميد هو استعمال الماء في الروحيات إشارة إلى تطهير القلب وفعل الروح القدس وختم عهد الله للمؤمن. وأعطى الله هذا العهد أولاً لإبراهيم ونسله وجدده المسيح بعد قيامته. فهو في العهد الجديد بدل الختان في العهد القديم، ولذلك يسمح بالمعمودية لأطفال المؤمنين كما للبالغين (أعمال ١٦: ١٥، ٣٣). والفرق أن الأطفال يُعلمون بعد المعمودية والبالغين قبلها. ولا بد من اقتران التعميد بالتعليم عند الإمكان.
    تتضمن المعمودية باسم الثالوث الأقدس خمسة أمور:

    • أن الله جوهر واحد في ثلاثة أقانيم.
    • أن المعمودية بأمره وسلطانه.
    • تعهد المعتمد بخدمة الله ووقفه نفسه لتلك الخدمة.
    • الاعتراف بدين المسيح علانية.
    • الفوز بالفوائد المقترنة بالتعهد لله.


    ٱلآبِ وَٱلابْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ الاعتماد باسم الآب إقرار بكونه خالقاً معتنياً متسلطاً دياناً محسناً تمجيده غاية الإنسان العظمى. والاعتماد باسم الابن إقرار بكونه إلهاً ونبياً وكاهناً وملكاً ووسيطاً بطاعته وموته. والاعتماد باسم الروح القدس إقرارٌ بأنه إله، وأنه يقدس وينير ويرشد ويعزي. وكان الأمم محتاجين إلى أن يعتمدوا باسم الثلاثة الأقانيم الإلهية لأنهم لم يعترفوا بواحد منها في أديانهم الوثنية، ولكن اليهود الذين تنصروا في عهد المسيح لم يحتاجوا إلا أن يعتمدوا باسم المسيح، لأنهم بختانهم أقروا بالآب والروح القدس (أعمال ٢: ٣٨ و٩: ٤٨ و١٩: ٥ ورومية ٦: ٣ وغلاطية ٣: ٢٧)
    وهذه الآية من البراهين التي تثبت عقيدة الثالوث، أي أن الله واحد في ثلاثة أقانيم متساوين في الجوهر والمجد والكرامة والقدرة. وتدل على وحدانيته، بدليل القول «باسم» لا «بأسماء». وتدل على إن الآب الله والابن الله والروح القدس الله، وإلا كان المعتمد يعتمد باسم إله وباسم مجرد إنسان وباسم صفة من الصفات الإلهية، وهذا محال.
    وخلاصة ما قيل في المعمودية أربعة أمور:

    • أنها إشارة: وهي تقوم باستعمال الماء إما بالرش أو بالسكب أو بالتغطيس مرة واحدة أو ثلاث مرات. وكيفية استعمال الماء ليس من الأمور الجوهرية. والأرجح أن الاستعمال الغالب هو الرش. ولا أهمية لعدد المرات، والمشار إليه بذلك هو فعل الروح القدس في تطهير القلب.
    • الإقرار بالإيمان: فإن المعتمد يقر بإيمانه أن الله واحد مثلث الأقانيم، وبوظائف كل من هذه الأقانيم كما هي معلنة في الكتاب المقدس.
    • علامة عهد وختم له: وذلك بين الله والإنسان. أما الله فيتعهد بأنه يكون إلهاً للمعتمد المؤمن ولنسله. وأما الإنسان فيتعهد بالخضوع لله إلى الأبد.
    • رسم للدخول في كنيسة المسيح المنظورة.


    ٢٠ «وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ. آمِين».
    أعمال ٢: ٤٢
    عَلِّمُوهُمْ من التعليم ما يسبق الإيمان ومنه ما يليه. فالسابق هو التلمذة كما فُهم من قوله «تلمذوا». وهنا أمر بالتعليم الذي يلي الإيمان، وهو كل ما يحتاج إليه المؤمن لبنيانه في طاعة المسيح الكاملة. والمعمودية التي تليها تلك الطاعة لا تنفع شيئاً. فإذاً وجب على المعمِّد أن يعلّم، ووجب على المعمَّد أن يتعلم ويعمل.
    جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ وصايا المسيح بلا زيادة ولا نقصان هي قانون إيمان المسيحيين وأعمالهم (أعمال ٢٠: ٢٧ و١كورنثوس ١: ١٧ و٢: ٤ ورؤيا ٢٢: ١٨، ١٩) وتلك الوصايا تتضمن تعاليم العهد القديم كما يظهر من عدة مواعظ للمسيح، ومن تعليم روحه للرسل المعلن لنا في رسائلهم. والظاهر أن لا إشارة في هذا القول إلى التقليد بل فيه منافاة له.
    هَا أَنَا مَعَكُمْ هو وعد التشجيع الدائم بهذا المخلص الدائم بعطفه علينا وصحبته إيانا، فإذا كنا تلاميذه بالحق فعلينا أن نحقق هذا الإيمان بحياتنا وسلوكنا ونغلب العالم معه.
    هذا هو الوعد الثمين المقترن بالأمر العظيم، وعد به تابعيه تشجيعاً لهم على المناداة بإنجيله. نعم إنه عند صعوده ظهر لهم أنه فارقهم، لكنه أكَّد لهم هنا أنه وإن لم ينظروه يكون حاضراً معهم ليرشدهم ويحميهم ويلهمهم ويوبخهم ويؤدبهم. لأن تأسيس ملكوته في العالم يحتاج إلى وسائط كثيرة قوية، والتلاميذ قليلون ضعفاء. فوعده بأن يكون معهم أكد لهم وجود كل ما يحتاجون إليه للنجاح. ويتم قوله لتلاميذه «ها أنا معكم» بأربع طرق:

    • إرسال روحه القدوس الذي يخبرهم بكل ما له.
    • كلامه في الإنجيل.
    • اتحاده بالمؤمن في العشاء الرباني، إذ يهب له مظاهر محبته ونعمته بنوع خاص.
    • مكثه في قلوب المؤمنين.


    وفي هذا الوعد ثلاث فوائد:

    • البرهان على لاهوت المسيح، لأنه وعد بأن يكون مع كل تلميذ من تلاميذه إلى نهاية الزمان.
    • البرهان على أن المسيح هو الرأس الوحيد للكنيسة المنظورة وغير المنظورة على الأرض وفي السماء. وبهذا أظهر سر اسمه «عمانوئيل» أي الله معنا.
    • تأكيد حضور الله مع الذين له في كل زمان ومكان، لأن قوله هنا لم يقتصر على الرسل لأنهم لم يبقوا إلى انقضاء الدهر، بل يعم كل المؤمنين به في كل عصر. وعلى هذا يمكن أن يكون المسيح قريباً منا كما كان قريباً من الذين سكنوا معه في الناصرة، وكانوا معه في السفينة على مياه بحر الجليل. ويمكننا أن نقترب منه كما اقترب يوحنا يوم كان متكئاً على صدره في العشاء، وكما اقتربت مريم منه يوم كانت جالسة عند قدميه تسمع صوته.


    وسر قوة الكنيسة ونجاحها هو شعورها بحضور المسيح معها
    إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ أي أن المسيح يكون مع تلاميذه على الأرض في الروح غير منظور إلى ذلك الوقت. لكن حضوره مع شعبه لا ينتهي بانقضاء الدهر، بل يبقى بحضوره معهم في السماء روحاً وجسداً فينظرونه كما هو (١يوحنا ٣: ٢) ويمجدونه ويتمتعون به إلى الأبد.
    وهذه نهاية بشارة متّى أعلن بها لليهود أن يسوع المسيح بن داود حسب نبوات العهد القديم باقتباسه ٤٥ شهادة منها. ولم يذكر صعود المسيح كما ذكره (مرقس ١٦: ١٩، ٢٠ ولوقا ٢٤: ٥٠ - ٥٣ وأعمال ١: ٩ - ١٢) لكن متّى أشار إلى ذلك الصعود في أماكن (منها متّى ٢٢: ٤٤ و٢٤: ٣٠ و٢٥: ١٤، ٣١ و٢٦: ٦٤).


    ملحق


    بلغت مقتبسات متّى من العهد القديم نحو خمسة وسبعين جُمعت في الجدول الآتي:
    متّى ١: ٢٣ إشعياء ٧: ١٤
    ٢: ٦ ميخا ٥: ٢
    ٢: ١٥ هوشع ١١: ١
    ٢: ١٨ إرميا ٣١: ١٥
    ٣: ٣ إشعياء ٤٠: ٣
    ٤: ٤ تثنية ٨: ٣
    ٤: ٦ مزمور ٩١: ١١
    ٤: ٧ تثنية ٦: ١٦
    ٤: ١٠ تثنية ٦: ١٣
    ٤: ١٥ إشعياء ٨: ٢٣ و٩: ١
    ٥: ٥ مزمور ٣٧: ١١
    ٥: ٢١ خروج ٢٠: ١٣
    ٥: ٣٧ خروج ٢٠: ١٤
    ٥: ٣١ تثنية ٢٤: ١
    ٥: ٣٣ لاويين ١٩: ١٢ وتثنية ٢٣: ٢٣
    ٥: ٣٨ خروج ٢١: ٢٤
    ٥: ٤٣ لاويين ١٩: ١٨
    ٨: ٤ لاويين ١٤: ٢
    ٨: ١٧ إشعياء ٥٣: ٤
    ٩: ١٣ هوشع ٦: ٦
    ١٠: ٣٥ ميخا ٧: ٦
    ١١: ٥ إشعياء ٣٥: ٥ و٢٩: ١٨
    ١١: ١٠ ملاخي ٣: ١
    ١١: ١٤ ملاخي ٤: ٥
    ١٢: ٣ ١صموئيل ٢١: ٦
    ١٢: ٥ عدد ٢٨: ٩
    ١٢: ٧ هوشع ٦: ٦
    ١٢: ١٨ إشعياء ٤٣: ١
    ١٢: ٤٠ يونان ١: ١٧
    ١٢: ٤٢ ١ملوك ١٠: ١
    ١٣: ١٤ إشعياء ٦: ٩
    ١٣: ٣٥ مزمور ٧٨: ٢
    ١٥: ٤ خروج ٢٠: ١٢ و٢١: ١٧١٥: ٨
    ١٥: ٨ إشعياء ٢٩: ١٣
    ١٧: ٢ خروج ٣٤: ٢٩
    ١٧: ١١ ملاخي ٣: ١ و٤: ٥
    ١٨: ١٥ لاويين ١٩: ١٧
    ١٩: ٤ خروج ١: ٢٧
    ١٩: ٥ خروج ٢: ٢٤
    ١٩: ٧ تثنية ٢٤: ١
    ١٩: ١٨ خروج ٢٠: ١٢ ولاويين ١٩: ١٨
    ٢١: ٥ زكريا ٩: ٩
    ٢١: ٩ مزمور ١١٨: ٢٥
    ٢١: ١٣ إشعياء ٥٦: ٧ وإرميا ٧: ١١
    ٢١: ١٦ مزمور ٨: ٢
    ٢١: ٤٢ مزمور ١١٨: ٢٢
    ٢١: ٤٤ إشعياء ٨: ١٤
    ٢٢: ٢٤ تثنية ٢٥: ٥
    ٢٢: ٣٢ خروج ٣: ٦
    ٢٢: ٣٧ تثنية ٦: ٥
    ٢٣: ٣٩ لاويين ١٩: ١٨
    ٢٣: ٤٤ مزمور ١١٠: ١
    ٢٣: ٣٥ تكوين ٤: ٨، ٢أيام ٢٤: ٢١
    ٢٣: ٣٨ مزمور ٦٢٩: ٢٥ وإرميا ١٢: ٧ و٢٢: ٥
    ٢٣: ٣٩ مزمور ١١٨: ٢٦
    ٢٤: ١٥ دانيال ٩: ٢٧
    ٢٤: ٢٩ إشعياء ١٣: ١٠
    ٢٤: ٣٧ تكوين ٦: ١١
    ٢٦: ٣١ زكريا ١٣: ٧
    ٢٦: ٥٢ تكوين ٩: ٦
    ٢٦: ٦٤ دانيال ٧: ١٣
    ٢٧: ٩ زكريا ١١: ١٣
    ٢٧: ٣٥ مزمور ٢٢: ١٨
    ٢٧: ٤٣ مزمور ٢٢: ١٨
    ٢٧: ٤٦ مزمور ٢٢: ١




    Call of Hope
    P.O.Box 10 08 27
    D - 70007
    Stuttgart
    Germany

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •