مقدمة


تفتقر خزانة الأدب المسيحي إلى مجموعة كاملة من التفاسير لكتب العهدين القديم والجديد. ومن المؤسف حقاً أنه لا توجد حالياً في أية مكتبة مسيحية في شرقنا العربي مجموعة تفسير كاملة لأجزاء الكتاب المقدس. وبالرغم من أن دور النشر المسيحية المختلفة قد أضافت لخزانة الأدب المسيحي عدداً لا بأس به من المؤلفات الدينية التي تمتاز بعمق البحث والاستقصاء والدراسة، إلا أن أياً من هذه الدور لم تقدم مجموعة كاملة من التفاسير، الأمر الذي دفع مجمع الكنائس في الشرق الأدنى بالإسراع لإعادة طبع كتب المجموعة المعروفة باسم: كتاب «السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم» للقس وليم مارش، والمجموعة المعروفة باسم «الكنز الجليل في تفسير الإنجيل» وهي مجموعة تفاسير كتب العهد الجديد للعلامة الدكتور وليم إدي.
ورغم اقتناعنا بأن هاتين المجموعتين كتبتا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلا أن جودة المادة ودقة البحث واتساع الفكر والآراء السديدة المتضمنة فيهما كانت من أكبر الدوافع المقنعة لإعادة طبعهما.
هذا وقد تكرّم سينودس سوريا ولبنان الإنجيلي مشكوراً - وهو صاحب حقوق الطبع - بالسماح لمجمع الكنائس في الشرق الأدنى بإعادة طبع هاتين المجموعتين حتى يكون تفسير الكتاب في متناول يد كل باحث ودارس.
ورب الكنيسة نسأل أن يجعل من هاتين المجموعتين نوراً ونبراساً يهدي الطريق إلى معرفة ذاك الذي قال: «أنا هو الطريق والحق والحياة».
القس ألبرت استيرو
الأمين العام
لمجمع الكنائس في الشرق الأدنى

مقدمة

سفر المزامير


المزامير بلا مراء من أجمل أسفار الكتاب المقدس وقلما تضارعها الأسفار الأخرى بالأهمية وسمو التعاليم والأفكار وعمقها. وهي توحد بين القديم والجديد لا سيما وإن السيد المسيح كان يأخذ الكثير من اقتباساته من هذا السفر الجليل. وتسمى بالعبرانية «تهاليم» أي تهاليل من كلمة هلل التي منها هللويا الشهيرة في كل اللغات ومعناها سبحوا الرب. فتهاليم أي تسابيح أو ترانيم أو تراتيل وما أشبه ألفت ورنمت خلال قرون طويلة وجرت على الألسنة قبل أن تُكتب. وفي أصل معنى الكلمة الشكر والاعتراف بالجميل. ويمكننا أن نقول إن هذه المزامير قد استعملت في خدمة العبادة في الهيكل قديماً للترنم بها أو قراءتها بالتبادل أو بصورة اعتيادية لأجل التأملات الروحية والصلوات الانفرادية.
والمزامير ليست سفراً واحداً ولم تنظم دفعة واحدة. وحتى أن اليهود أنفسهم كانوا قد قسموه إلى خمسة أجزاء هي هكذا:

  • الجزء الأول: من المزمور الأول حتى الحادي والأربعين.
  • الجزء الثاني: وهو من المزمور الثاني والأربعين حتى الثاني والسبعين.
  • الجزء الثالث: من المزمور الثالث والسبعين حتى التاسع والثمانين.
  • الجزء الرابع: من المزمور التسعين حتى المئة والسادس.
  • الجزء الخامس: وهو الأخير من المزمور المئة والسابع حتى الآخر.


هو كتاب شعري غنائي من الطراز الأول لا وزن له خاص ولا قوافي خاصة به بل كان يأتي على أشكال مختلفة متنوعة وبمقاطع متباينة فيها اهتمام خاص بالمعاني والأفكار ويمكننا أن نعتبر هذا إنه كمال فن الشعر الغنائي. وكان يستعمل في الهيكل والمجمع على السواء بالطريقة ذاتها التي نستعمل فيها كتب الترتيل اليوم في كنائسنا. وإن يكن في القديم أقل ترتيباً وانتظاماً في استعمالها من قبل الشعب بل يكاد استعمالها يكون محصوراً في أجواق المرنمين المختصين في الهيكل.
وقد كتبت هذه المزامير ونقحت مرة بعد مرة خلال قرون متطاولة في القدم قبلما وصلت إلى حالتها الحاضرة. وقد نظمت واستعملت لحالات ودواع خاصة ولأيام أعياد ومواسم معلومة. وكما كانت الشريعة بما فيها من تفصيل القرابين والتقدمات ضرورية ولازمة للعبادة هكذا كانت المزامير أيضاً وقد وضعت في فاتحة الكتابات «كتوبيم» لتكميل العبادة الطقسية وتجميلها.
وأغلب ما ورد من هذا الشعر الغنائي هو بشكل الموازاة فينقسم البيت مثلاً إلى شطرين متوازيين متعادلين متقاربين في المعنى مثل قوله:
الرب نوري وخلاص ممن أخاف
الرب حصن حياتي ممن أرتعب
أو متعاكسين في قوله:
لأن الرب يعلم طريق الأبرار
أما طريق الاشرار فتهلك
أو بقصد توكيد المعنى كما في:
بصوتي إلى الرب أصرخ
بصوتي إلى الرب أتضرع
ويمكن أن يكون التقسيم أكثر من شطرين أي ثلاثة أو أربعة مثلاً كقوله:
لأن شروراً لا تحصى قد اكتنفتني
حاقت بي آثامي ولا أستطيع أن أبصر
كثرت أكثر من شعر رأسي وقلبي قد تركني
فالمرنم الناظم لا يهمه والحالة هذه سبك الألفاظ وتنميق العبارات بل هدفه الأسمى هو المعاني فهو يسعى أن يوصلها للذهن بأخصر طريقة وأجمل أسلوب. ذلك لأن موضوعه الإجمالي هو عبادة الرب وحمد اسمه العظيم وتذكير الناس بوجوب التعبد له على الدوام. وقد تكون الموازاة في المعاني بين فكر وآخر وبين معنى وما يتبعه من صور شعرية ومجازات. وهكذا فلا يعتبر عدد المقاطع والفواصل والحركات والسكون وما أشبه كما هي الحالة في الشعر العربي وأوزانه المختلفة وقوافيه وجوازاته بل يريد أن يصل إلى الفكر لأنه يهمه ويخدمه قبل كل شيء ويفعل ذلك بحرية مطلقة حتى تصبح هذه المعاني بألفاظها القشيبة أشبه شيء بزهور البرية التي تملأ المروج والأودية أيام الربيع بجمالها الساحر وطيب عبيرها.
والآن نتساءل ما هي هذه المزامير ومن نظمها ومتى وكيف نظمت؟ هل ابتدأت أولاً بداود أم هي أغانٍ وأناشيد سبقت عصره من مدة طويلة وكان الناس يتداولونها شفاهاً. حتى أن داود نفسه اعتمد على بعض منها ليستمد منها الوحي ويقلدها تقليداً. ومما لا شك فيه أن الشعر قديم كالإنسان وإنه قد أحبه واستعمله واستعان به في التعبير عن عواطفه وحاساته قبلما عرف طريقة أ خرى. وإذا رجعنا إلى الأيام القديمة نجد (تكوين ٤: ٢٣ و٢٤) «وَقَالَ لاَمَكُ لٱمْرَأَتَيْهِ عَادَةَ وَصِلَّةَ: ٱسْمَعَا قَوْلِي يَا ٱمْرَأَتَيْ لاَمَكَ، وَأَصْغِيَا لِكَلاَمِي. فَإِنِّي قَتَلْتُ رَجُلاً لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي. إِنَّهُ يُنْتَقَمُ لِقَايِينَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَأَمَّا لِلاَمَكَ فَسَبْعَةً وَسَبْعِينَ».كذلك فإننا نقرأ (يشوع ١٠: ١٢) «يَا شَمْسُ دُومِي عَلَى جِبْعُونَ، وَيَا قَمَرُ عَلَى وَادِي أَيَّلُونَ». كذلك في (سفر العدد ٢١: ١٧ و١٨ والخروج ١٥: ١ و١٢).
أما أهم المصادر التي استقت منها المزامير فيرجح أن تكون هكذا: -

  • المجموعة الداودية الأولى وهي من المزمور ٢ - ٤١.
  • المجموعة الداودية الثانية وهي من ٥١ - ٧٢.
  • المجموعة القورحية (نسبة إلى بني قورح) وهي ٤٢ - ٤٩.
  • مجموعة آساف وهي المزمور ٥٠ و٧٣ - ٨٣.
  • تكملة مجموعة قورح وهي المزامير ٨٤ - ٨٩.
  • مجموعة مزامير هللويا وهي المزامير ١٠٥ - ١٠٧ و١١١ - ١١٨ و١٤٦ - ١٥٠.
  • مزامير الحج أو المصاعد وهي المزامير ١٢٠ - ١٣٤.
  • مجموعة داودية مضافة إلى ما تقدم وهي مزمور ١٣٨ - ١٤٥.
  • أناشيد وترانيم متفرقة وهي المزمور ٩٣ و٩٥ - ١٠٠.


وأما الشواهد على أن المزامير تحتوي على أجزاء متفاوتة فهي كما يأتي:

  • ورود المزمور ذاته أكثر من مرة مع تغيير طفيف لا يعتد به قابل مثلاً مزمور ١٤ مع ٥٣ و٤٠: ١٣ - ١٧ مع مزمور ٧٠ ومزمور ١٠٨ مع مزمور ٥٧: ٧ - ١١ وايضاً ٦٠: ٥ - ١٢.
  • استعمال اسم الله أو الرب أو القدير على اشكال مختلفة. ونلاحظ أن عدداً من المزامير يعتمد على ما ورد في أسفار الشريعة راجع مزمور ٥٠: ٧ وخروج ٢٠: ٢.
    وأيضاً مزمور ٧١: ١٩ وقابله مع خروج ١٥: ١١.
  • يوجد ذكر لعدد من المؤلفين بينما يوجد مزامير بلا عناوين البتة.
  • ورد في آخر المزمور ٧٢ هذا الكلام «تَمَّتْ صَلَوَاتُ دَاوُدَ بْنِ يَسَّى» مع أنه يذكر اسم داود في مزامير بعدها مما يدل على أن الجامع عندئذ لم يعرف بمزامير لداود غير التي ذكرها.
  • إن ندورة وجود علامات موسيقية «سلاه» في القسمين الرابع والخامس من المزامير تدل على أن هذه المزامير لم تجمع في وقت واحد.


وأما سمث فقد قسم المزامير هكذا:

  • مجموعة المزامير الداودية الأولى بما فيه المزمور الأول كمقدمة والتسبيحة الأخيرة فتكون من ١ - ٤١.
  • المجموعة الثانية للمزامير الداودية وهي ٥١ - ٧٢.
  • مجموعة المزامير للقراءات المتبادلة وما أشبه وهي ٤٢ - ٤٩ و٥٠ ثم مزمور ٧٣ - ٨٣.
  • إعادة كتابة المجموعة الثانية والثالثة مع إدخال كلمة الله «إلوهيم».
  • زيادات غير الوهيمية وتسبيحات وهي مزمور ٨٤ - ٨٩.
  • مزامير إضافية وهي ٩٠ - ١٥٠ مع أنه فيها بعض الفروقات خذ مثلاً مزمور ١٢٠ - ١٣٤ وهي ترانيم المصاعد التي قد نحسبها كتاب ترانيم قائم بذاته.


ولا يغرب عن بالنا قط أنه يوجد فرق بين تاريخ تأليف المزمور أو نظمه وتاريخ جمعه بعد ذلك أو تاريخ تنقيحه أو زياداته إلى مزامير أخرى وهذه لم تبق على شكل واحد لدى جمعها بل تغيرت وتبدلت بتكرار الأيدي عليها ولا سيما أيدي النساخ.
ومما يجدر بالذكر أن المزامير بشكلها الحاضر هي تطور للشعر العبراني القديم ونجد مثله كما يأتي:

  • ترنيمة دبورة راجع قضاة ٥
  • ترنيمة موسى راجع تثنية ٣٢
  • ترنيمة حنة راجع ١صموئيل ٢
  • مرثاة داود لشاول ويوناثان راجع ٢صموئيل ١
  • مرثاة لموت أبنير راجع ٢صموئيل ١
  • صلاة حزقيا حينما وجه وجهه إلى الحائط وقد مرض للموت راجع إشعياء ٣٨
  • أغاني الولائم كما يذكر عنها النبي عاموس راجع عاموس ٦: ٥
  • أغاني العرس كما في نشيد الأنشاد أو الأغاني الشعبية العامة راجع إشعياء ١٢ويونان ٢ وحبقوق ٣ أو وضع حوادث عظيمة بشكل قصة للعظة والعبرة راجع إشعياء ١٤: ٤ - ٢٧


ومن الممكن أن كتاب «حروب الرب» كان يحوي عدداً كبيراً من الترانيم والأناشيد الصالحة للحرب والقتال بينما كتاب «ياشر» ومعناه المستقيم فقد حوى النصائح الكثيرة والإرشادات القيمة عن السلوك الشريف والحياة الطاهرة.
وهاكم أسماء العناوين الموضوعة على المزامير كما يأتي:

  • إيلة ها الشحر ومعناها ترنيمة السحر.
  • آلاموث ومعناها لحن بصوت عالٍ.
  • شير حنكيث هبيت ومعناها ترنيمة التكريس.
  • التاشيث ومعناها لا تهلك.
  • الجتية أي على آلة موسيقية جلبها داود من جت.
  • هيجايون ترنيمة بلحنٍ رفيع.
  • جوناث اليم رحوكيم وهو اسم لحنٍ حنون.
  • محالات لا آنوث وهو لحن للأحزان.
  • مشيل أو مثل أي مزمور للتأملات.
  • ميشتام أو مذهبة.
  • موت الابن وهي ترنيمة لموت الابن.
  • ناجينوث وهي ترنيمة يديرها إمام المغنين على ذوات الأوتار.
  • ناحيلوث أي يستعمل بها آلات الموسيقى من ذوات النفخ.
  • شامنيث أي المثمنة فكانت تلعب على ذوات الأوتار الثمانية.
  • شيجايون أي شجوية وبأصوات متعددة.
  • شوشانيم شوشان إيدوث وهو اسم لحن مجهول.
  • أناشيد حبية وهي المسماة شيريديروث.
  • يدوثان ومعناها ربما الموسيقى الفخمة. (راجع قاموس الكتاب هاستنس مقالة المزامير) أما أسماء المؤلفين الموضوعة على المزامير فهي:



  • داود
  • سليمان
  • صلاة موسى عبد الرب
  • بنو قورح
  • بنو ناثان
  • إمام المغنين
  • آساف
  • قصيدة هيمان الأزراحي
  • قصيدة إيثان الأزراحي


نجد أن أغلبية المزامير يضع المصنّفون عنوانها «مزمور» فهذا موجود في مقدمة سبعة وخمسين منها. وإذا رجعنا إلى اشتقاق هذه الكلمة نجدها تعود إلى معنى الغناء بأغنية يصحبها بعض الآلات الموسيقية وهذه ترنم بالأحرى لأجل أغراض دينية روحية. ونجد كلمة أخرى «شعر» وهي تستعمل للأغاني العادية دون أن يكون لها علاقة بالأشياء الروحية ونجد هذه الكلمة في (المزمور ٤٦ والمزمور ١٨). وأحياناً نجد العنوان «شعر مزمور» وهذا كان يرنم لأجل غرضين إما ديني أو دنيوي ويصحبه الآلات الموسيقية ذات الأوتار.
تاريخ كتابة المزامير وناظموها


يجب لأول وهلة أن لا نخلط بين تاريخ جمع هذه المزامير وتاريخ تأليفها أو نظمها ولا شك أنه يوجد فرق بين الاثنين. إذ من الممكن أن كثيراً من هذه المزامير كانت ترنم قبل أن حاول كتابتها أحد بزمان طويل. وبالتالي فهذه أغاني الشعب عرفها وغناها وصحبها بآلات الطرب قبل أن تجمع في كتاب مدون. ومن جهة أخرى نجد أن المؤلف أو المؤلفين لم يذكروا لأن لا أهمية لذلك في نظر الناس في تلك العصور القديمة وربما كان أن عدداً من المزامير المنسوبة إلى داود لم ينظمها داود قط وإنما ذكرت تحت اسمه لكي نعرف انها نظمت على النسق الداودي ليس إلا. ونجد أن عدداً من هذه المزامير المنسوبة إلى داود لا يمكن أن تكون لداود حقيقة إذا اعتبرنا الأشياء الآتية:

  • لقد ورد بعض التعابير الآرامية التي دخلت اللغة العبرانية بعد عصر داود بزمان طويل فنجد مثلاً المزامير ١٠٣ و١٢٢ و١٣٩ و١٤٤.
  • نجد أن بعضها قد اقتبس من بعض الكتابات المتأخرة عن عصر داود راجع مزمور ٨٦.
  • يوجد بعض المزامير ذات ميزات خاصة لا يمكن أن تكون داودية مثل المزامير ٢٥ و٣٤ و٣٧. مما يرينا بأجلى بيان عن حالة المملكة في ذلك الحين.
  • ذكره الهيكل كما في المزمورين ٥: ٧ و٢٧: ٤. وقد ذهب العالم ديلتش إلى القول بأن الهيكل هنا معناه خيمة الاجتماع. وهذا الكلام يحتوي الكثير من السعي لإيجاد الأعذار.


وقد ذهب ولهوسن إلى القول المأثور «ليس المشكل فيما هل كتاب المزامير يحتوي أي المزامير المكتوبة بعد السبي بل المشكل هل يوجد أي المزامير التي كتبت قبل السبي على الإطلاق». إذا كان يقصد بهذا الكلام تدوين المزامير كما نجده الآن ففيه الشيء الكثير من الصحة ولكن لا يغرب عن بالنا أن هذه المزامير كانت معروفة منذ القديم ويغنيها الناس عن ظهر قلوبهم وإن كانوا لم يتعلموا أن يكتبوها. فإن هذا الشعر الديني الممتاز كان قد طبع في أذهان الناس وقلوبهم وهم ما زالوا أميين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة.
أما الشعر العبراني فلم يكن يعتمد على الوزن أو القافية كما ذكرنا سابقاً بل بالأحرى كان يعتمد على ترتيب الأفكار وترابطها وانسجامها وتوازن الجمل وعلاقتها بعضها ببعض. وبعبارة أخرى كان عندهم التوازي أجلّ الأشياء وأعظمها خطورة. وهذا التوازي قد يأتي على الأوجه المختلفة الآتية:

  • التكرار والتوكيد لنقطة واحدة راجع مزمور ٢١: ٢ و٩٤: ٣ و١٩: ١ و٢ و٢٧: ١ و٢.
  • التعاكس انظر مزمور ٣٠: ٥ «لأَنَّ لِلَحْظَةٍ غَضَبَهُ. حَيَاةٌ فِي رِضَاهُ. عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ يَبِيتُ ٱلْبُكَاءُ، وَفِي ٱلصَّبَاحِ تَرَنُّمٌ».
  • التناجس والتناسق راجع مزمور ٣: ٤ و٩٧: ١ و٥ ومزمور ١٠٣: ١ وما يليه.
  • ومنها المقاطع المثلثة والمربعة والمخمسة والمسدسة ونجد ذلك بالترتيب هكذا مزمور ٩٣: ٣ و٥٥: ٢١ و٦: ٦ و٩٩: ١ - ٣.
  • ومن المزامير تلك المرتبة حسب أحرف الهجاء. فإن كل حرف منها يحوي ثمانية جمل أو آيات وكل آية تبدأ بالحرف الذي كتبت تحته وهكذا على التوالي. وشاهدنا في ذلك المزمور ١١٩.


ويمكننا أن نقول إن المزامير كلها تهدف نحو غرض واحد وهو العبادة بأجمل صورها وأعظم معانيها ولم يخطئ من قال إن الكنيسة المسيحية منذ أقدم عصورها قد عرفت قيمة المزامير واستعملتها بصورة منتظمة ومتواصلة لأنها تصل إلى القلب بأهون سبيل وأخصره لأنها قد خرجت من القلب البشري أولاً. ويجد المرنم أن عبادة الرب هي غايتها القصوة هي القمة العليا في جبل تفكيره السامي فمتى وصل إليها يترك للأفكار الثانوية الأخرى أن تحتاط القمة من كل جانب كما تفعل القمة والتلال الأخرى تحيط بها وهي أدنى منها.
وما هي العبادة يا ترى سوى الصعود إلى الأعالي ولو لحظة من الزمان ومحاولة البقاء هناك مدة كافية حتى نستنشق نسيم الحياة من نبع كل حياة. فالإنسان الذي نفخ فيه من روحه لا يمكن أن يبقى حياً روحياً إلا على مقدار ما يستطيع أن يحيا بالله متعبداً له ومطيعاً لجميع أوامره ووصاياه. وما المزامير سوى ارتفاع بالمؤمنين نحو القمم العالية كلما قرأناها وتمتعنا بخيراتها كلما فرحنا بالحياة الروحية التي نحياها وملأت جوعنا وأروت عطشنا لأنه «طوبى للجياع والعطاش إلى البر فإنهم يشبعون».

بعض تعاليم المزامير الهامة


مع أن المزامير هي في جوهرها شعر من الطبقة العالية والشعر قلما يتوخى التعليم بل يهمه الفن وإرضاء حاسة الجمال النفسي ولكن المزامير تضع بعض التعاليم أمام عيوننا بصورة مؤثرة جذابة وإذا شئنا أن نضع موضوعاً للمزامير كلها فيكون ذلك المصائب والشكوى لله لكي يخلصنا منها فنزيلها أو نتغلب عليها. كذلك يبحث المرنم الضيقات والآلام ويحاول أن يفسر علاقتها بحياة الإنسان ولا يستطيع أن يفصل بين الخاطئ وخطيئته فهو يكره الخطيئة والخاطئ معاً لأنه عدو الله فكيف يمكنه أن يقف على الحياد تجاه من يقترف الشرور والمعاصي فيقول: -
ألا أبغض مبغضيك يا رب
وامقت مقاوميك؟
بغضاً تاماً أبغضتهم صاروا لي أعداء
لذلك فهو محب لله غيور لا يرضى بالمنافقين والمستهترين. لقد بذل الكثيرون من النقاد جهداً عظيماً لتحليل المزامير وإظهار المعاني التي قصدها ناظموها على قدر الإمكان حتى ذهب الأستاذ رتشرد مولتن من جامعة شيكاغو شوطاً بعيداً في هذا المضمار وإن يكن قد بالغ وغالى بعض الأحيان إذ وضع لكل مزمور موضوعاً خاصاً حتى ظهر بمظهر العنت والتصنع. ولا شك أن هذه المزامير قد كتبت في أوقات وأحوال متفاوتة وبأقلام كتبة وشعراء عديدين. والأفضل أن نحسبها حرة طليقة في أغلب الأحيان تعبر عن شعور النفس وحاساتها ولذلك لا نرى من الضروري وضع موضوع خاص بكل مزمور منها طالما هذه الاختبارات قد عرفها الكثيرون وأحكموا وصفها والتعبير عنها بما لا مزيد عليه من الروعة والجمال. ولكن بعض هذه المواضيع كما يراها الأستاذ تستحق الإشارة إليها على الوجه الآتي:

  • أناشيد حربية مزمور ٢٠ و٢١ وهما لبدء الحرب وانتهائه بالظفر.
  • ترنيمة زواج مزمور ٤٥.
  • العهد مع داود ونسله مزمور ١٣٢ - ١٣٩.
  • المسيح المنتظر مزمور ٢ و١١٠ ونجد ٧٢ يبحث سلامة البر والنسل المبارك.
  • ترانيم وطنية ومنها ترنيمة البرية مزمور ١٣٦ وترنيمة مملكة يهوذا مزمور ٧٨ وترنيمة السبي مزمور ١٠٦.
  • ترانيم الأعياد والمواسم مثل مزمور ٩٣.
  • ترانيم الانتصار وللتشجيع وقت الانكسار مزمور ٦٠ و١٠٨ و١٨.
  • ترانيم النذور مزمور ٩٣ - ٩٨. أما المزمور ٦٨ فيضم أعظم الأفكار الدينية والوطنية فيربط الماضي بالمستقبل.
  • المراثي انظر مزمور ٨٨ وأما مزمور ٨٠ فيأخذ استعارة الكرمة.
  • المصائب والخلاص منها مزمور ٣٧ و٤٩ و١٤ و٥٠.
  • المزامير التمثيلية والتعليمية وما أشبه ومنها الشيء الكثير الخ.


وإذا حاولنا أن نضع مواضيع هذه التعاليم بصورة واضحة مختصرة نجد أنها تحوي:

  • أولاً وحدانية الله - فنقرأ في مزمور ١١٥ اعترافاً صريحاً بالتوحيد فإن الله واحد لا إله سواه هو خالق السماء والأرض بينما آلهة الأمم أصنام. ونقرأ في مزمور ١٤ عن قوم جهال يجرأون على القول بأن ليس إله وربما كان هؤلاء من بني إسرائيل لا من الأمم حولهم. والمزامير بطبيعتها تحوي الكثير من الديانة العملية أي تلك الأمور التي يتوجب علينا أن نتمها ولا يكتفي بالديانة النظرية التي تبحث عن العقل البشري ومعتقداته. فيذكر مثلاً سماء مسقوفة علاليها بالمياه. وآلهة تتكلم كالبشر فتغضب وتحقد وتنتقم ولكن في الوقت ذاته فإن الله رب الجنود هو إله بار وقدوس وكل صنعه بالأمانة عليهم بكل شيء ويملأ كل مكان فمن وجهه أين نهرب. ونجد مسألة تشغل بال المرنم فيتساءل عنها مرة بعد مرة «ماذا يصنع الله بالأشرار وهل يتغاضى عنهم؟» ومع أنه لا يحير جواباً بعض الأحيان لكنه يكتفي بأن الاشرار سيبادون من الأرض وينقطع ذكرهم.
  • ثانياً طبيعة الله - يكاد المرنم أن يصف الله بشكل بشري كما في مزمور ١٨: ٢٥ و٣٦ مع الرحيم تكون رحيماً مع الرجل الكامل تكون كاملاً. مع الطاهر تكون طاهراً ومع الأعوج تكون ملتوياً. ولكننا نقابل ذلك بما ورد في المزمور الثامن فنجده يسمو بنا إلى الله الذي ما أمجد اسمه في كل الأرض. ونجده في مزمور ١١ هو الإله الأمين الذي نثبت فيه ونركن إليه وهو يراقب جميع البشر ويرى تصرفاتهم. ونجد في كثير من المزامير أن المحتاج والذي في ضيق واضطهاد ينال ملجأ فيه ويحتمي من أي خوف أو أذى. حتى أن بقية الأمم يستطيعون أن يشاطروا بعضهم بعضاً في اغتنام بركات صلاحه الإلهي. وهو وحده الإله الذي يحكم العالمين بالعدل والإنصاف راجع مزمور ٩: ٨.
  • ثالثاً الله في الوجود - يرى المرنم في هذا الوجود حوله بر الله وحكمته ونجده مرات كثيرة واسع المعرفة والاطلاع بالأنهار ومجاري المياه حوله. يسر بمرأى الجبال وما تحويه كما يفرح بالبرية وما فيه من حيوانات كثيرة متنوعة. حتى العصافير الصغيرة لا يفوته أن يلاحظها. راجع مزمور ١٠٤ ففيه الشيء الكثير من المعارف الطبيعة ذات القيمة العظيمة. ولطالما شاهد جمال الشروق في الصباح أو روعة الغروب في المساء فقال عن الله «يلبس النور كثوب». وربما يصل المرنم إلى أسمى الأفكار وأعظمها في مزمور ١٩ حينما يقول «اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ ٱللّٰهِ، وَٱلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ...» وإن هذا الإله الذي أعطى الإنسان خبزاً لكي يقتات به وخمراً تفرح قلبه فهو الذي أعطاه الطبيعة بعنايته الفائقة بالإنسان فهو يرأف به ويريده أن يعود عن إثمه وضلاله إلى طريق الحق والهدى وينتظر الرب ولا يتسرع في تذمره بل يطلب خالقه دائماً. لأن الله مصدر حياتنا ومبعث كل خير فيها لذلك «كَمَا يَشْتَاقُ ٱلإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ ٱلْمِيَاهِ هٰكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا ٱللّٰهُ» (مزمور ٤٢: ١).
  • رابعاً واجبات الإنسان نحو إلهه -

    • أن يكون سخياً نحو الفقراء راجع مزمور ١٥ و٢٤.
    • منصفاً في أحكامه نحو الجميع مزمور ٧٢: ٣و ٤.
    • نتعلم أن نصنع مشيئته مزمور ١١٩: ٣٣ - ٤٠.
    • روح الله فينا مزمور ٥١: ١١ - ١٣.


    ونجد أن المزامير تشدد على وجوب الحياة التقوية طالما نحن في هذه الدنيا وأن الإنسان التقي ينال جزاءه فيها. وهذا التعليم قد أوجد مشكلة فتساءل الإنسان لماذا هذه الضربات وأنا لا أستحقها. وبالتالي جعل البشر يعتمدون على البر الذاتي. فإذا وقعت مصيبة على إنسان فهي لسبب خطيئة معينة. حتى قد تكون مخفية عن أعين الناس وعن الخاطئ نفسه. وهكذا فإن الله يريد أن يعود عن إثمه ويترك خطيئته ويلتمس رحمة إلهه. ولطالما كانت صرخة الخلاص من المصيبة صرخة الخلاص من الخطيئة التي سببتها. وإذا طلب من الله أن ينزل عقابه العادل على المذنبين فذلك لكي يبرره تجاههم ويفرض حكمه العادل على السكان أجمع.
  • خامساً أين يسكن الله - ونجد الجواب الصريح في المزمور ١٣٩ مسكنه السماء وكل مكان. بينما هو يسكن بصورة خاصة في هيكله المقدس مزمور ٤٦: ٤ وهذا الهيكل هو الفردوس الثاني حيث يقبل فيه الإنسان بدلاً من أن يطرد. مزمور ١٣٢: ١٤ وهو يسكن صهيون جبل قدسه مزمور ٨٧ حيثما عليه يقوم الهيكل المقدس.
    ومما هو جدير بالذكر أن الأمور الأدبية تتمشى يداً بيد مع الأمور الدينية فإن من أهم مطالب الدين هو تطبيقه في الحياة اليومية انظر مزمور ٥٠. وهكذا فإن الذبائح هي بالأولى روحية مزمور ٥١: ١٧. وإذا راجعنا مزمور ٤٠: ٦ - ٨ نجده تمهيداً بالغ الأثر للديانة المسيحية فهو يرتفع من المكافآت المادية والجزاء العالمي لقاء ما نقوم به من واجبات فتصبح الديانة قلبية لا ظاهرية فقط وحقيقية لا طقسية. إن الله حاضر دائماً لكي يستجيب سؤل القلوب المتخشعة المتواضعة أمامه. والله يجيبنا ليس على نسبة ما ننتظر بل على نسبة مشيئته المقدسة ومقصده الصالح. وهكذا فإن تعاليم المزامير كانت أسمى من أفكار الإنسان العادي في ذاك الحين حتى كانت سبب إلهام ونهضة لكل الذين رنموها أو سمعوها.
  • سادساً الحياة بعد الموت - لا شك كانت فكرة غامضة ولكننا نرى المرنم يؤكد أن لا فرح لنا ولا سعادة ننالها في البعد عن الله لأنه مصدر طمأنينتنا وسلامنا انظر المزامير ١ و٦ و٨ قد نجد ذكراً لا يعتد به بعالم الأموات مزمور ١٦: ١٠ و١١ ومزمور ١٧: ٨ و٩ و٤٩: ٨ - ١٠ و٧٣: ٢٣ فإن هذه المزامير قد نظرت إلى هذه الحياة الدنيا وأما شاؤول - الهاوية فهي موطن الأخيلة ومكان السكوت الأبدي حيثما ينسج العنكبوت بيته وينطفئ ذكر الإنسان لأنه لا يوجد بعد.
  • سابعاً آماله بالمسيح المخلص - تتشابه المزامير مع أقوال الأنبياء في هذا الموضوع الخطير ومع أن مزمور ١١٠ هو نبوات عن المسيح المنتظر فهو يبحث عن خلاص الأمة وليس خلاص الفرد. لأن الفرد قد يذهب مضمحلاً ولكن الله يعمل بواسطة أمته وشعبه فلا يمحى ذكرهم من الأرض. ويوجد آمال عن المسيح في المزامير ٢ و٨ و١٦ و٤٥ و٧٢ و٨٩. فهذه كلها تذكر أن أياماً سعيدة لا شك قادمة وفيها يتم الظفر والانتصار. ومع أن المزامير هي إلى حد كبير وطنية الصبغة تنظر إلى اليهود بصورة ضيقة - مع ذلك نجد بعض الأفكار السامية التي تشمل أمم العالم أجمع. راجع المزمورين ٩٨ و٩٩ بصورة خاصة. نعم إن المرنم يتلفت إلى الأمم الباقية ولكنه يفعل ذلك بأن يطلب رجوعهم والتهلل بانتصارات الرب حينما يجعل أروشليم عاصمة دنياه ويجري منها الحق والعدالة إلى جميع الشعوب. وكذلك فإن المزمورين ٤٠ و٨٥ هي من أهم المزامير التي تشير إلى المسيح.


وخلاصة القول إن المزامير هي أشبه بزهور البرية في فصل الربيع بما فيها من مختلف الأشكال والألوان وبما تبعثه من شذا منعش للأبدان والأرواح. وجمال هذه الزهور هو ليس بما فيها من انسجام بل بما فيها من تنوع وأشكال مختلفة. فالمزامير تعبر عن الطبيعة البشرية بما فيها من أعماق ومعان. وكما أن زهور البرية هي عنوان التنوع والحرية إذا لم تأخذها يد الإنسان لتضعها في الجنائن. كذلك فإن المزامير هي تعابير صارخة عن آلام البشرية وأحزانها كما هي هتافات الابتهاج والانتصار. ونجد أن الدين الحقيقي قد لمسها بيده المهذبة المرقية فزاد على طابعها الشعري العالي رسالتها الروحية المنعشة. وقلما نرى حالة من حالات النفس أو خلجة من خلجات القلب إلا نجد ما يقابلها في المزامير. فهي تمسو بنا إلى الأعالي تارة ثم تارة أخرى تهبط بنا إلى الأعماق فبينما نحادث النجوم ونسمعها بغير كلام إذا بنا نهبط إلى ظلمات الشقاء. فنبكي مع الباكين ونتألم مع المتألمين.

  • ففي أوقات الشكر لنقرأ المزامير ١٠٣ و١٠٧ و١٢٧.
  • وفي أوقات الحزن لنقرأ ٢٣ و٨٤.
  • وفي أوقات المخاطر لنقرأ ١٢١ و١٢٥ و٢٧ و٢٢ و٤٦ و١٣٩ و٩١.
  • ولدى لقاء الأحباء بعد طول غياب فنقرأ ١٣٣. ولأجل الغفران لنقرأ ٥١ و١٣ و٣٤.
  • ولدى ولادة مولود في عائلة لنقرأ ١٢٨ و١١٧ و١٢٧.
  • وفي الأعياد الوطنية وذكريات العزة القومية لنقرأ ١٢٢ و٩٠ و٩٥ و١٠٠.
  • وحينما نعد أنفسنا للصلوات الصباحية أو المسائية فلنقرأ ١٥ و٢٤ و١٩ و٦٣.


ولا غرو أن نجد الكنيسة منذ أقدم عصورها تستعمل المزامير كأسمى الوسائل للعبادة وأفعلها في النفوس البشرية. فنحن في حاجة إلى المزامير لأجل التأملات الروحية أفراداً وجماعات فهي أشبه بالمرآة النقية التي تعكس شعورنا وعواطفنا في مختلف الأحوال. وما المزامير سوى اختبارات روحية عميقة رنمها رجال الله الأتقياء ووجدوا فيها تعزية وتشجيعاً وقوة وسلوى وما وجدوه عندئذ نجده نحن الآن.
فلنطالع المزامير بلذة وطلب استفادة لأنها صادقة في تعبيرها عن حقائق الحياة الحاضرة كما كان في الماضي ولأن وصفها للشعور الداخلي يأخذ بمجامع القلوب ويأسر الأفكار ولأنها تدفعنا لطلب العفو فنستغفر الله عما مضى من خطايا وذنوب. وفي الوقت ذاته تدفعنا لكي نتشجع بهذه الاختبارات الثمينة فما حصل عليه أولئك قد نحصل عليه نحن. ونجد الدافع البشري قريب المنال من الإلهي مما يدفعنا إلى الأمام ويسمو بأفكارنا إلى الأعالي. فالمزامير هي مجموعة الفن الخالد الذي لا يستطيع الزمان أن يبلي جدتها ولا يغير من روعتها وجمالها فهي نسمات منعشة للحياة الروحية بل غذاء وريّ وسقياً فلنكن بها مولعين مشغوفين.
سوق الغرب في ١ كانون الثاني سنة ١٩٤٩
القس جورج خوري


اَلْمَزْمُورُ ٱلأَوَّلُ


ينقسم إلى قسمين الأول وصف أخلاق البار وسعادته والثاني وصف تعاسة الأشرار وهلاكهم.
«١ طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ ٱلأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ ٱلْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ».
(١) لا يقصد باستعمال الماضي أنه عمل تمم بالماضي وانتهى الأمر بل الأرجح أنه يتكلم عن أمر حقيقي في كل زمان. ويكون لنا أن نقول «طوبى للرجل الذي لا يسلك». قصد بهذا المزمور أن يكون فاتحة أو مقدمة للمزامير ولذلك فهو مملوء من الإرشادات الجامعة والحكم البالغة.
هنا ثلاث درجات. السلوك أو السير في مشاورة الأشرار أي لا يتمشى على ما يتمشون هم عليه. ثم يقول ولا يقف في طريقهم لئلا يسمع ما يتحدثون به وما يشير عليه. وكذلك لا يجلس في مجالسهم وهنا تدرج من سير لوقوفٍ لجلوس. ويقصد به أن أية مخالطة للأبرار مع الأشرار تفسدهم ولو إلى درجة بسيطة ولكي يظلوا أنقياء عليهم أن يحافظوا على مقاومتهم ويسهروا «اسهروا لئلا تدخلوا في تجربة».
يبدأ الإنسان شره صغيراً فيشعر في ابتعاد عن الله ثم يتوغل في شره وخطيته حتى يقف منتصباً أمام الآخرين غير متهيب مغبة ما يفعله. وأخيراً بعد وقوفه يجلس في مجلس المستهزئين ويتجاسر بأن يبوح بما هو عليه أمام الآخرين ويصبح قدوة في الشر والفساد.
«طُوبَى» وفي العبرانية تأخذ شكل الجمع أي النعم فكأنما يقول إن النعم والخيرات هي نصيب الصالحين الفاضلين.
يجب أن يقولوا حالاً (مزمور ١١٩: ١١٥).
لأن مرض الخطية خبيث معدٍ يأتينا ونحن لا ندري بعض الأحيان. فعلينا أن نتوقى منه ونهرب من مسببيه ولا نفسح المجال لأنصاره أن يؤثروا على قلوبنا (أمثال ٤: ١٤ و١٥) فكل من شاء أن لا يصيبه الأذى عليه أن يتجنبه ويهرب من طريقه وبعدئذ لا يجوز أن يلوم أحداً غير نفسه.
فلننتبه إذاً ولا نسمح لمشورة الأشرار أن تؤثر علينا قط بل لنسر في طريقنا غير ملتفتين للمخادعات حولنا لئلا نقف بعد ذلك وتقوى التجربة علينا ونجر بعد حين فنسقط بين الساقطين المستهزئين بأقدس الأشياء.
«٢ لٰكِنْ فِي نَامُوسِ ٱلرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَاراً وَلَيْلاً. ٣ فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ جَدَاوِلِ ٱلْمِيَاهِ، ٱلَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ».
(٢) هنا يتناول أمرين الأول أن ناموس الرب مسرته والثاني أنه يلهج بهذا الناموس دائماً.
هنا تكون إشارته للنهار والليل كلفت نظر للعبادات التي كانت تقدم في الهيكل صباح مساء. وقد يكون من قبيل تأكيد لهجه بناموس الرب دائماً. إن الصالحين في نظره هم المسترشدون بكتاب الله فهو النجم القطبي لحياتهم يدلهم على طريق الخير ويبعدهم عن طريق الشر. ولا شيء يقي الإنسان من العثار في مهاوي الأشرار مثل انشغالنا بما يخبرنا الله عنه في كتابه. علينا أن نقول في داخلنا ماذا يريد الله أن يقوله لنا فننتبه ونصغي قبل فوات الأوان. إن لله صوتاً مسموعاً على شرط أن يكون لنا آذان تسمع. وعلينا أن نسمع والسرور يملأ قلوبنا. مع أن ناموس الرب يعطينا الفرائض المطلوبة منا. هو كالنير على أعناقنا ولكنه ضروري لسيرنا الروحي لذلك نسرّ به.
أول ما يبدأ التلميذ علمه يتعلم مبادئ العلوم فيستصعبها ولكنه بعد حين كلما حمل نيرها وتعوّد عليه كلما ازداد سروراً وغبطة في تحصيل العلم. وكذلك الحال في الدين كلما تمعنا بكلام الله كلما وجدناه لذيذاً لحياتنا الروحية ولتقدمنا الحقيقي وأصبح طعامنا اليومي نتناوله في فترات منتظمة ولا نستغني عنه.
نلهج به دائماً لأننا نريده. وما يزيده حقاً تلهج به دائماً (مزمور ١١٩: ٩٧). قد نمل من كلام البشر ولكن كلام الله لا يمل منه. هو كالخبز اليومي علينا أن نأكله ولا نمل منه.
(٣) هنا تشبيه جميل للغاية «الشجرة» وهي صديقة الإنسان الأولى فهي قبل الحيوانات الأليفة وكل الدواجن إذ أن الإنسان عاش على ثمار الأشجار والنباتات زمناً طويلاً قبل أن استعان بالحيوانات اللبونة وغيرها.
«٤ لَيْسَ كَذٰلِكَ ٱلأَشْرَارُ، لٰكِنَّهُمْ كَٱلْعُصَافَةِ ٱلَّتِي تُذَرِّيهَا ٱلرِّيحُ. ٥ لِذٰلِكَ لاَ تَقُومُ ٱلأَشْرَارُ فِي ٱلدِّينِ وَلاَ ٱلْخُطَاةُ فِي جَمَاعَةِ ٱلأَبْرَارِ. ٦ لأَنَّ ٱلرَّبَّ يَعْلَمُ طَرِيقَ ٱلأَبْرَارِ، أَمَّا طَرِيقُ ٱلأَشْرَارِ فَتَهْلِكُ».
(٤) هنا يظهر المرنم الفرق الشاسع بين الاثنين. فمن جهة هو شجرة خضراء باسقة ومن الجهة الأخرى فهو العصافة أي التبن بلونه الأصفر تتقاذفه الريح إلى كل مكان. الشجرة تمثل الحياة والنمو والتقدم وأما العصافة فتمثل الموت الروحي وعدم الركون في الحياة بل يذهب الواحد مع كل ريح.
إن التبن يفصل بالتذرية عن القمح «وأما التبن فيحرقونه بالنار». أي القش الذي لا يستعمل لعلف الماشية يخبز عليه.
(٥) وهكذا فإنه يوجد فرق أيضاً في دينونة الواحد بالشر الذي فعله. ولا نستطيع أن نستنتج أن المرنم فهم من هذا الدينونة المسيحية ذاتها أي بعد الموت كما هو مذكور في متّى ٢٥ بل جلّ قصده أن يرينا الفرق العظيم بين نتيجة حياة الصالح بمقابلتها مع حياة الخاطئ الشرير. يوجد فاصل بين الاثنين ويجب أن نميز الواحد عن الآخر إذ لا خلطة بين النور والظلمة.
(٦) وهل يحابي الله في معاملته بين بار وأثيم. حاشا لله أن يفعل ذلك وإنما الأثيم يخطئ أولاً ضد نفسه. وسبب البعد هو منه وليس من الله الذي يدعو الجميع إليه.
(راجع إرميا ١٢: ٣) «وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَنِي. رَأَيْتَنِي وَٱخْتَبَرْتَ قَلْبِي...».
ومتّى ٦: ٦ «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَٱدْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ... الخ».
إن مصير الأشرار الأثمة محتوم وسينالون العقاب الذي يستحقونه لذلك إن زها الأشرار وحسبوا أن لا مسؤولية عليهم واستهانوا بوصايا العلي فلسوف يلحقهم القصاص وما بهم من زهوٍ ومجد الآن فسيضمحلان. ولا يمكن أن يثبتا. إذاً فلنقبل هذه النصيحة الثمينة التي يسديها إلينا المرنم ولنقبل على أنفسنا نفحصها جيداً لأنه يجب أن نفترق عن سبل الخطاة ونمشي في سبل الله المستقيمة لأن فيها الخير والتوفيق والهناء.
وقوله على مجري المياه إشارة لما هي العادة في الشرق من سقاية الأراضي من الأنهار رأساً أو بواسطة أقنية تجرّ بها المياه إلى الأمكنة الخاصة.
وكما تزداد الشجرة زهواً واخضراراً كلما نمت وكبرت هكذا البار «الصديق كالنخلة يزهو كالأرز في لبنان ينمو» وهنا إشارة للأشجار الدائمة الاخضرار التي لا يؤثر عليها تغير الفصول بل تظل لابسة حلتها السندسية على مدار السنة.

اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي


«١ لِمَاذَا ٱرْتَجَّتِ ٱلأُمَمُ وَتَفَكَّرَ ٱلشُّعُوبُ فِي ٱلْبَاطِلِ؟ ٢ قَامَ مُلُوكُ ٱلأَرْضِ وَتَآمَرَ ٱلرُّؤَسَاءُ مَعاً عَلَى ٱلرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ، قَائِلِينَ: ٣ لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا».
لا ندري تماماً العلاقة التاريخية في هذا المزمور وهل هنا إشارة إلى انتقاض ثورة في أيام سليمان أو في أيام الملوك الذين جاؤوا بعده لا ندري تماماً ولا نستطيع أن نعطي تاريخاً مضبوطاً لهذا الأمر. وبعض المفسرين ينكرون أية علاقة للأمور التاريخية ويوجهون الفكر إلى حكم المسيا المنتظر وتكون هذه نبوءة عما احتمله المسيح المخلص من اضطهاد وإهانة وموت الصليب أخيراً.
وينقسم المزمور إلى أربعة أقسام ويستعمل في عيد الفصح بصورة تمثيلية يتناوب الكلام فيه أربعة أشخاص.
العدد ١: ٣ يتكلم المرنم.
ثم ٤ - ٦ يأخذ الملك بالكلام ويرى أنه لا بد من نهاية شريفة لموآمرتهم الفاشلة.
ثم بعد ذلك ٧ - ٩ يعود الملك للكلام فيخبر عن سلطان الله على جميع الشعوب وإنه هو الحاكم وحده في الناس.
وفي ١٠ - ١٢ يأمر هؤلاء المغتصبين أن يندموا قبل فوات الأوان.
«الأمم» أي كل الذين غير يهود.
وتفكرتم في الباطن معناه الثورة والانتقاض على الحكم وهنا يقرن المرنم هذا الأمر ويوجهه كأنه انتقاض على الرب نفسه لأن الملك هو مسيح الرب أي معّين ممسوح منه. فإذاً عدو الملك هو عدو الله أيضاً. وقوله «لنقطع قيودهما» إشارة إلى طلب نزع السلطة والتحرر من ربقة العبودية للملك المعيّن من الله.
يصف مقاومة أهل الشر. ليس فقط الرؤساء والعظماء بل الشعب والعامة. ذلك لأنه يوجد فرق عظيم بين ما يفرضه الله وما يفرضه الإنسان. لأن أساليب الله كلها محبة وحكمة بينما أساليب البشر مملوءة بالظلم والشر والاغتصاب «فَقَدْ أَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي» (يوحنا ١٥: ٢٤).
«٤ اَلسَّاكِنُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. ٱلرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. ٥ حِينَئِذٍ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ بِغَضَبِهِ وَيَرْجُفُهُمْ بِغَيْظِهِ. ٦ أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي».
(٤) ثم سكان الأرض وترتيباتهم أرضية محضة لذلك فكل أفعالهم قاصرة وغير ثابتة. ويستهزئ بحالتهم هذه. إذ كيف يستطيعون أن يغيروا ترتيبات العلي. (٥) وإذا الرب يتحول عن الهزء والسخرية بهم فيتكلم ضدهم غاضباً وإذا بهم يرتجفون أمامه خوفاً ورعباً. (٦) ذلك لأن مشيئة الرب هي فوق مشيئتهم وعليهم فقط أن يخضعوا. والإشارة إلى صهيون أي إلى أورشليم عاصمة المملكة ومركز الدولة والملك المدينة المقدسة التي يقيم فيها مسيح الرب.
ويقول إشعياء ٦٤: ١٠ «مُدُنُ قُدْسِكَ صَارَتْ بَرِّيَّةً. صِهْيَوْنُ صَارَتْ بَرِّيَّةً وَأُورُشَلِيمُ مُوحَشَةً». وصهيون وجبل صهيون هو الحد الشرقي للقدس القديمة حيثما كان. حصن داود عزّ المملكة ومجدها.
«٧ إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ ٱلرَّبِّ. قَالَ لِي: أَنْتَ ٱبْنِي. أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. ٨ اِسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ ٱلأُمَمَ مِيرَاثاً لَكَ وَأَقَاصِيَ ٱلأَرْضِ مُلْكاً لَكَ. ٩ تُحَطِّمُهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ. مِثْلَ إِنَاءِ خَزَّافٍ تُكَسِّرُهُمْ».
(٧) يعود الملك فيتكلم مستنداً في دعم دعواه على التاريخ والنبوءة (٢صموئيل ٧: ٤ - ١٧) وهنا إشارة إلى ما تنبأ به ناثان النبي لداود ولنسله من بعده. فإذاً بقطع النظر عن شخصية الملك واقتداره فهو ملك ليس بنفسه ولا من نفسه بل من الله. فلا الشعب ولا الرؤساء. حتى ولا الشعوب الخاصة لحكمه تستطيع أن تنقله من حكمه طالما هو معين من الله.
(٨) هو ابن - وفي وقت مسحه ملكاً - قد نال مثل هذه الولادة وهذا التبني (راجع أعمال ١٣: ٣٢ وعبرانيين ١: ٥ و٥: ٥).
(٩) أما قضيب الحديد في العدد العاشر فهو إشارة إلى الشدة والبطش في إعادة هؤلاء الثائرين المقلقين ولو كان إرجاعهم يقتضي أقسى الشدة والقسوة عليهم. ويكون نصيبهم حينئذ الخذلان والدمار.
«١٠ فَٱلآنَ يَا أَيُّهَا ٱلْمُلُوكُ تَعَقَّلُوا. تَأَدَّبُوا يَا قُضَاةَ ٱلأَرْضِ. ١١ ٱعْبُدُوا ٱلرَّبَّ بِخَوْفٍ وَٱهْتِفُوا بِرَعْدَةٍ. ١٢ قَبِّلُوا ٱلٱبْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ فَتَبِيدُوا مِنَ ٱلطَّرِيقِ. لأَنَّهُ عَنْ قَلِيلٍ يَتَّقِدُ غَضَبُهُ. طُوبَى لِجَمِيعِ ٱلْمُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ».
(١٠) وقبلما يصيبكم هذا الشر العظيم عليكم بالحكمة والروية. يخاطب أولاً الملوك لأن بيدهم السلطان الزمني والقوة والحكم. ثم يلتفت إلى القضاة ويطلب منهم أن يتعظوا لأن القاضي يتوجب عليه أن يتعظ هو نفسه قبل أن يصدر حكمه على الغير. عليه أن يصدر حكمه على نفسه أولاً:
«لا تنه عن خلق وتأت بمثله».
(١١) وهنا يقرن العظمة الحقة لله وليس للملك وإذا كان هذا الملك هو مسيح الرب المختار فالأوفق طاعته لأن بذلك طاعة الرب أيضاً.
(١٢) وينصح بتقبيل هذا الابن الملكي عربون التماس الرضا منه والطاعة له والخضوع. وإذا لم يكن كذلك ولم تقبلوا النصح ولم تسترشدوا فيكون طريق الإبادة قريباً وأكيداً. إن الرضا والتساهل إلى حين لئلا يحسب ذلك من قبيل الضعف والمسكنة وهذا ليس من شيم الملوك المختارين من الله.
ثم ينهي المرنم كلمته بتوجيه العظمة لله وحده. فالذين يطيعون ترتيبه ويمشون حسب وصاياه فلهم الطوبى لأنهم يستطيعون حينئذ أن يتكلوا عليه ولا يخيبوا.
يذهب البعض إلى ترجمة الكلمة «قبلوا الابن» بمعنى أخلصوا للابن واخدموه.
وقد يكون «طوبى لجميع...» في العدد ١٢ قد زيدت على المزامير حينما استعمل هذا للعبادة.

اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ


مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ حِينَمَا هَرَبَ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ٱبْنِهِ


«١ يَا رَبُّ مَا أَكْثَرَ مُضَايِقِيَّ. كَثِيرُونَ قَائِمُونَ عَلَيَّ. ٢ كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلٰهِهِ. سِلاَهْ».
المزمور الثالث: إن هذا المزمور يرينا اضطهاد المقاومين لداود. هنا في الوقت ذاته يخبرنا المرنم عن قدرة الله وجودته. وعنوان المزمور يكاد يخبرنا عن فحواه وعن تلك الضيقة التي كان يعانيها صاحب المزمور. ألا وهو وقت هربه من وجه ابنه العاصي عليه والمتمرد الذي أراد أن ينتزع الملك من يد أبيه (راجع ٢صموئيل ١٥) فكان داود حزيناً كئيب النفس ليس بالنسبة للحالة السيئة التي هو فيها بل لأن ابنه هو المسبب لذلك. ولا شيء يكسر خاطر الوالدين مثل عقوق الأولاد وقسوتهم على والديهم لا سيما حينما يتقدمون في السن فيحتاجون للعطف والعناية والمداراة أكثر بكثير من أيام قوتهم وشبابهم.
إن داود يصعد جبل الزيتون وهو يبكي كالطفل بينما يسوع نزل عن جبل الزيتون ليصلب. كان داود يودع إلى حين مملكته التي أسسها وحارب من أجلها بينما يسوع يستقبل هتافات الجماهير الصارخة «أوصنا لابن داود. مبارك الآتي باسم الرب». داود عاد بعد حين إلى مملكته الأرضية أما يسوع فقد رفض من الأرض لكي يملك في السماء ويجلس عن يمين العرش في الأعالي.
كان داود الآن في خطر مبين ويجب أن تقرب المخاطر جماعة المؤمنين الحقيقيين إلى الله ولا تبعدهم عنه. كاد يرى داود أن كل شيء قد ذهب من يده وتبع الشعب ابنه بدلاً منه ولكنه كان مطمئناً متقرباً لله - إن المخاطر والتجارب يجب أن تدفعنا للمثول أمام الله بالتوبة وطلب الغفران.
«سلاه» هذه الكلمة قد وردت ثلاث مرات في هذا المزمور كما أنها وردت مرات عديدة في مختلف المزامير ومعناها غير معروف. وبعض مفسري التوراة يهملونها تماماً ويحذفونها ولكن هذا لا يجوز في تداولنا للكتب المقدسة. الترجمة السبعينية قد اعتبرتها كمقطع موسيقي. أو وقف أو تنوع في اللحن والوزن.
(١) يتوجه داود إلى الله ويشكو من كثرة الأعداء المضايقين القائمين عليه وفي العدد ٢ يشكوهم أمام الله إنه يهزأون ويسخرون ويقولون هل الله يخلص؟
«٣ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَتُرْسٌ لِي. مَجْدِي وَرَافِعُ رَأْسِي. ٤ بِصَوْتِي إِلَى ٱلرَّبِّ أَصْرُخُ فَيُجِيبُنِي مِنْ جَبَلِ قُدْسِهِ. سِلاَهْ. ٥ أَنَا ٱضْطَجَعْتُ وَنِمْتُ. ٱسْتَيْقَظْتُ لأَنَّ ٱلرَّبَّ يَعْضُدُنِي».
(٣) لقد حاول هؤلاء الأعداء أن يزعزعوا إيمانه ويتكلموا بتجديف على العلي ولكن داود يعرض هذا الأمر على الرب ويفعل كما فعل حزقيا حينما عرض كتاب ربشاقي التجديفي أمام الرب واستنجد بخلاصه. وإذا به يتأكد أن الله ترس ومجن. لا يكتفي بأن يحمينا بل يكرمنا ويمجدنا. فإذا كنا ساقطين ينهضنا وإذا ذهبت هيبتنا يعيدنا إلى المقام الأول والهيئة الكاملة. لقد كان داود بحاجة لمثل هذا الإيمان في هذا الوقت العصيب فكان له بواسطته الراحة والطمأنينة. حينما نكون في مصيبة نطأطئ رؤوسنا ونذبل كما تفعل النبتة حينما تحتاج للماء والنضارة. ولكن الله يرفع رؤوسنا وينتشلنا مما نحن فيه. والسبب هو لأن العمل عمله وليس عملنا في الدرجة الأولى فلا نيأس ولا نقنط. قد تأتي أزمنة الضيق والمصاعب فلنتأكد أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله.
(٤) يصرخ المرنم ويستنجد ولكن ليس عبثاً. قد تكون الظواهر عدم الاستجابة وعدم المبالاة ولكن حاشا لله أن يكون كذلك. حينما نقابل بين ظلمة الله وبهجة النهار علينا أن نشكر الله من أجل هذه المقابلة.
(٥) هنا نوم الهدوء والسكينة بالرغم من عقوق الابن وخيانة الشعب وابتعاد الصديق وتعيير المعيرين وتضعضع الحالة يضطجع كالطفل الصغير في حضن أمه وينام هادئاً سعيداً ثم بعد ذلك يستيقظ إلى يوم آخر من أيام الحياة. تغرب الشمس ثم تعود فتشرق في الصباح وهكذا تتجدد الحياة ولا شيء يكدر صفوها.
ولا شيء يفرج ضيقنا سوى إيمان كهذا. لأن المصائب لا بد أن تأتينا ولا نستطيع أن نطلب من الله أن لا تكون تجارب بل نصلي «ولا تدخلنا في تجربة» أي إذا أتتنا التجارب لا نسقط فيها ولا ننخذل كالذين لا رجاء لهم.
« ٦ لاَ أَخَافُ مِنْ رَبَوَاتِ ٱلشُّعُوبِ ٱلْمُصْطَفِّينَ عَلَيَّ مِنْ حَوْلِي. ٧ قُمْ يَا رَبُّ. خَلِّصْنِي يَا إِلٰهِي. لأَنَّكَ ضَرَبْتَ كُلَّ أَعْدَائِي عَلَى ٱلْفَكِّ. هَشَّمْتَ أَسْنَانَ ٱلأَشْرَارِ. ٨ لِلرَّبِّ ٱلْخَلاَصُ. عَلَى شَعْبِكَ بَرَكَتُكَ. سِلاَه.
ينام مطمئناً هانئاً غير خائف وهكذا يستيقظ فلا يخاف أيضاً من الجمهور المعادي الذي يصطف ضده. هم حوله لا للسند بل للخصام والانتقام. الربوات عشرات الألوف وهذا يعني عدداً كبيراً ليس إلا.
(٧) يبدأ هذا العدد باقتباسه عن صرخة للحرب كانت معروفة في تلك الأيام. وينتقل إلى ما يصيب الأعداء فإذا بهم يضربون على الفك وتتهشم أسنانهم وهذا منتهى الخجل والعار إذ لم يبق لهم سوى الفرار فإنهم لا يستطيعون المواجهة والحكمة تقضي عليهم أن يهربوا ولكن إلى أين وكيف السبيل؟
إن الله ساهر على أولاده ليخلصهم لقد قصد الفلسطينيون كما قصد شاول أن يقضوا على داود ولكنهم لم يستطيعوا وكان نصيبهم الفشل والخذلان.
وداود ينظر للحاضر وينظر للمستقبل أيضاً ويتأكد أن الله عونه الدائم. لم يكن أحد في حالة خطر من حالته ومع ذلك لم يكن أحد ذا شعور بالطمأنينة كشعوره العميق الفياض بذكر مراحم الله وإحساناته. ولا يغرب عن البال إن التسليم لله هو الذي يجعلنا نكتفي به ولا نخاف أي شر.
(٨) وأخيراً يزداد اتكاله حتى يصبح ظافراً بعد أن كان صابراً فقط. فبعد أن بدأ مزموره بذكر قوة أعدائه والقائمين عليه إذا به يتحول الآن إلى أن القوة وحدها لله وهو متكله ومتكل جميع أقاصي الأرض ويختم بحقيقتين:
الأولى: الخلاص من الرب فهو الذي يعده ويعيّن وقته وسبيله. ولا خلاص من إنسان مهما كان كبيراً وعظيماً ولذلك فليس على المتكلين إلا أن يصبروا.
الثانية: بركة الرب تغني كل إنسان ولا سيما شعبه. قد لا نراها بل بعض الأحيان نعد الويلات وننسى الحسنات. وإذا أردنا أن نعيش بسعادة حقة علينا أن نتحقق بركة الرب الدائمة علينا نراها يوماً بعد يوم وفي كل الحالات.


اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ذَوَاتِ اَلأَوْتَارِ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ عِنْدَ دُعَائِيَ ٱسْتَجِبْ لِي يَا إِلٰهَ بِرِّي. فِي ٱلضِّيقِ رَحَّبْتَ لِي. تَرَاءَفْ عَلَيَّ وَٱسْمَعْ صَلاَتِي. ٢ يَا بَنِي ٱلْبَشَرِ، حَتَّى مَتَى يَكُونُ مَجْدِي عَاراً! حَتَّى مَتَى تُحِبُّونَ ٱلْبَاطِلَ وَتَبْتَغُونَ ٱلْكَذِبَ! سِلاَهْ. ٣ فَٱعْلَمُوا أَنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ. ٱلرَّبُّ يَسْمَعُ عِنْدَ مَا أَدْعُوهُ».
(١) عند الدعاء تستجيب وعند الضيق ترحب. لذلك فالتماسي هو أن ترحم وترأف وتسمع الصلاة.
لا دليل لنا في هذا المزمور أنه كتب في ظرف خاص أو لغاية خاصة بل هو مزمور عام وُضع للتعليم والإرشاد وبوجه عام أيضاً.
هنا يخاطب الله أولاً. ثم في العدد الثاني يخاطب بني البشر. واختبارنا أن الله فرجنا في الضيق وشجعنا في المخاوف وعضدنا في الاضطراب لهو شيء حقيقي.
(٢) والتفاته للبشر هنا يقصد به أن يحوّلهم إلى الله ويريهم أن عدم التقوى هو حماقة لا شك فيها. «يا بني البشر» عليكم أن تبرهنوا عن الإنسانية وحب البشرية التي فيكم. ولأن الإنسان مخلوق على صورة الله فإن تدنيس البشرية هو تدنيس للصورة الإلهية التي فيه (انظروا رومية ١: ٢٣) «وَأَبْدَلُوا مَجْدَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي لاَ يَفْنَى...».
(٣) قد يشير في كلمة «ميّز» إلى أنه المنتخب من الله ليكون ملكاً ولذلك فلا يجوز للأعداء أن يشمتوا به أو يعيروه. وكذلك يحذر الخطاة المنشقين عنه والمبتعدين أنهم سوف يندمون. لأن الله يسمع الدعاء فيندمون على ما فرط منهم من تسرّع وتهوّر.
«٤ اِرْتَعِدُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. تَكَلَّمُوا فِي قُلُوبِكُمْ عَلَى مَضَاجِعِكُمْ وَٱسْكُتُوا. سِلاَهْ. ٥ اِذْبَحُوا ذَبَائِحَ ٱلْبِرِّ وَتَوَكَّلُوا عَلَى ٱلرَّبِّ. ٦ كَثِيرُونَ يَقُولُونَ: مَنْ يُرِينَا خَيْراً؟ ٱرْفَعْ عَلَيْنَا نُورَ وَجْهِكَ يَا رَبُّ».
(٤) «ارتعدوا» أو تهيبوا أو اسخطوا وقد تكون أفسس ٤: ٢٦ «اغضبوا ولا تخطئوا» اقتباسة عن هذه. وهنا يقصد التروي في الأمور قبل التسرع لأن هذا خطأ ويجب إصلاحه بسرعة قبل فوات الفرصة. ويجوز أن يتكلموا في قلوبهم على مضاجعهم سراً ولكن لا يجوز أن يجاهروا بأغلاطهم هذه. إن السكوت دليل الاتزان وحسن التروي.
(٥) «ذبائح البر» (انظر تثنية ٣٣: ١٩).
وهنا دليل السرور والغبطة بعد الارتعاد ثم التوكل على الرب لأن به الراحة والطمأنينة والسلام. وفي عرفه يجب أن يسبق التوكل ذبائح البر أي نعترف بجميل الله ونشكره ثم نثق تماماً بجميع مواعيده.
(٦) هنا يتساءل بلسان الحمقى «من يرينا خيراً» كأنهم لا يرون الخير ولا يعترفون بوجوده ذلك لأنهم يعيشون ووجه الرب لا يشرق عليهم. هم الجالسون في الظلمة وظلال الموت.
«يرفع الرب وجهه عليكم» تعبير قديم يقصد به عناية الله والتفاته. وحينما ندير ظهرنا للأمور كأنما نتركها جانباً ولا نعيرها اهتمامنا اللازم.
«٧ جَعَلْتَ سُرُوراً فِي قَلْبِي أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِهِمْ إِذْ كَثُرَتْ حِنْطَتُهُمْ وَخَمْرُهُمْ. ٨ بِسَلاَمَةٍ أَضْطَجِعُ بَلْ أَيْضاً أَنَامُ، لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ مُنْفَرِداً فِي طُمَأْنِينَةٍ تُسَكِّنُنِي».
(٧) كان سروره بخلاص إلهه لسبب روحي تقوي لا لشيء مادي فقط. وهنا يقابل سروره بسرور الناس الآخرين. الحنطة دليل الخير والخمر دليل السعة والبحبوحة. فقد كانوا مسرورين لوجود الحنطة والخمر بكثرة عندهم أما سروره فكان أعظم من ذلك لأن بالله غذاؤه كما وبالله غبطته وسلامه.
(٨) هنا يختم المرنم كلامه بتسليمه التام لمشيئة إلهه وكما يفعل الطفل الصغير حينما يكون محاطاً بعناية أبيه أو أمه فيترك همومه جانباً ويطمئن بالحنان الوالدي. بل يفعل أكثر من ذلك إذ يشعر بالسلام يملأ قلبه فيسلم نفسه لحكم النوم ويرتاح.
ولو كنت منفرداً وحيداً فاني بك في جماعة عظيمة.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ذَوَاتِ اَلنَّفْخِ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ
«١ لِكَلِمَاتِي أَصْغِ يَا رَبُّ. تَأَمَّلْ صُرَاخِي. ٢ ٱسْتَمِعْ لِصَوْتِ دُعَائِي يَا مَلِكِي وَإِلٰهِي، لأَنِّي إِلَيْكَ أُصَلِّي. ٣ يَا رَبُّ، بِٱلْغَدَاةِ تَسْمَعُ صَوْتِي. بِٱلْغَدَاةِ أُوَجِّهُ صَلاَتِي نَحْوَكَ وَأَنْتَظِرُ».
(١) هذا المزمور هو صلاة حينما كان المرنم في حالة الضيق والشدة وقد مرت على داود حالات كهذه كثيرة. ويطلب أيضاً أن الله يتأمل ويتمعن بما يصليه. ذلك لأنه هو نفسه كان يصلي منصرفاً إلى التأمل العميق. والأرجح أنه مزمور للصباح يصليه المتعبد لله قبل أن يقدم الذبيحة.
(٢ و٣) إن الله إذا كنا نصلي إليه لا يستخف بنا بل يصغي ويسمع. إن داود حينما كان يصلي كان ينصرف بالتأملات الروحية العميقة. وقوله «ملكي وإلهي» يحوي الشيء الكثير من المعاني فإن الله هو الملك الحقيقي وداود عبده وهو في الوقت ذاته ممسوح من قبل الله ليكون ملكاً على شعبه نائباً عنه فقط. هنا المرنم يعد الله أربعة مواعيد:

  • إنه يديم الصلاة والتضرع. ولا ينفك يفعل ذلك حتى يستجيب الله له.
  • يصلي بالغداة أي عند الصباح فينصرف لله قبل أن ينصرف لأي إنسان.
  • يوجه صلاته للعرش عن قصد وتصميم وكل كلماته لها أعمق المعاني.
  • وإنه ينتظر فليس الصلاة معناها فقط أن نتكلم مع الله بل أن نصغي إليه.


كم من المرات نفقد قيمة الصلاة لأننا لا ننتظر كفاية. فنحن نفقد الصبر ونستبق الأمور ونستعجل النتائج بينما الله يطلب منها أن ننتظر مراحمه ونثق بمواعيده ونتكل عليه.
إن الترنيمة المسائية السابقة يتبعها في هذا المزمور ترنيمة صباحية ثانية وإن تكن حالة داود تختلف الآن عما كانت عليه عندئذ فقد كان هارباً أما الآن فهو في أورشليم. قوله «ملكي وإلهي» تحوي الكثير من المعاني فإن الملك الحق هو الله وما داود الممسوح من الله سوى نائب عنه. فعليه كما على كل تقي أن يخضع للملك الحق الواحد. المزمور ينقسم لستة أبيات وفيه عناية عظيمة بالألفاظ بينما المعاني بسيطة.
«٤ لأَنَّكَ أَنْتَ لَسْتَ إِلٰهاً يُسَرُّ بِٱلشَّرِّ، لاَ يُسَاكِنُكَ ٱلشِّرِّيرُ. ٥ لاَ يَقِفُ ٱلْمُفْتَخِرُونَ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ. أَبْغَضْتَ كُلَّ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ. ٦ تُهْلِكُ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ بِٱلْكَذِبِ. رَجُلُ ٱلدِّمَاءِ وَٱلْغِشِّ يَكْرَهُهُ ٱلرَّبُّ».
(٤) هنا تصريح هام إن الله إله البر وليس إله الشر وقد يكون المرنم ملفتاً النظر إلى حقيقتين:
الأولى: أن ينبه نفسه والذين يتعبدون إلى وجوب نقاوة الضمير والتمسك بالخير قبل الإقدام على العبادة.
الثانية: يتشجع بأن الله لا يرضى على الشرير لذلك فأعداؤه الأشرار هم أعداء الله أيضاً.
هنا بحث لطيف من أن الله هو مصدر كل خير ولذلك لا يستطيع التغاضي عن أي الشرور مهما كانت صغيرة.
(٥) ثم يذكر المفتخرين أي الذين لا يبالون بصيتهم يهمهم قضاء مآربهم الشخصية. هم الحمقى الذين يبيعون الآجل بالعاجل. هم فاعلو الإثم الذي يقترفون الذنوب ولا يهمهم أن يعترفوا بها ولا يتركوها مصلحين ذواتهم.
(٦) كذلك فإن سبيل المنافقين هو للهلاك والدمار. والذين يسفكون الدماء أو يغشون إخوانهم ويحتالون عليهم هم مكروهون جداً.
يصف داود أعداءه بهذه الكلمات ويؤكد أنهم أعداء الله أيضاً بل هم أعداء أنفسهم لأن نصيبهم سيكون أخيراً للهلاك. ويقسمهم إلى نوعين:
(١) المنافقين الغشاشين.
(٢) القساة الظالمين وأهل الدماء.
«٧ أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ. ٨ يَا رَبُّ، ٱهْدِنِي إِلَى بِرِّكَ بِسَبَبِ أَعْدَائِي. سَهِّلْ قُدَّامِي طَرِيقَكَ. ٩ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَفْوَاهِهِمْ صِدْقٌ. جَوْفُهُمْ هُوَّةٌ. حَلْقُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. أَلْسِنَتُهُمْ صَقَلُوهَا. ١٠ دِنْهُمْ يَا اَللّٰهُ. لِيَسْقُطُوا مِنْ مُؤَامَرَاتِهِمْ بِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ. طَوِّحْ بِهِمْ لأَنَّهُمْ تَمَرَّدُوا عَلَيْكَ».
(٧) الخطاة يبتعدون عن بيت الله ولا يحبون الدخول إليه وبالعكس داود وأمثاله فهم يفرحون بدخولهم إليه. لذته وشجاعته هو بأن يسجد في الهيكل بخوف الرب وطاعته.
(٨) وهو يرجو أن يتمم عبادته على أحسن وجه بسبب الأعداء الذين يسببون له البعد عن الله والكفر برحمته وإحسانه. فيحتار أي طريق يسلك ويضيع ثم يطلب الهداية وأن تتسهل الطريق أمامه لئلا يعثر ويزلق ويسقط. وفي هذه الطريقة لقد خدمه أعداؤه فقد طلب الهداية والرشاد من الله. ولذلك فقد أصابه الخير بدل الشر ونجا من المصائب والأحابيل التي وضعوها في سبيله وطلب إرشاد الله ونجاته من كل المخاطر. إن الله قد أوضح لنا الطريق أمامنا وعلينا أن نمشي فيها «هذه هي الطريق اسلكوا فيها». علينا أن نؤمن برحمة الله بعد ونثق بمواعيده فهو لا يتخلى عن أولاده.
(٩) هنا وصف تام لأخلاق هؤلاء الأعداء فهم لا يعرفون الصدق. وفي الوقت ذاته متمدنون يقولون ولا يعنون يصاحبون ولا يخلصون. جوفهم هوة لكي يسقطوا الناس فيها وهم لا يبالون بسوى مصالحهم الخاصة. وهم أيضاً قصاة القلب طماعون لا يشبعون كالقبر الذي مهما وضعنا فيه من جثث يظل طالباً المزيد. ومع ذلك فليس من السهل اكتشافهم فهم قد صقلوا ألسنتهم وتظاهروا بالمودة.
(١٠) يطلب من الله أن يدانوا ويحكم عليهم على نسبة ما هم فيه من رذائل «ليسقطوا من مؤامرتهم» اي لتكن تلك الأحابيل التي وضعوها عائدة عليهم بالوبال «لأن من حفر حفرة لأخيه وقع فيها». وهم يستحقون هذا القصاص العادل لأنهم قد تمردوا على الله فلم يكتفوا بالشر مع الإنسان بل تطاولوا وتمردوا وعصوا أوامره تعالى.
«١١ وَيَفْرَحُ جَمِيعُ ٱلْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ. إِلَى ٱلأَبَدِ يَهْتِفُونَ، وَتُظَلِّلُهُمْ. وَيَبْتَهِجُ بِكَ مُحِبُّو ٱسْمِكَ. ١٢ لأَنَّكَ أَنْتَ تُبَارِكُ ٱلصِّدِّيقَ يَا رَبُّ. كَأَنَّهُ بِتُرْسٍ تُحِيطُهُ بِٱلرِّضَا».

اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ذَوَاتِ اَلأَوْتَارِ عَلَى ٱلْقَرَارِ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ. ٢ ٱرْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي ضَعِيفٌ. ٱشْفِنِي يَا رَبُّ لأَنَّ عِظَامِي قَدْ رَجَفَتْ، ٣ وَنَفْسِي قَدِ ٱرْتَاعَتْ جِدّاً. وَأَنْتَ يَا رَبُّ، فَحَتَّى مَتَى!».
(١) كان داود كإرميا نبياً يبكي ويتألم كان اختباره عميقاً وحقيقياً وهنا في هذا المزمور يصور حالته وهو مريض متعب الجسم والفكر يطلب قوة وشفاء.
فكما أن الأب الحكيم لا يربي أولاده بغضبه أو بغيظه بل ينتظر إلى أن يهدأ وتذهب سورة غضبه فكم بالأحرى الآب السماوي الذي يشفق على أولاده ويرحمهم. إن غايته هو التأديب ورجوع الابن الضال عن شروره.
(٢) يظهر أن النبي كان مريضاً على الأرجح إذ يطلب الشفاء والقوة من مرضه ومن ضعفه. ولكنه يهتم بالعزاء الروحي أكثر مما يهتم بصحة الجسد لذلك يرجو رحمة الله ورضاه. إنه لا يطلب عدم التوبيخ أو التأديب ولكنه يلتمس ذلك بلطف الله فقط.
(٣) حتى متى؟ هنا تساؤل الابن المنتظر من أبيه أشياء كثيرة. كلام عتاب المودة بين رجل مؤمن والرب العظيم ولكنه قريب لجميع أولاده. وأسلوب توسله هو أن يعدد ما به من مصائب وهكذا يود أن يرحمه الله برحمته الغزيرة ويغفر له ذنوبه ويشفيه من أمراضه. «نفسي ارتاعت» لذلك لأنه بعد أن وجد ذاته في هذه الحالة الصعبة كان خوفه عظيماً جداً.
«٤ عُدْ يَا رَبُّ. نَجِّ نَفْسِي. خَلِّصْنِي مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ. ٥ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي ٱلْمَوْتِ ذِكْرُكَ. فِي ٱلْهَاوِيَةِ مَنْ يَحْمَدُكَ؟ ٦ تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. ٧ سَاخَتْ مِنَ ٱلْغَمِّ عَيْنِي. شَاخَتْ مِنْ كُلِّ مُضَايِقِيَّ».
(٤) يكرر هنا الطلب بأكثر لجاجة فلا يعود يذكر حاجته ومرضه وضعفه بل يستنجد برحمة الله. لأن استحقاقه ليس بالنسبة لما هو فيه بل بالنسبة لما يرجوه من الله الذي يريد له تمام الخير. إن الشجاعة التي نأخذها هي بالأولى حينما نواجه المصاعب ونتغلب عليها واثقين برحمة الله.
(٥) هنا وصف مؤثر لحالة المرنم إذ يقضي أوقاته بالحسرات والتنهدات. يبكي كثيراً حتى أن دموعه تملأ فراشه وتكاد تفيض بالماء بسبب ذلك. ثم يصف عينيه فإذا هي مريضة قد قرحتها ساعات السهاد وأوجعتها الدموع. لقد كان داود شديد العاطفة سريع الانفعال فكم تكون حالته في وقت مرضه وضعفه فإنه يزداد عندئذ حدة في العاطفة واندفاعاً في سبيل تحقيقها.
(٧) علينا حينما نقرأ هذا الوصف أن نخاف من غضب الرب فهو مروع ومخيف ولا صحة في جسمنا أو روحنا بدونه. علينا أن نتضع أمام الله تعالى ونلتمس منه العفو والغفران وحينئذ في أعظم ضيقاتنا هو حاضر أن يعين وينجي.
«٨ اُبْعُدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ بُكَائِي. ٩ سَمِعَ ٱلرَّبُّ تَضَرُّعِي. ٱلرَّبُّ يَقْبَلُ صَلاَتِي. ١٠ جَمِيعُ أَعْدَائِي يُخْزَوْنَ وَيَرْتَاعُونَ جِدّاً. يَعُودُونَ وَيُخْزَوْنَ بَغْتَةً».
(٨) هنا انتقال بديع لطيف من حالة سيئة إلى حالة حسنة. إن الله قد سمع الدعاء واستجاب الصلاة. لقد شكا وبكى وتعذب وانتحب ولكن لم يذهب ذلك عبثاً فقد سمع الله واستجاب. لذلك يطلب من الخطاة وفعلة الإثم أن يبتعدوا عنه فقد ذهبت شماتتهم به ضياعاً. عليه الآن بتجنبهم وهم يسخرون به ويهزأون. لقد مر زمان كانوا فيه الظافرين والآن هو الذي يظفر. وظفره كان بالصبر وطول الأناة ليس إلا. ربما قالوا له قبلاً قول الجهلة أن يترك الله ويسلك مسلكهم. يريدهم أن يذهبوا عنه ولا يجربوه بعد فهو ثابت في وجههم مهما تقلبت الأحوال. يسوع يقول في لوقا ١٣: ٢٧ «تَبَاعَدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي ٱلظُّلْمِ».
(٩) إن ثقته بالله عظيمة ويتأكد أنه يسمع التضرع ويقبله. هنا أساس التدين الصحيح أن نعرف بأن الله يسمع ويصغي. قد يمر وقت يظهر أن صلواتنا لا تُستجاب وأن دعاءنا بلا مصغٍ ولكن هذا امتحان الإيمان.
(١٠) ثم يرتد على هؤلاء الأعداء ويوبخهم ويكون الخوف والروعة لهم وليس له. الأثمة لهم زمان يزهرون فيه كالعشب ولكنهم ييبسون. إن الباطل إلى حين مهما عز أنصاره ومهم اختلفت وجوهه وأشكاله. وكذلك فإن الحق وأنصاره هم وحدهم الذين يربحون أخيراً وعلينا إذاً أن نكون شكورين ونتأكد بأن النهاية هي لا شك في صالحنا إذا كنا حقيقة من أولئك الناس المؤمنين الفاضلين.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ


شَجَوِيَّةٌ لِدَاوُدَ، غَنَّاهَا لِلرَّبِّ بِسَبَبِ كَلاَمِ كُوشَ ٱلْبِنْيَامِينِيِّ


«١ يَا رَبُّ إِلٰهِي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. خَلِّصْنِي مِنْ كُلِّ ٱلَّذِينَ يَطْرُدُونَنِي وَنَجِّنِي، ٢ لِئَلاَّ يَفْتَرِسَ كَأَسَدٍ نَفْسِي هَاشِماً إِيَّاهَا وَلاَ مُنْقِذَ. ٣ يَا رَبُّ إِلٰهِي، إِنْ كُنْتُ قَدْ فَعَلْتُ هٰذَا. إِنْ وُجِدَ ظُلْمٌ فِي يَدَيَّ. ٤ إِنْ كَافَأْتُ مُسَالِمِي شَرّاً، وَسَلَبْتُ مُضَايِقِي بِلاَ سَبَبٍ، ٥ فَلْيُطَارِدْ عَدُوٌّ نَفْسِي وَلْيُدْرِكْهَا، وَلْيَدُسْ إِلَى ٱلأَرْضِ حَيَاتِي، وَلْيَحُطَّ إِلَى ٱلتُّرَابِ مَجْدِي. سِلاَهْ».
(١) لا يعلم تماماً من هو كوش هذا (راجع ١صموئيل ٢٢: ٧ و٨). و «شجوبة» ذكرت في (حبقوق ٣: ١). قد يكون كوش هو نفس شاول أو أحد أنسبائه ولا علاقة لبلاد كوش أي الحبشة فيه. هنا يتلجئ إلى الله لأنه عونه ومنقذه.
(٢) يعترف أن عدوه هو كالأسد من حيث الشدة والبطش كذلك شاول فكما ذاك هو ملك الغابة والوحوش كذلك هو ملك إسرائيل ولأنه اعتمد بالأحرى على البطش الجسدي والقوة العضلية لذلك فكان أقرب لامتياز الحيوان منه لامتيازات الإنسان.
(٣ و٤) هنا جملتان شرطيتان يحاول فيهما داود أن يرفع عن نفسه أية تهمة ويبرأ نفسه من كل ما نسب إليه. يطرح نفسه أمام الله الذي يفحص القلوب ويختبر الكلى ويطلب منه تعالى أن يدينه إذا كان فيه شيء من الشر أو من أضمر الشر من قبل. لذلك فهو لا يستحق مثل هذه المعاملة التي تجعله لا يستقر في مكان بل يظل شارداً مطروداً لا أمان على حياته. وقوله «سلبت» قد تكون إشارة إلى (١صموئيل ٢٤: ٧ و١٠ و١١).
(٥) فإذا كان لم يفعل شيئاً من ذلك فلا مبرر لعدوه شاول أن يطارده هذه المطاردة ويحرمه لذة العيش والمنام. وإن كان يفعل فحيئنذ يكون مبرر لأن يطارده ويدوسه إلى الأرض ويسحقه سحقاً. يود داود أن يظهر براءته ولأنه كذلك فهو محفوظ ومحروس ومجده سيزداد ارتفاعاً ولمعاناً كلما مرت الأيام.
«٦ قُمْ يَا رَبُّ بِغَضَبِكَ. ٱرْتَفِعْ عَلَى سَخَطِ مُضَايِقِيَّ وَٱنْتَبِهْ لِي. بِٱلْحَقِّ أَوْصَيْتَ. ٧ وَمَجْمَعُ ٱلْقَبَائِلِ يُحِيطُ بِكَ، فَعُدْ فَوْقَهَا إِلَى ٱلْعُلَى. ٨ ٱلرَّبُّ يَدِينُ ٱلشُّعُوبَ. ٱقْضِ لِي يَا رَبُّ كَحَقِّي وَمِثْلَ كَمَالِي ٱلَّذِي فِيَّ. ٩ لِيَنْتَهِ شَرُّ ٱلأَشْرَارِ وَثَبِّتِ ٱلصِّدِّيقَ. فَإِنَّ فَاحِصَ ٱلْقُلُوبِ وَٱلْكُلَى ٱللّٰهُ ٱلْبَارُّ. ١٠ تُرْسِي عِنْدَ ٱللّٰهِ مُخَلِّصِ مُسْتَقِيمِي ٱلْقُلُوبِ».
(٦) يطلب من الرب أن يغضب كغضب أعدائه فإٍن كان هؤلاء لأجل الظلم فغضب الله لأجل إحقاق الحق وإجراء العدالة. إن الرب يرتفع فوق الجميع لذلك يستطيع أن يرى الجميع ويجازي كل واحد عما فعل. يلتمس أن ينتبه إليه لأنه يتبع الحق والرب إله حق ولا ظلم فيه البتة. ما أسمى هذا الفكر فإن الله يغضب ولكنه يرتفع بغضبه ويسمو بسخطه لأنه يجازي المسيء لكي يرجع عن إساءته ويقاص المذنب لكي يتوب عن ذنبه.
(٧) كإنما يريد أن يجمع إلى نفسه العديد من القبائل لكي يشهدوا على ما يفعل وهنا بذرة لفكرة الدينونة حينما يجتمع الناس يوم الدين كما هو مذكور في (متّى ٢٥) ويكون الجزاء علانية أمام الجميع وبعد أن ينهي مهمته معهم يعود إلى حيث أتى.
(٨) هنا المرنم لا يخاف من عاقبة الدينونة بل يتأكد أن الله يحبه. وهو لا يطلب أكثر من حقه ولا يلتمس مكافأة إلا على نسبة الكمال الذي فيه. ثم في العدد (٩) يريد من الله أن ينهي شر الأشرار ولا يبقى سوى الصديقين وما يقدمونه وما يفعلونه. لأن الأشرار هم كالعصافة التي تطير وتذريها الريح وأما الأبرار فهم ذوو وزن وثابتون يقاومون الريح ويقفون في وجهها.
إن الله يعرف الخفايا ويفحص كل شيء ولا يمكن أن يدوم تسيطر الأشرار كل الوقت.
(١٠) إن الله ترس به نتقي سهام الأعداء وضرباتهم القاسية. نحن بدون وقايته وحمايته نسقط ونتحطم أما بمساعدة الله فلا خوف علينا. هو الذي يدافع عنا ويقينا ويسندنا لدى العثار وينشلنا. ذلك لأنه يريد أن تتم إرادته في العالم فقد يخالف الناس هذه الإرادة ويعصون مشيئته ولكن ليس في كل وقت.
«١١ اَللّٰهُ قَاضٍ عَادِلٌ وَإِلٰهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ. ١٢ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ يُحَدِّدْ سَيْفَهُ. مَدَّ قَوْسَهُ وَهَيَّأَهَا، ١٣ وَسَدَّدَ نَحْوَهُ آلَةَ ٱلْمَوْتِ. يَجْعَلُ سِهَامَهُ مُلْتَهِبَةً. ١٤ هُوَذَا يَمْخَضُ بِٱلإِثْمِ. حَمَلَ تَعَباً وَوَلَدَ كَذِباً. ١٥ كَرَا جُبّاً. حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي ٱلْهُوَّةِ ٱلَّتِي صَنَعَ. ١٦ يَرْجِعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُهُ. ١٧ أَحْمَدُ ٱلرَّبَّ حَسَبَ بِرِّهِ. وَأُرَنِّمُ لٱسْمِ ٱلرَّبِّ ٱلْعَلِيِّ».
(١١) بالطبع لا يتنافى العدل مع السخط قط فإنه كثير الأحيان يجب أن نسخط ونغضب وعلينا أن نفعل ذلك على نسبة الشر الذي يحيط بنا. علينا أن نسخط على الشر ولكن نخلص الشرير منه ولا نخلط بين الأمرين. هو إله عادل لذلك يجازي كل إنسان بما صنع.
(١٢) ويشبه الله بأنه متسلح بسيف محدد ماض مستعد دائماً أن يضرب به. وهو أيضاً قد مد قوسه وهيأها للرمي حتى يصيب بنبالها كل شيء.
(١٣) وإذا به يسدد الرماية وإذا بسهامه كإنما ألسنة من نار ملتهبة تذهب بعيداً وتحرق كل من تصيبه.
إذاً فهو لا يغار من الشرير ولا يحسده لأن نهايته محتومة وطريقه معروفة ولأنه يسلكها فهو سيصل إلى الهلاك أخيراً.
(١٤) إن تعبه هو كتعب الوالدة في المخاض أما هذه فلكي تلد حياة وأما ذاك فيلد إثماً ويكثر شراً على الأرض. ثم يكرر الاستعارة ويرينا أنه بعد حمله وما نواه في قلبه إذا به كذب وبهتان كل مقاصده.
(١٥) ولكن هذا الشر الذي يضمره هو كحافر الحفرة لأخيه هو أول من يسقط فيها. قصد أن يسقط غيره فسقط هو أولاً لذلك فعلى الأشرار أن يتأكدوا أن مصيرهم سيعود عليهم وضررهم سليحقهم قبل أي إنسان يقصدونه.
(١٦) وإذا بالويل الذي يقصده ويحمله يرجع عليه أولاً ويسقط على هامته ويتحطم تحطيماً.
والظالم لا شك سيبلى بأظلم. إلا فليعتبر أولو الشر ومحبذوه وليخافوا وليرجعوا إلى الله بالتوبة وطلب الغفران قبل أن يأتي وقت الدين.
(١٧) ثم ينهي هذا المزمور بالحمد والتسبيح فهو قد اتكل على الرب ولا يخيب بل سوف ينتظر خيراً. فقد افتتح المزمور بالاتكال على الرب وطلب حمايته والرب قد حماه وأعطاه اليقين بعاقبة اتكاله هذا وما عليه الآن إلا أن يرنم ويسبح لاسمه القدوس العلي.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ٱلْجَتِّيَّةِ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ سَيِّدُنَا، مَا أَمْجَدَ ٱسْمَكَ فِي كُلِّ ٱلأَرْضِ، حَيْثُ جَعَلْتَ جَلاَلَكَ فَوْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ! ٢ مِنْ أَفْوَاهِ ٱلأَطْفَالِ وَٱلرُّضَّعِ أَسَّسْتَ حَمْداً بِسَبَبِ أَضْدَادِكَ، لِتَسْكِيتِ عَدُوٍّ وَمُنْتَقِمٍ. ٣ إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، ٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ ٱلَّتِي كَوَّنْتَهَا»
(١) هذا المزمور مقتبس منه جداً في العهد الجديد حتى أن الرب يسوع ذاته قد استشهد أكثر من مرة. يبدأ هذا المزمور بتمجيد اسم الرب وكذلك ينتهي. واسمه ممجد في كل الأرض وفي كل المخلوقات. فهو الخالق وهو المعتني بجميع مخلوقاته هو مصدر الكون والسلطان والكمال. وهو الحاكم المطلق والمدير الحكيم ولا مرد لأحكامه. وجلاله فوق السموات حيث الملائكة والمقدسون يمجدونه في الليل والنهار على صورة هي فوق إدراكنا البشري.
(٢) إن الله يصغي لأصوات الأطفال الصغار الذين يسبحون لاسمه (راجع متّى ٢١: ١٦) وكذلك من جهة روحية فإن الله يستخدم البسطاء والجهلاء لكي ينشر بواسطتهم أنوار معرفته وخلاصه. وكلمة حمد هنا يمكن إبدالها بعز أو قوة أي إن الله يستطيع أن يظهر قوته بأضعف مخلوقاته وهم الأطفال الصغار الذين يحتاجون للعناية الحنونة التامة حتى ينموا ويكبروا ولكن هؤلاء الأطفال أنفسهم سيكونون أساساً صالحاً للمستقبل. والمرنم وهو ينظر للقمر والنجوم تسبح الله كذلك يرى الأطفال والرضع يفعلون ذلك لإظهار مجد الله العظيم.
(راجع أيضاً ١كورنثوس ١٠: ٢٧) فإن الله قد قصد أن يجعل من الأمور الاعتيادية أشياء غير عادية وذلك لغرض تسكيت العدو والمنتقم.
(٣) ثم يمدّ المرنم بصره نحو السماء. فيرى القمر بشعاعه الأبيض اللطيف والنجوم الزهر اللامعة السابحة في الفضاء القريب والبعيد. هذه السماء الصافية الأديم عادة في فلسطين أكثر أشهر السنة هي ذاتها يراها الشاعر القديم فيندهش من عظم وجلال هذا الكون بل من عظمة الخالق الذي أوجد هذا الكون المدهش العجيب والمرنم هنا بدلاً من أن يقع في تجربة عبادة الأجرام السماوية كما فعل الكلدان الأقدمون نجده يتخذ هذه السموات اللامعة بنجومها دليلاً على عظمة الخالق وهكذا ينصرف للخشوع والتعبد وتعظيم اسم الله كلما ازداد تمعناً وتفكيراً ويكون ذلك سبب ورع قلبي حقيقي.
«٤ فَمَنْ هُوَ ٱلإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ وَٱبْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ! ٥ وَتَنْقُصَهُ قَلِيلاً عَنِ ٱلْمَلاَئِكَةِ، وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. ٦ تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. ٧ ٱلْغَنَمَ وَٱلْبَقَرَ جَمِيعاً، وَبَهَائِمَ ٱلْبَرِّ أَيْضاً».
(٤) من هو الإنسان؟ لا يستعمل ابن آدم المخلوق على صورة الله بل الإنسان وتأتي الكلمة العبرانية بمعنى الضعيف المتقلب. ثم يقول ابن آدم أي ذلك المخلوق على صورة خالقه. هذا الإنسان ما هو؟ وما هو مقامه في هذا الوجود الشامل العظيم؟
(٥) والملائكة هنا «إلوهيم» أي نفس كلمة الله أي تنقصه قليلاً عن درجة الألوهية. وتزيد عليه بأن تكلله بالمجد والبهاء. والحق يقال أنه لم يكن تمييز كبير بين الآلهة ورسل الآلهة الذين هم الملائكة وفكرة الروح ومتعلقاتها كان لها تاريخ طويل في التطور. فقد حسب كاتب سفر التكوين أن الله يمشي في جنة عدن ويتكلم مع آدم وحواء ثم مع إبراهيم وبعد ذلك نجد الفكر تتطور حينما يصعد موسى على جبل سيناء وإذا به إله بعيد مخوف إله برق ورعد حتى خاف الناس أن يقتربوا أو يمسوا الجبل. والمرنم قد افتكر أن الملائكة هم خدام الله وهم لا شك في صورة الله ولذلك فالإنسان ينقص عنهم قليلاً لأنه في الجسد بينما أولئك في الروح. فهو أوطى منهم لأنه مصنوع من تراب ومن مادة ليس إلا بالعكس عن أولئك.
(٦) يكلله بالمجد والبهاء. ويسلطه على أعمال يديه. إن شارة السلطة في الإكليل يجب أن يعقبها الممارسة ووضعها موضع العمل والتنفيذ. إن الإنسان هو سيد المخلوقات ولكن على شرط أن يتصرف كالسيد لا العبد وعليه أن يخضع الأشياء لنفسه ولا يخضع نفسه للأشياء وإلا كان أدنى منها وأقل قيمة وهو قد وجد ليكون أعظم منها بما لا يقاس. يذكر أيوب ٢٥: ٦ «فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ ٱلإِنْسَانُ ٱلرِّمَّةُ وَٱبْنُ آدَمَ ٱلدُّودُ».
ولكن هذا الإنسان نفسه في عمانوئيل يصبح ذا قيمة عظيمة بالخلاص الذي أعده الله للفداء بابنه الوحيد. والإنسان ملك ومملكته هذه الدنيا التي أوجدها الله. يتصرف بها كما يشاء على شرط أن لا يضر بنفسه ولا بأخيه الإنسان وإلا يكون قد أعطى ملكاً ولم يحسن سياسته.
(٧) هنا يبدأ بوصف مدى سلطة هذا الإنسان فيذكر الغنم والبقر وكافة الحيوانات ووحوش البرية. ثم يذكر السمك كما يذكر طيور السماء ويختم المزمور كما افتتحه بتمجيد اسم الله وتسبيحه.
«٨ وَطُيُورَ ٱلسَّمَاءِ، وَسَمَكَ ٱلْبَحْرِ ٱلسَّالِكَ فِي سُبُلِ ٱلْمِيَاهِ. ٩ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ سَيِّدُنَا، مَا أَمْجَدَ ٱسْمَكَ فِي كُلِّ ٱلأَرْضِ!».


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. عَلَى «مَوْتِ ٱلٱبْنِ». مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ ولكن ديلتش يقول: ترنيمة للقاضي البار بعد انكسار الشعوب المعادية. ولايوجد ذكر لموت ابن قط.


«١ أَحْمَدُ ٱلرَّبَّ بِكُلِّ قَلْبِي. أُحَدِّثُ بِجَمِيعِ عَجَائِبِكَ. ٢ أَفْرَحُ وَأَبْتَهِجُ بِكَ. أُرَنِّمُ لٱسْمِكَ أَيُّهَا ٱلْعَلِيُّ. ٣ عِنْدَ رُجُوعِ أَعْدَائِي إِلَى خَلْفٍ يَسْقُطُونَ وَيَهْلِكُونَ مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، ٤ لأَنَّكَ أَقَمْتَ حَقِّي وَدَعْوَايَ. جَلَسْتَ عَلَى ٱلْكُرْسِيِّ قَاضِياً عَادِلاً».
(١) إن العنوان «موت الابن» لا يدل قط على موضوع المزمور بل الأرجح هنا إشارة للحن ليس إلا. إذ المزمور يتناول موضوع تمجيد الرب لانتصاره على أعدائه.
الأرجح أنه مزمور وضع للابتهاج بانتصار أحرزه داود على أعداء الله وأعدائه. ويبدأ كل قسم من العددين الأولين بهمزة الوصل. يود المرنم أن يبتهج بكل جوارحه بهذا الحمد الذي يتلوه بل يود أن يحدث بجميع العجائب التي أجراها الرب وتممها.
(٢) قد يكون نظمه بمناسبة الحادثة المذكورة (٢صموئيل ٦: ٨). وقوله العلي هو نعت لاسم الله وليس كما ذهب البعض اسم علم للعزة الإلهية.
(٣) حينما نذكر حادثة رحمة جرت لنا في الوقت الحاضر علينا أن نذكر أيضاً مراحم كثيرة سابقة لأنه الله يديم مراحمه علينا ولا ينسانا.
(٤) يعطي المجد لله في الانتصار على الأعداء فالفضل بذلك كله لله. هو القاضي والحاكم بين البشر ما يشاؤه يكون وما لا يشاؤه فهو باطل من أساسه. علينا أن نعتمد على قضاء الله وعدله في الأحكام إذ نحن لا نستطيع أن نفهم أعماله كلها وعلينا أن نكتفي بالخضوع والطاعة فقط. قد ينسى المُساء إليه ولكن لا ينسى الله فهو بنفسه يقيم الدعوى على المسيء ويحكم عليه ويؤدبه على نسبة أفعاله الرديئة وهو قد يبطئ ولكنه أكيد سيأتي وسيفعل كل شيء في حينه.
«٥ ٱنْتَهَرْتَ ٱلأُمَمَ. أَهْلَكْتَ ٱلشِّرِّيرَ. مَحَوْتَ ٱسْمَهُمْ إِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ. ٦ اَلْعَدُوُّ تَمَّ خَرَابُهُ إِلَى ٱلأَبَدِ. وَهَدَمْتَ مُدُناً. بَادَ ذِكْرُهُ نَفْسُهُ. ٧ أَمَّا ٱلرَّبُّ فَإِلَى ٱلدَّهْرِ يَجْلِسُ. ثَبَّتَ لِلْقَضَاءِ كُرْسِيَّهُ، ٨ وَهُوَ يَقْضِي لِلْمَسْكُونَةِ بِٱلْعَدْلِ. يَدِينُ ٱلشُّعُوبَ بِٱلٱسْتِقَامَةِ».
(٥) يشير المرنم على ما يظهر إلى حادثة خلاص خاصة كتلك المذكورة في (٢صموئيل ٢٢). إن الله قد رفض شاول وأخذ لنفسه داود ورفعه إلى عرش إسرائيل بعد أن باد كل سلالة شاول تقريباً. وهكذا كان داود وسيلة للانتصار على الأمم المجاورة التي حاربها وانتصر عليها. وتم على يده إخضاع كل عدو خرب مدن إسرائيل أو حاول تخريبها. وقد كان عمل داود الحربي موفقاً إلى درجة بعيدة حتى انمحت هذه الأمم عن بكرة أبيها ولم يبق سوى ذكر ضئيل. كالعمونيين والعمالقة (١صموئيل ٨: ١٢).
(٦) كذلك في العدد السادس يوجد توكيد لما ورد في العدد الخامس السابق. وأعداء الله هم أعداء داود كما أن أعداء داود يحسبهم أعداء الله. وهكذا فإن أولئك الملوك العظام مع أمم شهيرة قد هدمت مدنهم وأصبح كل شيء خراباً بل أن السكان أنفسهم قد بادوا. وقد كان يسمح في شريعة الحرب في تلك الأيام أن يحرموا السكان حتى النساء والأطفال وهذا من الفظاعة والهول بمكان عظيم. ويظهر أن التاريخ يعيد نفسه اليوم وقد أصبحت الحروب الحديثة بما فيه من طائرات وقاذفات وقنابل ذرية تتناول المدنيين كما تتناول العسكريين على السواء.
(٧ و٨) وما أجمل المقابلة هنا فالعدو يذهب ولكن الله يبقى الأمم تمحى وتباد ولكن الله يجلس ويثبت كرسيه إلى الدهر. ولنا من هذا بعض الأفكار:

  • إن الله أبدي الأيام.
  • وله السلطة والقضاء على كل شيء.
  • وهو العادل البار وكل تدبيراته هي بملء الحكمة ولا استثناء في ذلك البتة.
  • ويتضمن القول عناية خاصة بشعبه المختار.


إن مجد الأمم وملوكها زائل لا محالة حتى أعظم الفاتحين والغزاة هم كالعشب يظهر قليلاً ثم يضمحل. ولكن الله الساكن في صهيون هو وحده يبقى متسربلاً بالمجد والجلال ويجلس حسب فكر المرنم في كرسي الرحمة فوق تابوت العهد في الهيكل. وهكذا فإن الخطاة من شعبه يستطيعون أن يقبلوا إليه بتقديم فروض العبادة والذبائح المختلفة وهو يقبلهم لأنه يعطي الخلاص وحينئذ عليهم أن يقدموا له المديح والثناء ويتعلموا أن يطلبوا وجهه ويخدموه.
«٩ وَيَكُونُ ٱلرَّبُّ مَلْجَأً لِلْمُنْسَحِقِ. مَلْجَأً فِي أَزْمِنَةِ ٱلضِّيقِ. ١٠ وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ ٱلْعَارِفُونَ ٱسْمَكَ. لأَنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ طَالِبِيكَ يَا رَبُّ. ١١ رَنِّمُوا لِلرَّبِّ ٱلسَّاكِنِ فِي صِهْيَوْنَ. أَخْبِرُوا بَيْنَ ٱلشُّعُوبِ بِأَفْعَالِهِ. ١٢ لأَنَّهُ مُطَالِبٌ بِٱلدِّمَاءِ. ذَكَرَهُمْ. لَمْ يَنْسَ صُرَاخَ ٱلْمَسَاكِينِ».
(٩) كلمة ملجأ العبرانية «משגכ» تفيد معنى مكان مرتفع حصين. لا يزداد المعنى جمالاً بقوله هو ملجأ المنسحق الذي لا ملجأ له ولا معين. قد لا يظهر الله بعض الأحيان أنه مخلّص شعبه من كل ضيقاتهم ولا يظهر كأنه ينتقم لهم من أعدائهم. ولكن هنا مجال الإيمان يجب أن نؤمن بذلك ونتيقنه مهما ادلهمت الأحوال حولنا وتكاثرت الضيقات وحينئذ نشعر بتلك الطمأنينة المسكنة للنفوس.
(١٠) ولا يكفي أن نلتجئ إلى الله هاربين من الأعداء حولنا بل علينا أن نتكل عليه أيضاً. فليس المهم أن نختبئ بصورة سلمية بل أن نفعل بصورة إيجابية. وقوله العارفون اسمك أي المعترفون به جهاراً لا يخجلون من إذاعة فضله ونشر عوارفه المتواصلة لنا أجمعين. وهؤلاء المتكلون يصوّرهم أنهم يطلبون الله ويسيرون وراءه يفتشون عنه ويقرأون أسرار محبته وعظمته في كل ظواهر الحياة حولهم. إن فضل الله عميم ونعمته شاملة فمن جهته تعالى هو ذات الشيء للجميع ولكن يتوقف تمتعنا بنعمته على مقدار ما نأخذ منا. لا ذنب للشمس إذا لم تصل أشعتها للغرفة طالما الأبواب والنوافذ مقفلة علينا أن نفتحها لتدخل إلينا بنورها المحيي وحرارتها المنعشة. كلما اتكلنا على الرب كلما وجدنا أن اتكالنا كان في محله فهو الآب الأبدي الذي لا يتخلى عن أولاده المتكلين عليه والراجين رحمته.
(١١) هنا يمتلئ قلب المرنم بالشعور العميق ويشرع بالترنيم بل يطلب من الآخرين أن يرنموا أيضاً. هو شيء طبيعي إنه حينما نكون متأثرين بأية العواطف إن في الفرح أو الحزن إن في الفرج أو الضيق فإننا نحس بالموسيقى تنعشنا والترنيم يقلل همومنا. ولا يكفي أن نترنم سراً في صهيون حيثما الرب يسكن بل أن نرفع صوتنا عالياً ونخبر بما فعله الرب لنا من عظائم. كثيرون ينالون الفضل ولكن قلما يذكرون فلا يكن ذلك في المؤمنين علينا أن نخبر ونعيش شاكرين.
(١٢) لا بد للديان العادل من أن يدين العالمين. هو يطالب الحق الذي ديس والدم المراق والإثم الذي اقترف. منذ الخليقة حينما قال الله لقايين «أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ ٱلأَرْضِ» (راجع تكوين ٤: ٨ وأيضاً تثنية ٣٢: ٤٣ وأيضاً إشعياء ٢٦: ٢١ وأيضاً إرميا ٥١: ٣٥).ٍ إن الحياة كلها والروحية منها بالأخص مرتبطة بنظام لا تتعداه فكل من يخالفه يعاقب.
«١٣ اِرْحَمْنِي يَا رَبُّ. ٱنْظُرْ مَذَلَّتِي مِنْ مُبْغِضِيَّ، يَا رَافِعِي مِنْ أَبْوَابِ ٱلْمَوْتِ. ١٤ لِكَيْ أُحَدِّثَ بِكُلِّ تَسَابِيحِكَ فِي أَبْوَابِ ٱبْنَةِ صِهْيَوْنَ، مُبْتَهِجاً بِخَلاَصِكَ. ١٥ تَوَرَّطَتِ ٱلأُمَمُ فِي ٱلْحُفْرَةِ ٱلَّتِي عَمِلُوهَا. فِي ٱلشَّبَكَةِ ٱلَّتِي أَخْفَوْهَا ٱنْتَشَبَتْ أَرْجُلُهُمْ. ١٦ مَعْرُوفٌ هُوَ ٱلرَّبُّ. قَضَاءً أَمْضَى. ٱلشِّرِّيرُ يَعْلَقُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. (ضَرْبُ ٱلأَوْتَارِ). سِلاَهْ».
(١٣ و١٤) هنا ينصرف المرنم للصلاة وينتظر الرحمة من الله. أما ديلتش فلا يرى في هذين العددين صلاة بل متابعة طبيعية للموضوع ذاته. على كلٍّ فإن المرنم يلتمس أن ينقذ من لجة الموت أو هاويته ويرفع قبل أن تطبق عليه ويبتلع. لقد كانت الكنيسة في تاريخها مرات كثيرة مشرفة على أبواب الموت ولكن شكراً للمخلص الذي قال «وأبواب الجحيم لن تقوى عليها». وفي العدد الرابع عشر يذكر المرنم الغرض من هذا الخلاص وهو أن يحدث بمراحم الله ويذكر إحساناته العميقة. يطلب أن يرفع من أبواب الموت لكي يقف في أبواب أورشليم وشتان بين وقوف ووقوف. كان ساقطاً في الحفرة السفلى وإذا به يلتمس أن يرتفع للعلى. وذكر الأبواب هنا لأنها أول ما يرى ولا تزال العادة في بلاد المشرق أن يجلس الشيوخ على أبواب المدينة للحديث والمسامرات. والقصد أن الله يرفعه من ذلك ووحدته إلى الابتهاج والاجتماع مع جمهور الناس فرحاً بالخلاص. وهنا يطلب المرنم مجد الله وليس مجد نفسه إذ قصده أن يسبّح مبتهجاً بخلاص الرب.
(١٥) هؤلاء الأمم عملوا حفرة ولكنهم سقطوا فيها على حد المثل «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها». قال الدكتور كلارك «لا شيء يفعله الشرير وهو ليس ضد نفسه». إن الشر يصيب الشرير أولاً مهما حاول التهرب منه. يظهر أحياناً أن الشرير كإنما يستطيع أن يتغلب على مقاصد الله فيسرح ويمرح غير حاسب لشيء حساباً. ولكن هل هذا صحيح الآن؟ وهل سيبقى كذلك دائماً. يصوّر المرنم أن الشرير سقط في حفرته وكذلك نشبت رجله في الشبكة نفسها التي نصبها لغيره. فبدلاً من أن يصيد أصبح فريسة.
(١٦) ذلك لأن الرب سيقضي القضاء العادل على كل إنسان. وهو معروف أو معرّف نفسه (قابل حزقيال ٣٨: ٢٣) وإن الشرير ينال الجزاء الذي جنته يداه فهو فكر وارد في (أيوب ٣٤: ١١ وكذلك إشعياء ١: ٣١).
وينتهي العدد بموسيقى ضرب أوتار ثم سلاه.
«١٧ اَلأَشْرَارُ يَرْجِعُونَ إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ، كُلُّ ٱلأُمَمِ ٱلنَّاسِينَ ٱللّٰهَ. ١٨ لأَنَّهُ لاَ يُنْسَى ٱلْمِسْكِينُ إِلَى ٱلأَبَدِ. رَجَاءُ ٱلْبَائِسِينَ لاَ يَخِيبُ إِلَى ٱلدَّهْرِ. ١٩ قُمْ يَا رَبُّ. لاَ يَعْتَزَّ ٱلإِنْسَانُ. لِتُحَاكَمِ ٱلأُمَمُ قُدَّامَكَ. ٢٠ يَا رَبُّ ٱجْعَلْ عَلَيْهِمْ رُعْباً، لِيُعْلَمَ ٱلأُمَمُ أَنَّهُمْ بَشَرٌ. سِلاَهْ».
(١٧ و١٨) هنا تكرار وتوكيد للمعنى الوارد في العدد السابع وما يليه. فالأشرار نصيبهم الموت أو الرجوع للهاوية والتراب (انظر تكوين ٣: ١٩) هم ينسون الله ويعيشون بدونه بينما في العدد الثامن عشر فالله لا ينسى الراجع إليه بل هو رجاء ثابت أكيد (انظر إشعياء ١٩: ٢٢).
يشجع المرنم شعب الله أن ينتظروا الرب أكثر وأن يصبروا له ولا يتذمروا من حالة هم فيها على رجاء حالة أفضل سيكونون فيها في المستقبل.
(١٩) يطلب أن تكون العزة لله وليس للإنسان مهما شمخ وتكبر وعظم. يود المرنم أن يرى الله يظهر قوته وجبروته فلا يسود الأشرار بل يخضعون لله العلي. لأنه إذا اعتز الإنسان أذل أخاه الإنسان واستعبده ولكن إذا اعتز الله في قلوب الناس أصبحوا أسياداً على أنفسهم بالحق وأحراراً. إن خير البشرية يتوقف على مقدار ما تستطيع أن تتذلل به أمام الله وبالعكس فإن الشر كله حينما ننسى الله. وقوله «قم يا رب» مأخوذة عن موسى (راجع عدد ١٠: ٣٥).
(٢٠) كذلك فالمرنم يطلب من الله أن يرعبهم ويخيفهم. إذا عاشوا بدون هيبة الله وسلطته عاثوا في الأرض فساداً ليس إلا. والإنسان يجب أن يعيش لا يعيث. وهنا بذور فكرة أن الله هو ديان العالمين. فالرعب هو الخوف الشديد (انظر ملاخي ٢: ٥) والقصد هو أن يعلموا أنهم بشر لا أكثر ولا أقل. إن كثيراً من الويلات مسببة لأن الناس يحسبون أنفسهم أكثر من عامة البشر أو أقل منهم. وهكذا نجد التفرقات العرقية والجنسية ومحاولة التفاوت وبسط السيادة باسم قومية أعلى من أخرى. ولكن الله واحد وقد خلق البشر من أبوين أولين والفروقات بين البشر طفيفة جداً وعليهم أن يشعروا بالأخوة البشرية ويعملوا في سبيلها وإلا يلقى عليهم رعب الديان العادل الذي سيطالهم ولو بعد حين.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْعَاشِرُ


«١ يَا رَبُّ، لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيداً؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ ٱلضِّيقِ؟ ٢ فِي كِبْرِيَاءِ ٱلشِّرِّيرِ يَحْتَرِقُ ٱلْمِسْكِينُ. يُؤْخَذُونَ بِٱلْمُؤَامَرَةِ ٱلَّتِي فَكَّرُوا بِهَا. ٣ لأَنَّ ٱلشِّرِّيرَ يَفْتَخِرُ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ، وَٱلْخَاطِفُ يُجَدِّفُ. يُهِينُ ٱلرَّبَّ. ٤ ٱلشِّرِّيرُ حَسَبَ تَشَامُخِ أَنْفِهِ يَقُولُ: لاَ يُطَالِبُ. كُلُّ أَفْكَارِهِ أَنَّهُ لاَ إِلٰهَ».
(١) إن الترجمة السبعينية تضم هذا المزمور مع المزمور التاسع وتجعلهما واحداً. أما التوراة العبرانية فتترك كل واحد على حدة ولا شك أن موضوع وتركيب الواحد يختلف عن الآخر اختلافاً كبيراً. يتساءل المرنم بعاطفة عظيمة لماذا يحجب الله نفسه في الشدائد كإنما يقف بعيداً ولا يلتفت للمسكين ولا يسمع صراخه. وهكذا فهو يعبّر عن تعلق شديد بالله الذي تفقده في كل حين ولا سيما في أزمنة الضيقات. ولكن هل الله بعيد؟ أم نحن الذين نبتعد عنه ليس إلا إذ نحن الذين نفقده بعدم إيماننا ثم ندعي أن الله يبتعد عنا.
(٢) لا شيء كالكبرياء تجعل الشرير يتوغل في شره ولا يحيد عنه إذ يفسد القلب ويتحجر الضمير. فالمتكبر الشرير يحسب أنه لا يحتاج لله وبالتالي لا يحتاج للتدين لأنه يعتقد بأن ذلك يحط من قدره كإنسان. فهو يتوغل في شره حتى يحرق الشرير به ولكن لا بد أن ما دبره من مكائد سوف يسقط فيها.
(٣) بل إن هذا الشرير يفتخر بما هو فيه بدلاً من أن يندم عليه ويتوب. هو لا يحسب شره كشيء يجب الرجوع عنه لأنه لا يعترف به أبداً ومما يساعد على ذلك هو وجود المتملقين حوله الذين يغشون أنفسهم بقبوله في جماعة الكرام الصالحين وقد يكون لهم مصالح شخصية معه حتى يتساهلون هكذا. وأما الخاطف فهو ذاك الذي يأخذ ما لغيره قسراً أو بالخداع بدون حق البتة لذلك فهو يهين خالقه بتعديه الصريح هكذا.
(٤) ويستمر هكذا على أفعاله المنكرة ويظل متشامخاً لأنه يحسب أن الله لا يطالب فهو يستفيد من حلم الله عليه ازدياداً في الغواية والفساد حتى أنه أخيراً يكفر بوجود الله الذي عصا أوامره من قبل. وهذه نتيجة لا شك فيها يصلها مثل هذا الإنسان الشرير.
«٥ تَثْبُتُ سُبُلُهُ فِي كُلِّ حِينٍ. عَالِيَةٌ أَحْكَامُكَ فَوْقَهُ. كُلُّ أَعْدَائِهِ يَنْفُثُ فِيهِمْ. ٦ قَالَ فِي قَلْبِهِ: لاَ أَتَزَعْزَعُ. مِنْ دَوْرٍ إِلَى دَوْرٍ بِلاَ سُوءٍ. ٧ فَمُهُ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَغِشّاً وَظُلْماً. تَحْتَ لِسَانِهِ مَشَقَّةٌ وَإِثْمٌ. ٨ يَجْلِسُ فِي مَكْمَنِ ٱلدِّيَارِ، فِي ٱلْمُخْتَفَيَاتِ يَقْتُلُ ٱلْبَرِيءَ. عَيْنَاهُ تُرَاقِبَانِ ٱلْمِسْكِينَ».
(٥) في هذه الآية رأيت اختلافاً كبيراً في ترجمتها فيقول ديلتش «أكيدة هي كل سبله دائماً». وحسب الترجمة السبعينية وبالتالي اليسوعية «تنجح مساعيه في كل حين» وأما الترجمة الإنكليزية فتقول «كل سبله محزنه دائماً» ولدى المقابلة يصعب التوفيق بين هذه كلها ولكني أميل لترجمة ديلتش فإن الله لا يثبت سبل الشرير بل ذاك يحسبها ثابتة وأكيدة ليس إلا وقد يكون ذلك من قبيل الاعتداد بالنفس والغرور ولكن يعود فيقول المرنم إن أحكام الرب فوقه بعد لأنه هو وحده العالي فوق كل عالٍ. وإن يكن هذا الشرير إلى حين ينفث في أعدائه سماً كما يفعل الثعبان.
(٦) وفي هذا العدد تثبيت لمثل هذا المعنى إذ هذا الشرير يقول عن نفسه إنه لا يتزعزع فهو من فرط كبريائه أعمى ويدعي أن المصائب لا تطاله بسوء فهو يحسب أن يعيش مع ذريته من دور لدور خالياً عن كل أنواع الضيقات والمصائب.
(٧) ثم يصفه بأنه يلعن ويغش ويظلم ويفعل ذلك وهو يتظاهر بلسان حلو ولكن تحته سم قتال. لذلك فضرره غير ظاهر للعيان كل شيء عنده مبطن حتى حقده قد يظهر بقالب المحبة والصداقة (راجع أمثال ٢٦: ٢٦) وإذا وضع هدفاً يريد الوصول إليه لا يهمه عندئذ كم عهداً يخون أو كذباً يقترف أو شراً يرتكب.
(٨) في هذا العدد يصوره كالوحش المفترس الذي يكمن لفريسته. فهو يقصد الضرر ولكن لا يتظاهر به دائماً. فقد يكون قاطع طريق أو لصاً يهمه السلب والنهب ولا يسأل ممن فقد يكون الذي يقع به بريئاً تماماً لم يتعرف به من قبل. وهو يفعل ذلك ليس بدافع الانتقام بل يقترف هذه الجرائم غير مبال بأحد. ولا قيمة للحياة البشرية في عينيه كما أنه لا قيمة لمال الآخرين أو أرزاقهم يهمه أن يختلس ويغتصب غير حاسب لأيّ حساباً.
«٩ يَكْمُنُ فِي ٱلْمُخْتَفَى كَأَسَدٍ فِي عِرِّيسِهِ. يَكْمُنُ لِيَخْطُفَ ٱلْمِسْكِينَ. يَخْطُفُ ٱلْمِسْكِينَ بِجَذْبِهِ فِي شَبَكَتِهِ، ١٠ فَتَنْسَحِقُ وَتَنْحَنِي وَتَسْقُطُ ٱلْمَسَاكِينُ بِبَرَاثِنِهِ. ١١ قَالَ فِي قَلْبِهِ: إِنَّ ٱللّٰهَ قَدْ نَسِيَ. حَجَبَ وَجْهَهُ. لاَ يَرَى إِلَى ٱلأَبَدِ. ١٢ قُمْ يَا رَبُّ. يَا اَللّٰهُ ٱرْفَعْ يَدَكَ. لاَ تَنْسَ ٱلْمَسَاكِينَ. ١٣ لِمَاذَا أَهَانَ ٱلشِّرِّيرُ ٱللّٰهَ؟ لِمَاذَا قَالَ فِي قَلْبِهِ: لاَ تُطَالِبُ؟».
(٩) وفي هذا العدد توكيد لما ورد في العدد السابق ليس إلا. إذ يزيد المعنى في التشابه. فالأسد يهمه الفريسة وهذا الشرير يهمه أن يربح مالاً لا فرق من أي السبل جاء هذا المال وعادة يغتصبه بالحرام لأن الحرام والحلال عنده سيان كالوحش الكاسر.
(١٠) وهنا يتمم الصورة الفكرية التي بدأها فإن هذا الوحش يظل كامناً في مكانه إلى أن يقضي على فريسته قضاء تاماً وهكذا تسقط المساكين ببراثنه الممزقة الفتاكة وبين أشداقه القوية. وهؤلاء الأشرار عادة لايتورعون عن شيء في سبيل ما يريدونه فهم يتساهلون فقط على نسبة ما يضعونه أمامهم من ضرر يريدون إيقاعه بالآخرين: وهم يتسترون كثير الأحيان بالعطف والدعة إلى أن ينالوا مرامهم.
(١١) ويستمر في غوايته هذه إلى أبعد حدودها. فلا الهيئة الاجتماعية تطاله بسوء وكذلك يحسب أن الله ذاته لن يصله لأنه لا يؤمن به بل يحسب أن الله قد نسي وحجب وجهه حتى لا يرى ماذا يفعل وهكذا استمرت الحالة طويلاً حتى حسبها أنها للأبد. وهنا تجديف منه صريح على الله لأنه يرى وسوف يدينه لا محالة. وجيد لنا أن نعطف على المظلومين ونحتقر الظالمين ونقف في وجوههم قبل أن يستفحل شرهم كثيراً.
(١٢) هنا يلتفت إلى الرب ويستنهضه للدفاع عن حق مهضوم وعن بريء يُفترى عليه. فإن طول أناة الرب قد يجعل الظالم أكثر ظلماً ويجعل المظلوم أكثر تظلماً من حالة سيئة هو فيها لذلك يلتمس من الله أن ينصف ويوقف قسطاس العدل على الاثنين معاً ويرفع يده ويضرب ويبطش ولا ينسى. إنما على المؤمن أن يتكل على إلهه فإن الله أدرى متى ينتقم «لي النقمة أنا أجازي يقول الرب».
(١٣) وهنا تكرار لمعنى سابق ويتساءل المرنم كيف يسمح الله أن يتجاسر الشرير ويستهين بالعلي كإنما يحسب أنه لن يطالب. إذاً فالحياة فوضى ولا نظام أدبياً فيها بل الحق للقوة الغاشمة وكما يفعل السمك القوي يأكل الضعيف والحيوانات الكاسرة تفترس فرائسها فهل كذلك يكون الإنسان؟ ولكن شكراً لله ليس الأمر كذلك بل هنالك يوم الدين.
«١٤ قَدْ رَأَيْتَ. لأَنَّكَ تُبْصِرُ ٱلْمَشَقَّةَ وَٱلْغَمَّ لِتُجَازِيَ بِيَدِكَ. إِلَيْكَ يُسَلِّمُ ٱلْمِسْكِينُ أَمْرَهُ. أَنْتَ صِرْتَ مُعِينَ ٱلْيَتِيمِ. ١٥ اِحْطِمْ ذِرَاعَ ٱلْفَاجِرِ. وَٱلشِّرِّيرُ تَطْلُبُ شَرَّهُ وَلاَ تَجِدُهُ. ١٦ ٱلرَّبُّ مَلِكٌ إِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ. بَادَتِ ٱلأُمَمُ مِنْ أَرْضِهِ. ١٧ تَأَوُّهَ ٱلْوُدَعَاءِ قَدْ سَمِعْتَ يَا رَبُّ. تُثَبِّتُ قُلُوبَهُمْ. تُمِيلُ أُذُنَكَ ١٨ لِحَقِّ ٱلْيَتِيمِ وَٱلْمُنْسَحِقِ، لِكَيْ لاَ يَعُودَ أَيْضاً يُرْعِبُهُمْ إِنْسَانٌ مِنَ ٱلأَرْضِ».
(١٤) يؤمن بأن الله يرى «يهوه يرأه». والحق يقال أن المؤمنين يعانون آلاماً نفسية عظيمة من فكرة تجاسر الأشرار وتماديهم فهم يريدون الحق أن يمشي ويريدونه حالاً كإنما يفرضون ذلك على الله وهذا خطأ إذ له وحده جل جلاله الحق في إدانة الأشرار في الوقت الذي يريده هو. وعلينا أن نسلم ذواتنا تسليماً تاماً لله فهو معين أشقى الناس وأتعسهم «اليتيم» فهو عادة مهضوم الحق بل هو أيضاً محروم الحنان الوالدي ولكن الله يحتضنه كأب حنون.
(١٥) هنا اختلاف في الترجمة فيقول ديلتش «والشرير تقاص شره حتى يذهب هذا الشر من أمامك». وأظن هذا أقرب لقصد المرنم فهو يطلب من الرب أن يتداخل بالفعل في أمره. وقد كان اختبار المؤمنين حقيقياً كلما اتكلوا على الإله الحي فهو الحاكم أخيراً على البشر وعلى جميع ما يفعلونه.
(١٦) فليتمجد اسم الرب إذن لأنه وحده الملك وجميع البشر هم عبيد ولا يستطيعون أن يعصوا أوامره ويسلموا للأبد. هوذا الأفراد يقومون ويسقطون وهكذا الدول والأمم وأغلبها أصبحت في حكم التاريخ. لقد بادت الأمم ولكن إله الأمم يبقى.
(١٧) يتحول المرنم عن كلمة المسكين إلى الودعاء وفي هذا حكمة لأن صبر هؤلاء المؤمنين يجب أن يكون عن وداعة حقيقية أي أن يتكلوا على الله ولا يتذمروا قط وهو يفعل في حينه وحسب مشيئته السرمدية. فهو يقضي حق اليتيم والمسكين والبريء. ولا يترك دمهم يذهب هدراً كإنما هذا الوجود لا يحكمه سوى القوة الغاشمة العمياء. بل قد سمع الله.
(١٨) وعلينا أن لا نحكم متسرعين بأن نجاح الأشرار معناه أنهم على صواب فيما يفعلون. وابن آدم مهما عظم وتجبر فسيعود للتراب الذي منه أخذ. وهكذا يلتمس المرنم في الختام أن يثبت أن الحق على الأرض التي هي ملك لله حتى لا يعود هذا الإنسان الشرير فيسبب رعباً وتعاسة وويلاً وإن يكن إلى حين معين. وهكذا حينما نرى أن الدين وأنصاره في حالة الاضطهاد والضيق نطلب من الله أن يجري حكمه العادل فيعود الحق إلى نصابه.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي عَشَرَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِدَاوُدَ


«١ عَلَى ٱلرَّبِّ تَوَكَّلْتُ. كَيْفَ تَقُولُونَ لِنَفْسِي: ٱهْرُبُوا إِلَى جِبَالِكُمْ كَعُصْفُورٍ؟ ٢ لأَنَّهُ هُوَذَا ٱلأَشْرَارُ يَمُدُّونَ ٱلْقَوْسَ. فَوَّقُوا ٱلسَّهْمَ فِي ٱلْوَتَرِ لِيَرْمُوا فِي ٱلدُّجَى مُسْتَقِيمِي ٱلْقُلُوبِ. ٣ إِذَا ٱنْقَلَبَتِ ٱلأَعْمِدَةُ، فَٱلصِّدِّيقُ مَاذَا يَفْعَلُ؟»
(١) يظن أن هذا المزمور كتب حينما شعر داود بغضب شاول عليه وقد رماه بالرمح مرة بعد مرة. وهكذا كانت له النصيحة أن يهرب إلى وطنه وينجو بنفسه. ويظن البعض أنه كتب حينما قامت الثورة في وجه داود بسبب ابنه أبشالوم وبكلا الاحتمالين تفسير مقبول.
يقول داود أنه لا يقبل مثل هذه النصيحة ويهرب من وجه أي عدو لأنه قد جعل الرب متكله. ولنا من هذا بعض أمور حرية بالتأمل:
١) تصميم داود وعزمه فهو كله بالله وليس بنفسه. قد يكون أن الأعداء قد وجهوا إليه أن يترك إلهه الذي لا ينجيه وعليه أن يعتمد على نفسه فقط لأجل النجاة.
٢) غيظه من الذين دعوه للهرب كأنه عصفور صغير من وجه الصياد يلحقه من مكان لآخر فلا يقر له قرار إلا بالبعد في الجبال. وهنا محك مزدوج فهو كجندي شجاع لا يسمح لنفسه بالهرب والجبن من المعركة وكمؤمن لا يسمح لنفسه أن يكفر بنعمة الله ورحمته.
مع أن الخطر موجود والأشرار يستعملون ضده أهم السلاح المعروف عندئذ. فهم يستعملون السهم الذي يطير بعيداً وفي جنح الظلام لأن هؤلاء الأعداء ماكرون غادرون لا يرعون حرمة فهم على كامل استعدادهم أن يرموا ويهلكوا الأبرياء الذين لم يسيئوا إليهم. ويظهر أن هؤلاء الأعداء ينوون الأذية وليس فقط أنهم يتظاهرون بها لأنهم سفاكون للدماء حتى دماء الأبرياء.
(٣) قد تكون الأعمدة هنا إشارة إلى بناء بيته الملكي فهو في خطر الهدم والزوال. وقد تكون الأعمدة بمعنى روحي أي إنه إذا تزعزعت أركان حياتنا ومجدنا فماذا يفعل؟ قد يكون للشرير مهرب من مأزق كهذا فإنه يقابل الإساءة والضرر بمثله ولكن ماذا يفعل الصديق المؤمن؟ والجواب هو في العدد الأول على الرب توكلت! هو رجاؤهم الوحيد ومتكلهم والمنتقم لهم فلا ينتقمون لأنفسهم ولا يهابون شيئاً ولا يجزعون. إن الله قد مسح داود ملكاً على شعبه وهذه مسؤولية كبرى وواجب موضوع عليه فلا يستطيع النكوص عنه ولا الرجوع.
«٤ اَلرَّبُّ فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. ٱلرَّبُّ فِي ٱلسَّمَاءِ كُرْسِيُّهُ. عَيْنَاهُ تَنْظُرَانِ. أَجْفَانُهُ تَمْتَحِنُ بَنِي آدَمَ. ٥ ٱلرَّبُّ يَمْتَحِنُ ٱلصِّدِّيقَ. أَمَّا ٱلشِّرِّيرُ وَمُحِبُّ ٱلظُّلْمِ فَتُبْغِضُهُ نَفْسُهُ. ٦ يُمْطِرُ عَلَى ٱلأَشْرَارِ فِخَاخاً، نَاراً وَكِبْرِيتاً وَرِيحَ ٱلسَّمُومِ نَصِيبَ كَأْسِهِمْ. ٧ لأَنَّ ٱلرَّبَّ عَادِلٌ وَيُحِبُّ ٱلْعَدْلَ. ٱلْمُسْتَقِيمُ يُبْصِرُ وَجْهَهُ».
(٤) هنا تتجلى للمرنم رؤيا الرب (انظر إشعياء ٦) ويتأكد حضوره معه لكي يطرد من باله كل ما يثبط عزيمته بإلهه. يراه في الهيكل منعكساً بجلاله عن كرسيه في السماء يؤكد لنفسه ولسامعيه أنه إذا كان الله موجوداً فهو لا شك ينظر ويراقب ويمتحن كل إنسان. وذكر الأجفان هنا من قبيل التفرس فإنها تساعد العين على ذلك. إن الله في عهد دائم مع شعبه فلا يتركهم ولكنهم هم الذين يتركونه. هو قريب إلينا وهو فوقنا لأن عرشه في العلى يستطيع النظر الدائم لبني البشر.
(٥) الرب لا يتخلى عن الصديقين قط وإذا ظهر كأنه تخلى فذلك لأجل امتحان الإيمان. ولكن علاقته ليست كذلك مع الشرير والظالم. ففي نظر المرنم الرب يبغضهما. وهنا لا يميز قط بين الشرير وشره ولا بين الظالم وظلمه لأن الرب في نظره يريد أن يتخلص من الشرير بتاتاً. والذين يسببون الشر يسببون الهلاك لأنفسهم أيضاً (أمثال ٨: ٣٦) وقصاصهم محتوم لا بد منه.
(٦) يهلكهم الرب كما أهلك أهل سدوم وعمورة. يوقعهم في فخاخ هم نصبوها لأنفسهم وبعد ذلك يمطرهم بوابل من النار والكبريت دليل حمو غضبه عليهم اقتصاصاً منهم لما اقترفوه من ذنوب. وكذلك ريح السموم المهلكة التي تهب عليهم من الصحراء كأنها تحرقهم حرقاً. وهذه عليهم كأس يجب أن يشربوها لأنها نصيبهم بالنسبة لسوء أفعالهم وشرورهم.
(٧) ذلك هو عدل الله ولا يرى المرنم أي بأس في معاملة صارمة كهذه. فكما يحتمل الأبرار والمستقيمون الاضطهاد والتعذيب فالأشرار سينالون الجزاء إن عاجلاً أم آجلاً. وهنيئاً للصديق عندئذ لأنه سيشرق عليه مجد الرب ويرى وجهه.
إن رؤية الرب مستطاعة متى كان يصحبها الرضا الإلهي وبغير ذلك فلا يستطيع العيش بأن يراه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي عَشَرَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى «ٱلْقَرَارِ». مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ خَلِّصْ يَا رَبُّ لأَنَّهُ قَدِ ٱنْقَرَضَ ٱلتَّقِيُّ، لأَنَّهُ قَدِ ٱنْقَطَعَ ٱلأُمَنَاءُ مِنْ بَنِي ٱلْبَشَرِ. ٢ يَتَكَلَّمُونَ بِٱلْكَذِبِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ صَاحِبِهِ، بِشِفَاهٍ مَلِقَةٍ، بِقَلْبٍ فَقَلْبٍ يَتَكَلَّمُونَ. ٣ يَقْطَعُ ٱلرَّبُّ جَمِيعَ ٱلشِّفَاهِ ٱلْمَلِقَةِ وَٱللِّسَانَ ٱلْمُتَكَلِّمَ بِٱلْعَظَائِمِ، ٤ ٱلَّذِينَ قَالُوا: بِأَلْسِنَتِنَا نَتَجَبَّرُ. شِفَاهُنَا مَعَنَا. مَنْ هُوَ سَيِّدٌ عَلَيْنَا؟».
(١) إن هذا المزمور يتبع الحادي عشر بصورة مناسبة للغاية فهو صلاة لأجل تخليص المساكين والمتضايقين في زمن انتشرت فيه روح الكبرياء والتمرد على العلي كما انتشرت الفوضى الأخلاقية وانحطت الآداب وهو مزمور موضوع على غرار سابقه وكانت قد ترقت الموسيقى إلى درجة بعيدة في عصر داود كما كانت الأخلاق بعيدة عن الكمال. فكان المؤمنون يعيشون كشهداء في وسط جيل معوج وملتوٍ.
(٢) هنا يرى المرنم الكذب منتشراً بين الناس والشفاه ملقة والقلب غير مخلص (بقلب فقلب) كإنما بقلبين وليس بقلب واحد. وقال السيد المسيح من فضلة القلب يتكلم الفم فإذاً عدم الإخلاص يبدأ بالقلب أولاً. وأعظم هذه الأكاذيب هي في الصداقة إذ إن الواحد يدعي الأخوة للآخر وهو بعيد عنها (راجع ٢تيموثاوس ٣: ١) فإن الأيام الشريرة ليست بالنسبة لقلة الدراهم وكساد التجارة بل بالنسبة للانحطاط الأخلاقي.
(٣) وقوله العظائم فإن الأفضل أن تترجم «الكبائر» أي الذنوب الكبيرة التي نقترفها ضد اسم الله. وفي قوله يقطع هنا تهديد صارم وتوبيخ لكي يرعوي الجاهل عن جهله ويعود الشرير عن شره وهكذا ينال الخلاص.
والشفاء ثم قوله اللسان من قبيل الترادف والتوكيد وهو كثير في العبرانية كما نلاحظ.
(٤) إن اللسان يستطيع أن يدعي كل شيء ويصبح خارجاً عن المعقول لدرجة أنه يكفر بالله تعالى. فلا يكتفي الأشرار أن يكذبوا بل هم يفتخرون بكذبهم كأنهم لم يفعلوا شيئاً يستحقون عليه التوبيخ وهذا منتهى الوقاحة.
هنا ادعاء فارغ بالذات وتعظم على العلي الذي بيده كل شيء. ولو عقلوا قليلاً لكانوا يتساءلون ومن صنع الفم واللسان أليس الله؟ إذاً فعلى اللسان أن يسبح لاسمه العظيم. لقد قال هؤلاء الأشرار كما قال فرعون قديماً (خروج ٥: ٣). يدعي الشرير أنه يملك لسانه وهذا باطل إذ الحق أن لسانه يملكه.
«٥ مِنِ ٱغْتِصَابِ ٱلْمَسَاكِينِ، مِنْ صَرْخَةِ ٱلْبَائِسِينَ، ٱلآنَ أَقُومُ يَقُولُ ٱلرَّبُّ. أَجْعَلُ فِي وُسْعٍ ٱلَّذِي يُنْفَثُ فِيهِ. ٦ كَلاَمُ ٱلرَّبِّ كَلاَمٌ نَقِيٌّ، كَفِضَّةٍ مُصَفَّاةٍ فِي بُوطَةٍ فِي ٱلأَرْضِ، مَمْحُوصَةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ٧ أَنْتَ يَا رَبُّ تَحْفَظُهُمْ. تَحْرُسُهُمْ مِنْ هٰذَا ٱلْجِيلِ إِلَى ٱلدَّهْرِ. ٨ ٱلأَشْرَارُ يَتَمَشُّونَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ عِنْدَ ٱرْتِفَاعِ ٱلأَرْذَالِ بَيْنَ ٱلنَّاسِ».
(٥) إن الله يقوم للنجدة. فهو سامع لصراخ البائسين ولا يتركهم من رحمته قط. وقوله «من» هنا ضعيفة جداً والأفضل أن تترجم «لأجل» فإن قيام الرب هو لهذا السبيل. والله يجعل من العسر سعة للذين يؤمنون. فلا يترك الشرير ينفخ أو ينتفخ أو ينفث من شره ولا من يحاسبه لأنه الله سيقوم ويسمع ويحاسب إلى التمام.
(٦) هؤلاء الأنقياء الأمناء إذ أن تقواهم يجب أن تطبق عملياً في الحياة اليومية. هؤلاء يرون كلام الله أنه نقي طاهر يشبه ببياضه الفضة المصفاة والمكررة بتصفيتها مرات عديدة لأنه بلا زغل البتة. والفضة هي المعدن الأساسي قديماً للتعامل فهو قبل الذهب وشائع أكثر منه لأنه أرخص. وقوله سبع مرات دليل العدد الكامل أي أنه مصفى إلى التمام.
(٧) الرب يحفظ هؤلاء الأنقياء فلا يصيبهم أخيراً أي مكروه. بل هو يسهر عليهم ويحرسهم على الدوام. وهنا يعود لبدء المزمور فهو لا يتخلى عن أولاده طالما كلامه حق وطاهر لذلك فهو يحفظ ويحرس الأتقياء الطاهرين ولا يتركهم لرحمة مضطهديهم والقائمين عليهم للكيد والمضرة. وهو يطلب الحراسة من هذا الجيل الشرير وإلى الأجيال التي تليه.
(٨) هنا «ارتفاع» تتناول أنهم يصبحون ذوي السلطة والنفوذ. وقوله يتمشون من كل ناحية أي يكثرون وتكثر حركتهم ويمتد عملهم كإنما كل شيء لهم ولا يحسبون لأحد حساباً (راجع أمثال ٣٠: ١١ - ١٤) حيثما يصف الحكيم بكلام مؤثر حالة الأمة المنحطة التي تسير نحو الدمار والاضمحلال.
الأشرار لا يستطعيون السيادة والذهاب والإياب كما يشاؤون إلا بعد أن يسندهم الأراذل الذين يصلون إلى كراسي الحكم ولا يستطيعون البقاء فيها ربما إلا بعد أن يدعمهم مثل هؤلاء.
ربما كان استطاع المرنم أن ينهي المزمور بالعدد السابع ولكنه يعود فيؤكد ما ابتدأ به من شرّ هؤلاء الأشرار فترك صورتهم القبيحة ظاهرة للآخر.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ عَشَرَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ ٱلنِّسْيَانِ! إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي! ٢ إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُوماً فِي نَفْسِي وَحُزْناً فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ! إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ! ٣ ٱنْظُرْ وَٱسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ إِلٰهِي. أَنِرْ عَيْنَيَّ لِئَلاَّ أَنَامَ نَوْمَ ٱلْمَوْتِ، ٤ لِئَلاَّ يَقُولَ عَدُوِّي: قَدْ قَوِيتُ عَلَيْهِ. لِئَلاَّ يَهْتِفَ مُضَايِقِيَّ بِأَنِّي تَزَعْزَعْتُ. ٥ أَمَّا أَنَا فَعَلَى رَحْمَتِكَ تَوَكَّلْتُ. يَبْتَهِجُ قَلْبِي بِخَلاَصِكَ. ٦ أُغَنِّي لِلرَّبِّ لأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ».
(١) إن أحد المفسرين يضع تاريخ هذا المزمور حينما وضع شاول بعض المراقبين على داود يتعقبونه من مكان لآخر يطلبون نفسه. وداود يصبر على الضيق الذي كان فيه ولا يرى له خلاصاً بسوى تسليمه الكامل لله. ويشعر المطالع وهو يقرأ المزمور أنه يبدأ بأمواج تتلاطم في نفسه وإذا بها تصغر ويخفت صوتها إلى أن تضمحل تماماً بالسكون الشامل. إن هذا التساؤل إلى متى كما يقول لوثيروس «هو حينما ييأس الرجاء ذاته ويسبب الشعور بغضب الله وفي الوقت نفسه يبدأ اليائس أن يترجى».
(٢) وفي هذا العدد أيضاً يستمر التساؤل ويلتفت إلى نفسه ويبحث عن همومه فيرى الأحزان تكتنفه من كل جانب وبصورة يومية. بل يرى أن العدو يتكبر ويتجبر عليه ولا يجد لنفسه مناصاً من جبروته هذا. ويردد داود «إلى متى» ثلاث مرات وكل واحدة ترتفع على الأخرى أي يكون له هموم متتابعة فأولاً إن الله نسيه وثانياً شعوره بالغم والكدر يملأ قلبه وثالثاً ذله على يد العدو.
(٣) ثم إذا به يتشدد ويتشجع ويقول للرب انظر إليّ. انظر لحالي ولا تتخلّ عني.. ويطلب أيضاً أن يكون صوته مسموعاً ويصغي إليه ثم يطلب أن يعطي نوراً ويقظة لئلا ينام ويغفل عما هو فيه. يطلب الأرجح نور النهار لأن في الليل تكثر الهواجس والهموم ولذلك فالليل طويل عادة وكئيب. لا شيء يظلم العين كالهم ولا شيء يفتحها كالنور المفرح.
(٤) لا يريد قط أن عدوه يتغلب عليه فيدعي أن له القوة والسيطرة على المؤمن. بل إن هذا سيزداد فرحاً ويهتف قائلاً بإني تزعزعت وذهب كل الإيمان.
(٥ و٦) هنا ختام بهيج لمزمور يبدأ بالشكوى ويأخذ بالصلاة والتضرع ثم ينتهي بالابتهاج والترنم. يرى رحمة الله ويتكل عليها. وهكذا ينال الهدوء والسلام ولا يعود في قلبه أي انشغال بال. وهنا كإنما وصف لطيف لإنسان كان مريضاً فشفي أي كان في خطر فاطمأن أو في ضيقة فانفرج. هو مزمور مختصر ولكنه دقيق الوصف فياض بالشعور ويصور حالة المرنم النفسية بكامل وجوهها.


اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ عَشَرَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِدَاوُدَ


يظهر هذا المزمور بمعناه في المزمور الثالث والخمسين ولكن الفرق بينهما هو أنه يستعمل كلمة الرب بينما ذاك يستعمل كلمة الله.
«١ قَالَ ٱلْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلٰهٌ. فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً. ٢ اَلرَّبُّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي ٱلْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ ٱللّٰهِ؟ ٣ ٱلْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعاً، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ».
(١) لا يعلم تماماً ما هو الظرف الذي كتب فيه المزمور وقد لا يكون لغير ظرف بل يقصد به وصف الطبيعة البشرية الساقطة التي يحوجها الخلاص. ونرى في (رومية ٣: ١٠ و١٩) بعض الفقرات منه قد اقتبسها الرسول بولس لكي يبرهن أن كلا اليهود والأمم هم في حالة تتطلب الخلاص الذي أعده الله للجميع. نجد في المزامير من الثالث إلى هذا المزمور ما عدا الثامن تذمراً واضحاً عن حالة الأشرار. الخطيئة هي مرض البشرية المتأصل فيها وهنا المرنم يصور أمرين:
الأول: إن الجاهل يكفر بالله وبوجوده. قد لا يتجاسر بعض الأحيان أن يبوح به للناس فيهمس بذلك في قلبه. الثاني أن الخطأة قد فقدوا النعمة وهكذا قد فسدت طبيعتهم ورجست أفعالهم وعملوا الشر بدل الصلاح.
(٢) والله يعرف هذه الحالة السيئة المشار إليها لأنه يشرف على جميع البشر ويختبر سرائرهم. إن الله شاهد بذلك بل شاهد عيان يرى ويتألم لهذه الحالة السيئة. إن الشر يسري في البشر كالعدوى وهم يميلون إليه ويمارسونه بسرعة أكثر جداً مما لو دعوا للخير والإحسان.
(٣) وهنا يذكر ما شاهده فيهم فوجد أولاً الزيغان عن الوصايا فوق فساد الطبيعة وبالتالي فهم لا يستطيعون أن يعملوا صلاحاً لأن ذلك مخالف لطبيعتهم التي هم فيها. إن الزيغان معناه الضلال عن طريق الحق والصواب إذاً هو يتناول السيرة أكثر مما يتناول الطبيعة وأما الفساد فيتناول الطبيعة ذاتها. وهكذا فإن عدم عملهم الصلاح هو بسبب انعدام الحياة الروحية فيهم.
وسيعرف حالة كل إنسان حينما يقف لدى الديان ليقدم الحساب الأخير (انظر ١كورنثوس ٤: ٣ - ٥).
«٤ أَلَمْ يَعْلَمْ كُلُّ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ شَعْبِي كَمَا يَأْكُلُونَ ٱلْخُبْزَ، وَٱلرَّبَّ لَمْ يَدْعُوا. ٥ هُنَاكَ خَافُوا خَوْفاً لأَنَّ ٱللّٰهَ فِي ٱلْجِيلِ ٱلْبَارِّ. ٦ رَأْيَ ٱلْمِسْكِينِ نَاقَضْتُمْ لأَنَّ ٱلرَّبَّ مَلْجَأُهُ. ٧ لَيْتَ مِنْ صِهْيَوْنَ خَلاَصَ إِسْرَائِيلَ. عِنْدَ رَدِّ ٱلرَّبِّ سَبْيَ شَعْبِهِ يَهْتِفُ يَعْقُوبُ وَيَفْرَحُ إِسْرَائِيلُ».
(٤) إن فاعلي الإثم هنا ليس ضرورياً أنهم خارج بني إسرائيل فهم يضطهدون إخوانهم ويظلمونهم ويسلبون حقوقهم كأنهم يأكلون الخبز ولا يزال التعبير العامي للآن (يأكولون حقوق غيرهم) وكان الأجدر بالإسرائيليين الذين لهم الناموس والشرائع والأنبياء أن يمتازوا عن غيرهم ولكن هي طبيعة البشر الفاسدة (انظر إشعياء ٣: ١٣ - ١٥) فإن حاكم الأرض كلها يخاطب رؤساء إسرائيل بنوع خاص. ونلاحظ أن الكلام هنا بشكل سؤال ألم يعلموا؟ بينما الجواب هو في العدد الخامس بشكل إيجابي حازم.
وقد يكون المعنى أن هؤلاء الأشرار أصبحوا يقترفون شرورهم كأمر عادي كما يأكلون الخبز ولا يحسبون حساباً لذلك (انظر ميخا ٣: ١ - ٣).
(٥) هنا الله يخيفهم فقد أطال أناته عليهم فلم يرتدعوا والآن ينالون الجزاء. والله ينظر إلى شعبه البار الذين يحفظون وصاياه ويتممون مشيئته.
(٦) ليس فقط ناقض بل قاوم وهزأ به وجعله يخجل من نفسه. فكما أن الناس الصالحين الذين يحاولون عمل مشيئة الرب يصادفون اضطهاداً من الأشرار وسخرية. هم أبناء العالم وأبناء إبليس فلا عجب أن يكونوا كذلك. ولكن جميع مساعيهم هي بلا جدوى لأن الله ملجأ الصالحين. يكفي هؤلاء المساكين أن يشعروا بحضور الله فيما بينهم ليكونوا مطمئنين غير خائفين.
(٧) من هذا العدد نستنتج أن هذا المزمور قد يكون بعد السبي أو إن هذا العدد نفسه قد زيد عليه على مرور السنين. فلم يكن للإسرائيليين من أمل بالرجوع إلا إلى صهيون. بل أن أورشليم هي قبلة أنظارهم (راجع دانيال ٦: ١١). وحيئنذ يكون الفرح والهتاف بهذا الخلاص الذي أعده الله لشعبه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ عَشَرَ


مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ يَا رَبُّ، مَنْ يَنْزِلُ فِي مَسْكَنِكَ؟ مَنْ يَسْكُنُ فِي جَبَلِ قُدْسِكَ؟ ٢ ٱلسَّالِكُ بِٱلْكَمَالِ، وَٱلْعَامِلُ ٱلْحَقَّ، وَٱلْمُتَكَلِّمُ بِٱلصِّدْقِ فِي قَلْبِهِ. ٣ ٱلَّذِي لاَ يَشِي بِلِسَانِهِ، وَلاَ يَصْنَعُ شَرّاً بِصَاحِبِهِ، وَلاَ يَحْمِلُ تَعْيِيراً عَلَى قَرِيبِهِ. ٤ وَٱلرَّذِيلُ مُحْتَقَرٌ فِي عَيْنَيْهِ، وَيُكْرِمُ خَائِفِي ٱلرَّبِّ. يَحْلِفُ لِلضَّرَرِ وَلاَ يُغَيِّرُ. ٥ فِضَّتُهُ لاَ يُعْطِيهَا بِٱلرِّبَا، وَلاَ يَأْخُذُ ٱلرَّشْوَةَ عَلَى ٱلْبَرِيءِ. ٱلَّذِي يَصْنَعُ هٰذَا لاَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى ٱلدَّهْرِ».
(١) في هذا المزمور وصف لطيف لسجايا الإنسان المتقي الله. ويفتتح بسؤال وجيه يجدر بكل إنسان أن يسأله لنفسه. ونذكر أن المزمور السابق يتكلم عن «الجيل البار» وهنا يود المرنم أن يعرفنا ماذا يعني بذلك. وجبل القدس «جبل سوريا» أي صهيون حيثما بني الهيكل وفيه تابوت عهد الله ولنا في (إشعياء ٣٣: ١٣ - ١٦) زيادة إيضاح. ويمكن ترجمة العدد يا رب يا من يجاور مسكنك؟ وهنا تكرار الترادف من قبيل التوكيد لسس إلا.
(٢) السالك بالكمال (راجع أمثال ٢٨: ١٨) والتعبير لطيف لأن الكمال هو سلوك وسيرة في هذه الحياة (راجع أيضاً إشعياء ٣٣: ١٥). أي طريقه مستقيم لا عوج فيه ولا التواء. ثم يصفه بأنه يعمل الحق أي يمارسه في حياته اليومية فديانته ديانة العمل لا الكلام فقط. ولكنه لا يقلل من قيمة الكلام فيصف كلامه بالصدق أيضاً. إن إيمان التقي وعلاقته مع الله يجب أن تعقبها علاقته بنفسه ومع الآخرين أيضاً. ولا يتكلم الصدق بلسانه فقط بل بقلبه أيضاً أي أنه مخلص سليم النية والطوية. وهكذا فهو ذو سلوك لا يعاب ويمارس عقيدته ويخلص فيها.
(٣) هنا المرنم يتناول زيادة الإيضاح بالوصف السلبي. وفي العبرانية التعبير أقوى فهو يفيد أن ليست الوشاية على لسانه فيستمر بها كعادة لا يستطيع التغلب عليها بسهولة. ثم ينتقل إلى العمل فهو لا يصنع شراً ولا سيما بالصاحب الذي يدعي الخلوص له. ثم ينتقل للقريب فهو يحمّله التعيير ولا يرميه به فقط.
(٤) يحتقر الرذيل لأنه فاضل ويحترم الفضلاء. ويكرم خائفي الرب مهما خفض مقامهم الاجتماعي كما أنه يحتقر الأراذل مهما سما مقامهم وتعظم. إن ميزانه للناس ليس بما يحوونه من أمور مادية أو جاه أو نفوذ بل بالنسبة للقيمة الروحية. وهو بذلك شجاع لا يهاب أحداً ومميّز للناس الحقيقيين.
(٥) هنا المرنم يضع الناموس الإلهي أمامه كما في (لاويين ٢٥: ٣٧ وخروج ٢٢: ٢٤ وتثنية ٢٣: ٢٠ وحزقيال ١٨: ٨). من جهة الربا. وكذلك من جهة الرشوة كما في (حزقيال ٢٣: ٨ وتثنية ١٦: ١٩) وبالأخص على البريء (راجع تثنية ٢٧: ٢٥).
ولا يختم المرنم كإنما يجيب على السؤال الذي افتتح به فكنا ننتظر أن يقول هذا سينزل في مسكن الله. بل نراه يقول إنه لا يتزعزع فلم يعد السكن والنزول كافيين بل هو ثابت راسخ لا يتزعزع إلى الأبد. فلا شيء من ويلات الحياة أو تجاربها تستطيع أن تغيّره.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ عَشَرَ


مُذَهَّبَةٌ لِدَاوُدَ


«١ اِحْفَظْنِي يَا اَللّٰهُ لأَنِّي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. ٢ قُلْتُ لِلرَّبِّ: أَنْتَ سَيِّدِي. خَيْرِي لاَ شَيْءَ غَيْرُكَ. ٣ ٱلْقِدِّيسُونَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَٱلأَفَاضِلُ كُلُّ مَسَرَّتِي بِهِمْ. ٤ تَكْثُرُ أَوْجَاعُهُمُ ٱلَّذِينَ أَسْرَعُوا وَرَاءَ آخَرَ. لاَ أَسْكُبُ سَكَائِبَهُمْ مِنْ دَمٍ، وَلاَ أَذْكُرُ أَسْمَاءَهُمْ بِشَفَتَيَّ. ٥ ٱلرَّبُّ نَصِيبُ قِسْمَتِي وَكَأْسِي. أَنْتَ قَابِضُ قُرْعَتِي. ٦ حِبَالٌ وَقَعَتْ لِي فِي ٱلنُّعَمَاءِ، فَٱلْمِيرَاثُ حَسَنٌ عِنْدِي».
(١) مذهبة واردة في المزامير ٥٦ - ٦٠ فهي ذات معنى موسيقي وضعي. وقد لاحظ بعض المفسرين أن هذا المزمور وأمثاله «المذهبات» يتقدمها كلمات قلت وأقول الخ. وكذلك يكون فيها قرار يكثر ترديده مثل «فلا أخاف ماذا يفعل بي الإنسان». وكاتب هذا المزمور هو في خطر الموت. وهو صديق لله. وليس في هذا المزمور أي تشك أو تذمر بل يوجد تسليم كامل لمشيئة الله. لذلك نجد هدوءاً وسكينة من أوله إلى آخره.
(٢) هنا تصريح واضح بالخلوص للرب خلوصاً تاماً. وبأنه هو مصدر كل خير وبدونه لا خير البتة. ليس إنه سيد فقط بل هو سيدي. ولأنه كذلك فهو مصدر «خيري» وليس فقط مصدر الخير بصورة عامة. ما أسمى هذا الانصراف لله والاعتراف بسيادته علينا لذلك هو كل الخير لنا.
(٣) ويمكن ترجمتها «هم الأفاضل وكل مسرتي بهم». وقوله الذين في الأرض لكي يلتفت عن الرب الذي في السماء وهو سيده بينما هؤلاء هم سروره. إذاً فهو يحب الله ويحب قديسيه. والقديسون هم الذين يتممون مشيئة الرب ووصاياه (انظر حزقيال ١٩: ٦ وتثنية ٧: ٦) ويوجد قديسون في السماء (راجع مزمور ٨٩: ٦).
(٤) أما الذين تركوا وارتدوا لآخر فهو لا يمشي مشيتهم بل يأنف عن أن يذكر أسماءهم بشفة. فهو لا يقدم تقدمة شراب كما يقدمون لأنهم يقدمون بأيدٍ ملطخة بالدم.
(٥) الرب قسمتي وهذه الكلمة ذاتها تستعمل في (عدد ١٨: ٢٠) حينما يذكر أن لاوي نصيبه أو قسمته الرب فليس لهم أشياء مادية تخص الدنيا بل نصيبهم روحي وقسمتهم في السماء. وفي ترجمة أخرى «أنت توسع قرعتي». أي توسع مكان سكناي وترحبه لي. هذا النصيب الذي ملكته سيكون رحيباً.
(٦) كان نصيبه في وقت سعيد (انظر أيوب ٣٦: ١٢) أو في مكان موفق. لذلك فما ورثه مقبول وحسن لديه. وحيث أن المعطي قد باركه بهذه العطية وهذا الميراث لذلك يشير أنه في فردوس من النعيم. واستعماله للجبال هو أنها تدل على الحدود في الأرض التي كانت نصيبه. ولأن الرب نصيبه لا الأرض لذلك يسعد بالميراث.
«٧ أُبَارِكُ ٱلرَّبَّ ٱلَّذِي نَصَحَنِي، وَأَيْضاً بِٱللَّيْلِ تُنْذِرُنِي كُلْيَتَايَ. ٨ جَعَلْتُ ٱلرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ. لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ. ٩ لِذٰلِكَ فَرِحَ قَلْبِي وَٱبْتَهَجَتْ رُوحِي. جَسَدِي أَيْضاً يَسْكُنُ مُطْمَئِنّاً. ١٠ لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي ٱلْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً. ١١ تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ ٱلْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شَبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى ٱلأَبَدِ».
(٧) إن الإنسان بدون نصيحة إلهه وبدون إرشاد روحه لا يستطيع الخلاص وإذا تركنا لأنفسنا فإننا نختار الأردأ وليس الأفضل. وكانت الكلي في ذلك الزمان تحسب مركزاً للضمير في الإنسان. لقد نصحني الله أن أختار سبيل الحياة فإذا لم أفعل ذلك هلكت. وأما قوله «بالليل تنذرني...» أي إنه بتأملاته الروحية التي قد يتأملها ليلاً وانصرافه لله يرى أخيراً كيف يسير.
(٨) وحينما واصل تفكره هذا وصلاته شعر أن الله قريب إليه عن يمينه وهذا دليل قربه إليه وكذلك دليل أهمية مركزه في قلبه فهو ليس عن اليسار كأنه في محل ثانوي بل هو في أحسن محل وأسمى مقام.
(٩) هو فرحان لأن أعظم الآمال أصبحت أمامه وهو يقابل الموت الآن والابتسامة على محياه حتى أن جسده يستطيع أن يستقبل الموت بكل اطمئنان. ينظر الموت وجهاً لوجه بكل هدوء وسكنية غير مهتم بشيء (انظر تثنية ٣٣: ١٢ و٢٨ وأمثال ٣: ٢٤).
(١٠) إي أنه لا يتركه يصل بحالته لحالة أهل القبور (راجع مزمور ٨٩: ٤٩) وهذا العدد مقتبس (لوقا ٢: ٢٦ ويوحنا ٨: ٥١). معلوم أنه في الحالات الطبيعية متى مات الجسد فإنه يعتريه الفساد ويضمحل. لذلك فنظر المرنم هو بعدم الموت أي للبقاء والخلود مع الله. ويعني بقوله «تقيك» أي هو نفسه.
(١١) في هذا العدد لا يكتفي بعبارات التقي بأنه لا يضمحل. بل يجعله يحيا (انظر تثنية ٣٠: ١٥) أي الحياة مع الله وبالله. لأن بدون ذلك يكون الموت الأبدي. ثم يذكر أنه يرى الله ولذلك فهو في سرور مقيم. يشبع من السرور. بل يتناول نعماً من يمين الله ذاته فلم يكون في ما بعد أي كدر أو انزعاج. إن الله دائما يعطي خيرات عظيمة ولا يفرغ ما لديه قط.
في (سفر الأعمال ٢: ٢٩ - ٣٢ و١٣: ٣٥ - ٣٧) حينما يقتبس هذا المزمور يرى الكاتب أن إتمام النبوة لم يكن بدواد بل بالمسيح.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ عَشَرَ


صَلاَةٌ لِدَاوُدَ


«١ اِسْمَعْ يَا رَبُّ لِلْحَقِّ. اُنْصُتْ إِلَى صُرَاخِي. أَصْغِ إِلَى صَلاَتِي مِنْ شَفَتَيْنِ بِلاَ غِشٍّ. ٢ مِنْ قُدَّامِكَ يَخْرُجُ قَضَائِي. عَيْنَاكَ تَنْظُرَانِ ٱلْمُسْتَقِيمَاتِ. ٣ جَرَّبْتَ قَلْبِي. تَعَهَّدْتَهُ لَيْلاً. مَحَّصْتَنِي. لاَ تَجِدُ فِيَّ ذُمُوماً. لاَ يَتَعَدَّى فَمِي. ٤ مِنْ جِهَةِ أَعْمَالِ ٱلنَّاسِ فَبِكَلاَمِ شَفَتَيْكَ أَنَا تَحَفَّظْتُ مِنْ طُرُقِ ٱلْمُعْتَنِفِ. ٥ تَمَسَّكَتْ خُطُوَاتِي بِآثَارِكَ فَمَا زَلَّتْ قَدَمَايَ».
(١) يلمس المطالع بهذا المزمور اضطراب العاطفة حتى لا يستطيع المرنم أن يعبر عن كل ما يكنه قلبه. يشبه هذا المزمور سابقه بذكر الله في الليل. قابل العدد الثالث هنا مع العدد السابع من المزمور السابق. وعادةً مزامير داود هي سهلة التعبير تجري كالنهر الهادئ في صفائه ولكن هنا نجد عدم نعومة في كثير من التعابير لا سيما حينما يصف حالة أعدائه فهو يصفهم بألقاب التحقير (راجع المزمور ٥٩: ١٢ - ١٤ و٥٦: ٨ و٣١: ١٠ - ١٣ و١٤٠: ١٠ و٥٨: ٧) يرجو الله إلهه أن يصغي لدعواه التي هي حق وأن ينصت لصراخه ويسمع صلاته فهو لا يطلب ملكاً لنفسه كما يدعي شاول عدوه وحينما يقول هذا لا غش في كلامه قط.
(٢) فهو يلتمس أن ينال حكم القضاء عليه ليس من العدوّ بل من الله الذي هو ديّان الجميع. إن الإنسان عادة لا يستطيع أن يرى مستقيمات الآخر فكم بالأحرى إذا كان ذلك الإنسان شريراً بعيداً عن الله فحكمه ظالم وجائر للغاية (راجع ١صموئيل ٢٤: ١٢).
(٣) إن عدل الله يطمئن الأبرار وفي الوقت ذاته يرعب الأشرار ويزعجهم. هنا يذكر ثلاثة أمور فإن الله قد جرّب قلبه ثم قد حفظه في الليل لئلا يصيبه أي ضرر ثم نقاه من كل زغل ومحّصه كما يفعل الصائغ في بوتقته وكانت النتيجة أنه كان أعلى من أي عار أو مذمة وكان فمه صادقاً أميناً لا يتعدى على أحد. وقد تكون الترجمة بدلاً من «لا تجد فيّ ذموماً الخ...» إذا تفكرت بالشر فلا يتعدّى فمي.
(٤) أعمال الناس هنا تصرفاتهم. وإذا كنا نحاسبهم عليها نعيش بتعاسة وشقاء. ولكنه يتحفظ من جهتهم ولا يتكلم كل ما يخطر بباله بل يتكلم بكلام الرب فقط. والمعتنف هو الذي يفعل الضرر عن سابق تصميم وبصورة عنيفة صارمة. وكإنما هؤلاء الأشرار يأتون عليه من طرق مختلفة فيتجنبهم على قدر طاقته وكان سبيل خلاصه هو الاستعانة بناموس الله.
(٥) ثم يتابع التعبير ذاته فلأنه طلب أن يتحفظ من صرامة الأشرار لذلك يتبع استمرار الخطوات التي تنجي وتخلّص. فهو يتبين الأثر ويتبعه وحينئذ لا يزل ولا يسقط بل يبقى ثابتاً يسير باستقامة إلى الهدف الذي يقصده (انظر أيوب ٢: ٤٠ وأمثال ١٧: ١٢ والجامعة ٤: ٢).
«٦ أَنَا دَعَوْتُكَ لأَنَّكَ تَسْتَجِيبُ لِي يَا اَللّٰهُ. أَمِلْ أُذُنَيْكَ إِلَيَّ. ٱسْمَعْ كَلاَمِي. ٧ مَيِّزْ مَرَاحِمَكَ يَا مُخَلِّصَ ٱلْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ بِيَمِينِكَ مِنَ ٱلْمُقَاوِمِينَ. ٨ ٱحْفَظْنِي مِثْلَ حَدَقَةِ ٱلْعَيْنِ. بِظِلِّ جَنَاحَيْكَ ٱسْتُرْنِي ٩ مِنْ وَجْهِ ٱلأَشْرَارِ ٱلَّذِينَ يُخْرِبُونَنِي، أَعْدَائِي بِٱلنَّفْسِ ٱلَّذِينَ يَكْتَنِفُونَنِي. ١٠ قَلْبَهُمُ ٱلسَّمِينَ قَدْ أَغْلَقُوا. بِأَفْوَاهِهِمْ قَدْ تَكَلَّمُوا بِٱلْكِبْرِيَاءِ».
(٦) إن المخاطر التي تعترض سبيله عظيمة ولكن رحمة الله أعظم. إن الله قادر أن يساعد ودائماً مستعد أن يفعل ذلك مع الذين يدعونه. يطلب إلى الله أن يحفظه من الشرير (انظر ١يوحنا ٥: ١٨) فلا يسقطه بالتجربة ولا يتحمل بعد ذلك أهوال الخطيئة. يجب أن يستلفت نظرنا كثرة تكراره أن يسمع الله ويصغي إليه.
(٧) وأرى ترجمتها «أظهر رحمتك مخلصاً المعتصمين من المقاومين بيمينك». ولا شك أن هذا العدد في الأصل العبراني في حالة الغموض. والفكرة على ما اعتقد أنه يطلب عون يمين العلي لأنه يتكل على الرب ضد أولئك المقاومين لاسمه بل المحاربين يمينه. يطلب أن تكون هذه المراحم ممتازة منظورة تقنع جميع الناس حتى غير المؤمنين.
(٨) إن الله بعنايته العظيمة حفظ العين من الضرر فوضعها في مكان حصين جداً فإذا جاءتها لطمة أصابت العظام حولها ولم تصبها هي وهكذا يطلب المرنم من الله أن يحفظه على هذه الصورة أي في مكان حصين لا تطاله التجارب والويلات ولا مكايد الأعداء. ثم يتابع التشبيه إلى شيء أخر فهو يطلب الحماية كما يفعل النسر بفراخه فيضعها تحت جناحيه (انظر تثنية ٣٢: ١١) وأما تشبيه الدجاجة المذكور (متّى ٢٣: ٣٧) فهو غريب عن مألوف العهد القديم. وأجنحة الرب هي الأذرع الأبدية الممدودة بالرحمة والإحسان تحتضن كل اللاجئين إليه.
(٩) هذه الترجمة حرفية أكثر من اللازم والأفضل أن نقول «من الأشرار الذين يخربونني من أعدائي الألداء الذين يحيطون بي». وهؤلاء الأعداء المحاصرون كادوا يصلون لغايتهم فهم في الأعقاب يكادون يمسكوننا. هم ينالون بغيتهم منا ويحتجون أنهم ينظرون لبعيد غير مبالين بنا مع أنهم يريدون مسكنا وتحطيمنا.
(١٠) هم متكبرون وقحون يتكلمون دائماً بتعظم ولا سيما لأعدائهم. وفي الوقت ذاته لا يخافون الله ولا يهتمون بأوامره ووصاياه ذلك لأنهم يحسبون ما هم عليه من رفعة شأن وكبر يجعلهم مغترين بذواتهم لا يحسبون لشيء حساباً. وإغلاق القلب جعله أن لا يعي ولا ينتبه ولا يسمع لشيء (انظر مزمور ٧٣: ٧ وقابله مع أيوب ١٥: ٢٧). هم منغمسون باللذات يؤكدون أن الغد لهم ولا يعرفون أن يفتدوا الوقت ولا يحسبون الأيام شريرة (راجع رؤيا ١٣: ٥ و٦). ويستعملون بنوع خاص أفواههم التي لا تخاف الله ولا تهاب إنساناً. قلبهم سمين لأن أفواههم سمينة على نسبة ما شبعوا من المسمنات.
« ١١ فِي خُطُوَاتِنَا ٱلآنَ قَدْ أَحَاطُوا بِنَا. نَصَبُوا أَعْيُنَهُمْ لِيُزْلِقُونَا إِلَى ٱلأَرْضِ. ١٢ مَثَلُهُ مَثَلُ ٱلأَسَدِ ٱلْقَرِمِ إِلَى ٱلٱفْتِرَاسِ، وَكَالشِّبْلِ ٱلْكَامِنِ فِي عِرِّيسِهِ. ١٣ قُمْ يَا رَبُّ. تَقَدَّمْهُ. اِصْرَعْهُ. نَجِّ نَفْسِي مِنَ ٱلشِّرِّيرِ بِسَيْفِكَ، ١٤ مِنَ ٱلنَّاسِ بِيَدِكَ يَا رَبُّ، مِنْ أَهْلِ ٱلدُّنْيَا. نَصِيبُهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ. بِذَخَائِرِكَ تَمْلأُ بُطُونَهُمْ. يَشْبَعُونَ أَوْلاَداً وَيَتْرُكُونَ فُضَالَتَهُمْ لأَطْفَالِهِمْ. ١٥ أَمَّا أَنَا فَبِٱلْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا ٱسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ».
(١١) يتابع نفس الفكرة ويؤكدها. هم يتبعون آثارنا كما تفعل كلاب الصيد بكل دقة ومهارة. وقد اشتهر عن الأقدمين ولا سيما العرب انهم كانوا يكشفون الضائع من إنسان أو حيوان باتباع آثاره وقد مهر البعض في ذلك إلى درجة بعيدة. وقد توصل بعضهم أن يعرف صفات الحيوان وعيوبه وعاداته من آثاره التي يتركها في الأرض. وغاية هؤلاء الأعداء أن يرمونا لأن ذلك أهون عليهم حتى يتغلبوا علينا.
(١٢) حتى الآن له عادة أن يتبع فريسته ورأسه ملاصق للارض لكي لا تفوته حركاتها فيهجم عليها وهي لا تشعر بوجوده. وكذلك حينما يهاجم الجاموس أو سرب منه بعض الأعداء يخفضون رؤوسهم للأرض ويركضون بسرعة وشجاعة نادرتين. معروف أن اللبوة وهي تربي أشبالها تضعهم في محل أمين جداً لا يمكن أن يطالهم أحد وهي عندئذ أشد بطشاً وفروسية من الأسد نفسه. والأسد هو مثال البطش منذ قديم الزمان حينما يستعمل قواه المدهشة للفتك. هكذا هؤلاء الأعداء اللاحقون به. فلا شيء يثنيهم ولا يهابون أحداً.
(١٣) ولكنه يستنجد ويستصرخ الله ويطلب إليه أن يستعمل سيفه وهو أمضى سلاح فتاك عندئذ (انظر إشعياء ١٠: ٥ و١٥ و١٣: ٥ وحبقوق ١: ١٢ وأعمال ٤: ٢٨) يطلب إليه أن يلاقي هذا العدو المهاجم بدلاً منه. وأن يتغلب عليه لكي يخلّص نفسه ولا يهلكها. يقرّ المرنم أنه لا يستطيع أن يخلّص نفسه بنفسه لذلك يطلب سلاحاً أمضى ويتكل على الله وما أجمل أننا نهرع إليه عند نفاد حيلتنا.
(١٤) الناس يقصد بهم الذين يعيشون لهذه الدنيا وفي سبيلها فقط ولا ينظرون للآخرة وما فيها من دينونة. قد يكون المعنى إن هؤلاء الناس لهم كل خيرات الدنيا يتمتعون بها أنفسهم ولهم أولاد كثيرون يورثونهم إياها حينما ينقلون من هذه الدنيا فهم أناس ماديون بكل معنى الكلمة آلهتهم بطونهم ولا يعرفون غيرها ومع ذلك لا يهتمون لما يأتي به المستقبل لأنهم يحسبون أن كل شيء هو لهم فما يفضل عنهم يتركونه لأولادهم. يعيشون بخير الله وينكرون فضله.
(١٥) إذا كان أولئك الأشرار منكري جميل الله لهم شبعهم من هذه الدنيا فالمرنم ليس كذلك لأن شبعه أن ينظر وجه الرب (راجع عدد ١٢: ٨ وأيضاً خروج ٣٣: ٢٠) وهو يستيقظ كإنما يرى شبه الرب في الرؤيا فتنكشف أمامه رحمة الرب ويتحقق نعمته في حياته وحينئذ يطمئن به كل الاطمئنان أحداً.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ عَشَرَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِعَبْدِ ٱلرَّبِّ دَاوُدَ ٱلَّذِي كَلَّمَ ٱلرَّبَّ بِكَلاَمِ هٰذَا ٱلنَّشِيدِ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلَّذِي أَنْقَذَهُ فِيهِ ٱلرَّبُّ مِنْ أَيْدِي كُلِّ أَعْدَائِهِ وَمِنْ يَدِ شَاوُلَ. فَقَالَ:


«١ أُحِبُّكَ يَا رَبُّ يَا قُوَّتِي. ٢ ٱلرَّبُّ صَخْرَتِي وَحِصْنِي وَمُنْقِذِي. إِلٰهِي صَخْرَتِي بِهِ أَحْتَمِي. تُرْسِي وَقَرْنُ خَلاَصِي وَمَلْجَإِي. ٣ أَدْعُو ٱلرَّبَّ ٱلْحَمِيدَ فَأَتَخَلَّصُ مِنْ أَعْدَائِي. ٤ اِكْتَنَفَتْنِي حِبَالُ ٱلْمَوْتِ، وَسُيُولُ ٱلْهَلاَكِ أَفْزَعَتْنِي. ٥ حِبَالُ ٱلْهَاوِيَةِ حَاقَتْ بِي. أَشْرَاكُ ٱلْمَوْتِ ٱنْتَشَبَتْ بِي».
هذا المزمور موجود بكامل نصه حرفياً على وجه التقريب في (٢صموئيل ٢٢) وفي كلا الموضعين ينسب إلى داود. وليس سوى الذي يشكك في كل شيء يمكنه أن يشكك في هذه النسبة بل يسلم دون أي جدل أنها صحيحة تماماً. وهذا مزمور شكر لله لأجل نجاته كما يذكر العنوان في أوله. والقالب الشعري جميل للغاية والأفكار سامية مملوءة بالإيمان والورع والاتكال الكامل على عنايته تعالى. (١) يكاد يكون العدد الأول بمثابة موضوع المزمور كله وهو يحب الله ويعترف بجميله. فإن اختبار المرنم الطويل عن محبة الله جعله أن يصرخ في الافتتاح ويقول أحبك يا رب. محبة عميقة شديدة بالنسبة للإنسان هي تناسب مع فضل الله وإحسانه نحو الجميع.
(٢) الرب صخرة في ثباتها والركون إليها والاعتماد عليها ثم يقول أنها مجتمعة مع صخور أخرى لتؤلف حصناً ثم إذا بها يقطنها منقذ يمد يده بالخلاص. هو إلهي والتكرار هنا للتوكيد ولزيادة كلمات التعبد والخشوع أمام الله. وكذلك الكلمات التي لي فيصف الله أنه ترس. بل هو يذيع الخلاص ويتممه لأن القرن ينفخ فيه للانتصار ثم يعود يؤكد ما بدأ به كلامه فهو ملجأ أمين.
(٣) هذا هو الرب الذي يليق به الحمد لذلك أدعوه وألتجئ إليه وتكون النتيجة أنني أنال الخلاص من هؤلاء الأعداء الذين يريدون نفسي. إن الله لحميد لأنه بالاختبار قد استحق هذا التعظيم اللائق باسمه (انظر أعمال ٢: ٢١).
(٤) كلما زادت المخاطر أمامنا كلما كانت النجاة أعظم وأثمن. يصور الموت كأن له حبالاً يمسك بها الناس بأشراكه. وينتقل إلى صورة سيول جارفة تفزعه وتحرمه لذيذ المنام.
(٥) وفي هذا العدد أيضاً يكرر المعنى ذاته ويعظم الضيقة التي هو فيها. ويبدل فقط كلمة الموت بالهاوية. وهذان العددان (٤ و٥) هما في حقيقة الأمر بمعنى واحد. ويخبرنا المرنم أنه كان في خطر مداهم كل دقيقة من حياته عندئذ بل كاد يهلك تماماً لولا رحمة الله التي أدركته ونجته (انظر مزمور ١١٦: ٣).
«٦ فِي ضِيقِي دَعَوْتُ ٱلرَّبَّ وَإِلَى إِلٰهِي صَرَخْتُ، فَسَمِعَ مِنْ هَيْكَلِهِ صَوْتِي، وَصُرَاخِي قُدَّامَهُ دَخَلَ أُذُنَيْهِ. ٧ فَٱرْتَجَّتِ ٱلأَرْضُ وَٱرْتَعَشَتْ أُسُسُ ٱلْجِبَالِ. ٱرْتَعَدَتْ وَٱرْتَجَّتْ لأَنَّهُ غَضِبَ. ٨ صَعِدَ دُخَانٌ مِنْ أَنْفِهِ، وَنَارٌ مِنْ فَمِهِ أَكَلَتْ. جَمْرٌ ٱشْتَعَلَتْ مِنْهُ. ٩ طَأْطَأَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ وَضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ. ١٠ رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ وَطَارَ، وَهَفَّ عَلَى أَجْنِحَةِ ٱلرِّيَاحِ».
(٦) في هذه الحالة الصعبة يلتفت المرنم إلى قوة علوية خارجة عنه هي فوقه فلا يدركها ولكنها حقيقية وحنونة فيستنجد بها ويعتمد عليها. إن الله يلبي النداء ولا يتخلى عن أولاده. يسمع من هيكله لأنه موجود فيه بصورة خاصة وهكذا سمع الصراخ أيضاً.
(٧) يعود بالصورة هنا إلى جبل الله سيناء حينما خاف بنو إسرائيل وارتعبوا ولم يستطيعوا أن يسمعوا (انظر مزمور ١٩). وهذه الكلمات تشبه ما ورد في (حبقوق ٣ و٢تسالونيكي ١: ٧ الخ). والأرض وأسس جبالها ترتج وترتعش كإنما من نفسها لهول المنظر ورهبته.
(٨) إن الدخان كإنما هو نفس النار يتصاعد كما يتصاعد تنفس الإنسان. وهنا يؤكد وجود النار والجمر المشتعل. فغضب الله عامل فتاك يحرق ويبيد ولذلك فالخاطئ يجب أن يخاف ويرتعب ولا يستطيع أن يستمر على حالته بدون مبالاة. تعطي النار تحذيراً بوجود الدخان وتنتهي بوجود الجمر الذي هو كمال الاشتعال.
(٩) وهكذا فإن السموات التي هي كرسي الله تطأطئ وكإنما تنزل وهنا خيال للشاعر رحيب فإنه طالما رأى الغيوم تسوقها الرياح وتذهب بها أنى شاءت. والضباب لا يكون عالياً كالسحاب لذلك فهو يناسب أن يكون في مكان رجليه فقط. والحق يقال أنه لمنظر آخاذ ووصف بديع للغاية.
(١٠) نلاحظ كرب على كروب أي على ملاك أو ملائكة هي خدامه وإذا قلبنا الحروف قليلاً «ركوب» أو مركبة وهنا تأتي الكلمة بشكل اسم مفعول. والكروب ذكر أولاً في (تكوين ٣: ٢٤) الذي وضع حارساً على باب الفردوس. وهو مركبة الله التي يأتي بها ظاهراً للناس بجلاله العظيم. فالكروب بالأحرى هو مظهر الله لشكله الناري حينما يواجه هذا العالم لا سيما بحالة غضب وعدم رضا. وكان لنزوله صوت يهف كإنما هي الرياح تصفق بأجنحتها وتنبئ بوجود قوة تحركها وتسيّرها.
«١١ جَعَلَ ٱلظُّلْمَةَ سِتْرَهُ. حَوْلَهُ مَظَلَّتَهُ ضَبَابَ ٱلْمِيَاهِ وَظَلاَمَ ٱلْغَمَامِ. ١٢ مِنَ ٱلشُّعَاعِ قُدَّامَهُ عَبَرَتْ سُحُبُهُ. بَرَدٌ وَجَمْرُ نَارٍ. ١٣ أَرْعَدَ ٱلرَّبُّ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ، وَٱلْعَلِيُّ أَعْطَى صَوْتَهُ بَرَداً وَجَمْرَ نَارٍ. ١٤ أَرْسَلَ سِهَامَهُ فَشَتَّتَهُمْ وَبُرُوقاً كَثِيرَةً فَأَزْعَجَهُمْ، ١٥ فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ ٱلْمِيَاهِ، وَٱنْكَشَفَتْ أُسُسُ ٱلْمَسْكُونَةِ مِنْ زَجْرِكَ يَا رَبُّ، مِنْ نَسَمَةِ رِيحِ أَنْفِكَ».
(١١) يصور هنا حالة الضباب الكثيف كإنما في غابة (غبو) كما في العبرانية (راجع خروج ١٩: ٩ وقابل مع إرميا ٤: ٢٩) وفي هذه المناسبة يرسل غضبه من هذه الغيوم.
(١٢) وإذا البروق تملأ الفضاء حتى تعبر الغيوم هذه من مكان لآخر كإنما هي سيف لامع يضرب كبد الظلماء. وبعد ذلك يأتي برد وصواعق ويظهر أنه برد ثقيل مخرّب. وكإنما يصور لنا أن هذا الضباب من شدة لمعان برق الله عليه يتحول إلى برد يتساقط بقوة عظيمة.
(١٣) وصوت الرب كان برعده القاصف الذي ملأ الأجواء البعيدة. وهذه كلها مشتركة تصوّر لنا تلك العاصفة التي كثيراً ما تحدث بصورة مفاجئة فتفزع وترعب حتى أشجع الناس.
(١٤) وقد يكون أن نزلت صاعقة فكان أن جعلتهم يهربون لا يلوون على شيء. واستمرت البروق اللامعة في الفضاء فكانت سبب إزعاج لم يستطيعوا معها المضي في ملاحقتهم لطريدتهم التي هو داود ذاته. والإزعاج هنا يتناول أنه هيجهم وبلبلهم وجعلهم لا يعلمون ماذا يفعلون. وهنا يظهر صوت الرب في الزوبعة.
(١٥) هنا صورة أرضية لما حدث أثناء هذه الزوبعة (راجع متّى ٧: ٢٧). وأعماق المياه تعني مجاري المياه والأنهار فإن هذه السيول الموقتة قد تتعاظم بسبب كثرة الأمطار إلى درجة هائلة. وظهر كإنما أعماق كل شيء قد بان لعين الناظر. وهذا ينسبه كله من غضب الرب على هؤلاء الأعداء فهو بعد أن يفزعهم برعوده وبروقه يكاد يغرقهم بسيوله المتدفقة المتكاثرة.
أما نسمة ريح أنفه فإن ذلك مصحوب بالرياح الشديدة التي تهب من كل ناحية وتتقاذف الأمطار والبرد وتحملها إلى كل جانب كإنما تسد عليه سبل الهرب والنجاة.
«١٦ أَرْسَلَ مِنَ ٱلْعُلَى فَأَخَذَنِي. نَشَلَنِي مِنْ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. ١٧ أَنْقَذَنِي مِنْ عَدُوِّي ٱلْقَوِيِّ، وَمِنْ مُبْغِضِيَّ لأَنَّهُمْ أَقْوَى مِنِّي. ١٨ أَصَابُونِي فِي يَوْمِ بَلِيَّتِي، وَكَانَ ٱلرَّبُّ سَنَدِي. ١٩ أَخْرَجَنِي إِلَى ٱلرُّحْبِ. خَلَّصَنِي لأَنَّهُ سُرَّ بِي. ٢٠ يُكَافِئُنِي ٱلرَّبُّ حَسَبَ بِرِّي. حَسَبَ طَهَارَةِ يَدَيَّ يَرُدُّ لِي».
(١٦) ولكن الرب مد يده فنشله من الغرق لأن العاصفة شديدة والمياه جارفة والهوة سحيقة. وكلمة نشل (مشا) العبرانية الأرجح مأخوذة من المصرية وهي مذكورة في (خروج ٢: ١٠) تفسر كلمة موسى بأنه المنشول من الماء. وكإنما المرنم يريد أن يقول أنه جعل منه موسى آخر ذاك الذي نشل من النيل ومن غضب فرعون وهذا الذي خلصه الله من يد عدوه الشديد العاتي.
(١٧) يقرّ ويعترف المرنم أن هذا العدو قوي وهذا المبغض شديد لا يستطيع أن يقابله وجهاً لوجه ولكنه يستطيع أن يتكل على الله لأجل خلاصه. في العددين (١٦ و١٧) ينتهي المرنم من وصفه المؤثر البديع لكي يبدأ بعد ذلك في استنتاجاته الروحية التي ترفع النفس وتسمو بالأفكار إلى العلى. ولا يتأخر أن ينسب كل الفضل والإحسان لله فهو الذي خلّصه وأعانه ونجاه من تلك التهلكة العظمى.
(١٨) كادوا يصلون إليه ويمسكونه وينتهي أمره إلى البوار ولكن إذا بالرب يستده ويقويه فلا يقع في أيديهم. فهو العصا والعكاز وإن يكن في وادي ظل الموت.
(١٩) كان في محل ضيق علاوة على حالته الروحية والعقلية الضيقة والآن هو في مكان رحب يستطيع أن يسرح ويمرح فيه غير هياب من أحد.، كان الله مخلصه وذلك لأنه نال رضاه تعالى. هو الممسوح ملكاً حقيقياً على شعبه. ورويداً رويداً يتغلب على شاول في الصيت والكرامة حتى يعتلي أسمى مركز في إسرائيل.
(٢٠) هذا جزاء الصالحين الأبرار لهم مكافأة ولا يمكن أن يتخلى الرب عنهم بل سيذكرهم بخيره ويرحمهم برحمته. فإن مد يده لي بالعون فقد مددت له يدي من قبل بطهارة الأعمال الصالحة التي أتممتها. يرى المرنم هذه الأشياء دالة على عدل الله وبره إذ كيف يتخلى من أتقيائه الراجين رحمته؟
«٢١ لأَنِّي حَفِظْتُ طُرُقَ ٱلرَّبِّ وَلَمْ أَعْصِ إِلٰهِي. ٢٢ لأَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ أَمَامِي، وَفَرَائِضَهُ لَمْ أُبْعِدْهَا عَنْ نَفْسِي. ٢٣ وَأَكُونُ كَامِلاً مَعَهُ وَأَتَحَفَّظُ مِنْ إِثْمِي. ٢٤ فَيَرُدُّ ٱلرَّبُّ لِي كَبِرِّي وَكَطَهَارَةِ يَدَيَّ أَمَامَ عَيْنَيْهِ».
(٢١) يتابع المرنم أفكاره ويشرح مفصلاً علاقته بالله فهو يمشي بطرق الرب ويطيع أوامره.
(٢٢) ثم هوذا ما حكم به الله عليه أو على غيره هي ماثلة أمام عينيه يذكرها ويراجعها لنفسه ويتعظ بها فيرى الصلاح لكي يمشي عل منواله ويرى عاقبة الأشرار وجزاءهم العادل فيبعد عنهم. بل يرى أن من واجبه أن يتمم كل فروض العبادة والانصراف لله (قابل تثنية ١٨: ٣٠ مع ٢صموئيل ٢٣: ٥).
(٢٣) لذلك فهو يرى كماله أي عدم ارتكابه لأي إثم وهنا الكلمة تعود إلى الغواية فهو لا يغوي ولا يغش بل يثبت في الله ويتكمل.
(٢٤) وهكذا فإن الرب إذا جازاني فهو يفعل بالمقابلة براً ببر ويداً بيد لأنه يتأكد طهارة حياتي وكمالها.
«٢٥ مَعَ ٱلرَّحِيمِ تَكُونُ رَحِيماً. مَعَ ٱلرَّجُلِ ٱلْكَامِلِ تَكُونُ كَامِلاً. ٢٦ مَعَ ٱلطَّاهِرِ تَكُونُ طَاهِراً. وَمَعَ ٱلأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِياً. ٢٧ لأَنَّكَ أَنْتَ تُخَلِّصُ ٱلشَّعْبَ ٱلْبَائِسَ، وَٱلأَعْيُنُ ٱلْمُرْتَفِعَةُ تَضَعُهَا. ٢٨ لأَنَّكَ أَنْتَ تُضِيءُ سِرَاجِي. ٱلرَّبُّ إِلٰهِي يُنِيرُ ظُلْمَتِي. ٢٩ لأَنِّي بِكَ ٱقْتَحَمْتُ جَيْشاً، وَبِإِلٰهِي تَسَوَّرْتُ أَسْوَاراً. ٣٠ اَللّٰهُ طَرِيقُهُ كَامِلٌ. قَوْلُ ٱلرَّبِّ نَقِيٌّ. تُرْسٌ هُوَ لِجَمِيعِ ٱلْمُحْتَمِينَ بِهِ».
(٢٥) الرحيم هو صديق الله والإنسان ولذلك فسلوكه يتناول جانبين البشري والإلهي. والكامل هو المتصف بالأدب الرفيع والتدين والخلوص لله (انظر رومية ١: ٢٨).
(٢٦) والطاهر أي الذي ينقي ويطهر نفسه (١يوحنا ٣: ٣) من المعايب ويسعى في إصلاح كل خلل فيه. أما الأعوج فضد المستقيم. أي الذي يحيد عن طريق الآداب العالمية والمبادئ الصحيحة. ومن السهل أن نرى سذاجة هذا المعنى فإن المرنم يرى تطبيق شريعة عين بعين وسن بسن حتى في الله جل وعلا. ولم تكن قد سمت الأفكار الدينية حتى مجيء المسيح الذي قال «يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى ٱلأَشْرَارِ...» (متّى ٥: ٤٥).
(٢٧) والبائس هنا ليس الفقير أو المعدم بل كما يقال بالدارج حتى اليوم (مسكين الله) أي لين الجانب متدين ورع يخشى الله بالعكس عن ذاك المتشامخ ذي العين المرتفعة. فالله يعضد مثل هذا البائس وبالعكس فإنه يضع ذلك المتكبر المتجبر على الله القاسي القلب والمتحجر الضمير (انظر إشعياء ٢٩: ١٤ ولاويين ٢٦: ٢٣). ولا أعتقد أن معنى المرنم هو فقط أن الله هو كما يتصوره الإنسان فنفس الإنسان هي مرآته (انظر ١صموئيل ٢: ٣٠ و١٥: ٢٣).
(٢٨ و٢٩) الرب ضوء سراجه ونوره في الظلمة وفي العدد التالي فهو شجاعته وبأسه وبه يستطيع أن يقتحم الأسوار (٢صموئيل ٢١: ١٧).
(٣٠) «الله» هنا ليس إلوهيم في العبرانية بل الإله الذي سار مع شعبه وقواهم ونجاهم. طريقه كامل أي من سار به لا يضل السبيل وقوله طاهر لأنه يعلّم ألسنتنا الصدق وقول الحق دائماً ثم في النهاية يعود فيكرر القول عن حمايته تعالى لكل اللاجئين إليه والمحتمين به فلا يتركهم أبداً.
«٣١ لأَنَّهُ مَنْ هُوَ إِلٰهٌ غَيْرُ ٱلرَّبِّ! وَمَنْ هُوَ صَخْرَةٌ سِوَى إِلٰهِنَا! ٣٢ ٱلإِلٰهُ ٱلَّذِي يُمَنْطِقُنِي بِٱلْقُوَّةِ وَيُصَيِّرُ طَرِيقِي كَامِلاً. ٣٣ ٱلَّذِي يَجْعَلُ رِجْلَيَّ كَٱلإِيَّلِ، وَعَلَى مُرْتَفِعَاتِي يُقِيمُنِي. ٣٤ ٱلَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ ٱلْقِتَالَ فَتُحْنَى بِذِرَاعَيَّ قَوْسٌ مِنْ نُحَاسٍ. ٣٥ وَتَجْعَلُ لِي تُرْسَ خَلاَصِكَ، وَيَمِينُكَ تَعْضُدُنِي، وَلُطْفُكَ يُعَظِّمُنِي».
(٣١) في هذا العدد وما يليه شكر قلبي لجود الله وإحساناته العميمة. وهنا تكرار للمعنى المتقدم فلا إله سواه ولا صخرة يمكن الاحتماء بكنفها سوى الرب العظيم.
(٣٢) هذا الإله القوي الذي يعطي القوة لكل ملتمسيها. وهو الذي يجعل طريقنا مستقيماً كاملاً. أي لا عثرات فيه ولا سقطات للذين يسلكونه. ذلك لأنه طريق يؤدي إلى هدف معين لا نستطيع أن نحيد عنه قيد شعرة ونسلم (انظر أيوب ٢٢: ٣).
(٣٣) الإيل يضرب به المثل بالسرعة فالله قد أعطاه النجاة وجعله سريعاً بها لأن بهذه السرعة استطاع أن يسلم من يد شاول عدوه. بعد أن يسلم من الخطر إذا به يقيم في المكان العالي. كان مختبئاً من قبل أما الآن فيظهر. كان يسير في الأودية والمنعطفات أما الآن ففي أرفع الأمكنة غير هياب ولا وجل. والحرب كرّ وفرّ.
(٣٤) وبعد أن نجاه من التهلكة لم يتركه بطالاً بلا عمل بل نجده يدربه كيف ينجي نفسه مرة ثانية ولا سيما فإن المهمة شاقة أمامه والعمل صعب عليه أن يخلص شعب الله من جميع الأعداء حولهم. ويصبح بارعاً وقوياً بهذا المقدار حتى يستطيع أن يستخدم أشد الأسلحة فتكاً. ولا يخفى ما كان عليه القوس ولا سيما إن كان من نحاس من أهمية في تلك الأيام القديمة (انظر أيوب ٢٠: ٢٤).
(٣٥) وهنا يلتفت ليؤكد أن الخلاص ليس بيده بل من يد الله لأنه هو الذي يعطي ترس الخلاص ويحميه. ولم يعطه الله هذا الترس فقط بل أعطاه يمينه عضداً وسنداً وليس هذا فقط بل كان لطفه سبب تعظيم ورفع.
«٣٦ تُوَسِّعُ خُطُوَاتِي تَحْتِي فَلَمْ تَتَقَلْقَلْ عَقِبَايَ. ٣٧ أَتْبَعُ أَعْدَائِي فَأُدْرِكُهُمْ وَلاَ أَرْجِعُ حَتَّى أُفْنِيَهُمْ. ٣٨ أَسْحَقُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ٱلْقِيَامَ. يَسْقُطُونَ تَحْتَ رِجْلَيَّ. ٣٩ تُمَنْطِقُنِي بِقُوَّةٍ لِلْقِتَالِ. تَصْرَعُ تَحْتِي ٱلْقَائِمِينَ عَلَيَّ. ٤٠ وَتُعْطِينِي أَقْفِيَةَ أَعْدَائِي وَمُبْغِضِيَّ أُفْنِيهِمْ».
(٣٦) توسيع الخطوات أي عدم ضيقها فيستطيع الحركة والعمل برحب (انظر أمثال ٤: ١٢) فإن الرب قد مهّد السبل أمامه وسنده فيها وهكذا لم يتعثر ولم تزل به القدم.
(٣٧ و٣٨) وهكذا في هذا العدد يصبح الضعيف قوياً حتى يستطيع أن يطارد أعداءه ويدركهم ولا يرجع عنهم حتى الظفر التام. هنا منظر القتال الذي لا هوادة فيه ولا لين فأما أن تكون القاتل أو تكون القتيل. ولكنه لا ينسب القوة لنفسه بل يرجعها لله الذي يعطيه إياها. وهنا يصور انخذال الأعداء التام فهم منسحقون تحت رجليه لا يستطيعون الدفاع حتى ولا النهوض.
(٣٩) يجعل القوة منطقته ويشد نفسه بها كما تشد المنطقة جسده فيصبح أخف حركة وأسرع جرياً في مطاردة أعدائه وإحراز النصر. وصرع الأعداء لا فضل له فيه بل كل الفضل يعود لله الذي يقويه.
(٤٠) وإعطاؤه قفا الأعداء دليل هربهم فلا يستطيعون المجابهة والظهور وجهاً لوجه (انظر خروج ٢٣: ٢٧). وهكذا قد نال ظفراً حاسماً وكان حظ المبغضين الفناء التام (انظر تثنية ٣٣: ١١).
«٤١ يَصْرُخُونَ وَلاَ مُخَلِّصَ. إِلَى ٱلرَّبِّ فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ. ٤٢ فَأَسْحَقُهُمْ كَٱلْغُبَارِ قُدَّامَ ٱلرِّيحِ. مِثْلَ طِينِ ٱلأَسْوَاقِ أَطْرَحُهُمْ. ٤٣ تُنْقِذُنِي مِنْ مُخَاصَمَاتِ ٱلشَّعْبِ. تَجْعَلُنِي رَأْساً لِلأُمَمِ. شَعْبٌ لَمْ أَعْرِفْهُ يَتَعَبَّدُ لِي. ٤٤ مِنْ سَمَاعِ ٱلأُذُنِ يَسْمَعُونَ لِي. بَنُو ٱلْغُرَبَاءِ يَتَذَلَّلُونَ لِي. ٤٥ بَنُو ٱلْغُرَبَاءِ يَبْلُونَ وَيَزْحَفُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ».
(٤١) استنجدوا بإلههم فلم ينجد بل طلبوا من الرب فلم يصغ لصوتهم. إن الرب لا يستجيب على حسب هوى الإنسان ومتى أراد بل على نسبة مشيئته ومتى هو يريد إتمامها.
(٤٢) لقد أصبحوا في أسوأ حالة وإلى أبعد درجة من الاضمحلال إلى تراب «إلى تراب تعود» فتتقاذفه الريح إلى كل جهة كما تفعل بالعصافة. بل يحقرهم إلى أبعد درجة فهم الوحل المرمي في الأسواق سبب أوساخ للمارة وتعب ومشقة للسائرين فيه.
(٤٣) «من مخاصمات الشعب» قد يعود إلى شعب إسرائيل مثلاً ينشقون بين أنفسهم ولا يتخاصمون وداود يكون رأساً لهذا الشعب بل لأمم كثيرة حتى الذين لا يعرفونه ولا علاقة لهم سابقة بهم يلتمسون خاطرهم ويقدمون الخضوع.
(٤٤) وهؤلاء الأمم لأنهم سمعوا بانتصارات داود أصبح واجب الحماية يقضي عليهم أن يلتمسوا رضاه. فهم يذلون أنفسهم لكي يسلموا.
(٤٥) ثم يضمحلون ويفنون ولا يمكنهم أن يسيروا بعد كالبشر بل يزحفون زحفاً كأحقر الأحياء. وقوله من حصونهم يجعل الصورة أتم وأكمل أي إنهم يأتون أذلاء من أعز وأمنع الأشياء عندهم وهي الحصون.
«٤٦ حَيٌّ هُوَ ٱلرَّبُّ وَمُبَارَكٌ صَخْرَتِي وَمُرْتَفِعٌ إِلٰهُ خَلاَصِي، ٤٧ اَلإِلٰهُ ٱلْمُنْتَقِمُ لِي، وَٱلَّذِي يُخْضِعُ ٱلشُّعُوبَ تَحْتِي. ٤٨ مُنَجِّيَّ مِنْ أَعْدَائِي. رَافِعِي أَيْضاً فَوْقَ ٱلْقَائِمِينَ عَلَيَّ. مِنَ ٱلرَّجُلِ ٱلظَّالِمِ تُنْقِذُنِي. ٤٩ لِذٰلِكَ أَحْمَدُكَ يَا رَبُّ فِي ٱلأُمَمِ وَأُرَنِّمُ لٱسْمِكَ. ٥٠ بُرْجُ خَلاَصٍ لِمَلِكِهِ، وَٱلصَّانِعُ رَحْمَةً لِمَسِيحِهِ، لِدَاوُدَ وَنَسْلِهِ إِلَى ٱلأَبَدِ».
(٤٦) وهنا يبدأ المرنم بالختام فيقدّم الحمد والتسبيح ويؤكد أولاً أن الله حي موجود. فهو صخرة الحماية مبارك وممجد إلى الأبد. وهو مرتفع لكي تتجه إليه كل أنظار السائرين في طريق الموت فينجيهم.
(٤٧) وهو منتقم من الذين سببوا هذا الإزعاج فطارد عنهم الذين طردوه وأخضع الذين حاولوا إخضاعه.
(٤٨) وهو سبب النجاة ولا يتركنا نسقط بل يقيمنا ولا يكتفي بذلك بل يرفعنا فوق هؤلاء الأعداء الظالمين يكرر المعنى بكلمات مترادفة لزيادة التأثير في النفس.
(٤٩) هذا العدد قد نقله الرسول بولس (رومية ١٥: ٩) كما أخذ (تثنية ٣٢: ٤٤ ومزمور ١١٧: ١) وهنا بدء فكرة المسيا المذكورة (٢صموئيل ٧: ١٢ - ١٦).
(٥٠) ويختم بتكرار فكرة الخلاص للملك بل الذي يرحم من مسحه ملكاً على شعبه وبالأخص لداود عبده وللذين يخلفونه من ذريته في مستقبل الأيام.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ عَشَرَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ ٱللّٰهِ، وَٱلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. ٢ يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَماً، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْلٍ يُبْدِي عِلْماً. ٣ لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ. لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. ٤ فِي كُلِّ ٱلأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى ٱلْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ. جَعَلَ لِلشَّمْسِ مَسْكَناً فِيهَا»
في هذا المزمور يوجه المرنم نظر القارئ إلى وسيلتين بهما نتوصل لمعرفة الله. الأولى النظر للسماء والنجوم والأفلاك. والثانية النظر إلى شريعة الله ووصاياه ونواميسه. نعم إن الطبيعة وهي كتاب الله المفتوح تشبه لنا وجوده تعالى ولكن كتابه وحده هو الذي يخبرنا عن مشيئته ويعلّمنا كيف نسلك في هذه الحياة.
(١) السموات هي الفلك وما يحويه وأما الفلك فهو رقيع الجلد الأزرق وهنا تكرار من قبل التوازن ليس إلا ولا يريد المرنم أن يبحث في الفروقات بين الاثنين بل يهمه أن يخبر أن النظر للسماء يلهم الناظر أن يرى الله فيه. وهذه السموات تعلّمنا وتحدثنا بعمل يدي الله العلي الذي صنع كل شيء بحكمة تفوق العقول.
(٢) اليوم يقصد به الأرجح النهار فإن للنهار خدمته مما ترسله الشمس من شعاع ينعكس على الكائنات فترى جمالها وألوانها وذلك فإن الليل بقمره ونجومه يوحي للراصدين أعظم المعاني وأجمل الصور. وكلا الليل والنهار يتممان رسالتهما بدون صوت ولا كلام بل بهدوء وسكون. وهذا القول أو الكلام لا ينتمي إلى أي لسان خاص أو أية أمة خاصة ومع ذلك فهو مفهوم من كل الشعوب والألسنة.
(٣) إذاً هو كلام وفي نفس الوقت ليس بكلام. وهو حديث للإنسان ولكنه ليس من إنسان بل من الخالق العظيم الذي أبدع هذه الكائنات. هو حديث بغير كلام إذ هو أعلى من الكلام ولا يستطيع الكلام أن يعبر عن العواطف التي تختلج فينا فإن هذا حقيقي حينا نكون في روعة أو جلال.
(٤) وقد لاحظ المرنم هذا الدوران المتواصل في الفلك فقال إن منطقهم قد خرج إلى أقصى المسكونة وهكذا كلماتهم. الشمس تسكن في هذه السموات وليس فقط تدور كما تفعل بقية النجوم لأنها هي نبع الحياة وبدونها لا يمكن أن يعيش أي الأحياء من نبات أو حيوان.
«٥ وَهِيَ مِثْلُ ٱلْعَرُوسِ ٱلْخَارِجِ مِنْ حَجَلَتِهِ. يَبْتَهِجُ مِثْلَ ٱلْجَبَّارِ لِلسِّبَاقِ فِي ٱلطَّرِيقِ. ٦ مِنْ أَقْصَى ٱلسَّمَاوَاتِ خُرُوجُهَا، وَمَدَارُهَا إِلَى أَقَاصِيهَا، وَلاَ شَيْءَ يَخْتَفِي مِنْ حَرِّهَا. ٧ نَامُوسُ ٱلرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ ٱلنَّفْسَ. شَهَادَاتُ ٱلرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ ٱلْجَاهِلَ حَكِيماً».
(٥) إن العروس أو العريس (المذكر) له احتفالاته الخاصة في وقت الزفاف فتحمل أمامه المشاعيل ويرافقه الأصدقاء والأقارب بكل بهجة وأبهة إلى بيت عروسه حيثما يعود بها إلى مكان الإكليل وهذا ما يسمى (الزفة). وكان الأقدمون يحسبون السيارات الدائرة حول الشمس كأنها وصائف وأخدان لخدمتها وهكذا حسب الشمس كأنها خارجة إلى زفافها اليومي وهي تشرق بأنوارها الساطعة على العالمين. بل يجتاز من ذلك إلى القول بأنه كالجبار المسرع في جريه للسباق كإنما يتسابق مع الناس في انصراف النهار فلا تكاد تشرق الشمس حتى تغيب ولا تكاد تغيب حتى تشرق من جديد في يوم آخر (راجع أيوب ٣٨: ٣١ و٣٢).
(٦) ويصف مدى دورانها اليومي المعتاد والذي هو عجيبة أبدية قلما نحفل بها أو نعيرها أقل اهتمامنا. وهي تطال كل مكان وتملأه بالنور والحرارة إذ لا حياة ولا لون ولا جمال بدونها. ولفظة الشمس مع أنها في العربية مؤنث هي في العبرانية والآرامية مذكر بوجه العموم.
وفي العدد (٥) الحجلة هي تلك القبة التي تصنع خصيصاً للعروسين وقت الإكليل لذلك فالعروس يخرج من حجلته هذه بتمام الجلال والجمال والكلمة بالعبرانية تأتي من «حفّ» أي تعتبر القبة والقوم الذين يحفون بالعروسين ويحتفون بهما.
(٧) وهنا يأتي للقسم الثاني من هذا المزمور وهو الحديث عن ناموس الرب هو «كامل» لا خطأ فيه لذلك يمكن أن يعتمد عليه في هدايتنا إلى الصواب. والنفس قد تبتعد وتقع في الشطط وتحتاج إلى ما يردعها ويرجعها ولا شيء يفعل ذلك سوى هذا الناموس الإلهي السديد. والشهادات هنا معناها التحذيرات والتنبيهات والمواعظ التي تجعلنا نفهم وندرك العواقب. وهي صادقة لا تغشنا قط لأنها تحوي الاختبارات التي تزيد الحكيم حكمة وتجعل الجاهل الذي يتبنى الحكمة أن يصير حكيماً أيضاً. ويمكن ترجمة «صادقة» أمينة أي يمكن الوثوق بها فهي محققة وثابتة وليست من قبيل الكلام يلقى على عواهنه بل كلام الحق الأبدي.
«٨ وَصَايَا ٱلرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ ٱلْقَلْبَ. أَمْرُ ٱلرَّبِّ طَاهِرٌ يُنِيرُ ٱلْعَيْنَيْنِ. ٩ خَوْفُ ٱلرَّبِّ نَقِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى ٱلأَبَدِ. أَحْكَامُ ٱلرَّبِّ حَقٌّ عَادِلَةٌ كُلُّهَا. ١٠ أَشْهَى مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلإِبْرِيزِ ٱلْكَثِيرِ، وَأَحْلَى مِنَ ٱلْعَسَلِ وَقَطْرِ ٱلشِّهَادِ. ١١ أَيْضاً عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِهَا، وَفِي حِفْظِهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ».
(٨) هي مستقيمة لأنها تعني أسمى الأفكار وتتضمن دائماً خير الجنس البشري لذلك على هذا القلب أن يفرح بها (راجع ٢تيموثاوس ٣: ١٥). وهي مستقيمة لأن مشيئة الله صالحة دائماً. ويجب أن يفرح القلب بها لأنها تعزيه في الضيقات وتنير له الطريق في التجارب. أمره طاهر أي لا شيء من الأنانية فيه فهو يأمرنا من أجل خيرنا فقط وليس ليتمجد هو بل لنترقى ونتهذب نحن. لذلك فعلينا أن نفتح عيوننا وننظر إلى ما حولنا ونسترشد ولا نبقى في ظلمة قط. يقود باليد ويسدد الخطى وينبه الضمير.
(٩) خوف الرب أي هيبته ووقاره يجب أن تملأ قلوبنا هو نقي لأنه ليس لإرهابنا بل لتهذيبنا وهو ثابت لأنه لا يمكن أن يتزعزع لجهالة بعض الجاهلين الذي يكفرون بالله ويعصون أوامره وهو يطيل أناته عليهم ويحتملهم. وهؤلاء إذا لم يخافوا الله الآن فسوف يخافونه يوم الدين حينما تقدم كل نفس جزاء ما فعلت إن خيراً فخيراً أو شراً فشراً. و «أحكامه» أي ما يأمر به ويقضي علينا هو العدل بعينه وخوف الرب معنا. التدين بعينه أي أن نكون على أنفسنا رقباء ونلاحظ سيرنا بحسب ما يأمر به الدين.
(١٠) وإذا كانت كذلك فيجب أن يطلبها الإنسان ويشتهيها لأن العقل يقضي بها الذهب هو المال وأثمن ما يقتنيه الإنسان وأجمله والإبريز هو الذهب الخالص وتكراره من قبيل التوكيد والمبالغة.
وكذلك هي لذيذة لأنه يشبهها بأحلى شيء عرفه الإنسان القديم أي العسل. وقطر الشهاد هو ما ينفثه الشهد من كثرة ما هو مملوء به دون ضعط أو كبس عليه. وهكذا فإن كلام الله لذيذ الطعم ولكن على شرط أن نأكله. ولا نستفيد معرفة بالعسل وشهده إن سمعنا سماعاً بلذة طعمه بل علينا أن نستطعمه نحن وهكذا كلام الله علينا أن نقرأه نحن.
(١١) ويلخص كلامه عن هذه الشريعة بأنها موضوعة للتحذير والتنبيه كأنها تنادينا لنا لكي نقبل إليها ونسترشد بأنوارها. وهنيئاً لمن يحفظها ويتمشى بموجب تعاليمها وحينئذ يكون الجزء عظيماً على نسبة عظمة هذا الاهتداء.
«١٢ اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا! مِنَ ٱلْخَطَايَا ٱلْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي. ١٣ أَيْضاً مِنَ ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ٱحْفَظْ عَبْدَكَ فَلاَ يَتَسَلَّطُوا عَلَيَّ. حِينَئِذٍ أَكُونُ كَامِلاً، وَأَتَبَرَّأُ مِنْ ذَنْبٍ عَظِيمٍ. ١٤ لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ، صَخْرَتِي وَوَلِيِّي».
(١٢) لأن الشريعة هي ليست نسخة طبق الأصل عن المشيئة الإلهية بل هي مرآة تعكس ذات الإنسان أيضاً. وهكذا من ينظر في هذه المرآة يجب أن يعرف نفسه وعليه أن يصلي لكي ينقيه الله من كل السهوات التي لم يقترفها عمداً بل لعدم تقديره الحق في مشيئته تعالى. والمرنم يلتمس أن يبرأ حتى من الخطايا التي لا يراها الناس ولكن الله يراها.
(١٣) والمتكبرون هم الخطاة الذين يفخرون بخطاياهم ويتواقحون على الله ويدعون الكمال. وهؤلاء لهم سلطتهم أما من جهة عقلية فلهم العلم ربما المعارف أو من جهة مدنية فلهم المقام الاجتماعي والنفوذ لذلك نتهيبهم ونستحيي منهم ويؤثرون علينا التأثير السيء. بل قد يكون لهم أكثر من التأثير علينا فيتسلطون علينا ويتحكمون بنا كما يشاؤون. وهكذا حينما أحفظ الوصايا تماماً وأتوقى السهوات وأنجو من سلطة المستكبرين المستهترين الذين لا يرعون حرمة الدين أصبح عندئذ كاملاً لا غبار على الخلق الذي أتخلق به وأنجو وأسلم. فهو يريد أن يحتفظ بعلاقة وثيقة مع الله ولا يريد أن يسمح لأي الخطايا أو السهوات أن تقف حاجزاً عن الرضا الإلهي.
(١٤) وأخيراً يلتمس المرنم أن يكون قد أحسن أداء التسبيح والسجود لله بالفم كما أنه قد أحسن الخلوص له تعالى بالقلب فينال الرضا التام وحسن القبول. وشفيعه في ذلك هو إيمانه الحي بإلهه. والصلاة بكمال معانيها يجب أن تحوي الاثنين اي ظاهر التعبد الذي يذيعه هذا الفم العجيب من هذا الإنسان الحيوان الناطق وينضم مع هذا هو فكر القلب والنية المخلصة لأن هذه هي الأساس لتلك وبدونها فاللسان وحده لا ينفع شيئاً بل يتحول من آلة التسبيح والحمد إلى آلة تضرم من جهنم. والله هو الصخرة التي عليها يرتكز في حياته وهو الولي في كافة أموره لأنه مهما بلغ من كمال يظل ضعيفاً قاصراً إلى أن ينور الله عليه بنوره ويكلأه بعنايته وحينئذ يتم كل الوصايا ويفهم يقيناً كيف يتعبد.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْعِشْرُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ لِيَسْتَجِبْ لَكَ ٱلرَّبُّ فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ. لِيَرْفَعْكَ ٱسْمُ إِلٰهِ يَعْقُوبَ. ٢ لِيُرْسِلْ لَكَ عَوْناً مِنْ قُدْسِهِ، وَمِنْ صِهْيَوْنَ لِيَعْضُدْكَ. ٣ لِيَذْكُرْ كُلَّ تَقْدِمَاتِكَ وَيَسْتَسْمِنْ مُحْرَقَاتِكَ. سِلاَهْ. ٤ لِيُعْطِكَ حَسَبَ قَلْبِكَ وَيُتَمِّمْ كُلَّ رَأْيِكَ. ٥ نَتَرَنَّمُ بِخَلاَصِكَ، وَبِٱسْمِ إِلٰهِنَا نَرْفَعُ رَايَتَنَا. لِيُكَمِّلِ ٱلرَّبُّ كُلَّ سُؤْلِكَ».
هذا المزمور هو دعاء للملك بالنصر في وقت الحرب. هي صلاة شفاعية لأجل الملك كما أن المزمور الذي يليه وهو الحادي والعشرون صلاة شكر للأمة بلسان الملك. لذلك فكلا المزمورين يتلاحم واحدهما بالآخر ويتمم واحدهما معنى الآخر والأرجح أن كليهما من نظم شخص واحد. (١) في هذا المزمور عدد من التمنيات فأولاً يطلب أن يستجيب له الله لا سيما وهو في زمن ضيق ويطلب الرفع والنهوض. وفي العدد (٢) يطلب له عوناً والأرجح أن مكان الصلاة كان على مرتفعات صهيون في المعبد المخصص هناك لأن الهيكل لم يكن قد بني بعد. (٣) الملك يقدم تقدمات كما كانت العادة. وهذه التقدمات هي تقدمات طعام فيجدها الله مرضية سمينة في عينيه.
و(٤) يلتمس له نجاحاً تاماً في المهمة التي يشرع بها ويحاول إتمامها وتكون برأي الله وتدبيره وثم (٥) في هذه الأثناء ترفع أصوات الحمد والترنيم للعلاء.
«٦ اَلآنَ عَرَفْتُ أَنَّ ٱلرَّبَّ مُخَلِّصُ مَسِيحِهِ. يَسْتَجِيبُهُ مِنْ سَمَاءِ قُدْسِهِ، بِجَبَرُوتِ خَلاَصِ يَمِينِهِ. ٧ هٰؤُلاَءِ بِٱلْمَرْكَبَاتِ وَهٰؤُلاَءِ بِٱلْخَيْلِ أَمَّا نَحْنُ فَٱسْمَ ٱلرَّبِّ إِلٰهِنَا نَذْكُرُ. ٨ هُمْ جَثَوْا وَسَقَطُوا، أَمَّا نَحْنُ فَقُمْنَا وَٱنْتَصَبْنَا. ٩ يَا رَبُّ خَلِّصْ. لِيَسْتَجِبْ لَنَا ٱلْمَلِكُ فِي يَوْمِ دُعَائِنَا».
(٦) بعد فترة من الصلوات والأدعية وتقديم القرابين المختلفة إذا بصوت يرتفع وقد يكون من اللاويين بأن هذه القرابين قد قبلها الرب ورضي تماماً عن صاحبها أو المقدمة باسمه. وقوله «الآن» هي كلمة التفات من شيء لآخر. وهو مخلص مسيحه فقد تم كل الوعد له وقبل الله الصلاة ويخلص إلى التمام. والجالس على العرش في صهيون هو جالس بالأحرى على عرش السماء وجبروته الظاهر على الأرض لا يقاس بشيء من جبروته الذي في السماء.
(٧) قد يكون هؤلاء الأعداء من آرام فقد كان عندهم خيل ومركبات ولم تستعمل هذه في إسرائيل بصورة جدية إلا في أيام سليمان وما بعده. هؤلاء الأعداء يعتمدون على قوة مادية لا يستهان بها أشداء في الحرب ومستعدون للقتال ولكن إنما الرب إلهنا هو لنا ومعنا وليس لهم. هم يعتزون بقوتهم هذه أما نحن فباسم إلها نعتز وننتصر.
(٨) وكانت النتيجة كما كان متوقعاً فقد انخذل الأعداء وتذللوا أمامنا جثواً ساقطين محطمين أما نحن فبالعكس قمنا أشداء. وكانت الشريعة قديماً تمنع وجود جيش دائم (تثنية ١٧: ١٦) ولكن تغيرت الحالة في أيام سليمان (١ملوك ١٠: ٢٦ - ٢٩).
(٩) فبعد أن ينتهي الصوت الفردي في الأعداد الثلاثة السالفة يعود الجوق فيختم الترنيمة بهذا العدد الأخير. وقد تكون الترجمة الأفضل «يا رب خلّص الملك واستجب لنا في يوم دعائنا».
ويرجح أن يكون الكاتب قد عاش في عصر داود ولذلك ضم مزموره مع مجموعة المزامير الداودية وقوله اسم الرب دليل على ذلك كما خاطب داود جليات (١صموئيل ١٧: ٤٥).
وإن الدعاء للملك وأركان دولته والحكام والقضاة هو من الواجب على الرعية ليرسل الله رحمته عليهم جميعاً ليحكموا بالعدل والإنصاف ويكون الخير والرفاه في أيامه ويظل حكمه على الشعب أجمعين.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي وَٱلْعِشْرُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ يَا رَبُّ بِقُوَّتِكَ يَفْرَحُ ٱلْمَلِكُ، وَبِخَلاَصِكَ كَيْفَ لاَ يَبْتَهِجُ جِدّاً! ٢ شَهْوَةَ قَلْبِهِ أَعْطَيْتَهُ، وَمُلْتَمَسَ شَفَتَيْهِ لَمْ تَمْنَعْهُ. سِلاَهْ. ٣ لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُهُ بِبَرَكَاتِ خَيْرٍ. وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجاً مِنْ إِبْرِيزٍ. ٤ حَيَاةً سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ. طُولَ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ. ٥ عَظِيمٌ مَجْدُهُ بِخَلاَصِكَ، جَلاَلاً وَبَهَاءً تَضَعُ عَلَيْهِ».
(١) في المزمور السابق صلاة من الشعب لأجل الملك وفي هذا المزمور تأكيد أن الله قد استجاب الصلاة وسمعها. في المزمور السابق دعاء لكي يوليه الله نصراً على الأعداء وعزة وأما هنا فلتقديم الشكر وعقد الآمال وقد يكون الأول في بدء معارك الحرب وأما هنا ففي خاتمتها وألوية النصر ترفرف فوق الرؤوس.
يبدأ المزمور بتعداد بركات الله على الملك السابقة واللاحقة وهكذا يستمر المرنم على ذلك حتى العدد الثالث. القوة يقصد هنا ما هو ظاهر للعيان من أبهة ومجد أما الخلاص فهو ما ليس ظاهراً بل يمنح من السماء.
(٢) الشهوة هنا تأتي بالعبرانية من شيء يفيد الإرث أي ما هو غريزي متأصل في قلبه وليس شيئاً عارضاً وأنت يا رب قد حققت له ذلك. وما طلبه بلسانه كذلك منحته له. ولأنه يختم هنا سلاه فالأرجح أن هذا المزمور هو ختام لدعاء معروف لدى الشعب جميعاً.
(٣) ليست كل البركات بركات خير فقد يكون بعضها للشر ولكن الالتماس هنا لما هو للبنيان والنجاح والتقدم. وقد يكون هنا إشارة لما ورد (٢صموئيل ٢٢: ٣٠) بعد انتصار داود على ربة العمونيين ووضع التاج بعد غلبة تلك المدينة الملكية وانتصاره عليها.
(٤) ويظهر أن هنا إشارة لتاريخ هذا المزمور أنه كان في أخر أيامه. والدعاء للملك أن يعيش للأبد هو شيء اعتيادي وقديم أيضاً. (انظر ١ملوك ١: ٣١) والمعنى في ذلك أن يعيش مدة من السنين غير محدودة. وقد سأل الناس هذه الأمنية من قبل والرب قد حققها الآن.
(٥) إن نعمة الله وحدها قادرة أن تحتفظ بهذا المجد والجلال لذلك فالفضل كله يعود لما يمنحه الله لا ما يمنحه البشر. إن عطايا الله أعظم من سؤلنا. وهذا المجد هو حمل على الملك ومسؤولية لذلك عليه أن يؤدي حساباً عن كل أعماله. وعلى الحكام والملوك أن يعلموا أن لا مجد ولا جلال إلا ما يمنحه الله من رحمته وخلاصه ولا صولجان أسمى من المحبة للرعية والرعية تخلص للملك وتطيعه وتنجده وتسنده. هذا لأنه بركة الله على الملك وعلى كل نسله.
«٦ لأَنَّكَ جَعَلْتَهُ بَرَكَاتٍ إِلَى ٱلأَبَدِ. تُفَرِّحُهُ ٱبْتِهَاجاً أَمَامَكَ. ٧ لأَنَّ ٱلْمَلِكَ يَتَوَكَّلُ عَلَى ٱلرَّبِّ، وَبِنِعْمَةِ ٱلْعَلِيِّ لاَ يَتَزَعْزَعُ. ٨ تُصِيبُ يَدُكَ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ. يَمِينُكَ تُصِيبُ كُلَّ مُبْغِضِيكَ. ٩ تَجْعَلُهُمْ مِثْلَ تَنُّورِ نَارٍ فِي زَمَانِ حُضُورِكَ. ٱلرَّبُّ بِسَخَطِهِ يَبْتَلِعُهُمْ وَتَأْكُلُهُمُ ٱلنَّارُ».
(٦) «جعلته بركات» أقوى جداً من القول منحته أو أعطيته بركات. وهنا قد يكون المعنى أن الله قد باركه جداً كما في (تكوين ١٢: ٢) حتى صار وجوده بين شعبه سبب بركة أيضاً. معروف عن بعض خدم الأغنياء أنهم قد صاروا أغنياء لأنهم التصقوا بهم وعاشوا من خيرهم فكم بالأحرى الملك فإنه سبب بركة للآخرين لا سيما في تلك الأيام القديمة حينما كانت كلمة من فمه ترفع الإنسان لأعلى الدرجات وكلمة أخرى تنزل به لأحط الدرجات. وكلمة تفرح بالعبرانية قريبة باشتقاقها جداً من العربية أي إنعاش الجمال بواسطة أغاني الحادي. وهكذا فإن نعمة الله تفرح الملك وتعينه على حمل أثقال الملك والقيام بالواجبات الكبيرة.
(٧) هنا ينتقل المرنم من مخاطبة الله إلى مخاطبة الملك. على الملك أن يتكل على الله وتكون النتيجة أنه لا يتزعزع قط. هنا سر القوة والنعمة. فكما أن البناء لا يقوم إلا بعد أن يصل الأساس حتى الصخر كذلك فإن بناء حياتنا الروحية لا يثبت إلا بعد أن نلقي كل اتكالنا على صخر الدهور. ونعمة هنا قد تترجم رحمة أيضاً وهذه من العلي مصدر الصلاح والقدرة والسلطان. لذلك فهذا الاتكال يجب أن يبطل كل مخاوفنا ويزيل كل همومنا.
(٨) إن يد الملك القوية الآن بقوة الله تستطيع أن تضرب الأعداء جميعهم. ولأن الملك قد انتصر على كل الأعداء كان له في آخر أيامه سلامة وطمأنينة. إن الله بواسطة الملك سينتقم من المبغضين وحينئذ لا شيء يستطيع أن يحميهم حتى لا التلال ولا الجبال بل تصبح كأنها أوراق التين التي حاول آدم أن يتستر بها لأن قدرته تصل إلى كل إنسان.
(٩) إن أعداء الملك الذين هم أعداء الله وهم أيضاً أعداء شعبه (انظر لاويين ٢٠: ٦ ومراثي ٤: ١٦). لا شيء يستطيع أن يقف في وجه النار ولذلك فهؤلاء الأعداء هم الهشيم المشتعل أمام وجهه. هم الآن ولكن بعد قليل سيضمحلون ولا يكونون. لا يستطيعون أن يقفوا في وجه الملك ويقاوموه كما أن كل ما يشتعل لا يستطيع أن يقف في وجه النار المحترقة بل يحترق هو بدروه أيضاً. إذاً ليخف الأشرار وليرتعبوا لأن نهايتهم أكيدة ومحزنة (انظر ٢صموئيل ١٧: ١١) «التنور» على ما يظهر كان معروفاً ومستعملاً عندئذ وهو شبيه بتنور اليوم.
«١٠ تُبِيدُ ثَمَرَهُمْ مِنَ ٱلأَرْضِ وَذُرِّيَّتَهُمْ مِنْ بَيْنِ بَنِي آدَمَ. ١١ لأَنَّهُمْ نَصَبُوا عَلَيْكَ شَرّاً. تَفَكَّرُوا بِمَكِيدَةٍ. لَمْ يَسْتَطِيعُوهَا. ١٢ لأَنَّكَ تَجْعَلُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ. تُفَوِّقُ ٱلسِّهَامَ عَلَى أَوْتَارِكَ تِلْقَاءَ وُجُوهِهِمْ. ١٣ ٱرْتَفِعْ يَا رَبُّ بِقُوَّتِكَ. نُرَنِّمُ وَنُنَغِّمُ بِجَبَرُوتِكَ».
(١٠) نعم إن ظهور داود في مدينة ربة بني عمون كان سبب الاستظهار عليهم واندحارهم التام (راجع ٢صموئيل ١٢: ٢٦) وما يتبع ثمرهم أو ذريتهم كلمتان مترادفتان أي تأكيد هلاك هؤلاء الأعداء حتى لا يقوم لهم قائمة. الثمر يحوي البزر عادة يخلف نوعه وكذلك الذرية هم الأولاد. أي لا هم يبقون ولا أولادهم ايضاً.
(١١) ذلك لأن هؤلاء الأعداء قد أرادوا الشر وتفكروا به وصمموا عليه بل عملوا مكيدة لم يستطيعوها. وقوله «نصب» تدل على وضع شبكة أو أحبولة للإيقاع بالآخرين. ولو استطاعوا لأضروا ضرراً عظيماً ولكن حفظ الله ينجد وعنايته هي التي تخلص.
(١٢) يضرب بسهام على وجوه الأعداء المهاجمين. فهو لا يهابهم ولو كانوا شجعاناً أشداء بل يهاجمهم أيضاً وتكون النتيجة أنهم يرتدون على الأعقاب. وقد بدأ بالعبارة أنهم يتراجعون «يتولون» ثم فسر ذلك بالعبارة التي كملت المعنى بعد ذلك بأنه أطلق السهام عليهم وجابههم بها ولم يتهيبهم قط. وهكذا يكون المعنى متناسباً مع ما سبقه فقد تفكروا بالباطل ورتبوه ونصبوا أشراكاً ولكنهم فشلوا وكان فشلهم تاماً لأنهم ارتدوا على الأعقاب وتراجعوا ولم يستطيعوا أن يواجهوا قوة الملك وجبروته.
وهنا يصل المرنم للختام فقد حلق بعيداً وعالياً والآن يتراجع كما يتراجع الطائر المحلق إلى عشه ومكان راحته. لقد صور الانتصار تصويراً دقيقاً وأسهب في وصفه وكيفية انخذال العدو وكان من الممكن أن يهنئ الملك بالفوز ولكنه يتركه جانباً ويعطي المجد لله. هذا ختام بديع لموضوع بديع وكانما أوحي للشاعر الانكليزي رديرد كبلنغ أن يكتب لئلا ننسى في حفلة اليوبيل الألماسي للملكة فكتوريا. إن العزة والقدرة هي لله وحده فليصمت البشر وليتذللوا أمام العلي. وفي الوقت ذاته فإن كمال الفرح والترنم هو بجبروت الله وليس بأي جبروت آخر. فإن نال الملك نصراً فإنه من الله وإن نال مجداً فليكن من الله.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي وَٱلْعِشْرُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى «أَيِّلَةِ ٱلصُّبْحِ». مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ إِلٰهِي! إِلٰهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيداً عَنْ خَلاَصِي عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟ ٢ إِلٰهِي، فِي ٱلنَّهَارِ أَدْعُو فَلاَ تَسْتَجِيبُ. فِي ٱللَّيْلِ أَدْعُو فَلاَ هُدُوءَ لِي. ٣ وَأَنْتَ ٱلْقُدُّوسُ ٱلْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ. ٤ عَلَيْكَ اْتَّكَلَ آبَاؤُنَا. ٱتَّكَلُوا فَنَجَّيْتَهُمْ. ٥ إِلَيْكَ صَرَخُوا فَنَجَوْا. عَلَيْكَ ٱتَّكَلُوا فَلَمْ يَخْزَوْا».
هذا المزمور عزيز علينا لأن منه اقتبس السيد عبارته وهو على الصليب «إيلي إيلي لما شبقتني». وهو يحوي أعمق الشعور والشكوى وسط الضيق والحالة النفسية الصعبة. لذلك فهو يختلف كل الاختلاف عن المزمور الحادي والعشرين الذي يطفح بالبهجة والحبور. ويشبهه المزمور ٥٩ ولكن يختلف هذا عن ذاك بشدة وطأته على الأعداء ومرارة نفسه. وقد حسب البعض أن هذا المزمور كتب في ايام إرميا أو ما بعده حتى أيام المكابيين ولكن أغلب الظن هو أن داود نفسه الكاتب والاختبارات المذكورة فيه تنطبق تماماً على حياة داود الداخلية في ذاك الحين. بل هذا المزمور يحوي نبوءة عن المسيح وآلامه العظيمة كيف ثقبت اليدان والرجلان وانفصلت العظام الخ. ثم وصفه العطش الشديد (انظر يوحنا ١٩: ٢٨) ثم جمهور الساخرين والذين اقتسموا ثيابه (انظر متّى ٢٧: ٣٩) وقد عدت الكنيسة قديماً أن المسيح ذاته يتكلم بهذا المزمور لا داود. ولكننا نحسب أن هذه النبوءة تمت كلها بعمل الفداء على الصليب.
أما العنوان «أيلة الصبح» فيزيد هذا المزمور شجواً بأن يغني قبيل انبلاج شمس الصباح حاملاً معه ذلك الليل الطويل بآلامه ودموعه.
(١) شعور المرنم أنه متروك من الله فيتساءل لماذا؟ هل الله بعيد عن تلك التنهدات العميقة المعربة عن آلام نفسه؟ قوله إلهي إلهي مكرراً تدل على العلاقة بينه وبين الله بصورة التوكيد. لذلك أخذ السيد المسيح هذا الصراخ على الصليب معبراً عن الآلام النفسية وفي الوقت ذاته يؤكد علاقته الوطيدة بالآب بأنه لم يترك وحده. بل وسط الغضب كان الإيمان. هو يحمل آلام البشرية ولكن أكثر من ذلك يحمل غضب الآب من أجل خطيئة هؤلاء البشر وعلى هذا الفادي أن يحتمل كل شيء حتى يصل إلى محبة الآب. وقال يسوع شبقتني وليس عزبتني لأن هذه عبرانية وأما الآولى فآرامية وهي اللغة التي تكلم بها ويفهمها الشعب.
(٢) يعود فيقول «إلهي» وهنا التكرار له وقعه العظيم. لا يرى استجابة لصلاته الحارة في العدد الأول. وتكراره هنا الدعاء في النهار وفي الليل أيضاً أي وهو لا يهدأ إذ لا يستطيع أن ينام نوم الهدوء والطمأنينة. وبحالته المحزنة هنا تساوى عنده الليل والنهار فهو يستمر على الصلاة ويلتمس من الله أن يلطف به ويرحمه.
(٣) يتساءل كيف لا يستجيب الله وهو الجالس بين شعبه لذلك يسمعهم حينما يدعون ويقبل تسبيحهم حينما يرفعون قلوبهم إليه. أفليس عجيباً أن لا يكون استجابة لصلاته إذاً؟ هو القدوس فلا يقرب إليه بالنسبة لطهارته الإلهية ومع ذلك هو بين شعبه يصغي لتسابيحهم.
(٤) يرجع للتاريخ ويرى أن الاختبارات القديمة المدونة عن الآباء تبرهن أنه كان متكلهم ولأنهم اتكلوا نجاهم وأنقذهم فكيف لا ينجي وينقذ الآن؟
(٥) كذلك في هذا العدد مراجعة للفكرة الواردة في العدد الرابع. إن أعمال الله وخلاصه كانت تذكر أمام الشعب بالترنيم فهي أشبه بأجنحة الكروبيم عليها يرتفع الله ممجداً وعليها ينزل بالتذكار ليسكن بين شعبه. إذ أي شيء أقوى من مثل هذه التذكارات فتتمكن هذه الأفكار المقدسة في جمهور العابدين فالقديم الأيام هو مخلص آبائهم ومخلصهم بالتالي أيضاً.
«٦ أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ ٱلْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ ٱلشَّعْبِ. ٧ كُلُّ ٱلَّذِينَ يَرَوْنَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ ٱلشِّفَاهَ وَيُنْغِضُونَ ٱلرَّأْسَ قَائِلِينَ: ٨ ٱتَّكَلَ عَلَى ٱلرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ. لِيُنْقِذْهُ لأَنَّهُ سُرَّ بِهِ. ٩ لأَنَّكَ أَنْتَ جَذَبْتَنِي مِنَ ٱلْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي مُطْمَئِنّاً عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي. ١٠ عَلَيْكَ أُلْقِيتُ مِنَ ٱلرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي أَنْتَ إِلٰهِي. ١١ لاَ تَتَبَاعَدْ عَنِّي لأَنَّ ٱلضِّيقَ قَرِيبٌ. لأَنَّهُ لاَ مُعِينَ».
(٦) يصور حقارته العظيمة وحالته السيئة بتشبيه ذاته بالدودة التي هي أدنى المخلوقات. وهذه الفكرة منقولة في (إشعياء ٤١: ١٤) وكذلك نجد عبد الرب وكيف هو محتقر الشعب الخ (إشعياء ٤٩: ٧ و٥٣: ٣) ووجه الشبه هو أنه لا منقذ له ولا معين.
(٧) هم قوم هازئون لا شيء من الكرامة يوقفهم عند حد. لقد فغروا الشفاه أي الفم (قابل أيوب ١٦: ١٠) وهذه الإشارة للتحقير كما انغاض الرأس هو لإظهار التعجب لدى الأمر الذي لا يوافقون عليه (انظر إرميا ١١: ٢٠ و٢٠: ١٢).
(٨) هنا يقتبس ما قاله الهازئون ليعبر عما احتمله منهم. وقريب من هذا ما قاله الهازئون عند الصليب «إن كان ابن الله فلينزل عن الصليب» وهنا منتهى القحة وعدم التدين لأنهم أولاً يريدون أن يقللوا إيمانه وثقته بإلهه وفي الوقت ذاته يهزأون حتى بالعلي القادر على كل شيء (انظر متّى ٢٧: ٤٣).
(٩) ولكن المرنم لا يعبأ بكلامهم ولا يصغي لهزئهم ويستمر على إيمانه واتكاله ويلتمس من الله أن يجيبه على هذا الإيمان لأنه هو الذي أوجده وأخرجه من بطن أمه وهو الذي جعله يرضع لبنها لكي يتغذى ويحيا. هذه علاقة متينة قديمة لا يغيرها الزمان ولا يبدلها قول الهازئين. هنا يؤكد بصورة جازمة ما قالوه يهزأون بأتكاله ويطلبون له معجزة النجاة من البطن ورحم منذ بدء وجوده. وأي اطمئنان هو أعظم من اطمئنان طفل على صدر أمه فيشعر أن الدنيا كلها له وهكذا يعيش وينمو.
(١٠) ولكن اتكاله على أمه هو بالنسبة لاتكاله على الله. فالأم إذاً هي يد الله الحنونة تعمل لأجل نموه وحياته. وكأنه ورث هذا الإيمان وراثة فمذ فتح عينيه للنور فتح قلبه أيضاً لمحبة الله والإيمان به.
(١١) لذلك فهو يلتمس القرب من الله. ويظهر أن المرنم قد ولد في بيت فقير وهذا صحيح عن داود وكذلك صحيح بالنسبة للسيد المسيح الذي ولد في المذود الحقير. أما وإن لا عون من الأرض فالعون يأتي من السماء. ولأن الضيق موجود فليكن الفرج من السماء أيضاً.
«١٢ أَحَاطَتْ بِي ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ. أَقْوِيَاءُ بَاشَانَ ٱكْتَنَفَتْنِي. ١٣ فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ مُزَمْجِرٍ. ١٤ كَٱلْمَاءِ ٱنْسَكَبْتُ. ٱنْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَٱلشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي. ١٥ يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي، وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي، وَإِلَى تُرَابِ ٱلْمَوْتِ تَضَعُنِي. ١٦ لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ ٱلأَشْرَارِ ٱكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. ١٧ أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ. ١٨ يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ».
هنا بعد أن ملك المرنم روعه وتناسى قليلاً ما به من هموم وأحزان وآلام أخذ الآن يصف حالته الواقعية وحالة أعدائه. فيصف شعوره الداخلي كما يصف موقفها الخارجي ويحاول أن يصور كل شيء بدقة متناهية. «ثيران» وتترجم أيضاً أقوياء. وباشان هي اليوم حوران حيثما كثر شجر السنديان قديماً وكانت مراعيها من أحسن المراعي وهي لا تزال من أفضل الأمكنة للمحاصيل الزراعية ولا سيما القمح.
(١٣) لقد فغروا أفواههم للافتراس كالأسود. ومنذ السقوط كان للحية اليد الطولى في إغراء حواء على العصيان ولذلك فإن الحيوانات لها تأثيرها منذ ذلك الحين على حالة بني آدم (انظر مراثي إرميا ٢: ١٦ و٣: ٤٦) ومن جهة تشبيه الأسد (راجع عاموس ٧: ٤).
(١٤) وهنا يصل إلى أعظم مظاهر الخوف والرعب. فالماء متى انسكب ذهب هدراً وضياعاً إذ لا يقف بنفسه بدون الوعاء الذي يحويه. ويتابع الصورة وإذا بعظامه كلها تتفكك وتتباعد ولا يبقى له شيء من القوة بل يزيد قائلاً إن قلبه قد ذاب ولم يعد فيه شيء من القوة والشجاعة لمواجهة أية المخاطر. لذلك أصبح كل ما فيه مائعاً رخواً لا حول فيه ولا نجاة له.
(١٥) لم يعد فيه قوة فقد اضمحلت وليس من الضروري وضع كلمة شقفة في الترجمة والأفضل «لقد يبست قوتي». أو أن نقول كشقفة خزف فيستقيم المعنى أكثر. وإذا باللسان يلتصق بالحنك من شدة الانفعال والعطش بل يتذلل حتى يكاد يلتصق بالتراب.
(١٦) يراجع ما ورد من قبل في العدد ١١ وينعت الأعداء بالكلاب لأنهم يهرون ويعضون وقد أحاطوا به من كل جانب حتى لا يتركون له منفذاً للهرب. وهكذا لا يسمحون ليديه بالدفاع ولا لرجليه بالهرب فقد قضي عليه أن يبقى محاصراً حيثما هو.
(١٧) وفي هذا العدد مراجعة أيضاً عن عظامه إنها تكاد تعد بسبب النحول والضنى. ولا يكتفي هؤلاء الأعداء بحالته الزرية المؤسفة ولا يتركونه جانباً بل يستمرون على الهزء به والسخرية فيتفرسون به لزيادة البلبلة والتحقير.
(١٨) ولأنهم قد تأكدوا من الظفر أصبح موتي محتوماً لذلك يحصون ثيابي غنيمة ويقترعون على بعضها لعدم الخلاف بينهم (راجع يوحنا ١٩: ٢٣ الخ وكذلك زكريا ٩: ٩ ومتّى ٢١: ٥) وقد تمت النبوءة بالمسيح بصورة عجيبة كما نعلم.
«١٩ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَلاَ تَبْعُدْ. يَا قُوَّتِي أَسْرِعْ إِلَى نُصْرَتِي. ٢٠ أَنْقِذْ مِنَ ٱلسَّيْفِ نَفْسِي. مِنْ يَدِ ٱلْكَلْبِ وَحِيدَتِي. ٢١ خَلِّصْنِي مِنْ فَمِ ٱلأَسَدِ، وَمِنْ قُرُونِ بَقَرِ ٱلْوَحْشِ. ٱسْتَجِبْ لِي. ٢٢ أُخْبِرْ بِٱسْمِكَ إِخْوَتِي. فِي وَسَطِ ٱلْجَمَاعَةِ أُسَبِّحُكَ. ٢٣ يَا خَائِفِي ٱلرَّبِّ سَبِّحُوهُ. مَجِّدُوهُ يَا مَعْشَرَ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ. وَٱخْشَوْهُ يَا زَرْعَ إِسْرَائِيلَ جَمِيعاً. ٢٤ لأَنَّهُ لَمْ يَحْتَقِرْ وَلَمْ يَرْذُلْ مَسْكَنَةَ ٱلْمِسْكِينِ، وَلَمْ يَحْجِبْ وَجْهَهُ عَنْهُ، بَلْ عِنْدَ صُرَاخِهِ إِلَيْهِ ٱسْتَمَعَ. ٢٥ مِنْ قِبَلِكَ تَسْبِيحِي فِي ٱلْجَمَاعَةِ ٱلْعَظِيمَةِ. أُوفِي بِنُذُورِي قُدَّامَ خَائِفِيهِ».
(١٩) هنا يستنجد بالنسبة للحالة السيئة التي هو فيها. يلتمس من الرب أن لا يبعد عنه بل أن يسرع للنجدة والعون.
(٢٠) يلتمس إنقاذاً لنفسه من القتل كذلك يكرر الطلب فيلتمس النجاة من هؤلاء المطاردين الأشداء بقوتهم والمستمرين بطرادهم ومداورتهم كالكلاب التي لا تفتأ تصيح وتعوي حتى تطرده من ذلك المكان. و «الوحيدة» هي على الأرجح النفس التي لا يملك الإنسان سواها فيكون تكرار المعنى من قبيل التوكيد فقط.
(٢١) وكذلك في هذا العدد يطلب الخلاص من أفظع المخاطر فم الأسد المفترس بأنيابه الحادة وبطشه كما وإن قرون البقر الوحشي التي تنطح ولا ترحم أحداً. والنفس هي أثمن ما يملكه فمن خسرها فقد خسر كل شيء. وفي هذا الطلب إيمان قوي بأن الله يخلّص وينجي خائفيه من كل المخاطر والشرور.
(٢٢) هنا ينتقل المرنم إلى موضوع آخر فإنه بعد أن يشكو سوء حاله ويصف كيد أعدائه إذا به يلتفت للتسبيح. يريد أن يخبر إخوته عن هذا الخلاص. فهو ينشر بينهم هذا الفداء الذي اختبره بنفسه ويلمسه.
(٢٣) وهنا أيضاً يلتمس التسبيح لاسم الرب ويطلب أن يمجده كل ذرية يعقوب ولا يكتفي كما في العدد السابق أن يوجه كلامه «لإخوته» اي لأخصائه بل للجميع. وكذلك يوجه الفكر لخوف الرب لأن به رأس الحكمة.
(٢٤) في هذا العدد جوهر الدين كله وهنا إنجيل الخلاص (انظر إشعياء ٦١) لقد حسب عبد الرب أن الله يحتقره ويرذله ولكنه الآن يتحقق محبته تعالى وإحسانه العظيم نحوه. فهو لا يحجب وجهه ولا يتصام عن صراخه لأنه مستعد دائماً ليريه طريق الفرج والسلام. فهو السامع لصراخه وحده (إرميا ٣٦: ١٣).
(٢٥) يسبح لله بين جمهور العابدين ولا يخجل بذلك قط بل يتمم كل فروضه ويوفي نذوره بالطبع بصورة عملية وليس فقط بصورة روحية فهو يقدم للرب القرابين والذبائح المطلوبة منه. عليه أن يرش الدم ويضع قطع الشحم على المذبح وبعد ذلك يحق له أن يعيّد بما بقي من لحم الذبيحة. ويدعو الفقراء ليقاسموه (راجع لاويين ٧: ١٥ الخ).
«٢٦ يَأْكُلُ ٱلْوُدَعَاءُ وَيَشْبَعُونَ. يُسَبِّحُ ٱلرَّبَّ طَالِبُوهُ. تَحْيَا قُلُوبُكُمْ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٢٧ تَذْكُرُ وَتَرْجِعُ إِلَى ٱلرَّبِّ كُلُّ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ. وَتَسْجُدُ قُدَّامَكَ كُلُّ قَبَائِلِ ٱلأُمَمِ. ٢٨ لأَنَّ لِلرَّبِّ ٱلْمُلْكَ وَهُوَ ٱلْمُتَسَلِّطُ عَلَى ٱلأُمَمِ. ٢٩ أَكَلَ وَسَجَدَ كُلُّ سَمِينِي ٱلأَرْضِ. قُدَّامَهُ يَجْثُو كُلُّ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى ٱلتُّرَابِ وَمَنْ لَمْ يُحْيِ نَفْسَهُ. ٣٠ ٱلذُّرِّيَّةُ تَتَعَبَّدُ لَهُ. يُخَبَّرُ عَنِ ٱلرَّبِّ ٱلْجِيلُ ٱلآتِي. ٣١ يَأْتُونَ وَيُخْبِرُونَ بِبِرِّهِ شَعْباً سَيُولَدُ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ».
(٢٦) الودعاء هنا أي بسطاء القلب وكذلك البسطاء في حياة الدنيا. يأكلون بروح الشكر على ما أسداه الله نحوهم. وهنا إشارة إلى مراسيم ذبائح السلامة. إن داود الذي يقدم مثل هذه الذبيحة شكراً لله عن نفسه ويدعو الآخرين أن يشاركوه بهذا الفرح. وقد يؤخذ هذا الفكر إلى أن المسيح الذي أعطانا ذبيحة نفسه علينا أن نشترك معه بأخذ الوليمة في العشاء الرباني ونذكره كل حين.
(٢٧) هنا أمل الأمم الوحيد أن تُرجع الجميع إليك يا الله فيتعلمون أن يسجدوا أمامك ويعترفوا باسمك ويعيشوا بحسب شرائعك ووصاياك (انظر إرميا ١٦: ١٩ و١٠: ٧) وفي هذا بيان لعلاقة الله مع جميع الشعوب فهو إلههم كما هو إله إسرائيل.
(٢٨) هو وحده المالك على العالم أجمع وله وحده السلطة والحكم في كل شيء. وإلى أقاصي المسكونة كلها.
(٢٩) يعود فيرجع لأكل الوليمة التي هي عربون الشكر القلبي على خلاص الرب فالطعام روحي بالشكر كما أنه جسدي لأنه يغذي الجسد ويشبعه. والذين ينتظرون أن يخلصوا بالله هم الذي يأكلون من هذا الطعام الروحي. فليس الودعاء يأكلون وحدهم بل أيضاً العظماء ومن لهم الحول والغنى أيضاً. ذلك لأن السجود هو لله وحده. بل هذه الوليمة تتناول المهمومين الذين يعانون أثقال الحياة فهم أقرب للموت منهم للحياة.
(٣٠) هنا ذكر لثلاثة أجيال أولاً داود ثم ذريته ثم الجيل الذي يأتي بعدهم. هم يسخرون مما فعله الله ولا ينفكون يخبرون حتى الذين لم يولدوا سيصلهم الخبر أيضاً في حينه.
(٣١) وهكذا يستمرون على هذا الخبر عما فعله الله إلى كل جيل.
إن طريق الخلاص للبشرية وليس لداود بن يسى فقط. فكما أن هذا قد احتمل الاضطهاد والآلام من وجه شاول عدوه وأصبح مستحقاً أن يكون الملك المطاع على شعب الله كذلك فإن يسوع ابن داود وابن الله الأزلي بواسطة ما سيحتمله من آلام الصليب سيغلب ويجلس عن يمين العرش في الأعالي.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ وَٱلْعِشْرُونَ


مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. ٢ فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ ٱلرَّاحَةِ يُورِدُنِي. ٣ يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ ٱلْبِرِّ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِهِ. ٤ أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ ٱلْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي».
لقد تقدم في المزمور السابق ذكر وليمة الرحمة والخلاص للجنس البشري ولا شيء أنسب أن يلحقه هذا المزمور الذي يجعل الرب أنه الراعي المحب لشعبه. وهو مزمور التقوى العميقة التي تفوح أزهار أفكارها بأطيب العبير والرائحة الزكية. وهو يتمنى بعد كثرة الهجر والجولان أن يسكن مستقراً في بيت الرب ليكون له السلام المنشود.
(١ و٢) الراعي مذكور في (إشعياء ٤٠: ١١ وحزقيال ٣٤: ٣٧) وإذا كان الناظم داود والأرجح كذلك فهو يتذكر به أيامه القديمة حينما كان راعياً للغنم في بيت أبيه لأن دقة الوصف والحاسات التي يصورها يجب أن يكون مصدرها عن اختبار حقيقي في عمل الراعي وخلقه. ولأن الرب يرعى فلا نحتاج. فهو يقودنا إلى أماكن الكلاء الطيب ويضمنا حيث الراحة والهناء ويعطينا الغذاء اللازم والماء.
(٣) ولأنه راع صالح فهو لا يسمح للغنم أن تشرد إذ هي لا تستطيع أن تقود نفسها فيلزمها من يمشي أمامها ويدلها على السبيل الأمين الذي يجب أن تسلكه لكي تصل بأمان. هو يهدي أي يعطينا الناحية التي يجب أن ننتحيها. المهم في هذه السبل أن توصل أخيراً للهدف وليس الأهمية أن تكون معوجة أو مستقيمة طالما الغاية التي سنصلها واضحة. إن سبل الله كلها بر وسلام وهو يفعل ذلك ليتمجد فهو الرب الكريم المجيد وبعمله هذا يبرهن لي عن نفسه وحينئذ أخضع لقيادته وأسلّمه ذاتي.
(٤) هوذا الغنم تسير وراء الراعي آمنة مطمئنة لأنها تعرف القائد جيداً وتثق به. ليس من الضروري أن تكون «ظل الموت» بل يمكن ترجمتها كلمة واحدة «الظلمات» فإن كلمة ظلم وأظلم مشتقتان في الأصل من ظل الثنائية. ووادي الظلمات هذه هي حينما يكون الراعي سائراً في برية منفردة موحشة فقد تخاف الغنم وترتعب ولكن عزاءها هو بصوت الراعي وعصاه وعكازه.
« ٥ تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ. مَسَحْتَ بِٱلدُّهْنِ رَأْسِي. كَأْسِي رَيَّا. ٦ إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ ٱلرَّبِّ إِلَى مَدَى ٱلأَيَّامِ».
(٥) في هذا العدد يتحول المرنم إلى صورة جديدة وفكر جديد. وإذا الرب هنا يصبح المضيف ونحن ضيوفه. ومتى دخل البيت فلا يستطيع المضايقون أن يفعلوا شيئاً لأنهم أصحبوا تحت حماية المضيف الذي يعدها أكبر إهانة له أن امتهنهم أحد داخل بيته. بل هذا المضيف يسمح بأن يكون مائدة سخية كريمة ثم يملأ الكأس تماماً فيأكل هذا الضيف مريئاً ويشرب هنيئاً. بل أن المضيف يكرمه كما على مائدة فخمة ملكية فيمسح ضيفه بالزيت المطيب.
(٦) وحيئنذ فإن الأعداء والمضايقين لا يتبعون فيما بعد بل بالعكس فإن الخير والرحمة كلاهما يكونان من نصيبه ولبس لوقت قصير ثم تتغير الحال بل دائماً (انظر هوشع ١٢: ٧ ومراثي ٥: ٢٠).
إن السكن مع الله هو ختام لطيف لهذا المزمور العظيم. فكما أن الغنم تأتي لمبيتها وتستريح وكما أن الضيف يأتي نزلاً يأويه ويطعمه كذلك فإن بيت الرب هو المأوى إلى كل الأيام.


اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ وَٱلْعِشْرُونَ


لِدَاوُدَ. مَزْمُورٌ


«١ لِلرَّبِّ ٱلأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. ٱلْمَسْكُونَةُ وَكُلُّ ٱلسَّاكِنِينَ فِيهَا. ٢ لأَنَّهُ عَلَى ٱلْبِحَارِ أَسَّسَهَا، وَعَلَى ٱلأَنْهَارِ ثَبَّتَهَا. ٣ مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ ٱلرَّبِّ، وَمَنْ يَقُومُ فِي مَوْضِعِ قُدْسِهِ؟ ٤ اَلطَّاهِرُ ٱلْيَدَيْنِ، وَٱلنَّقِيُّ ٱلْقَلْبِ، ٱلَّذِي لَمْ يَحْمِلْ نَفْسَهُ إِلَى ٱلْبَاطِلِ، وَلاَ حَلَفَ كَذِباً. ٥ يَحْمِلُ بَرَكَةً مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ وَبِرّاً مِنْ إِلٰهِ خَلاَصِهِ».
هذا المزمور يصور دخول الرب إلى مدينته بينما المزمور السابق قد صور لنا شوق المرنم للمكوث في بيت الرب. وقد يكون الداعي لنظم هذا المزمور حينما نقل داود تابوت العهد من قرية جعاريم إلى جبل صهيون حيثما وضعه داود في خيمة خاصة (راجع ٢صموئيل ٥: ١٧ و١١: ١١ و١ملوك ١: ٣٩). وذهب بعضهم أن هذا المزمور مركب من قسمين متباينين من العدد (١ - ٦ وثم ٧ - ١٠) وهذان جمعا معاً كما نراه الآن. دخول الرب إلى هيكله كما في (ملاخي ٣: ١) ثم فتح الأبواب كما في (إشعياء ٤٠: ٣).
(١) يبدأ بتعظيم الله أنه ملك الأرض وكل ساكنيها ما فيها وما عليها.
(٢) هنا فكرة قديمة أن الله أخرج اليابسة من المياه (انظر تكوين ٧: ١١). وهي قدرة الله وحدها التي تستطيع أن ترفع اليابسة وتبقيها مرتفعة هكذا.
(٣) إذا كان العددان الأول والثاني مقدمة فيكون هذا العدد أهم موضوع يبحثه المرنم. والصعود والإقامة هنا من باب الكناية إذ ليس من الضروري أن تكون حرفية وقد تكون أيضاً. سؤال جوهري عن معنى العبادة الحقة لأن القصد من مثل هذا الصعود والإقامة هو أن يقول كيف نقترب لله وكم هذا السؤال شبيه بسؤال (ميخا ٦: ٦ الخ). هو سؤال قديم حديث وعلينا أن نجيب عليه بكل إخلاص وأمانة ولا يهدأ لنا بال حتى يكون الجواب وافياً.
(٤) هنا يبدأ بالجواب فيقول أولاً على اليد أن تعمل الخير وعلى القلب أن يتنقى. وهو نفسه الذي يغتر بالباطل ولا سبيل للكذب في حياته لا سيما حينما يتعهد بشيء أو يقسم فهو دائماً صادق. وقوله يحمل نفسه أي يغرر بنفسه أو هي تغرر به وتخدعه (راجع عاموس ٦: ٨ إرميا ٥١: ١٤).
(٥) ويتابع الجواب أيضاً ويقول عنه أنه مبارك ببركة الرب. فالخير الذي له هو من الله وعليه أن يستعمله في سبيله. وكذلك فالبر الذي فيه ليس براً ذاتياً يتفاخر به بل هو بر الله في قلبه. هو لا يكتفي بصورة نفسه بل يريد صورة الله في نفسه وهكذا يستطيع الإنسان المؤمن أن يعود «لصورته تعالى ومثاله» على شرط أن يقبل الخلاص بالمسيح.
«٦ هٰذَا هُوَ ٱلْجِيلُ ٱلطَّالِبُهُ، ٱلْمُلْتَمِسُونَ وَجْهَكَ يَا يَعْقُوبُ. سِلاَهْ. ٧ اِرْفَعْنَ أَيَّتُهَا ٱلأَرْتَاجُ رُؤُوسَكُنَّ، وَٱرْتَفِعْنَ أَيَّتُهَا ٱلأَبْوَابُ ٱلدَّهْرِيَّاتُ، فَيَدْخُلَ مَلِكُ ٱلْمَجْدِ. ٨ مَنْ هُوَ هٰذَا مَلِكُ ٱلْمَجْدِ؟ ٱلرَّبُّ ٱلْقَدِيرُ ٱلْجَبَّارُ، ٱلرَّبُّ ٱلْجَبَّارُ فِي ٱلْقِتَالِ! ٩ ٱرْفَعْنَ أَيَّتُهَا ٱلأَرْتَاجُ رُؤُوسَكُنَّ، وَٱرْفَعْنَهَا أَيَّتُهَا ٱلأَبْوَابُ ٱلدَّهْرِيَّاتُ، فَيَدْخُلَ مَلِكُ ٱلْمَجْدِ. ١٠ مَنْ هُوَ هٰذَا مَلِكُ ٱلْمَجْدِ! رَبُّ ٱلْجُنُودِ هُوَ مَلِكُ ٱلْمَجْدِ. سِلاَهْ»
(٦) إذاً هؤلاء جماعة من الناس يطلبون من الله ويسعون في سبيله ويلتمسون وجهه ليكونوا في خير وسعادة. وهم الآن أولاد يعقوب ليس باللحم والدم فقط بل بالسيرة والحق (انظر إشعياء ٤٦: ٢ وكذلك رومية ٩: ٦ وغلاطية ٦: ١٦) والأرجح أن اللاويين هنا كانوا يصرخون مترنمين بعد هذا العدد وتكون ختاماً لطيفاً للموضوع لأن في الأعداد التالية ينتقل المرنم على ما يظهر إلى موضوع آخر.
(٧) في هذا العدد يبدأ المرنم بصورة جمهور العابدين قادمين للهيكل وقد وقفوا على الأبواب ويتمنون أن تكون ثابتة للأبد. وهنا يمكن أن نلاحظ أن المزمور لم يكتب في عصر داود بل بعده ربما لأن الهيكل بني بعد زمانه. أو قد يكون إشارة لأمور تاريخية قديمة منذ أيام اليبوسيين الذين منهم اشترى داود أرض الهيكل أو منذ ملكي صادق. ذلك لأن ملك المجد يريد الدخول إلى هيكله. أو هذه أبواب قلعة صهيون عليها أن ترتفع وتسمو لتكون أهلاً لدخول ملك المجد (انظر أيوب ١٠: ١٥ وزكريا ٢: ٤).
(٨) هنا سؤال من الأبواب ذاتها لماذا عليها أن ترتفع؟ ومن هو هذا ملك المجد؟ فيجيب أنه الملك الجبار. هو الرب إله إسرائيل الإله القدير المنتصر في القتال. وهنا صورة دخول الملوك والقواد الظافرين بعد أن يحرزوا المعارك والانتصارات فتستقبلهم بلادهم بمجالي العظمة والتقدير والتكريم؟ وهل التكريم هنا لملك أرضي؟ لقد ربح الإسرائيليون هذه الأرض بحد السيف وكان الرب منتصراً في الحروب كلها.
(٩) لا شك يوجد روعة عظيمة في تكرار السؤال وكذلك تكرار الجواب فهي من التوكيد بمكان عظيم. يريد السائل أن يرسخ الحقيقة في ذهن السامعين ولا يرغب بأي تردد في المعنى تجاه مديح الملك العظيم.
(١٠) رب الجنود «صباؤوت» هو الاسم العلم للرب أيضاً لأنه إله القتال. وتستعمل صباؤوت للنجوم لذلك فإن جنوده سماوية وليست أرضية وانتصاراته هي بقوة السماء على أجناد الأرض وشرورها (انظر يوئيل ٢: ١١ وإشعياء ٤٠: ٢٦). وهذه الأفكار مستقاة من تاريخ إسرائيل القديم (انظر تكوين ٣٢: ٢ الخ وتثنية ٣٣: ٢ وقضاة ٥: ٢٠). هو الرب الملك يريد الدخول لهيكله ليجلس على الكاروبيم في مقدسه بين تسابيح شعبه وتهاليلهم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ وَٱلْعِشْرُونَ


لِدَاوُدَ


«١ إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَرْفَعُ نَفْسِي. ٢ يَا إِلٰهِي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، فَلاَ تَدَعْنِي أَخْزَى. لاَ تَشْمَتْ بِي أَعْدَائِي. ٣ أَيْضاً كُلُّ مُنْتَظِرِيكَ لاَ يَخْزَوْا. لِيَخْزَ ٱلْغَادِرُونَ بِلاَ سَبَبٍ. ٤ طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي. ٥ دَرِّبْنِي فِي حَقِّكَ وَعَلِّمْنِي. لأَنَّكَ أَنْتَ إِلٰهُ خَلاَصِي. إِيَّاكَ ٱنْتَظَرْتُ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ».
هذا المزمور أيضاً يجيب بكل وضوح على سؤال المزمور السابق من يصعد إلى جبل الرب وفي الوقت ذاته هو صلاة هادئة عميقة يطلب فيه المرنم الغلبة على الأعداء بإرشاد الله وغفرانه ونعمته التي تقودنا. وهو مزمور من المزامير التسعة المرتبة حسب أحرف الهجاء في كتاب المزامير. كذلك من جهة موضوعه ومحتوياته فهو عام ويتناول فكرة الفداء ويتناسب بهذا المعنى مع المزامير التي كتبت بعد السبي.
(١) يرفع نفسه لأنه يشعر أنه في أسفل وعليه أن ينهض وكذلك يشعر أنه يحتاج أن يصلح ذاته ويترقى. ولا يمكنه أن يصل لغايته بدون الله. و هكذا في العدد (٢) يتمم الطلب ويقول أنه بالاتكال يستطيع ذلك. هو يسندنا فلا نفشل ولا نتراجع وهكذا فإن أعداءنا يغلبون على أمرهم. هو يؤمن إيماناً وطيداً ولذلك يثق ويتكل على إلهه ويتحد به اتحاداً كاملاً.
(٣) في هذا يصل للجواب بأن الذين ينتظرون الرب لا يخزون أبداً. هذا شعور المؤمنين الحقيقيين (انظر رومية ٥: ٥). إن الرجاء هو العين التي بواسطتها يستطيع رجل الإيمان أن يرى لأنه يتطلع بثبات وجلاء في المستقبل. فالمستقبل ليس مخيفاً ولا مجهولاً طالما الله فيه لذلك يصبح منيراً سعيداً ولا نخاف من أي المصاعب والضيقات تعترضنا. وهنا مقابلة بديعة بين أعدائه وبين الله فإن الأعداء الغادرين يتمنون له الهلاك والدمار ولكن الله ينتشله وينجيه ويرد إليه نفسه ويشجعه حتى لا يهاب أي شيء مهما كان. وهنا يطلب نجاته من الذين يغدرون لغير سبب. يلتذون بالأذية ولا سيما إذا كانت في الخفاء بل قد يدعون الصداقة ولكنهم لا يطبقونها ولا يمشون بموجبها في حياتهم اليومية.
(٤) ولأنه في خطر بالنسبة لما هو فيه يطلب من الله أن يهديه في الطريق المستقيم. إن الله قد أعطانا كلامه لنهتدي به ولكننا لا نقدر أن نفهم بدون إرشاده الإلهي. لذلك يطلب المرنم أن يتعلم فيعرف كيف يتصرف في مختلف سبل الحياة ومنعطفاتها في همومها وأحزانها كما في مسراتها وأفراحها. والنور لا يكفي إذا لم يكن لنا النعمة لكي نتبع النور ونبتعد عن الظلام.
(٥) يطلب أن يتدرب في معرفة الحق الذي هو إعلان نعمة الله في قلوب المؤمنين. إن خلاصه هو الرب بل هو إله خلاصه ولا نجاة له إلا به لذلك هو لا يعدم صبراً وانتظاراً وقد يكون حسب الظاهر أن النجاة بعيدة ولكن ليس الأمر كذلك في الحقيقة. ولا نعمة ولا رحمة تصل للإنسان بدون أن تخرج من لدن الله أولاً فهو المحب العطوف علينا فهو يتنازل بأن يرفعنا إليه وينهضنا لنكون معه كل حين.
«٦ ٱذْكُرْ مَرَاحِمَكَ يَا رَبُّ وَإِحْسَانَاتِكَ، لأَنَّهَا مُنْذُ ٱلأَزَلِ هِيَ. ٧ لاَ تَذْكُرْ خَطَايَا صِبَايَ وَلاَ مَعَاصِيَّ. كَرَحْمَتِكَ ٱذْكُرْنِي أَنْتَ مِنْ أَجْلِ جُودِكَ يَا رَبُّ. ٨ اَلرَّبُّ صَالِحٌ وَمُسْتَقِيمٌ، لِذٰلِكَ يُعَلِّمُ ٱلْخُطَاةَ ٱلطَّرِيقَ. ٩ يُدَرِّبُ ٱلْوُدَعَاءَ فِي ٱلْحَقِّ، وَيُعَلِّمُ ٱلْوُدَعَاءَ طُرُقَهُ. ١٠ كُلُّ سُبُلِ ٱلرَّبِّ رَحْمَةٌ وَحَقٌّ لِحَافِظِي عَهْدِهِ وَشَهَادَاتِهِ. ١١ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِكَ يَا رَبُّ ٱغْفِرْ إِثْمِي لأَنَّهُ عَظِيمٌ».
(٦) إن مراحمه عظيمة وقديمة منذ أن يولد الإنسان بل قبل أن يولد وهو في أحشاء أمه فإن عناية الله تظهر حينئذ وتعضد وتشدد. والإحسان هو أن يعطي شيء بدون مقابل سوى المحبة. ونحن لا نستطيع أن نعطي الله شيئاً لذلك فكل ما نناله من يده هو من قبيل الإحسان ليس إلا. ولأن رحمتك وإحسانك قديمان لذلك أرجو يا الله أن تبقيهما نحوي.
وهذا العدد هو مقدمة للتالي لأنه في العدد السابع (٧) يرجو الله لأنه غفور رحيم أن يصفح ويسامح. فإن كانت الخطيئة تقف ضدنا فإن محبة الله ورحمته تقفان معنا وتتشفعان بنا. ولا سيما خطايا أيام الصبا والجهل فإن الإنسان كلما تقدم في السن يجب أن يعود عن طريق الجهل والغواية إلى الرشاد. هي معاصي لأنها في جوهرها تعصى أوامر الله تعالى وتتعدى شرائعه الإلهية والغفران هو أن لا يذكر الله هذه الخطايا. من أجل جودك من أجل رحمتك وهذا باب الغفران الوحيد إذ بدونه لا نجاة لنا ورحمة الرب ومحبته العظيمة ظهرت بالأحرى بصليب المسيح.
(٨) يعلمهم طريق النجاة الطريق الصالحة (أيوب ٣١: ٧) وهنا موضوع التعليم الذي يلتمس من الله أن يعلمه إياه (انظر مزمور ٣٢: ٨ وأمثال ٤: ١١ وأيوب ٢٧: ١١). إن الله يتنازل من أجل الخطاة لكي يعلّمهم الطريق التي تقودهم للحياة وعلينا أن نثق ثقة تامة بما يفعله الله نحونا ونخلص له ولا نحيد عن طريقه قط لكي لا نهلك بل نحيا.
(٩) ذاك من جهة الله وأما من جهة الإنسان فعليه بالوداعة أي قبول الإرشاد والتدريب والامتثال للأمر والخضوع التام لمشيئته تعالى. والودعاء هم اللطفاء بالحق الذين لهم قابلية التعليم. فالرب يريد تلاميذ يصغون للنصح ويقبلونه ويضعونه في قلوبهم للحاضر والمستقبل أيضاً.
(١٠) وهنا تكرار للتوكيد عن سبل الرب. وهؤلاء الودعاء اللطفاء هم الذين يحفظون عهد الله ومواعيده. فكل ما يقوله لهم الله هو حق وعدل إذاً فليس من المستطاع أن ينال الرحمة سوى الذين يسلكون سلوكاً مرضياً ومقبولاً أمام الله. وعلى هذا النحو يختم بالدعاء الحار الذي يلي.
(١١) يطلب غفران الإثم لأنه يشعر بثقل الخطايا عليه. لأجل اسم الرب. وقد علمنا يسوع أن نأتي للآب بواسطته «مهما طلبتم من الآب باسمي...» (انظر إرميا ١٤: ٧ وإشعياء ٤٣: ٢٥) إذاً كم يجب أن يفرح ذلك الشخص الذي يترجى رحمة الله ويقترب إليه بطلب العفو والغفران. وكلما عظمت خطيئتنا عظمت أيضاً محبة الله وغفرانه لكي يمحوها عنا.
«١٢ مَنْ هُوَ ٱلإِنْسَانُ ٱلْخَائِفُ ٱلرَّبَّ؟ يُعَلِّمُهُ طَرِيقاً يَخْتَارُهُ. ١٣ نَفْسُهُ فِي ٱلْخَيْرِ تَبِيتُ، وَنَسْلُهُ يَرِثُ ٱلأَرْضَ. ١٤ سِرُّ ٱلرَّبِّ لِخَائِفِيهِ وَعَهْدُهُ لِتَعْلِيمِهِمْ. ١٥ عَيْنَايَ دَائِماً إِلَى ٱلرَّبِّ، لأَنَّهُ هُوَ يُخْرِجُ رِجْلَيَّ مِنَ ٱلشَّبَكَةِ».
(١٢) هنا سؤال وجواب. الخائف الرب هو الذي يتعلم طريق الرب ويسلك فيها. بل يفرح بالذهاب فيها. هو لا يتردد كثيراً في الاختيار ولا يقف محتاراً على مفترق الطرق وفي منعطفاتها ولا يضيع وقته وجهوده في مذل هذا الذهول غير المجدي. لذلك فهو يختار الطريق والرب نفسه يعلمه كيف يسلك فيها. والرب لا يكتفي أن يدله عليها بل يقوده ويهديه لئلا يضيعها مرة ثانية وتكون الضلالة الأخيرة شراً من الأولى. فخائف الرب المتكل عليه لا يطيل الوقت في ضعفه البشري لأنه يتقوى بالله فقط.
(١٣) إن البار يشبه هنا كأنه مسافر يقطع براري الحياة وإذا به يقاد بيد علوية إلى ملجأ الخير وهناك يبيت ليلته هانئاً مطمئناً. قد يصادفه الشر مصادفة ولكنهه يهرب منه ويتغلب عليه أخيراً وأما مكوثه الطويل ففي البر والصلاح. ولأنه كذلك فإن نسله موفقون سعداء وأولاده وأحفاده وذراريه لهم العز والكرامة لهم المقام العالي والصيت الحسن بين الناس. أمور كثيرة قد تزعجنا وتكدرنا ولكن لنا رحمة الله فيه وحدها يجب أن تكفينا وحينئذ يذهب كل انزعاجنا ويضمحل كالبخار.
(١٤) هنا صورة لطيفة للعلاقة الكائنة بين الله والبار فهي علاقة قلبية سرية وليست بالأولى علنية وفي الظاهر فقط. وإذاً فإن ماء الحياة عنده ينبع من خفايا الله غير المنظورة ويهمه السريرة. ويجد في عهد الله ووصاياه سبيلاً للتعليم. والتعليم هنا ليس لأمور عقلية فحسب بل ذلك التعليم الاختباري الذي يفهمه شعب الله كلما مرت بهم السنون يزدادون معرفة وورعاً وتقوى. إنه لعهد مجيد عميق ووافر الغنى لأنه يفيد الإنسان هذه الفائدة العظيمة.
(١٥) من عيناه دائماً نحو الرب فهو إذا يتعبد له ويتخشع أمامه. فهو دائماً في موقف الصلاة التي لا تذهب ضياعاً. وهذه المرة نجد غرض العبادة أن الله يخرج أرجلنا من شبكة الأعداء التي نصبوها لكي يوقعونا فيها. هو الذي يستطيع ويريد أن ينجينا من شبكة التجارب التي تعترض سبيلنا. وهذه الشبكة هي ليست من وضعه ولا من ترتيبه ولكنها موجودة لا شك. والذين هم في هذه الحالة يبتعد عنهم الأصحاب والخلان ويتركونهم ولا يبقى لهم ملجأ سوى إلههم. لذلك يجلسون وحدهم ويبكون ويتذكرون أموراً سالفة (مراثي ٣: ٢٨).
«١٦ اِلْتَفِتْ إِلَيَّ وَٱرْحَمْنِي لأَنِّي وَحْدٌ وَمِسْكِينٌ أَنَا. ١٧ اُفْرُجْ ضِيقَاتِ قَلْبِي. مِنْ شَدَائِدِي أَخْرِجْنِي. ١٨ ٱنْظُرْ إِلَى ذُلِّي وَتَعَبِي وَٱغْفِرْ جَمِيعَ خَطَايَايَ. ١٩ ٱنْظُرْ إِلَى أَعْدَائِي لأَنَّهُمْ قَدْ كَثُرُوا. وَبُغْضاً ظُلْماً أَبْغَضُونِي. ٢٠ ٱحْفَظْ نَفْسِي وَأَنْقِذْنِي. لاَ أُخْزَى لأَنِّي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. ٢١ يَحْفَظُنِي ٱلْكَمَالُ وَٱلٱسْتِقَامَةُ لأَنِّي ٱنْتَظَرْتُكَ. ٢٢ يَا اَللّٰهُ ٱفْدِ إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ ضِيقَاتِهِ».
(١٦) يلتمس من الرب أن لا يهمله ولا يتخلى عنه بل يلتفت إليه (راجع مزمور ٨٦: ١٦ ولاويين ٢٦: ٩) وذلك لأنه يشعر بالوحدة والانفراد والناس لا يهمهم أن يكون لهم أي علاقة به. لمن يشكو همومه؟ لمن يبث لوعته ويطلعه على حالته السيئة؟ لله وحده الذي يستطيع أن يسمع كل شكواه ويصغي لصلاته ودعائه.
(١٧) وبالعبرانية تفيد كلمة «أفرج» الرحب والسعة أي أن يكبر الله نفسه حتى يستطيع أن لا ينحصر في الضيقات بل يسمو عليها ويتركها جانباً (انظر ٢ملوك ٨: ٦ وقابل مع مزمور ١٠٩: ٦ و٢كورنثوس ٦: ١١) إن شعوره بالخطيئة هي التي جعلته في ضيق قلبي. وهو يلتمس أن يخرج من الشدائد فهي ثقيلة الوطأة عليه حتى لا يستطيع معها الحركة.
(١٨) أما ذلّه فهو بسبب حالته السيئة وأما تعبه فبسبب كثرة جهاده لكي يتغلب على الصعوبات التي يجتازها. ولذلك فهو يلتمس غفران الخطايا.
(١٩) لا سيما يلتمس من الله أن ينقذه من أولئك الأعداء المبغضين الظالمين الذين يبدأون بالظلم وينتهون به. فهم يظلمون بأفكارهم وبأفعالهم أيضاً. وهو لا يريد أن ينتقم منهم بل يترك ذلك للرب.
(٢٠) لذلك يلتمس من الرب أن يحفظ نفسه وينجيه من كل شر. ويلتمس من الله أن لا يفشل (انظر ١أخبار ٢١: ١٣). ولأنه يتكل على إلهه لذلك فلا يتزعزع ولا يمكن لهؤلاء الأعداء أن يطالوه بسوء.
(٢١) إن أساس الحفظ هو ما فيه من كمال واستقامة. والإنسان الكامل هو المخلص لله بالسر والعلن ويتمم مشيئة الرب في حياته اليومية. أما الاستقامة فهي السلوك بدون عوج والتواء. هو قريب أن يصلح نفسه ويعود عن غيه. هو ملتمس وجه الرب دائماً يستنير بالنور الداخلي لكي يستمر على سيره في هذه الحياة ويصل أخيراً للأحضان الأبدية. وكإنما الكمال والاستقامة ملاكان صادران من عند الله ويخدمانه بتخليص شعبه.
(٢٢) وهنا يختم المرنم بدعاء ليس لذاته الضيقة بل ينساها تماماً ويسمو عليها ويمتد ببصره إلى إسرائيل كشعب الله. وهكذا يعبر عن ضيقات الشعب كله وفي الوقت ذاته يلفت نظرهم أنه لا خلاص لأحد منهم إلا برحمة الله ولطفه. وما أجمل كلمة الفداء هنا فإنه يعطي شركة الله في ضيقة شعبه فهو معهم دائماً إذا كانوا معه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ وَٱلْعِشْرُونَ


لِدَاوُدَ


«١ اِقْضِ لِي يَا رَبُّ لأَنِّي بِكَمَالِي سَلَكْتُ، وَعَلَى ٱلرَّبِّ تَوَكَّلْتُ بِلاَ تَقَلْقُلٍ. ٢ جَرِّبْنِي يَا رَبُّ وَٱمْتَحِنِّي. صَفِّ كُلْيَتَيَّ وَقَلْبِي. ٣ لأَنَّ رَحْمَتَكَ أَمَامَ عَيْنِي. وَقَدْ سَلَكْتُ بِحَقِّكَ. ٤ لَمْ أَجْلِسْ مَعَ أُنَاسِ ٱلسُّوءِ، وَمَعَ ٱلْمَاكِرِينَ لاَ أَدْخُلُ. ٥ أَبْغَضْتُ جَمَاعَةَ ٱلأَثَمَةِ، وَمَعَ ٱلأَشْرَارِ لاَ أَجْلِسُ. ٦ أَغْسِلُ يَدَيَّ فِي ٱلنَّقَاوَةِ، فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ»
هذا المزمور يتشابه والمزمور سابقه في الأفكار والتعبير. فهو صرخة لله أن ينجيه وينقذه من متاعب هو فيها طالباً الرحمة والرضا من لدنه ولكنه لا يسمو مثل ذاك إذ فيه الكثير من روح الاعتداد بالذات ومحاولة أن يبرهن بره الذاتي بالمقابلة مع غيره من الناس وإنه أفضل منهم. وقد يناسب وصفه الأعداء أنهم أتباع أبشالوم الذي لحقوه بالرشوة (راجع ٢صموئيل ١٥: ٦). ولكن هذا المزمور يحوي حنين المرنم إلى بيت الله والسجود فيه.
(١) لأنه مضطهد وفي حالة العداوة لذلك يلتمس من الله أن يقضي له وينصفه من الأعداء. هو متكل بالتمام على إلهه ويحاول أن يستشهد بسلوكه الشريف وكماله لذلك لا يستحق مثل هذه المعاملة ومع ذلك فهو ثابت الإيمان راسخ اليقين ولا شيء يقلقله.
(٢) في هذا العدد لا يطلب المرنم من الرب أن يبرهن بره في حالته هذه مثلما يتوسل أن يخفف عنه أحمال ضيقه. التجربة أولاً ثم بعد ذلك الامتحان وقوله «صفِّ» في الأصل العبراني تحمل معنى تنقية المعادن بواسطة النار. أي يطلب من الله أن يجيزه أشد الامتحانات لكي يُعرف من أي معدن هو. فإذا لم يحوِ شيئاً يذهب محترقاً كلا شيء. والكليتان حسب العرف القديم مركز العواطف والقلب مركز الإدراك.
(٣) هو مطمئن البال بعد كل امتحان لأنه رحمة الله ترافقه بل ماثلة أمام عينيه لا تفارقه لحظة ثم يكرر تأكيده أنه سالك بحق الله والذي يسلك بالحق لا يخيب قط ذلك لأن الباطل إلى حين وأما الحق فإلى كل حين. فإن اتبعنا الحق على قدر مكنتنا مصحوباً برحمة الله التي لا تتخلى عنا نصبح قادرين على العيش ثم نثق بأننا نتغلب على كل الأعداء.
(٤ و٥) يشرح هنا مجرى سلوكه فلم يجالس أهل السوء. ولم يتداخل مع الماكرين الذي يلوون الحق باطلاً والباطل حقاً على حسب أهوائهم ونزعاتهم. بل يزيد بعد ذلك أنه تركهم جانباً وأبغض سبلهم ولم يجالسهم قط. وهنا زيادة إيضاح لما بدأ به أولاً فهو مملوء من خلوصه لله ونوره في داخله لذلك لا خلطة لنور الله مع ظلمة الأشرار وفسادهم (انظر أيوب ٢٢: ١٥).
(٦) وهنا بعد أن يتبرأ من المذنبين حواليه يطلب أولاً أن يتنقى ويغتسل من شروره كلها حينئذ يصبح أهلاً لأن يطوف بمذبح الرب (انظر تثنية ٢١: ٦ ومتّى ٢٧: ٢٤). وهنا صورة عن الكاهن الذي كان يجب عليه أن يغسل يديه قبلما يقدم الذبيحة (راجع خروج ٣٢: ٢٠ الخ) ومن هذا العدد نجد شيئاً من شرح عمل الكاهن وما يقوم به من رسوم وطقوس (انظر خروج ١٩: ١٦).
«٧ لأُسَمِّعَ بِصَوْتِ ٱلْحَمْدِ وَأُحَدِّثَ بِجَمِيعِ عَجَائِبِكَ. ٨ يَا رَبُّ، أَحْبَبْتُ مَحَلَّ بَيْتِكَ وَمَوْضِعَ مَسْكَنِ مَجْدِكَ. ٩ لاَ تَجْمَعْ مَعَ ٱلْخُطَاةِ نَفْسِي، وَلاَ مَعَ رِجَالِ ٱلدِّمَاءِ حَيَاتِي. ١٠ ٱلَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ رَذِيلَةٌ، وَيَمِينُهُمْ مَلآنَةٌ رَشْوَةً. ١١ أَمَّا أَنَا فَبِكَمَالِي أَسْلُكُ. ٱفْدِنِي وَٱرْحَمْنِي. ١٢ رِجْلِي وَاقِفَةٌ عَلَى سَهْلٍ. فِي ٱلْجَمَاعَاتِ أُبَارِكُ ٱلرَّبَّ».
(٧) هنا يصف وجوده في الهيكل حيثما يسمع ويشترك أيضاً بالحمد والتسبيح للرب. وهناك يخبر الآخرين عما فعله الرب معه من العجائب والعظائم. هو يشتاق للرجوع بعد طول الغياب إلى مراسيم العبادة المعتادة فقد حرمها مدة والآن يرجوها.
(٨) وهنا يظهر كفايته بخدمة العبادة المقدسة. يحق له الطواف حول المذبح الخارجي حيثما كان يسمح لجمهور العابدين أن يكونوا وأما القدس فقد كان للكهنة فقط. هناك يظهر مجده وجلاله ويعاينه كل إنسان.
(٩) يطلب من الله أن يهرب من الذين تأباهم روحه فلا يخالطهم ولا يكون معهم قط. ورجال الدماء هم الذين يقدمون على القتل إذا كانت مصلحتهم تقتضي ذلك ولا قيمة للحياة البشرية في عيونهم.
(١٠) «الرذيلة» تأتي من كلمة تعني القصد الشرير. فهي التي تسبب الصيت الرديء وعدم الطهارة في الفكر والعمل. فهم زناة فاسقون لا يتورعون عن ارتكاب القبائح. وفي الوقت ذاته هم يرتشون يهمهم جمع المال لصرفه في غير طرقه فلا يهمهم إذا جمعوه بغير طرقه أيضاً. ويمينهم التي يجب أن تسبب اليمن والخير والبركة إذا بها تسبب الضرر والحيدان عن الحق لأن الرشوة لا تقدم إلا في سبيل ذلك ولغرض سافل كهذا (راجع تثنية ٢٧: ٢٥).
(١١) يكرر المعنى السابق من جهة الكمال الذي ينشده ويطبقه في حياته. فهو ليس كالذين يذكرهم لذلك فهو سعيد بضميره النقي من كل الشوائب والخطايا والعيوب.
(١٢) وهنا يختم هذا المزمور ويتأكد أن الله يسمع دعاءه ويستجيب صلاته ولا يتركه قط. لقد حسب نفسه من قبل واقفاً في وديان عميقة والضيقات تكتنفه من كل جانب ولا يرى مناصاً أما الآن فهو في السهل الفسيح الممتد أمامه. يعود ليجتمع مع الناس الذين هربوا منه قليلاً أو هو تجنب ازدراءهم. يعود الآن سعيداً مسروراً وأكاليل النصر فوق رأسه. يجد سعادته لأنه قد تخلص من أولئك الأشرار الذين اضطهدوه ولا شيء يؤلم الإنسان مثل صحبة ملزمة لا سبيل للتخلص منها. الآن يشعر المرنم أن الأرض التي يقف عليها ثابتة غير متقلقلة فيلتذ حينئذ أن يرنم للرب مع جمهور العابدين الذين اعتاد أن يشاركهم العبادة ويفرح بمعاشرتهم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ وَٱلْعِشْرُونَ


لِدَاوُدَ


«١ اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ ٱلرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ ٢ عِنْدَ مَا ٱقْتَرَبَ إِلَيَّ ٱلأَشْرَارُ لِيَأْكُلُوا لَحْمِي، مُضَايِقِيَّ وَأَعْدَائِي عَثَرُوا وَسَقَطُوا. ٣ إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذٰلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ. ٤ وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ ٱلرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ ٱلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ ٱلرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ».
قد يكون أن داود كتب الأعداد الستة الأولى من هذا المزمور فقط وأما البقية فالمرجح أن كتبها كاتب آخر لأن المزمور مقسوم إلى قسمين متباينين.
(١) إن الرب نور عندما تشتد ظلمات الحياة من تعاسة وضيق وحزن وما أشبه يكفيه أن يشرق عليه نور الرب فتتبدد كل ظلمة. وهذه أول مرة يشبه الله بالنور وهو تشبيه بارع لطيف للغاية ونجده (إشعياء ٤٠: ١). أما في العهد الجديد فموجود بكثرة (انظر متّى ٥: ١٣ ويوحنا ١: ٩ و١٢: ٤٦) فالرب نور له لكي يهتدي وخلاص لكي ينجو. بل بعد نجاته يعتز بحصنه فلا يقدر أحد أن يسبب له أي خوف أو اضطراب.
(٢) «ليأكلا لحمي» هذا تعبير قوي كإنما هؤلاء الأعداء وحوش ضارية والكلام مجازي يقصد به الاغتياب والسعاية والنميمة (انظر أيوب ١٩: ٢٢). ولكن هؤلاء الأعداء لا يستطيعون شيئاً لأنهم يعثرون ويسقطون. لأن الساعي بالضرر يضر نفسه أولاً. والذي يلحق الأذى بالغير يكون أول المتأذين. والمرنم يرى اندحار العدو كشيء مسلم به سلفاً لا يحتاج للبرهان.
(٣) وفي هذا العدد يرتفع المرنم لملء الجسارة الروحية المقدسة ولا يقصد قط أن يتباهى ويتفاخر بل أن يفخر بإلهه الذي هو نوره وخلاصه كما افتتح الكلام فالجيش النازل عليه لا يخيفه. وفي وسط المعركة واشتدادها هو مطمئن البال. إن الشجاعة بحد ذاتها ليست عدم الخوف بتاتاً لأن ذلك مستحيل إذ الخوف هو غريزة طبيعية في أي إنسان ولكن الشجاعة هي أن نطمئن في وسط عدم الاطمئنان ونتشجع بالله فقط (راجع أمثال ١٦: ١٥). وقوله «ففي ذلك» أي رغماً عن كل ذلك وهذا لا ينفي وجود الخوف ولكنه يثبت وجود الشجاعة وهذا يكفي المؤمن المتكل على الله لكي ينال الاطمئنان والسلام (انظر لاويين ٢٦: ٢٧ وقابله مع مزمور ٧٨: ٣٢).
(٤) شيء واحد يشتهيه. أجل إن الرب معه ولو كان في وسط الأعداء والمضطهدين يحتمل كل أنواع الضيقات ولكن متمناه الآن أن يكون في بيت الرب. أي أن يكون له تلك المناجاة السماوية والعلاقة الروحية الوطيدة. فهو يود أن ينظر ويتفرس ملياً بجمال القداسة التي ينالها من مثل هذا الاجتماع. هذا حنين عميق جداً يهز أوتار القلوب ويدعو أي إنسان للمثول إلى بيت الله للتعبد والخشوع والصلاة. إن مطلبه الأول هو السكنى بقرب الله وهي عادة قديمة على ما يظهر في الشرق وحتى اليوم إن بعض المنقطعين للعبادة يسكنون الهياكل والمعابد (مثل سمعان الشيخ وحنة لوقا ١).
«٥ لأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ ٱلشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي. ٦ وَٱلآنَ يَرْتَفِعُ رَأْسِي عَلَى أَعْدَائِي حَوْلِي، فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ ٱلْهُتَافِ. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ لِلرَّبِّ. ٧ اِسْتَمِعْ يَا رَبُّ. بِصَوْتِي أَدْعُو فَٱرْحَمْنِي وَٱسْتَجِبْ لِي. ٨ لَكَ قَالَ قَلْبِي: قُلْتَ ٱطْلُبُوا وَجْهِي. وَجْهَكَ يَا رَبُّ أَطْلُبُ. ٩ لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي. لاَ تُخَيِّبْ بِسَخَطٍ عَبْدَكَ. قَدْ كُنْتَ عَوْنِي، فَلاَ تَرْفُضْنِي وَلاَ تَتْرُكْنِي يَا إِلٰهَ خَلاَصِي».
(٥) هنا يشرح المرنم لماذا يريد أن يسكن في بيت الرب وما معنى تلك الشهوة السامية التي اشتهاها. هناك مخبأ له في يوم تشتد فيه الضيقات عليه حتى لا يدري ماذا يفعل. بل يستره داخل خيمته ويحميه ولا يتخلى عنه مهما لحقه الأعداء من الخارج. هو في حرز وأمان لأنه دخل في حمى الرب. فإذا كان الأعرابي حتى الآن يضحي بنفسه وعياله في سبيل إجارة مستجير حتى ولو كان عدواً من قبل فكم بالأحرى الرب يمنح حمايته للاجئين إليه والمتكلين عليه؟ بل إن الرب يرفعه كإنما على صخرة وقد يكون الفكرة لكي يهرب من أمواج البحر المتلاطمة حواليه فهو أرفع منها لا تطاله بأي سوء.
(٦) «والآن» أي وقد نال ما تمناه فهو مرتفع الرأس عالي الجبين. وأولئك الأعداء أصبحوا في أسفل من جراء اندحارهم. لقد قصد الأعداء له ضراً وبه سوءاً ولكن الرب لم يسلم تقيه لأيديهم لذلك هو فخور بما نال سعيد بما أنعم الله عليه وهكذا يتمم فريضة الدين فيذبح ذبيحة الشكر القلبي على هذا الخلاص بل ينشد مع ذلك ويغني أطيب الأغاني والأناشيد الروحية. فإن الذي خلّصه من ضيقه قد وفى بكل مواعيده وحقق له كل رغباته.
(٧) هنا كما ذكرنا نأتي على الأرجح إلى قسم متميز عن المزمور يكاد لا يمت لما تقدم بأية صلة. وكل ما هنالك أنه يتابع فكرة وجود الضيق ويطلب الرحمة من الله أن ينجيه مع أنه من قبل ذلك أن الله ستره وخبأه وارتفع على أعدائه. لذلك هنا انحدار في المعاني عما تقدم. يتذلل أمام الرب ويصرخ ويستنجد ويسترحم وكأنما الاستجابة بعيدة عنه.
(٨) هنا أيضاً يرى أن يطلب وجه الرب أي يلتمس رضاه. وفي تكرار المعنى «وجهك يا رب أطلب» توكيد جميل للغاية (انظر أيوب ٤٣: ٣) إن الله يأمرنا أن نطلب وجهه والمرنم يصدع بالأمر ويطل بما يريده الرب منه. واتكاله هنا ليس بالنسبة لأي قول معين بل بالنسبة لمواعيد الرب وعهوده بصورة عامة.
(٩) في هذه الأدعية القصيرة جمال وروعة فهي تتعاقب آخذه بعضها برقاب بعض تصور لنا إنساناً ملهوفاً يتكلم كلاماً كثيراً وبسرعة طالباً العون والنجاة. يلتمس وجه الرب بأن هذا الوجه لا ينحجب عنه ولا يبتعد ويلتمس أن ينجح في طلبه ثم يذكر الرب بأنه كان عونه سابقاً فليسكن كذلك لاحقاً أيضاً. وينهي الدعاء بأن يكون مقبولاً ولا يترك من الخلاص.
«١٠ إِنَّ أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي وَٱلرَّبُّ يَضُمُّنِي. ١١ عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَكَ، وَٱهْدِنِي فِي سَبِيلٍ مُسْتَقِيمٍ بِسَبَبِ أَعْدَائِي. ١٢ لاَ تُسَلِّمْنِي إِلَى مَرَامِ مُضَايِقِيَّ، لأَنَّهُ قَدْ قَامَ عَلَيَّ شُهُودُ زُورٍ وَنَافِثُ ظُلْمٍ. ١٣ لَوْلاَ أَنَّنِي آمَنْتُ بِأَنْ أَرَى جُودَ ٱلرَّبِّ فِي أَرْضِ ٱلأَحْيَاءِ ١٤ ٱنْتَظِرِ ٱلرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ وَٱنْتَظِرِ ٱلرَّبَّ».
(١٠) هنا منتهى الاستعطاف بل من أروع مظاهر الإيمان الحي. فلا محبة أعظم ولا عناية أتم من عناية الوالدين بأولادهم ولكن! هنا يصور محبة أعظم مما تشاهد في الوالدين أيضاً وهي ما يظهره الله نحو المؤمنين به والملتمسين رضاه. لو قال المرنم «ولو تركت أبي وأمي فالرب يضمني». لحسبنا الكلام لداود وناسب تماماً مع ما ورد في (١صموئيل ٢٢: ٣ وما بعده). وقوله يضمني أي لو تركت يتيماً فإن الرب يجعلني من أحد أفراد عائلته الكبرى.
(١١) يلتمس أن ينجو من كل المخاطر كأنه وعل مطارد من صيادين يطلبون أن يمسكوه. ولأنه أصبح الآن في عداد عائلة الله الذين نالوا محتماه لذلك فهو يلتمس أن يتعلم كيف يسلك في طرق الله. ويلتمس الهداية لئلا يسقط في يد أعدائه اللاحقين به ليلاً ونهاراً.
(١٢) وهو يرجو أن ينال خلاصاً تاماً من هؤلاء الأعداء ويطلب من إلهه أن لا يسلمه لأيديهم لا سيما وهم قوم ظلام شهدوا عليه زوراً وأرادوا به سوءاً ولم يتهيبوا قط من أي الأشياء.
(١٣) يظهر هذا العدد كإنما هو ناقص لأنه بقوله «لولا» كنا ننتظر أن نسمع منه ماذا يحدث يا ترى؟ كما وأنه في قوله «آمنت» كإنما يعني شيئاً حدث في الماضي ولا علاقة له في الحاضر والمستقبل بل بالعكس فإن المعنى هو الإتمام أي أنه مؤمن حقاً بإلهه ولذلك يرى جود الرب عليه وعلى كل حي. فكما أن الخطر موجود ومداهم والأعداء كثار ويتعقبونه مع ذلك فهو مؤمن. فيكون الجواب في هذا الترجي باولا أنه يكفيه إيمانه بالله فيرى جوده ويتمتع به.
(١٤) وهذا الإيمان يدعوه أن ينتظر لأن الإيمان إذا لم ينتظر فهو ليس إيماناً بالمعنى الحقيقي ولا هو اتكال. يبدأ العدد بقوله انتظر الرب وثم يختمه بالكلمات ذاتها انتظر الرب وفي هذا التكرار توكيد جميل للمعنى الذي يقصده. ولا سيما قد وضع بينهما هذه العبارة أن يتشدد ويتشجع لأن الانتظار بدون ذلك لا يفيد شيئاً. عليه أن ينتظر سعيداً فرحاناً. لأن الشجاعة لا تتحقق ولا تكمل نتائجها إلا بمثل هذا الانتظار.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ وَٱلْعِشْرُونَ


لِدَاوُدَ


«١ إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَصْرُخُ. يَا صَخْرَتِي لاَ تَتَصَامَمْ مِنْ جِهَتِي لِئَلاَّ تَسْكُتَ عَنِّي فَأُشْبِهَ ٱلْهَابِطِينَ فِي ٱلْجُبِّ. ٢ ٱسْتَمِعْ صَوْتَ تَضَرُّعِي إِذْ أَسْتَغِيثُ بِكَ وَأَرْفَعُ يَدَيَّ إِلَى مِحْرَابِ قُدْسِكَ. ٣ لاَ تَجْذِبْنِي مَعَ ٱلأَشْرَارِ، وَمَعَ فَعَلَةِ ٱلإِثْمِ ٱلْمُخَاطِبِينَ أَصْحَابَهُمْ بِٱلسَّلاَمِ وَٱلشَّرُّ فِي قُلُوبِهِمْ. ٤ أَعْطِهِمْ حَسَبَ فِعْلِهِمْ وَحَسَبَ شَرِّ أَعْمَالِهِمْ. حَسَبَ صُنْعِ أَيْدِيهِمْ أَعْطِهِمْ. رُدَّ عَلَيْهِمْ مُعَامَلَتَهُمْ».
(١) ينقسم هذا المزمور أيضاً إلى قسمين كما هي الحالة في المزمور السابق. قد يختلف القسم الواحد عن الآخر في شكل النظم ولكنهما يتفقان في المعاني والأفكار. وأصداء هذا المزمور موجودة في إشعياء وإرميا بصورة محسوسة. القسم الأول هو (عدد ١ - ٥) وهو تضرع لله. يبدأ المزمور بصرخة استغاثة ذلك لأن الرب هو صخرة خلاصه وإذا سكت الله وتصام عنه فهو يشبه المائتين الذين لا رجاء لهم (انظر إشعياء ١٤: ١٩).
(٢) يرفع يديه إلى محراب قدسه أي قدس الأقداس. والكلمة في العبرانية تفيد مؤخرة الهيكل أي المحل الخلفي منه حيثما لا يصله الناس في كل وقت. لذلك فهو يستند بأقدس مكان لأهم الأمور.
(٣) يلتمس أن لا يصحب الأشرار والأثمة (انظر حزقيال ٣٢: ٢٠ و١٠: ٩ وأيوب ٢٤: ٢٥). هؤلاء هم الأعداء فإذا تغلبوا عليه وقهروه فهو منجذب معهم وخاضع لهم ويكون نصيبه كنصيبهم الدمار. إنهم أشرار لأنهم بوجهين ولسانين إذ يتكلمون بالسلام ولا يعنونه. يضمرون غير ما يظهرون (انظر إرميا ٩: ٧) هم مخادعون كذابون (هوشع ٩: ١٤ وإرميا ٣٢: ١٩).
(٤) يطلب المرنم لهم جزاء أفعالهم (راجع إشعياء ٣: ٨ - ١١ و١: ١٦). هو يطلب لهم الانتقام من الله ولا يريد أن ينتقم لنفسه. أما الطلب فيتضمن شكراً لله على أنه لم يجذبه معهم ليفعل أفعالهم الرديئة وكان على صواب عظيم في طلبه هذا. ثم هو يتضمن أيضاً إظهار عدل الله في حكمه هذا العالم وتسييره أموره وإلا كان الأمر فوضى ولا رابطة تربط بين عمل ونتيجة وبين عامل شرير وجزاء أعماله الشريرة. وهكذا فلا يغتر الأشرار برحمة الله ويحسبون طول أناته كأنه لن يحاسب أبداً. والله يجازي ليس على العمل فقط بل على التصميم وإرادة العمل ذاته لأن الذين يسيئون قد يفعلون ذلك بالإرادة ولا يضعونها موضع التنفيذ ولكنهم ينفذون متى سنحت لهم الظروف بذلك.
«٥ لأَنَّهُمْ لَمْ يَنْتَبِهُوا إِلَى أَفْعَالِ ٱلرَّبِّ وَلاَ إِلَى أَعْمَالِ يَدَيْهِ يَهْدِمُهُمْ، وَلاَ يَبْنِيهِمْ. ٦ مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ لأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ تَضَرُّعِي. ٧ ٱلرَّبُّ عِزِّي وَتُرْسِي. عَلَيْهِ ٱتَّكَلَ قَلْبِي، فَٱنْتَصَرْتُ. وَيَبْتَهِجُ قَلْبِي وَبِأُغْنِيَتِي أَحْمَدُهُ. ٨ ٱلرَّبُّ عِزٌّ لَهُمْ، وَحِصْنُ خَلاَصِ مَسِيحِهِ هُوَ. ٩ خَلِّصْ شَعْبَكَ وَبَارِكْ مِيرَاثَكَ وَٱرْعَهُم وَٱحْمِلْهُم إِلَى ٱلأَبَدِ».
(٥) يعجب المرنم من قساوة قلوب هؤلاء الأعداء فهم بلا خجل يتعامون عما فعله الله من عظائم وأفعال عجيبة تجاه الممسوح من قبله ملكاً على إسرائيل. لقد وعد الله داود أن يبني بيته ويحفظه (٢صموئيل ٧) وهو صادق أمين. فإذاً كل انتقاض على هذا الترتيب هو مخالف لأمر الله وترتيبه. وهكذا فكما أن الله سيبني داود هو في الوقت ذات سيهدم كل ما عداه من أعداء.
(٦) هنا يبدأ القسم الثاني من المزمور فكما أن القسم الأول هو تضرع للنجدة والانتقام من الأعداء فهنا شكر قلبي لأن الله قد سمع التضرع وأنجد تقيه وخذل أعداءه. قد يكون أن الناظم كتب القسم الأول من المزمور ثم بعد حين عاد فكتب القسم الثاني بعد أن تحقق ما فعله الله معه وكيف نجاه من الضيق والخطر. فهذا القسم هو بيان لما حصل كشيء تاريخي وليس شيئاً تمناه أن يحدث وهو لم يحدث بعد.
(٧) الرب مجده وعزه. الرب ترسه وملجأه في الضيقات. هو متكله ولذلك انتصر ولو اتكل على أي شيء أو إنسان لانخذل. وهكذا من الضيق يخرج الابتهاج وبعد التأوهات والتنهدات يتبدل الصوت بالهزج والنشيد.
(٨) في هذا العدد يلتفت داود للكلام عن الشعب فهو (أي الرب) عز لهم وليس للملك فقط. لأن الخلاص الذي أعده للملك هو خلاص لشعبه أيضاً. وما أجمل العلاقة الكائنة بين ملك محبوب وشعب يريد مليكه ويتغنى بخدمته بل يتفانى بإظهار الطاعة والخضوع طالما يمشي في رفع الشعب وترقيته وإسعاده.
(٩) يلتمس لشعبه الخلاص والبركة. وهنا صورة الراعي الحنون الذي يرعى شعبه بالخير والسلام ويحمل ضعفاتهم وأثقالهم. الرب يحمل خاصته كما يقول (تثنية ١: ٣١) كالأب يحمل ابنه. وأما (خروج ١٩: ٤ وتثنية ٣٢: ١١) يحملون على أجنحة النسور. وفي (إشعياء ٤٣: ٩) يحملون لأنهم ضعفاء لا يستطيعون مواجهة المصاعب لذلك فالرب ينجيهم منها ويسندهم ويقيل عثراتهم.
إن الله يستجيب صلاة المؤمن ولا يتصام عن صراخه ولكن عليه أن يؤمن وينتظر ولا يستعجل ولا يطلب الأمور أن تجري على هواه بل حسب قصده الإلهي ومشيئته تعالى.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلْعِشْرُونَ


مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَبْنَاءَ ٱللّٰهِ، قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْداً وَعِزّاً. ٢ قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدَ ٱسْمِهِ. ٱسْجُدُوا لِلرَّبِّ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ. ٣ صَوْتُ ٱلرَّبِّ عَلَى ٱلْمِيَاهِ. إِلٰهُ ٱلْمَجْدِ أَرْعَدَ. ٱلرَّبُّ فَوْقَ ٱلْمِيَاهِ ٱلْكَثِيرَةِ. ٤ صَوْتُ ٱلرَّبِّ بِٱلْقُوَّةِ. صَوْتُ ٱلرَّبِّ بِٱلْجَلاَلِ. ٥ صَوْتُ ٱلرَّبِّ مُكَسِّرُ ٱلأَرْزِ، وَيُكَسِّرُ ٱلرَّبُّ أَرْزَ لُبْنَانَ»
(١) يمكننا أن نسمي هذا المزمور مزمور صوت الرب إذ يكرر هذا التعبير سبع مرات فيه. والأرجح أنه كتب بمناسبة صاعقة نزلت من السماء فاغتنمها المرنم فرصة لتعظيم اسم الله. وكما أن ذكر الرب في المزمور التاسع عشر وارد سبع مرات فهو إله الشريعة كما أنه إله الطبيعة في المزمور ذاته أبناء الله هؤلاء هم الملائكة أو رؤساء الملائكة. أو يقصد نسل الآلهة الآخرين الذين اتخذهم بقية الأمم أرباباً لهم. فهو يريد أن يخص بالله فقط السجود حتى من هؤلاء أنفسهم (انظر خروج ١٥: ١١ ودانيال ٩: ٣٦) وأن نعطي الحمد لاسمه المجيد. وفي تكرار «قدموا» أو «هبوا» كما في العبرانية يوجد توكيد ظاهر لطيف.
(٢) ويطلب تقديم المجد والسجود للرب في هيبة ووقار. أي أن يلبس العابدون ثياباً لائقة مناسبة (انظر ٢أخبار ٢٠: ٢١) إن الرب يريد أن يظهر بمجده لذلك فعلى الأجناد السماوية أن تعد ذاتها لمثل هذا المظهر العظيم. وهنا على ما يرجح ليس الخطاب موجهاً لجمهور العابدين بل لتلك الزمرة السماوية. ونجد شبيهاً لذلك في سفر الرؤيا حيث يصور يوحنا اللاهوتي الملائكة بأبواقهم قبل الدينونة.
(٣) هنا يبدأ المرنم بأن يرينا وصفاً دقيقاً لماذا يعطي المجد لله. هنا تبدأ العاصفة بمياهها العظيمة وبرقها ورعدها وزوابعها. وقوله الرب فوق المياه فليست المياه هنا لتعني المياه السفلى أو البحر المتوسط بل هي تجمع الغيوم المتلبدة التي تحمل الأمطار وتنقلها من مكان لآخر. وصوته الأول في الرعد القاصف فهو ممجد في العلى.
(٤) ونكاد نسمع في هذا العدد استمرار الرعد فهو لم يحدث مرة فقط بل مستمر بشدة حتى يكاد يزلزل السموات بصوته. ولكنه صوت ظاهر بالجلال والعظمة لا يستطيع البشر أن يقلدوه أو يفعلوا مثله. وهوذا الرعد يقترب وينحدر نزولاً حتى يصل إلى كل مكان.
(٥) وهو يكسر الأرز القوي الجبار فكم بالأحرى أي أنواع الأشجار. والناظم هنا يريد أن يصور لنا عز الله وجبروته ويقابل ذلك مع أعظم الأشجار وأثبتها في وجه العواصف فإذا هي ليست شيئاً.
«٦ وَيُمْرِحُهَا مِثْلَ عِجْلٍ. لُبْنَانَ وَسِرْيُونَ مِثْلَ فَرِيرِ ٱلْبَقَرِ ٱلْوَحْشِيِّ. ٧ صَوْتُ ٱلرَّبِّ يَقْدَحُ لُهُبَ نَارٍ. ٨ صَوْتُ ٱلرَّبِّ يُزَلْزِلُ ٱلْبَرِّيَّةَ. يُزَلْزِلُ ٱلرَّبُّ بَرِّيَّةَ قَادِشَ. ٩ صَوْتُ ٱلرَّبِّ يُوَلِّدُ ٱلإِيَّلَ، وَيَكْشِفُ ٱلْوُعُورَ، وَفِي هَيْكَلِهِ ٱلْكُلُّ قَائِلٌ: مَجْدٌ. ١٠ ٱلرَّبُّ بِٱلطُّوفَانِ جَلَسَ، وَيَجْلِسُ ٱلرَّبُّ مَلِكاً إِلَى ٱلأَبَدِ. ١١ ٱلرَّبُّ يُعْطِي عِزّاً لِشَعْبِهِ. ٱلرَّبُّ يُبَارِكُ شَعْبَهُ بِٱلسَّلاَمِ».
(٦) يتكلم هنا عن الأرز فيرميه كما ترتمي العجول متمرغة على الأعشاب وذكره لبنان وسريون (والأرجح هو جبل الشيخ) أي الأشجار الباسقة التي عليها فإن قوة الله تكسرها وترميها. وقد يكون إشارة أن زوابع الله تصل إلى قمم هذه الجبال وتجعلها تلبس جلال الرب. وهذه الجبال كما يصورها كانت تحوي حيوانات كثيرة ترعى فيها. الريم أو البقر الوحشي وهو من أنواع الوعول ذات القرون التي تشبه الأغصان المشتبكة. فالرياح تهز الأشجار وتكسرها والزلازل تحطم الجبال.
(٧) وبعد كل رعد كان يعقبه ومض برق يملأ الفضاء البعيد. فهو يشغل الحاستين الهامتين في الإنسان وهما السمع والبصر.
(٨) هنا يمتد المرنم ببصره إلى القفر البعيد وإلى برية فارس فيرى أن صوت الرب يزلزل البرية ويرجفها حتى برية قادش أي العربة. فهو يطال أعالي الجبال الشوامخ كما يطال السهول والبراري ولا شيء يستطيع أن يقف في وجهه أو يقول له ماذا تفعل. إن للطبيعة روعتها وجلالها فيجب أن يكون الذي أوجدها أجلّ وأروع.
(٩) قد يكون أن الرعب الذي يستولي على الأيائل بسبب البروق والرعود إنها تلد مبكرة. وقد ذكر (بليني) إن ولادة الأيائل صعبة وقد يكون خوفها يسهل ولادتها ولا تشعر عندئذ بآلام المخاض كالمعتاد. وهنا إشارة أن هذا الحيوان كان موجوداً ولا يزال له بقية في بلاد التوراة. وهذا الحيوان قد علمته الطبيعة أن يكون جباناً يفزع من أعداءه الحيوانات بسرعة لينجو ولا عجب أن يكون خوفه الشديد من الرعود يجعله يلد قبل الأوان ليخلص من خطر. أما قوله يكشف الوعور أي أن مختلف الحيوانات تترك مآويها وتهرب وهكذا تنكشف الآجام ويعرف ما فيها. ثم ينهي العدد مسكناً الأعصاب ويدعونا لندخل هيكل الله ولنعط مجداً لله. وما أجمل أن نستعمل هذا المزمور في وقت الرعود.
(١٠) كلمة طوفان العبرانية هنا هي التي وردت في ذكر الطوفان أيام نوح قديماً فقد يكون إشارة لذلك الحادث القديم وإن الله قد نجا عبده نوح الذي اتكل عليه وبالتالي ينجينا. أو قصد المرنم أن يخبرنا أن لا نخاف من أي مياه أو أنهار أو سيول أو مخاطر بحار لأن الرب جالس في كل مكان وهو هناك أيضاً. وهو الملك الحاكم المتسلط الآن وكل وقت إلى الأبد.
(١١) إن الرب يعطي شعبه قوة وبركة لكي يعبدوه بخوف ورعدة ويرفعوا قلوبهم إلى عرشه السماوي (انظر أيوب ٣٦: ٢٥). وعاقبة التقوى هي السلام الدائم. وإذا كان رعد الرب يجعل الأرض كلها وجميع ساكنيها ترتعب وترتجف وأما الذين له فيرفعون رؤوسهم فرحين.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّلاَثُونَ


مَزْمُورٌ أُغْنِيَةُ تَدْشِينِ اَلْبَيْتِ. لِدَاوُدَ


«١ أُعَظِّمُكَ يَا رَبُّ لأَنَّكَ نَشَلْتَنِي وَلَمْ تُشْمِتْ بِي أَعْدَائِي. ٢ يَا رَبُّ إِلٰهِي ٱسْتَغَثْتُ بِكَ فَشَفَيْتَنِي. ٣ يَا رَبُّ، أَصْعَدْتَ مِنَ ٱلْهَاوِيَةِ نَفْسِي. أَحْيَيْتَنِي مِنْ بَيْنِ ٱلْهَابِطِينَ فِي ٱلْجُبِّ. ٤ رَنِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَتْقِيَاءَهُ، وَٱحْمَدُوا ذِكْرَ قُدْسِهِ. ٥ لأَنَّ لِلَحْظَةٍ غَضَبَهُ. حَيَاةٌ فِي رِضَاهُ. عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ يَبِيتُ ٱلْبُكَاءُ، وَفِي ٱلصَّبَاحِ تَرَنُّمٌ. ٦ وَأَنَا قُلْتُ فِي طُمَأْنِينَتِي: لاَ أَتَزَعْزَعُ إِلَى ٱلأَبَدِ».
لقد دعا المرنم في المزمور السابق زمرة الملائكة لمثل هذا الحمد. وقد ذهب العالم هتزج إن هذا المزمور قد كتبه إرميا ولكن أغلب المفسرين يرون إن هذا التشابه في الكتابة قد يكون أن إرميا نفسه قد تأثر من المزامير وليس دليلاً أنه هو كتبها والإشارة هنا للهاوية والجب هو من قبيل المجاز. أما الإشارة في العنوان «تدشين البيت» اي مركز بناء الهيكل (٢صموئيل ٢٤: ١ و١أخبار ٢١) وليس في هذا المزمور ما يرينا تدشين الهيكل لأنه لم يبن إلا في أيام سليمان. والإشارة لجبل الموريا مركز الهيكل. بل قد يكون إشارة للقلعة التي بناها داود وهي حصن داود (انظر ٢صموئيل ٥: ١٢) أو بيت سكنه هناك. وكان يتلى هذا المزمور للتدشين (انظر ١مكابيين ٤: ٥٢).
(١) إن الأعداء يفرحون في سقوطه بالحفرة ولكن الله قد نشله منها ونجاه ولذلك فلن يفرح الأعداء بمصيبته هذه.
(٢) وهنا قد يكون الكلام مجازاً كما في العدد الأول فيتكلم عن الشفاء كأنه كان مريضاً لقد استغاث بالله فأغاثه ونجاه من كل خطر وضيم.
(٢) وكذلك فإن الله لم يتركه في الهاوية ولم يتخلّ عنه قط. لقد كان شبه ميت وأما الآن فهو حي قوي كان هابطاً في الحفرة فصعد وكان عديم الهمة والقوة فأصبح نشيطاً يعيش بين الأحياء ليبارك الرب.
(٣) يدعو الأتقياء للفرح والابتهاج بالرب وطريقة ذلك بالترنم لاسم العلي. ويطلب إليهم أن يذكروا اسم قدسه. وهنا أول إشارة في المزمور للتدشين ويتابع المعنى في العدد السابع حينما يذكر تثبيت عز الجبل أي «موريا».
(٥) وهو يشجع هؤلاء الأتقياء أن يعتصموا بالرب دائماً لأن غضبه قليل بالنسبة لرضاه. فهو رحيم ورؤوف وإن غضب فلشيء وقتي ويصفح وأما رضاه فهو شيء دائم. إذاً فالغضب الإلهي ليس أمراً طبيعياً فيه لأنه يريد الرضا والصفح دائما (انظر إشعياء ١٧: ١٤). حتى ولو بتنا والبكاء حليفنا فسننهض إلى صباح بهيج. لذلك فإن الله لن يتخلى عن أتقيائه ولا يسمح لهم أن يحزنوا ويبكوا طويلاً.
(٦) أخطأ داود من قبل وأغاظ الرب. والرب صفح عنه. وقد تكبر وتجبر واعتبر العطية ونسي الله الذي أعطاها. لقد حسب حساب نعمه ولكنه أغفل المنعم. لذلك ففي حاله رخائه وبحبوحته قال لا أتزعزع كإنما ثباته هو منه ولكن الصواب هو أن الله وحده قادر أن يثبته ويحفظ نسله. وهكذا يفسر معناه في العدد الذي يلي إذ يطلب رضا الرب ويعترف بفضله العميم.
«٧ يَا رَبُّ، بِرِضَاكَ ثَبَّتَّ لِجَبَلِي عِزّاً. حَجَبْتَ وَجْهَكَ فَصِرْتُ مُرْتَاعاً. ٨ إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَصْرُخُ، وَإِلَى ٱلسَّيِّدِ أَتَضَرَّعُ. ٩ مَا ٱلْفَائِدَةُ مِنْ دَمِي إِذَا نَزَلْتُ إِلَى ٱلْحُفْرَةِ؟ هَلْ يَحْمَدُكَ ٱلتُّرَابُ؟ هَلْ يُخْبِرُ بِحَقِّكَ؟ ١٠ ٱسْتَمِعْ يَا رَبُّ وَٱرْحَمْنِي. يَا رَبُّ كُنْ مُعِيناً لِي. ١١ حَوَّلْتَ نَوْحِي إِلَى رَقْصٍ لِي. حَلَلْتَ مِسْحِي وَمَنْطَقْتَنِي فَرَحاً، ١٢ لِكَيْ تَتَرَنَّمَ لَكَ رُوحِي وَلاَ تَسْكُتَ. يَا رَبُّ إِلٰهِي إِلَى ٱلأَبَدِ أَحْمَدُكَ».
(٧) الجبل هنا هو جبل صهيون المنيع بمركزه الطبيعي وقد زاده مناعة ما أقام فيه من استحكامات وحصون. ولكن هذه الأشياء ليست شيئاً إذا لم يرض الله عليه لأنه يقول حينما حجب وجهه عنه أصبح مرتاعاً يخاف من أي المخاطر.
(٨) لقد اذنب داود وهو يتوب الآن ويصلي لله بكل حرارة ويتضرع. وهنا تكرار لطيف للتوكيد.
(٩) السؤال عن دمه ليس من الضروري أنه كان في خطر بل كأنه يقول لماذا أقتل واذبح قبل ميعاد موتي؟ (انظر أيوب ١٦: ١٨). بل إذا فعل الرب هذا فكيف يستطيع الإنسان أن يقدم حمده وتسبيحه له. لذلك فهو يلتمس إطالة الحياة ليس لزيادة تمتعه بالخيرات الزمنية والمسرات العالمية ولكن لمجد الله وحمده. ولا يرى أن التراب الذي يتحول إليه الإنسان بعد موته يمكنه أن يحمد الله ويكون معه كل حين. وكانت الهاوية مقر الأموات وأما السماء فهي مقر أبناء الله والملائكة. ولم يعرف بعد الخلاص وحياة الخلد بعد القبر.
(١٠) هنا ارتداد في المعنى للعدد الثامن أي تضرع لله في طلب العون والرحمة والرضوان.
(١١) إن الله قد أعطاه خلاصاً وفرحاً في الوقت الأنسب. لقد اختبر المرنم ضيقات عظيمة فنجده ينزل إلى أعمال الآلاء والمتاعب ثم بعد حين ينهض ويجدد قوة.
(١٢) فهو سعيد لا يستطيع السكوت. ويحمد الرب إلهه إلى الأبد لأنه مخلص نفوس المتكلين عليه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي وَٱلثَّلاَثُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ عَلَيْكَ يَا رَبُّ تَوَكَّلْتُ. لاَ تَدَعْنِي أَخْزَى مَدَى ٱلدَّهْرِ. بِعَدْلِكَ نَجِّنِي. ٢ أَمِلْ إِلَيَّ أُذُنَكَ. سَرِيعاً أَنْقِذْنِي. كُنْ لِي صَخْرَةَ حِصْنٍ، بَيْتَ مَلْجَإٍ لِتَخْلِيصِي. ٣ لأَنَّ صَخْرَتِي وَمَعْقِلِي أَنْتَ. مِنْ أَجْلِ ٱسْمِكَ تَهْدِينِي وَتَقُودُنِي. ٤ أَخْرِجْنِي مِنَ ٱلشَّبَكَةِ ٱلَّتِي خَبَّأُوهَا لِي لأَنَّكَ أَنْتَ حِصْنِي. ٥ فِي يَدِكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. فَدَيْتَنِي يَا رَبُّ إِلٰهَ ٱلْحَقِّ».
(١) يبدأ المرنم هذا المزمور بصلاة لأجل الخلاص. ويشعر في أعماق نفسه أنه لا يخزى أبداً بل يرى مسبقاً أن الله سيعينه وينجيه ويمنحه سؤل قلبه. هذا هو رجاؤه القوي في الله. ويطلب من الله أن ينصفه من أعدائه.
يصوّر المرنم حالة ضيق شديدة. أمور كثيرة وأحزان سابقة ولاحقة تتنازعه. وفي الوقت ذاته يشعر أن الله قريب إليه لا يتخلى عنه أبداً. بل يدعو جميع الصديقين أمثاله أن يشاركوه هذا الفرح العظيم بنجاته الأكيدة المنتظرة كما في (العدد ٢٣). وقد ذهب بعض العلماء أن إرميا هو الكاتب (قابل العدد ١٤ بما ورد في إرميا ٢٠: ١٨). كذلك (قابل العدد ١٨ بما ورد في إرميا ١٧: ١٨ والعدد ٢٣ بما ورد في مراثي ٣: ٥٤).
(٢) وهنا يبدأ بسلسلة ابتهالات صغيرة يلتمس من الله أن يصغي إليه وينقذه بسرعة. صخرة حصن وفي العبرانية تناسب «معاذ» أي مكان يستفيد به الإنسان للحماية والحفظ.
(٣) ولا يصل الإنسان إلى هذه المنجاة إلا بواسطة هداية وقيادة خاصة توصله إلى ما يريد. إن داود وهو الأرجح كاتب هذا المزمور كان عميقاً كلما ازداد تأثراً بالأحزان. إن الله وحده قادر أن يحمينا وينجينا (انظر أمثال ١٨: ١٠).
(٤) إن هؤلاء الأعداء ماكرون قساة يتظاهرون بالصداقة ولكنهم لا يتممون شروطها وهكذا هم وضعوا شبكة في طريقه يصطادونه بها. لقد أخفوها عن العيون لكي يباغتوه بها مباغتة ولكن الله حصنه فهو وحده ينجيه ويعينه.
(٥) يلتفت لمصدر العون ويسلم ذاته تسليماً تاماً كاملاً. ذلك لأن الله فداه. منه وبه الحق وعليه أن يتكل عليه الاتكال الكامل.
«٦ أَبْغَضْتُ ٱلَّذِينَ يُرَاعُونَ أَبَاطِيلَ كَاذِبَةً. أَمَّا أَنَا فَعَلَى ٱلرَّبِّ تَوَكَّلْتُ. ٧ أَبْتَهِجُ وَأَفْرَحُ بِرَحْمَتِكَ لأَنَّكَ نَظَرْتَ إِلَى مَذَلَّتِي، وَعَرَفْتَ فِي ٱلشَّدَائِدِ نَفْسِي، ٨ وَلَمْ تَحْبِسْنِي فِي يَدِ ٱلْعَدُوِّ، بَلْ أَقَمْتَ فِي ٱلرُّحْبِ رِجْلِي. ٩ اِرْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي فِي ضِيقٍ. خَسَفَتْ مِنَ ٱلْغَمِّ عَيْنِي. نَفْسِي وَبَطْنِي. ١٠ لأَنَّ حَيَاتِي قَدْ فَنِيَتْ بِٱلْحُزْنِ وَسِنِينِي بِٱلتَّنَهُّدِ. ضَعُفَتْ بِشَقَاوَتِي قُوَّتِي وَبَلِيَتْ عِظَامِي».
(٦) قد تترجم «أباطيل كاذبة» بعبادة الأوثان أيضاً. أو الذين يتبعون العرافة والتنجيم. قد يوجد أناس كثيرون يتبعون هؤلاء المشعوذين ويثقون بهم ولكن داود قد كره هؤلاء جميعاً وأبغضهم لأنه اتكل على إلهه فقط وكل ما عدا ذلك فهو باطل ولا يمكنه أن ينجي. وكل جبروته لم يستطع أن يخيفه لأن سلاحه برب الجنود.
(٧) إن الرجاء كله هو بالله وهذا الرجاء يعطينا البهجة والفرح. لا شك أن الحياة ملأى بالمتاعب والضيقات وهي كثيرة وعظيمة فهل لنا رجاء أعظم من هذه كلها يستطيع أن يبتلعها كلها ويتغلب عليها؟ إن الرب لا يتخلى عن الذين يتذللون أمامه ويندمون على خطاياهم. علينا أن نبتعد عن تشامخنا وكبريائنا ولتكن الشدائد دروساً تعلمنا معنى الحياة الفضلى.
(٨) إذا فعلنا ذلك فلن يطالنا العدو بسوء ولن نتضايق من أي الأمور بل بالعكس ستكون الحياة سهلة ورحبة أمامنا. ليس إنه لن يكون شدائد وضيقات بل سيكون كذلك ولكن سيعطينا الله عندئذ قوة للاحتمال. هنا عمل الإيمان فعلينا أن نختبر ما يجعل هذا المزمور ينبض بالقوة والحياة. علينا أن نشهد لما فعله الله معنا وحينما يقيمنا الله في رحب علينا أن نعترف بذلك ونجاهر لأن الشهادة في حينها ضرورية.
(٩) هنا الكلام يشبه ما تفوه به أيوب فهو يعتقد أنه متضايق عينه مغمومة وجسده كله في ضعف وانحطاط. ولا ندري هل الكلام حقيقي أم هو من قبيل المجاز. ونستغرب كيف أن المرنم يفارقه فرحه ويصبح في هذا الحزن الشديد هل طرأ عليه مرض أو انخذال؟ هل تغلب عليه الخوف وذهبت عنه الشجاعة؟
(١٠) لا سيما في هذا العدد فهو يؤكد العدد السابق ويزيده شرحاً وقد يكون كتابة هذا المزمور في أخريات أيامه. لأن قوله «حياتي قد فنيت» يدل على انحطاط قوته واقترابه رويداً إلى خطر الموت. هوذا الحزن العميق ينتابه فيضطر أن يتنهد وينتحب. وإذا قوته تتلاشى بل تسرب هذا التلاشي حتى عظامه. فهو كليل ضعيف من كل وجه. حالته صعبة مؤسفة تصور الشيخوخة في أشد حالاتها تقهقراً وضعفاً.
«١١ عِنْدَ كُلِّ أَعْدَائِي صِرْتُ عَاراً وَعِنْدَ جِيرَانِي بِٱلْكُلِّيَّةِ، وَرُعْباً لِمَعَارِفِي. ٱلَّذِينَ رَأَوْنِي خَارِجاً هَرَبُوا عَنِّي. ١٢ نُسِيتُ مِنَ ٱلْقَلْبِ مِثْلَ ٱلْمَيْتِ. صِرْتُ مِثْلَ إِنَاءٍ مُتْلَفٍ. ١٣ لأَنِّي سَمِعْتُ مَذَمَّةً مِنْ كَثِيرِينَ. ٱلْخَوْفُ مُسْتَدِيرٌ بِي بِمُؤَامَرَتِهِمْ مَعاً عَلَيَّ. تَفَكَّرُوا فِي أَخْذِ نَفْسِي. ١٤ أَمَّا أَنَا فَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ يَا رَبُّ. قُلْتُ: إِلٰهِي أَنْتَ. ١٥ فِي يَدِكَ آجَالِي. نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَعْدَائِي وَمِنَ ٱلَّذِينَ يَطْرُدُونَنِي».
(١١) «صرت عاراً» أي صرت مذمة وكل الناس ينحون عليّ باللوم والتثريب كما يحدث حينما يسقط أحدهم في زلة فيسلقونه بألسنة حداد ولا يشفقون عليه ولا يرحمون. ويحسب الناس ذلك مديحاً لأنفسهم. ولو عقلوا لعرفوا أن الذي ينزل مقام غيره ينزل مقامه أيضاً. فهو عار عند الأعداء وكذلك عند الجيران وأصبح المعارف يهربون من تعرفهم بي كأن الذي يلاصقني ينزل من مقامه الشيء الكثير. وإذا ظهرت أمام جمهور منهم لا يمكنهم أن يتعرفوا بي بل يفرون ويهربون لئلا يقع عليهم أي تبعة من لقاء كهذا.
(١٢) لا شيء ينسى كالميت فهو مهمل من الناس ومنسي بتاتاً كأنه ليس في عالم الأحياء. وأصبح مزدرى به كأنه إناء مكسور ليس نصيبه سوى الرمي للخارج لأنه لا ينفع لشيء. حينما يحمل الميت للقبر ويوضع فيه عادة لا يعود الناس يذكرونه. وكذلك الإناء متى تحطم فهو علاوة على أنه لا ينفع يصبح نفاية في البيت.
(١٣) هوذا الناس لا يتكلمون عنه سوى السوء والمذمة ذلك لأنه في خوف دائم تحيط به المخاطر. ولو كان طلبهم مواجهته في عراك عادل وصدام لكانت المصيبة أخف ولكنهم يتآمرون ويضعون الخطط لهلاكه فقط. لا شيء يكفيهم سوى أن يعدموه الحياة بتاتاً (انظر هوشع ٨: ٨ وإرميا ٤٨: ٣٨ وإرميا ٢٢: ٢٨).
(١٤) ذاك ما يستطيعه البشر نحوه ولكن يبقى له الإيمان الذي جعله متكلاً على إلهه. «أنا» و «إلهي أنت» هي كلمات تستدعي انتباهنا الكلي. في هذه الشدائد العظيمة يعود الإنسان إلى نفسه لا سيما حينما يخونه الجيران ويتركه المعارف وبعضهم يضع له المكايد ويلتمسون قتله. الآن وقت الإيمان الذي يجعله أن يتكل كل الاتكال على مصدر القوة والعون. عاد لنفسه ضعيفاً ولكنه تقوى باستناده على الله الذي لا يتركه أبداً.
(١٥) ابتدأ كلامه أن أجله ليس بيده ولا كما يريده. بل هو في يد الله. هنا منتهى الطمأنينة والثقة. حينئذ فالأعداء لا يستطعيون شيئاً والمطاردون لنفسي يصبحون كلا شيء. إن أثمن ما في الدنيا هي حياة الإنسان فإذا نجا من الأعداء فيكون خلاص الله قد تمم له. فإذاً النجاة هي بيد الله وليست منا. فكما أن آجالنا هي بمشيئة الله كذلك فهو يعرف كيف يخلصنا في حينه على شرط أن نعرف كيف نتكل عليه.
«١٦ أَضِئْ بِوَجْهِكَ عَلَى عَبْدِكَ. خَلِّصْنِي بِرَحْمَتِكَ. ١٧ يَا رَبُّ، لاَ تَدَعْنِي أَخْزَى لأَنِّي دَعَوْتُكَ. لِيَخْزَ ٱلأَشْرَارُ. لِيَسْكُتُوا فِي ٱلْهَاوِيَةِ. ١٨ لِتُبْكَمْ شِفَاهُ ٱلْكَذِبِ ٱلْمُتَكَلِّمَةُ عَلَى ٱلصِّدِّيقِ بِوَقَاحَةٍ، بِكِبْرِيَاءَ وَٱسْتِهَانَةٍ. ١٩ مَا أَعْظَمَ جُودَكَ ٱلَّذِي ذَخَرْتَهُ لِخَائِفِيكَ وَفَعَلْتَهُ لِلْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ تُجَاهَ بَنِي ٱلْبَشَرِ. ٢٠ تَسْتُرُهُمْ بِسِتْرِ وَجْهِكَ مِنْ مَكَايِدِ ٱلنَّاسِ. تُخْفِيهِمْ فِي مَظَلَّةٍ مِنْ مُخَاصَمَةِ ٱلأَلْسُنِ».
(١٦) شعوره أنه في ظلام بسبب أحزانه وضيقاته لذلك فهو يحتاج لنور الله يضيء له السبيل فيعرف كيف يسلك ولا يعثر. وبعد ذلك يلتمس خلاصاً ليس لأنه يستحقه بل لأن الله يرحمه. ذلك هو وقت النجاة لذلك فليكن يا رب هذا بإشراقك وضياء وجهك فرّح قلبي واحمني (انظر عدد ٦: ٢٤ - ٢٦).
(١٧) هنا صلاة قصيرة يلتمس من الله أن يستجيب له فهو محاط بأعداء يهزأون به ولا يؤمنون بإلهه لذلك يحتاج أن يعتز باستجابة الصلاة لكي يبرهن لأولئك الأعداء عن فساد موقفهم تجاهه. إنها لثقة تامة غالبة بالله. وهذه الثقة لا تعتمد على استحقاقه هو بل على الرحمة التي تطاله من فيض إحسانه ولطفه تعالى.
(١٨) ما أحسن سكوت الشفاه الكاذبة. لأنه أفضل للإنسان أن لا يتكلم من أن يتكلم كاذباً لا سيما إذا كان هذا الكذب ضد أناس صالحين وحينئذ يكون الكاذب وقحاً متكبراً لا يخاف الله ولا يهاب إنساناً. يا ليت كل لسان يبكم قبل أن يشرع في تلفيق أمور لا ترضي الله ولا تتمم مشيئته. «الصديق» هنا بالمفرد. وهذه إشارة لخلق داود المتين فمع أنه قد تكلم عنه الناس باطلاً مع أنه هو كامل الطريق. وهكذا فعل الأشرار مع السيد المسيح وأهانوه ظالمين متكبرين (انظر ١بطرس ٢: ١٨ - ٢٥ ويعقوب ٤: ١ - ٦).
(١٩) في هذا العدد يتحول الرجاء المنبعث من الاتكال على رحمة الرب ويصبح حقيقة ثابتة وهكذا يحمد جود الرب وفضله ويرشد الناس الخائفين اسمه أن يتمسكوا بهذه الحقيقة ويثبتوا في الرب غير متزعزعين. وجود الرب مذخور مكنوز وليس شيئاً عارضاً يكون الآن ولا يكون غداً. بل هو ثابت أكيد على شرط أن المؤمن يعرف كيف يستفيد منه. وهذا الخير يفعله نحو المتكلين عليه لكي يظهر عنايته حتى بقية الناس يؤمنون ويخافون اسمه.
(٢٠) إن داود في وسط اضطراباته ومخاطره العظيمة وجد تشجيعاً عظيماً حينما حقق الله مطالبه ونجاه منها مرة بعد أخرى. وهو يعترف أن خلاصه لم يكن من مقدرة فيه بل برحمة من الله. «ستر وجهك» أي بمهابته فحينما يقف واحد ليحامي عن الآخر يواجه العدو المطارد أي يقف بوجهه حتى لا يصل إلى ضالته. إن الله يدافع عنا على هذه الصورة فهو يحمينا بوجهه ثم بعد ذلك يخفينا ويخبئنا حينما تكون الألسنة الشديدة ضدنا ولا نعرف ماذا وكيف ندافع عن أنفسنا فهو سندنا وحرزنا الأمين.
«٢١ مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ لأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ عَجَباً رَحْمَتَهُ لِي فِي مَدِينَةٍ مُحَصَّنَةٍ. ٢٢ وَأَنَا قُلْتُ فِي حَيْرَتِي: إِنِّي قَدِ ٱنْقَطَعْتُ مِنْ قُدَّامِ عَيْنَيْكَ. وَلٰكِنَّكَ سَمِعْتَ صَوْتَ تَضَرُّعِي إِذْ صَرَخْتُ إِلَيْكَ. ٢٣ أَحِبُّوا ٱلرَّبَّ يَا جَمِيعَ أَتْقِيَائِهِ. ٱلرَّبُّ حَافِظُ ٱلأَمَانَةِ وَمُجَازٍ بِكَثْرَةِ ٱلْعَامِلَ بِٱلْكِبْرِيَاءِ. ٢٤ لِتَتَشَدَّدْ وَلْتَتَشَجَّعْ قُلُوبُكُمْ يَا جَمِيعَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ٱلرَّبَّ».
(٢١) يعود داود لنفسه ويذكر رحمة الرب الشخصية نحوه. فالرب يستحق شكرنا الشخصي ولا يكفينا أن نذكر أشياء عامة نرددها وقلما نعنيها. إن الرب قد أظهر نحوه خلاصاً ممتازاً عجيباً. فالستر لم يكفه كما في العدد السابق وكذلك اختفاؤه في ظل الرب لأنه الآن قد أدخله إلى حماه الداخلي كأنما إلى مدينة محصنة لا يستطيع العدو أن يجتاز حتى أبوابها (انظر ٢أخبار ٨: ٥) هنا الرحمة الحامية الكاملة فلا يخاف أي عدو ولا أي مصاب عظيم.
(٢٢) هنا يذكر شيئاً مرّ عليه ويراجعه لأجل التذكار فقد صدمته النوائب وأوقعته في الحيرة وارتبك ولم يدر ماذا يفعل وحسب أنه لم يعد في حمى الرب بل قد انقطع وانفرد وعاش مستوحشاً بلا أنيس أو جليس. وهو في هذه الحالة من الحزن والضيق والانفراد يصرخ ويتأكد بعد ذلك إن الله سمع تضرعه واستجاب له ونشله مما هو فيه.
(٢٣) يطلب من كل الأتقياء أن يهرعوا للرب وينصرفوا إليه بخلوص ومحبة إن التقوى تستلزم المحبة التامة «تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هٰذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلأُولَى». ودعوته للمحبة هذه مبنية على سببين: الأول لأنه يحفط الأمانة. والثاني لأنه يجازي بالأخص الذي يعصى أمره ولا يتمم مشيئته. إذاً فالربح هو في المحبة والخسارة كلها لجميع الذين لا يرعون حرمة الله ولا يحافظون على تعليمه ونواميسه.
(٢٤) وما أجمل أن يختم هذا المزمور المملوء بذكرى المصائب والشدائد التي مرت بمثل هذا الختام. يطلب أن يكون للمؤمن القوة والشجاعة أما القوة فلكي يستطيع أن يحتمل وأما الشجاعة فلكي يقتحم. الواحدة تؤهله للدفاع والأخرى للهجوم ولا يكفي أن نرى أنفسنا في منجاة بل أن نترنم فرحين سعداء بالنجاة التي يمنحها الله. إن خلاص داود هذا قد كان فائقاً لكل ما انتظره وهكذا كل مرة فإن جود الرب هو أعظم مما نقدر أن نتصور أو نفتكر. فلنلتصق بالرب ولنمسك بيده ولنتشدد بعونه ونعمته (انظر إشعياء ٣٥: ٣ و٤ وعبرانيين ١٢: ١٢ و١٣).


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي وَٱلثَّلاَثُونَ


لِدَاوُدَ. قَصِيدَةٌ


«١ طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. ٢ طُوبَى لِرَجُلٍ لاَ يَحْسِبُ لَهُ ٱلرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ ٣ لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ، ٤ لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَاراً وَلَيْلاً. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ ٱلْقَيْظِ. سِلاَهْ. ٥ أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي. سِلاَهْ».
هذا المزمور أشبه شيء بعظة كتبها شخص مختبر الحياة الروحية والعلاقة مع الله ويود أن يلفت نظر الناس إلى عميق الاختبار الذي ناله. وهو مزمور توبة عميقة أيضاً وكان أوغسطينوس يحبه كثيراً. ويظن أن كلا المزمورين ٥١ وهذا المزمور قد كتبا بعد خطيئة الزنا التي ارتكبها. وأما هذا المزمور فقد كتبه بعد تأكد الغفران. وكان يشعر حينئذ بالطمأنينة والسلام بأن الله قد رضي عنه. والعنوان «قصيدة» لا تفيد المعنى تماماً إذ نفس الكلمة العبرانية مترجمة في (٢أخبار ٣٠: ٢٢) «فطنة» والأفضل ترجمتها تأمل.
(١) هنيئاً لمن ينال نعمة الرب فيسلم الإنسان نفسه لعنايته الحنونة. وكلمة إثم تشتق من أصل معناه البعد. لذلك فكل من يبتعد عن الله ويترك وصاياه فهو شرير أثيم. وهنيئاً له إذا عاد. وتستر الخطيئة حتى كأنها غير منظورة بعيني الله لأنه غفار رحيم.
(٢) بل إن خطيئته لا تحسب شيئاً ولا تقيد ضده. ذلك لأن الرب ينظر للقلب فإذا تاب وارتدع فإن الخطايا تمحى تماماً. ويتبع العدد بشرط المغفرة وهو أن لا يكون غش في ما يفعله. وحينئذ تكون التوبة قلبية وحقيقية. لا يعود للخطيئة أبداً. وبالتالي فالذين يتوبون بغش فهم باقون في خطاياهم لا ينالون الغفران.
(٣) لقد سكت من قبل عن أن يتوب وإذا به يصبح في ويل عظيم حتى عظامه فنيت من شدة تأوهاته وزفراته المتصاعدة. كلما حاول أن يكتم إثمه كلما ارتفع صوت الضمير ولم يعد أمامه سوى الحسرات والزفرات حتى لم يستطع صبراً طويلاً واستمر كذلك اليوم كله.
(٤) كانت يد الله عليه وشعر بوخز الضمير وحرارة داخلية محرقة جعلته يابساً كيوم قيظ شديد. ولم يرتح في حالته ليلاً ولا نهاراً. كإنما تلك النار في جوفه أخذت تلتهمه وتحرمه لذة الحياة بالكلية.
(٥) وهنا يصل إلى سبيل الخلاص من حالته السيئة هذه فيعترف ولم يعد يستطيع الكتمان. ثم يكرر اعترافه وهو يرجو الله أن يرفع عنه هذ الحمل الثقيل ولا تكون يده عليه للنقمة بل للبركة. وينهي كلامه بكلمة «سلاه» ولكن هذه تختلف عن التي في العدد الرابع بأنها ختام الفرح بينما تلك كانت تستنجد لأجل الرحمة والرضوان.
«٦ لِهٰذَا يُصَلِّي لَكَ كُلُّ تَقِيٍّ فِي وَقْتٍ يَجِدُكَ فِيهِ. عِنْدَ غَمَارَةِ ٱلْمِيَاهِ ٱلْكَثِيرَةِ إِيَّاهُ لاَ تُصِيبُ. ٧ أَنْتَ سِتْرٌ لِي. مِنَ ٱلضِّيقِ تَحْفَظُنِي. بِتَرَنُّمِ ٱلنَّجَاةِ تَكْتَنِفُنِي. سِلاَهْ. ٨ أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ ٱلطَّرِيقَ ٱلَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ. ٩ لاَ تَكُونُوا كَفَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ بِلاَ فَهْمٍ. بِلِجَامٍ وَزِمَامٍ زِينَتِهِ يُكَمُّ لِئَلاَّ يَدْنُوَ إِلَيْكَ. ١٠ كَثِيرَةٌ هِيَ نَكَبَاتُ ٱلشِّرِّيرِ، أَمَّا ٱلْمُتَوَكِّلُ عَلَى ٱلرَّبِّ فَٱلرَّحْمَةُ تُحِيطُ بِهِ. ١١ ٱفْرَحُوا بِٱلرَّبِّ وَٱبْتَهِجُوا يَا أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُونَ، وَٱهْتِفُوا يَا جَمِيعَ ٱلْمُسْتَقِيمِي ٱلْقُلُوبِ».
(٦) هنا واجب الصلاة والداعي لها لأن من الله النجدة والخلاص. إن التقوى تتطلب من التقي أن يحتمي بالله بل أنها مشتقة من «وقى» أي حفظ أو احتمى. ويحمي الإنسان عادة في أوقات الشدة والصعوبات. وحينما تأتي المياه الغامرة فالمؤمن لا يصيبه شيء لأنه في مرتفع ومنجاة منها. هو أعلى منها وبالتالي هي أوطى منه فيمر فوقها.
(٧) إن الله يستر خائفيه ويخفيهم عن الأنظار فلا يطالهم العدو. وفي وقت الضيق له الرعاية والحفظ. وحينئذ يتبدل ذلك إلى بهجة وترنم ويذهب الحزن والضيق ويكون فرج وسلام. فهو مكتنف بذلك من كل جانب إذاً فنجاته حقيقية لا وهم فيها البتة وهكذا يختم هذا العدد بأعلى أصوات المديح والابتهاج بشكر الله تعالى «سلاه».
(٨) هنا جواب مزمور ٥١ «فأعلم الأثمة طرقك...» إن الرب نفسه هنا معلمنا ومرشدنا للطريق الصالح «أنا هو الطريق والحق والحياة». و «عيني عليك» هو تعبير دارج في الشرق حتى يومنا هذا ويقصد به العناية. والعناية والمعاينة تتقارب جداً وبمعنى واحد.
(٩) هنا يتقدم المرنم بكلام قاس وتشبيه شديد اللهجة. على الإنسان أن يتصرف كإنسان بالطاعة والخضوع لمشيئة الله تعالى وإلا فهو عديم الفهم كالحيوان الأبكم. الحيوان يزين بزمام ولجام وفي الوقت ذاته يقاد بهما لكي يخدم الإنسان ويمنع ضرره. وعلى الإنسان أن يكم ذاته على الأقل. فهو يتميز عن الحيوان أنه يجب أن يقبل التعليم والإرشاد مختاراً.
(١٠) في هذا العدد مقابلة بين حالة الشرير فهو في نكبات مستمرة. وأما الذي يتكل على الرب وينال رضاه فهو محاط برحمته تعالى دائماً الفرق بين نكبة الشرير والصالح ليس فقط من جهة عددها ونوعها بل من جهة استقبالها ومواجهتها ثم نتيجتها الدائمة في القلب.
(١١) ويتابع المعنى في هذا العدد. ويطلب لهؤلاء الأتقياء أن يفرحوا ويبتهجوا ويهتفوا. ما أسعد هذه الآخرة التي يصلون إليها ذلك لأن فرحهم مقدس طاهر يتوقف على حالتهم الروحية الداخلية أكثر مما يصادفونه في هذه الحياة الدنيا الزائلة.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ وَٱلثَّلاَثُونَ


«١ اِهْتِفُوا أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُونَ بِٱلرَّبِّ. بِٱلْمُسْتَقِيمِينَ يَلِيقُ ٱلتَّسْبِيحُ. ٢ ٱحْمَدُوا ٱلرَّبَّ بِٱلْعُودِ. بِرَبَابَةٍ ذَاتِ عَشَرَةِ أَوْتَارٍ رَنِّمُوا لَهُ. ٣ غَنُّوا لَهُ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً. أَحْسِنُوا ٱلْعَزْفَ بِهُتَافٍ. ٤ لأَنَّ كَلِمَةَ ٱلرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ، وَكُلَّ صُنْعِهِ بِٱلأَمَانَةِ. ٥ يُحِبُّ ٱلْبِرَّ وَٱلْعَدْلَ. ٱمْتَلأَتِ ٱلأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ ٱلرَّبِّ. ٦ بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ صُنِعَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا».
(١) يبدأ المزمور بمخاطبة الصديقين والمستقيمين الذين يلتمسون الرب ويعيشون في رضاه. الذين يرون أن سلوكهم يجب أن يتمشى بحسب إرشاد روح الله. هم أولئك الذين كالمرآة النقية يعترفون بمراحم الله ويعكسون لذته بحمده تعالى وإذاعة إحسانه وشكره.
(٢) يطلب المرنم أن يكون الحمد بآلات الطرب المعروفة عندئذ. العود والربابة ذات عشرة الأوتار لأن هذه الآلات تزيد في رونق هذا الحمد وتجمّل الصوت البشري وتزيده وقعاً في النفس وتأثيراً في العواطف ومن يستطيع أن ينكر ما للموسيقى الآلية من عميق الأثر في النفوس. ومنذ أيام يوبال (راجع تكوين ٤: ٢١) الذي كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمور تعرّف الإنسان على هذا الاختراع المدهش.
(٣) بل يستنجد بالصوت البشري الذي يحسن النشيد والغناء. ويطلب أن تكون أغنية جديدة لأنها ذات وقع عميق في النفس. والعزف هو استعمال الآلات الموسيقية والصنوج التي تساعد الشعب على أن يهتفوا عالياً مسبحين اسم الرب.
(٤) كلمته مستقيمة أي لا غش فيها ولا مورابة وعليه فهي تطال جميع المستقيمين أيضاً. وكذلك فإن ما يصنعه ويعمله مملوء بالأمانة لكل الذين يتقونه ويخافون اسمه.
(٥) ومع أن الرب بار ويحب العدل مع ذلك لا شيء يقارن هذا البر سوى رحمته العظيمة التي تملأ الأرض كلها بالخير والغنى والبركات. قد لا نفهم نحن الآن أعمال الرب بل ونفسرها تفسيرات لا تنطبق على الحقيقة وعلينا أن نعود للصواب دائماً.
(٦) يعود هنا لبدء العالمين فهو الإله الخالق الذي قال للكائنات كوني فكانت. بل نفخ فيها شيء ذا نفس حية. و «جنودها» تعود للسموات وهي بالأرجح النجوم التي تملأ السموات وترصعها. وقد تكون الملائكة التي تسمّى الأجناد السماوية أيضاً. أو يقصد بذلك كل ذي حياة فهو كذلك بروح الله فقط.
«٧ يَجْمَعُ كَنَدٍّ أَمْوَاهَ ٱلْيَمِّ. يَجْعَلُ ٱللُّجَجَ فِي أَهْرَاءٍ. ٨ لِتَخْشَ ٱلرَّبَّ كُلُّ ٱلأَرْضِ، وَمِنْهُ لِيَخَفْ كُلُّ سُكَّانِ ٱلْمَسْكُونَةِ. ٩ لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ. ١٠ ٱلرَّبُّ أَبْطَلَ مُؤَامَرَةَ ٱلأُمَمِ. لاَشَى أَفْكَارَ ٱلشُّعُوبِ. ١١ أَمَّا مُؤَامَرَةُ ٱلرَّبِّ فَإِلَى ٱلأَبَدِ تَثْبُتُ. أَفْكَارُ قَلْبِهِ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. ١٢ طُوبَى لِلأُمَّةِ ٱلَّتِي ٱلرَّبُّ إِلٰهُهَا، ٱلشَّعْبِ ٱلَّذِي ٱخْتَارَهُ مِيرَاثاً لِنَفْسِهِ».
(٧) وهنا يلتفت للأرض فيرى البحر في كومة مجموعة منفصلة عن اليابسة كما رأى السماء مرفوعة كقبة عظيمة. ولجج المياه أي الأمواج الكبيرة يجعلها مخزونة محفوظة.
(٨) ولأنه الخالق العظيم الذي خلق السموات والأرض والبحر وكل ما فيها لذلك فمن الطبيعي أن سكان الأرض يجب أن يخشوا اسمه ويخافوه. فإنه على نسبة قدرته العظيمة يجب أن يخضع له الجميع ويتمشوا حسب أوامره لأنهم إذا خالفوا ذلك يخسرون أعظم خسارة.
(٩) يعود فيؤكد فكرة الخليقة بأنها بأمر الله تعالى وبكلمة قدرته. الله القادر على كل شيء يأمر وعلى الكل أن يطيعوا (مراثي ٣: ٣٧) فأمره يتمم حالاً كما يفعل العبد الصالح مع سيده فهو يسرع لتنفيذ الأمر الصادر إليه بدون أقل تذمر أو تردد (مزمور ١١٩: ٩١) الرب حميد جداً لأنه حاكم العالمين (انظر ٢صموئيل ١٥: ٣٤ و١٧: ١٤) والتعبير قال كن فكان أصبح شائعاً معروفاً.
(١٠) إن حكم الرب فهو فوق أفكار الشعوب جميعهم. بل بيده أن يبددها كما يشاء ولا يستطيع أحد أن يقول له ماذا تفعل. إن الأمم إذا رتبت أمورها بدون الله فهي لا شك خاسرة فلينتبه رجال السياسة والإدارة ماذا يفعلون.
(١١) (قابل هذا العدد بما ورد في أمثال ١٩: ٢١). قوله مؤامرة الرب أي مشيئته تعالى وما يرتبه. إن تاريخ البشرية في جميع أدوارها هو تاريخ أعمال الرب فيها لأنه هو المدبر لكل شيء وبدونه لا يمكن أن يكون شيء ما. ومظهر أعماله وتفسيرها الكامل هو في شعبه المختار الذي منه جاء الأنبياء والمرسلون ثم المسيح نفسه.
(١٢) يطوّب الأمة التي تختار الرب نصيبها وتخضع له وتمشي بأمره وتنتهي بنهيه. ويطوب الشعب المختار الذي جعله الله واسطة لنقل مشيئته لجميع البشرية في مختلف عصورها وعلى مدى دوران التاريخ (انظر تثنية ٣٣: ٢٩). والحق يقال إنها فكرة سامية عظيمة أن يرى الشعب علاقته الوثيقة بإلهه (انظر ١بطرس ٢: ٩) فإن هذه الفكرة العظيمة قد انتقلت بشكل روحي إلى العهد الجديد كما رأينا مثلاً على ذلك.
«١٣ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ نَظَرَ ٱلرَّبُّ. رَأَى جَمِيعَ بَنِي ٱلْبَشَرِ. ١٤ مِنْ مَكَانِ سُكْنَاهُ تَطَلَّعَ إِلَى جَمِيعِ سُكَّانِ ٱلأَرْضِ. ١٥ ٱلْمُصَوِّرُ قُلُوبَهُمْ جَمِيعاً، ٱلْمُنْتَبِهُ إِلَى كُلِّ أَعْمَالِهِمْ. ١٦ لَنْ يَخْلُصَ ٱلْمَلِكُ بِكَثْرَةِ ٱلْجَيْشِ. ٱلْجَبَّارُ لاَ يُنْقَذُ بِعِظَمِ ٱلْقُوَّةِ. ١٧ بَاطِلٌ هُوَ ٱلْفَرَسُ لأَجْلِ ٱلْخَلاَصِ، وَبِشِدَّةِ قُوَّتِهِ لاَ يُنَجِّي».
(١٣) نعم إن الرب مسكنه في السماء ولكنه يشرف على الناس جميعاً فهم تحت نظره وفي متناول يده كل لحظة. وهذا ينطبق على جميع الشعوب والقبائل والألسنة على السواء. فكما أن الرب عليم بكل شيء وقدير على كل شيء كذلك هو يطلع على كل شيء ولا تخفى عليه خافية.
(١٤) في هذا العدد أيضاً توكيد لسابقه ويورد لمعنى ذاته ولكنه بشكل آخر فقط. إن النظر العالي هو كاشف أيضاً إذ يتسع الأفق ويمتد النظر إلى كل مكان فكم بالأحرى لله العلي الذي يسكن في أعلى السموات والكلام مجازي بالطبع يقصد به أنه مرتفع عن إفهامنا وعن مدة إدراكنا فنحن لا نستطيع أن ندرك سوى الجزء الأصغر فقط.
(١٥) إن الله يصوّر القلوب ويتحكم بالنوايا والعواطف الداخلية (انظر زكريا ١٢: ١ وأمثال ٢٤: ١٢). ولأنه قد صنع الإنسان فبالطبع يفهم هذا الإنسان الذي صنعه جيداً. ويدرك نتائج أعمال البشر قبلما ينتهون منها لأنه يرى ما لا يرى ويدرك ما لا تدركه البصائر.
(١٦) لذلك فإن هذا الإنسان المتكل على نفسه من دون الله فهو خاسر وفي ضلال مبين. إن كثرة الجيوش قد تتغلب على العدو إلى وقت قصير محدود ثم إذا بهذا العدو يقارعه السلاح بالسلاح وقد يتغلب عليه. وقد جرى مثل ذلك في الحرب العالمية الأخيرة (١٩٣٩ - ١٩٤٥) إذ امتلك هتلر أعظم قوة عسكرية عرفها التاريخ ولكنه أخيراً خسر الحرب. والجبار أيضاً لا يجوز أن يغتر بقوته وجبروته لأن ذلك باطل أيضاً ويجب أن يعتبر أن فوق كل عالٍ عالياً هو الرب العظيم خالق السموات والأرض.
(١٧) قوله «الفرس» أي الفرسان وكانوا وما زالوا قوة جبارة في جميع الحروب. لا سيما إذا وضعت الخيل على مركبات فحينئذ لا تستطيع الجيوش الرجالة أن تقاومها طويلاً وتشبه المركبات «الدبابات» الحربية الحديثة في مدى هولها وتأثيرها الفظيع على سير الحروب الحديثة. وعليه فإن كل مظاهر القوة البشرية لا تفيد شيئاً ولا تجدي نفعاً إذا لم تسيطر عليها قوة الله وتسيرها نحو الأفضل. وفي الوقت ذاته فإن قوته العظيمة تعمل في الضعيف وتقويه حتى يغلب أعظم الأقوياء إذاً فالقوة الحقيقية ليست بشرية بل بالأحرى إلهية.
«١٨ هُوَذَا عَيْنُ ٱلرَّبِّ عَلَى خَائِفِيهِ ٱلرَّاجِينَ رَحْمَتَهُ، ١٩ لِيُنَجِّيَ مِنَ ٱلْمَوْتِ أَنْفُسَهُمْ، وَلِيَسْتَحْيِيَهُمْ فِي ٱلْجُوعِ. ٢٠ أَنْفُسُنَا ٱنْتَظَرَتِ ٱلرَّبَّ. مَعُونَتُنَا وَتُرْسُنَا هُوَ. ٢١ لأَنَّهُ بِهِ تَفْرَحُ قُلُوبُنَا، لأَنَّنَا عَلَى ٱسْمِهِ ٱلْقُدُّوسِ ٱتَّكَلْنَا. ٢٢ لِتَكُنْ يَا رَبُّ رَحْمَتُكَ عَلَيْنَا حَسْبَمَا ٱنْتَظَرْنَاكَ».
(١٨) إن الرب يقف هنا موقف المراقب المهتم بمصير أولاده الذين يخافون اسمه ويرجون رحمته. إن الظفر ليس للفرس ولا للفارس بل للرب الذي ينظر للإثنين ويتصرف كما يشاء. ولا من يرد حكمه. وقوله عينه يفيد أن حكمه النهائي على العالم هو مصلحة خائفيه فقط في النهاية يرعاهم بعنايته ويكلأهم بمحبته العظيمة الدائمة. لذلك فإن هؤلاء المؤمنين عليهم أن يلجأوا إليه في وسط المخاطر ولا يخافوا.
(١٩) وحينئذ ستأتيهم النجاة كاملة والخلاص تاماً. وهذا يتم فقط برحمة الله وليس بالنسبة لاستحقاق الإنسان لأنه لا يستحق شيئاً. حتى الموت لهم نجاة منه. ولو عمت المجاعة كل مكان وعضت بنابها كل شخص فلهم حياة ولا يصيبهم أي أذى (راجع مزمور ٢٠: ٨) وتكاد هذه الجملة أن تكون منفردة بذاتها.
(٢٠) لا شك قد كانت صورة الخطر رهيبة والضيقة عظيمة ولكن في حالة كهذه علينا أن ننتظر الرب ولا نتسرع في أحكامنا لئلا تتعقد كل أمورنا. إن العون سيأتي في حينه على شرط أن نتأكد من هذا الترس الذي يرد عنا كل ضيم وننجو به من كل خطر (انظر تثنية ٣٣: ٢٩) والتشديد في هذه العبارة على «هو» أي الله الذي هو عوننا الدائم وملاذنا الأمين وواقينا من كل الضيقات.
(٢١) وفرح قلوبنا هو لأن اسم الرب أساس إيماننا ومحبتنا ورجائنا وبالتالي بواسطته يأتينا الخلاص. إن انتظار الإنسان لله يجب أن يتعادل مع استعداد الله للمساعدة وعلينا أن لا نستعمل اتكالنا على أنفسنا لئلا نخسر اتكالنا على الله. والذين يعدمون الصبر ويضجرون سريعاً لا يمكنهم ان ينالوا بركات الله ولا أن يتمتعوا بمراحمه كما ينبغي. وليكن فرحنا فقط على نسبة عميق إيماننا به واتكالنا عليه.
(٢٢) ويختم كلامه مؤكداً أن إحسان الرب نحونا هو من رحمته فقط. ولأن المرنم يؤمن بالله ويتكل عليه وينتظر رحمته لذلك فهو يود أن يرى الشيء يقابل بمثله. كأن يضع ذلك في كفتي ميزان. الرحمة من جانب والانتظار من جانب آخر فكلما ثقلت كفة الانتظار وحسن الاتكال عليه تعالى كلما عظمت رحمته أيضاً وازدادت وكان البرهان عليها أكيداً يوماً بعد يوم.

اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ وَٱلثَّلاَثُونَ


لِدَاوُدَ عِنْدَمَا غَيَّرَ عَقْلَهُ قُدَّامَ أَبِيمَالِكَ فَطَرَدَهُ فَٱنْطَلَقَ


«١ أُبَارِكُ ٱلرَّبَّ فِي كُلِّ حِينٍ. دَائِماً تَسْبِيحُهُ فِي فَمِي. ٢ بِٱلرَّبِّ تَفْتَخِرُ نَفْسِي. يَسْمَعُ ٱلْوُدَعَاءُ فَيَفْرَحُونَ. ٣ عَظِّمُوا ٱلرَّبَّ مَعِي، وَلْنُعَلِّ ٱسْمَهُ مَعاً. ٤ طَلَبْتُ إِلَى ٱلرَّبِّ فَٱسْتَجَابَ لِي، وَمِنْ كُلِّ مَخَاوِفِي أَنْقَذَنِي. ٥ نَظَرُوا إِلَيْهِ وَٱسْتَنَارُوا وَوُجُوهُهُمْ لَمْ تَخْجَلْ».
هذا المزمور هو أحد المزامير الثمانية التي تحسب أنها نظمت وقت اضطهاد شاول لداود ونجد هذا مدوناً في عناوين ابتداء المزمور كما نجد قوله «لداود عندما غيّر عقله...» لقد اضطر داود أن يلجأ إلى الفلسطينيين أعداء بني إسرائيل الألداء لكي يهرب من وجه شاول الذي كان يطارده من مكانٍ لآخر. وهكذا حسب الملك أخيش أن داود عدوه وعدو شعبه القديم قد وقع في أيديهم ولولا هذه الحيلة التي تذرع بها داود وتظاهر بالجنون لفقد حياته لا محالة. وهكذا طرده الملك من أمام وجهه (راجع ١صموئيل ٢١). وعلينا أن ننتبه لذكره «ابيمالك» بينما هناك أخيش. ويحسب بعض المفسرين أن أبيمالك هي لقب وليست اسماً علماً فهي مثل فرعون لكل ملك مصري. وكل عدد من هذا المزمور يبدأ بحرف من حروف الأبجدية ما عدا حرف الواو فهو مفقود.
(١) يبدأ المرنم بحمد الرب ويتكلم بالضمير الأول المتكلم في الأعداد الأربعة الأولى وبعد ذلك يتحول عن الحمد إلى الموعظة والإرشاد. يبارك الرب دائماً وتسبيحه على فمه ليلاً ونهاراً لا يفتأ يفعل ذلك ولا يهدأ له بال حتى يقوم بهذا الواجب المقدس.
(٢) إن فخره ليس بنفسه بل بإلهه. فهو بذلك ينسى ذاته ويضيع تجاه الله الكلي القدرة. هنا الفرق بين المتواضع والمتكبر فالمتواضع ينسى ذاته ويذكر الله والمتكبر ينسى الله ويذكر ذاته. وقوله الودعاء وبالعبراينة قريبة جداً للمساكين أي أولئك الذين تعلموا من حوادث الدهر لين العريكة واللطف وهكذا سلموا أمورهم لله.
(٣) هنا يؤكد ما قاله سابقاً ويطلب تعظيم الرب فقط ولا يكتفي بأن يفعل ذلك بنفسه بل يطلب من الآخرين أن يشاركوه هذا التعظيم والإجلال. لأنه حينما نعظم الرب بالحق نرفع أنفسنا أيضاً إلى عرشه بالدعاء والابتهال وبالعكس فإن تركناه نسقط إلى أوطى الدركات.
(٥) انتهى في الأعداد الأربعة الأولى من سرد الحمد والتعظيم واختباره الشخصي. هنا يبدأ بربط الأفكار وتقديم النصح. فيقول لنا إن الذين يعبدون الرب كان لهم النور في حياتهم والرفع في وجوههم وبدلاً من أن يخجلوا ويخزوا كان لهم الكرامة والمجد.
«٦ هٰذَا ٱلْمِسْكِينُ صَرَخَ، وَٱلرَّبُّ ٱسْتَمَعَهُ، وَمِنْ كُلِّ ضِيقَاتِهِ خَلَّصَهُ. ٧ مَلاَكُ ٱلرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ وَيُنَجِّيهِمْ. ٨ ذُوقُوا وَٱنْظُرُوا مَا أَطْيَبَ ٱلرَّبَّ! طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ. ٩ ٱتَّقُوا ٱلرَّبَّ يَا قِدِّيسِيهِ لأَنَّهُ لَيْسَ عَوَزٌ لِمُتَّقِيهِ. ١٠ ٱلأَشْبَالُ ٱحْتَاجَتْ وَجَاعَتْ، وَأَمَّا طَالِبُو ٱلرَّبِّ فَلاَ يُعْوِزُهُمْ شَيْءٌ مِنَ ٱلْخَيْرِ».
(٦) يذكر هنا كما في العدد الرابع لماذا يجب حمد الرب وتسبيحه. فقد كان لهذا الاختبار الشخصي أثره البالغ في نفسه. لقد اشتاق للرب واعتمد عليه ورغماً عن كل ضيقاته لم يتخل عنه قط. يخبرنا أن صلاة المؤمن لا تذهب عبثاً وعلينا حينما نصلي أن نثق بكل جوارحنا بإلهنا فهو قادر أن يعطينا ما نحتاج إليه بالتمام. هنا يسرد في هذه الأعداد المتوالية بعض الحقائق التي اختبرها المرنم في حياته اليومية لذلك فديانته عملية اختبارية وهكذا هي عميقة الأثر وحقيقية. ولأنه اختبر لذلك يستنتج وينصح الآخرين أن ينسجوا على منواله.
(٧) إن هذا الحمد سبب الحماية الإلهية الحنونة فإن الله يرسل ملاكه لكي يحرس خائفيه فلا يطالهم أي ضيق. وقوله ملاك أي رئيس جند الرب المكلف بهذه المهمة الدائمة (راجع يشوع ٥: ١٤) وهذا يصحبه عدد من الأتباع لذلك فهو يحمي من كل جانب وينجي.
(٨) يود المرنم أن يحصل الآخرون على اختباره بالذات يقول ذوقوا (راجع عبرانيين ٦: ٤ وأيضاً ١بطرس ٢: ٣) ولأنه هو ذاق ونظر الرب لذلك يطلب منهم أن يفعلوا هكذا. بل هو يطوّب المتكل على الرب فله الهناء والسعادة والرضوان.
(٩) ثم يطلب إليهم أن يتقوه ويخافوه ذلك لأنه من مصلحتهم الحقة ولا يمكن أن يوجد عوز وضيق بعد ذلك بل يعيشون في شبع ورحب كل أيامهم.
(١٠) الأشبال هنا هي الأسود الشابة التي بلغت أشدها وتستطيع أن تطلب قوتها بنفسها. ولكنه يؤكد أن هذه قد تحتاج وتكون قدرتها على الفتك بدون فائدة أو جدوى ولكن ليس الأمر كذلك مع المتقين الراجين رحمة الرب فهم دائماً في بحبوحة وعيش رغيد. هؤلاء لهم علاقة وطيدة وشركة مع الله ولأن الله هو الغني الجواد لذلك لن يترك أتقياءه فقراء معوزين. وقد وردت كلمة الأشبال مرات عديدة ويظهر أن الأسود كانت تعيش بكثرة في تلك الأيام (راجع المزامير ٣٥: ١٧ و٥٧: ٥ و١٧: ١٢).
«١١ هَلُمَّ أَيُّهَا ٱلْبَنُونَ ٱسْتَمِعُوا إِلَيَّ فَأُعَلِّمَكُمْ مَخَافَةَ ٱلرَّبِّ. ١٢ مَنْ هُوَ ٱلإِنْسَانُ ٱلَّذِي يَهْوَى ٱلْحَيَاةَ، وَيُحِبُّ كَثْرَةَ ٱلأَيَّامِ لِيَرَى خَيْراً؟ ١٣ صُنْ لِسَانَكَ عَنِ ٱلشَّرِّ وَشَفَتَيْكَ عَنِ ٱلتَّكَلُّمِ بِٱلْغِشِّ. ١٤ حِدْ عَنِ ٱلشَّرِّ وَٱصْنَعِ ٱلْخَيْرَ. ٱطْلُبِ ٱلسَّلاَمَةَ وَٱسْعَ وَرَاءَهَا. ١٥ عَيْنَا ٱلرَّبِّ نَحْوَ ٱلصِّدِّيقِينَ وَأُذُنَاهُ إِلَى صُرَاخِهِمْ. ١٦ وَجْهُ ٱلرَّبِّ ضِدُّ عَامِلِي ٱلشَّرِّ لِيَقْطَعَ مِنَ ٱلأَرْضِ ذِكْرَهُمْ».
(١١) لا يقصد بالبنين هنا الأولاد الصغار في السن ولكنه أسلوب لطيف للخطاب فيظهر الناصح كأنه أب حنون للمنصوح عليه أن يقبل النصيحة ويسترشد. بل هو واقف موقف المعلم الحكيم الذي ملأته الأيام حنكة وخبرة. وأعظم العلم في نظره هو مخافة الرب. وهنا يبدأ المزمور بالقسم الرئيسي من الكلام ولطالما استعمل داود مثل هذه الطريقة (راجع أمثال ١: ٨).
(١٢) في هذا العدد سؤال جوهري ثم في العددين التاليين يعطي الجواب عن ذلك. وهو أسلوب بديع للكلام وقد استعمله داود في غير هذا الموضع (راجع مزمور ١٥: ١ و٢٤: ٨ و١٠ و٢٥: ٢٢). ويظهر أن ما ورد في (١بطرس ٣: ١٠ - ١٢) هو اقتباسة من هنا.
(١٣) يطلب من الإنسان أن يصان عن الشر وفي القسم الثاني بقوله «وشفتيك الخ..» هو تكرار لنفس المعنى. قبل كل شيء ليكن اللسان طاهراً يبتعد عن الغش والنميمة والخداع.
(١٤) ثم يطلب أكثر من ذلك ويلتفت للإنسان بجملته وينصحه بالحيدان عن الشر. ولا يكتفي بذلك بل أن يصنع الخير ذلك لأن بالخير وحده يكون سلامة وطمأنينة وعلى الإنسان أن يسعى في سبيل ذلك ولا تأتيهم عفواً وهكذا قال السيد المسيح «طوبى لصانعي السلام...».
(١٥) إنها لفكرة عظيمة هذه أن الله يرى الصديق ويسمعه. وهذا قريب جداً لما ورد في (مزمور ٣٣: ١٨). إن الله يرى الصديقين ويهتم بهم وينظر إلى خيرهم الحقيقي وهو أيضاً يصغي إلى شكاويهم ولا يتخلى عنهم أبداً.
(١٦) وفي الوقت ذاته فهو ضد الأشرار والظالمين . ولا يرى المرنم فرقاً بين الشر والشرير ولم يسمُ بعد في أفكاره ليقول «يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين». فهو يرى الخير للصديقين فقط والعقاب والغضب لغيرهم. بل يتجاوز في شدة إلى القول إن الله يبيدهم تماماً لذلك فهم ينالون العقاب السريع على الأرض ويترك دينونة السماء جانباً لأنها لم تكن واضحة بعد.
«١٧ أُولَئِكَ صَرَخُوا وَٱلرَّبُّ سَمِعَ وَمِنْ كُلِّ شَدَائِدِهِمْ أَنْقَذَهُمْ. ١٨ قَرِيبٌ هُوَ ٱلرَّبُّ مِنَ ٱلْمُنْكَسِرِي ٱلْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ ٱلْمُنْسَحِقِي ٱلرُّوحِ. ١٩ كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا ٱلصِّدِّيقِ وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ ٱلرَّبُّ. ٢٠ يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظَامِهِ. وَاحِدٌ مِنْهَا لاَ يَنْكَسِرُ. ٢١ ٱلشَّرُّ يُمِيتُ ٱلشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو ٱلصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ. ٢٢ ٱلرَّبُّ فَادِي نُفُوسِ عَبِيدِهِ، وَكُلُّ مَنِ ٱتَّكَلَ عَلَيْهِ لاَ يُعَاقَبُ».
(١٧) يعود للعدد الخامس عشر ويؤكد أن الله قريب من الذين يدعونه. والصراخ يقصد به صراخ التعاسة والآلام ولأن الله محب حنون لذلك يسمع الذين يستنجدون به ولا يتخلى عنهم قط. إن صلاتنا لله يجب أن تكون في طلب المعونة منه وسط الشدائد لا أن لا تكون شدائد بتاتاً إذ هذه موجودة بطبيعة الحال فمعنى أنه ينقذنا منها لا ينفي وجودها وعلينا أن نثق أن الله برحمته ينجينا.
(١٨) إن قرب الله هو بالأخص للذين قلوبهم منكسرة وأرواحهم منسحقة إذ لا يقبل الله أن يستمروا كذلك دون أن يأتيهم بالعون والإسعاف. أي إن الاقتراب لله يجب أن يكون بالتواضع الحقيقي. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره. هؤلاء لا يرون أي فضيلة في عملهم بل كل اتكالهم على نعمة الله ورحمته.
(١٩) إن الصديق يصاب بمصائب جمة فهو عرضة لها كما الشرير أيضاً ولكن الفرق بين الاثنين هو أن الصديق يتعلم من بلاياه وغير الصديق لا يتعلم شيئاً (انظر إشعياء ٥٧: ١٥).
(٢٠) إن حفظ الرب لا يتناول نفس الصديق فقط بل جسده أيضاً فهو يحفظ عظامه لأنها قوام جسمه كله. يحفظه كله فلا يصيبه أدنى ضرر حقيقي. ولا يحفظ جسده إجمالاً بل كل عضو فيه حتى كل عظمة بمفردها لأن الله يعتني هكذا بأولاده حتى أنه يهتم بكل شيء فيهم ولا يتركهم أبداً.
(٢١) وعدل الله يجب أن يظهر ومظهره هو في أن الشر الذي يسعى الشرير وراءه ورغب فيه وأحبه من قبل يتحول الآن عليه لكي يميته. إن الشهوات التي نفسح لها المجال في حياتنا هي التي تسبب لنا أخيراً الهلاك والدمار ونتمنى نادمين لو إننا عرفنا أخطاءنا وآثمنا وأصلحناها.
(٢٢) وبالعكس فإن المسؤولية تجاه الأبرار هي ليست بأيديهم كما الحالة مع الأشرار بل بيد الذي يفدي نفوسهم ويخلصهم من كل ضيق ولذلك فإن جميع المتكلين عليه ينالون الرحمة والرضوان. لا يعاقبون أي لا يطالهم جزاء الله بالقصاص والغضب كما هي الحالة مع مبغضي الصديق.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ وَٱلثَّلاَثُونَ


لِدَاوُدَ


«١ خَاصِمْ يَا رَبُّ مُخَاصِمِيَّ. قَاتِلْ مُقَاتِلِيَّ. ٢ أَمْسِكْ مِجَنّاً وَتُرْساً وَٱنْهَضْ إِلَى مَعُونَتِي، ٣ وَأَشْرِعْ رُمْحاً وَصُدَّ تِلْقَاءَ مُطَارِدِيَّ. قُلْ لِنَفْسِي: خَلاَصُكِ أَنَا. ٤ لِيَخْزَ وَلْيَخْجَلِ ٱلَّذِينَ يَطْلُبُونَ نَفْسِي. لِيَرْتَدَّ إِلَى ٱلْوَرَاءِ وَيَخْجَلِ ٱلْمُتَفَكِّرُونَ بِإِسَاءَتِي. ٥ لِيَكُونُوا مِثْلَ ٱلْعُصَافَةِ قُدَّامَ ٱلرِّيحِ، وَمَلاَكُ ٱلرَّبِّ دَاحِرُهُمْ».
هذا المزمور أيضاً مما قاله داود وقت اضطهاد شاول له وهو المزمور سابقه يؤلفان وحدة وكلاهما يذكران ملاك الرب بصورة خاصة. وهو إيضاح شعري مطول لما ورد في (١صموئيل ٢٦: ١٥). لقد ذهب هتزق أن كاتب هذا المزمور هو إرميا ولكن الأعداد الثلاثة الأولى تنطبق على كلام ملك مضطهد أكثر مما على نبي مضطهد. وهو يشبه المزمور ٤٠ والمزمور ٥٩ شبهاً كثيراً. يسود هذا المزمور روح الكدر والعاطفة المهتاجة لا سيما حينما يصف كنود أعدائه والقائمين عليه. وفيه حزن شامل ممزوج باللوم والتحقير. ويقسم المزمور إلى ثلاثة أقسام هي من الأعداد (١ - ١٠) و(١١ - ١٨) و(١٩ - ٢٨). والشيء الجميل فيه هو أن نار غضبه المنتقم أو الداعي للانتقام تمتزج بنار محبته المضطرمة لله.
(١) إن الرب في نظر المرنم هو رجل الحرب والقتال كما هو وارد في (خروج ١٥: ٣ وتثنية ٣٢: ٤١ وما يليه). وهنا يكسبه هذا الوصف الشعري الجامع جلالاً ويلونه بألوان ساحرة جميلة فالمرنم يطلب أن يقوم الرب لنصرته ولا يتخلى عنه لئلا يدوسه العدو القوي.
(٢) ويطلب من الرب هنا أن يحميه حماية تامة من كل جانب فالمجن والترس لكي يدفعا عنه كل الضربات والصدمات. وكأنه يقرّ بأنه لا يستطيع أن يحمي نفسه لذلك يطلب حماية من الرب.
(٣) وإذا حماه الرب فقد نال التعزية الكافية وفي هذا العدد يطلب من الرب أن يهاجم أعداءه ويهاجم بالرمح ولا يكتفي أن يكون الترس الذي يحميه. وقوله خلاصك أنا يفسر لماذا يطلب العون من الرب. يريد أن يتحقق صراخه للنجدة بإلهه فينال الخلاص الكامل.
(٤ و٥) يطلب لهؤلاء الأعداء الفشل والخذلان بكلام لاذع قوي فيكونون مع العصافة تحملها الريح لأن ملاك الرب هو الذي يطردهم أمامه فلا يحسبون شيئاً. وهنا إشارة لما ورد في (خروج ١٤: ٢٥) حينما ملاك الرب عرقل سير المصريين كما أنه ساعد الإسرائيليين. وهنا يظهر أن عون الرب يأتي في حينه ولا يتركنا بلا عون في الشدائد.
«٦ لِيَكُنْ طَرِيقُهُمْ ظَلاَماً وَزَلَقاً، وَمَلاَكُ ٱلرَّبِّ طَارِدُهُمْ. ٧ لأَنَّهُمْ بِلاَ سَبَبٍ أَخْفَوْا لِي هُوَّةَ شَبَكَتِهِمْ. بِلاَ سَبَبٍ حَفَرُوا لِنَفْسِي. ٨ لِتَأْتِهِ ٱلتَّهْلُكَةُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، وَلْتَنْشَبْ بِهِ ٱلشَّبَكَةُ ٱلَّتِي أَخْفَاهَا، وَفِي ٱلتَّهْلُكَةِ نَفْسِهَا لِيَقَعْ. ٩ أَمَّا نَفْسِي فَتَفْرَحُ بِٱلرَّبِّ وَتَبْتَهِجُ بِخَلاَصِهِ. ١٠ جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: يَا رَبُّ، مَنْ مِثْلُكَ ٱلْمُنْقِذُ ٱلْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَٱلْفَقِيرَ وَٱلْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ؟».
(٦) كذلك في هذا العدد يتابع الصورة السابقة المشار إليها في (سفر الخروج ١٤). إن هذا الملاك يظهر في كل المواقف الحرجة حينما يعترض سبيل الفداء أي معترض كما جرى في مختلف أطوار الفداء الذي أعده الله لخلاص العالم فكيف بهذا الملاك وهوذا الملك الممسوح من الله في حالة الخطر الشديد والموت. هنا يظهر الإيمان والثقة وإذا به يرى نوراً من العلاء كما يتصور الظلام والزلق في طريق الأعداء.
(٧) والسبب هو أن هؤلاء الأعداء قد تظاهروا بغير عداوة فكأنهم أخفوا هوة ونصبوا شبكة وانتظروا ليصطادوا وإن عملهم هذا لا يكشف عن أية إساءة سببها هو بل عن نواياهم الباطنة الرديئة. وإن خطر العداوة هو بما كمن فيها أكثر مما ظهر.
(٨) إن التهلكة التي لا يستعد لها الإنسان يكون السقوط فيها أعظم جداً من التي يستعد لها ويأخذ حذره منها. والمرنم يطلب لهم جزاء ما جنته أيديهم فهم البادئون بالشر والباديء أظلم وليس عجيباً أن ينال الجزاء العادل لما جناه من قبل. بل يطلب من الله أن يسقطه هو فيها ولأنه قصد الهلاك لعدوه فليهلك هو أولاً لأن على الباغي تدور الدوائر.
(٩) ثم يعود لنفسه ويسكن آمناً مطمئناً. بل يجد مجالاً واسعاً للغبطة والفرح. وفرحه هذا غير مسبب عن ظروف خاصة يصادقها بل عن حماية الله وحفظه. إن الله قد أعدّ له خلاصاً فلا يهمه ما يرتبه له العدو لأن إلهه أقوى منه وهو الذي يستطيع أن يدبر كل شيء للخير. ولذلك فإن نفسه تفرح وتبتهج بدلاً من أن تهتم وتكتئب.
(١٠) وهذا الفرح يتخلل إلى كل عظم من عظامه كما وإلى كل مفصل من مفاصله. وكإنما تصبح جميع الأعداء جوقاً يترنم بشكر الله وحمده. فهو يقول من مثلك يا رب. هو المجري العدل والإنصاف للجميع فهو لا يسمح للقوي أن يستبد بالضعيف كما لا يسمح أن الفقير والبائس يسلبان ولا إله يستنجدان به فينجدهما في حينه. وقوله «من مثلك» (راجع خروج ١٥: ١١) ونلاحظ المبالغة في الكلام بقوله سالب الفقير والبائس فهذا منتهى السلب والخساسة لأنه لو سلب الغني صاحب النعمة لكان أهون جداً.
«١١ شُهُودُ زُورٍ يَقُومُونَ، وَعَمَّا لَمْ أَعْلَمْ يَسْأَلُونَنِي. ١٢ يُجَازُونَنِي عَنِ ٱلْخَيْرِ شَرّاً، ثَكَلاً لِنَفْسِي. ١٣ أَمَّا أَنَا فَفِي مَرَضِهِمْ كَانَ لِبَاسِي مِسْحاً. أَذْلَلْتُ بِٱلصَّوْمِ نَفْسِي. وَصَلاَتِي إِلَى حِضْنِي تَرْجِعُ. ١٤ كَأَنَّهُ قَرِيبٌ، كَأَنَّهُ أَخِي كُنْتُ أَتَمَشَّى. كَمَنْ يَنُوحُ عَلَى أُمِّهِ ٱنْحَنَيْتُ حَزِيناً. ١٥ وَلٰكِنَّهُمْ فِي ظَلْعِي فَرِحُوا وَٱجْتَمَعُوا. ٱجْتَمَعُوا عَلَيَّ شَاتِمِينَ وَلَمْ أَعْلَمْ. مَزَّقُوا وَلَمْ يَكُفُّوا. ١٦ بَيْنَ ٱلْفُجَّارِ ٱلْمُجَّانِ لأَجْلِ كَعْكَةٍ حَرَّقُوا عَلَيَّ أَسْنَانَهُمْ».
(١١) هنا يبدأ القسم الثاني من المزمور وهكذا يحاول وصف هؤلاء الأعداء الأشرار. فهم يشهدون عليه بالزور والبهتان عن أمور يجهلها ومع ذلك يسألونه عنها ليعترف بها ولا يخافون الله. يتهمونه تهماً شنعاء ويحسبونه ضاراً واشياً وسالباً لحقوق الآخرين.
(١٢) وأعظم حزنه هو لأن هؤلاء الأعداء يقابلون الحسنة منه بالإساءة ونجد شاول يعترف بذلك (راجع ١صموئيل ٢٤: ١٨). لذلك فإن عدم الاعتراف بالجميل كان يزعجه ويسبب له غماً كثيراً. وقوله «ثكلاً لنفسي» أي إنه يجد من الذين ادعوا صداقته والخلوص له وإذا بهم بعيدون لا يذكرونه ولا يتعرفون به. وهذه الحالة صحيحة مع أصدقاء المصلحة الذين تنتهي صداقتهم بانتهاء مصلحتهم منك ولا يعودون يذكرون شيئاً من الصداقة القديمة كأنهم ماتوا عنها.
(١٣) ولكنه يقابل نفسه بهم ويذكر إن صداقته كانت عميقة وغير شكل عن صداقتهم هذه إذ هو يلبس مسحاً لدى مرضهم ويبقى حزيناً وهو يصلي من أجلهم بل يصوم متضرعاً لله أن ينقذهم ويعينهم. وصلاته ترجع إلى حضنه أي من كثرة ذله وانكساره فهو لا يرفع رأسه ولا يجرؤ أن ينظر للعلاء (رجع ١ملوك ١٨: ٤٢).
(١٤) ثم يتمشى المرنم باحثاً كأنما عن صديق أو أخ ولكنه كان يبحث عبثاً. وقد انحنى من ثقل الهموم والتعاسة حتى لا يجد كلاماً يعبر به عن نفسه لذلك يطلق لنفسه العنان بالنوح. وقد يمكن أن تكون الترجمة «كنوح أمٍ انحنيت حزيناً» فهو يلبس لباساً خاصا ويرخي لحيته والدمع يترقرق في عينيه ولا يغسل وجهه.
(١٥) ولكنهم يفرحون بعرجه وهو يتمايل إلى هنا وهناك. وهذا منتهى القساوة إذ ليس في قلوبهم أي شعور بالمؤاساة والعطف. هم أصحاب السوء الذين يهزأون بنكبات الآخرين وضيقاتهم. بل فعلوا أكثر من ذلك إذ تطاولوا بالشتم مجتمعين هازئين بل قرنوا كلامهم المهين بالأذية وتمادوا في غيهم ولم يرعووا عن ضلالهم.
(١٦) إن هؤلاء قد أظهروا العداوة لغير سبب. وهنا يشبههم بالكلاب التي تتهارش من أجل لقمة أو كعكة وهنا منتهى التحقير ويحرقون أسنانهم ويظهرون الانتقام لضيق صدروهم وعدم اتساعها لأي عطف أو رحمة أو محبة.
بنو الدينا بجهل عظموها فعزّت عندهم وهي الحقيرة
يهارش بعضهم بعضاً عليها مهارشة الكلاب على العقيرة



«١٧ يَا رَبُّ، إِلَى مَتَى تَنْظُرُ؟ ٱسْتَرِدَّ نَفْسِي مِنْ تَهْلُكَاتِهِمْ، وَحِيدَتِي مِنَ ٱلأَشْبَالِ. ١٨ أَحْمَدُكَ فِي ٱلْجَمَاعَةِ ٱلْكَثِيرَةِ. فِي شَعْبٍ عَظِيمٍ أُسَبِّحُكَ. ١٩ لاَ يَشْمَتْ بِي ٱلَّذِينَ هُمْ أَعْدَائِي بَاطِلاً، وَلاَ يَتَغَامَزْ بِٱلْعَيْنِ ٱلَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ. ٢٠ لأَنَّهُمْ لاَ يَتَكَلَّمُونَ بِٱلسَّلاَمِ، وَعَلَى ٱلْهَادِئِينَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَفَكَّرُونَ بِكَلاَمِ مَكْرٍ. ٢١ فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ. قَالُوا: هَهْ هَهْ! قَدْ رَأَتْ أَعْيُنُنَا. ٢٢ قَدْ رَأَيْتَ يَا رَبُّ. لاَ تَسْكُتْ يَا سَيِّدُ. لاَ تَبْتَعِدْ عَنِّي».
(١٧) لقد عيل صبره ولا يستطيع الانتظار لذلك يسأل إلى متى؟ ويطلب ان يسترد الرب نفسه من مكايدهم. والتهلكات بالأخص هي في الجمع لكي يعطيها توكيداً ومبالغة فإن هؤلاء الأعداء لم يكتفوا مرة واحدة بأن يسيئوا إليه ويؤذوه بل جربوها مرات عديدة. ووحيدته هي نفسه يطلب نجاته من هؤلاء الوحوش الفاتكة التي لا ترحم.
(١٨) هنا يفاخر بذكره لإلهه أمام الناس جميعاً فهو يحمده ويسبح له ويرى بذلك مدعاة لسلامه وطمأنينته. لقد كان بين أولئك الأعداء في هم مقيم وهو الآن يريد أن يشهد بخلاص الرب أمام كل الناس ولا يتهيب من أحد ولا يتراجع قط بل يزداد رسوخاً في الإيمان.
(١٩) الشماتة في الأعداء تسبب أعظم الغيظ والكدر. وإن شماتتهم لا حق لهم فيها بل هي لأمور وهمية باطلة. بل هم يتمادون في غيهم ويتغامزون في عيونهم ولا يتوروعون من شيء. وسبب حنقه منهم أنهم يضمرون له السوء بلا سبب معقول. لذلك فعداوتهم عن خساسة ودناءة.
(٢٠) إن بعض الأعداء يتكلمون مملقين على الأقل أما هؤلاء فحتى كلامهم لا يحوي شيئاً من السلام. فهم إذاً في القول والفعل للخصام فقط. وأذيتهم تلحق أولئك الوادعين الهادئين الذين لا يؤذون أحداً ومع ذلك يمكرون عليهم وهنا منتهى الشر والقحة.
(٢١) إن فاغري الأفواه هم المتشوقون بكلام التعظم والكبرياء وقد تمادوا في السخرية والتهكم ولم يقفوا عند أي حد. وهم يدعون أنهم رأوا أمراً فرياً عليه قد يمسكونه به ويتهمونه ببعض الأمور كذباً وبهتاناً. وقوله هه هه للتعبير عن ذلك الفرح الرديء حينما يكون العدو في ضيق أو مصيبة.
(٢٢) ولكنه يستنجد بالله ويسلمه أمره تماماً. لقد خاب ظنه بالناس جميعاً الذين تحولوا ضده للإساءة والهزء فكيف يستطيع أن يعتمد عليهم أو يركن إليهم. فهو يرجو الله أن لا يسكت عن دعواه لأنه يحامي عن المسكين والمظلوم ولا يهدأ حتى يرجع الحق إلى نصابه ويجازي الشرير عن كل شره الذي اقترفه.
«٢٣ ٱسْتَيْقِظْ وَٱنْتَبِهْ إِلَى حُكْمِي، يَا إِلٰهِي وَسَيِّدِي إِلَى دَعْوَايَ. ٢٤ ٱقْضِ لِي حَسَبَ عَدْلِكَ يَا رَبُّ إِلٰهِي فَلاَ يَشْمَتُوا بِي. ٢٥ لاَ يَقُولُوا فِي قُلُوبِهِمْ: هَهْ! شَهْوَتُنَا. لاَ يَقُولُوا: قَدِ ٱبْتَلَعْنَاهُ! ٢٦ لِيَخْزَ وَلْيَخْجَلْ مَعاً ٱلْفَرِحُونَ بِمُصِيبَتِي. لِيَلْبِسِ ٱلْخِزْيَ وَٱلْخَجَلَ ٱلْمُتَعَظِّمُونَ عَلَيَّ. ٢٧ لِيَهْتِفْ وَيَفْرَحِ ٱلْمُبْتَغُونَ حَقِّي، وَلْيَقُولُوا دَائِماً: لِيَتَعَظَّمِ ٱلرَّبُّ ٱلْمَسْرُورُ بِسَلاَمَةِ عَبْدِهِ. ٢٨ وَلِسَانِي يَلْهَجُ بِعَدْلِكَ. ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ بِحَمْدِكَ».
(٢٣) يطلب من الله أن يسرع لنجدته ويستيقظ للأخذ بناصره ولكي يثأر من أعدائه المحيطين به. يريد من الله أن يجلس عل منصة الحكم. ويلتمس من السيد أن يقضي له في دعواه.
(٢٤) وهذا القضاء ليكن حسب عدله تعالى لأن البشر لا عدل عندهم فقد اختبرهم المرنم اختباراً مراً ولذلك فهو يستغيث ويستنجد بعدل المولى الإلهي فقط. ويهمه أن لا يشمتوا به ولا يهزأوا بإلهه كإنما يصح قولهم أن الرب لا يسمع ولا يهتم بالبائس والمسكين نظيره.
(٢٥) وهكذا لا يستطيعون أن يحققوا رغبتهم فيه ولا أن ينالوا شهواتهم منه. حتى أنهم لا يقولون ولا في سرهم أيضاً أننا قد غلبناه وانتصرنا فهو ليس لقمة سائغة في أفواههم ليبتلع بسهولة بل ليكن شوكة وحسكة لأن الرب عاضده ولن يسقط أبداً. قصدهم أن يخفوه من الوجود بتاتاً وهذا ما يقصده بالابتلاع.
(٢٦) بل ليرد الله كيدهم في نحرهم وليجازهم عما جنته أيديهم. وهكذا يصبحون في خجل لأنهم تعظموا لذلك يسقطون إلى الأعماق ويضمحلون كسحابة صيف عابرة.
(٢٨) وفي الوقت ذاته يلتفت للذين يطلبون حق الله ويدافعون عنه ويلتمس منهم أن يهتفوا ويفرحوا. ثم ليكن فرحهم بالرب فقط لأنه هو الذي يهتم بسلامة عبده المتوكل عليه لا شك أن هؤلاء الذين يفرحون معه قليلون بالعكس عن أولئك الذين يفرحون بأذيته فهم كثيرون. ولكن ماذا يهمه وعليه كما عليهم أن يشتركوا معاً بحمد الرب وتسبيحه لأجل خلاصه.
(٢٩) ثم يعود لنفسه ويختلي بها مع إلهه بعد طوافه الطويل مع الناس حواليه من كل جانب ويرى عدل الله متجلياً أمامه فهو لم يفقد الشجاعة. ولم يعدم الصبر وطول الأناة. بل يرى أن يكرر الحمد والتسبيح وليكن ذلك ختام يومه. فإن قلبه مفعم بهذا السرور الغالب وماذا يستطيع الناس أن يقاوموه أو يطالوه بأي شيء (راجع مزمور ٧١: ٢٤).


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ وَٱلثَّلاَثُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِعَبْدِ ٱلرَّبِّ دَاوُدَ


«١ نَأْمَةُ مَعْصِيَةِ ٱلشِّرِّيرِ فِي دَاخِلِ قَلْبِي أَنْ لَيْسَ خَوْفُ ٱللّٰهِ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. ٢ لأَنَّهُ مَلَّقَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ وِجْدَانِ إِثْمِهِ وَبُغْضِهِ. ٣ كَلاَمُ فَمِهِ إِثْمٌ وَغِشٌّ. كَفَّ عَنِ ٱلتَّعَقُّلِ، عَنْ عَمَلِ ٱلْخَيْرِ. ٤ يَتَفَكَّرُ بِٱلإِثْمِ عَلَى مَضْجَعِهِ. يَقِفُ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ صَالِحٍ. لاَ يَرْفُضُ ٱلشَّرَّ. ٥ يَا رَبُّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ رَحْمَتُكَ. أَمَانَتُكَ إِلَى ٱلْغَمَامِ. ٦ عَدْلُكَ مِثْلُ جِبَالِ ٱللّٰهِ، وَأَحْكَامُكَ لُجَّةٌ عَظِيمَةٌ. ٱلنَّاسَ وَٱلْبَهَائِمَ تُخَلِّصُ يَا رَبُّ».
غير أكيد تماماً متى كتب داود هذا المزمور وما هو الداعي لكتابته. قد يكون في أيام اضطهاد شاول له أو في أيام أبشالوم. وهو يظهر لنا أن لا يفتخر الشرير بشره بل على الصديقين أن يبغضوا الخطيئة ويبتعدوا عنها لينالوا بركة الرب وعلينا نحن أن نرنم هذا المزمور بغبطة وشكران. يضع عنوان المزمور «عبد الرب» ولا يوجد مثل هذا العنوان إلا في المزمور الثامن عشر ولا ندري تماماً لماذا يذكره. قد يكون لأنه خدم الرب في أيامه بصورة أتم وأكمل من أي إنسان آخر. في هذا المزمور وصف بليغ للشر والأشرار. بل يقتلع الشر هنا من أصوله ويرينا إياه.
(١) إن الشرير لم يصرّح علناً ضد خوف الرب والنأمة هي كلام بانين ولكنه أوحاها سراً للذين عرفوا معنى الورع أو لم يعرفوه. والترجمة اليسوعية تقول «للمنافق كلام معصية في باطن قلبه فإن مخافة الله ليست أمام عينيه». وأعتقد أن هذه الترجمة أصحّ وإن تكن تلك حرفية أكثر.
(٢) وهذا الشرير يخادع نفسه ويموّه عنها الحقائق «حتى لا يجد إثمه ممقوتاً في عينيه». إن الشرير وهو يتوغل في شره يريد أن يقنع ذاته أن حالته لا بأس بها وكلما ابتعد عن طريق الصواب كلما حسب نفسه أنه على حق.
(٣) بعد أن ذكر في العددين السابقين نبع الشر وأصله في الشرير يتحول الآن ليصف النتائج وإذا كلامه كذب وخداع وإذا أعماله بعيدة عن الخير لا يهمه إن صدق أو كذب إن خان العهود أو حافظ عليها. ولأن الشرير يخادع نفسه وهي التي يجب أن تكون أثمن شيء عليه لا عجب إن خادع الآخرين.
(٤) لأنه ترك الصلاح فهو يتفكر في عمل الإثم. ويبدأ تفكيره حينما يكون بعيداً عن الناس. لأن الشر يبدأ في القلب والنية قبل أن يظهر للعيان. واقترافه عندئذ عن سابق قصد وتصميم هو أفظع جداً من الطفرة والتسرع وبدلاً من أن ينصرف للصلاة والتأملات الروحية ينصرف للشر والأذية.
(٥ و٦) هنا ينظر نظرة ثانية فكما كانت الأولى كريهة وبغيضة هوذا نظرته الثانية لطيفة ومحيية. لقد يئس من الإنسان فنظر إلى الله. لقد سئم أن ينظر للأسفل فرفع بصره للسموات. فرأى رحمة الله ورأى أمانته. ثم نظر للجبال الراسخة فوجد فيها برهاناً قاطعاً أن عدل الله لا يزال موجوداً فلكي يتقوى ويتشجع كما أن أحكامه تعالى لا تدرك لعمق معانيها. وإنما يدله الاختبار أن الله يخلص الجميع من ناس وبهائم.
«٧ مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللّٰهُ، فَبَنُو ٱلْبَشَرِ فِي ظِلِّ جَنَاحَيْكَ يَحْتَمُونَ. ٨ يَرْوُونَ مِنْ دَسَمِ بَيْتِكَ وَمِنْ نَهْرِ نِعَمِكَ تَسْقِيهِمْ. ٩ لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ ٱلْحَيَاةِ. بِنُورِكَ نَرَى نُوراً. ١٠ أَدِمْ رَحْمَتَكَ لِلَّذِينَ يَعْرِفُونَكَ وَعَدْلَكَ لِلْمُسْتَقِيمِي ٱلْقَلْبِ. ١١ لاَ تَأْتِنِي رِجْلُ ٱلْكِبْرِيَاءِ، وَيَدُ ٱلأَشْرَارِ لاَ تُزَحْزِحْنِي. ١٢ هُنَاكَ سَقَطَ فَاعِلُو ٱلإِثْمِ. دُحِرُوا فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ٱلْقِيَامَ».
(٧) يتأكد المرنم أن كل البر والخير هما من الله (راجع هوشع ٤: ١ وإشعياء ٥: ٧) ولكنه يلتفت هنا ليخبرنا عن عناية رحمته. إن رحمته كريمة لا تحاسب على نسبة ما نحن بل على نسبة الله وما عنده. وهنا يشبه حمايته كإنما في ظل الأجنحة الأبدية (راجع راعوث ٢: ١٢) فإن الذين يلتمسون حماية الله لا يخيبون أبداً. ولا شك أن الذين لا يفهمون عنايته تعالى لم يتعرفوا عليه بعد ولم يعيشوا به أبداً.
(٨) إنهم بالله يمتلأون إذ لهم الرواء من خيرات الله ولا تعطش نفوسهم لأن نعمه دائمة الانسكاب عليهم. نعم إن النفس التي تطلب بركات الله لا تطلب شيئاً أتم وأكمل منه تعالى. ولأن كفايتهم بالله فقط لذلك إذا لم يكن لهم جميع بركاته. لا يهتمون كثيراً (راجع ٤: ١٨). فنكبّر أوعيتنا لكي تستطيع أن تسع أكثر فأكثر (رؤيا ٢٢: ١) ونرى نهر الله.
(٩) لأن الله نبع حياتنا لذلك فسعادتنا تتوقف على نسبة ما نرتوي منه. علينا أن نتصل به لكي ننال البركات. فلا يكفي أن يكون حوض الماء إذا لم تمتد إليه الأنابيب والأقنية لكي تأخذ منه وهكذا تتوزع المياه. «بنورك نرى نوراً» أي نستطيع أن نفهم على نسبة ما تسمح لنا به لذلك فحدود فهمنا أن نقبل نورك المشرق علينا من العلاء ولا نقفل عليه قط. ذلك النور الذي يناسبنا ويكفي تطلعنا للأفضل (راجع ١كورنثوس ١٣: ١٢ و١يوحنا ٣: ٢).
(١٠) لذلك يلتمس دوام الرحمة عليه لأنه يعرف الله وأما الذين لا يعرفونه فمع أنهم ينالون الرحمة ولكنهم لا يقدرون قيمتها ولا يفهمون معناها. وفي الوقت ذاته يلتمس أن ينال الصديقون ما ناله هو أيضاً. وهكذا يطلب العدل للذين يفهمون العدل والاستقامة. وهذا الدوام هو كالنبع الفياض الذي لا ينضب معينه بل يجري باستمرار.
(١١) ثم يعود إلى نفسه فيلتمس أن لا تكون له رجل تزلق بالكبرياء بل يطلب أن لا تكون أي يد للأشرار ممتدة إليه لكي تثنيه عن عزمه أو تبعده عن صلاحه لئلا يكون له جزاء الأشرار مثلهم.
(١٢) ويختم مؤكداً أن الأشرار سيسقطون. إنهم لا يستطيعون أن يربحوا المعركة الأخيرة قد يربحون معارك جمة وينجحون ولكن إلى حين. نعم نحن لا نفرح بسقوط الأشرار ولا نشمت بهم ولكن هذا لا ينفي تلك الحقيقة التي لا يجوز أن تغرب عن بالنا أن الشر والأشرار لا شك سيندحرون أخيراً ولا يبقى سوى الخير الذي من الله.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ وَٱلثَّلاَثُونَ


لِدَاوُدَ


«١ لاَ تَغَرْ مِنَ ٱلأَشْرَارِ وَلاَ تَحْسِدْ عُمَّالَ ٱلإِثْمِ، ٢ فَإِنَّهُمْ مِثْلَ ٱلْحَشِيشِ سَرِيعاً يُقْطَعُونَ، وَمِثْلَ ٱلْعُشْبِ ٱلأَخْضَرِ يَذْبُلُونَ. ٣ ٱتَّكِلْ عَلَى ٱلرَّبِّ وَٱفْعَلِ ٱلْخَيْرَ. ٱسْكُنِ ٱلأَرْضَ وَٱرْعَ ٱلأَمَانَةَ. ٤ وَتَلَذَّذْ بِٱلرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. ٥ سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَٱتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي، ٦ وَيُخْرِجُ مِثْلَ ٱلنُّورِ بِرَّكَ وَحَقَّكَ مِثْلَ ٱلظَّهِيرَةِ».
هذا المزمور يمتاز على غيره من المزامير بأنه ليس فقط للعبادة بل هو للإرشاد والموعظة فيبحث عدداً من النقاط الهامة في حياة الإنسان ويتساءل كيف ينجح الأشرار ويزدهرون؟ ولكن هل هذا على الدوام أم ذلك إلى حين. وكان حسب الشريعة الموسوية أن البار وحده هو الذي يباركه الله ولكن وجد أمثلة عديدة خالفت هذه النظرية ولم تتمشّ عليها فلماذا؟
(١) ما أكثر الذين يغارون من الأشرار ويقتدون بهم ويتمنون أن يكونوا مثلهم بل نجدهم يحسبونهم في سعادة وصفاء بينما هم في تعاسة وشقاء. كذلك علينا أن لا نحسدهم مهما بلغوا من حالة البحبوحة والرخاء ذلك أنهم هم كذلك حسب الظاهر لا في الحقيقة والعاقل من نظر للحقائق وابتعد عن الظواهر.
(٢) والسبب الذي يقدمه المرنم لماذا لا نغار منهم ولا نحسدهم هو لأن الأشرار سيهلكون لا محالة. وحالة الأبرار هي بالعكس فإن ظاهرهم قد تكون التعاسة ولكن باطنهم سعادة وخير وسلام. وذلك لأن حالتهم هذه لا تعتمد على الظروف الخارجية بل على الإيمان الذي يمنح مثل هذه البركات في قلب الإنسان. فقيمة الأشرار كالحشيش الذي لا يعمّر طويلاً بل للفناء ومظهر نشاطهم يتبدل كالعشب الذي لا يطول أمره حتى يذبل.
(٣) بهذا العدد يبدأ سلسلة نصائحه الثمينة فأولاً عليه أن يتكل على الرب لأن منه كل خير وإحسان وبعد ذلك لا يستطيع إلا فعل الخير إذ تتغير طبيعته ويبدأ بحياة الصلاح وتكون النصيحة عندئذ أنه إذا سكن الأرض فمن واجبه أن يكون أميناً في كل شيء «كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة».
(٤) حينئذ يكون الرب أعظم لذته. إن خطأنا عظيم حينما نحسب أن الدنيا وما فيها يمكنها من لذاتها أن تملأ نفسنا وتشبعها والحقيقة عكس ذلك وعلينا فقط أن نشرب من الماء الحي (راجع يوحنا ٤: ١٤) وحينئذ فقط يمنحنا الله كفايتنا ويكمل جميع نقائصنا ونقول «الرب راعي فلا يعوزني شيء».
(٥) إيانا أن نحسب إننا نعرف الطريق للحياة الخالدة علينا أن نسترشد ونستهدي أولاً وذلك بأن نسلّم للرب طريقنا وهو قال «أنا هو الطريق...» الذين يذهبون مع أناس يعرفون الطريق يسلّمون لهم مطمئنين واثقين. علينا أن نفسح مجالاً لله فقط وهو عندئذ يدبر كافة أمورنا وفي حينها.
(٦) حينئذ يكون سيرنا أميناً منيراً كإنما كل وقت عندنا هو الظهيرة. إذاً علينا أن نسيّر حياتنا واثقين وحينئذ لا شيء يختفي. إن البر الذي نقدمه هو معنا للأبد ولا يستطيع أي الناس أن ينتزعه منا.
«٧ ٱنْتَظِرِ ٱلرَّبَّ وَٱصْبِرْ لَهُ، وَلاَ تَغَرْ مِنَ ٱلَّذِي يَنْجَحُ فِي طَرِيقِهِ، مِنَ ٱلرَّجُلِ ٱلْمُجْرِي مَكَايِدَ. ٨ كُفَّ عَنِ ٱلْغَضَبِ وَٱتْرُكِ ٱلسَّخَطَ وَلاَ تَغَرْ لِفِعْلِ ٱلشَّرِّ، ٩ لأَنَّ عَامِلِي ٱلشَّرِّ يُقْطَعُونَ، وَٱلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ ٱلرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ. ١٠ بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَكُونُ ٱلشِّرِّيرُ. تَطَّلِعُ فِي مَكَانِهِ فَلاَ يَكُونُ. ١١ أَمَّا ٱلْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ ٱلأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ ٱلسَّلاَمَةِ».
(٧) بعد أن أنهى مجمل النصائح في الأعداد الستة السابقة يعود الآن للتفصيل فأول ما يلفت إليه الأنظار هو أن لا نتسرع في أحكامنا ولا سيما في الأمور الأدبية فعلينا أن نصبر وننتظر. وقوله «لا تغر...» أي لا تحسد أحداً ولا سيما أولئك الذين ينجحون بسبب المكايد التي يصنعونها ولا يتهيبون أن يرتكبوا شروراً كثيرة في سبيل نيل مآربهم الشخصية.
(٨) نصيحته بعد ذلك أن لا نغضب ولا سيما من الأمور التي يرتبها الله لنا وهكذا لا نتذمر من أي شيء بل نكون واسعي النظر بعيدي المدارك لأن الأمور ليست بظواهرها. كذلك علينا أن نرى فعل الشر مما يجب أن نتجنبه لا أن نقتدي بأصحابه قط. كم من هموم ومتاعب تزول عنا بسرعة إذا سلّمنا أمورنا للرب وعرفنا أن الحق وحده يبقى.
(٩) هنا يعطي السبب لماذا علينا أن ننتظر الرب ولا نغضب ذلك لأن الشر وأصحابه إلى حين ثم يقطعون (راجع أيوب ٢٠: ٢٨) وبالعكس فإن المنتظرين الصابرين هم الذين يرثون كل بركة وخير (راجع يعقوب ٥: ٨ و٩) علينا أن نلطف من حدتنا ونخفف من غلوائنا لأن الله قريب وهو يستجيب دعاء عبيده ولا يرذلهم (فيلبي ٤: ٥).
(١٠) ليس فقط أن الأشرار يقطعون ويرمون جانباً بل تأتيهم الحياة بويلاتها ولا يثبتون قط. وهكذا ليس فقط أن شجرة حياتهم تقطع بل تأتيهم أنهار المصائب وتجرفهم جرفاً ولا تبقى شيئاً منهم (انظر مزمور ٧٣: ١٧) وكذلك (إشعياء ٢٩: ١٧ - ١٩).
(١١) هذه الفكرة يضعها السيد المسيح في موعظته على الجبل (متّى ٥: ٥). وهذه الوداعة هي التي تكتفي بالخير الذي يمنحه الله وتسعد بالشكران. وأصحابها هم الذين لا يتذمرون ولا يشكون من شيء ولا ينظرون للوجه الأسود بل دائماً يفسرون مصائب الحياة بما يشجع ويقوي وينشط. هم الذين عمرت قلوبهم بالإيمان وانشغلت أيديهم بأعمال الرحمة والإحسان. لذتهم أن يروا الآخرين في بحبوحة وأعظم الخير لديهم هو أن يجدوا كل إنسان في سلامة وخير. هم الذين لا يعرفون معنى الأنانية في حياتهم اليومية بل يعيشون بالرضاء والقبول ثم ينصرفون للعمل النافع لا يثنيهم عنه شيء لأن جهودهم لا يعيقها أي عائق ولذلك فخيرات الأرض تصل لأيديهم أخيراً وينعمون قانعين.
«١٢ ٱلشِّرِّيرُ يَتَفَكَّرُ ضِدَّ ٱلصِّدِّيقِ وَيُحَرِّقُ عَلَيْهِ أَسْنَانَهُ. ١٣ ٱلرَّبُّ يَضْحَكُ بِهِ لأَنَّهُ رَأَى أَنَّ يَوْمَهُ آتٍ! ١٤ ٱلأَشْرَارُ قَدْ سَلُّوا ٱلسَّيْفَ وَمَدُّوا قَوْسَهُمْ لِرَمْيِ ٱلْمِسْكِينِ وَٱلْفَقِيرِ، لِقَتْلِ ٱلْمُسْتَقِيمِ طَرِيقُهُمْ. ١٥ سَيْفُهُمْ يَدْخُلُ فِي قَلْبِهِمْ وَقِسِيُّهُمْ تَنْكَسِرُ. ١٦ اَلْقَلِيلُ ٱلَّذِي لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ مِنْ ثَرْوَةِ أَشْرَارٍ كَثِيرِينَ. ١٧ لأَنَّ سَوَاعِدَ ٱلأَشْرَارِ تَنْكَسِرُ، وَعَاضِدُ ٱلصِّدِّيقِينَ ٱلرَّبُّ».
(١٢) هو شرير هنا بفكره ولا نستخف بالفكر قط لأننا كثيراً ما نرتكب الأخطاء بعقولنا فقط وهذا يكفي. وقوله أنه يفتكر ضد الصديق لأنه يرى حياته غير شكل فبدلاً من أن يقتدي يضع خططاً للكيد منه لكي ينتقص من فضيلته ثم هو يحرّق الأسنان ويصر عليها دليل الحقد والغضب هو لا يتمنى فعل الخير ولكنه يحسد أعماله وهكذا يزيد تعاسته بنفسه لنفسه.
(١٣)كيف لا يضحك به الرب؟ وهو عارف القلوب ومختبر النوايا وفاحص الخفايا. و «يومه» هنا تعني يوم قصاصه ودينونته.
(١٤) إن هؤلاء الأشرار قوم عتاة ظالمون يفرضون إرادتهم على الصالحين والمستقيمين ويريدون أن يتمموا كل شيء بالبطش وقوة الأسلحة. لذلك فشجاعتهم غير الشجاعة الأدبية وسلاحهم يستعملونه ضد المساكين والضعفاء ولا يجرؤون على استعماله ضد الأقوياء. فهم والحق يقال جبناء ويظهر جبنهم حينما يحاولون قتل المستقيمين مع أنهم لم يسيئوا إليهم ولكن تلك هي نفوسهم الخبيثة التي تظهر الشجاعة فقط في غير أوقاتها.
(١٥) ولكن الله يظهر عدله بكل جلاء فهو لا يرضى بحالة تستمر هكذا بل هو الذي يرد كيدهم في نحرهم وأسلحتهم تتحطم ولا تفيدهم كما لا تخذل سواهم. فالأمر الهام ليس الأسلحة بل استعمالها وضد من تستعمل.
(١٦) إن الله يبارك الصديقين ويجعل من قليلهم كثيراً ومن حقيرهم عظيماً. بالعكس عن الأشرار فإن غضب الله ونقمته عليهم. لهم ثروة ولكنها غير مباركة لذلك لا تسعدهم شيئاً ولأنهم يضعون قلوبهم على غناهم فهم في تعاسة وشقاء دائمين (انظر أمثال ١٥: ١٦ و١٧ و١٦: ٨ و٢٨: ٦). إن ثروة الصالحين هي بمواعيد الله وبعلاقتهم المتينة بالمسيح (انظر غلاطية ٣: ٨) لأنه وارث لكل شيء لذلك يعطي جميع خائفي اسمه.
(١٧) ذلك لأن الأشرار يستعملون سواعدهم للضرر بدلاً من النفع ولأنهم يريدون أن يكسروا غيرهم فيكسرون هم أولاً وهذا حق عليهم لا لهم. وإنما الرب فيعضد الصديقين ويعينهم ويساعدهم ويقويهم. هم وإن ظهروا متروكين منه فالحقيقة غير متروكين أبداً. إن طغيان الشر وذويه سيعقبه هبوط وتأخر واضمحلال ولكن الصديقين ينتقلون من قوة إلى قوة ومن نعمة إلى نعمة أتم وأكمل.
«١٨ ٱلرَّبُّ عَارِفٌ أَيَّامَ ٱلْكَمَلَةِ، وَمِيرَاثُهُمْ إِلَى ٱلأَبَدِ يَكُونُ. ١٩ لاَ يُخْزَوْنَ فِي زَمَنِ ٱلسُّوءِ، وَفِي أَيَّامِ ٱلْجُوعِ يَشْبَعُونَ. ٢٠ لأَنَّ ٱلأَشْرَارَ يَهْلِكُونَ، وَأَعْدَاءُ ٱلرَّبِّ كَبَهَاءِ ٱلْمَرَاعِي. فَنُوا. كَٱلدُّخَانِ فَنُوا. ٢١ ٱلشِّرِّيرُ يَسْتَقْرِضُ وَلاَ يَفِي، أَمَّا ٱلصِّدِّيقُ فَيَتَرَأَّفُ وَيُعْطِي. ٢٢ لأَنَّ ٱلْمُبَارَكِينَ مِنْهُ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ، وَٱلْمَلْعُونِينَ مِنْهُ يُقْطَعُونَ. ٢٣ مِنْ قِبَلِ ٱلرَّبِّ تَتَثَبَّتُ خَطَوَاتُ ٱلإِنْسَانِ وَفِي طَرِيقِهِ يُسَرُّ».
(١٨) هو عارف أيامهم بمعنى حافظ لهم فلا يتركهم ولا يتخلى عنهم. وهم إذاً تحت عنايته الحنونة الدائمة. ولأنهم كذلك فهم لا يقطعون من الأرض وذكرهم لا يباد بل يحفظهم الرب ويحفظ ميراثهم فيبقى من جيل إلى جيل. إن الله يسر بهم ولذلك فذكرهم سيبقى إلى الأبد ولذلك فلا يجوز أن يحسدوا الأشرار أو يتشبهوا بعمال الإثم لأنهم أسعد منهم وأحسن حالاً.
(١٩) إن ديانتهم ليست سبب خزي لهم بل هي التي تعضدهم وتقويهم وهي التي يجب أن تشددهم لا سيما وقت السوء والشدائد لأن لهم التعزية والعضد. وإذا اجتاحت المجاعة بلادهم فهم لا يجوعون لأنهم يتكلون على الرب. ولا يجوز لهم أن يتذمروا من أي شيء مهما كان (إشعياء ٨: ٢١). عليهم أن يروا وراء ظواهر الأشياء ويتمتعوا بخلاص الرب (حبقوق ٣: ١٧ و١٨).
(٢٠) ذلك لأن الأشرار يبادون ويضمحلون ولا شيء من الخير يثبت عندهم. إن لذة الأشرار هي محاربة الفضيلة والبر وإذا عجزوا عن أن يفعلوا شيئاً يتحولون ضد الفاضلين والأبرار لكي ينتقموا منهم ويكيدوا لهم. ولكن بمساعيهم الشريرة لا يهلكون سوى أنفسهم ولا يضرون ضرراً حقيقياً سوى ذواتهم. «ذلك لأن الباغي أظلم». وعلى الباغي تدور الدوائر.
(٢١) هنا يعطي مقابلة بين معاملة الشرير والصديق. فالشرير يستقرض ولكنه لا يعطي مقابل ما يأخذه فهو واسع الذمة ولا يحترم الحق ولا يتمشى حسب القانون. وبالعكس فإن الصديق يعطي أكثر من الحق فهو يتساهل ويحسن مترأفاً كريماً حنوناً. لا يهمه ربح المال بل ربح النفوس (راجع أيوب ٦: ٨ - ١٤ وأمثال ٢٢: ٧).
(٢٢) ولكنهم (أي الأشرار) كلما تمادوا في غيهم كلما أصابتهم لعنة بعد لعنة حتى يبادوا ويقطعوا. وبينما الأبرار لهم البركة والنعمة ولهم الميراث إذ «كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله». في هذه الآية يفصل بين جماعتين ويجعل فريقاً غير شكلٍ عن الآخر وهم المباركون من جهة والملعونون من جهة أخرى.
(٢٣) ويقصد هنا «الإنسان» أي الإنسان الصالح الذي يسير في سبيل الله ويتمم مشيئته تعالى فهو غير متقلقل بل ثابت وهو يفرح فيما يتممه من أعمال وما يقوم به من واجبات لأن راحة الضمير ترافقه ورضا الله عليه ينير له الطريق فيمشي غير عاثر ولا يخاف أي الشرور. إن الله يعمل في قلب الإنسان الصالح بواسطة روحه الذي يرشد ويهدي لذلك تكون نتيجة حياته السعادة الكاملة والسرور.
«٢٤ إِذَا سَقَطَ لاَ يَنْطَرِحُ لأَنَّ ٱلرَّبَّ مُسْنِدٌ يَدَهُ. ٢٥ أَيْضاً كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ وَلَمْ أَرَ صِدِّيقاً تُخُلِّيَ عَنْهُ وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزاً. ٢٦ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ يَتَرَأَّفُ وَيُقْرِضُ وَنَسْلُهُ لِلْبَرَكَةِ. ٢٧ حِدْ عَنِ ٱلشَّرِّ وَٱفْعَلِ ٱلْخَيْرَ وَٱسْكُنْ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٢٨ لأَنَّ ٱلرَّبَّ يُحِبُّ ٱلْحَقَّ وَلاَ يَتَخَلَّى عَنْ أَتْقِيَائِهِ. إِلَى ٱلأَبَدِ يُحْفَظُونَ. أَمَّا نَسْلُ ٱلأَشْرَارِ فَيَنْقَطِعُ. ٢٩ ٱلصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى ٱلأَبَدِ».
(٢٤) إن الله يحفظنا من الانخذال الكامل. قد تأتينا التجارب ونزلق ولكن إيانا أن ننطرح كإنما قد قضي علينا ولا نستطيع النهوض بعد. لنعد إلى الله حالاً فهو الذي يعيننا على التوبة. وهو سندنا وعليه نتكل حتى لا نرتمي على الثرى. فقد تأتينا الأحزان والضيقات ونتجرب بشدة ونشعر أننا قد انحدرنا عميقاً ولكن علينا أن نعود لله حالاً بالتوبة وطلب الغفران وهو يسندنا فلا نفشل.
(٢٥) يسرد المرنم اختبار السنين فيذكرنا أنه كان فتى ومرّ بأدوار الحياة كلها وعلى السامع أن يضع هذا الاختبار في مقامه اللائق. نعم إن داود حينما كان هارباً من وجه شاول التجأ إلى أخيمالك الكاهن وأكل خبز التقدمة لأنه كان جائعاً خائفاً ولكنه حادث وقتي وبظرف معين ليس إلا. وما أثمن هذا الاختبار الذي يلقيه علينا (راجع فيلبي ١: ٢٩). إن الذين يفعلون الخير لا يندمون قط بل هم مباركون دائماً حتى إلى ذراريهم.
(٢٦) إن الأموال والخيرات التي وهبها الله لهم لا تنقص بالعطاء والإحسان بل تزيد وتتكاثر (أمثال ١١: ٢٤ - ٢٦) وأيضاً انظر (جامعة ١: ١ - ٦) إن عمله اليومي هو طلب الخير لا فرق عنده أجاءه الفقير في أول النهار أو آخره فهو مستعد دائماً أن يرحم الآخرين ويخفف آلام المتألمين. ولأنه ذلك فنسله مبارك أيضاً لأن أولاده يقتدون به وينسجون على منواله.
(٢٧) هذه نصيحة عامة حكيمة للغاية (راجع مزمور ٣٤: ١١ - ١٤). إن الحيدان عن الشر هو تجنب أسبابه وعدم التحرش بفاعليه حتى إذا قصد بعضهم أن يعتدوا علينا فمن الواجب أن لا نقابلهم بالمثل. إن واجبنا أن نفعل الخير لأن ذلك أبقى وأجدى وبهذه الواسطة نثبت للأبد ولا نتزعزع (راجع ١بطرس ١: ٣ - ٥).
(٢٨) إن الرب يحب الحق ويحب الذين يفعلونه ويجازيهم خيراً بدل كل أفعالهم. فهو يسهر على الأتقياء ويحفظهم وينجيهم من المخاطر وينذرهم. هم محفوظون لأنهم بعنايته وتحت ظل جناحيه يحتمون. وبالعكس فإن الأشرار نصيبهم الهلاك والدمار. وحفظه للأبرار ليس لوقت محدود بل للأبد (راجع ٢تيموثاوس ٤: ٤٨ ومزمور ١٢: ٧).
(٢٩) إذاً فالأبرار يربحون هذه الدنيا في نظره وبعد أن تنتهي حياتها يربحون الآخرة أيضاً. يكرر هذه الفكرة عن الودعاء والصديقين أنهم يرثون الأرض لذلك فلا خيبة حقيقية لهم على الإطلاق. وإنما عليهم أن ينتظروا ولا يعدموا صبراً مهما تقلبت الظروف والأحوال. وعلى كل فإن النتائج لا تظهر بسرعة كما أننا لا نأكل ثمرة الشجرة في اليوم الذي نغرسها فيه وهكذا علينا أن ننتظر ولا نفشل ولا نتراجع بل نعمل لله وفي سبيله تعالى.
«٣٠ فَمُ ٱلصِّدِّيقِ يَلْهَجُ بِٱلْحِكْمَةِ وَلِسَانُهُ يَنْطِقُ بِٱلْحَقِّ. ٣١ شَرِيعَةُ إِلٰهِهِ فِي قَلْبِهِ. لاَ تَتَقَلْقَلُ خَطَوَاتُهُ. ٣٢ ٱلشِّرِّيرُ يُرَاقِبُ ٱلصِّدِّيقَ مُحَاوِلاً أَنْ يُمِيتَهُ. ٣٣ ٱلرَّبُّ لاَ يَتْرُكُهُ فِي يَدِهِ، وَلاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَاكَمَتِهِ. ٣٤ ٱنْتَظِرِ ٱلرَّبَّ وَٱحْفَظْ طَرِيقَهُ فَيَرْفَعَكَ لِتَرِثَ ٱلأَرْضَ. إِلَى ٱنْقِرَاضِ ٱلأَشْرَارِ تَنْظُرُ».
(٣٠) يلهج أو يهذّ أي يتكلم باهتمام. وفي الأصل العبراني يفيد معنى التفكير أو التفكير بشكل كلام. هو شغوف بالحكمة فلا يثرثر بلا فائدة بل يتكلم قليلاً لأنه يفكر كثيراً. وهو شغوف بالحق وينطق به ويرى أن كل كلام بغير الحق لا يرضي الله تعالى ولا من شأنه أن يقوله.
(٣١) إن حياته الأدبية ثابتة ذلك لأن معرفته تمييزه بين الحق والباطل هو شيء يتناول القلب والإنسان الداخلي وليس فقط الأمور الظاهرة. إن الصديق بعرفه هو ذاك الذي يعتمد على شريعة الله فمشيئته يجب أن تخضع لمشيئة الله. وهذا العدد يتمم سابقه. فالصديق يتكلم ويفكر بالحكمة والحق مرتكزاً بذلك على قلب صالح مستقيم يستمد صلاحه من الله وشريعته (راجع إرميا ٣١: ٣٣ و٣٤ ورومية ٧: ٢٢ - ٢٥).
(٣٢ و٣٣) الشرير يراقب الصديق ويا للأسف ليس ليستفيد منه ويتكلم بل ليصطاده بالكلام ويوقعه وإن تمكن منه فلكي يميته. ذلك لأنه لا يهمه الحق بل يسعى وراء الباطل ولا يسعى في سبيل الصالح العام بل لأجل ذاته الشريرة وتكون النتيجة أنه بدلاً من أن يصل إلى غايته في إماتة البار لا يميت سوى نفسه أخيراً وهنا يظهر عدل الله فيه. وهذا معنى قوله «الرب لا يتركه في يده...» ولا يسمح له أن ينال منه المرام. ذلك لأن هذا الشرير ليس من صلاحيته أن يدين أحداً لا سيما أن البار نفسه لا يستطيع أن يدين البار فكم بالأحرى أن الشرير يدين البار؟ والله الذي وحده له الحق أن يدين العالمين فإنه حينما يأتي لدينونة البار فهو يبرره ويطلق سراحه ولا يحكم عليه بل يحكم له بنوال الجزاء العادل. إن الله ذاته يبررنا إذا كنا غير مذنبين. إن التهم الباطلة التي يتهم بها الأبرار سترمى جانباً ولن يكون لها أقل قيمة (راجع زكريا ٣: ١ و٢).
(٣٤) هنا يبدأ المرنم في تلخيص ما بدأ به فعلينا أن ننتظر ولا نتسرع في أي الأمور وهكذا نحفظ طريق الرب ونتميز خطوطها ومنعطفاتها جيداً وهكذا لا نبتعد عن الحظيرة ولا نضل السبيل إليها. لا يجوز لنا أن نحيد قيد شعرة عن الخطة المثلى المرسومة أمامنا. وحينئذ ولو سقطنا فإنه يرفعنا وينجح مساعينا وهكذا تكون النتيجة أن الأشرار وحدهم ينقرضون ويضمحلون بينما الصديقون ينالون رضا الله والنجاح الأكيد.
«٣٥ قَدْ رَأَيْتُ ٱلشِّرِّيرَ عَاتِياً، وَارِفاً مِثْلَ شَجَرَةٍ شَارِقَةٍ نَاضِرَةٍ. ٣٦ عَبَرَ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَٱلْتَمَسْتُهُ فَلَمْ يُوجَدْ. ٣٧ لاَحِظِ ٱلْكَامِلَ وَٱنْظُرِ ٱلْمُسْتَقِيمَ، فَإِنَّ ٱلْعَقِبَ لإِنْسَانِ ٱلسَّلاَمَةِ. ٣٨ أَمَّا ٱلأَشْرَارُ فَيُبَادُونَ جَمِيعاً. عَقِبُ ٱلأَشْرَارِ يَنْقَطِعُ. ٣٩ أَمَّا خَلاَصُ ٱلصِّدِّيقِينَ فَمِنْ قِبَلِ ٱلرَّبِّ، حِصْنِهُمْ فِي زَمَانِ ٱلضِّيقِ. ٤٠ وَيُعِينُهُمُ ٱلرَّبُّ وَيُنَجِّيهِمْ. يُنْقِذُهُمْ مِنَ ٱلأَشْرَارِ وَيُخَلِّصُهُمْ، لأَنَّهُمُ ٱحْتَمُوا بِهِ».
(٣٥) قوله شجرة شارقة ناضرة وبالعبرانية (استراخ) وقد ذهب كثيرون من المفسرين أن معناها شجرة نابتة ونامية في أرضها. أما الترجمة السبعينية وترجمة الفولكت فتسميه الأرز ولكن في ترجمات أخرى فهي «Laurel» التي تزهو بالزهور في موسمها. والمعنى هو أن الشرير يظهر عظيماً وخطيراً ويحسب نفسه في نجاح وتقدم ولكن انتظر عليه قليلاً فترى ما يصيبه من اضمحلال وانخذال.
(٣٦) ذلك لأنه يعبر ويزول ولا يمكنه أن يثبت. وإذا تابعنا صورة الشجرة فهو لا يمكن أن ينقل من مكانه كبعض أنواع الأشجار التي تيبس حالاً إذا غرست في مكان آخر غير مكانها. إذاً فهذا الشرير يظهر بمظهر السؤدد والعظمة في البيئة الحقيرة التي يعيش فيها ولكنه متى قوبل مع الناس ذوي القيمة الحقة فهو لا شيء. يعبر ولا أحد يشعر بوجوده. حينئذ ينكشف أمره وتظهر حقيقته بل وينال جزاءه العادل لأن الباطل لا بد أن ينكشف.
(٣٧) ولكن هنا المقابلة التي يجب أن تقنعنا بالصواب. علينا أن نرى الفرق بالملاحظة فإن الإنسان الكامل المستقيم هو الذي تسلم جميع عواقبه أخيراً وتكون نتيجة مساعيه في سبيل رضا الله. ولكن هذا قد لا يظهر لأول وهلة فعلينا أن نلاحظ الأمور لأنفسنا لئلا يفوتها المعنى.
(٣٨) للأشرار نصيب محتوم قد كرره سابقاً ويكرره الآن وهو الهلاك ليس لهم وحدهم فقط بل للذرية التي تأتي بعدهم. وقد حكم عليهم هكذا لأنهم يقتدون بآبائهم الذين سبقوهم فكما حدث لأولئك يحدث لهؤلاء. وخلاصة القول أن الذي يسعى للسلام يناله أخيراً وأما الذي يسعى للخصام والشر فلا شك سيكون له عكس ذلك ولا يلم الشرير أحداً سوى نفسه.
(٣٩) وهنا ينسب فضل الخلاص ليس للبشر بل للرب. لذلك فهو خلاص أكيد كامل وبلطفه تعالى وفي الظرف الذي يعينه ويريده. وقوله «حصنهم» كان الأفضل أن يترجمها «ملاذهم» أي المكان الذي يلجأون إليه وبه يحتمون. هو الذي يعطيهم الخلاص ولا يؤخره قط.
(٤٠) فهو لا يكتفي أن يساعد ويعين بل يساعد إلى التمام حتى يكمل النجاة ولا يبقى شيء من آثار الخوف. وهو يفعل ذلك لأن هؤلاء المحتمين الصالحين يلجأون إليه. وأعظم فضيلة في الشرق عند العرب حتى اليوم أن يجير الإنسان مستجيراً فمن الواجب هي الإجارة والله فعل ذلك لكي يظهر حقه ضد أي باطل. فهو إله بار ولا يرضى إلا أن يسود البر وحده أخيراً.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ وَٱلثَّلاَثُونَ


مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ لِلتَّذْكِيرِ


«١ يَا رَبُّ لاَ تُوَبِّخْنِي بِسَخَطِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ، ٢ لأَنَّ سِهَامَكَ قَدِ ٱنْتَشَبَتْ فِيَّ، وَنَزَلَتْ عَلَيَّ يَدُكَ. ٣ لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي. ٤ لأَنَّ آثَامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْلٍ ثَقِيلٍ أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ. ٥ قَدْ أَنْتَنَتْ، قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ جِهَةِ حَمَاقَتِي».
هذا المزمور وعنوانه للتذكير هو حلقة من سلسلة المزامير للتوبة فإن داود بعد ارتكابه خطيئته العظيمة (راجع بالأخص ٢صموئيل ١٢: ١٤) فيمكننا أن نحسب هذه السلسلة هي (المزامير ٦ و٣٨ و٥١ و٣٢) وهذه ربما كتبت هكذا بحسب الترتيب التاريخي الواحد بعد الآخر. وهنا يبدأ في الطريقة ذاتها التي يبدأ بها المزمور السادس. وحينما كانت تقدم تقدمة «المنحة» كانوا يرمون بنار المذبح المتقدة قطعة منها مخلوطة بالبخور حتى يصعد أمام الله ويذكر الإنسان بإلهه. والأرجح أن المزمور السادس والثامن والثلاثين كانا يستعملان للصلاة أثناء هذه التقدمة المذكورة. وفي هذا المزمور يشكو المرنم ليس من آلام الجسد والروح فقط بل أيضاً من الأعداء الذين يغتنمون فرصة سقوطه لكي يسببوا هلاكه بالكلية.
(١) يلتمس من الله أن يرأف به ولا يوبخه وهو غضبان عليه. بالطبع لم يكن قد سما فكر المذنب في العهد القديم إلى ما وجد في العهد الجديد وهنا المرنم يلتمس أن لا ينفضح أمره ولا يذلّ أمام الآخرين لا سيما أعداؤه الذين يغتنمونها فرصة للحط من كرامته وإنزال أعظم الأذى والضرر به.
(٢) ويشبه إمارات الغضب في الله كأنها سهام مسنونة تنزل عليه وهكذا حسب هوميروس غضب الآلهة قديماً ولا سيما زفس الذي كان يرمي العالم بنباله. وهذه السهام قد أصابته ونشبت به ويتصور أن يد العدل الإلهي تطاله إلى التمام وليس باستطاعته أن ينجو. إن يد الله تقاص وتؤدب وهكذا يتأكد المرنم إن ما أصابه من ويلات هو في سبيل عقوبته (انظر مزمور ٣٢: ٤).
(٣) طالما غضب الله عليه فلا يشعر بصحة في جسمه ولا سلامة في داخله. هو شعور الخيبة المرة في نفسه بل شعور تحقيره لذاته ولا شك أن للعقل تأثيراً عظيماً في الجسم الإنساني إذ حينما نكون في اضطراب عقلي أو حزن أو كآبة مرة لا شك يظهر هذا في أنواع الهموم التي نحتملها وتقض مضاجعنا.
(٤) ويشبّه أن غمر الآثام كان كما تغمر المياه المتزايدة الأرض بالطوفان فهو يشعر كأنه في غرق لا يستطيع أن ينتشل نفسه مما هو فيه. ولذلك يشعر أنه رازح تحت ثقل عظيم لا يمكنه الاحتمال.
(٥) وأما ظهور عدم احتماله فهو حينما ظهرت فيه تلك الحبر والقروح التي انتشرت في جسده وجعلته يتألم ويتعذب كثيراً وينسب ذلك هنا ليس للشر الذي اقترفه بل للحماقة التي ظهر بها. وسبب ذلك أنه ضرب ولا ندري أهو بصورة المجاز أم كان ضرباً حقيقياً (راجع إشعياء ١: ٦) فيكون أن هذا الضرب قد جرحه وهذه الجروح تحولت إلى قروح أيضاً.
«٦ لَوِيتُ. ٱنْحَنَيْتُ إِلَى ٱلْغَايَةِ. ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ ذَهَبْتُ حَزِيناً. ٧ لأَنَّ خَاصِرَتَيَّ قَدِ ٱمْتَلأَتَا ٱحْتِرَاقاً، وَلَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ. ٨ خَدِرْتُ وَٱنْسَحَقْتُ إِلَى ٱلْغَايَةِ. كُنْتُ أَئِنُّ مِنْ زَفِيرِ قَلْبِي. ٩ يَا رَبُّ، أَمَامَكَ كُلُّ تَأَوُّهِي، وَتَنَهُّدِي لَيْسَ بِمَسْتُورٍ عَنْكَ. ١٠ قَلْبِي خَافِقٌ. قُوَّتِي فَارَقَتْنِي، وَنُورُ عَيْنِي أَيْضاً لَيْسَ مَعِي».
(٦) كان منحنياً ملتوياً على نفسه من جراء همومه وأحزانه. كثير التفكير تسوده المخاوف وتساوره مشاغل البال فلا يستطيع أن يرفع رأسه إلى فوق بل دائماً ينظر للأسفل لا يجرؤ أن يفعل أكثر من ذلك (راجع إشعياء ١٢: ٣٠ ومزمور ٣٥: ١٤) هو مريض بالجسم والروح لذلك ينحني على هذا الشكل.
(٧) لا ندري تماماً هل هنا يصف مرضاً ألمّ به أم هو وصف لحالة مؤسفة وصل إليها. وطالما يذكر الاحتراق في خاصرتيه فقد يكون أنه أصابه نوبة كلوية جعلته يلتوي من الآلام حتى أنه اعتقد في نفسه أن لا صحة في جسده البتة. أما شعوره هذا فناتج عن شروره التي ارتكبها ولا سيما في حادثة أوريا الحثي.
(٨) ولشدة ما أصابه من أوجاع وأمراض فقد كاد لا يعي على شيء. وحتى أنه شعر أنه بدون قوة ولا نشاط البتة. وذلك لأن قلبه كان في زفير وتنهد متواصل. والتنهد يقصد به التخفيف عما يكنه الفؤاد في الداخل فإن الآلام إذا زادت كثيراً فلا يسع الصدر إلا أن يخرجها خارجاً وهكذا فهي علامة عما في الداخل من عواطف مكبوتة.
(٩) بعد أن يسكب المرنم شكواه بشكل واضح مسموع إذا به في هذا العدد يرتمي عند قدمي إلهه من التعب والعياء. لذلك فسكوته الآن هو لأجل الخضوع والتسليم الكامل ولأنه يرى نجاته قريبة بواسطة اليد التي تمتد لخلاصه. وهو لا يحاول الكتمان بل يقول أن ليس شيء مستوراً من تنهداته. إن الله عالم بحالته وبتأوهه هذا هو فقط يفرج ضيق قلبه ولا يعطي علماً لله بحاله. لأن الله يعلم بكل شيء كذلك لا يتأوه لكي يعزي نفسه ويخفف من أثقاله. ولكنه يصف حالته وصفا دقيقاً أميناً طالباً من الله فرجاً وسلاماً.
(١٠) إذا به يجد قلبه خائفاً من الآلام التي يكنها بل يجد أن النور قد انطفأ من عينيه ولا يجد سوى ظلام في ظلام. والأرجح أن حالته كانت هكذا من فرط بكائه ونحيبه حتى يكاد يفقد كل لذة في الحياة. إن ضربة الله عليه شديدة وقاسية (راجع ٢صموئيل ١٨: ١٣) ذلك لأنها كانت ضربة الغضب والسخط لا ضربة المحبة والرضوان.
«١١ أَحِبَّائِي وَأَصْحَابِي يَقِفُونَ تُجَاهَ ضَرْبَتِي، وَأَقَارِبِي وَقَفُوا بَعِيداً. ١٢ وَطَالِبُو نَفْسِي نَصَبُوا شَرَكاً، وَٱلْمُلْتَمِسُونَ لِيَ ٱلشَّرَّ تَكَلَّمُوا بِٱلْمَفَاسِدِ، وَٱلْيَوْمَ كُلَّهُ يَلْهَجُونَ بِٱلْغِشِّ. ١٣ وَأَمَّا أَنَا فَكَأَصَمَّ لاَ أَسْمَعُ. وَكَأَبْكَمَ لاَ يَفْتَحُ فَاهُ. ١٤ وَأَكُونُ مِثْلَ إِنْسَانٍ لاَ يَسْمَعُ، وَلَيْسَ فِي فَمِهِ حُجَّةٌ. ١٥ لأَنِّي لَكَ يَا رَبُّ صَبِرْتُ، أَنْتَ تَسْتَجِيبُ يَا رَبُّ إِلٰهِي. ١٦ لأَنِّي قُلْتُ: لِئَلاَّ يَشْمَتُوا بِي. عِنْدَمَا زَلَّتْ قَدَمِي تَعَظَّمُوا عَلَيَّ».
(١١) هم يقفون بعيداً إما لأنهم لا يستطيعون ولا يتجاسرون على الاقتراب لئلا يقوم عليهم الأعداء ويفتكوا بهم أو لأنهم يشمتون به ولا يهتمون بأمره ولا بأي شيء يصيبه لا فرق عندهم أكان في خير أم في شر. والمرنم يصبح حزنه مزدوجاً لأنه في حالة شدته هذه لا يجد من يسعفه أو من يلتفت إليه ويقول له كيف حالك وماذا تفعل. لا سيما وبين هؤلاء هم الأقارب الذين كان الواجب يقتضيهم أن يهتموا ويسرعوا للنجدة أكثر.
(١٢) بل إن هؤلاء الأعداء المتلبسين ثياب الصداقة سوف ينكشف أمرهم وتبان مقاصدهم كما هي فإذا هم ينصبون الشراك ويطلبون الشر لا الخير. ويتكلمون بالمفاسد والموبقات بدلاً من الصلح والسلام. بل هم يتمادون في غيهم ويستمرون على غشهم حاسبين أن حيلهم بالصداقة تسلك عليه بعد.
(١٣) تجاه حالة محزنة كهذه يجد المرنم الأفضل له أن يسكت ولا ينبس ببنت شفة ويتظاهر أنه لا يسمع ما يقولون به عليه ذلك لأنه وجد بالاختبار أن السكوت في مواقف كثيرة هو أفضل من رد الجواب. وقد يكون أنه شعر بعدم قدرته لمجابهتهم العداوة بمثلها فرأى الأفضل أن يسكت ولا يستمع لهم قط.
(١٤) في هذا العدد توكيد لسابقه فهو يحاول أن ينسى كل شيء حتى أنه لا يجد حجة في لسانه يحتج بها عليهم ويتنازل عن كل مطالبه وحقوقه أمامهم. هؤلاء الأعداء هم قوم قساة فاجرون ويرى أن أفضل أسلوب يتبع معهم هو السكوت. لقد ملك طبعه ولجم لسانه ولم يسترسل في عاطفته وهكذا ربح المعركة ولا يمكن أن يخسر.
(١٥) وسبب ربحه أنه اتكل على إلهه. فالقوة ليست من الناس ولا من داخل الإنسان بل من فوق. فهو قد صبر ولذلك فالرب قد استجاب له. إن الله لا يتخلى عن الصابرين الراجين الرحمة والملتجئين إليه في ضيقاتهم. وفي كتاب الصلاة العامة تترجم كلمة تستجيب بقول «وأنت تجيب عني» فإن هذا الشخص المعذب لا يستطيع أن يرد عنه الألسنة ولكن الله يستطيع.
(١٦) يخاف شماتة الأعداء ويشغل باله من أجل ذلك. هو يقول ويعترف أنه قد زلت به القدم ولكنه لا يريد من هؤلاء الواقفين جنبه أن يهزأوا به ويتكبروا عليه ويحتقروه هذا الاحتقار المشين.
«١٧ لأَنِّي مُوشِكٌ أَنْ أَظْلَعَ، وَوَجَعِي مُقَابِلِي دَائِماً. ١٨ لأَنَّنِي أُخْبِرُ بِإِثْمِي وَأَغْتَمُّ مِنْ خَطِيَّتِي. ١٩ وَأَمَّا أَعْدَائِي فَأَحْيَاءٌ. عَظُمُوا. وَٱلَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي ظُلْماً كَثُرُوا. ٢٠ وَٱلْمُجَازُونَ عَنِ ٱلْخَيْرِ بِشَرٍّ يُقَاوِمُونَنِي لأَجْلِ ٱتِّبَاعِي ٱلصَّلاَحَ. ٢١ لاَ تَتْرُكْنِي يَا رَبُّ. يَا إِلٰهِي لاَ تَبْعُدْ عَنِّي. ٢٢ أَسْرِعْ إِلَى مَعُونَتِي يَا رَبُّ يَا خَلاَصِي».
(١٧) يقر هنا أنه يكاد يسقط مرتمياً بسبب أتعابه وهمومه وخطاياه. وهو يرى أن أوجاعه لا تزال مقابله في كل حين. لقد فقد كل ثقة بنفسه ولا يستطيع أن ينهض وحده لا سيما والأوجاع تقض مضجعه وتحرمه لذة الحياة. وهكذا يلتمس من الله عوناً وإسعافاً بصورة ضمنية غير مباشرة.
(١٨) لا يستطيع أن ينسى إثمه فهو يعترف به جهراً ويخبر عنه وهذا ليس لأنه يفتخر بذلك بل لأنه يرى في هذا الاعتراف تخفيفاً من حمله الذي يكاد يرزح تحته ولا يستطيع أن يفعل به شيئاً. وفي الوقت ذاته هو حزين مغموم والحزن على الخطية كما نعلم هو أول باب للاعتراف بها ثم تركها والتوبة عنها بتاتاً.
(١٩) ثم يقابل حالته السيئة هذه بأعدائه فيجدهم أقوياء متعظمين بل يجدهم يتكاثرون عليه لأن أولئك الأصدقاء بالأمس قد انقلبوا عليه الآن وكانت صداقتهم صداقة المصلحة الوقتية ولذلك حينما ذهبت المصلحة ذهبت صداقتهم أيضاً. بل أن حالة داود وخطيئته قد جعلت كل إنسان يبتعد عنه حتى ألزم الأصدقاء وأقربهم إليه.
(٢٠) والذي يكيده كثيراً ويمرّر حياته هم أولئك الأصدقاء الذين حسبهم مخلصين وعمل معهم خيراً إذا بهم يجازونه عن الخير شراً ونجدهم يقاومونه الآن لأنه يتبع الصلاح ويترك الباطل إلى الأبد. إذاً هنا لا يستاء من الأعداء الذين يجهرون بالعداوة بل كل كدره من الأصدقاء الذين يكنون في قلوبهم العداوة اللدودة.
(٢١) هنا في هذا العدد والعدد الذي يليه ختام لطيف لهذا المزمور فإن تركه الناس فالله لا يتركه وإن خانه الأصدقاء وتحولوا لأعداء فإن الله لن يخونه بل يبقى معه دائماً. ولا شيء يسر قلب المؤمن سروراً أكيداً حقيقياً سوى مثل هذا الإيمان. هو متروك وبعيد ولذلك فهو يطلب من الله أن لا يتركه ولا يبتعد عنه.
(٢٢) إن نجدته ضرورية وهي بالأولى نجدة أكيدة وسريعة. لأنه لا خلاص له فيطلب من الله أن يكون خلاصه وعونه الأكيد. لنتعلم أنه حينما تحتاطنا المصائب والضيقات أن نسرع لله (راجع ١بطرس ٢: ٢٣) فإنه حينما يكون الناس باطلين وخائنين ولا يمكننا اللجوء والركون إليهم علينا أن نذهب إلى ذاك الذي يستطيع أن يحمينا ويقوينا.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلثَّلاَثُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِيَدُوثُونَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ قُلْتُ أَتَحَفَّظُ لِسَبِيلِي مِنَ ٱلْخَطَإِ بِلِسَانِي. أَحْفَظُ لِفَمِي كِمَامَةً فِيمَا ٱلشِّرِّيرُ مُقَابِلِي. ٢ صَمَتُّ صَمْتاً، سَكَتُّ عَنِ ٱلْخَيْرِ، فَتَحَرَّكَ وَجَعِي. ٣ حَمِيَ قَلْبِي فِي جَوْفِي. عِنْدَ لَهَجِي ٱشْتَعَلَتِ ٱلنَّارُ. تَكَلَّمْتُ بِلِسَانِي. ٤ عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ».
هذا المزمور يتفق مع سابقه بأن المرنم يخضع لله ويسلم أمره إليه وهذا هو السبب أن وضع الاثنين متتابعين على هذه الصورة. ومن جهة أخرى فهذا المزمور يشبه المزمور الثاني والستين إذ الاثنان «ليدوثون». والمؤلف باختباره الشخصي يرى أن لا يعتمد على شيء في هذه الدنيا الزائلة الفانية بل ليكن كل الاتكال على الله. «يدوثون» مكتوبة أيضاً في (مزمور ٧٧: ١ و١أخبار ١٦: ٣٨ ونحميا ١١: ١٧). والأرجح هذا الاسم لأحد رؤساء الأجواق الثلاثة في أيام داود وفي مرتبة آساف وهمان. وقوله لإمام المغنين ثم ليدوثون يكون ذلك من قيل البدل أو عطف البيان ليس إلا.
(١) يبدأ المرنم تأكيده لنفسه أنه سيتحمل ما تأتي به المصائب والنكبات بصبر وطول أناة. لا سيما وهو يرى نجاح الأشرار وتقدمهم. وقد حافظ على صمته هذا حتى لم يستطع إلى كتمانه سبيلاً عندئذ تكلم بلسانه كما في العدد الثالث. وعدم تنويهه بالكلام كان لتخوفه من أن يخطئ. ولذلك حاول وضع كمامة وضبط لسانه جيداً.
(٢) ولكن صمته ألمه جداً فقد رأى الضربات تترى عليه ورأى الخيرات تتدفق على عدوه فكانت النتيجة لأنه لم يفرج كربه ولم يبح بما يعانيه إن تحوّل كل ذلك إلى آلام نفسانية مبرحة وضعها بهذا العدد المؤثر. لقد أجبر نفسه على هذا الصمت ولم يفرضه عليه أحد ولذلك فقد احتمله مدة حتى لم يستطع بعد ذلك أي احتمال. لأنه كما في العدد (٣) حمي قلبه وشعر كأن جوفه يشتعل بالنار وهكذا كانت شكوى مكبوتة (راجع إرميا ٢٠: ٩) ولكنها إلى حين. لقد نوى أن يصمت كل الوقت وهنا كانت العاطفة وكذلك كان العقل. فالعقل ينصحه أن يصمت ويسلّم لمشيئة الرب ولكن العاطفة كانت جائشة في صدره تشتعل اشتعالاً وأخيراً لم يقدر أن يضبط نفسه بعد فتكلم. وهكذا اضطر أن يتحول عن قصده وعن نيته وانصرف بكليته للصلاة والتسليم أمام مشيئة الله تعالى.
(٤) التمس أول كل شيء أن يفتح عينيه إلى تلك الحقيقة وهي زوال هذه الدنيا الفانية (قابل هذا مع مزمور ٤٠: ١٢). وهنا يتعزى بأن آلامه هذه كما وأفراح عدوه فهي إلى وقت قصير لا يدوم أبداً. ويلتمس مسبقاً أن يعرف متى يا ترى تنتهي أيامه (قابل أيوب ٦: ١١). و بزوال أيامه تزول آلامه أيضاً وعليه أن لا يعبأ بذلك طالما حقيقة الحال هكذا.
«٥ هُوَذَا جَعَلْتَ أَيَّامِي أَشْبَاراً وَعُمْرِي كَلاَ شَيْءَ قُدَّامَكَ. إِنَّمَا نَفْخَةً كُلُّ إِنْسَانٍ قَدْ جُعِلَ. سِلاَهْ. ٦ إِنَّمَا كَخَيَالٍ يَتَمَشَّى ٱلإِنْسَانُ. إِنَّمَا بَاطِلاً يَضِجُّونَ. يَذْخَرُ ذَخَائِرَ وَلاَ يَدْرِي مَنْ يَضُمُّهَا. ٧ وَٱلآنَ مَاذَا ٱنْتَظَرْتُ يَا رَبُّ؟ رَجَائِي فِيكَ هُوَ. ٨ مِنْ كُلِّ مَعَاصِيَّ نَجِّنِي. لاَ تَجْعَلْنِي عَاراً عِنْدَ ٱلْجَاهِلِ. ٩ صَمَتُّ. لاَ أَفْتَحُ فَمِي لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ».
(٥) أيامه تقاس بالأشبار مجازاً لكي يدل على قصرها (راجع إشعياء ٥٥: ٢٠) وقد حسب بعض المفسرين أن الشبر هو مقدار حجم اليد أي الأصابع الخمسة فيكون مقدار الذراع نحو سبعة منها. أما إذا حسبنا الشبر هو المسافة بين الخنصر والإبهام واليد مبسوطة فلا يكون الذراع أكثر من ثلاثة أشبار فقط. وعلى كل فالمرنم يصوّر لنا قصر العمر بل وزواله بدون جدوى. وكما تذهب النفخة في الهواء هكذا تذهب نفس الإنسان. وفي هذه الآية لا نرى شيئاً من الإيمان بالخلود أو القيامة بعد الموت.
(٦) هو خيال لا حقيقة فيه (قابل مزمور ٤٥: ١٤ ويعقوب ١: ٢) فطالما نهايته باطلة على هذه الصورة ففي عرف المرنم هو باطل في حقيقته أيضاً. إذاً فالضجيج الذي يسببه في حياته هو بلا جدوى أيضاً فيذهب صوته وكل ما يقوله أخيراً مع أصوات الرياح المالئة جوانب الأرض. ومع ذلك فهذا الإنسان لا يستطيع أن يقنع في شيء أو يكتفي بل يظل على غيّه يكتنز لنفسه كنوزاً ويحسب أنه سينعم بها وفاته أنه هو وما كنزه للزوال (انظر أيوب ٢٧: ١٦ وإشعياء ٣٣: ٤).
(٧) قوله والآن هو للالتفات فقد سئم هذه الحقائق المرة التي ذكرها فآلامه المبرحة وتأكده من قصر الحياة وعدم العدل والإنصاف بينه وبين أعدائه ولكنه الآن يشرق عليه نور أمل جديد. يرى الرب ويتحقق ما ترجاه فيه لأنه لا يخيّب قلوب الملتمسين رحمته ورضاه. وهنا نعجب كيف يمتلئ بالرجاء طالما وجد الحياة قصيرة على هذه الصورة ولا وعد له بالقيامة؟ ولكنه رغماً عن ذلك يرتمي في أحضان الله فهو العليم بكل شيء.
(٨) يطلب بتواضع أن يتطهر من المعاصي وأن لا يكون خزياً وعاراً أمام الآخرين لا سيما الجهال الأردياء الذين وصفهم سابقاً. يطلب من الرب أن لا يعرضه لمثل هذه الإهانة ونستطيع أن نخترق ببصرنا أنه يريد أن يبرر الرب في معاملته له على هذه الصورة فطالما هو بار فالرب يسنده. فإذا لم يسنده الرب يصبح عاراً عند الجميع ولا يمكنهم أن يصدقوا أنه بار.
(٩) يعود للفكرة العظيمة التي رددها من قبل أنه عليه أن يصمت ولا يتكلم قط. لأن الرب فعل فمن يستطيع أن يعترض؟ وإذا اعترض فهل من جدوى؟ لا يزال ماثلاً أمامه تلك الحقيقة المرة وهي أنه في شر وضيق والأثمة في خير وتوفيق. ولكن عليه أن يسلم أمره للرب ويرى أصابعه عاملة وراء ظواهر الوجود كله ولا يستطيع أحد أن يعترض على ترتيباته تعالى.
«١٠ ٱرْفَعْ عَنِّي ضَرْبَكَ. مِنْ مُهَاجَمَةِ يَدِكَ أَنَا قَدْ فَنِيتُ. ١١ بِتَأْدِيبَاتٍ إِنْ أَدَّبْتَ ٱلإِنْسَانَ مِنْ أَجْلِ إِثْمِهِ، أَفْنَيْتَ مِثْلَ ٱلْعُثِّ مُشْتَهَاهُ. إِنَّمَا كُلُّ إِنْسَانٍ نَفْخَةٌ. سِلاَهْ. ١٢ اِسْتَمِعْ صَلاَتِي يَا رَبُّ وَٱصْغَ إِلَى صُرَاخِي. لاَ تَسْكُتْ عَنْ دُمُوعِي. لأَنِّي أَنَا غَرِيبٌ عِنْدَكَ. نَزِيلٌ مِثْلُ جَمِيعِ آبَائِي. ١٣ ٱقْتَصِرْ عَنِّي فَأَتَبَلَّجَ قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ فَلاَ أُوجَدَ».
(١٠) لقد طلب المرنم من قبل أن يجري الحق مجراه ويقضي له بالعدل. يشبه حالته بحالة إنسان واقع تحت الضرب واليد فوقه تنزل عليه بالسياط وقد يكفي بالضرب هنا من غضب الرب كما في (مزمور ٣٨: ١٢). وإذا استمرت هذه الضربات عليه فهو لا شك هالك ولا قوة تنجيه. هنا يسترحم بصورة مؤثرة فإنه ضعيف جداً لا يستطيع أن يقف ضد هذه القوة المنصبة ضده والتي تهاجمه بويلاتها حتى نفد كل ما لديه من نشاط.
(١١) هنا يرى الصواب ويتحقق أن هذا الضرب هو لأجل تأديبه فهو بحاجة إليه كما أن الولد المذنب هو بحاجة أيضاً للتأديب. «مشتهاه» هنا قد تترجم «جماله» أو هيبته. فكما أن الولد يذلّ بعد القصاص كذلك فتأديبات الرب يجب أن تذلل الإنسان وتقلل عنفوانه وترجعه للحق والصواب. ثم يعود للمعنى القديم عن بطلان حياة الإنسان وكم هي ظل زائل لا حقيقة فيها ولا ثبات. وهنا ترديد للمعنى في العدد (٦).
(١٢) يعود المرنم إلى الصلاة والخشوع فهو يسترحم ويبني استرحامه هذا على قصر هذه الحياة الدنيا فهو غريب فيها ونزيل ولا يمكنه أن يقيم طويلاً بل سيرحل كما رحل من قبله الآباء الأولون. وكانت صلاته هذه المرة ممزوجة بالدموع ذلك لأنها أبلغ تعبيراً في كثير من المواقف ولأن الدموع تفرج القلب وتسرّي عن النفس ولا سيما نفس من كان مثله يشعر بالوحشة المريرة حتى مع ابنه العقوق أبشالوم الذي قام عليه وأشعل تلك الثورة الفظيعة. إن الأرض هي ملك الرب (انظر لاويين ٢٥: ٢٣) لذلك فكل إنسان يقطنها هو وكيل عليها إلى حين ولا حق له فيها. وإذا راجعنا تكوين ٤٧: ٩ وقابلناه مع تكوين ٢٣: ٤ نرى أن بني إسرائيل قد أعطوا الأرض هبة فهي ليست ملكهم بل ملك الرب ولذلك كانت سنة اليوبيل لإرجاع حق الميراث بالوكالة إلى الوكلاء الأولين.
(١٣) فإذا كانت الحياة قصيرة وهو يمر على الأرض كزائر نزيل ثم يعبر ولا يعود لذلك يطلب من الرب أن يكف يده عنه (قابل ذلك مع أيوب ١٧: ١٩ و١٤: ٦) وختام هذا المزمور يشبه كثيراً ما ورد في سفر أيوب لأنه يحاول حل المعضلة التي أشغلت بال المؤمنين حينئذ وهي إذا كان الله يحب الذين يطيعونه فكيف يسمح لهم بالآلام والعذاب؟ والمرنم لا يستطيع أن يعزل من فكرة العلاقة بين الخطيئة والعذاب وإن على الخاطئ وحده أن يتعذب فقط. يطلب أن يكف عنه الضربة وهو لا يزال حياً قبل أن يموت ولا يعود يشعر بشيء.


اَلْمَزْمُورُ ٱلأَرْبَعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ اِنْتِظَاراً ٱنْتَظَرْتُ ٱلرَّبَّ فَمَالَ إِلَيَّ وَسَمِعَ صُرَاخِي، ٢ وَأَصْعَدَنِي مِنْ جُبِّ ٱلْهَلاَكِ، مِنْ طِينِ ٱلْحَمْأَةِ، وَأَقَامَ عَلَى صَخْرَةٍ رِجْلَيَّ. ثَبَّتَ خُطُوَاتِي، ٣ وَجَعَلَ فِي فَمِي تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً تَسْبِيحَةً لإِلٰهِنَا. كَثِيرُونَ يَرَوْنَ وَيَخَافُونَ وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَى ٱلرَّبِّ. ٤ طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلرَّبَّ مُتَّكَلَهُ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ٱلْغَطَارِيسِ وَٱلْمُنْحَرِفِينَ إِلَى ٱلْكَذِبِ».
(١) يبدأ المرنم هذا المزمور بالحمد لأجل خلاصه فقد انتظر طويلاً وصلى كثيراً ولكن لم يذهب انتظاره عبثاً فقد مال الله إلى الصراخ وسمع الدعاء. وفي حالة كهذه يجدر الحمد قبل كل شيء لأن بالحمد إظهار الشكر وبالشكر سبيل الخلاص. لقد نجى الله المرنم من خطر جديد ولذلك عليه أن يشكر من جديد أيضاً. وفي العدد ١ قوله انتظاراً انتظرت لأجل التوكيد أي قد انتظرت كثيراً وطويلاً ولكنه أخيراً لم يمل عني بل نحوي ولم يظهر عدم الاكتراث بل انتبه لي وسمع صراخي.
(٢) لا يذكر المرنم في هذا العدد أي المصائب قد أصابته هذه المرة فلا يذكر المرض ولا العداوة وقد يكون أن حالة اضطراب داخلي كانت تسود قلبه فشعر بالمخاوف وحسب نفسه في جبّ عميق بسببها. ويذكر لنا أن هذا الجب امتلأ بالطين في قعره ولكن الله قد نشله من ذلك وأقامه من مكانه الوسخ المائع إلى صخرة ثابتة نظيفة يستطيع أن يقف عليها غير خائف. وأخذ يمشي في طريقه ثابت الخطى.
(٣) إن الله لم يكتف فقط أن ينجيه وينشله مما هو فيه بل حوّل تعبه هذا إلى وسيلة السرور والفرح فطفق يترنم ويسبّح للرب. هكذا فعل بولس وسيلا في سجن فيلبي وهكذا يفعل المؤمنون الحقيقيون فإنهم يترنمون ذاكرين مراحم الله حتى في أشد الساعات وأضيقها. وبقية الناس يرون هذا الأمر فيندهشون من إيمان وطيد كهذا. يتعلمون من المؤمنين أن يخافوا الله. لذلك علينا أن نكون سبب قدوة للغير فلا نستسلم للأحزان كما يفعل أولئك إنما نحوّل حزننا إلى وسيلة للغلبة على الشر وللاتكال على الرب.
(٤)إن هذا الإنسان المتكل على الرب هو على حق من أمره (راجع أيوب ٣١: ٢٤ وإرميا ١٧: ٧). و «الرجل» هنا ليس الإنسان العادي بل الكلمة العبرانية تفيد «الجبار» أي ذاك الرجل القوي في إيمانه واتكاله على إلهه. هو جبار ليس باعتداده بنفسه واتكاله عليها ولا بأن يسلك في سبل الكاذبين المنافقين بل بأن يتبع كلام الله ويمشي بالحق ويتكلم الصدق. هذا له الطوبى لا الذي اعتاد أن يمجده الناس ويطوّبوه.
«٥ كَثِيراً مَا جَعَلْتَ أَنْتَ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهِي عَجَائِبَكَ وَأَفْكَارَكَ مِنْ جِهَتِنَا. لاَ تُقَوَّمُ لَدَيْكَ. لأُخْبِرَنَّ وَأَتَكَلَّمَنَّ بِهَا. زَادَتْ عَنْ أَنْ تُعَدَّ. ٦ بِذَبِيحَةٍ وَتَقْدِمَةٍ لَمْ تُسَرَّ. أُذُنَيَّ فَتَحْتَ. مُحْرَقَةً وَذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ لَمْ تَطْلُبْ. ٧ حِينَئِذٍ قُلْتُ: هَئَنَذَا جِئْتُ. بِدَرْجِ ٱلْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي ٨ أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلٰهِي سُرِرْتُ. وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي».
(٥) هنا يرجع المرنم إلى أمور قديمة فيقرن حوادث يومه بالتاريخ المقدس ويرى أن أعمال الرب وعجائبه لا مثيل لها ولا يوجد ما يقابلها. فهي ممتازة من جهتين: أولاً إنها عديدة لا تحصى وثانياً إنها لا تقوّم أي لا يمكن أن يعطى لها قيمة مهما تكارمنا في العطاء والحمد والشكران (راجع أيوب ١٩: ١٨ و١٦: ٦ و٣٠: ٢٦ ومزمور ١٣٩: ٨).
(٦) يتعمق المرنم في فهم المعاني الروحية ويرى أن الأهمية ليست للذبيحة ولا للتقدمة بل أن نفتح آذاننا لقبول كلامه ونصغي إليه بانتباه. وهكذا يفسر معنى تخشعه أمام الله تعالى فهو لا يطلب منها ميل هذه العبادة الخارجية فيقسم العبادة إلى قسمين أولاً الأمور المادية فيها أي الذبيحة والتقدمة. ولكنه ثانياً يلتفت في العدد الثامن إلى القصد والنية ويرى مسرة الرب في عمل مشيئته وإن إتمام الشريعة هو في وضعها في أعماق القلب والسير بموجبها يوماً بعد يوم (انظر عاموس ٥: ٢١).
(٧) يقول «هأنذا جئت» يضع العبد نفسه تحت تصرف سيده (راجع سفر العدد ٢٢: ٣٨ و٢صموئيل ١٩: ٢١) أما درج الكتاب فيقصد كتاب الشريعة الذي يطوي وينشر حسب حاجة القراءة. وإنه مكتوب عنه أي ما يخص كل مؤمن لكي يتعلم منه ويستفيد لذلك فليس أننا متروكون لأنفسنا بل هنالك شريعة الله التي وضعت لهدايتنا وإرشادنا (راجع تثنية ٦: ٦ وقابل ذلك مع أمثال ٣: ٣ و٧: ٣) وهذه الفكرة يأخذها إرميا ويقول (إرميا ٣١: ٣٣) إنها العهد الجديد والشريعة الجديدة في القلب والحياة الداخلية.
(٨) ليكن مطلبنا مسرة الرب وعلينا أن نعرف مشيئته ونعملها. وحينما تكون شريعته في وسط أحشائنا تكون قريبة إلينا جداً فلا نبعد عنها أبداً ولا نهملها مهما تقلبت الظروف. وهنا يختم المرنم جوابه عن السؤال في العدد الخامس كيف أنه يعرف عجائب الرب ولا يستطيع عدها أو إحصاءها بل هي محفوظة في الإنسان الداخلي والتعبير عن عبادتنا هو ليس فقط بتقديم الذبائح وإقامة الطقوس.
«٩ بَشَّرْتُ بِبِرٍّ فِي جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ. هُوَذَا شَفَتَايَ لَمْ أَمْنَعْهُمَا. أَنْتَ يَا رَبُّ عَلِمْتَ. ١٠ لَمْ أَكْتُمْ عَدْلَكَ فِي وَسَطِ قَلْبِي. تَكَلَّمْتُ بِأَمَانَتِكَ وَخَلاَصِكَ. لَمْ أُخْفِ رَحْمَتَكَ وَحَقَّكَ عَنِ ٱلْجَمَاعَةِ ٱلْعَظِيمَةِ. ١١ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَلاَ تَمْنَعْ رَأْفَتَكَ عَنِّي. تَنْصُرُنِي رَحْمَتُكَ وَحَقُّكَ دَائِماً. ١٢ لأَنَّ شُرُوراً لاَ تُحْصَى قَدِ ٱكْتَنَفَتْنِي. حَاقَتْ بِي آثَامِي وَلاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُبْصِرَ. كَثُرَتْ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي وَقَلْبِي قَدْ تَرَكَنِي».
(٩) ولا يكتفي أن تكون الشريعة في الداخل محصورة فيه فقط بل هو يريد أن ينشرها على الناس ويبشر بها لأنها أخبار مفرحة والجميع يودون سماعها. لذلك بما لديه من موهبة الكلام وحسن الادعاء قد نشر الخبر وعممه إلى كل مكان ويستنجد أخيراً بأن الله عليم بكل شيء ولا يلزمه أن يردد ما فعله لأن الله يعلم حتى خفيات القلوب (انظر إرميا ١٥: ١٥) فهو لم يخف من الناس ولم يخجل منهم ولا سيما كما في العدد (١٠) إنه كان باستطاعته أن يكتم التعليم في قلبه وهكذا يهتم بخلاص نفسه فقط. ولكنه رأى الواجب يدعوه لكي يذيع أمانة الرب وخلاصه وإن عليه أيضاً أن يعرّف الجميع رحمته وحقه. إن الرحمة تبدأ بالخلاص حتى تنتهي بالحق حينئذ يصبح كاملاً لأن عدل الله وحقه يجب أن يتمما أيضاً.
(١١) إن الإنسان معرض في حياته على الأرض لكل المخاطر وهكذا لا يعيش بأمنٍ وسلام بدون رحمة الله ورأفته. يطلب النصرة الدائمة بواسطة رحمة الله وحقه كما أنه يفاخر في العدد السابق بأن يذيع هاتين السجيتين في الجماعة العظيمة. إذاً فمجاهرته أمام الناس بهما من قبل لا يمكن أن يتم نفعه ويحسن تأثيره بدون رأفة الله (انظر رومية ٨: ٣٢).
(١٢) يذكر إن مصائب عديدة قد انتابته وأحاطت به وإن آثامه قد أعمت بصره فلا يستطيع أن يرى وقد زادت بلاياه زيادة كبرى حتى أنها فاقت العدد. لا ندري ما هي الأخطاء التي يشير إليها ولا يذكرها صراحة (انظر تثنية ٢٨: ١٥ و٤٥) هو لا يستطيع أن يرى لأنه محصور من كل جانب ولذلك فلا تمتد عينه لسوى مسافة قصيرة وإذا بالطرف كليل معي (انظر ١صموئيل ٣: ٢ و٤: ١٥ و١ملوك ١٤: ٤) وقلبه قد تركه بمعنى أنه قد فقد شجاعته ولم يعد باستطاعته أن يحتمل بعد. لذلك فهو في يأس لا يرى مخرجاً من الورطة التي وقع فيها بغير عونٍ من السماء.
«١٣ اِرْتَضِ يَا رَبُّ بِأَنْ تُنَجِّيَنِي. يَا رَبُّ إِلَى مَعُونَتِي أَسْرِعْ. ١٤ لِيَخْزَ وَلْيَخْجَلْ مَعاً ٱلَّذِينَ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لإِهْلاَكِهَا. لِيَرْتَدَّ إِلَى ٱلْوَرَاءِ وَلْيَخْزَ ٱلْمَسْرُورُونَ بِأَذِيَّتِي. ١٥ لِيَسْتَوْحِشْ مِنْ أَجْلِ خِزْيِهِمِ ٱلْقَائِلُونَ لِي: هَهْ هَهْ! ١٦ لِيَبْتَهِجْ وَيَفْرَحْ بِكَ جَمِيعُ طَالِبِيكَ. لِيَقُلْ أَبَداً مُحِبُّو خَلاَصِكَ: يَتَعَظَّمُ ٱلرَّبُّ. ١٧ أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَبَائِسٌ. ٱلرَّبُّ يَهْتَمُّ بِي. عَوْنِي وَمُنْقِذِي أَنْتَ. يَا إِلٰهِي لاَ تُبْطِئْ».
(١٣) في وسط هذه الآلام النفسية المبرحة التي ما دامت تهاجمه فهو بلا شك يعرف نفسه أنه خاطئ ويطلب الرحمة والرضا. يطلب نجاة من الورطة التي وقع فيها ويطلب عوناً سريعاً قبل فوات الأوان. هنا عمل الإيمان في النفس البشرية فإنه حينما تنتهي مساعينا ولا نرى مجالاً لخلاصنا نهرع لله وهو مستعد أن يساعدنا ولا يتخلى عنا أبداً.
(١٤) كما أنه يطلب لنفسه خلاصاً كذلك فهو يطلب الخزي والخجل للذين يحاولون هلاكه. هم يهاجمونه ولكن الله يردهم. يريدون السير للأمام ولكن الرب يرجعهم للوراء. إنهم قوم حسودون وبأفكار عالمية شريرة إذ هم يفرحون بما أصابه من ويل وأذى. يطلب إليهم أن يصيبهم الرعب الذي يشل حركتهم ويمنعهم عن اللحاق به ومطاردته. وهكذا يظل سائراً في طريقه لا يعبأ بهم ولا يبالي.
(١٥) هم يهزأون به ويقولون له كلام التحقير والإهانة ولكنهم هم الذين يستوحشون ويزداد خزيهم ويهرب عنهم الصديق والرفيق. ذلك لأنهم سينالون الجزاء العادل.
(١٦) قابل هذا العدد بما ورد في (مزمور ٣٥: ٢٧). يتمنى لجميع المؤمنين أن يفرحوا ويهتفوا بتعظيم اسم الرب وتمجيده لأنه مستحق لذلك. أولئك الهازئون قد نالوا الخزي والعار وأما المؤمنون فلهم المجد بإلههم الممجد ذلك لأن خلاصه موجود وسيتممه في حينه (٢تيموثاوس ٤: ٨). هو يعطي المجد كله لله أما للمؤمن فكما في (العدد ١٧) فهو مسكين وبائس هو ضعيف ولكنه يتكل على الكلي القدرة. هو ليس متروكاً طالما الله ذاته يهتم به ويرعاه. إذا كان أولئك الهازئون يستطيعون النيل من كرامته والاستهانة به فإنما ذلك لوقت قصير ينقضي ولا يبقى منه سوى التذكار. بالله العون وهو المنقذ وعمله سريع أسرع جداً مما نظن. وهكذا نرى أن هذا المزمور يبدأ بالحمد والشكران وينتهي بالدعاء والصلاة وهو انتقال لطيف لأن الصلاة الحقيقية هي تلك التي تصور حاجات الإنسان وكيف يسدها الله له في حينها.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي وَٱلأَرْبَعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى ٱلْمِسْكِينِ. فِي يَوْمِ ٱلشَّرِّ يُنَجِّيهِ ٱلرَّبُّ. ٢ ٱلرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ. يَغْتَبِطُ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُسَلِّمُهُ إِلَى مَرَامِ أَعْدَائِهِ. ٣ ٱلرَّبُّ يَعْضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ ٱلضَّعْفِ. مَهَّدْتَ مَضْجَعَهُ كُلَّهُ فِي مَرَضِهِ. ٤ أَنَا قُلْتُ: يَا رَبُّ ٱرْحَمْنِي. ٱشْفِ نَفْسِي لأَنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ».
(١) هذا هو المزمور الأخير من سلسلة المزامير التي تحمل اسم ناظمها داود وهو يحمل الطوبى كما في المزمور الأول. يطوب الإنسان ذا الشعور الحنون والقلب العطوف نحو المسكين. والمسكين هو أي ضعيف إن كان في الجسم أو مصاباً بأي ويلٍ أو أحزان. فهذا الإنسان العطوف سيعطف عليه الرب وينجيه مما قد يقع فيه لأن إحسانه لا يذهب سدى.
(٢) قوله يحفظه أي يقيه من الخراب والدمار ويسنده في الضعف وأيام العوز. وحينما يكون في ضيق يعطيه حياة. ثم إن هذه الحياة مملوءة بالغبطة والتوفيق وينصره على أعدائه فلا ينال هؤلاء مآربهم منه. نلاحظ أن البركة التي تصيبه هي على الأرض ولا ذكر للحياة الثانية بعد الموت. إن الله بواسطة إحسانه يتغلب على شرور الناس وعداوتهم لذلك فهو لا يسمح لأن يصيبهم أي سوء إلا ويجد لهم مخرجاً حميداً.
(٣) ويظهر عطف الله بالدرجة الأولى على المريض وهو على فراش الضعف والسقام ذلك لأنه يكون بأمس الحاجة للمساعدة. ولذلك فإن الله يجعل فراشه وثيراً مريحاً فلا يكون مرضهم للموت ولا يبقون في حالتهم بلا أمل أو رجاء. عليهم أن يحتملوا حالتهم بصبر وحسن تسليم ومتى كانت النفس مطمئنة فحينئذ ضعف الجسم يتحول إلى قوة.
(٤) في ضعفه الشديد هذا لم ينس إلهه بل يطلب رحمته ورضاه. يطلب أن يشفى مما هو فيه ويظهر أن ضعفه كان على وجهين:
الأول: الضعف الجسدي فالأرجح أنه كان مريضاً ضعيفاً.
الثاني: إنه كان يشعر بالخطيئة والإثم.
إن الله رحيم لا يتخلى عنا بل رأفته دائماً هي التي تشفينا وتحفظنا على الدوام. هو يطلب الرحمة كذلك العشار (انظر لوقا ١٨: ١٣) ولا يظن في قوله «أنا أخطأت إليك» ان المرنم يشير إلى أية خطيئة خاصة أو إثم اقترفه ولكن المعنى على الأرجح أنه يعبر عن شعوره بالخطأ وعدم الاستحقاق ولكنه يرجو رحمة الله وإحسانه فقط.
«٥ أَعْدَائِي يَتَقَاوَلُونَ عَلَيَّ بِشَرٍّ: مَتَى يَمُوتُ وَيَبِيدُ ٱسْمُهُ؟ ٦ وَإِنْ دَخَلَ لِيَرَانِي يَتَكَلَّمُ بِٱلْكَذِبِ. قَلْبُهُ يَجْمَعُ لِنَفْسِهِ إِثْماً. يَخْرُجُ فِي ٱلْخَارِجِ يَتَكَلَّمُ. ٧ كُلُّ مُبْغِضِيَّ يَتَنَاجَوْنَ مَعاً عَلَيَّ. عَلَيَّ تَفَكَّرُوا بِأَذِيَّتِي. ٨ يَقُولُونَ: أَمْرٌ رَدِيءٌ قَدِ ٱنْسَكَبَ عَلَيْهِ. حَيْثُ ٱضْطَجَعَ لاَ يَعُودُ يَقُومُ».
(٥) إن هؤلاء الأعداء شامتون بحالته يفرحون بمرضه وضيقته وعندئذ ينصبون له الأحابيل ويكيدون. وجل ما يتمنونه ليس فقط أن يدوم ضيقه ومرضه بل أن يهلك تماماً ويبيد إثمه. لا ندري إن كانوا من طراز أولئك الأعداء الذين قد يسممون له ويوقعون فيه الأذية والضرر عملياً ولكنهم إن استطاعوا لذلك سبيلاً لا يتأخرون إذ ينوون الشر ومتى نوى الإنسان الشر فلن يعدم وسيلة حتى يتممه. ويتقاولون عليه أي إنهم حاولوا النيل من صيته والحط من كرامته حتى إذا مات يكون موته في ذلٍّ وهوان.
(٦) وهنا يصف هذا العدو عائداً مريضه يظهر له تأسفه لحالته ولكنه كاذب في ما يذهب إليه وزيارة المريض كانت معروفة من قديم الزمان (انظر ٢صموئيل ١٣: ٥ وما بعده وأيضاً ٢ملوك ٨: ٢٩). هو يكلمه بلسانه بالطبع شيئاً لا يعنيه بقلبه لذلك يجمع بقلبه إثماً فوق إثم ومتى انتهت الزيارة ويخرج إذا به يتكلم بالقفا كلاماً جارحاً مملوءا بالعداوة والبغضاء.
(٧) يتابع في هذا العدد أيضاً وصف هؤلاء الأعداء إذا بهم يهمسون واحدهم للآخر بأمور لا يتكلمون عنها بصوت عال (انظر ٢صموئيل ١٢: ١٩) هم يحملون خبر السوء عنه ويتمنون له الأذية والموت أيضاً لا الشفاء ويا لهم من عُوّاد أردياء. أما تناجيهم وهمسهم هكذا فإنه لتهيبهم وتخوفهم أن يصيبهم أي سوء بسبب البوح أمام الناس عما يكنونه من ضرر.
(٨) وفي هذا العدد يكرر سوء نواياهم وما يتمنونه له من عدم شفاء ويريدونه أن يقولوا لأنفسهم إنه قد اضطجع في حالته ولن يقوم منها. وقد ينسبون له في مرضه أن الله قد أرسل له القصاص العادل وهكذا يقرنون حالته الجسدية السيئة بخطاياه التي يتهامسون عليه بها. وهذا السوء الذي أصابه لن يتغلب عليه أيضاً (انظر أيوب ٤١: ١٥ وما يليه).
«٩ أَيْضاً رَجُلُ سَلاَمَتِي، ٱلَّذِي وَثَقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ! ١٠ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَٱرْحَمْنِي وَأَقِمْنِي فَأُجَازِيَهُمْ. ١١ بِهٰذَا عَلِمْتُ أَنَّكَ سُرِرْتَ بِي أَنَّهُ لَمْ يَهْتِفْ عَلَيَّ عَدُوِّي. ١٢ أَمَّا أَنَا فَبِكَمَالِي دَعَمْتَنِي وَأَقَمْتَنِي قُدَّامَكَ إِلَى ٱلأَبَدِ. ١٣ مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلأَزَلِ وَإِلَى ٱلأَبَدِ. آمِينَ فَآمِينَ».
(٩) والشيء الذي يحزنه أكثر الكل هو أن هؤلاء الأعداء كانوا بالأمس أصدقاءه يدعون طلب سلامته ويعملون عكس ذلك. هم من الذين أكلوا خبزه فأصبح بينه وبين بنيه عهد الخبز والملح. هذا نفسه الذي تجاسر أن يرفع رجله في وجهه. لقد أدار له عقبه إشارة الاحتقار والنكث بالعهد كأنه لم يعرفه من قبل ولم يكن له أية علاقة به. كأنه قد ركله ورفس نعمته ولم يذكر شيئاً من الإحسان (انظر إرميا ٢٠: ١٠).
(١٠) وهنا في حالته الصعبة هذه يلتفت للرب ويطلب الرحمة بعد لا سيما وهو في حالته المرة هذه مريض الجسد كسير القلب والروح يشعر بالوحشة والهموم كما يشعر بآلام المرض التي تقض مضجعه وتحرمه النوم. فقد اعتمد على أصحاب كاذبين أخلص لهم وصادقهم ولكنهم خانوه (انظر إرميا ٣٨: ٢٢). وفي يأسه الشديد من الناس يلتفت إلى الله وهنا يطمئن ويشعر بالسلام ذلك لأن الله وحده هو الذي ينهضه ويقيمه. ولكنه لا ينسى إساءة أولئك الأعداء فيطلب مجازاتهم على نسبة ما فعلوه نحوه.
(١١) لقد خاب فأل العدو ولم ينل منه مبتغاه إذ كان ينوي أن يكمل شماتته به ويفرح بأذيته العظمى. ولكن الله لم يسمح بذلك وهكذا يستنتج المرنم أن الرب قد سرّ به. وما أجمل قوله بهذا علمت إذ قد شاهد برهاناً يثبت له صحة ما ذهب إليه (انظر تكوين ٤٢: ٣٣ وقابله مع تكوين ١٥: ٨ وخروج ٧: ١٧ وعدد ١٦: ٢٨ ويشوع ٣: ١٠).
(١٢) هنا ادعاء المرنم ببيان ما هو عليه من فضيلة وكمال ولا نستطيع ملامته على ما ذهب إليه لا سيما بعد ما قاسى منهم ما قاساه من خيانة واغتياب وانقلاب صديق وآلام جسدية من مرضه وآلام روحية من يأسه منهم وقنوطه من سوء أخلاقهم وأفعالهم. إن تعزيته العظمى أن يجد الله يقيمه وأن يتأكد أنه لن يبقى مدوساً تحت أقدامهم بل سيعود إلى مكانته وإلى سالف مجده وهكذا يفشل كل محاولة الأعداء.
(١٣) في هذه التسبيحة الختامية لهذا المزمور تناسٍ مقصود لما ألمّ به فهو يترك كل شيء بيد الله. وهذا العدو الأخير يقابله (مزمور ١٨: ٤٧) وقوله من الأزل إلى الأبد يريد أن يضم الزمان كله في علم الله وكأنه هو الأوقيانوس العظيم إليه تنحدر قطرة حياته وحياة أولئك الأعداء جميعاً. ويختم بدعائه أمين متكررة لكي يستجيب له الله ويثبت عدله عليه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي وَٱلأَرْبَعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. قَصِيدَةٌ لِبَنِي قُورَحَ


«١ كَمَا يَشْتَاقُ ٱلإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ ٱلْمِيَاهِ هٰكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا ٱللّٰهُ. ٢ عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى ٱللّٰهِ إِلَى ٱلإِلٰهِ ٱلْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ ٱللّٰهِ! ٣ صَارَتْ لِي دُمُوعِي خُبْزاً نَهَاراً وَلَيْلاً إِذْ قِيلَ لِي كُلَّ يَوْمٍ أَيْنَ إِلٰهُكَ ٤ هٰذِهِ أَذْكُرُهَا فَأَسْكُبُ نَفْسِي عَلَيَّ. لأَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ مَعَ ٱلْجُمَّاعِ، أَتَدَرَّجُ مَعَهُمْ إِلَى بَيْتِ ٱللّٰهِ بِصَوْتِ تَرَنُّمٍ وَحَمْدٍ، جُمْهُورٌ مُعَيِّدٌ».
نأتي الآن بهذا المزمور للقسم الثاني من سفر المزامير. وهذا القسم يستعمل كلمة الله أكثر من غيره. ففي القسم الأول الذي مر معنا يستعمل كلمة الله خمس عشرة مرة بينما يستعمل «الرب» ٢٧٢ مرة وأما في هذا القسم الذي ينتهي بالمزمور الثاني والسبعين فيستعمل كلمة الله ١٦٤ وأما كلمة الرب فثلاثين مرة. وعلى سبعة مزامير موضوع عنوانها لبني قورح. ولا عنوان فيها لداود. ثم لا يضع اسم المؤلف بل عائلته فقط. وقد يكون أن عائلة قورح كان لها مجموعة من الترانيم ضمت للسفر كله ولكنها احتفظت بالعنوان لكي تتميز عن بقية المزامير. والأرجح أن قورح هذا هو المذكور (في سفر العدد ١٥). وقد عيّن لفرعين من هذه العائلة ليكونوا حراس بوابة الهيكل (راجع ١أخبار ٢٦: ١ - ٩).
وأما عدد بني قورح فكان أربعة عشر يضاف إليهم أربعة من بني آساف وستة من بني أثان فيتم العدد أربعة وعشرون أمام مغنين يرأسون أربعاً وعشرين فرقة موسيقية يتناوبون الخدمة في الهيكل.
(١) كلمة اشتاق هنا تأتي من «عرّج» العربية أي إن الإيل يعرّج على جداول المياه حينما يعطش كذلك فنفسه عطشى تطلب الله وتشتاق إليه.
(٢) شوقه لله الحي (انظر مزمور ٨٤: ٣) لأنه نبع الحياة وكذلك الإيل العطشان يذهب ما أمكنه إلى نبع المياه وكما في (مزمور ٣٦: ١٠) فإن من عند الله تجري ينابيع النعمة التي لا تنضب ولا تنقطع. ويتراءى قدام الله في هيكله في أورشليم إذاً فهو بعيد عنها يحن لأقدس مكان فيها. والإنسان لا يستطيع أن يرى الله ويعيش (خروج ٣٣: ٢٠) لذلك يتراءى أمامه.
(٣) بهذا العدد يشرح لماذا شوقه فهو لا يغتذي بالطعام العادي ولا يرتوي بالشراب العادي بل يريد إلهه لا سيما لكي يدحض ادعاءات مبغضيه الهازئين به الذين يسألونه محتقرين أين إلهك هذا لكي ينجيك؟ (انظر مزمور ٦٩: ١٠ و١١٥: ٢ و٧١: ١١ وأيضاً يوئيل ٢: ١٧ وميخا ٧: ١٠).
وفي حالته الحاضرة هذه وقد أصبح موضوع هزء وسخرية من الناس حواليه لأنه اعتمد على إلهه الذي ظهر كأنه بعيد عنه وقد تركه ولكنه في العدد (٤) يلتفت إلى الماضي ويستنجد به لأنه يراه لامعاً مجيداً لا سيما حين كان في أورشليم يحتفل فيها بالأعياد مع جمهور المحتفلين ويحجّ إليها كمؤمن مخلص عميق التدين والورع إذا به يشعر كإنما نفسه تذوب في داخله وتنسكب من جراء هذه التذكارات التي تملأ القلب روعة وجلالاً.
لقد كان من عادته أن يقدم فروض العبادة في أوقاتها وحسب أصولها والآن فهو بعيد مشتاق يحن عطشاناً كالإيل للماء. وأما «الجمّاع» فهو الجمهور الخليط لا فرق بين جنس أو سن أو لون. هم يتقدمون للعيد لكي يشتركوا في الاحتفالات المقدسة وهو يتدرج معهم أي ببطء وخشوع ووقار لأن وجهتهم هي بيت الله ذاته ولا شيء يمازج خشوعهم سوى أصوات الحمد والترنيم ترتفع بالفرح والابتهاج. هذا ما يتذكره من الماضي وأما الآن فقد مضى.
«٥ لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي، وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ٱرْتَجِي ٱللّٰهَ لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ لأَجْلِ خَلاَصِ وَجْهِهِ. ٦ يَا إِلٰهِي، نَفْسِي مُنْحَنِيَةٌ فِيَّ، لِذٰلِكَ أَذْكُرُكَ مِنْ أَرْضِ ٱلأُرْدُنِّ وَجِبَالِ حَرْمُونَ، مِنْ جَبَلِ مِصْعَرَ. ٧ غَمْرٌ يُنَادِي غَمْراً عِنْدَ صَوْتِ مَيَازِيبِكَ. كُلُّ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ طَمَتْ عَلَيَّ».
(٥) ويلتفت بهذا إلى الحاضر وينكمش على نفسه يسائلها لماذا مهمومة منحنية دليل العجز وكبر السن ولماذا هذا الأنين وكإنما يلوم نفسه على ما فرط منه من ضعف فيقول ارتجي الله فهو وحده يستطيع أن يخلص إلى التمام. مع أنه «الجسد ضعيف والروح قوي» (انظر متّى ٢٦: ٣٨) والانحناء هنا دليل الحزن والكآبة ما يفعل الذين يفقدون عزيزاً فلا يستطيعون أن يرفعوا الرأس عالياً. إن الله يوليه رحمته ويدير وجهه بالخلاص لأنه يريد رفعه وإجلاسه بقوة واستقامة.
(٦) يعود فيكرر شكواه وإن نفسه لا تزال منحنية فاقد العزيمة والشجاعة. وهو مع ذلك يذكر الله ويرجو رحمته أينما كان أفي فلسطين أم على طرفها الشمالي حيثما جبل الشيخ (حرمون) أم جبل مصعر وعلى الأرجح في الطرف الجنوبي لأن مصعر ليس معروف الموقع بالتأكيد.
(٧) يصور لنا هنا تلك المياه المتدفقة من ينابيع الأردن قرب بانياس على الأرجح ويقول إن هذا الغمر من المياه المضطربة المتدفقة تشبه غمر نفسه الحزينة التي يحسبها غرقى في لجج الغموم والهرم. هو لا شك على اضطلاع شخصي على تدفق تلك المياه فيصفها وصفاً بارعاً ويشبهها بنفسه التي لا تعرف الراحة ولا السكون. وكأنه يتخذ المياه مرآة صقيلة يرى فيها نفسه وما تتحمله من آلام وأحزان (قابل هذا بما ورد في يونان ٢: ٤).
«٨ بِٱلنَّهَارِ يُوصِي ٱلرَّبُّ رَحْمَتَهُ، وَبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عِنْدِي صَلاَةٌ لإِلٰهِ حَيَاتِي. ٩ أَقُولُ لِلّٰهِ صَخْرَتِي: لِمَاذَا نَسِيتَنِي؟ لِمَاذَا أَذْهَبُ حَزِيناً مِنْ مُضَايَقَةِ ٱلْعَدُوِّ؟ ١٠ بِسَحْقٍ فِي عِظَامِي عَيَّرَنِي مُضَايِقِيَّ، بِقَوْلِهِمْ لِي كُلَّ يَوْمٍ: أَيْنَ إِلٰهُكَ؟ ١١ لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي، وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ ٱللّٰهَ لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلٰهِي».
(٨) ولكنه يلتفت إلى نفسه مرة أخرى لكي تتشجع بالرجاء بعد فإنه لا شك سيأتي النهار بعد الليل. فإذا انشغل بالليل بتقديم التسبيح والصلاة فإن ذلك سيجعله ينتظر نهاراً يشرق عليه شمسه بالرحمة والرضوان (انظر مزمور ٤٤: ٥ وعاموس ٩: ٣ وما يليه). وكذلك فإنه حينما يأتيه نهار بهيج بالرجاء السعيد فهو يصرف نهاره بالشكر والحمد على هذه النعمة العظيمة التي حصل عليها عندئذ.
(٩) يعود في هذا العدد إلى لهجة اليأس فيشعر بالوحشة والانفراد ويرى أن الله قد نسيه وابتعد عنه بينما هو صخرته التي يتكل عليها دائماً. بل لماذا يجد أعداءه قد سطوا وتغلبوا عليه حتى ضايقوه في معاملتهم وأتعبوه في أقوالهم ومقارعتهم. وهوذا الحزن يساوره لأنه يرى أنه قد غلب على أمره ولا يستطيع أن يفعل شيئاً.
(١٠) لا ندري إذا كان قد أصيب بكسر إحدى عظامه حقيقة أم هو يعني تصوير ذله فليس فقط ظاهره في حالة الخضوع والانحناء بل هوذا داخله أيضاً يضطرب ويئن. ويعود لسؤال معيره «أين إلهك؟» هو يعلم أن إلهه ينجيه ولكن الذي يؤلمه هو أن أعداءه لا يعلمون ذلك بل يتمادون في غيهم وقحتهم اليومية.
(١١) وأخيراً يختم بإعادة المعنى السابق وإنه عليه أن ينهض بعد ولا يستسلم لليأس قط لأنه لا يفيده شيئاً. ولذلك هنا يكرر ما ورد في العدد الخامس.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ وَٱلأَرْبَعُونَ


«١ اِقْضِ لِي يَا اَللّٰهُ وَخَاصِمْ مُخَاصَمَتِي مَعَ أُمَّةٍ غَيْرِ رَاحِمَةٍ، وَمِنْ إِنْسَانِ غِشٍّ وَظُلْمٍ نَجِّنِي. ٢ لأَنَّكَ أَنْتَ إِلٰهُ حِصْنِي. لِمَاذَا رَفَضْتَنِي؟ لِمَاذَا أَتَمَشَّى حَزِيناً مِنْ مُضَايَقَةِ ٱلْعَدُوِّ؟ ٣ أَرْسِلْ نُورَكَ وَحَقَّكَ هُمَا يَهْدِيَانِنِي وَيَأْتِيَانِ بِي إِلَى جَبَلِ قُدْسِكَ وَإِلَى مَسَاكِنِكَ. ٤ فَآتِي إِلَى مَذْبَحِ ٱللّٰهِ، إِلَى ٱللّٰهِ بَهْجَةِ فَرَحِي، وَأَحْمَدُكَ بِٱلْعُودِ يَا اَللّٰهُ إِلٰهِي. ٥ لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي، وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ ٱللّٰهَ لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلٰهِي».
يرجح أن هذا المزمور هو تكملة للمزمور السابق أو هما معاً مزمور واحد. ونرى أنه لا عنوان له ولا اسم مؤلف مما يوحي أنه تابع لشيء آخر. وفي العدد (١) يطلب أن يقضي له لكي ينال حقه فهو يشعر بالظلم ويطلب أن يكون الله جانبه لكي يخاصم عنه وقوله «أمة» أي جماعة كبيرة يضمرون له السوء والعداوة. أما «إنسان غش» فقد يكون زعيم تلك الجماعة التي لا تعرف الرحمة بل حياتها غش وخداع وظلم.
(٢) هو يلتمس الله ويتخذه حصنه ولكنه يرى أن الله قد رفضه. فيشعر بالوحدة وهوذا أعداؤه يضايقونه فيضطر أن يمشي الطريق وحده بينما كان يرى الله عونه ورفيقه. إنه غارق في بحر همومه وتأملاته فيها وأعظم ألم يعانيه هو بعده عن الله وعن هيكله.
(٣) في هذا العدد نتذكر (مزمور ٥٧: ٤ وخروج ١٥: ١٣ كما أيضاً مزمور ٤٢: ٩) النور والحق هما الرحمة والحق أيضاً. وهذان يظهران جلياً فهو بحاجة للهداية لكي يتبع الطريق حتى يصل إلى هدفه وهو جبل قدس الرب ومساكنه أي الخيام المضروبة عليه (انظر مزمور ٨٤: ٢ ومزمور ٤٦: ٥).
(٤) كان شارداً بعيداً فاهتدى كان متضايقاً من الذين يخاصمونه ويطلبون نفسه فوجد طمأنينة وسلاماً. كان يشعر بالوحشة والوحدة مع الناس الأشرار فإذا به الآن يصل إلى مذبح الله وينال الفرح الحقيقي وحينئذ يبدأ بالحمد والتسبيح لهذا الإله الممجد العظيم (راجع مزمور ٣٩: ١٤) إن الله هو بهجة فرحه أي أعظم فرحة وكمال سعادته (هوشع ٩: ٥) ولا يكتفي أن يأتي إلى الله بل إلى إلهه بعلاقته الوثقى معه.
(٥) وأخيراً يعود إلى القرار الذي يملأ المزمور السابق بالروعة والجلال فيتساءل مرة أخرى مستنكراً فلا يجوز أن تنحني نفسه بعد الآن ولا تئن من أي شيء. وخلاصة القول إن هذا المزمور يبدأ بطلب العون ويذكر علاقته بالله ثم في العدد الثالث يصلي لكي يهتدي وبعد ذلك يستجيب له الله فينهض والرجاء يفعم قلبه لأن بالله وحده الخلاص.

اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ وَٱلأَرْبَعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِبَنِي قُورَحَ. قَصِيدَةٌ


«١ اَللّٰهُمَّ بِآذَانِنَا قَدْ سَمِعْنَا. آبَاؤُنَا أَخْبَرُونَا بِعَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي أَيَّامِهِمْ، فِي أَيَّامِ ٱلْقِدَمِ. ٢ أَنْتَ بِيَدِكَ ٱسْتَأْصَلْتَ ٱلأُمَمَ وَغَرَسْتَهُمْ. حَطَّمْتَ شُعُوباً وَمَدَدْتَهُمْ. ٣ لأَنَّهُ لَيْسَ بِسَيْفِهِمِ ٱمْتَلَكُوا ٱلأَرْضَ، وَلاَ ذِرَاعُهُمْ خَلَّصَتْهُمْ، لٰكِنْ يَمِينُكَ وَذِرَاعُكَ وَنُورُ وَجْهِكَ لأَنَّكَ رَضِيتَ عَنْهُمْ. ٤ أَنْتَ هُوَ مَلِكِي يَا اَللّٰهُ. فَأْمُرْ بِخَلاَصِ يَعْقُوبَ. ٥ بِكَ نَنْطَحُ مُضَايِقِينَا. بِٱسْمِكَ نَدُوسُ ٱلْقَائِمِينَ عَلَيْنَا».
يرجح أن رفيق هذا المزمور هو الخامس والثمانون والناظم يتأسف على الحالة التي وصل إليها بنو إسرائيل بالنسبة لما كان عليه آباؤهم. ويرجح أن الظرف الذي كتب فيه هذا المزمور هو أيام المكابيين حينما ثار اليهود ضد ظلم أنطيوخس أبيفانوس في سبيل تحرير بلادهم من سلطة الأجنبي. ولكن يعترض البعض على هذا الرأي ويرى في العدد العاشر منه ما يناقض ما ذهب إليه أولئك.
(١) يبدأ المرنم بذكريات قديمة منذ أيام موسى ويشوع ويظهر الفرق بين الماضي والحاضر وهنا كما في المزمور ٧٨ لا يرجع فقط للسجلات المكتوبة بل للكلام المنقول من فم لأذن. هي أخبار ينقلها الخلف عن السلف ويعتز بالأمجاد القديمة التي تثير النخوة والحمية في الصدور.
(٢) وموضوع الخبر كيف أن الله خلّص شعبه وثبتهم في مكان الشعوب التي طردت من أرضها. هنا يأخذ مثل النبتة التي تقتلع من أصولها كالأعشاب البرية مثلاً ثم يغرس مكانها ما هو أنفع وأجدى. لقد منح الله شعبه انتصاراً كما أنه قد خذل تلك الشعوب وبددها.
(٣) وعلى إسرائيل أن يتذكر أن الخلاص لم يكن بذراعه ولا بقوته بل بقوة الله التي خلصتهم إلى التمام. وساروا في وسط الصعاب بنور وجهه الذي أشرق عليهم وبالطبع فإن هذا من باب الاستعارة. ويعزو سبب النجاح لأن الرب قد رضي عنهم وباركهم.
(٤) إن الله هو الملك والسيد وشعب إسرائيل هم بحمايته يعيشون فإن كان الله هو الملك فلمن يذهب شعبه. ونلاحظ أن المرنم لا يطلب شيئاً لذاته بل لشعب الله على العموم. وقد طلب موسى هكذا منذ الزمان القديم (راجع خروج ٣٣: ١٣).
(٥) هنا ينحدر المرنم قليلاً عن القمة الأدبية التي كان مرتفعاً عليها ويطلب من الله أن يعطيه قروناً ينطح بها. وقوة غالبة يدوس بها الأعداء. فهو يترك الدفاع ويطلب الهجوم ولذلك يوسع رغباته ويرى من الواجب أن يتخلص من المضايقين والأعداء الذين يقومون عليه.
«٦ لأَنِّي عَلَى قَوْسِي لاَ أَتَّكِلُ، وَسَيْفِي لاَ يُخَلِّصُنِي. ٧ لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَّصْتَنَا مِنْ مُضَايِقِينَا، وَأَخْزَيْتَ مُبْغِضِينَا. ٨ بِٱللّٰهِ نَفْتَخِرُ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ وَٱسْمَكَ نَحْمَدُ إِلَى ٱلدَّهْرِ. سِلاَهْ. ٩ لٰكِنَّكَ قَدْ رَفَضْتَنَا وَأَخْجَلْتَنَا وَلاَ تَخْرُجُ مَعَ جُنُودِنَا. ١٠ تُرْجِعُنَا إِلَى ٱلْوَرَاءِ عَنِ ٱلْعَدُوِّ، وَمُبْغِضُونَا نَهَبُوا لأَنْفُسِهِمْ. ١١ جَعَلْتَنَا كَٱلضَّأْنِ أَكْلاً. ذَرَّيْتَنَا بَيْنَ ٱلأُمَمِ».
(٦) لقد كان الماضي مفعماً بالمراحم وليكن الحاضر كذلك. وهنا يؤكد مرة أخرى أن اتكاله ليس على قوته ولا على قوسه وسلاحه لأن السيف أيضاً لا يخلّص. إنّ الله وحده ينجي إلى التمام (راجع تثنية ٣٣: ٥) هذا هو الاختبار العميق الذي عرفه إسرائيل.
(٧) إن الخلاص هو من الله فلا مركز أول لأية قوة بشرية مهما عظمت. ولكنها قوة الله بنعمته في الضعف نصبح أقوياء وبالجهل نصبح حكماء. وهنا يذكر مرة أخرى أن أولئك المضايقين المبغضين قد خزوا وارتدوا إلى الوراء ولا يستطعيون أن يؤذوا المؤمنين بشيء.
(٨) إن الله هو مصدر الافتخار لشعبه به المجد وبدونه لا سؤدد ولا مجد. وقوله اليوم كله أي دائماً فليس الافتخار لشيء عرضي وقتي بل حقيقي بالنسبة لصنائع الله وأعماله العظيمة وهكذا فإن اسم الرب يحمد على الدوام. وهنا تشترك الموسيقى بالمعاني على أسلوب ترنيم خاص ولكن لا يطول الوقت مع المرنم حتى يتحول للشكوى المرة.
(٩) ففي هذا العدد يظهر العتاب وهنا يستدرك ويصبح كل ما مرّ من كلام بحكم النفي. فإن الله هنا قد رفض شعبه بدلاً من أن يقبلهم وقد خذلهم بدلاً من أن ينصرهم على الأعداء وكان سبب الخجل إنه لم يخرج مع الجنود لكي يحارب عنهم إذ ليس انتصارهم بسلاحهم هم بل بالله. لقد اتكلوا على الله ولكن الله رفضهم. هو باستطاعته تخليصهم ولكنه لم يفعل لأنهم على ما يظهر قد عصوا أوامره فكان نصيبهم الغضب بدل الرضا.
(١٠) وكانت النتيجة المحتومة أنهم ارتدوا خائبين. كان سيرهم للوراء بدلاً من التقدم للأمام. وهوذا الأعداء ينهبونهم نهباً لذلك فقد كان ختام الانخذال بضياع الأموال أيضاً. هنا يظهر غضب الله عليهم بأجلى وضوح وأكمل بيان. فقد خسروا الأرواح والأموال وأعظم من ذلك كله هو أنهم قد رأوا غضب الله حالاً عليهم (انظر رومية ١١: ١).
(١١) وكانت النتيجة إن شعب الله أصبح للذبح وكذلك للتشتيت وهنا تظهر نتيجة الحروب قديماً وحديثاً فهي تقتل الناس وتهدم أوطانهم وتشتتهم أيدي سبا.
«١٢ بِعْتَ شَعْبَكَ بِغَيْرِ مَالٍ وَمَا رَبِحْتَ بِثَمَنِهِمْ. ١٣ تَجْعَلُنَا عَاراً عِنْدَ جِيرَانِنَا، هُزْأَةً وَسُخْرَةً لِلَّذِينَ حَوْلَنَا. ١٤ تَجْعَلُنَا مَثَلاً بَيْنَ ٱلشُّعُوبِ. لإِنْغَاضِ ٱلرَّأْسِ بَيْنَ ٱلأُمَمِ. ١٥ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ خَجَلِي أَمَامِي، وَخِزْيُ وَجْهِي قَدْ غَطَّانِي. ١٦ مِنْ صَوْتِ ٱلْمُعَيِّرِ وَٱلشَّاتِمِ. مِنْ وَجْهِ عَدُوٍّ وَمُنْتَقِمٍ».
(١٢) أي بيع العبودية فإن أسيادهم عندئذ يمتلكونهم بقوة السلاح وهذا منتهى الذل والعار. يصوّر حالة الشعب المحزنة التي وصلوا إليها. فهم بأمرة الأمم الذين تغلبوا عليهم فليس قياد أنفسهم بأيديهم. وبغير مال كان المبيع لذلك فلم يكن من ربح. ويقصد بذلك أن يقول إن شعب الله يستحق معاملة أفضل من هذه فهم لم يتعاهدوا مع الله ليكونوا عبيداً بل ليكونوا سادة أحراراً في مختلف أدوار الحياة.
(١٣) لقد كان له عز ومجد في القتال وأما الآن فللهزء والعار. وإذا عملوا فعملهم بالتسخير بدون أجر جزاء أتعابهم. وقوله عند جيراننا يزيد الكلام قوة لأننا نورد أن نعتز ونتكرم أمام جيراننا لا أن نذل أو نهان. وهذا العدد يتمم ما سبقه فإن إهانتهم وجعلهم هزءاً بين الناس لا يتمجد اسم الله بذلك بل بالعكس (انظر إشعياء ٥٢: ٥ وحزقيال ٣٦: ٢٠).
(١٤) وحالة الاستهانة هذه قد عظمت إلى أن أصبحت مضرب الأمثال. ولا يستطيعون أن يرفعوا الرأس ليمشوا بمجد وكرامة بل هم عنوان المذلة لا يتجرأون أن يرفعوا عيونهم إلى فوق.
(١٥) وقد اكتسى وجهه بالخجل وقد تغطى بالخزي حتى يكاد لا يرى كيف يسير في سبيله. إذا اقترف الإنسان ذنباً وخجل منه فعمله يعد فضيلة لا رذيلة. وكذلك إذا تهيبت الفتاة بعض المواقف واصطبغ الخد بالأحمرار فذلك دليل الطهارة والعفاف. أما أن يمتلئ الإنسان بالخجل والخزي حتى لا يستطيع السلوك بين الناس بدون تعييرات المعيرين فذلك مصيبة كبرى قد حلت على شعب الله.
(١٦) لا سيما وإن هؤلاء الأعداء لم يكونوا مشفقين فهم يعيرونهم بقولهم أين إلهكم يخلصكم بل يتجرأون عليهم بالشتم والكلام القبيح. إن ألسنتهم قد صقلوها فهي سهام مسنونة وسيوف حادة قاطعة. ذلك لأن هؤلاء أعداء يضمرون الشر والضغينة ولا يتأخرون قط عن إيقاع كل أنواع الضرر والأذية. حتى مرروا عيشهم وزادوا كربهم وأصبحت الحياة مع هؤلاء مما لا يطاق.
«١٧ هٰذَا كُلُّهُ جَاءَ عَلَيْنَا وَمَا نَسِينَاكَ وَلاَ خُنَّا فِي عَهْدِكَ. ١٨ لَمْ يَرْتَدَّ قَلْبُنَا إِلَى وَرَاءٍ، وَلاَ مَالَتْ خَطْوَتُنَا عَنْ طَرِيقِكَ، ١٩ حَتَّى سَحَقْتَنَا فِي مَكَانِ ٱلتَّنَانِينِ وَغَطَّيْتَنَا بِظِلِّ ٱلْمَوْتِ. ٢٠ إِنْ نَسِينَا ٱسْمَ إِلٰهِنَا أَوْ بَسَطْنَا أَيْدِيَنَا إِلَى إِلٰهٍ غَرِيبٍ، ٢١ أَفَلاَ يَفْحَصُ ٱللّٰهُ عَنْ هٰذَا، لأَنَّهُ هُوَ يَعْرِفُ خَفِيَّاتِ ٱلْقَلْبِ؟».
(١٧) هنا يلخص ما مر على الشعب من ويلات ويقول «هذا كله»أي جميع المصائب والمتاعب التي ذكرها آنفاً. و «جاء علينا» أي أصابنا كما في (مزمور ٣٥: ٨ و٣٦: ١٢) فإن قوات الشر المعادية وما تستطيع أن تؤثر به للأذية والضرر. ولكن لا شيء من هذه قد استطاع أن ينسينا الواجبات أو يسبب لنا خيانة في العهود (مزمور ٨٩: ٣٤).
(١٨) إن ارتداد القلب هو الذي يسبب ميل الخطوة عن الطريق. ومتى كان القلب في زيغان حينئذ يزيغ كل أعضاء الجسد (راجع أيوب ٣١: ٧ وأيضاً ٣: ١٠ وسفر العدد ١٦: ١٤). فطالما أن قلبنا بقي مستقيماً وكذلك سيرتنا فلماذا إذاً هذه الويلات؟ والمرنم يعود هنا للفكرة الفطرية إن الصالح يجب أن ينال الصلاح مكافأة له.
(١٩) ولكن الحالة كانت على غير شكل مما توقعه وإذا به ينسحق في مكان التنانين وفي ترجمة أخرى «مكان بنات آوى» (راجع ديلتش مجلد ٢ ص ٦٣). والقصد هو تصوير مكان مقفر بعيد عن الأهل والسكان (انظر إرميا ١٠: ٢٢). وقد كمل الانسحاق بالتغطية لكي لا يعرف المكان ولا يكشف وهذا منتهى الموت المشين (١صموئيل ١٩: ١٣) ويمكن قراءتها «وغطيتنا بالظلمات» (راجع مزمور ٢٣: ٤).
(٢٠) يعود فيؤكد براءته فهو لم ينس اسم إلهه. وقوله الاسم بمعنى أنه لم ينس الله وهنا لا فرق بين الاسم والحقيقة إذ أن الإنسان القديم رأى في اسم الله سبيلاً للإيمان به والاتكال عليه فهو لا يراه بالعين وإن كان يؤمن به بالقلب فعلى الأقل يكون ذكر الاسم لتثبيت هذا الإيمان. وبسط اليد للإله الغريب دليل التعبد والخلوص له ولأن الله إله غيور فيكون ذلك مروقاً من الدين وخروجاً عن أصوله.
(٢١) لا سيما وإن الله لا تخفى عليه خافية فهو الذي يفحص ويعرف يقيناً من هو الإنسان وما هي نواياه كلها. فإذاً لا أسرار يمكن أن تخفى عنه فالأفضل أن يكون كل شيء ظاهراً وبالعلن. وهنا مرة أخرى نتذكر ما ورد في (أيوب ٣١ لا سيما العدد الرابع وأيضاً ١١: ٦ و٢٨: ١١).
«٢٢ لأَنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ. ٢٣ اِسْتَيْقِظْ. لِمَاذَا تَتَغَافَى يَا رَبُّ؟ ٱنْتَبِهْ. لاَ تَرْفُضْ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٢٤ لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَكَ وَتَنْسَى مَذَلَّتَنَا وَضِيقَنَا؟ ٢٥ لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى ٱلتُّرَابِ. لَصِقَتْ فِي ٱلأَرْضِ بُطُونُنَا. ٢٦ قُمْ عَوْناً لَنَا وَٱفْدِنَا مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ».
(٢٢) هنا يفتخر المرنم بالأمانة العظمى التي تجسمت وتتجسم في جماعة المؤمنين. ومن أجل العقيدة والإيمان يصل الإنسان المتدين إلى أعظم الاضطهاد كما جرى للشهداء والقديسين منذ الأيام القديمة. وكانت حالتهم أشبه بالغنم للذبح يتعرضون لكل أنواع التعذيب والإهانات. حينما تكون الكنيسة مؤمنة تضطهد وحينما ترتد للضلال والخيانة يزول عنها الاضطهاد لأنها تصبح بلا رسالة تؤديها لإصلاح العالم.
(٢٣) لا نلوم المرنم كثيراً فإن الاضطهاد قد أعمى بصره وحسب أن الرب قد تغافى عنه ويتمنى عليه أن يستيقظ. كأنه غافل ويطلب إليه أن ينتبه. ولا نستطيع أن نرى في ذلك سمواً روحياً إذ يشبه الرب كأنه إنسان. وأين هذا القول من أنه لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل.
(٢٤ و٢٥ و٢٦) ولكنه في هذه الأعداد يتذلل أمام الله ويلتمس منه أن لا يحجب وجهه ولا ينسى ما هو عليه المرنم من ضيق وويل. وفي هذه الأعداد صورة كاملة للحالة المحزنة التي هو فيها. هوذا الانحناء ليس من الشيخوخة بل من كثرة الهموم حتى تكاد تلصق البطون بالتراب ولا يمكنه أن ينهض عزيزاً رافع الرأس والجبين. ولكنه يلتفت في العدد الأخير مكرراً طلب العون من الله. عنده الفداء وعمله بذلك فقط من أجل الرحمة فالإنسان لا يستحق أي التفات ولكن الله لا يتخلى عنه ولا سيما وهو يذكر الأمانة والعهود المقدسة التي قطعها الشعب معه وهو قبل أن يكون إلههم على الدوام. وقوله «قم» قد ورد مثله (مزمور ٣: ٨ و٧: ٧). وهذا التعبير هو في الأصل موسوي. وطلب العون أيضاً وارد مثله في مواقف كثيرة (راجع مزمور ٦٣: ٨ و٢٢: ٢٠ و٣: ٣).
وخلاصة القول إن هذا المزمور هو صرخة نفس أصابها الاضطهاد والمذلة لذلك تلتجئ إلى الرب في أشد الساعات ألماً وضيقاً وهكذا قد يكون كتب في أيام المكابيين وقت ظلم الملك أنطيوخس وهو يصوّر لنا العذاب الشديد الذي احتمله بنو إسرائيل عندئذٍ.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ وَٱلأَرْبَعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. عَلَى ٱلسَّوْسَنِّ. لِبَنِي قُورَحَ. قَصِيدَةٌ. تَرْنِيمَةُ مَحَبَّةٍ


«١ فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ. مُتَكَلِّمٌ أَنَا بِإِنْشَائِي لِلْمَلِكِ. لِسَانِي قَلَمُ كَاتِبٍ مَاهِرٍ. ٢ أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي ٱلْبَشَرِ. ٱنْسَكَبَتِ ٱلنِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذٰلِكَ بَارَكَكَ ٱللّٰهُ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٣ تَقَلَّدْ سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا ٱلْجَبَّارُ، جَلاَلَكَ وَبَهَاءَكَ. ٤ وَبِجَلاَلِكَ ٱقْتَحِمِ. ٱرْكَبْ. مِنْ أَجْلِ ٱلْحَقِّ وَٱلدَّعَةِ وَٱلْبِرِّ، فَتُرِيَكَ يَمِينُكَ مَخَاوِفَ».
يذكر سفر العبرانيين ص ١: ٨ بأن هذا الكلام هو عن المسيح ابن الله. وبذلك يعدّ نبوءة عنه ووصفاً بارعاً لما سيكونه. يبقى هل كتب هذا المزمور لأجل ذلك أم هو ترنيمة محبة بشرية كما هو عنوانه وقد نظم لأجل ظرف خاص هو زواج الملك أو ابنه والشاعر معاصر لهما فيتكلم عن أمور جرت أمام عينيه. وهذا الملك هو من نسل داود ولذلك كان له المواعيد (٢صموئيل ٧). وقد تكون هذه القصيدة منظومة حينما اقترن يورام بعثليا لأنه من نسل داود. وليس لآخاب وإيزابل لأن هذا الأخير ابن عمري من إسرائيل مملكة الشمال.
العنوان يبين الكاتب أنه من بني قورح والأرجح أنه كان لهم مجموعة من الأناشيد والأشعار وهذه القصيدة إحداها. وهي تبحث أموراً مسرّة محبوبة.
(١) وبدء القصيدة يستلفت النظر فإن قلب الشاعر قد امتلأ أولاً حتى فاض بعد ذلك. وفيضه كان بأشياء صالحة لطيفة وجميلة. ويسره أن يكون له لسان يترجم ما في أفكاره من معان ويقدر أن يسرع في التعبير حتى يكاد يسابق قلم الكاتب الماهر. إن موضوعه جليل وأجلّ منه هو شخص الملك الذي يتكلم عنه لذلك لا عجب إن فاض في الكلام.
(٢) وموضوع كلامه هو جمال الملك وبهاؤه فقول الشاعر أنه بالرغم من كل مهارته في الكلام والتعبير ظل عاجزاً عن إيفاء الملك حقه في المديح. لا سيما وإن هذا الملك قد اشتهر ببلاغة الكلام لأنه بنعمة من الله يفعل ذلك وقد برهن على هذه الصورة أنه مبارك من الله (انظر لوقا ٤: ٢٢).
(٣) وبعد أن يصف مظهره الخارجي بالجمال والجلال وبالطبع لا يعني ذلك الشيء الفاني الزائل (أمثال ٣١: ٣٠) ولكنه جمال النعمة السماوية والبركة. يأتي الآن لكي يصفه كمحارب وإذا به يحمل سيفاً على جنبه يدل على العزة والجبروت. وببراعة يذكر الملك أن شجاعته هي أعظم مظاهر الجلال والبهاء.
(٤) ولا شك أن الجلال والشجاعة هما صنوان لا يفترقان في الملوك. وهذا السيف على جنبه ليس للزينة فقط بل عليه أن يقتحم به الأعداء ويركب أمام جنده ليقودهم للنضال والظفر. ولكنه في الوقت ذاته ظفر لأجل الحق والبر وبصورة وديعة متواضعة وإذا يمينه توقع في الأعداء رعباً ومخاوف لا قبل لهم على مجابهته.
«٥ نَبْلُكَ ٱلْمَسْنُونَةُ فِي قَلْبِ أَعْدَاءِ ٱلْمَلِكِ. شُعُوبٌ تَحْتَكَ يَسْقُطُونَ. ٦ كُرْسِيُّكَ يَا اَللّٰهُ إِلَى دَهْرِ ٱلدُّهُورِ. قَضِيبُ ٱسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. ٧ أَحْبَبْتَ ٱلْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ ٱلإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ مَسَحَكَ ٱللّٰهُ إِلٰهُكَ بِدُهْنِ ٱلٱبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ. ٨ كُلُّ ثِيَابِكَ مُرٌّ وَعُودٌ وَسَلِيخَةٌ. مِنْ قُصُورِ ٱلْعَاجِ سَرَّتْكَ ٱلأَوْتَارُ».
(٥) وهنا ينتقل إلى نوع آخر من السلاح وهو رمي النبال. إن هذه النبال هي في حالة جيدة للغاية إذ تخترق إلى مسافات بعيدة حتى تصل إلى قلوب الأعداء. وحينما يستعمل هذين السلاحين الهامين في تلك الأيام وهما السيوف والنبال إذا الأعداء يندحرون ويسقطون ويتذللون أمام الملك ويكون موقعهم تحته لا مقابله قط. وقد رأى بعض المفسرين أن الإشارة هنا هي للمسيح (قابل إشعياء ٩: ٥ و١٠: ٢١).
(٦) يمكن الترجمة «كرسيك التي من الله» وحينئذ يكون المعنى أن الله قد ثبت هذا الكرسي ودعمه لنسل داود ملكاً أبدياً. أو تترجم أيضاً «كرسيك الإلهي» (انظر ٢ملوك ٢٣: ١٧). وأما شكل الخطاب هنا «يا الله» فقد يكون من باب كل سلطة حتى البشرية منها أيضاً (انظر خروج ٢١: ٦ و٢٢: ٧) وما بعده و(مزمور ٨٢ و١٣٨: ١) ذلك لأنهم يمثلون الله ويحملون اسمه بين الناس. ولأن الملك يمثل الله فإن صولجانه يجب أن يكون للاستقامة والبر.
(٧) من يحب البر يبغض الإثم وبالعكس. لذلك فإن الله قد مسحه سعيداً عزيزاً في ملكه أرقى رتبة وأعلى مقاماً ممن حوله (قابل مزمور ٨٩: ٢١ مع أعمال ١٠: ٣٨). وهذا هو العهد الذي عاهد به الله أنه يحب العدل ويؤسس ملكه عليه ولذلك فهو ممسوح من الله لأجل هذه الوظيفة العالية التي تتضمن المسؤوليات الجسام أكثر من الجاه والسطوة والسلطان. ولكنه بدهن الابتهاج لأنه حينما يتمم وظيفته ينال السعادة والتوفيق أكثر كثيراً من الملوك الآخرين رفقائه.
(٨) يصل هنا الشاعر بوصفه إلى الذروة العليا فبعد أن يصف ملكه المحبوب بالبطولة والرجولة وبأن ملكه من الله يأتي إليها لكي يصفه عريساً ملكياً في يوم أفراحه العظمى. وكذلك نجد الوصف في سفر الرؤيا فإنه بعد أن يضرب المسيح أعداءه بقضيب فمه ويركب على فرس أبيض واسمه ملك الملوك ورب الأرباب يتبع ذلك عرس الخروف (رؤيا ١٩: ٧). وهذه الثياب التي يلبسها الملك هي معطرة إلى درجة بعيدة كإنما نسجت بالعطور الثمينة. ومقامه هو في قصور ثمينة مملوءة بالأواني العاجية التي تدل على الغنى والرخاء العظيم.
«٩ بَنَاتُ مُلُوكٍ بَيْنَ حَظِيَّاتِكَ. جُعِلَتِ ٱلْمَلِكَةُ عَنْ يَمِينِكَ بِذَهَبِ أُوفِيرٍ. ١٠ اِسْمَعِي يَا بِنْتُ وَٱنْظُرِي وَأَمِيلِي أُذُنَكِ وَٱنْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ، ١١ فَيَشْتَهِيَ ٱلْمَلِكُ حُسْنَكِ، لأَنَّهُ هُوَ سَيِّدُكِ فَٱسْجُدِي لَهُ. ١٢ وَبِنْتُ صُورٍ أَغْنَى ٱلشُّعُوبِ تَتَرَضَّى وَجْهَكِ بِهَدِيَّةٍ. ١٣ كُلُّهَا مَجْدٌ ٱبْنَةُ ٱلْمَلِكِ فِي خِدْرِهَا. مَنْسُوجَةٌ بِذَهَبٍ مَلاَبِسُهَا».
(٩) الحظيات أي المحظوظات المكرمات لدى الملك بالنسبة لما هن عليه من رفعة الشأن والمقام (انظر أمثال ٦: ٢٦) وأعلى من جميع هؤلاء كانت الملكة التي جلست على العرش معه والحلى الذهبية تزينها من قمة الرأس إلى أخمص القدم. وإذا كنا نفسر الكلام على نسبة المسيح فمن هن هؤلاء الحظيات؟ هن الأمم الوثنية وأما الملكة فهي كنيسة المسيح وجميع هؤلاء يجتمعن معاً حول الملك ابن الله لكي يجمع الكل إلى واحد بواسطته.
(١٠) وهنا يلتفت المرنم لكي يخاطب هذه العروس الملكية الواحدة ويقول لها أن تستعمل حاستيها الهامتين أولاً أن تسمع ثم أن ترى وبعد ذلك عليها أن تنسى كل ما ماضيها وما كانت فيه من عزّ وتذكر خضوعها للملك. هذا شيء طبيعي وقت الزواج فإن المرأة تترك بيت أبيها واسم عائلتها لكي تسكن بيت زوجها وتأخذ اسمه. فيتعهد الزوج بعهود العناية والاهتمام بزوجته كما أنها تتعهد بالطاعة والأمانة.
(١١) إن هذا الملك الزوج يرى في زوجته عندئذ كل ما يسرّه ويفرح قلبه (راجع ١بطرس ٣: ٦) ولأنه ملك فهو سيدها ومولاها. وعليها عندئذ أن تخضع له وتسجد لمقامه الرفيع بكل احترام. إن إظهار خضوع الأمم للمسيح هو دليل عظمتها الحقة ووحدتها وتقدمها.
(١٢) واختار «بنت صور» التي هي أغنى الشعوب لكي يزيد عظمة الملك فهي تطلب رضاه وتكون له حليلة شرعية وتقدم له هدية ثمينة دليل خضوعها كما فعل المجوس حينما قدموا الهدايا للطفل المولود. وعليها الآن أن تنسى شعبها وعبادتها الوثنية الأولى وتظهر نفسها أهلاً للحلة الملكية التي هي فيها الآن.
(١٣) وهنا وصف مفصل كيف تركت بيت أهلها نهائياً وهي في حللها الملكية الباهرة فهي لابسة أثمن الملابس ويجللها المجد والعزة والوقار من كل جانب. تدخل القصر بحاشية كبيرة معها. وملابسها فيها خيوط من ذهب أو مصنوعة بشكل مربعات في وسطها الألماس والحجارة الكريمة واللآلئ الثمينة.
«١٤ بِمَلاَبِسَ مُطَرَّزَةٍ تُحْضَرُ إِلَى ٱلْمَلِكِ. فِي أَثَرِهَا عَذَارَى صَاحِبَاتُهَا. مُقَدَّمَاتٍ إِلَيْكَ ١٥ يُحْضَرْنَ بِفَرَحٍ وَٱبْتِهَاجٍ. يَدْخُلْنَ إِلَى قَصْرِ ٱلْمَلِكِ. ١٦ عِوَضاً عَنْ آبَائِكَ يَكُونُ بَنُوكَ، تُقِيمُهُمْ رُؤَسَاءَ فِي كُلِّ ٱلأَرْضِ. ١٧ أَذْكُرُ ٱسْمَكَ فِي كُلِّ دَوْرٍ فَدَوْرٍ. مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ تَحْمَدُكَ ٱلشُّعُوبُ إِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ».
(١٤) في هذا المظهر الخلاب البهي تدخل إلى حضرة الملك كما جرى لأستير الملكة حينما أحضرت أمام أحشويروش (أستير ٢: ١٢). هو ملكها وزوجها الآن وتلبس الآن ثياباً مطرزة (٢أخبار ٢٠: ٢١) والعروس تلبس منذ قديم الزمان ثوباً أبيض دليل العفة والطهارة ولا مانع أن يطرز عليها على شرط أن يحتفظ ببياضها الناصع. ووراءها تتقدم بنات عديدات كخادمات ووصيفات لها ولكن جميعهن الآن مقدمات للملك إذ بحضرته حتى وصيفاتها يصبحن للملك أولاً.
(١٥) يكاد القارئ هنا يسمع حداء الشبان وزغاريد النساء والعذارى لدن هذا العرس الملكي البديع. إن جميع الأمم والشعوب يجب أن تتحد في إيمان واحد لكي تقاسم في مجد ابنة صهيون السماوية. وهنا نرى بالخيال ذلك الموكب قادماً بكل أبهة وجلال وأصوات الأهازيج والأفراح تتصاعد من كل جانب. ولا يبقى الفرح خارجاً بل يصل إلى داخل القصر وإلى قلب الملك بالذات.
(١٦) لقد كان الملوك عندئذ يشركون أولادهم في الحكم إن في يهوذا أو إسرائيل (انظر ٢صموئيل ٨: ١٨ و١ملوك ٤: ٧ وقابل مع ٢أخبار ١١: ٢٣ و١ملوك ٢٠: ١٥). إن هؤلاء البنين المولودين من نسل ملكي من الأمم يقصد به أن محبة المسيح والطاعة له والإيمان به ستنتشر في كل مكان حتى تعم معرفة المسيح الأرض كلها كما تغطي المياه البحر (انظر رؤيا ٥: ١٠).
(١٧) سيعطي للذين يخضعون لاسمه ويطيعون وصاياه ملكاً أبدياً دائماً وحينئذ يصبح اسم الرب على كل شفة ولسان. ويكون أن الأرض جميعها تظهر حمدها للرب لأنه يتسلط على الشعوب في كل مكان.
نعم إن المرنم يرى وحدة الأرض خاضعة فقط لرؤساء من نسل ملكي مقدس يعملون مشيئة الله ويتممون أوامره. ولذلك يختم بأن كل الشعوب سوف تشترك أخيراً في حمد الله وتمجيد اسمه القدوس إلى كل جيل ودهر.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ وَٱلأَرْبَعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِبَنِي قُورَحَ. عَلَى ٱلْجَوَابِ. تَرْنِيمَةٌ


«١ اَللّٰهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْناً فِي ٱلضِّيقَاتِ وُجِدَ شَدِيداً. ٢ لِذٰلِكَ لاَ نَخْشَى وَلَوْ تَزَحْزَحَتِ ٱلأَرْضُ، وَلَوِ ٱنْقَلَبَتِ ٱلْجِبَالُ إِلَى قَلْبِ ٱلْبِحَارِ. ٣ تَعِجُّ وَتَجِيشُ مِيَاهُهَا. تَتَزَعْزَعُ ٱلْجِبَالُ بِطُمُوِّهَا. سِلاَهْ».
(١) يفتتح المرنم كلامه بتأكيد عام أن الله هو الملجأ والقوة. والإقناع في الكلام هو بالنسبة لعمق الاختبار الذي ينقله. إن الله هو الملجأ ذاته وليس أنه يعطيه فقط وهو العون الحقيقي في الضيق والشدة (٢أخبار ١٥: ٤). ولكنه كذلك للذين يطلبونه ويلتمسون وجهه.
(٢) بل طالما أن الله موجود فلا لزوم للخوف مهما دهت الدواهي وأظلمت الدنيا بالويلات والمصائب حتى تكاد تتغير الأرض وتكاد الجبال تصبح أعاليها أسافلها وأسافلها أعاليها وغمرتها المياه وغرقت في قلب البحار (انظر حزقيال ٢٧: ٢٧ ويونان ٢: ٤). أي إذا عادت حالة الأرض إلى ما كانت عليه حينما كانت خربة وخالية والمياه تغمرها في كل مكان. إن الجبال هي عنوان العزة والجبروت ولذلك فانقلابها معناه أدهى الدواهي وأعظمها جميعاً (انظر مزمور ٨٩: ١٠) وكذلك (أيوب ٣٨: ١١).
(٣) يصور المياه كأنها في طوفان عظيم ولا شيء يقف في وجهها (قابل ذلك مع مزمور ١٣٩: ٨ - ١٠ وأيضاً أيوب ٢٠: ٢٤ وإشعياء ٤٠: ٣٠ وما يتبعه). وعلاقة هذا العدد هي مع سابقه أي إننا لا نخاف ولو طغت المياه على اليابسة جميعاً وجرفت كل شيء بوجهها فيبقى لنا الله الحي الأزلي الأبدي صخر الدهور لا يتغير ولا يزول. وهنا تسمو الموسيقى حتى على أصوات الأمواج الصخابة وعجيج المياه ترتفع إذ يدعمها إيمان المؤمنين وثقتهم برحمة الله وحينئذ فإن هياج العناصر ليست إلا لتعطيهم سكوناً وسط الزوابع.
«٤ نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ ٱللّٰهِ، مَقْدِسَ مَسَاكِنِ ٱلْعَلِيِّ. ٥ ٱللّٰهُ فِي وَسَطِهَا فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ. يُعِينُهَا ٱللّٰهُ عِنْدَ إِقْبَالِ ٱلصُّبْحِ. ٦ عَجَّتِ ٱلأُمَمُ. تَزَعْزَعَتِ ٱلْمَمَالِكُ. أَعْطَى صَوْتَهُ ذَابَتِ ٱلأَرْضُ. ٧ رَبُّ ٱلْجُنُودِ مَعَنَا. مَلْجَأُنَا إِلٰهُ يَعْقُوبَ. سِلاَهْ».
(٤) هنا إشارة للنهر الذي يسقي الجنة (راجع تكوين ٢: ١٠) وهكذا سواقي نهر سيمر وسط أورشليم ويجعلها فردوساً آخر كجنة عدن بالذات (انظر مزمور ٨٧: ٣ ومزمور ٤٨: ٩). وحينما يحيط بها الأعداء يهددونها بالخطر فهي عندئذ لن تجوع أو تعطش ولا تخاف ولا تيأس لأن الله بنعمته سيجعل نهره يمر فيها ليترعها بالبركات حتى تصل إلى أعلى الأمكنة إلى قدس مساكن الله العلي.
(٥) نرى في (مزمور ٦٥: ٥ وإشعياء ٤٧: ١٥ وكذلك خروج ١٥: ١٦) إن أورشليم هي مكان مقدس أو ممجد. وهنا نجد بدلاً من ذكر النهر الذي يسقيها إذا الله ذاته هو ساكن في وسطها لذلك تثبت ولا تتزعزع. ويوجد فقط ليلة أتعاب وهموم وبعد ذلك يقبل الصبح وتشرق الشمس وتنجلي الظلمات ويأتي بعدها النور. وفي الصباح يأتي العون من رب السماء فهو لا يدع أتقياءه يتخبطون وحدهم حتى ولو كان في وسط البحر الأحمر بل يعطيهم عمود السحاب يشجعهم ويقويهم.
(٦) هوذا الأمم تصخب وتضطرب ويتبدل حالها. وهوذا الممالك لا تستطيع أن تثبت طويلاً ولا أن تقاوم ما فرضه الله على العالم من حدثان. نعم إن شعب الله وكنيسته هي في هذا العالم ولكنها في منجاة من ويلاته هي في مرتفع تشرف على الويلات وتراها ولكنها تتغلب عليها. هي لا تهرب منها ولا تتجنبها لأنها عامة للجميع ولكن مع ذلك يظل الإيمان فيها. والرب يعطي أصوات رعده فتذوب الأرض كلها من الرعب والهلع.
(٧) ولا عجب أن يكون الله رب الجنود مع شعبه. وفي الشعر الذي نظمه بنو قورح يستعملون «رب الجنود» بصورة خاصة بهم. ويصبح هذا مثل اسم علم في أيام الملوك (انظر مزمور ٢٤: ١٠ و٥٩: ٦) نجد هذا الاسم على فم حنة أولاً (١صموئيل ١: ١١). قد تأتي الأمم وتجتمع الشعوب للحرب والنزال ولكن حينما يعطي الله صوت رعده ويظهر جبروته وإذا هؤلاء يذوبون من أمام وجه الرب كما تذوب الشمعة من أمام وجه النار.
«٨ هَلُمُّوا ٱنْظُرُوا أَعْمَالَ ٱللّٰهِ، كَيْفَ جَعَلَ خِرَباً فِي ٱلأَرْضِ. ٩ مُسَكِّنُ ٱلْحُرُوبِ إِلَى أَقْصَى ٱلأَرْضِ. يَكْسِرُ ٱلْقَوْسَ وَيَقْطَعُ ٱلرُّمْحَ. ٱلْمَرْكَبَاتِ يُحْرِقُهَا بِٱلنَّارِ. ١٠ كُفُّوا وَٱعْلَمُوا أَنِّي أَنَا ٱللّٰهُ. أَتَعَالَى بَيْنَ ٱلأُمَمِ. أَتَعَالَى فِي ٱلأَرْضِ. ١١ رَبُّ ٱلْجُنُودِ مَعَنَا. مَلْجَأُنَا إِلٰهُ يَعْقُوبَ. سِلاَهْ».
(٨) هذه أعمال الرب ظاهرة واضحة أمام كل إنسان. وللذين هم خارج الكنيسة عليهم فقط أن يتطلعوا وينظروا أعمال الله وعجائبه كيف يستطيع أن يخرب كل شيء ولا يستطيع أحد أن يقف في وجهه (انظر إرميا ٨: ٢١ وإشعياء ١٣: ٩). وأما هذه الحرب فإنما في بلدان العدو الذين تجرأوا على اقتحام معقل الله فارتدوا خائبين ناكصين على أعقابهم وامتلأت أرضهم بجثث القتلى وتهدمت مساكنهم وبيوتهم.
(٩) هو يسكت أصوات القتال ويمنع الحروب. وهنا يصف ماذا يحل بالسلاح وآلات القتال ضد الذي يكسرها ويحطمها وكذلك يجعل المركبات تلتهمها النيران حتى لا تعود تصلح للحرب. إن قوة العالم وعزه وجبروته يجب أن تذهب أمام قوة الله وهكذا فإن قوات الشر لا شك ستخضع أخيراً أمام قوات الخير التي يجب أن تسود باسم الله (انظر ميخا ٤: ٣ وإشعياء ٢: ٤).
(١٠) هوذا الله سيعرف عندئذ من الجميع وعليهم أن يكفوا ويتوقفوا عن كل شيء وعلى الأمم عندئذ أن ترتمي على الثرى وتسجد للحضيض أمام الله العلي. فهو المتعالي ليس في إسرائيل فقط بل في كل الأرض. والشرط في ذلك هو أن يعلم كل إنسان أنه أمام الله الخالق العظيم.
(١١) يعود فيكرر هذه العبارة العظيمة إن الله معنا وهو الملجأ والملاذ. هو لا يغلب ولا شيء يستطيع في الآخر أن يقف أمام مشيئته الإلهية أو يتعدى حدود ما يرسمه في الأرض أو في السماء. وكل الأرض يجب أن تعرف هذا الأمر وتعيش بموجبه. والمزمور ٢ أيضاً ينبه الأمم أن يصحوا ويتعقلوا وهنا تنبيه شديد أنه عليهم أن يخضعوا لمشيئة الله لكي يحيوا وإلا يصيبهم التهديد الصارم ويهلكون جميعاً. ويا ليت الناس جميعاً يفهمون هذه الحقيقة ويبطلون الحروب ويذلون الإنسان أمام عظمة الله ويضمحل جبروته وسطوته أمام قوة الله غير المتناهية. وعلى كل فإن شعب الله وكنيسته لهم رب الجنود القوي العظيم وهو ملجأها وعزها. فإذا اضمحل عز الأمم ومجدهم يبقى مجد الله إلى الأبد.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ وَٱلأَرْبَعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِبَنِي قُورَحَ. مَزْمُورٌ


«١ يَا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ صَفِّقُوا بِٱلأَيَادِي. ٱهْتِفُوا لِلّٰهِ بِصَوْتِ ٱلٱبْتِهَاجِ. ٢ لأَنَّ ٱلرَّبَّ عَلِيٌّ مَخُوفٌ، مَلِكٌ كَبِيرٌ عَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ. ٣ يُخْضِعُ ٱلشُّعُوبَ تَحْتَنَا وَٱلأُمَمَ تَحْتَ أَقْدَامِنَا. ٤ يَخْتَارُ لَنَا نَصِيبَنَا، فَخْرَ يَعْقُوبَ ٱلَّذِي أَحَبَّهُ. سِلاَهْ».
هذا المزمور هو أغنية رأس السنة مع المزمور الحادي والثمانين. ولأنه يذكر في العدد الخامس «صعد الله بهتاف...» فهو يستعمل لعيد الصعود في الكنيسة المسيحية. ومن جهة أخرى فهو مزمور يحيي الانتصار العظيم الذي أحرزه شعب الله على الأمم حولهم (راجع ٢أخبار ٢٠: ٢٩) وذلك على الأرجح. أيام حكم يهوشافاط في القرن الثامن ق.م. على الأرجح. والمرنم يطلب الخضوع من جميع الأمم إذ أن حكم الله عليهم ليس بالخوف بل بالفرح وهو سيكون إلههم كما هو إله إسرائيل وهذا اتساع في فهم مقاصد الله وعدم حصر محبته بأمة معينة.
(١) يخاطب جميع الأمم ويطلب منهم أن يظهروا علامات الابتهاج بالتصفيق ويهتفوا لأن الابتهاج يملأ قلوبهم ويكون في رنة أصواتهم ما يؤكد فرحهم هذا. على الجميع أن يخضعوا لله لأن ملكوته يعمهم وشريعته الإلهية فوق أفهامهم وعليهم أن يطيعوها.
(٢) إن الله لا يساكن الناس إذ هو عالٍ فوقهم وعليهم أن يخافوه ويهابوه لأنه ملك وسلطته على الأرض كلها كما في السموات. ولا شك أن المرنم يأخذ الاستعارة من الحياة الشرقية وكيف كان الناس يحترمون ملوكهم ويرعون حرمتهم ويكونون لهم عبيداً مدى الحياة.
(٣) هنا اختبار لبني إسرائيل كيف أنهم انتصروا على الأمم حولهم وينسبون انتصارهم هذا لفضل الله عليهم وحسن عنايته بهم ونعمته. والمرنم يستخلص من حوادث تاريخية واقعية ما يستطيع أن يعلنه عن قدرة الله فيقول «يخضع الشعوب تحتنا». ومن هنا نرى أن المرنم لا يدعو الأمم كلها إلى جامعة تضمها أو إلى هيئة أمم متحدة تجمعها بنظام شامل يسود الجميع بل يهمه أن يخبر أن الله قد أولى شعبه نصراً مبيناً وعلى الشعوب كلها أن تخضع وتسلّم لمشيئته.
(٤) في قوله «يختار» ليس من الضروري معناه الحاضر والمستقبل بل كما في (عدد ٢٣: ٧ وقضاة ٢: ١) فالكلام هو عن حدث تاريخي كيف إن الله أعطى الأرض ميراثاً لشعبه. فالله هو مالك الأرض وإليه مرجعها كما في عصر الإقطاع مثلاً وإنما يعطيها حصناً لمن يعملون فيها. وقد سمى هذه الأرض «فخراً» بالنسبة لأنه أعطيت نتيجة المحبة لشخص محبوب هو يعقوب (راجع عاموس ٦: ٨ ونحميا ٢: ٣ وكذلك إشعياء ١٣: ١٩).
«٥ صَعِدَ ٱللّٰهُ بِهُتَافٍ، ٱلرَّبُّ بِصَوْتِ ٱلصُّورِ. ٦ رَنِّمُوا لِلّٰهِ رَنِّمُوا. رَنِّمُوا لِمَلِكِنَا رَنِّمُوا. ٧ لأَنَّ ٱللّٰهَ مَلِكُ ٱلأَرْضِ كُلِّهَا رَنِّمُوا قَصِيدَةً. ٨ مَلَكَ ٱللّٰهُ عَلَى ٱلأُمَمِ. ٱللّٰهُ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ قُدْسِهِ. ٩ شُرَفَاءُ ٱلشُّعُوبِ ٱجْتَمَعُوا. شَعْبُ إِلٰهِ إِبْرَاهِيمَ. لأَنَّ لِلّٰهِ مَجَانَّ ٱلأَرْضِ. هُوَ مُتَعَالٍ جِدّاً».
(٥) حينما نقول «صعد الله» فهنا نفترض أنه نزل من قبل وقصد نزوله هو أن يتمم بعض المواعيد التي قطعها على نفسه (تكوين ١٧: ٢٢ وقضاة ١٣: ٢٠) وكذلك لكي يجري عملاً قضى به (مزمور ٧: ٨ و٦٨: ١٩) وهنا الله قد نزل لكي يحارب عن شعبه. وهو الآن يعود لعرشه بينما الشعب يعود لأورشليم وأما عرشه ففوق صهيون وفي السماء. «الهتاف» أي هتاف الشعب لدى الانتصار. والصور أي بواسطة الأبواق التي تعلنه أولاً (راجع ٢أخبار ٢٠: ٢٦ وما بعده).
(٦) هنا يطلب أن يزيد الشعب ترنيماً أولاً لأنه الله وبعد ذلك يكرر الطلب لأنه الملك الظافر على الشعوب كلهم. فهو يرى أن هذه الأصوات الفرحة المهللة يجب أن تتجاوب أصداؤها في كل مكان وتسمع في الأودية والناس عائدون لوطنهم ظافرين ويسيرون بخطى قوية متزنة على إيقاع الموسيقى وعلى هتاف الفرح والابتهاج بالغلبة. وتكرار الأمر رنموا هو للتوكيد ولزيادة التأثير في النفس البشرية.
(٧) وأما السبب في هذا الترنيم فجوهري وذلك لأن الله قد ملك وانتصر وملكه على الأرض كلها. لقد كانت الأفكار الضيقة ترى الله «يهوه» حاكماً على أرض إسرائيل فقط ولكن عقب هذا الانتصار على الأمم المجاورة أصبح الله هو الحاكم عليهم أيضاً ومدى سلطانه يسودهم على السوا. وأما الترنيم بواسطة قصيدة لأن ذلك يربط المعاني بعضها ببعض لأن الحوادث التي جرت تستدعي أن تدون وتحفظ على مر السنين الطوال (انظر رؤيا ١١: ١٥ - ١٨).
(٨) لقد نزل الله وحاز انتصاراً حاسماً ثم عاد للسماء من حيث جاء. وبواسطة هذا الانتصار يرى الشاعر كما بمرآة إن الله سيحكم على الأمم جميعهم وهكذا يختم تاريخ النضال والنزاع بين الأمم لأن الله مالك عليهم جميعاً.
(٩) الشرفاء في الكلمة العبرانية تفيد أولئك الذين ينتدبون للأمور الهامة فهم ممثلو الشعب والمتكلمون باسمه والساعون في سبيل خيره. هؤلاء الشرفاء قد اجتمعوا بشعب إله إبراهيم (وهو أب الآباء) لكي يفوا بالوعد الذي قطعه الله قديماً. «وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض». هو الله وحده الذي له السلطان كله وهو فوق الجميع (انظر ١صموئيل ٢: ٨) والله في عرشه ينال كل المجد والتكريم من الشعوب كلهم لأنه مستحق.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ وَٱلأَرْبَعُونَ


تَسْبِيحَةٌ. مَزْمُورٌ لِبَنِي قُورَحَ


«١ عَظِيمٌ هُوَ ٱلرَّبُّ وَحَمِيدٌ جِدّاً فِي مَدِينَةِ إِلٰهِنَا جَبَلِ قُدْسِهِ. ٢ جَمِيلُ ٱلٱرْتِفَاعِ، فَرَحُ كُلِّ ٱلأَرْضِ جَبَلُ صِهْيَوْنَ. فَرَحُ أَقَاصِي ٱلشِّمَالِ مَدِينَةُ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيمِ. ٣ اَللّٰهُ فِي قُصُورِهَا يُعْرَفُ مَلْجَأً. ٤ لأَنَّهُ هُوَذَا ٱلْمُلُوكُ ٱجْتَمَعُوا. مَضُوا جَمِيعاً».
هذا المزمور هو للتهليل بالظفر وعلاقته بالمزمورين السابقين هي من جهة تعظيم اسم الرب الله فوق جميع شعوب الأرض. وإشارته إلى تكسر سفن ترشيش كناية عن اندحار الأعداء والأرجح في أيام يهوشافاط (راجع إشعياء ٣٣: ١٤ و٢١). وإذا نظرنا إلى المزمور من جهة تقسيم موضوعه فنراه يتناول ثلاثة أمور. يبدأ المرنم أولاً بحمد الله وببراعته يمجد الملك العظيم. وثانياً يصف اندحار الأعداء ورعبهم وأخيراً يتخلص إلى شكر الله وتمجيده.
(١) يبدأ المرنم بالحمد لاسم الرب لأنه يسكن المدينة المقدسة. هناك يرتفع الهيكل على رأس جبل عال بشكله الجميل وساحاته الواسعة التي تشرف على المدينة القديمة.
(٢) وارتفاعه جميل وهو جبل صهيون إذ أنه لا يعلو كثيراً ولا هو بشكل متشامخ بل أن ارتفاعه يسبب فرحاً وسروراً لكل من يراه. ولا سيما للإسرائيليين المؤمنين الذين يدخلون دياره بالحمد والصلاة أما قوله «أقاصي الشمال» فلا يعني الشمال البعيد على الخارطة في تلك الأيام كما ورد (حزقيال ٣٨: ٦ و٣٩: ٢) ولكنه يعني جبل الموريا حيثما يقوم الهيكل وخصوصاً حيثما يلتقي جبل صهيون بجبل الموريا.
(٣) الأمر المعروف بما هناك من مبان عظيمة مرتفعة (راجع مزمور ١٢٢: ٧) هو أن الله ملجأ. لا أحد يجوز له أن يشك بذلك. والبرهان يقدمه في العدد الذي يليه وهو أن الملوك الأعداء بعد أن تآمروا واجتمعوا للمكيدة إذا بهم بعد ذلك قد تفرقوا ولم ينجحوا في أي مسعى من مساعيهم الشريرة للنيل من شعب الله. والأرجح أن الكلام ينطبق على أيام حكم يهوشافاط وقت الخطر والحرب وكذلك في أيام حزقيا (راجع ١ملوك ٢٢: ٤٩ و٢أخبار ٢٠: ٣٦).
(٤) إن اجتماع هؤلاء الملوك هو للحرب وليس للسلام لقد عينوا مكاناً لاجتماعهم الذي عقدوه معاً (انظر قضاة ١١: ٢٩ و٢ملوك ٨: ٢١). إنهم اجتمعوا في تقوع على الأرجح وهي بلدة تبعد ثلاث ساعات مشياً عن أورشليم. هؤلاء الأعداء لم يكادوا يجتمعون حتى تفرقوا ومضوا وهم في حالة الرعب والهلع وكان ذلك بسرعة كلية لم تسمح لهم أن يجمّعوا أنفسهم ويتراجعوا بانتظام بل بالعكس كانت حركتهم عن خوف وبغير انتظام.
«٥ لَمَّا رَأَوْا بُهِتُوا، ٱرْتَاعُوا، فَرُّوا. ٦ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّعْدَةُ هُنَاكَ وَٱلْمَخَاضُ كَوَالِدَةٍ، ٧ بِرِيحٍ شَرْقِيَّةٍ تَكْسِرُ سُفُنَ تَرْشِيشَ. ٨ كَمَا سَمِعْنَا هٰكَذَا رَأَيْنَا فِي مَدِينَةِ رَبِّ ٱلْجُنُودِ فِي مَدِينَةِ إِلٰهِنَا. ٱللّٰهُ يُثَبِّتُهَا إِلَى ٱلأَبَدِ. سِلاَهْ. ٩ ذَكَرْنَا يَا اَللّٰهُ رَحْمَتَكَ فِي وَسَطِ هَيْكَلِكَ».
(٥) وكان سبب انهزامهم هو ما شاهدوه فقد خافوا هولاً عظيماً آتياً عليهم من المدينة العظمى أورشليم لأن الرب الإله يسكن هناك (١صموئيل ١٤: ١٥). وهنا المرنم ينسب هذا الأمر لما شاهدوه فيها من عظائم لذلك قال «لما رأوا بهتوا...» (انظر حبقوق ٣: ١٠) وأيضاً (هوشع ١١: ٢ وإشعياء ٥٥: ٩).
(٦) في هذا العدد زيادة وصف لما أصابهم من الرعدة والرعب حتى كأنهم أصيبوا بما يشبه المخاض كالوالدة حينا تلد. فهم في حالة خوفهم هذا يتألمون ويتعرضون لأشد المخاطر. ومعلوم أن النساء قد يلدن قبل أوانهن بسبب الخوف الشديد وما أشبه. لذلك فهو يصوّر حالة خوفهم وكيف يتعرضون لخطر الموت كما تتعرض الوالدة التي تلد قبل وقتها بسبب الظرف الخاص من الرعب وما أشبه.
(٧) يخصص هنا الريح الشرقية التي تكسر السفن. فالمرنم لا يكتفي أن يخبر عن اندحار الأعداء بواسطة الجيوش البرية بل أيضاً قد أصابهم الاندحار البحري أيضاً (راجع حزقيال ٢٧: ٢٦ وأيضاً أيوب ٢٧: ٢١) وقوله سفن ترشيش أي التي تذهب لترشيش والأرجح أسبانيا أي أبعد الأمكنة في تلك الأيام ويقصد المرنم أن يخبرنا أن الله يحطم قوتهم ويحاربهم بواسطة ما يرسله ضدهم من رياح محطمة (انظر إشعياء ٣٣) حيثما يصور إشعياء قوة أشور كسفينة جبارة.
(٨) يظهر إن ما رآه المرنم بعينه الآن قد فاق ما سمعه بأذنه من قبل. فقد فرح بأن يرى أورشليم عزيزة الجانب رفيعة الذرى قوية لا تهاب الأعداء. فقد حقق الخُبر الخبرَ (راجع أيوب ٤٢: ٥). إن الله يعضدها. ولا شك ما مرّ عليها من مصائب وضيقات بل ما أصابها من هدم وتخريب لا ينفي كونها مدينة الله العظمى. كما أن ذلك لا ينفي أن إسرائيل مختار من الله ووارث.
(٩) هنا يعود المرنم للحمد والشكران فإن الله يسمع الصلاة ويجري العدل والإنصاف ولا يتخلى عن خائفيه والراجين رحمته. لا سيما أولئك الذين يسبحون له في وسط الهيكل والأرجح هنا يعود بالذاكرة لحادثة خاصة (راجع ٢أخبار ٢٠) فقد زاد الله على أعماله الجليلة في القديم هذا العمل في الحاضر أيضاً.
«١٠ نَظِيرُ ٱسْمِكَ يَا اَللّٰهُ تَسْبِيحُكَ إِلَى أَقَاصِي ٱلأَرْضِ. يَمِينُكَ مَلآنَةٌ بِرّاً. ١١ يَفْرَحُ جَبَلُ صِهْيَوْنَ، تَبْتَهِجُ بَنَاتُ يَهُوذَا مِنْ أَجْلِ أَحْكَامِكَ. ١٢ طُوفُوا بِصِهْيَوْنَ وَدُورُوا حَوْلَهَا. عُدُّوا أَبْرَاجَهَا. ١٣ ضَعُوا قُلُوبَكُمْ عَلَى مَتَارِسِهَا. تَأَمَّلُوا قُصُورَهَا لِكَيْ تُحَدِّثُوا بِهَا جِيلاً آخَرَ. ١٤ لأَنَّ ٱللّٰهَ هٰذَا هُوَ إِلٰهُنَا إِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ. هُوَ يَهْدِينَا حَتَّى إِلَى ٱلْمَوْتِ».
(١٠) إن اسم الله جليل عظيم كما كان في الماضي مع الآباء والجدود حتى الآن أيضاً مع الأبناء والأحفاد. وهذا الاسم يمتد الآن إلى أقاصي الأرض للتمجيد (انظر ٢أخبار ٢٠: ٢٩) ولقد برهن للجميع أنه هو الواحد الحاكم على العالمين يتصرف بها كما يشاء.
(١١) وإذا كانت معرفة الرب قد امتدت هكذا فإن أصل امتدادها هو من المركز «جبل صهيون». وإذا كانت البهجة تعم الجميع فأحرى بها أن تنشدها بنات يهوذا لأن من هناك مصدر المعرفة ومخافة الرب فلتترنم إذاً المدينة المقدسة. ولتهزج إذاً براري اليهودية ولتردد الأصداء إلى كل مكان (انظر إشعياء ٤٠: ٩ و١٦: ٢) ذلك لأن الخطر كان مداهماً وقد زال لذلك يتوجب على الجميع أن يشتركوا بفرح الخلاص هذا لأن يد الله قديرة وتعمل عظائم.
(١٢) والخطاب هنا بقوله «طوفوا بصهيون» ليس للأعداء بل للأصدقاء وأبناء البلاد. لقد انتظروا طويلاً متوقعين الأخبار المفرحة عن جيوشهم التي أرسلوها وبقوا خارج الأسوار لا يجرأون على الدخول وأما الآن فلهم أن يطوفوا فرحين مهللين ويفاخروا معدّدين الأبراج معتزين بقوّتها.
(١٣) بل إن المرنم يدعو لكي ينظروا إلى المتاريس القوية والحامية التي تنشط للذود عنها وتصد الأعداء مهما كثروا. بل هوذا القصور العالية التي تدل أيضاً على الغنى وراحة البال فكما أن المتاريس هي للدفاع فكذلك القصور هي لبسطة العيش والوجاهة والبحبوحة. وهكذا يحفطون مجدها لكي يخبروا الأجيال القادمة. فإن هذا العز والسؤدد هو مبعث الحديث للتفاخر.
(١٤) إن الله «الرحيم» هو إلهنا على الدوام. ولكن الشطر الأخير يظهر ضعفاً بقوله «يهدينا حتى إلى الموت». ولذلك يرى بعض المفسرين ان يقولوا وراء الموت أو ما بعد الموت. بل يرى البعض أن يترجم الكلمة «في زمان الشباب والفتوة». ويرى آخرون أن ختام المزمور قد ضاع ولذلك فالشطر الأخير منه مضاف ليس إلا.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلأَرْبَعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِبَنِي قُورَحَ. مَزْمُورٌ


«١ اِسْمَعُوا هٰذَا يَا جَمِيعَ ٱلشُّعُوبِ. أَصْغُوا يَا جَمِيعَ سُكَّانِ ٱلدُّنْيَا ٢ عَالٍ وَدُونٍ، أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، سَوَاءً. ٣ فَمِي يَتَكَلَّمُ بِٱلْحِكَمِ، وَلَهَجُ قَلْبِي فَهْمٌ. ٤ أُمِيلُ أُذُنِي إِلَى مَثَلٍ، وَأُوَضِّحُ بِعُودٍ لُغْزِي».
هذا المزمور مملوء بالحكمة فهو يظهر لنا أن هذه الحياة الدنيا باطلة وخداعة وهي كذلك لجميع البشر لذلك فالناظم يدعو الناس أن يترووا في أمورهم ويأخذوا الحكمة عنه بالنسبة لسعة اختباره ومعرفته بأساليب الحياة. وهو يخاطب جميع الشعوب لذلك نضعه مع المزمورين (٤٧ و٤٨) وليس مع ما سبقه من المزامير الوطنية والتاريخية. هو واعظ يريد أن يستخرج دروساً وعبراً من الحياة تهدي الناس وتسدد خطاهم. وهو ينقسم إلى الأقسام التالية من (عدد ٢ - ٥) ويذكرنا هنا بأقوال أليهو في سفر أيوب. ثم القسم (٦ - ١٣ وبعده ١٤ - ٢١) يكاد يكونان متشابهين وفيهما قرار واحد يميزهما ويختلفان اختلافاً طفيفاً. والأرجح أن ناظمه ليس داود لأنه يتفق مع مزامير مشابهة مثل المزمورين (٤٢ و٤٣) وقد يكون ناظمها واحد يتفق بروحه مع داود.
(١) يبدأ خطابه بالتعميم لأن موضوع كلامه يتناول كل إنسان على السواء وبهذا الصدد (راجع ما خاطب به ميخا ١ملوك ٢٢: ٢٨ وميخا النبي ١: ٢). إن الحياة زائلة وأهلها يجب أن يغتنموا الفرصة لكي يستفيدوا.
(٢) وفي ترجمة أخرى «يا بني آدم. يا بني الإنسان». وتكرار النداء لأجل التوكيد واسترعاء الانتباه من الجميع. وهو يلفت نظر الأغنياء أولاً ثم الفقراء لأن الأولين يحتاجون لمثل هذا الالتفات أكثر من الجميع. لأن الغني يغتر بهذه الدنيا ويضع عليها قلبه ولا يحسب للآخرة حساباً لذلك يجب أن ينادى أولاً قبل فوات الآوان. وقوله بني الإنسان أي ذوي الوجاهة والنسب لذلك فإن الترجمة عالٍ ودون هي في محلها. لأن بني آدم هم كل الناس على السواء بلا تمييز ولكنه يخصص بعد ذلك ببني القوم المعتبرين. وهم جميعاً يجب أن يصغوا وينتبهوا.
(٣) إن الفم يتكلم بالحكم ولكن بعد أن يمتلئ القلب بالفهم لا قبل ذلك. وأما الذين يدعون الحكمة بلسانهم فقط فليسوا حكماء حقيقة. ويمكننا أن نقول لأن قلبي يلهج بالفهم لذلك فها لساني يتكلم بالحكم. والحكم يقصد بها أي أنواع التعليم بل هو ذاك التعليم الذي يجعلنا أن نعرف كيف نتصرف في الحياة. وكلمة فهم العبرانية هي قريبة للبينة في العربية أي الذي نتبينه صواباً وحقاً.
(٤) والناظم يسر بالمثل الذي هو اختبار السنين على حد القول «ألسنة الخلق أقلام الحق». بل يسر أيضاً بالألغاز التي تثير اهتمام العقل لحلها. وكان السائل على ما يظهر يضعها بقالب شعري ويغنيها على إحدى آلات الطرب.
«٥ لِمَاذَا أَخَافُ فِي أَيَّامِ ٱلشَّرِّ عِنْدَمَا يُحِيطُ بِي إِثْمُ مُتَعَقِّبِيَّ؟ ٦ ٱلَّذِينَ يَتَّكِلُونَ عَلَى ثَرْوَتِهِمْ، وَبِكَثْرَةِ غِنَاهُمْ يَفْتَخِرُونَ. ٧ ٱلأَخُ لَنْ يَفْدِيَ ٱلإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ ٱللّٰهَ كَفَّارَةً عَنْهُ. ٨ وَكَرِيمَةٌ هِيَ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ، فَغَلِقَتْ إِلَى ٱلدَّهْرِ ٩ حَتَّى يَحْيَا إِلَى ٱلأَبَدِ فَلاَ يَرَى ٱلْقَبْرَ. ١٠ بَلْ يَرَاهُ! ٱلْحُكَمَاءُ يَمُوتُونَ. كَذٰلِكَ ٱلْجَاهِلُ وَٱلْبَلِيدُ يَهْلِكَانِ، وَيَتْرُكَانِ ثَرْوَتَهُمَا لآخَرِينَ».
(٥) يسأل نفسه لماذا يخاف وهنا للإنكار أي لا يجوز الخوف مطلقاً. ولو كان أعداؤه قوماً أشراراً يريدون الإيقاع به وأذيته. وقوله «يحيط بي» أي يطوّقه من كل جانب فلا يدري أين يتقي. ثم أن هؤلاء الأعداء يتعقبونه ويطاردونه هم وراءه أينما ذهب فلا يهدأ له بال ولا يستقر عل حال حتى يجد نفسه طريداً وكل شيء شر حواليه.
(٦) هؤلاء الأعداء ليسوا من عامة القوم ولا من الفقراء وإلا لهان الأمر وإنما هم أعداء أقوياء لهم مكانتهم الاجتماعية ويستعملون نفوذهم وغناهم في سبيل نيل مآربهم الشخصية. يرون في الثروة سبيلاً للعزة والكرامة وهم يعبدون الرب الثاني المال. ويفاخرون الآخرين بما لديهم من أموال طائلة.
(٧) كان من المنتظر أن يقول المرنم أن المال لا يفدي الإنسان فما باله يقول إن الأخ لا يفدي ولا يكفر. وفي الترجمة اليسوعية يقول «لا يفتدي أحد أخاه أصلاً ولا يعطي لله كفارة عنه». والقصد في الآية بالفدية والكفارة أن يتخلص الإنسان من الموت. وقد يكون المعنى أن الإنسان بكل ماله لا يستطيع أن يفدي أحداً حتى أيضاً لا يستطيع أن يكفر عن نفسه أو يفديها. أو يكون المعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يفدي آخر ولكن الله وحده هو الذي يفدي.
(٨) ونجد تفسير ذلك في قوله «كريمة هي فدية نفوسهم...» أي أنها ثمينة بهذا المقدار حتى لا فدية لها قط. وإنها من نوع لا يمكن افتداؤه مهما كان الثمن المادي عظيماً. ذلك لأنها روح ولا شيء في الدنيا كلها يوازيها.
(٩) هنا يبين الغرض من الفدية أي أن يخلص نفسه من الموت ويحيا إلى الأبد وهنا يتصور المرنم أن الحياة إلى الأبد تعني أن الإنسان لا يموت موت الجسد ولم تكن أية فكرة من جهة الخلود للنفس التي تبقى مع الله. لذلك فمن الجهالة المطبقة أن يحسب الغني أن بغناه يستطيع أن يحوّل الموت عنه وهذا مستحيل المنال.
(١٠) وهنا يؤكد حالاً بقوله بل يراه ثم يستوي في هذا المصير المحتوم كل الناس الفهماء والجهلاء لا فرق كما الغني والفقير العظيم والحقير. وبعد الأراضي الواسعة يأتي القبر الضيق كما بعد الادعاء بالحياة والتلذذ بخيراتها يأتي الموت بأصابعه الباردة وعريه وفقره وتعاسته. ثم أن هذه الثروة يتركها وارءه الآخرين ولا يستطيع أن يأخذ منها شيئاً معه.
«١١ بَاطِنُهُمْ أَنَّ بُيُوتَهُمْ إِلَى ٱلأَبَدِ، مَسَاكِنَهُمْ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. يُنَادُونَ بِأَسْمَائِهِمْ فِي ٱلأَرَاضِي. ١٢ وَٱلإِنْسَانُ فِي كَرَامَةٍ لاَ يَبِيتُ يُشْبِهُ ٱلْبَهَائِمَ ٱلَّتِي تُبَادُ. ١٣ هٰذَا طَرِيقُهُمُ ٱعْتِمَادُهُمْ، وَخُلَفَاؤُهُمْ يَرْتَضُونَ بِأَقْوَالِهِمْ. سِلاَهْ. ١٤ مِثْلُ ٱلْغَنَمِ لِلْهَاوِيَةِ يُسَاقُونَ. ٱلْمَوْتُ يَرْعَاهُمْ، وَيَسُودُهُمُ ٱلْمُسْتَقِيمُونَ. غَدَاةً وَصُورَتُهُمْ تَبْلَى. ٱلْهَاوِيَةُ مَسْكَنٌ لَهُمْ. ١٥ إِنَّمَا ٱللّٰهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ ٱلْهَاوِيَةِ لأَنَّهُ يَأْخُذُنِي. سِلاَهْ».
(١١) إذا لم يقولوا جهراً أمام الناس فلا شك يقولونه سراً أن بيوتهم هي لهم إلى الأبد. من يستطيع أن يأخذها من أيديهم؟ هي باسمهم مطوبة ومسجلة في دفاتر الحكومة لا أحد في الدنيا ينازعهم السيادة عليها (راجع ٢صموئيل ١٢: ٢٨ و١ملوك ٨: ٤٣ وعاموس ٩: ١٢). إن هذا الجاه العالمي العريض سوف يزول كما يزول أصحابه ولا يبقى منه سوى القبر الضيق.
(١٢) أرى أن الترجمة هنا حرفية أكثر من اللازم ويا ليته قال «الإنسان لا يبيت في كرامة». أي أن مصيره لغير الكرامة والمجد بل للزوال والاضمحلال. ومصير جسده مثل مصير أجساد الحيوانات التي تباد ولا تبقى (انظر أيوب ٣٠: ١٩). وهؤلاء الناس المعتمدون على غناهم ومجدهم يشبهون البهائم من جهة اهتمامهم بالدنيا ما هو للدنيا لذلك فلا عجب أن يصيبهم ما يصيب البهائم.
(١٣) إن هؤلاء سيكون ذهابهم للهاوية حيثما يضمحلون بينما الصالحون فلهم البقاء مع الله. في قوله هذا طريقهم رجوع للعدد ١٢ في كلامه إن حياة الناس الذين بلا كرامة حقيقية (انظر حجي ١: ٥) هم أناس مغرورون بأنفسهم لا يقبلون نصيحة من أحد ولا يرعوون عن غيهم. إن الاتكال على النفس فضيلة إذا لم يخرج عن حده أما إذا زاد فهو العصيان والتمرد على الله. والذين يأتون بعدهم ويسيرون سيرتهم ويمشون في خطواتهم يقبلون أقوالهم ويثقون بها (انظر قضاة ٩: ٣٨). والموسيقى سلاه تضرب بقوة لأنها تنعي حماقة هؤلاء الناس الذين ما لهم في الحياة سوى القشور.
(١٤) ينزل هؤلاء للهاوية كما تساق الغنم للذبح. والراعي هنا لا يقودهم لأرض الأحياء حيث المراعي الخضر ومياه الراحة بل يقودهم للموت والفناء. حينئذ يبدأون بالخسارة والخذلان وهكذا يبدأ المستقيمون بالفوز والسيادة. إذا بالصباح يشرق عليهم للهلاك والدمار. فهو ليس الصباح للذهاب للمراعي والحياة بعد بل للمسلخ والموت. وأخيراً يسكنون في الهاوية.
(١٥) يعود فيقابل نفسه مع هؤلاء الهالكين فيجد أن الله لا يرضى بهلاك المؤمن بل ينجيه من يد الهاوية ويأخذه من بينهم ويفديه ويخلصه. نعم هذا هو نصيب المؤمن وهذا هو جزاء إيمانه بالله مخلصه. هو لا يرى خلاصه بماله ولا بكل تقدمة هذه الدنيا الفانية الزائلة بل بما يتناوله من يد الله القدير.
«١٦ لاَ تَخْشَ إِذَا ٱسْتَغْنَى إِنْسَانٌ، إِذَا زَادَ مَجْدُ بَيْتِهِ. ١٧ لأَنَّهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كُلُّهُ لاَ يَأْخُذُ. لاَ يَنْزِلُ وَرَاءَهُ مَجْدُهُ. ١٨ لأَنَّهُ فِي حَيَاتِهِ يُبَارِكُ نَفْسَهُ. وَيَحْمَدُونَكَ إِذَا أَحْسَنْتَ إِلَى نَفْسِكَ. ١٩ تَدْخُلُ إِلَى جِيلِ آبَائِهِ ٱلَّذِينَ لاَ يُعَايِنُونَ ٱلنُّورَ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٢٠ إِنْسَانٌ فِي كَرَامَةٍ وَلاَ يَفْهَمُ يُشْبِهُ ٱلْبَهَائِمَ ٱلَّتِي تُبَادُ».
(١٦) يلتفت الناظم الآن من الشعر الغنائي إلى الموعظة والعبر. فيقدم نصيحة عن عدم الاهتمام بالغنى. أما عدم الخشية من غنيّ على هذه الصورة فذلك لأنه عادة يحاول أن يستعبد الفقير ويستغله لمنفعته الخاصة بل أنه يعامله بالقسوة والغلظة ويدوس حقه ولا يوصله يوماً إلى الواجبات المفروضة نحوه كأخ في البشرية. ولكن المؤمن لا يجوز أن يخشى منه مهما كان الأمر لأن فوق العالي عالياً هو الرب العظيم خالق السموات والأرض. وقوله «مجد بيته» أي كل مظاهر العز الأرضي وبسطة العيش والبحبوحة.
(١٧) هذا هو سبب عدم الاعتداد بالنفس لئلا نكون مثل ذلك الغني الغبي (لوقا ١٢: ١٩). أو مثل ذلك الغني في مثل أليعازر الذي استوفى خيراته على الأرض ولم يهتم بما للسماء (لوقا ١٩: ٢٥). إن الإنسان لا شك سيترك كل شيء وراءه ويذهب وإنما أعماله تتبعه لكي تقف أمام الله لأجل الدينونة (انظر وقابل رؤيا ١٤: ١٣). وإن مجد الإنسان لا يمكن أن ينزل معه للحفرة مهما حاول المشيعون للجنازة أن يفعلوا ذلك.
(١٨) وإنما البركة والكرامة ينالهما الإنسان طالما هو في الحياة الدنيا. وما يصنعه من خير مع الآخرين يعود إلى نفسه أولاً فليطمئن إذاً كل من يفعل المعروف ولا ينال جزاءه حالاً فليس المعنى أن لا جزاء له قط وأن الناس ينكرون الجميل ويجحدونه. ويكفي الإنسان راحة ضميره وشعوره بأنه قد أتم الواجب عليه أشكره الناس أم لم يشكروه. ولا شك أن الناس يحمدون ذلك الشخص المحسن إلى نفسه. لأن الخير الحقيقي أول شخص يُكافأ عليه هو فاعله.
(١٩) ولكن هذا الإنسان المحب لذاته المتمتع بغناه الذي ينال المديح والإطراء طالما هو في مجد وكرامة لا شك سيأتيه يوم يفارق فيه هذه الحياة وينضم لجماعة الأموات الراحلين إلى الآباء والجدود وسيصيبه ما أصابهم. ولن يرى عندئذ نوراً ولا مجداً ولا كرامة بعد الموت. إذاً حينئذ يعرف ذاته أنه قد أساء ولم يعش كما ينبغي كإنسان عاقل متعبد لله سامع لوصاياه بل حسب أن كل شيء له ويخضع لإرادته وسلطانه.
(٢٠) وهوذا يأتيه القصاص العادل ويحسب كالبهائم فلم يفهم كيف يربح الحياة الأبدية فعاش لهذه الدنيا ومات في سبيلها فقط «ولكن ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العلم كله وخسر نفسه...». وعندئذ أي فرق يا ترى بين إنسان على هذه الصورة والحيوان الأعجم الذي لا يفهم. هوذا هو قد باد لأنه عاش للتراب ولم يعش للروح فكان كأنما بدون روح كالبهائم التي تباد ولا تذكر فيما بعد.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَمْسُونَ


مَزْمُورٌ لآسَافَ


«١ إِلٰهُ ٱلآلِهَةِ ٱلرَّبُّ تَكَلَّمَ، وَدَعَا ٱلأَرْضَ مِنْ مَشْرِقِ ٱلشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا. ٢ مِنْ صِهْيَوْنَ، كَمَالِ ٱلْجَمَالِ، ٱللّٰهُ أَشْرَقَ. ٣ يَأْتِي إِلٰهُنَا وَلاَ يَصْمُتُ. نَارٌ قُدَّامَهُ تَأْكُلُ وَحَوْلَهُ عَاصِفٌ جِدّاً. ٤ يَدْعُو ٱلسَّمَاوَاتِ مِنْ فَوْقُ وَٱلأَرْضَ إِلَى مُدَايَنَةِ شَعْبِهِ. ٥ ٱجْمَعُوا إِلَيَّ أَتْقِيَائِي ٱلْقَاطِعِينَ عَهْدِي عَلَى ذَبِيحَةٍ».
هذا أحد المزامير التي تحمل اسم آساف بأنه ناظمها. ويظهر أن آساف هذا علاوة على كونه أحد أئمة المغنين الذين كانوا ينقسمون إلى هامان ثم آساف ثم أثان كان شاعراً روحياً من الطراز الأول (راجع ٢أيام ٢٩: ٣٠) وكذلك (نحميا ١٢: ٤٦). وله اثنا عشر مزموراً كلها تحمل اسمه ومزاميره هي «إلهية» أكثر مما هي «ربية». ويميل لكلمة العلي في أحيان كثيرة. ولهذه المزامير صفة خاصة بأنها تصور الله يتكلم قاضياً للشعب وللعالم. ثم أيضاً إذا دققنا نظرنا بها نجد أنها تشير إلى يوسف وإلى نسله كثيراً ومن ناحية أخرى تذكر أن الله يرعى شعبه كما يفعل الراعي بخرافه (انظر مزمور ٧٤ و٥٠ و٧٧: ٢١ و٧٨: ٥٢ وقابلها مع المزامير ٧٠ - ٧٢ وأيضاً مزمور ٧٩: ١٣ و٨٠: ٢). ونجد ترديداً متواصلاً للفكرة أن الله لا يرضى بالذبائح الحيوانية بل يهمه القلب وما يقدمه من عبادة روحية مقبولة وهنا مراجعة لما ورد في (١صموئيل ١٥: ٢٢). وقد نحسب صموئيل أباً روحياً لمثل هذه الأفكار في المزامير. ونجد هذه الفكرة تصل للأوج في أقوال إرميا النبي الذي كان من سبط لاوي وكاهناً ومع ذلك تكلم ضد العبادة الطقسية بأجلى وضوح وأعظم بيان (انظر ٧: ٢٢ وما يليه).
(١) نجد أن اسم ذي الجلالة موضوع بشكل متكرر يلفت الأنظار وليس من الضرورة ترجمة هذه الكلمات إله الآلهة الرب هكذا. بل الكلمة الأولى تفيد الكلي القدرة والثانية إلوهيم تفيد صاحب الإكرام والعزة والجلال بينما يهوه تفيد معنى الكائن الذي يجعل التاريخ حسب قصده وطبقاً لمشيئته. وهو يدعو الأرض كلها لتكون شاهدة عل حكمه العادل على شعبه المتعاهد معه. إن الكلام الإلهي يتناول جميع سكان المسكونة لذلك يريد الناظم أن يسمعوه.
(٢) أي إن الله يشرق في هيكله المقدس القائم على جبل صهيون وقوله «كمال الجمال» أي الكامل بجماله ولا مزيد عليه لمستزيد. ويظهر أن النوافذ الشرقية في الهيكل كانت مبنية على شكل يسمح للنور أن يدخل في الصباح ويملأ الهيكل بالبهاء والسناء مما يزيد الشمس إشراقاً جديداً في داخل المكان المقدس (راجع المراثي ٢: ١٥). وقد تكون الترجمة أيضاً «إن من صهيون قد أشرق بكمال جماله» فيكون كمال الجمال لله سبحانه وليس لجبل صهيون. وفي الترجمة اليسوعية يقول «من صهيون ذات الجمال الكامل...».
(٣) يحضر الله أمام شعبه وهو الذي أعطاهم الشريعة ولم يحفظوها وسن لهم النواميس ولم يمشوا عليها. وهو يقاص أولاً بالكلام حتى إذا لم يسمعوا يعود فيقاصهم بالأعمال. ويظهر لهم الآن كما في جبل سيناء وإذا نار قدامه تأكل وحوله الرياح العاصفة. وهو بصوت شديد قوي ينادي شعبه لكي يرعووا عن غيهم ويرجعوا إليه.
(٤) يدعو أهل السموات والأرض ليكونوا شهوداً على دينونة شعبه. هو لا يريد قصاصهم سراً بل علانية ليكونوا عبرة للمعتبرين. ويستبعد أن يكون المعنى أن السموات والأرض تدعو لشعبه للدينونة بل ليكونوا شهوداً (انظر تثنية ٤: ٢٦ و٣٢: ١ وإشعياء ١: ٢). بينما نجد في العهد الجديد أن الملائكة خدامه أكثر مما هم شهود على شعبه (انظر متّى ٢٤: ٣١).
(٥) والذين يدعون للاجتماع هم جماعة المؤمنين «الأتقياء» وقد يكون ذلك من باب التسمية فقط وليس من الضروري أن يكون بالحقيقة. أو أنه قد يكون من باب التهكم فيذكر أنهم أتقياء وقاطعوا عهد وهم بالحقيقة ليسوا أتقياء وينكرون العهود التي قطعوها. لقد حاول هؤلاء الأتقياء أن يتظاهروا بالتقوى ويتمموا طقوسها فكانوا يذبحون الذبائح المطلوبة منهم في أوقاتها ولكن أين إيمانهم مما يفعلون؟
«٦ وَتُخْبِرُ ٱلسَّمَاوَاتُ بِعَدْلِهِ، لأَنَّ ٱللّٰهَ هُوَ ٱلدَّيَّانُ. سِلاَهْ.٧ اِسْمَعْ يَا شَعْبِي فَأَتَكَلَّمَ. يَا إِسْرَائِيلُ فَأَشْهَدَ عَلَيْكَ. اَللّٰهُ إِلٰهُكَ أَنَا. ٨ لاَ عَلَى ذَبَائِحِكَ أُوَبِّخُكَ، فَإِنَّ مُحْرَقَاتِكَ هِيَ دَائِماً قُدَّامِي. ٩ لاَ آخُذُ مِنْ بَيْتِكَ ثَوْراً، وَلاَ مِنْ حَظَائِرِكَ أَعْتِدَةً. ١٠ لأَنَّ لِي حَيَوَانَ ٱلْوَعْرِ وَٱلْبَهَائِمَ عَلَى ٱلْجِبَالِ ٱلأُلُوفِ».
(٦) وتخبر هنا تفيد معنى تشهد. إن المتكلم كما رأينا في العدد الخامس «اجمعوا إليّ أتقيائي» هو الله «إلههم» الذي له حق أن يقف وجهاً لوجه ضد إسرائيل لأنه هو الرب العظيم الديان. وهنا يذكرهم بشخصه كما في (حزقيال ٢٠: ٢) حينما أعطيت الشريعة الإلهية للشعب من على جبل سيناء. وقوله «السموات» لكي يقابل الكلام بسابقه حينما يخاطب البشر سكان الأرض إذا به يريدهم أن يسمعوا ما تقوله السماء. والواجب أن يسمعوا لئلا يقعوا تحت طائلة القصاص والدينونة.
(٧) هذا الإله العظيم يبدأ بالكلام مخاطباً شعبه وعليهم أن ينتبهوا ويصغوا وبعد أن ذكره بأنه شعبه الخاص عاد أيضاً فأطلق عليه اسمه زيادة في التنبيه. وأراد أولاً الكلام ولكنه في الثاني طلبه للشهادة ضده. وعليه فقط أن يسمع ذلك. وأما موضوع التهمة التي يوجهها الله ضد شعبه فهو الخيانة إذا اتخذوا لأنفسهم آلهة من دون الله وهو الإله المحب الغيور.
(٨) في هذا العدد شيء كثير من روح النبوءة ضد الطقوس وتتميم الرسوم والفرائض الخارجية. ويظهر أن الشعب كان محافظاً على عبادته الطقسية فقدم الذبائح وأصعد المحرقات ولكنه لسوء الحظ قد ترك ما هو أعظم من ذلك كثيراً وهو روح العبادة المخلصة والثقة الحقيقية بانصراف القلب عنه تعالى إلى أشياء أخرى وعبادات باطلة. مع أن الله عليم بكل ما يجري ولا تفوته أدق الأمور لذلك فإن خدع الإنسان الله فما يخدع سوى نفسه فقط.
(٩) إن الله غني بذاته عن كل ما خلقه. وكل شيء يحتاج الله وهو تعالى لا يحتاج لشيء. وهنا يقول أنه لا يأخذ ثور إنسان ولا أعتدة أي تيوس. إذ أن الذبيحة المقدمة لله إنما يرضى عنها فقط ويشتم رائحتها ويبارك الإنسان مقدمها على نسبة روحه التقوية وهذا ليس لأنه تعالى يحتاج لأي طعام كما كان يفتكر الإنسان الفطري القديم.
(١٠) إن مالك الملك العظيم الذي هو وحده يملك حيوانات البرية جميعها أيضاً. كما أنه يملك البهائم والوحوش الضواري وكل أنواعها المنتشرة في سفوح الجبال والوديان والسارحة طلباً للقوت. وقوله على الجبال الألوف أي على ألوف الجبال. وقد تكون الترجمة أيضاً والبهائم على جبالها لأنه قد تكون ألوف الأخيرة بمعنى ثور وتكون حرفياً هكذا «والبهائم على جبال الثيران». والقصد هنا على كل حال أن يرى اتساع ملك الله وكيف أنه يضم هذه المخلوقات كلها.
«١١ قَدْ عَلِمْتُ كُلَّ طُيُورِ ٱلْجِبَالِ، وَوُحُوشُ ٱلْبَرِّيَّةِ عِنْدِي. ١٢ إِنْ جُعْتُ فَلاَ أَقُولُ لَكَ لأَنَّ لِي ٱلْمَسْكُونَةَ وَمِلأَهَا. ١٣ هَلْ آكُلُ لَحْمَ ٱلثِّيرَانِ أَوْ أَشْرَبُ دَمَ ٱلتُّيُوسِ؟ ١٤ اِذْبَحْ لِلّٰهِ حَمْداً، وَأَوْفِ ٱلْعَلِيَّ نُذُورَكَ، ١٥ وَٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي».
(١١) إن الله عليم بكل شيء لذلك فهو يعلم جميع الطيور الأليفة منها والبرية على السواء (انظر متّى ١٠: ٢٩). كذلك فله وحوش البرية فهي مستوطنة في حمى الله الواسع الذي يشمل العالم كله. وهذه عنده أي في متناول عنايته السرمدية (انظر أيوب ٢٧: ١١ و١٠: ١٣).
(١٢) وهل يشبه الله الإنسان بحاجته للطعام؟ ثم أليس له المسكونة كلها يتصرف بها كيف شاء. فهو لا يجوع ولا يحتاج لأن منه البركات جميعها. هو الخالق المبدع وهو المدبر والمعتني بكل شيء.
(١٣) وهنا يتساءل هل الله يهتم بالذبائح بالنسبة لأنه يأكل هذه اللحوم ويتغذى بها كما يفعل الإنسان؟ وهل شرابه من دمائها يا ترى؟ وهنا إشارة إلى ما كان يفعل بالذبائح من جهة لحمها ودمها. وكان الدم يرش ويسكب تقدمة ثمينة لله. وكان الإنسان القديم يعتقد أن الحياة في الدم ذاته لذلك كان يسكبه أمام الله بصفته أنه أثمن شيء يقدم لله.
(١٤) ولكن ما نفع هذه الذبائح المقدمة؟ وما أهمية هذا الدم المراق؟ فيلتفت المرنم إلى جوهر العبادة ولباب الدين ويخبرنا أن الذبح المقبول هو الحمد والتسبيح. إن العبادة هي ما يتناول القلب والضمير وينير الأفكار والحياة. لقد كانت الذبائح الطقسية هامة جداً (راجع لاويين ٧: ١١ - ١٥ وأيضاً لاويين ٧: ١٦). ولكن في هذا العدد يوجه قلب الإنسان لمطلب أدبي أسمى من المطالب المادية جميعها. بل يطلب أن يقدم الإنسان بما يتعهد به ويوفي الوعود والنذور.
(١٥) وإذا تممنا هذه العهود ووفينا بالنذور بكل أمانة وإخلاص حينئذ نجد أن هذه الديانة الحقة ترافقنا في حياتنا اليومية. حينما يأتينا الضيق نجد أنفسنا مدفوعين بعامل الخشوع والورع أن ندعو الله وهو يخلصنا إلى التمام وينقذنا من جميع ضيقاتنا (انظر أمثال ٢١: ٣) فترى بذلك ما يقوله الحكيم في أمثاله ثم انظر (هوشع ٦: ٦ وميخا ٦: ٦ - ٨ وإشعياء ١: ١١ - ١٥) وأيضاً في مواضيع كثيرة غيرها نجد أن الأنبياء قد فهموا معنى الديانة الحقة وأظهروا للناس ما يريد الله من شعبه حتى نصل أخيراً إلى قول السيد المسيح «اَللّٰهُ رُوحٌ. وَٱلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا» (يوحنا ٤: ٢٤).
«١٦ وَلِلشِّرِّيرِ قَالَ ٱللّٰهُ: مَا لَكَ تُحَدِّثُ بِفَرَائِضِي وَتَحْمِلُ عَهْدِي عَلَى فَمِكَ، ١٧ وَأَنْتَ قَدْ أَبْغَضْتَ ٱلتَّأْدِيبَ وَأَلْقَيْتَ كَلاَمِي خَلْفَكَ. ١٨ إِذَا رَأَيْتَ سَارِقاً وَافَقْتَهُ وَمَعَ ٱلزُّنَاةِ نَصِيبُكَ. ١٩ أَطْلَقْتَ فَمَكَ بِٱلشَّرِّ وَلِسَانُكَ يَخْتَرِعُ غِشّاً».
(١٦) هنا يبدأ بالشكوى على الأشرار الذين يجاهرون بشرهم ولا يستحون من حالة سيئة وصلوا إليها ومع ذلك فهم هنا يتظاهرون بإتمام الفرائض ويضعون في أفواههم كلاماً لا ينطبق على حقيقة حالهم. هم أناس لهم ديانتهم الخاصة أو طائفتهم الدينية الخاصة التي تخدم مصالحهم الذاتية دون أي عمق في الحياة الروحية الحقة. هم الذين قد يقومون ببعض الحسنات ويتممون ظاهرياً ما يأمر به الدين ولكن هذا لا ينطبق على حقيقة حالهم الروحية لأن أعمالهم تخالف تقواهم الظاهرية مخالفة صريحة. وقوله «ما لك تحدث الخ» هنا استفهام التوبيخ وإن الله لا يتعرفهم ولا يقبل فرائضهم قط.
(١٧) وحالة هذا الشرير هي هكذا لأمرين: الأول لأنه أبغض التأديب أي لم يتعظ بالحوادث التي مرت عليه ولم يستفد لكي يرجع عن غيه إلى الصواب ولم يصلح نفسه مما ارتكبه من الأخطاء. والثاني لأنه ألقى كلام الله خلفه بدلاً من أن يضعه قدامه (راجع إشعياء ٤٨: ١٧). لكي يكون للتأديب أثره الفعال في النفس علينا أن نقبله ونعتبره درساً ثميناً وإن يكن صعباً بعد الأحيان لكي نستفيد في حياتنا الروحية (انظر ٢تيموثاوس ٣: ١٦ و١٧). هكذا علينا أن نتبع كلام الله.
(١٨) يبدأ بتعداد المخالفات التي يخالف بها الشرير وصايا الله تعالى. وإذا المخالفة الأولى تتناول كسر الوصية الثامنة فهو يسرق ويوافق السارقين على أفعالهم الشنيعة. ثم يخالف الوصية السابقة إذ هو بين الزناة الفاسقين أيضاً. هاتان الرذيلتان تتناولان الأعمال الشريرة التي تعتدي على حقوق الآخرين أو شرفهم وكرامتهم. فالسارق ينهب المال وأما الزاني فينهب الشرف ويعتدي على أقدس ما يملكه الإنسان وهو عرضه وإباؤه.
(١٩) وهنا يتابع وصف الشرير فهو لا يكتفي بأعماله القبيحة واعتدائه بل هو شرير أيضاً بلسانه فقد أطلق فمه بالقدح والمذمة والاغتياب والنميمة. وفي هذا مخالفة أخرى لوصايا الله (الوصية التاسعة) «لا تشهد على قريبك شهادة زور...» (انظر لاويين ١٩: ١٤) فهذا الشرير يتناول الهزء بالناس والتعريض والنكاية بهم ولا يهمه في الأمر شيئاً سوى التشفي والانتقام. وأغلب كلامه إن لم يكن كله هو من باب الكذب والافتراء وانتهاك حرمة الناس والحط من كرامتهم.
«٢٠ تَجْلِسُ تَتَكَلَّمُ عَلَى أَخِيكَ. لٱبْنِ أُمِّكَ تَضَعُ مَعْثَرَةً. ٢١ هٰذِهِ صَنَعْتَ وَسَكَتُّ. ظَنَنْتَ أَنِّي مِثْلُكَ. أُوَبِّخُكَ وَأَصُفُّ خَطَايَاكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ. ٢٢ ٱفْهَمُوا هٰذَا يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُونَ ٱللّٰهَ، لِئَلَّا أَفْتَرِسَكُمْ وَلاَ مُنْقِذَ. ٢٣ ذَابِحُ ٱلْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي، وَٱلْمُقَوِّمُ طَرِيقَهُ أُرِيهِ خَلاَصَ ٱللّٰهِ».
(٢٠) ومما يزيد في الجرم هو أن هذه الشرور موجهة إلى أخيه وابن أمه فبدلاً من أن يبادله المودة ويعاونه على احتمال مصائب الحياة إذا به سبب عثرة وانحطاط. وفي جلوسه على هذه الصورة دليل الكسل والبطالة فهو إذاً من أولئك الناس الذين يتكلمون كثيراً ويلقون الكلام على عواهنه غير حاسبين للعواقب حساباً. وقوله ابن أمك ولم يقل ابن أبيك فقط دليل الزيادة في القربى فهو لحمك ودمك أي ابن أبيك وأمك إذ كانت العادة أن يتزوج الرجل أكثر من امرأة واحدة (انظر رومية ٢: ١٦ - ٢٤).
(٢١) هنا ينتهي المرنم وهو يتكلم باسم الرب من تعداد شرور الخاطئ وآثامه في الفكر والقول والعمل ثم يقول له مع ذلك كله قد سكت عنك ولم أحسابك عما اقترفته ولكن لم ترعو فبدلاً من أن ترى وتفهم معنى حلم العلي تماديت في الإثم وظننت الإله العظيم مثلك. وما أكثر الخطايا التي يقترفها الناس لحسبانهم متوهمين أنه هكذا يريد الله فيفسرون الأشياء على غير حقيقتها ويجعلون الله مسؤولاً عن جرائم هم ارتكبوها. ولكن يعود المرنم للتوبيخ ولإزالة الوهم العالق في الذهن ويرى إن أفضل شيء لرجوع الخاطئ هو أن يرى هذا الخاطئ ذنبه ويتوب عنه وبدون التوبة الحقيقية لا يمكن أن يكون غفران.
(٢٢) وبكل قوة وبلاغة يلتفت الناس جميعاً وبطريقة بليغة بارعة يريدهم أن يرجعوا إلى إلههم. ذلك لأنهم قد نسوا ما هم فيه وتعلقوا بأوهام لا قبل لهم على الخلاص منها. وإذا استمروا في غوايتهم ولم يرعووا عن جهلهم فإن الله لا يتراجع عن إنزاله بهم أشد العقوبة والقصاص وكأنه يفترسهم كما يفعل الأسد. في هذين العددين الأخيرين يصل للخلاصة وعادة تحوي الخلاصة أسمى ما يريد الكاتب أو المتكلم أن يتركه في قلوب السامعين.
(٢٣) وهنا يعود للجهة الإيجابية فإن كان الناس لا يفهمون يقعون إذاً تحت القصاص ولكن المؤمن الحقيقي يمجد الله بسيرته وأفعاله وحينئذ إذا عاش شريفاً وسار مستقيماً في طريق الحياة فله الخلاص والسعادة. إن الذي يتطلع مستقيماً ولا اعوجاج في طريقه فهو لا شك سينظر إلى بعيد ويتضح أمامه الهدف. وهنا يسمو المرنم في تفكيره سمواً عظيماً ويراجع ما أورده في العدد ١٤ من المزمور ذاته. إذ يترك في ذهن القارئ ما يريد أن يصف به معنى الديانة الحقة التي تتناول الحياة لا الظواهر وتؤثر في القلب لا في إتمام المراسيم الخارجية.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي وَٱلْخَمْسُونَ


لِإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ عِنْدَمَا جَاءَ إِلَيْهِ نَاثَانُ ٱلنَّبِيُّ بَعْدَ مَا دَخَلَ إِلَى بَثْشَبَعَ


«١ اِرْحَمْنِي يَا اَللّٰهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ ٱمْحُ مَعَاصِيَّ. ٢ ٱغْسِلْنِي كَثِيراً مِنْ إِثْمِي وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي. ٣ لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِماً. ٤ إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ وَٱلشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ».
هذا المزمور هو الأول من مزامير داود التي يذكر فيها «إلوهيم» وهو بمعناه يتمم ما ورد في المزمور الخمسين من جهة عدم الاهتمام كثيراً بتقديم الذبائح الطقسية بل يلفت النظر إلى ذبائح الروح المطيعة والإخلاص الكامل لله. ونلاحظ من العنوان فهو قد كتب لداعٍ خاص وبعد ظرف خاص جعل داود يندم على خطيئته الفظيعة ويطلب رحمة الله ورضاه (راجع ٢صموئيل ١٢: ١ - ٦) لقد مر معنا من قبل في المزمورين ٦ و٣٨ كيف كان داود نادماً على خطاياه وتائباً لله.
يذهب هتزج إلى القول أن كاتب هذا المزمور ليس داود بل هو إشعياء الثاني (إشعياء ٤٠ - ٩٦) وهو الذي كتب المزمور الأول أيضاً. ولكن هذا الرأي لا يمكن الركون إليه سوى أن إشعياء الثاني كان مطلعاً على كلا المزمورين. وهذا المزمور ينقسم إلى أربعة أقسام يتناقص واحدها عن الآخر. أما القسم الأول فهو طلب غفران المعاصي. وهو من العدد (١ - ٩) والقسم الثاني وهو من (١٠ - ١٣) يحوي صلاة التجديد. والقسم الثالث من العدد (١٤ - ١٧) يبحث عهد الذبائح الروحية. والقسم الأخير أي العددان (١٨ و١٧) فهو صلاة شفاعية من أجل أورشليم وتجديد أسوارها لكي تقام فيها الذبائح مرة أخرى.
مع أن داود قد ارتكب خطيئة واحدة وهي الزنا ولكنه في صلاته يطلب غفران معاصيه كلها. ذلك لأنه عرف أنه قد قتل إنساناً بريئاً بتعريضه أوريا للموت من أجل بثشبع زوجته. وحقيقة الأمر أن المعاصي تأتي بمجموعها ولا يمكن أن تفصل واحدة عن الأخرى لا سيما إذا كان الإنسان قد أخذ ينزل في دركات الإثم والشرور. وهو يلتمس أن تمحى لأنها أشبه بديون ثقيلة لا يستطيع إيفاءها بنفسه (انظر إرميا ١٧: ١).
(٢) هنا يشعر المرنم بخطإه العظيم وإثمه الجسيم ويطلب أن يغسل كثيراً. لأن الغسل الاعتيادي لا يكفي لتطهيره. والإثم هنا محسوب أنه وسخ وقذارة عالقة لا يذهب بسهولة. بل حسبه كمرض نجس مثل البرص فقال «ومن خطيئتي طهرني» (راجع لاويين ٣: ٦ و١٣) وفي هذا تعبير جلي عن الشعور العميق بالخطية لذلك فالمرنم يطلب غسلاً كلياً وتطهيراً كاملاً من حالته السيئة التي وصل إليها.
(٣) وهنا يدعم كلامه السابق بأنه يعرف ما هو فيه من سوء حال. بل يجد خطيئته واقفة أمامه دائماً. لذلك فهو لا يمكن أن يكون في راحة واطمئنان بل بالعكس إن هذا هو مدعاة انشغال باله وعدم استقراره وسلامه (راجع إشعياء ٥٩: ١٢).
والحق يقال أن هذا الشعور بالخطيئة هو أول درجات الاستغفار. على الخاطئ أن يحس في أعماق نفسه بحاجته الشديدة للرجوع إلى الله.
(٤) وهنا ينتقل إلى حقيقة أخرى وهي أن هذه الخطيئة إنما ضد الله تعالى رأساً ولذلك فهي ليست أمام الخاطئ فقط كما هي أمام الله الذي أخطأنا إليه. وهذه الخطيئة التي نعترف بها هي التي تبرر الله لأنه قدوس هو ويقع الذنب كله علينا بل وتجعل أحكامه علينا عادلة مهما كانت ولا شيء من الإجحاف فيها.
«٥ هَئَنَذَا بِٱلإِثْمِ صُوِّرْتُ وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي. ٦ هَا قَدْ سُرِرْتَ بِٱلْحَقِّ فِي ٱلْبَاطِنِ، فَفِي ٱلسَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً. ٧ طَهِّرْنِي بِٱلزُّوفَا فَأَطْهُرَ. ٱغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ ٱلثَّلْجِ. ٨ أَسْمِعْنِي سُرُوراً وَفَرَحاً فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا. ٩ ٱسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ وَٱمْحُ كُلَّ آثَامِي».
(٥) يبين المرنم أن خطيئة قديمة فيه تعود إلى منشإه الأصلي فقد صوّر بالإثم وحبل به بالخطيئة ولا يقصد بذلك أن يبرر نفسه كإنما يقول لأني قد ولدت هكذا فلا ذنب عليّ إذاً بل بالعكس فإنه يتهم نفسه بأن هذه الخطايا هي قديمة تعود إلى طبيعته الفاسدة حتى منذ الولادة (راجع تكوين ٨: ٢١ وأيوب ١٤: ٤). والحق يقال أن التعليم عن الخطيئة الموروثة واضح جداً في هذه الآية أكثر من أي محل في العهد القديم. وهذا يبحث في أصل الخطيئة ومبعثها أكثر من المظاهر الخارجية التي تتناول الخطايا كما ترى.
(٦) إن الله يسر أن يكون باطن الإنسان مملوءاً بالحق والاستقامة لأن الدين الحق يتناول الباطن لا الظاهر. وإن الله أيضاً يريدنا أن نعرف الحكمة في سريرتنا. أما الحق في الباطن فهو أن يكون الإنسان شريفاً صادقاً كريماً في داخله في ما يخص العقل والضمير أيضاً.
(٧) إن أعظم ما يخالج قلب الإنسان هو فرحه بأن خطاياه قد محيت وإن ذنوبه قد سترت كلها. إن التطهير بالزوفا هو لأجل البرص فيتطهر الإنسان منه أو إذا لمس جثة ميت. ثم إن الغسل هو علامة التطهير على أي وجه كان. وبالطبع هنا لا يوجد أي ذكر عن الكفارة بالدم (انظر إشعياء ١: ١٨).
(٨) يريد المرنم أن يطمئن بالله فهو بعد اعترافه بخطاياه ويطلب من الله أن يمحوها له. يتمنى أن يرى الله قد تحول عن غضبه عنه إلى السرور والفرح به. وهو الذي بسبب خطاياه قد سحقت عظامه سحقاً وأما الآن فهو يرجو الابتهاج لأنه قد انتصر على ما مرّ عليه من حالات محزنة. إن الحاضر يمكن أن يحتمل إذا عرفنا تأكيدات رحمة الله لنا يوماً بعد يوم.
(٩) يعود فيكرر الطلب أن يشفق الله عليه ويستر وجهه عن خطاياه لأن هذه الخطايا إذا بقيت ماثلة أمام عينيه تقض مضجعه وتحرمه لذيذ العيش - وعندئذ فهذه الخطايا لا تقف عائقاً في وجه سعادته وهنائه. لقد ذكر المرنم في العدد الثامن ما هو الباعث الأول للسرور والفرح في إتمامه المعنى في هذا العدد وهو أن الخاطئ الأثيم لا يمكن أن يكون سعيداً بالحق بل عليه أن يتوب ويرجع إلى الله أولاً وهكذا فإنه تعالى يستر وجهه عن إثمه ويمحو ذنوبه ويجعله أهلاً لذلك السلام الذي يمكن أن يملأ قلبه بعدئذ.
«١٠ قَلْباً نَقِيّاً ٱخْلُقْ فِيَّ يَا اَللّٰهُ وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. ١١ لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ ٱلْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي. ١٢ رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ ٱعْضُدْنِي. ١٣ فَأُعَلِّمَ ٱلأَثَمَةَ طُرُقَكَ، وَٱلْخُطَاةُ إِلَيْكَ يَرْجِعُونَ. ١٤ نَجِّنِي مِنَ ٱلدِّمَاءِ يَا اَللّٰهُ إِلٰهَ خَلاَصِي فَيُسَبِّحَ لِسَانِي بِرَّكَ».
(١٠) بهذا العدد يبدأ طلبه للتجديد فهو لا يكتفي أن تمحى خطاياه ويعفى عن ذنوبه بل يلتمس تجديد القلب. أي ذلك القلب النقي الذي لم يتلوث بالإثم والشر وهكذا تزول جميع تذكارات الماضي المؤلمة. والقلب هنا كما في الأصل العبراني يتناول الضمير أيضاً. أي امنحني ضميراً نقياً حساساً مرهفاً يستطيع أن يميز بين الخير والشر. ثم في قوله «وروحاً مستقيماً» قد عنى أن يكون هذا الضمير دليله للخير دائماً (انظر إرميا ٢٤: ٧ وحزقيال ١١: ١٩ و٣٦: ٢٦).
(١١) إذا حسبنا أن الناظم هو داود فإنه بصفته ملك وإسرائيلي ومستكمل صفات الرجولة فهو يريد أن يقف مرة أخرى بعد هذا السقوط والانخذال الوقتيين (انظر إشعياء ٦٣: ١٦). وطلبه هنا هو للنعمة أكثر من طلبه للوظيفة الملكية. نعم لا يزال بباله أنه قد أخذ محل شاول لأن الله رفضه (انظر ٢ملوك ٢٤: ٢٠). أما الروح القدوس الذي يذكره فهو الذي ناله بعد أن مسح ملكاً وهو عكس الروح الشرير الذي كان في شاول والذي كان سبباً في سقوطه وانتزاع الملك من يده بعد موته.
(١٢) يهمه في هذا العدد أن يعود إليه السرور القديم المؤسس على خلاص الرب وعلى عضده وسنده له. وأما الروح المنتدبة أي ذات المكانة السامية المملوءة بالعزم والإرادة. و «الندب» في العربية هو السريع للفضائل الذي يخف للملمات ويقضيها. فهو هنا يتمنى أن يعود إلى سابق عزه وكرامته وأن يمتلئ بتلك الروح التي تجعله معيناً من الله ملكاً على شعبه وهكذا يطلب العضد منه تعالى لكي يهديه دائماً في طريق الحق والواجب ولا يتخلى عند أبداً.
(١٣) إن أعظم عمل يتممه التائب الحقيقي هو أن يهدي الضالين الذين كان هو منهم بالأمس وأما بالروح الإلهي فقد نجا من الحالة السيئة التي وصل إليها. فهو بعد أن تأكد تبريره مما كان فيه ورضا الله عنه ورجوعه بالتوبة وطلب الغفران يود من كل قلبه أن يكون قدوة للآخرين ذلك أن العار الحقيقي على الساقط هو أن يظل في سقوطه ولكنه إذا قام ورجع إلى الله فهو يغفر له إثمه ويسامحه تمام المسامحة وإذا دلّ بعد ذلك رفاقه الآخرين الأشرار يتكلم لهم عن اختبار ليرجعوا تائبين.
(١٤) هنا يبدأ بالقسم الأخير من المزمور فيطلب أن ينجو من الدماء التي سفكها ظلماً وعدواناً. وقوله «دماء» دليل كثرتها وعظمتها فهو لم يكن زانياً فقط بل قاتلاً أيضاً. ولذلك فإن ضميره يؤنبه بشدة ويطالبه بما اقترفت يداه. والتفاته هنا إلى إله خلاصه الذي ارتكب هذا الإثم الفظيع ضده وحده لكي يستطيع بعد ذلك أن يسبح ببر الله وخلاصه.
«١٥ يَا رَبُّ ٱفْتَحْ شَفَتَيَّ فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ. ١٦ لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلَّا فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى. ١٧ ذَبَائِحُ ٱللّٰهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. ٱلْقَلْبُ ٱلْمُنْكَسِرُ وَٱلْمُنْسَحِقُ يَا اَللّٰهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ. ١٨ أَحْسِنْ بِرِضَاكَ إِلَى صِهْيَوْنَ. ٱبْنِ أَسْوَارَ أُورُشَلِيمَ. ١٩ حِينَئِذٍ تُسَرُّ بِذَبَائِحِ ٱلْبِرِّ، مُحْرَقَةٍ وَتَقْدِمَةٍ تَامَّةٍ. حِينَئِذٍ يُصْعِدُونَ عَلَى مَذْبَحِكَ عُجُولاً».
(١٥) وبعد أن ينال هذا الخلاص إذا بشفتيه تبدآن بالحمد والتسبيح. لأن تسبيح الله يأتي على أتمه حينما نتكلم عن اختبار شخصي بمراحمه العظيمة وإحساناته الشاملة ويكون أن «من فضلة القلب يتكلم اللسان».
(١٦) إن سرور الله الذي هو مطلب جليل للمؤمن ليس بتقديم الذباح الطقسية (انظر مزمور ٤٠: ٧ وإشعياء ١: ١١) وهنا سمو عظيم في التفكير الروحي. إن عدم تقديم الذبيحة راجع لعدم رضا الله عنها وليس لأن المرنم غير مستعد لتقديمها. حتى أنه لا يرضى بالمحرقة التي يرتفع دخانها كالبخور العطر أمام عرش الله.
(١٧) ولكن هنا يلفت النظر إلى الشيء الأهم وهو أن الذبائح التي يقبلها الله ويرضى عنها إنما هي الروح المنكسرة والقلب المنسحق بالتوبة أمام الله. إن الخاطئ التائب هو كذلك حينما يشعر أن طبيعته الشريرة تتبدل في داخله إلى شيء أسمى وأعظم. أي حينما يصبح هو لا شيء ولكن يصبح الله له كل شيء. بروح كهذه وبقلب تائب متواضع يطلب رضا الله ونعمته يرى حينئذ أنه في طريق الحق والكمال ونجد (إشعياء ٥٧: ١٥) يقول إن روحاً كهذه يسكنها الله القدوس.
(١٨ و١٩) الأرجح أن هذين العددين هما إضافة زادهما أحد النساخ بعد الرجوع من السبي أو أثناء السبي. ويلتمس بهما أن يعود الله برضاه ويلتفت إلى ذل أورشليم ويرمم أسوارها المتهدمة ومبانيها الخربة ويرجعها إلى سابق مجدها وكرامتها. والحق يقال لا أرى أية علاقة بين طلب داود الرحمة لنفسه تائباً وبين ترميم أسوار أورشليم التي لم تكن بعد قد بنيت كلها في أيامه بعد أن استخلصها من أيدي اليبوسيين. إنما إذا أخذنا المزمور بمعنى روحي فيكون أن المرنم يطلب الرجوع لله كما رجع داود قديماً عن خطاياه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي وَٱلْخَمْسُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. قَصِيدَةٌ لِدَاوُدَ عِنْدَمَا جَاءَ دُوَاغُ اَلأَدُومِيُّ وَأَخْبَرَ شَاوُلَ وَقَالَ لَهُ: «جَاءَ دَاوُدُ إِلَى بَيْتِ أَخِيمَالِكَ».


«١ لِمَاذَا تَفْتَخِرُ بِٱلشَّرِّ أَيُّهَا ٱلْجَبَّارُ؟ رَحْمَةُ ٱللّٰهِ هِيَ كُلَّ يَوْمٍ! ٢ لِسَانُكَ يَخْتَرِعُ مَفَاسِدَ. كَمُوسَى مَسْنُونَةٍ يَعْمَلُ بِٱلْغِشِّ».
في هذا المزمور كما في المزمور سابقه يرينا المرنم الفرق بين نوعي اللسان من جهة الصدق والكذب ومقدار الفرق بينهما. وهو من مزامير «إلوهيم» والتي تذكر عن ملاحقة شاول له ومطاردته إياه. وقد سمى القديس أوغسطينوس هذه المزامير «مزامير الطريد» وهي السابع والرابع والثلاثون والتاسع والأربعون والثاني والخمسون والرابع والخمسون والسادس والخمسون والسابع والخمسون والمئة والثاني والأربعون. ومن العنوان نلاحظ الظرف الذي نظم فيه وإن كنا لا نعرف التاريخ بالتدقيق. فإن داود بعد أن مكث مع صموئيل أياماً ذهب إلى نوب ومكث مع أخيمالك الكاهن. وقد قدم له بصفته صهر الملك خبز الوجوه الذي طلبه كما أعطاه سيف جليات الجبار الذي كان معلقاً في الخيمة مع الأفود. وقد كان دواغ هذا معايناً وشاهداً لما حدث وأبلغ الخبر لشاول وهذا بدوره انتقم من الكهنة انتقاماً فظيعاً حتى سقط خمسة وثمانون منهم بحد السيف ونجا أبيثار إبن أخيمالك وجاء إلى داود (راجع ١صموئيل ٢٢: ٦ - ١٠).
(١) يقول المرنم إنه لمن العار على الإنسان أن يرتكب الشر وعار أكبر جداً إذا افتخر به وتمادى في غيه ووقاحته. إذ أن الشرير الذي يفعل هكذا يبرهن عن فساد في الخلق ودناءة وحماقة ما بعدها حماقة. إن دواغ هذا قد سبب مذبحة فظيعة بسبب وشايته بلسانه الذي لم يستطع ضبطه فهو شرير ليس بالنسبة لاقتدار يده وما تستطيع أن تمتد إليه من بغي وعدوان بل لأنه كان ذا لسان قلما ينجو من شره أي إنسان. ولكن مقابل هذا اللسان الشرير يوجد رحمة الله التي لا تنسى أحداً. لذلك مهما فسد الإنسان وعظم شره فإن الله لا يتخلى عنّا قط.
(٢) يمكن ترجمة «يخترع» يصنع أيضاً. أي أن هذا اللسان يستطيع بمهارته في الأذية والضرر أن يسبب مفاسد عظيمة. فكما أن النجار يصنع أثاثاً كثيراً من الخشب وكما يصنع الحداد أدوات جمة من الحديد كذلك فإن المفاسد لا تأتي عفو الخاطر بل تحتاج إلى من يحولها ويدبرها ويخترعها وحينئذ يصبح اللسان ضاراً جداً كأي عضوٍ من أعضاء الإنسان الأخرى. هو كالموسى الحادة القاطعة وما أشبه هذا القول بقول الشاعر:
جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان



«٣ أَحْبَبْتَ ٱلشَّرَّ أَكْثَرَ مِنَ ٱلْخَيْرِ، ٱلْكَذِبَ أَكْثَرَ مِنَ ٱلتَّكَلُّمِ بِٱلصِّدْقِ. سِلاَهْ. ٤ أَحْبَبْتَ كُلَّ كَلاَمٍ مُهْلِكٍ وَلِسَانِ غِشٍّ. ٥ أَيْضاً يَهْدِمُكَ ٱللّٰهُ إِلَى ٱلأَبَدِ. يَخْطُفُكَ وَيَقْلَعُكَ مِنْ مَسْكَنِكَ، وَيَسْتَأْصِلُكَ مِنْ أَرْضِ ٱلأَحْيَاءِ. سِلاَهْ. ٦ فَيَرَى ٱلصِّدِّيقُونَ وَيَخَافُونَ، وَعَلَيْهِ يَضْحَكُونَ».
(٣) بالطبع لا يقصد هنا التفضيل في محبة هذا المؤذي وهكذا أنه أحب الشر أكثر من الخير وأنه انحرف للكذب أكثر من الصدق. بل إن الكلام هنا هو للتوكيد والمبالغة فهو لا يحب الخير قط بل كل حبه للشر ولعمله وكل ميله وانحرافه للكذب والاحتيال. فهو إذاً لا يحب الخير ولا الصدق قط ويسعى للضرر في كل الظروف والأحوال (انظر مزمور ١١٨: ٨ وما يليه وأيضاً حبقوق ٢: ١٦) وينهي العدد بارتفاع سلاه في الموسيقى على نسبة انخفاض حالة هذه الشرير المؤذي.
(٤) ويلخص وصفه بقوله أنه لا يحب سوى كلام الهلاك والغش. فإذا عرض له أن يتكلم صدقاً فلا يستطيعه وإذا لم يكن له سبيل لهلاك الغير فهو يسعى لأجله سعياً حثيثاً ولا يرتاح حتى يفعل ذلك.
(٥) ولكن المرنم يطلب له ما طلبه هو للآخرين. يطلب له الهدم والخطف والقلع فيستأصل بتاتاً من أرض الأحياء. ولكن شتان بين الطلبين فإن الأول كان بالمكر والغش والاعتداء ومن جهة أخرى فإن القصاص ينزله الملك شاول بمن حسبهم أعداءه ولكن هذا يطلب من الله أن يجازيه مقابل ما اقترفه من خطايا وذنوب. لقد اعتدى من قبل وعليه أن يتحمل جزاء اعتدائه ليس إلا. ذلك لأنه قصد الحقد لجاره وأضمره له وطلب حياته وشرفه وكل أملاكه فلا عجب أن يجزى على الأقل بالمثل. ويشير في هذا العدد إلى وشاية «دواغ» التي كانت عن خيمة الاجتماع أن الله ينزل به العقاب الشديد ويقتله ويستأصله كما تقتلع الخيمة. لقد زعم أن الخيمة هي للمكيدة ضد الملك (راجع ١صموئيل ٢١: ٧ و٨) ويختم بكلمة «سلاه» دليل الاكتفاء بهذا الجزء وتأخذ الموسيقى مداها.
(٦) وكان طلب الجزاء لهذا النمام لأنه قد وشى بداود المستجير ببيت الله فبدلاً من أن يشارك الكاهن في عمل الخير وعلى الأقل بمدح ما أقدم عليه إذا به يحوّل الفضيلة إلى عمل شنيع ذهب ضحاياه كثيرون من الأبرياء. عند ذلك يرى الصديقون هذا الجزاء العادل ويخافون الله ولا يقدمون على أي عمل مشين لا يرضيه تعالى. وفي الوقت ذاته يكون ذلك النمام موضع الهزء والسخرية فبدلاً من أن يعتز يتذلل وبدلاً من أن ينال أي جزاء حسن على فعلته يكون جزاؤه الطرد والانخذال.
إن الله يجازي بعدل (راجع مزمور ٦٤: ١٠) وإن يكن الشماتة بالأعداء والضحك منهم غير ممدوحة (انظر أمثال ٢٤: ١٧).
«٧ هُوَذَا ٱلإِنْسَانُ ٱلَّذِي لَمْ يَجْعَلِ ٱللّٰهَ حِصْنَهُ، بَلِ ٱتَّكَلَ عَلَى كَثْرَةِ غِنَاهُ وَٱعْتَزَّ بِفَسَادِهِ. ٨ أَمَّا أَنَا فَمِثْلُ زَيْتُونَةٍ خَضْرَاءَ فِي بَيْتِ ٱللّٰهِ. تَوَكَّلْتُ عَلَى رَحْمَةِ ٱللّٰهِ إِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ. ٩ أَحْمَدُكَ إِلَى ٱلدَّهْرِ لأَنَّكَ فَعَلْتَ، وَأَنْتَظِرُ ٱسْمَكَ فَإِنَّهُ صَالِحٌ قُدَّامَ أَتْقِيَائِكَ».
(٧) هذا جزاء الذي اتكل على ما لديه من عز هذه الدنيا وجاهها بل أنه اعتز بشروره ومفاسده فهو بدلاً من أن يخجل من نفسه قد تمادى في حماقته ووقاحته حتى أنه لم يلتفت إلى الله ولم يتخذه حصناً له بل تحصن بنفسه وإذا به يضمحل وينهار كالبيت الذي لم يؤسس على الصخر بل على الرمال (راجع متّى ٧: ٢٧). لم يجعل الله معاذه أي مكان اختبائه من وجه العدو (راجع ٢صموئيل ٢٢: ٣٣).
(٨) في هذا العدد بيدأ المرنم بناحية جديدة مفرحة فبعد أن ينزل العقاب الشديد بإنسان الفساد ذي اللسان الغاش الكذوب الذي يعتز بالشر ويفاخر به ويشي بأشرف الناس وإن كانوا يحمون غريباً طريداً ملهوفاً يستنجد بأهل النخوة والمروءة فينجده أخيمالك الكاهن. ثم يلتفت إلى المؤمن ذاته ويقول عنه أنه أشبه بشجرة الزيتون الخضراء مغروسة في باحة بيت الله. الشرير يقتلع كما تقتلع الخيمة وأما المؤمن فهو يغرس ويتشدد وينمو كشجرة خضراء باسقة وارفة الظلال. ذلك لأنه يرجو رحمة الله ويعيش بنعمته. فإن كان الشرير يعتز بما لديه من غنى زائل ومجد باطل فإن المؤمن يعتز بقلبه المملوء بالنعمة والإيمان الحقيقيين.
(٩) إنه سينال هذا الخير ولا شك فإذا ناله لذلك يقدم الحمد والشكر للذي أعطى. إن انتظاره كان في محله لأن الله يفي بما يعد ويفعل بكل ما يقوله. وحينئذ يفرح المؤمن بأن يشترك مع جمهور المؤمنين الذين يتقون اسم الله مثله ويفرحون فرحه ويمكنهم أن يشاركوه هذه الحاسات الشريفة المقدسة. لا شك يفرح قلب المؤمن الحقيقي مثل الشهود الذين يرون مثله ويذيعون آيات الشكر والحمد لما يظهره الله تعالى من آيات فضله وإحسانه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ وَٱلْخَمْسُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ٱلْعُودِ. قَصِيدَةٌ لِدَاوُدَ


«١ قَالَ ٱلْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلٰهٌ. فَسَدُوا وَرَجِسُوا رَجَاسَةً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً. ٢ اَللّٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي ٱلْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ ٱللّٰهِ؟ ٣ كُلُّهُمْ قَدِ ٱرْتَدُّوا مَعاً، فَسَدُوا، لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ».
يظهر هذا المزمور فاصلاً بين المزمورين الثاني والخمسين والرابع والخمسين إن من جهة الموضوع أو المتضمنات أو التعبير ولكن من جهة أخرى نجده ذا علاقة بالمزمور الثاني والخمسين من حيث تنديده بحالة الفساد والانحطاط العامة التي يراها. وهو يشبه المزمور الثامن والثمانين من حيث نظره الأسود للحياة مع أنه يحوي شيئاً من الحواشي اللامعة. وقوله في العنوان «على العود» تأتي الكلمة العبرانية من معنى حلا العربية. أي ذات لحن حلو حنون والأرجح أن الآلة الموسيقية التي تعطي لحناً كهذا هي أشبه شيء بالعود. ويرى البعض علاقة شديدة بين هذا المزمور وبين المزمور الرابع عشر حتى حسبوه أنه ذاته مع بعض تحويرات. ويرون أن الدلالات الداخلية في المزمور تدل على أنه من عصر يهوشافاط أو حزقيا. ولنا من هذا أن كثيراً من المزامير التي نظمت على غرار مزامير داود كتب عليها بلا تردد إنها لداود ولم يحسب الأقدمون أية أهمية لهذا الأمر كما نحسب نحن المتأخرين. ويبقى في هذا المزمور ذكر «المحاصر» والسبي. وإن الله يرد سبي شعبه مما يسمح مجالاً للتفكير أنه يخص الزمان بعد السبي أو على الأقل أن هذه الإضافات والتحويرات على المزمور الرابع عشر قد جرت في ذلك العهد على الأرجح.
(١) يرى الجاهل أن لا إله لأنه يريد أن يعيش بدونه لئلا يحاسبه على هفواته وشروره الكثيرة. ولكن المرنم يرى أن هذا النكران هو سبب الفساد والرجاسة والشرور المنتشرة. ولأن الناس كذلك فقد بعدوا عن الصلاح ولم يستطيعوا أن يعملوه قط لأنه ليس من طبيعتهم ولا برغبتهم.
(٢) إن قول الجاهل شيء والحقيقة شيء آخر والمرنم يرى حالاً أن الإله الحي موجود وهو الذي يراقب أعمال البشر وجميع تصرفاتهم. وهذا الإله يود فقط أن يفحص مرة آخرى هل قد فسد الناس جميعاً. أم هناك بعض الجهلة الذين لا يفهمون.
في هذا المزمور نجد اسم الله مذكوراً سبع مرات. بينما في المزمور الرابع عشر يذكر اسم الله ثلاث مرات وأربع مرات اسم الرب. وهنا دليل آخر أن هذا المزمور لم يكتبه داود على هذه الصورة. لأن كلمة الله في أيامه لم تكن تميزت بدلالتها على «الرب» ولم تأخذ بعد تبلورها في الاستعمال.
(٣) وفي هذا العدد يوجد شيء من التنقيح أيضاً فيذكر «كلهم» أي كل واحد منهم بمفرده بدلاً من الإجمال وعدم مسؤولية الفرد. إذ أنّ كل إنسان يعد مسؤولاً عن نفسه ويصيبه العقاب ليس بجريرة الجماعة ولا من باب «الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون» بل على الشرير أن يصلح ذاته ولا يرتد ولا يفسد لأنه مسؤول أمام الله. ويستعمل كلمة ارتد بدل زاغ. والأولى تفيد معنى أنه كان على صواب ولم يستمر به بينما الزيغان (راجع المزمور ١٤: ٣) هو الحيدان فقط.
«٤ أَلَمْ يَعْلَمْ فَاعِلُو ٱلإِثْمِ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ شَعْبِي كَمَا يَأْكُلُونَ ٱلْخُبْزَ، وَٱللّٰهَ لَمْ يَدْعُوا؟ ٥ هُنَاكَ خَافُوا خَوْفاً وَلَمْ يَكُنْ خَوْفٌ، لأَنَّ ٱللّٰهَ قَدْ بَدَّدَ عِظَامَ مُحَاصِرِكَ. أَخْزَيْتَهُمْ لأَنَّ ٱللّٰهَ قَدْ رَفَضَهُمْ. ٦ لَيْتَ مِنْ صِهْيَوْنَ خَلاَصَ إِسْرَائِيلَ. عِنْدَ رَدِّ ٱللّٰهِ سَبْيَ شَعْبِهِ يَهْتِفُ يَعْقُوبُ وَيَفْرَحُ إِسْرَائِيلُ».
(٤) لا يوجد فرق بين ما ورد هنا وما ورد في المزمور ١٤ سوى كلمة الله بدل الرب. ويوجد قوة في التعبير بقوله «يأكلون شعبي» فإن هذه الاستعارة تفيد الظلم والاغتصاب والغش والاستغلال. وإن مثل هذه المعاملة هي لأنهم لم يضعوا الله أمامهم ولم يمشوا حسب أوامره.
(٥ و٦) في هذين العددين يظهر تحوير بيّن عن المزمور ١٤ فإن الناظم (أو المحرر بعد إضافات للمزمور ١٤) قد طبق ما ورد على حادثة جرت في أيامه. لقد رأى محاصراً لمدينة يهرب بعد أن خاف خوفاً شديداً ولا داعي لمثل هذا الخوف (انظر ١صموئيل ١٤: ١٥) ولكنه خوف الرب وقع عليهم (انظر ٢أخبار ٢٠: ٢٢ - ٢٤ أو إشعياء ٣٧: ٣٢). وفي العدد ٦ يوجد قوة في الأصل العبراني بكلمة «خلاص» أكثر كثيراً مما ورد في ما يقابلها في المزمور الرابع عشر. فهو خلاص كامل متمم ونهائي لا يشوبه أية شائبة البتة ولا يعتروه أي تبدل البتة.


اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ وَٱلْخَمْسُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ذَوَاتِ اَلأَوْتَارِ. قَصِيدَةٌ لِدَاوُدَ عِنْدَمَا أَتَى ٱلزِّيفِيُّونَ وَقَالُوا لِشَاوُلَ: «أَلَيْسَ دَاوُدُ مُخْتَبِئاً عِنْدَنَا؟»


«١ اَللّٰهُمَّ بِٱسْمِكَ خَلِّصْنِي وَبِقُوَّتِكَ ٱحْكُمْ لِي. ٢ ٱسْمَعْ يَا اَللّٰهُ صَلاَتِي. اِصْغَ إِلَى كَلاَمِ فَمِي».
في هذا المزمور نجد ذكراً لاضطهاد شاول لداود وهو أحد المزامير الثمانية التي تتناول هذا الموضوع. وهذا المزمور موضوع ليرتل على ذوات الأوتار ويذكر حادثة كانت السبب لكتابته حينما وشى الزيفيون به وتآمروا ضده فكان المجال أمام الناظم رحباً لكي يرى عناية الله ويسمع صوته في وسط هذه الظروف القاسية. ولولا اشتغال شاول بغزوة الفلسطينيين لبلاده لما كان قد نجا داود من يده قط (راجع ١صموئيل ٢٣: ١٩ وما يليه).
تنقسم هذه الأنشودة إلى قسمين وفي آخر كل قسم نجد كلمة سلاه كخاتمة للفكرة الروحية الواردة هناك.
(١) بقوله «باسمك» أي بقدرتك ولا يخفى ما كان للاسم من أهمية للإنسان القديم فقد سمت راحيل ولدها البكر يوسف أي يزيد الله عليها البنين كذلك فإن إبراهيم وبقية البطاركة الأولين قد سموا أمكنة عديدة على نسبة حوادث جرت معهم وكانت لها علاقة وطيدة بحياتهم وذات تأثير عليها. وحينما أرسل الله موسى لتنجية شعبه طلب الكليم من الرب ما اسمك؟ لأن موسى شعر أنه يستعين باسم الله حينما يعرف الشعب أنه مرسل لخلاصهم من قبله. وحتى اليوم نجد خرافة عربية أنه إذا قصد أحدهم الضرر بآخر يكتب اسمه على ورقة وما أشبه ويرميها بالنار ويعتقدون أن صاحب الاسم لا شك يتأثر من ذلك.
يلتمس المرنم أن ينال عوناً باسم الله وإن قدرته تعالى تبقى بجانبه لكي تكون من حزبه وعلى أعدائه فيستطيع عندئذ أن يتغلب عليهم ولا ينالون مأرباً منه.
(٢) يلتمس بإلحاح أن يصغي الله إليه ويسمعه. إن الله يسمعنا ولكن هل نؤمن بذلك حقيقة؟ وهل نتيقن أنه حاضر معنا في كل حين؟ يشعر قارئ هذه الآية أن الناظم داود كان في مرارة نفس وهو يستنجد بإلحاح ويكاد يرى كل السبل قد سدت في وجهه. بل يكاد يتحقق أن الله قد نسيه بتاتاً وإن عدوه يحاول أن يصل إليه ويفتك به وينتهي الأمر. وهو هنا يصلي ملتمساً أن يعينه الله بعد ويسمع صلاته ويصغي إلى كل أقواله ويكون هو وحده ديّانه وعاضده ومسدد سبيله إلى تمام الخلاص والخير.
«٣ لأَنَّ غُرَبَاءَ قَدْ قَامُوا عَلَيَّ وَعُتَاةً طَلَبُوا نَفْسِي. لَمْ يَجْعَلُوا ٱللّٰهَ أَمَامَهُمْ. سِلاَهْ. ٤ هُوَذَا ٱللّٰهُ مُعِينٌ لِي. ٱلرَّبُّ بَيْنَ عَاضِدِي نَفْسِي. ٥ يَرْجِعُ ٱلشَّرُّ عَلَى أَعْدَائِي. بِحَقِّكَ أَفْنِهِمْ. ٦ أَذْبَحُ لَكَ مُنْتَدِباً. أَحْمَدُ ٱسْمَكَ يَا رَبُّ لأَنَّهُ صَالِحٌ. ٧ لأَنَّهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ نَجَّانِي، وَبِأَعْدَائِي رَأَتْ عَيْنِي».
(٣) مع أن الزيفيين كانوا من اليهودية مع ذلك يذكرهم كأنهم غرباء لا يمتون لداود بأية صلة. لأنهم أرادوا قتله وساعدوا عدوه عليه. وكلمة الغرباء (العبرانية) تدل على أعداء أجانب من خارج البلاد (راجع إشعياء ٢٥: ٢ وما يليه وأيضاً ٢٩: ٥ كذلك حزقيال ٣١: ١٢). وقد يكون قوله غرباء من باب وصفه لهم أنهم لا علاقة تربطهم به لذلك هم عتاة ظالمون أيضاً لأنهم تعهدوا أن يساعدوا بإلقاء القبض عليه وتسليمه لعدوه اللدود الذي أراد الاقتصاص منه وقتله. وهم لم يجعلوا الله أمامهم أي في نيتهم هذه كانوا تابعين لمشيئة الشيطان لا مشيئة الله. قد يكون للزيفيين عذرهم أنهم يفعلون ذلك لأنهم خاضعون لشاول أو اتهموا أنهم يساعدون عدوه لكي يرموا المسؤولية عنهم حاولوا المساعدة على هذه الصورة.
(٤) في هذا العدد يبدأ القسم الثاني من المزمور ونجد الناظم متأكداً أن الله قد سمعه وأصغى إليه ويفرح بالمساعدة التي ينالها والعون والعضد اللذين يسندان نفسه في مثل هذا الضيق العظيم. وبقوله «الرب بين عاضدي نفسي» لا يقصد بذلك أنه تعالى أحد العاضدين بل أن العضد الكامل هو منه وحده.
(٥) ويطلب أن يجازي الأشرار على نسبة مقاصدهم الشريرة ليس إلا. وقوله «بحقك أفنهم» فيقصد أن يبين أن حق الله يردع الناس ويوقفهم عند حدهم. والأرجح أنه قصد أن يفني شرهم وعداوتهم بالأحرى.
(٦) وهو يذبح لله ذبيحة عن طيب خاطر أي منتدباً نفسه بنفسه فهو لا يجبر على ذلك ولا يقاد إليه أو يرشد بل يرى أن الضرورة موضوعة عليه أن يرفع الحمد والثناء لمن أعانه في الضيق وهداه في وسط المخاطر ونجاه من هؤلاء الأعداء الألداء الذين أرادوا أذيته وسعوا في سبيلها بكل ما في إمكانهم. وحق لله على المرنم أن ينال هذا الإكرام لأنه صالح كريم قدوس يلتفت للداعين إليه وينجيهم.
(٧) وهكذا يتحقق المرنم أنه ينجو وينال الخلاص. وأما قوله «وبأعدائي رأت عيني» أي ترى عيني قصاصهم الأكيد. وفي الأصل العبراني قد تكون الترجمة «عيني رائية خيبتهم». فقد قصدوا شراً ولكن قد حوله الله إلى خير. ولم يخب المرنم بل خابوا هم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ وَٱلْخَمْسُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ذَوَاتِ اَلأَوْتَارِ. قَصِيدَةٌ لِدَاوُدَ


«١ اِصْغَ يَا اَللّٰهُ إِلَى صَلاَتِي وَلاَ تَتَغَاضَ عَنْ تَضَرُّعِي. ٢ ٱسْتَمِعْ لِي وَٱسْتَجِبْ لِي. أَتَحَيَّرُ فِي كُرْبَتِي وَأَضْطَرِبُ ٣ مِنْ صَوْتِ ٱلْعَدُوِّ، مِنْ قِبَلِ ظُلْمِ ٱلشِّرِّيرِ. لأَنَّهُمْ يُحِيلُونَ عَلَيَّ إِثْماً، وَبِغَضَبٍ يَضْطَهِدُونَنِي».
يحوي هذا المزمور العنوان نفسه الذي يحويه المزمور سابقه (أي لإمام المغنين على ذوات الأوتار الخ). في هذا المزمور شكوى مرة من رجل ادعى الصداقة ثم خان عهودها ونكث وعودها فهو إذاً اسخريوطي العهد القديم. وعلينا أن نراجع تاريخ داود - إذا حسبنا أن هذا المزمور يخصه - لكي نرى على من ينطبق هذا الوصف. وقد نصل أخيراً إلى أخيتوفل الذي كان اليد اليمنى لأبشالوم في ثورته ضد أبيه. ويرجح أن هذا المزمور مع الحادي والأربعين يخصان ذلك الزمان الذي جرت فيه الصورة ومدتها أربع سنوات. ويعجب الإنسان كيف سمح داود لابنه أن تستفحل ثورته على هذه الصورة ولم ينهض لمناوئيها بسوى الصلاة والابتهال إلى الله (راجع مزمور ٤١).
يذهب هتزج للقول بأن هذا المزمور هو لإرمياء ويبني رأيه على ما ورد في (إرميا ٩: ١) وعلى مقدار العذاب والاضطهاد الذي احتمله ذلك النبي مما ينطبق على سيرة حياته أكثر ما على حياة داود. وعلى كل فنحن نتخذ الرأي السابق كما هو العنوان المتوج به هذا المزمور وهو قوله «قصيدة لداود».
(١) يرى المطالع بين السطور حزناً شديداً وكآبة عميقة فإن داود يبسط شكواه أمام الله بالتضرع والابتهال ويتمنى لنفسه البعد عن الناس لكي يتخلص من التفكر بأولئك الأشرار الذين عملوا على الثورة ونقض ملكه. يطلب أولاً إصغاء الله إليه ويترجى أن لا يتغاضى عنه. والأصل العبراني يستعمل كلمة قريبة للقول «ولا تشح بوجهك عني». إذاً هو يلتمس أن يسمع الله صوته وأن يرى حالته ويرثي لها وهو أشبه بطفل ضعيف يلتمس معونة كبير قوي.
(٢) ولا يكتفي بأن يعرض حالته بل يلتمس أن يسمع الله صوته ويستجيب إذ أن الصلاة تتناول هذين العاملين فهي تقرب من الإنسان وتنازل من الله. وقوله أتحير وأضطرب يصوّر حالته السيئة كيف أنه يهرب ويركض إلى هنا وهناك ولا يستقر على حال. وهو كذلك لأنه مشكك في كل شيء لا يستطيع أن يسلم ذاته لأي إنسان ولا يتكل على أحد. وهو مضطرب لأن لا رأي له في هذه الحالة فهو ضائع تائه وتكاد تنسد في وجهه السبل ولا يدري كيف يذهب. وهكذا فهو بصلاته يصرخ متألماً مستجيراً طالباً الرحمة والرضا بعد.
(٣) في هذا العدد يقدم السبب لماذا هو في هذه الأحزان وما عذره في حالته المضطربة. فهو مطرود من قبل عدو قوي ظالم. إنهم يضعون في طريقه العراقيل والأحابيل وينفثون غضباً في وجهه ويتهمونه بالإثم ويلبسونه إياه جلباباً. إن الخوف والاضطراب يملآن قلبه وداخله لذلك لا يدري ماذا يفعل. إن هؤلاء الأعداء جسورون وقحون واضطهادهم له بشدة وغضب.
«٤ يَمْخَضُ قَلْبِي فِي دَاخِلِي، وَأَهْوَالُ ٱلْمَوْتِ سَقَطَتْ عَلَيَّ ٥ خَوْفٌ وَرَعْدَةٌ أَتَيَا عَلَيَّ، وَغَشِيَنِي رُعْبٌ. ٦ فَقُلْتُ: لَيْتَ لِي جَنَاحاً كَٱلْحَمَامَةِ فَأَطِيرَ وَأَسْتَرِيحَ! ٧ هَئَنَذَا كُنْتُ أَبْعُدُ هَارِباً وَأَبِيتُ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ. سِلاَهْ. ٨ كُنْتُ أُسْرِعُ فِي نَجَاتِي مِنَ ٱلرِّيحِ ٱلْعَاصِفَةِ وَمِنَ ٱلنَّوْءِ».
(٤) إن قلبه يشعر بالألم كألم المخاض للوالدة ذلك لأن شعوره هو شعور الإنسان الذي يقترب للموت وهو يعرف ذلك وهنا منتهى الرعب. نعم يقال أن في آخر دقائق الحياة يصبح الإنسان المقترب للموت فاقد الحس والشعور لذلك يموت وهو في سلام غير دار بحالته ولكن الهول الأعظم والرعب الأشد هو في تلك الدقائق التي تسبق هذه الحالة حينما يعرف الإنسان أنه يقترب للموت ولا يستطيع أن يرده لا سيما إذا كان ذلك الإنسان في حالة نفسية مرة وشديدة كالتي نجد داود فيها.
(٥) إن هذه المترادفات «خوف ورعدة ورعب» هي أشبه بدرجات سلم وصل فيها المرنم إلى أعظم الآلام. فالخوف هو ذلك الشعور الذي يجعلنا غير مطمئنين وأما الرعدة فهو خوف أشد حينما نرتجف مما نحن فيه ولا نستطيع أن نضبط أنفسنا تجاه خوف كهذا وأما الرعب فهو حالة الاضطراب الدائم والهول الشديد. وقوله غشيني أي التف عليه من كل جانب حتى لم يعد له محيص ولا مناص.
(٦) وهنا يبدأ بالتمني وإن يكن شيئاً بعيداً عنه لا يستطيع أن يترجاه كثيراً فيطلب جناجين ليطير ويتخلص مما هو فيه من ألم وشقاء. ذلك لأن شعوره هو شعور الضيق الشديد وليس له انفراج بسوى الطيران والبعد عن هؤلاء الأعداء الألداء. يريد أن يستريح والكلمة العبرانية تفيد معنى السكون والاطمئنان (راجع ٢صموئيل ٧: ١٠ وأيضاً حزقيال ٣١: ١٣). قال أحدهم إن الحمامة حينما تطير هاربة تنشر جناحاً واحداً فقط.
(٧) ويتابع كلامه بأنه يريد أن يهرب بعيداً عن الناس وأغلبهم أشرار فاسدون يضمرون الكيد والعداوة. يريد أن يستعجل قبل أن يلحقه أحد من طالبي نفسه (انظر إشعياء ٥: ١٩ و٦٠: ١٢) فهو يسعى ليجد لنفسه مكان أمان ولو كان في قلب البرية على حد قول الشاعر العربي:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوّت إنسان فكدت أطير



لأنه يرى في الناس أعداءه الألداء الذين لم يستطيعوا أن يخلصوا له ولا أن يخلص إليهم. لذلك رأى أن البعد عنهم أولى فيهرب ناجياً بنفسه مما ألم به من ضيق وآلام.
(٨) وهنا لأنه حسب نفسه طائراً مبتعداً عن العمران فإن أهم ما يخافه الطائر هو الريح العاصفة والأنواء الجوية التي تطرد هذه الطيور لكي تختبئ في شقوق الصخور وتأمن في مآويها البعيدة. وهو يريد أن يفعل ذلك بدون ضجة أو ما يثير الشبهات حوله فهو يطير بعيداً هارباً من العمران وملتجئاً إلى الطبيعة وما تحويه من مخابئ هي مراكز الأمن والسلام لمن كان في حالة مضطربة كحالته.
«٩ أَهْلِكْ يَا رَبُّ، فَرِّقْ أَلْسِنَتَهُمْ، لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ ظُلْماً وَخِصَاماً فِي ٱلْمَدِينَةِ. ١٠ نَهَاراً وَلَيْلاً يُحِيطُونَ بِهَا عَلَى أَسْوَارِهَا، وَإِثْمٌ وَمَشَقَّةٌ فِي وَسَطِهَا. ١١ مَفَاسِدُ فِي وَسَطِهَا، وَلاَ يَبْرَحُ مِنْ سَاحَتِهَا ظُلْمٌ وَغِشٌّ. ١٢ لأَنَّهُ لَيْسَ عَدُوٌّ يُعَيِّرُنِي فَأَحْتَمِلَ. لَيْسَ مُبْغِضِي تَعَظَّمَ عَلَيَّ فَأَخْتَبِئَ مِنْهُ. ١٣ بَلْ أَنْتَ إِنْسَانٌ عَدِيلِي، إِلْفِي وَصَدِيقِي».
(٩) هنا مقابلة لطيفة جميلة بين البرية والمدينة فبعد أن قال أنه يتمنى جناح حمامة يطير بها للبرية البعيدة الآمنة المطمئنة إذا به يقابلها مع ما في المدينة من ظلم وخصام وعداوة وبغضاء. فكما أن البرية هي ملجأه الوحيد الآن فإن المدينة هي الداعي الأول لهربه وبعده عن مواطن العمران. ذلك لما في المدينة من دواعي العداء والخصام حتى أن صديقه الحميم الذي اعتمد عليه في الشدائد إذا به يتركه. وليس من باب الصدف أن يهوذا الاسخريوطي مثلاً كان من سكان المدينة أورشليم وهو الذي خان سيده وباعه بثلاثين من الفضة كما هو معروف. وقوله فرّق ألسنتهم إشارة لما حدث في برج بابل لأن التعارف باللغة هو أهم تعارف (راجع تكوين ١١: ١ - ٩).
(١٠) يظهر أن الذين كانوا يحيطون بها على الأسوار هم الجواسيس الذين كان يرسلهم أبشالوم لتقصي الأخبار والاطلاع على الحالة عن كثب. في القصة الواردة (٢صموئيل ص ١٥) نجد أن داود لم يهتم بالأمر أولاً ولم يحتط له كما يجب حتى اضطر أخيراً أن يترك قصره ويهرب مع الهاربين. والإثم والمشقة في وسط المدينة أي أصبحت في غليان وعدم استقرار لأن دلائل التمرد والعصيان أصبحت في كل مكان. ويظهر أن هذا جرى كله سراً ولم ينهض الشعب للمناوئة إلا بعد أن كان أبشالوم قد استعد لكل الطوارئ.
(١١) ولكن هذه المدينة أصبحت الآن مملوءة بالمفاسد والظلم والغش في أهم ساحاتها حيثما يجب أن تمتلئ بجمهور الباعة والذاهبين والقادمين. إذاً فهي ليست مكان الأمان والسلام بل بالعكس يجب أن يهرب منها كل إنسان.
(١٢) والشيء الذي يحزن المرنم أكثر الكل هو أنه لم يكن منتظراً ما هو فيه فقد تحوّل الصاحب إلى عدو وانقلب الرفيق إلى مناوئ شرير. والعبارة تفيد العتاب الشديد فكإنما يقول كيف تتحول عني أيها الصديق وكيف تخون العهود على هذه الصورة. لا شك أن أشد الأعداء مضاء وقوة هم الذين يتظاهرون بالمودة ويكتمون البغضاء ولذلك فلا يكون الإنسان مستعداً لمواجهتهم في شرورهم هذه فيضربون على حين غفلة وتكون الضربة أليمة وقاضية في كثير الأحيان.
(١٣) إن الناظم هنا يضع هذا العدو بمرتبة نفسه فلا يذكره بعلاقته معه كعلاقة ملك مع أحد عبيده بل علاقة صديق مؤتمن على أثمن شيء في الدنيا وهي المحبة الأخوية. لذلك يذكره أنه عديل وأليف وصديق لعله يرجع إلى رشده ولا يخون صديقه على هذه الصورة.
«١٤ ٱلَّذِي مَعَهُ كَانَتْ تَحْلُو لَنَا ٱلْعِشْرَةُ. إِلَى بَيْتِ ٱللّٰهِ كُنَّا نَذْهَبُ فِي ٱلْجُمْهُورِ. ١٥ لِيَبْغَتْهُمُ ٱلْمَوْتُ. لِيَنْحَدِرُوا إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ أَحْيَاءً، لأَنَّ فِي مَسَاكِنِهِمْ، فِي وَسَطِهِمْ شُرُوراً. ١٦ أَمَّا أَنَا فَإِلَى ٱللّٰهِ أَصْرُخُ وَٱلرَّبُّ يُخَلِّصُنِي. ١٧ مَسَاءً وَصَبَاحاً وَظُهْراً أَشْكُو وَأَنُوحُ فَيَسْمَعُ صَوْتِي. ١٨ فَدَى بِسَلاَمٍ نَفْسِي مِنْ قِتَالٍ عَلَيَّ، لأَنَّهُمْ بِكَثْرَةٍ كَانُوا حَوْلِي».
(١٤) يتابع المرنم وصفه لهذا الصديق الذي خان العهود ونسي ما يتوجب عليه نحو صديقه فكان منه ما كان. فهو صديق حلو الحديث لذيذ العشرة وإن كان من باب:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب



ويظهر أنه علاوة على ذلك كان من المتظاهرين في الدين المتممين المراسيم والفروض لا سيما أوقات المواسم والأعياد فهو أول المتظاهرين الذين يحكم عليهم الإنسان حالاً إنهم من أهل التقى والفضيلة والصلاح. وهو من الذين استخلصهم وأعطاهم سره وكشف لهم خبايا القلب والضمير على نسبة ذلك كانت حياته أعظم.
(١٥) وهنا يصرخ المرنم باللعنات الشديدة على صديق كهذا (أو أصدقاء في الجمع ربما) فهو يطلب لهم أولاً أن يقعوا في إشراك الموت بغتة وعلى غير يقظة منهم وهكذا وهم أحياء تفغر الأرض فاها وتبتلعهم كما حدث لقورح ورفاقه. والصورة مرعبة للغاية لأن المرنم يتمنى لهم موتاً فظيعاً على نسبة فظاعة شرورهم لأنه يتبع كلامه بقوله إنهم يستحقون هذا الويل القادم عليهم لأنهم أشرار.
(١٦) في هذه العبارة يوجد ذكر لله وللرب وهنا إشارة هامة. فإن المرنم يذكر المبدع الخالق العظيم لهذه الكائنات جميعها ثم للرب يهوه إله شعبه الخاص الذي سار معهم وخلصهم ولا يزال يفعل هكذا إلى الأبد. وهو يلتجئ إلى هذا الإله العظيم لكي ينجيه من هذه الحالة والورطة الصعبة التي هو فيها. إن أولئك الأشرار يستعملون شرهم لنيل مآربهم الشخصية ويتكلون على ما لديهم من حيل ومكايد حتى يتوصلوا للأذى الذي ينوونه أما متقو الرب فلا سلاح لهم سوى التضرع والرجوع إلى الله لطلب السند والخلاص.
(١٧) هنا ينتقل إلى القسم الثالث والأخير من هذا المزمور. فهو واثق من حسن النتيجة فهو يصلي شاكياً أمره لله صباحاً ومساءً ولا يتوانى عن ذلك قط. هو بحاجة أن يرفع شكواه لمن يسمع الشكوى ويستجيب. ففي قرارة نفسه الهادئة وفي إيمانه الوطيد بالله هو لا يعدم وسيلة يتوسل بها لكي يتصل بمصدر القوة والعون. الله يسمع صوته لذلك فإن حالته مملوءة بالنور والرجاء ولا حاجة أن يتراجع قط إلى الوراء.
(١٨) هذا الإله القدير المحب قد دفع فدية عن نفس المرنم لذلك فهو الآن بأمنٍ وسلام. فهذا المزمور يتكلم عن أمور ماضية وعن اختبارات مرة ولكنها كانت ذات دروس عالية عميقة الأثر. وهو يعترف أنه لم يكن له قبل على أعدائه الكثيرين المحيطين به القاصدين ضرره ولولا معونة الله لم يكن له أدنى خلاص.
«١٩ يَسْمَعُ ٱللّٰهُ فَيُذِلُّهُمْ وَٱلْجَالِسُ مُنْذُ ٱلْقِدَمِ. سِلاَهْ. ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ تَغَيُّرٌ وَلاَ يَخَافُونَ ٱللّٰهَ. ٢٠ أَلْقَى يَدَيْهِ عَلَى مُسَالِمِيهِ. نَقَضَ عَهْدَهُ. ٢١ أَنْعَمُ مِنَ ٱلزُّبْدَةِ فَمُهُ وَقَلْبُهُ قِتَالٌ. أَلْيَنُ مِنَ ٱلزَّيْتِ كَلِمَاتُهُ وَهِيَ سُيُوفٌ مَسْلُولَةٌ. ٢٢ أَلْقِ عَلَى ٱلرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ. لاَ يَدَعُ ٱلصِّدِّيقَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٢٣ وَأَنْتَ يَا اَللّٰهُ تُحَدِّرُهُمْ إِلَى جُبِّ ٱلْهَلاَكِ. رِجَالُ ٱلدِّمَاءِ وَٱلْغِشِّ لاَ يَنْصُفُونَ أَيَّامَهُمْ. أَمَّا أَنَا فَأَتَّكِلُ عَلَيْكَ».
(١٩) يسمع الله ضجيج الأعداء ويكون إصغاؤه لهم بصورة النفي فهو بدلاً من أن يعينهم يرفضهم ويذلهم. ذلك لأنه ليس معهم بل عليهم. أما قوله «الجالس منذ القدم» أي هو الجالس منذ القدم. ليدين الناس ويحكم عليهم أو تكون القراءة الأصلية «فيذلهم الجالس منذ القدم». هو الله الجالس على العرش كما في (مزمور ٧٤: ١٢ وحبقوق ١: ١٢ وقابل ذلك مع تثنية ٣٣: ٢٧) فهو منذ البدء جالس على عرش العالمين ملكاً ودياناً عادلاً ولذلك فهو أيضاً يحكم ويدين في الحاضر كما في الماضي والمستقبل وقوله واصفاً الأشرار إنهم لا يتغيرون عن شرهم أي قساة القلب متحجرو الضمير ولذلك فهم في أبعد مراحل الكفر والإلحاد.
(٢٠) يعود المرنم إلى وصف هذا العدو الشرير ولا يستطيع أن يغفر له خيانته فهو قد قابل المسالم بالقتال ونقض العهد ونسي الصداقة الأولى. فبعد أن ذكر جمهور الأعداء الذين قاموا ضده فهم جميعاً لا يقاسون بشيء بالنسبة لهذا الخائن اليوم الصديق بالأمس.
(٢١) وهنا يصفه بالنعومة فهو كالزبدة لا يظهر فيه شيء من الخشونة أو القسوة بل يتظاهر بكل ما توجبه الصداقة ولكن شتان بين هذا وما يضمره من نية سيئة وقصد رديء. وكلماته لينة فهو يجاريك على كل ما تقول ولا يعصى لك أمراً وإنما حقيقة حاله إن كل كلمة منه هي سيف مسلول. لذلك فهو عنوان الخبث والرياء فإن كلماته التي كان يجب أن تكون غذاء النفس وتسلية الروح إنما في الحقيقة هي سبب الآلام والجروح.
(٢٢) حينما يقارب ختام المزمور يرى المرنم أن ينهيه بهذه النصيحة الغالية ولا شك هو بذلك يخاطب نفسه أولاً ويقول لها أن تلقى همومها على الله. إن الهم هو حمل ثقيل إن لم يكن أثقل الأحمال ولا يستطيع الإنسان أن يحمله وحده لذلك فعلى المؤمن أن يدعو الله للعون والمساعدة. والسبب هو أنه لا يريد الصديق أن يكون ريشة في مهب الريح متقلقلاً متزعزعاً.
(٢٣) وهنا يتراجع للانتقام ويطلب من الله أن يجازي هؤلاء الأشرار وينزلهم إلى دركات الهلاك والدمار. وهؤلاء لا يعيشون نصف أيامهم لأنهم يقصفون في شرخ العمر ولا يصلون للشيخوخة. ذلك لأنه قد سفكوا دماء أبرياء كثيرين والعدل يطولهم عاجلاً أو آجلاً. ولكن المرنم يتكل على الرب إلهه الذي لم ينسه في الماضي ولا يمكن أن ينساه الآن.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ وَٱلْخَمْسُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى «ٱلْحَمَامَةِ ٱلْبَكْمَاءِ بَيْنَ ٱلْغُرَبَاءِ». مُذَهَّبَةٌ لِدَاوُدَ عِنْدَمَا أَخَذَهُ ٱلْفِلِسْطِينِيُّونَ فِي جَتَّ.


«١ اِرْحَمْنِي يَا اَللّٰهُ لأَنَّ ٱلإِنْسَانَ يَتَهَمَّمُنِي، وَٱلْيَوْمَ كُلَّهُ مُحَارِباً يُضَايِقُنِي. ٢ تَهَمَّمَنِي أَعْدَائِي ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ، لأَنَّ كَثِيرِينَ يُقَاوِمُونَنِي بِكِبْرِيَاءٍ. ٣ فِي يَوْمِ خَوْفِي أَنَا عَلَيْكَ أَتَّكِلُ».
لقد اختلف علماء التفسير فيما يقصد بهذا العنوان تماماً. قال هتزج «هي حمامة الشعب في الأمكنة البعيدة». وقال السهوسن «حمامة أشجار التربنت البعيدة». ويظهر أن اللحن كان على آلة تعطي صوتاً حنوناً لكي تشابه الحالة المحزنة التي كان المرنم فيها. وذكر المرنم أنه يود أن يضع دموعه في زق الله لكي تحفظ تذكاراً لآلامه عندئذ كما حفظت جرة المن وغيرها من آثار التيه البرية.
يرجح أن هذا المزمور قد كتب في أيام شاول فإن كتابة العنوان «عندما أخذه الفلسطينيون في جت» ترجع للحادثة المذكورة في (١صموئيل ٢١: ١٤) وهو أحد المزامير المذهبات من المزمور (٥٦ - ٦٠). ومما هو حري بالذكر أن داود لم يكن يبطل الترنم بمزاميره إذا جابهته العقبات واشتدت عليه الصعاب بل كان يستمر على حمد الله وشكره. كان في خطر مداهم حينما كتب هذا المزمور ومع ذلك نجد تأملاته لطيفة وأفكاره سامية وكريمة.
(١) هنا صورة واضحة عن إنسان طريد من أعدائه الذين يحاولون أن يحاربوه ويتغلبوا عليه بكل وسيلة ممكنة. فهم يتهمّمونه أي يطلبونه من مكان لآخر بكل ملاحقة وإلحاح. وهنا أيضاً يضع الإنسان بجانب والله بجانب آخر وشتان بين الاثنين ومع ذلك فإن هذا الإنسان يظهر العتو والكبرياء ضد الله رغماً عن صغره وحقارته مع ذلك يتصرف بصلف ويضايق بحربه هذه المرنم حتى يستجير بإلهه.
(٢) ولكن ما أقل جدوى ما يفعلون فإن مؤامرتهم ضد الله لا تنفعهم شيئاً ولو تظاهروا كأنهم جبابرة فما هم بالحقيقة سوى صعاليك. والسبب الجوهري في ثقته هذه هو أنه يتكل على الله (راجع إرميا ١: ١٩ وأيضاً يشوع ٩: ٢٧ وأيضاً أمثال ٣: ٥) ومتى اعتصم بالله واتكل عليه فلا شيء من قوات الدنيا تستطيع أن تناله بسوء. ذلك لأن له المواعيد الإلهية الكريمة وبواسطة هذا الإيمان يرتمي المرنم في أحضان الله وقد يكون هنا إشارة توبيخ ذاتي أنه من قبل بسبب حماقته وتسرعه قد ارتمى في أحضان الفلسطينيين لكي ينجو من عدوه شاول وأما الآن فيعود إلى الصواب ويرى أن هؤلاء الأعداء المتكبرين لا يستطيعون شيئاً في جنب الله العلي الجبار.
(٣) ويحقق رجوعه للصواب في هذا العدد «في يوم خوفي أنا عليك أتكل». لا شيء يسر الله مثل رجوع الخاطئ إليه وقد أبان لنا السيد المسيح هذا الأمر الجليل في مثل الابن الضال. فقد صور لنا الله الآب ينتظر رجوع ابنه الخاطئ الضال بين وقت وآخر لأنه لم يقطع منه الرجاء. ولا شك سوف يأتي يوم يعود فيه الإنسان إلى نفسه فإذا كان حكيماً فعل ذلك وهو لا يزال في قيد الحياة في هذه الدنيا وليس في الحياة الآخرة لئلا يكون له البكاء وصرير الأسنان.
«٤ اَللّٰهُ أَفْتَخِرُ بِكَلاَمِهِ. عَلَى ٱللّٰهِ تَوَكَّلْتُ فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُهُ بِي ٱلْبَشَرُ! ٥ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ يُحَرِّفُونَ كَلاَمِي. عَلَيَّ كُلُّ أَفْكَارِهِمْ بِٱلشَّرِّ. ٦ يَجْتَمِعُونَ يَخْتَفُونَ يُلاَحِظُونَ خُطُوَاتِي عِنْدَمَا تَرَصَّدُوا نَفْسِي. ٧ عَلَى إِثْمِهِمْ جَازِهِمْ. بِغَضَبٍ أَخْضِعِ ٱلشُّعُوبَ يَا اَللّٰهُ. ٨ تَيَهَانِي رَاقَبْتَ. ٱجْعَلْ أَنْتَ دُمُوعِي فِي زِقِّكَ. أَمَا هِيَ فِي سِفْرِكَ؟».
(٤) ويمكن وضع الترجمة حسب النص العبراني هكذا:
بالله أسبح كلامه. أي أسبح بكلام الله.
وفي الترجمة اليسوعية نجد «احمد الله على كلامه. على الله توكلت...». وأعتقد أن في هذا توسعاً في المعنى غير موجود تماماً حسب النص. وبدلاً من قولنا «على الله توكلت» الأفضل أن نقول «بالله استندت فلا...» لأن تكرار حرف الجر الواحد يؤكد المعنى ويعطيه جمالاً أكثر. ثم قوله شيئاً فهو للاستفهام الإنكاري. وهنا تثبيت لعدم خوفه لأنه لا داعي لذلك قط طالما الله سنده.
(٥) وهنا إشارة إلى أمرين يستخدمهما هؤلاء الأعداء للنيل منه والإضرار به وهما أولاً تحريف كلامه أي تفسيره أو تغييره بما لا ينطبق على الواقع. وثانياً أنهم يفكرون بالشر ضده وهكذا فهو في فكرهم على الدوام يفعلون الضرر عن سابق تصور وتصميم. ولا نستخف قط بأهمية تحريف الكلام والتلاعب به وتفسيره بما هو ليس من مقاصد قائله وهنا منتهى الكذب والرياء لأنه كم من شرور تنجم وكم من ويلات تحدث من جراء ذلك.
(٦) يجتمع هؤلاء الأعداء للكيد له ثم يختفون متوارين إذ لا يستطيعون الظهور وهم يضعون خططهم الأثيمة. ولكنهم وإن كانوا لا يظهرون علناً فهم مع ذلك ينتبهون لكل شيء حولهم ولا يفوتهم كبيرة أو صغيرة. وهنا صورة مأخوذة من الغاب كيف أن الوحوش الضواري يكمنون مختفين لكي يصطادوا فريستهم وحينما يتظاهرون بأقل انتباه يكونون على أشده عندئذ.
(٧) يضع ديليتش القسم الأول من هذه العبارة بصورة الاستفهام فيقول هل بأفعالهم الرديئة هذه ينجون؟ وحينئذ تختلف الترجمة عما هي واردة معنا الآن. ويمكن الترجمة حينئذ أبالاثم ينجون؟ إنما هوبفيلد يرى بدلاً من كلمة ينجو العبرانية كلمة أخرى تعني الجزاء ويكون حينئذ مجال لتصحيح النص نفسه. ولكن في الحالة الأولى تكون العبارة:
أبالإثم ينجون؟ ألا بغضب أخضع الشعوب يا الله.
(٨) بينما أولئك الأعداء يراقبونه للفتك به إذا الله يراقبه ليحرسه ويحميه. وحينئذ هذه الدموع التي يذرفها تحفظ وديعة مع الله لتذكار آلامه وأحزانه. يعتبر بواسطتها مخاطره ومخاوفه. بل هي مكتوبة في سفر لا تصل إليه الأيدي البشرية ولا يتغير ولا يزول.
«٩ حِينَئِذٍ تَرْتَدُّ أَعْدَائِي إِلَى ٱلْوَرَاءِ فِي يَوْمٍ أَدْعُوكَ فِيهِ. هٰذَا قَدْ عَلِمْتُهُ لأَنَّ ٱللّٰهَ لِي. ١٠ اَللّٰهُ أَفْتَخِرُ بِكَلاَمِهِ. ٱلرَّبُّ أَفْتَخِرُ بِكَلاَمِهِ. ١١ عَلَى ٱللّٰهِ تَوَكَّلْتُ فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُهُ بِي ٱلإِنْسَانُ؟ ١٢ اَللّٰهُمَّ عَلَيَّ نُذُورُكَ. أُوفِي ذَبَائِحَ شُكْرٍ لَكَ. ١٣ لأَنَّكَ نَجَّيْتَ نَفْسِي مِنَ ٱلْمَوْتِ. نَعَمْ، وَرِجْلَيَّ مِنَ ٱلزَّلَقِ، لِكَيْ أَسِيرَ قُدَّامَ ٱللّٰهِ فِي نُورِ ٱلأَحْيَاءِ».
(٩) بهذا العدد يرى الانتصار يلوح أمامه. فإن الأعداء لا يستطيعون أن يثبتوا في وجهه بل يرجعون للوراء ويندحرون. ذلك لأن اسم الله قد أظهر صولته وجبروته. وقوله حينئذ أي نتيجة عما تقدم وبناء عليه فإن حالته غير مستقرة إذ هو هارب من مكان لآخر لا يدري أين هو وطنه الحقيقي فإن الملك يطلب نفسه فيترك بلاده هارباً ويلتجئ للأعداء وإذا به يجدهم متغيرين عليه يريدون الإيقاع به والنيل منه في أول فرصة ممكنة. ولكن في وسط هذه المخاطر الشديدة إذا بجميع أعدائه يرتدون إلى الوراء ويندحرون.
(١٠) وهنا أيضاً تصبح الترجمة كما ورد في العدد (٤) هكذا:
بالله أسبح كلاماً بالرب أسبح كلاماً
(١١) وكذلك في هذا العدد تكون الترجمة:
بالله استندت فلا أخاف. ماذا يصنع بنو آدم لي؟
والحق يقال إن هذين العددين هما ليسا سوى تكرار العدد الرابع كما مر معنا سابقاً بشيء من الزيادة ليس إلا. لقد علم المرنم متأكداً أن الله له لذلك فهو لله أيضاً وهكذا لا يخاف البشر ولا يهابهم مهما هاجمته المصائب. ونلاحظ أن هذا التكرار هو من قبيل القرار في المزمور وكما كانت العادة عند العبران أنهم لم يكرروا الكلام ذاته بل بشيء قليل من التغيير منعاً للملل.
(١٢) يعد الله الآن مواعيد ويعطي نذوراً سلفاً لأمور سوف تحدث له بلا شك. بل يذهب إلى أكثر من ذلك فهو يعد بأن يقدم ذبائح شكر على نجاته وسلامته وهنا منتهى مظاهر الإيمان. والكلام أشد جداً مما قاله يعقوب في طريقه إلى خاله لابان معاهداً الله (راجع تكوين ٢٨: ٢٠ - ٢٢) فإن الشروط التي قدمها يعقوب لنذوره لم يقدمها داود قط.
(١٣) لقد نجى الله نفسه وحفظه وأنقذه من أن ينزلق متمرغاً على الثرى موضوع سخرية واحتقار كأنما الله قد تركه ولم يهتم به. ولكنه لا يزال رجلاً قوياً يستطيع أن ينهض على رجليه ويسر في نور الأحياء. وهذا إشارة معاكسة لظلمة الهاوية أي الذين يموتون ويتركون هذا العالم ليعيشوا في عالم النسيان حيثما تنسج العناكب خيوطها في أرض ظلال الموت. ونجد ذكراً لنور الأحياء في كلام أليهو (راجع أيوب ٣٣: ٣٠) وقد استعمل السيد المسيح هذا التعبير بقوله في (يوحنا ٨: ١٢) «مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ».


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ وَٱلْخَمْسُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. عَلَى «لاَ تُهْلِكْ». مُذَهَّبَةٌ لِدَاوُدَ عِنْدَمَا هَرَبَ مِنْ قُدَّامِ شَاوُلَ فِي ٱلْمَغَارَةِ.


«١ اِرْحَمْنِي يَا اَللّٰهُ ٱرْحَمْنِي، لأَنَّهُ بِكَ ٱحْتَمَتْ نَفْسِي، وَبِظِلِّ جَنَاحَيْكَ أَحْتَمِي إِلَى أَنْ تَعْبُرَ ٱلْمَصَائِبُ. ٢ أَصْرُخُ إِلَى ٱللّٰهِ ٱلْعَلِيِّ، إِلَى ٱللّٰهِ ٱلْمُحَامِي عَنِّي. ٣ يُرْسِلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَيُخَلِّصُنِي. عَيَّرَ ٱلَّذِي يَتَهَمَّمُنِي. سِلاَهْ. يُرْسِلُ ٱللّٰهُ رَحْمَتَهُ وَحَقَّهُ».
هو أحد المزامير الثلاثة التي ترنم على لحن «لا تهلك» وهو هذا المزمور والمزموران اللذان يليانه. وهنا مجال للسؤال هل هذا هو نفسه اللحن للصلاة المذكورة في (تثنية ٩: ٢٦ أو ١صموئيل ٢٦: ٩ أو إشعياء ٦٥: ٨). وقوله مشيراً إلى هرب داود من وجه شاول في المغارة لا نعلم منه هل تلك مغارة عدلام المذكورة (١صموئيل ٢٢) أو هي المغارة عند عين جدي (١صموئيل ٢٦). وهذا المزمور مع أنه يشترك مع مزامير كثيرة في كثير من المعاني بقوله ارحمني يا الله. وتشبيهه الأعداء بالأشبال والأسود والحماية بظل الجناحين ونصب الشبكة لخطواته وإن رحمة الله تعظم فوق السماوات ومع ذلك فله طابع خاص يتميز به عن غيره وذلك ثقته التامة بخلاص الرب وكثير من معانيه واردة بعد ذلك في (المزمور ١٠٨ فليراجع).
(١) يطلب الرحمة والحماية ويجدهما في ظل الجناحين فهو لا يستطيع مواجهة المصائب بنفسه لذلك يحتمي إلى أن تعبر عنه. وحالته حالة سابح طغى عليه الموج لذلك يلتمس صخرة مرتفعة يحتمي بها إلى أن يعبر الخطر عنه (قابل هذا بما ورد في إشعياء ٢٦: ٢) وهو شبيه بالمزمور سابقه إن كان من جهة الخطر المداهم أو من جهة تجربة الخطيئة. وهو يبدأ بالصلاة والشكوى ويختم بالحمد والشكران.
(٢) إن اتجاهه في حالة كهذه هو نحو الله الذي ينقذه وينجيه من كل المخاطر. يحتمي بالجناحين كما تفعل الفراخ الصغيرة تحت جناحي أمها فتدفأ وتأمن. ولذلك فصراخه لله هو عن تأكيد الاستجابة لأنه سيحامي عنه (راجع لوقا ٢٢: ٣٧). والجناح أيضاً دليل السرعة فإن الله لا يبطئ قدومه ولا يترك الصارخين إليه دون استجابة لطلباتهم.
(٣) هوذا الله العلي غير بعيد عن أولاده فهو يرسل وينجيهم. وخدامه هم الملائكة الذين يصدعون بأمره ويقومون بأعماله. وأما الذين طلبوا نفسه فقد انخذلوا نهائياً وارتدوا إلى الوراء متراجعين ولا يستطيعون شيئاً الآن. بل كان نصيب هؤلاء العار والمذلة ويختم بسلاه بارتفاع نغم الموسيقى. وقوله يرسل رحمته وحقه فهما العون اللازم للمرنم وقد طلب الرحمة أولاً لأن الحق وحده لا يكفي بل إذا كان له الحق فقط فهو هالك لا محالة.
«٤ نَفْسِي بَيْنَ ٱلأَشْبَالِ. أَضْطَجِعُ بَيْنَ ٱلْمُتَّقِدِينَ بَنِي آدَمَ. أَسْنَانُهُمْ أَسِنَّةٌ وَسِهَامٌ، وَلِسَانُهُمْ سَيْفٌ مَاضٍ. ٥ ٱرْتَفِعِ ٱللّٰهُمَّ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ. لِيَرْتَفِعْ عَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ مَجْدُكَ. ٦ هَيَّأُوا شَبَكَةً لِخَطَوَاتِي. ٱنْحَنَتْ نَفْسِي. حَفَرُوا قُدَّامِي حُفْرَةً. سَقَطُوا فِي وَسَطِهَا. سِلاَهْ. ٧ ثَابِتٌ قَلْبِي يَا اَللّٰهُ ثَابِتٌ قَلْبِي. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ».
(٤) نفسه بين الأشبال دليل الخطر المداهم فهو في خطر الموت في كل برهة من حياته لا يدري كيف ينجي نفسه. وإنه يضطجع بين المتقدين الذين يحمى غضبهم لدى كل سانحة ولا يمكن أن يؤمن شرهم لأن طبعهم غضوب ويدهم سريعة بالأذية والضرر. ويظهر أن اختباره بالناس حواليه كان صعباً مراً لأنه يذكر عن بني آدم هؤلاء أنهم سلاح ماضٍ ولكنه بيد العدو اللئيم الشديد المراس. وهم الوحوش الضارية لذلك فإن أسنانهم كأسنان أولئك ولكنهم يزيدون عليهم أن لسانهم الذي يجب أن يستعمل لحمد الله وشكره إذا به يستعمل للتقتيل والتنكيل.
(٥) ولكنه يعود فيقابل مرة أخرى بالعون الذي له من السماء. وفي هذا صورة لطيفة لإظهار الفرق بين هؤلاء الناس الأشرار وبين الله الذي يرتفع بمجده وجلاله وهو بدلاً من أن يخيف يحمي وبدلاً من أن يلتهم الذين أمامه كنار محرقة فهو يسمو عليهم جميعاً ليتمجد بسلطانه على كل الكائنات.
(٦) هؤلاء الأعداء الكائدون قد وضعوا شبكة أمامي ليوقعوني بها. وهوذا نفسي قد انحنت من الهموم والأحزان ولا أستطيع أن أنجو مما نصبوه لي. والانحناء دليل على أنه مثقل الأحمال فلا يستطيع أن يمشي رافع الرأس عالي الجبين (انظر مزمور ١٠٩: ٢٢). ولم يكتف هؤلاء الأعداء بنصب الشبكة فوق الأرض لكي يوقعوا المرنم فيها. بل حفروا حفرة في الأرض لكي يخفوا ما فعلوه ولا يتظاهرون بشيء ويخفون شيئاً آخر. ولكن النتيجة كانت عليهم بالوبال. وقد سقطوا في الحفرة التي حفروها لغيرهم. ثم ينهي كلامه بارتفاع الموسيقى دليل الانتهاء الحسن.
(٧) ولكن المرنم لم يتزعزع إيمانه ولم يتغير قط وأعظم دليل على ذلك هو أنه لا يزال يغني ويرنم لأن الإنسان عادة لا يفعل ذلك إلا بحالة الارتياح والسرور. إن مثل هذا الإيمان هو مدعاة الراحة والسلام وهو لا يظهر حقيقة إلا في أوقات المصاعب والضيقات حينئذ نعرف من نحن وما هو مقدار إيماننا (انظر رومية ٥: ٣ وأفسس ٥: ٢٠).
«٨ ٱسْتَيْقِظْ يَا مَجْدِي. ٱسْتَيْقِظِي يَا رَبَابُ وَيَا عُودُ. أَنَا أَسْتَيْقِظُ سَحَراً. ٩ أَحْمَدُكَ بَيْنَ ٱلشُّعُوبِ يَا رَبُّ. أُرَنِّمُ لَكَ بَيْنَ ٱلأُمَمِ. ١٠ لأَنَّ رَحْمَتَكَ قَدْ عَظُمَتْ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ، وَإِلَى ٱلْغَمَامِ حَقُّكَ. ١١ ٱرْتَفِعِ ٱللّٰهُمَّ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ. لِيَرْتَفِعْ عَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ مَجْدُكَ».
(٨) جاء في التلمود تفسير خاص لهذا العدد وهو أن من عادة داود كان أن يعلق عوداً فوق رأسه فحينما ينتصف الليل ويقبل على آخره كانت ريح الشمال تهب وتضرب على الأوتار مما جعلها تخرج أنغاماً بنفسها دون أن يكون هناك يد تضرب عليها. فكان ينهض على صوتها ويسرع في قراءة الشريعة المقدسة إلى أن يتكامل وجه السحر. وقال راشي إن داود كان يفاخر الناس قائلاً «إن الفجر كان يوقظ الملوك الآخرين أما أنا فأوقظ الفجر». أما مجده هنا فهي نفسه بالذات التي يريدها أن تستيقظ وتنهض باكراً وعند ذلك تستيقظ أيضاً آلات الموسيقى وتشاركه في إنشاده وتسبيحه لله وهذا شبه قول الشاعر:
قم في الدجى أيها المتعبد حتى متى فوق الأسرة ترقد



(٩) إن حمد هذا المرنم شامل يسمعه كل إنسان وهو يفتخر بما يذيعه من آيات الحمد والثناء. وربما رأى بعين النبوءة أن مزاميره هذه ليست له ولا للعصر الذي يعيش فيه ولا للناس الذين يسكن بينهم بل هي لكل زمان وسيخلد ذكرها ما بقي الإنسان. وتكون مدعاة للابتهاج والترنم وخدمة الكنائس حتى أن بعضها لا تستعمل سوى مزامير داود ويترك كل الأناشيد العصرية وما أشبه ولا يستعملون للترنم بالكنائس إلا ما هو مكتوب في الكتاب المقدس.
(١٠) يعود فيكرر هاتين الكلمتين الرحمة والحق الأولى عظمت إلى السموات فهي رفيعة وسامية جداً ولا شيء يضاهيها في الجلال. وكذلك الحق فهو إن احتجب بالغمام أحياناً فإنما ذلك إلى حين. لأن الحق هو أشبه بالشمس المشرقة التي قد تحجبها الغيوم وتقلل من نورها وحرارتها ولكن لا يطول الوقت حتى تعود فتشرق مرة ثانية وتكون سبب الخير والقوة والحياة على وجه هذه الأرض. إن الله الكلي القدرة سيظل مرتفعاً فوق إفهام بني البشر وأعلى من جميع مداركهم وما على الإنسان المؤمن إلا أن يسبح بحمد ربه ويذيع شكره وجلاله إلى أبد الآبدين.
(١١) وأخيراً يأتي لهذا القرار الجميل البارع. وقد أدرك الرسول بولس شيئاً من عظمة الله وجلاله بقوله «حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ ٱلْعَرْضُ وَٱلطُّولُ وَٱلْعُمْقُ وَٱلْعُلْوُ...» (أفسس ٣: ١٨) وهذا هو العدد الخامس ذاته ولا يختلف عنه إلا بما لا يؤبه له. إن السماء والأرض تشتركان في هذا التمجيد وهما متعلقتان واحدتهما بالأخرى بتاريخ طويل قديم وإنما جلال الله القديم الأيام ومجده وعظمته فهي تعم العالمين وتكسو كل الكائنات بما توشيه فيها من آيات الجمال والثناء والتكريم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ وَٱلْخَمْسُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. عَلَى «لاَ تُهْلِكْ». لِدَاوُدَ. مُذَهَّبَةٌ


«١ أَحَقّاً بِٱلْحَقِّ ٱلأَخْرَسِ تَتَكَلَّمُونَ، بِٱلْمُسْتَقِيمَاتِ تَقْضُونَ يَا بَنِي آدَمَ؟ ٢ بَلْ بِٱلْقَلْبِ تَعْمَلُونَ شُرُوراً فِي ٱلأَرْضِ. ظُلْمَ أَيْدِيكُمْ تَزِنُونَ. ٣ زَاغَ ٱلأَشْرَارُ مِنَ ٱلرَّحِمِ. ضَلُّوا مِنَ ٱلْبَطْنِ، مُتَكَلِّمِينَ كَذِباً».
هذا المزمور هو صرخة الانتقام فبينما يقول المزمور السابق «أسنانهم أسنة ولسانهم سيف ماضٍ» إذا بهذا المزمور يقول «اللهم كسّر أسنانهم في أفواههم». ومما لا شك فيه أنه مزمور شديد اللهجة قاس لا يرحم ولا يشفق وهو يطلب لأعدائه العدل والانتقام. وكلماته هي أشبه بالرعد القاصف لا شيء من الهوادة فيها ولا اللين. وإن داود هذا الذي استطاع أن يكتب مزامير الحنان وطلب الرحمة يمكنه الآن أن يجازي أفكار عصره ويظهر الشدة والقوة ولا يتراجع أمام أعدائه مهما كلفه الأمر.
(١) ويترجم ديلتش هذا العدد بقوله:
هل أنتم بالحق يا أيها الآلهة تتكلمون بالبر؟
وهل أنتم بالعدل تدينون بني البشر؟
ويقول أيضاً إن الأوفق أن نترجمه «هل أنتم بالحق تملون علينا صمت البر؟». وقد يكون المعنى أنه يخاطب الناس ذوي المراتب السامية الذين لهم كالآلهة أن يقضوا بين الناس بالعدل والحق. وعلينا أن نراجع القرينة التاريخية فنرى أن أبشالوم وأتباعه قد استخدموا ادعاءهم إجراء العدل والإنصاف بين الناس لكي يربحوا إليهم قلوب الشعب. زاعمين أن سيدهم أبشالوم هو قسطاس العدل للجميع. لذلك فداود يخاطب هؤلاء المدعين كأنهم عادلون فوق عدل البشر هل هم بالحق يفعلون ذلك؟ وهل عدلهم بين الناس هو لأجل العدل ذاته وحسن القضاء ولوجه الله الكريم؟
(٢) ولكنه لا يطيل التساؤل ولا يترك أدنى شك في ذهن السامع بل حالاً يؤكد عكس ذلك فيظهرهم للملاء أنهم يتظاهرون بغير ما يضمرون. وهكذا فإن إتيانهم الفضل كان لغاية في نفس يعقوب! ومن قديم الزمان كان الميزان إشارة لإجراء العدل والإنصاف ولذلك قال عنهم «تزنون ظلم أيديكم». وما كان يحسبه الناس عدلاً لم يكن في الحقيقة سوى الظلم عينه.
(٣) إن هؤلاء الأشرار قد زاغوا منذ نشأتهم الأولى ولم ينفعهم التأديب شيئاً. وكان سبب ضلالهم الأعظم لما يطلبه الحق والواجب لأنه أي عقوق أعظم من أن يعق الابن أباه؟ وأي عذر أكبر من أن يغدر الإنسان بوالده ويتكلم عن صيته زوراً وبهتاناً.
«٤ لَهُمْ حُمَةٌ مِثْلُ حُمَةِ ٱلْحَيَّةِ. مِثْلُ ٱلصِّلِّ ٱلأَصَمِّ يَسُدُّ أُذُنَهُ، ٥ ٱلَّذِي لاَ يَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتِ ٱلْحُواةِ ٱلرَّاقِينَ رُقَى حَكِيمٍ. ٦ اَللّٰهُمَّ كَسِّرْ أَسْنَانَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمِ. ٱهْشِمْ أَضْرَاسَ ٱلأَشْبَالِ يَا رَبُّ. ٧ لِيَذُوبُوا كَٱلْمَاءِ، لِيَذْهَبُوا. إِذَا فَوَّقَ سِهَامَهُ فَلْتَنْبُ».
(٤) مشهور عن الحية أنها عدو قديم للإنسان (راجع تكوين ٣: ١٥) ولذلك فالمرنم يشبه عداوة هؤلاء بالحية وبحمتها السامة القتالة. فبعد أن يلخص شر هؤلاء الأشرار بأنه كذب متأصل في القلب ولا شيء يذبله أو يخففه يعود إلى هذه العبارات الشديدة التي تتعاقب الواحدة بعد الأخرى كأنه النبال الشديدة ترمي هؤلاء الأعداء. وهم ليسوا في عداوة بسيطة إذ ليس كل الحيات سامة بل هم مثل أنحس أنواعها مثل الصل الذي لا يسمع ولأنهم هم لا يسمعون ولا يرعوون عن غيهم لذلك فقد هووا إلى دركات الشر والرذيلة. ويظهر أن المرنم يعتقد بأنه يوجد أناس أشرار بالطبع ولا شيء من القوى البشرية تردعهم عن غيهم بل كلما حاول المصلحون إصلاحهم ازدادوا شراً فهم مجرمون جناة لا قبل للناس باحتمالهم.
(٥) فهم لا يستمعون حتى إلى الحواة الراقين الذين لهم «النفثات» السحرية والذين يعرفون أصول الفن والحكمة وهذا دليل أنهم لا يقبلون أية نصيحة. أما الحواة حسب رأي الأقدمين فهم الذين يضعون العقد على ألسنة الحيّات فلا تعض وفي الوقت ذاته يفكونها متى شاءوا. وهكذا فلا المحبة العميقة ولا الحكمة البشرية يمكنهما أن تغيرا شيئاً من النوايا السيئة المتأصلة في القلوب الخبيثة. ولأنهم كذلك فلم يبق أمام داود إلا أن يتمنى زوالهم من الوجود ويصلي لله من أجل أن يفعل ذلك معهم.
(٦) لا شك أن هذا العدد شديد جداً ولا سيما أن يقوله والد على ولده! وهذا منتهى الشقاء والمرارة القلبية التي ما بعدها مرارة! ويظهر أنه لقد كان حدود للمحبة الأبوية في قلب داود تنتهي عندها فيتمنى لهؤلاء الأعداء وإن يكن أبشالوم بينهم أن يهلكوا جميعاً متحطمين. ولكننا نرى من التاريخ المقدس أن داود حنق على يوآب بن صروية لأنه قتل أبشالوم يطلب أن تتهشم أسنانهم لكي لا ينهشوا بها وأن تذهب أضراسهم لكي لا يفترسوا بها الصالحين.
(٧) لا شيء يذهب سريعاً مثل الماء فهو لا يقوم بنفسه بل يحتاج لوعاء ويوضع فيه. ويطلب المرنم إذا كانوا جامدين في أماكنهم ربما كالجليد أو الثلج فليذوبوا وحينئذ فليسيلوا ويجروا حتى لا يستطيعوا أن يبقوا في مكان معين. كذلك هؤلاء الأعداء إذا استطاعوا أن يعدّوا أنفسهم ويحضروا سهامهم ويفوقوها على الآمنين فلا تسمح يا رب إن هذه السهام تصيب أحداً بل لتنبُ بعيداً.
«٨ كَمَا يَذُوبُ ٱلْحَلَزُونُ مَاشِياً. مِثْلَ سِقْطِ ٱلْمَرْأَةِ لاَ يُعَايِنُوا ٱلشَّمْسَ. ٩ قَبْلَ أَنْ تَشْعُرَ قُدُورُكُمْ بِٱلشَّوْكِ، نِيئاً أَوْ مَحْرُوقاً، يَجْرُفُهُمْ. ١٠ يَفْرَحُ ٱلصِّدِّيقُ إِذَا رَأَى ٱلنَّقْمَةَ. يَغْسِلُ خُطُوَاتِهِ بِدَمِ ٱلشِّرِّيرِ. ١١ وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ: إِنَّ لِلصِّدِّيقِ ثَمَراً. إِنَّهُ يُوجَدُ إِلٰهٌ قَاضٍ فِي ٱلأَرْضِ».
(٨) ما معنى في ذوبان الحلزون وهل هذا حقيقة أم هو من قبيل المجاز؟ وما علاقته مع سقط المرأة بقوله «مثل سقط المرأة لا يعاينوا الشمس!». يقول التلمود «إن الله لم يخلق شيئاً عبثاً فقد خلق الحلزون (البزاقة) لتشفي الجروح بأن توضع عليها». وهو الأرجح الحلزون العريان بدون بيته المعروف. وهنا يصف كيفية سيره البطيء كيف أنه يذوب ويتقلص في موضع لكي يمتد إلى الآخر وليس إذا ذوباناً بالفعل بل وصف سيره البطيء. هكذا هؤلاء الأعداء العاملون سراً سيكون نتيجتهم الاضمحلال وعدم الحياة كما هي الحالة مع السقط الذي لا يعيش.
(٩) لا فرق إذا كان لا يزال اللحم نيئاً أو بحالة الغليان وقبل أن يحترق الشوك تحت القدور. ولا يزال حتى اليوم أغلب النار التي تستعمل هي مثل هذا النوع في أغلب الأمكنة القروية ولا سيما في الشرق. إذاً فالطبخة التي حاول أبشالوم طبخها لم تنطبخ قط. إذ أن الله قد كشف عن مؤامرتهم وأفسد خططهم الشيطانية. وهذا دليل على أن الله لا يتخلى عن مراقبة الناس جميعاً فيعامل الصديقين بما يستحقونه من الخير كما أنه يعاقب الأشرار.
(١٠) وهنا ينتهي إلى الدينونة التي يدين الله بها الناس فإن النتائج ظاهرة للعيان. والفكرة الواضحة هنا هي من العهد القديم بالكلية. إن الصديق يشمت بأعدائه ويسر بأن يرى النقمة والجزاء العادل الصارم يصيبانهم. بل أنه يغسل أرجله بدماء هؤلاء الأشرار الذين يذبحون جزاء تمردهم وعصيانهم. ولا شك أن الصورة رهيبة ولا شيء من الحنو والرحمة فيها ولكن لا يغرب عن بالنا العصر الذي نحن بصدده كما لا ننسى أية إساءة قد سببها أبشالوم لوالده.
(١١) يفرح الصديق بالنتيجة التي يحصل عليها أخيراً فإن انخذاله إلى حين وكذلك فإن نجاح الأشرار إلى وقت محدود ليس إلا. وهكذا فكما أن الشجرة تثمر بعد مرور عواصف الشتاء هكذا فإن البار ببره يحيا ويتقدم. وحينئذ يتحقق الجميع بأن العدالة تعم الناس ويرون أن القضاء صارم وأنه يوجد إله يجريه ولا يبطئ قط (انظر الجامعة ٥: ٧ و٨). ولأنه ابتدأ بمخاطبة هؤلاء الحكام العتاة الظالمين الأشرار إذا به يتلفت إليهم أخيراً ويريهم أن القضاء الحق الدائم هو لله وحده.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلْخَمْسُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. عَلَى «لاَ تُهْلِكْ». مُذَهَّبَةٌ لِدَاوُدَ لَمَّا أَرْسَلَ شَاوُلُ وَرَاقَبُوا ٱلْبَيْتَ لِيَقْتُلُوهُ.


«١ أَنْقِذْنِي مِنْ أَعْدَائِي يَا إِلٰهِي. مِنْ مُقَاوِمِيَّ ٱحْمِنِي. ٢ نَجِّنِي مِنْ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ، وَمِنْ رِجَالِ ٱلدِّمَاءِ خَلِّصْنِي، ٣ لأَنَّهُمْ يَكْمُنُونَ لِنَفْسِي. ٱلأَقْوِيَاءُ يَجْتَمِعُونَ عَلَيَّ، لاَ لإِثْمِي وَلاَ لِخَطِيَّتِي يَا رَبُّ».
هذا المزمور هو من أقدم المزامير التي كتبها داود وإذا اعتمدنا على العنوان كما هو أي حينما أرسل شاول من يترقب داود للفتك به وربما يشير هذا إلى ما ورد في (١صموئيل ١٩: ١١ وما يليه). وقد حاول شاول غير مرة وبطرق سرية مختلفة أن يتخلص من عدوه واستعان بالجواسيس من رجال القصر حتى كان الكامنون يترصدون له طول الليل أحياناً لكي يتمموا ما أُمروا به. ولا شك أنه بواسطة المزامير وكتب النبوءة يمكننا أن نخترق بأبصارنا إلى أعماق معنى الحوادث الجارية ونفهم التاريخ بواسطتها على شرط أن نستعمل قوة الاستنتاج والاستقراء. ويظهر إن هذا المزمور يناسب المساء أكثر من الصباح إذ يصف المرنم تلك الأيام الخطرة في جبعة.
(١) في الأعداء الثلاثة الأولى من هذا المزمور نرى أفكاراً متشابهة ونسمع حديثاً طالما سمعناه مكرراً من مختلف المزامير. إن داود هنا كان محاطاً بزمرة شريرة من رجال الدماء المغتالين الذين لا يخافون الله ولا يهابون أي إنسان. فداود بحالة حصار وضيق ويستنجد طالباً الخلاص. ويظهر أن إلهه في غفلة أو انشغال عنه حتى لا يُعنى به ولا يكترث بحاله على الإطلاق. هؤلاء هم أعداء وهم مقاومون لا يسمحون له أن يرتاح بالاً أو يستقر على شيء أو ينعم حالاً بأي وجه من الوجوه.
(٢) هو في خطر مداهم شديد ويكرر الطلب نفسه أنقذني احمني نجني. والتوكيد المتكرر له ما يجيزه في هذه الحالة العصيبة. إنهم فاعلو إثم أي لا ضمير عندهم يبكتهم. هم دمويون لا قيمة للحياة البشرية في نظرهم. دأبهم التفظيع والقتل ولا يرعوون عن غيهم ولا يبالون بأي نصحٍ أو إرشاد. فهم إن أضمروا السوء يسرعون في إتمامه حالاً غير هيابين.
(٣) وفوق قوتهم الظاهرة وفوق تسلحهم بالأوامر الملكية هم يكمنون لإتمام مآربهم لذلك هم لا يتورعون عن أية وسيلة يتخذونها لنيل مآربهم. ولا ينكر المرنم عليهم قوتهم وبطشهم ومع ذلك فهم عديدون يتعاونون بكثرة على البريء الذي لم يرتكب إثماً ولا حمل وزر خطيئة في كل علاقاته مع شاول ومع رجاله.
«٤ بِلاَ إِثْمٍ مِنِّي يَجْرُونَ وَيُعِدُّونَ أَنْفُسَهُمُ. ٱسْتَيْقِظْ إِلَى لِقَائِي وَٱنْظُرْ. ٥ وَأَنْتَ يَا رَبُّ إِلٰهَ ٱلْجُنُودِ إِلٰهَ إِسْرَائِيلَ ٱنْتَبِهْ لِتُطَالِبَ كُلَّ ٱلأُمَمِ. كُلَّ غَادِرٍ أَثِيمٍ لاَ تَرْحَمْ. سِلاَهْ. ٦ يَعُودُونَ عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ، يَهِرُّونَ مِثْلَ ٱلْكَلْبِ وَيَدُورُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ. ٧ هُوَذَا يُبِقُّونَ بِأَفْوَاهِهِمْ. سُيُوفٌ فِي شِفَاهِهِمْ. لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ سَامِعٌ؟».
(٤) وهم سريعون جداً في إتمام مآربهم الدنيوية إذ يركضون في إتمامها ركضاً. وسرعتهم هذه يبررها استعدادهم الكافي فهم يفعلون كل أمورهم الشريرة ويقتلون ويفتكون عن سابق تصور وتصميم. وهنا يستنجد بالله مخلصه الذي حسبه متغافلاً عنه ناسياً لعهوده معه. ويريد من الله أن يلاقيه عليهم حتى لا يشعر بالوحدة بعد بل يمكنه من أن يواجههم بكل بأس ويتغلب عليهم إذا كان الله مجتمعاً معه عليهم.
(٥) ونلاحظ قوة الاستنجاد من كثرة ما يذكر اسم الله فيقول يا رب إله الجنود إله إسرائيل. وهو يفعل ذلك لكي يزيد الكلام تأثيراً في نفس السامع وحينئذ فإن الله يتحنن عليه ويرحمه. ينبه الله لكي يطالب الأمم عما يسيئون به ولا سيما عمق مطالبه وما يترجاه فينهي بارتفاع في ضربات الموسيقى (سلاه).
(٦) في هذا العدد يبدأ القسم الآخر من المزمور فيصف حركات هؤلاء الأعداء وتصرفاتهم. يبدأون حركاتهم العدائية في المساء والليل يهرون ويدورون في المدينة كالكلاب (راجع أيوب ٢٤: ١٤). ويهرّون ولا ينبحون أي بأصوات خافتة لئلا ينفضح أمرهم فهم يرتكبون إثمهم في الخفاء على كل حال. ومهما حاولوا الخفاء فإن أصواتهم مسموعة وكذلك حركاتهم في المدينة لا يمكن أن تختفي عن عين المراقب. وحتى اليوم نجد الكلاب تتجول طليقة في كثير من مدن وقرى الشرق وأصواتها وحركاتها مألوفة للكل.
(٧) وهم يتجولون في المدينة يخرج من أفواههم كلمات يرغون ويزبدون بها. وهوذا ألسنتهم تظهر كأنها سيوف مسلولة حاضرة للفتك والتفظيع. وكلامهم قاس جارح لأنهم يتفوهون به غير حاسبين لأحد حساباً. زاعمين أن لا أحد يسمعهم ماذا يقولون كما أن لا أحد يراهم فيما يتآمرون عليه ويكمنون.
«٨ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَتَضْحَكُ بِهِمْ. تَسْتَهْزِئُ بِجَمِيعِ ٱلأُمَمِ. ٩ مِنْ قُوَّتِهِ إِلَيْكَ أَلْتَجِئُ، لأَنَّ ٱللّٰهَ مَلْجَإِي. ١٠ إِلٰهِي رَحْمَتُهُ تَتَقَدَّمُنِي. ٱللّٰهُ يُرِينِي بِأَعْدَائِي. ١١ لاَ تَقْتُلْهُمْ لِئَلَّا يَنْسَى شَعْبِي. تَيِّهْهُمْ بِقُوَّتِكَ وَأَهْبِطْهُمْ يَا رَبُّ تُرْسَنَا».
(٨) بينما هؤلاء الأعداء يذهبون متجولين على هذه الصورة لا يعبأون بأحد ولكن الله لا شك يضحك منهم ولا يسمح لهم أن ينالوا مرادهم. لأن أي سر يمكن أن يختفي عن الرب الإله وأي قصد سيء يمكن للإنسان أن يبقيه في قلبه حتى لا يعلم به الله العلي العليم؟ فهو يضحك من كل الأمم على السواء. وهؤلاء الأعداء لا يستحقون أن يسموا من شعب الله فهم غرباء بمبادئهم وأفعالهم إن لم يكن في نسبهم وحقيقتهم. هم يخافون النور لذلك يعملون عملهم الإجرامي في الظلام. ينوون سراً ويحاولون التنفيذ على حين غفلة من الكل ولكن هل يفعل الله فهو يضحك منهم ويستهزئ بجميع أفعالهم ولا يمكن أن يتمموها بدون أمره الإلهي.
(٩) يمكن ترجمة هذا العدد «يا قوتي إليك ألتجئ...» أما إذا بقيت العبارة كما كانت سابقاً فيكون أن داود يلتجئ للرب من قوة أعدائه. فمهما كان هؤلاء الأعداء أقوياء فإن الله أقوى منهم (انظر ١صموئيل ٢٦: ١٥ و٢صموئيل ١١: ١٦) هنا اعتراف صريح من المرنم أنه لا يستطيع أن يخلّص نفسه ولكن ماذا يهمه طالما الله ملجأه.
(١٠) في هذا العدد يخفت صوت الرعب والخوف بل تتبخر من فكره تماماً كما يزول الضباب أمام شمس الصباح. هوذا نور الرجاء يشع أمامه. لأن رحمة الله هي التي تتقدم بينما هو يمشي وراءها كإنما هي عمود السحاب الذي رافق شعب إسرائيل وهم في وسط مخاطر البحر الأحمر. وقد يكون المعنى أن الله يهرع لاستقباله كما يفعل أحدهم مع إنسانٍ لاجئ خائف من خطر مداهم. إن الله لذلك ينتظرني فأهرع إليه وأنجو من الأعداء مهما كانوا أقوياء ويكيدون عليَّ.
(١١) وهو يرجو لهم أن لا يقتلوا حالاً لئلا لا يرى بقية الشعب خلاص الله. عليهم أن يذكروا أن الله مخلّص حقيقي. وهؤلاء الأعداء وهم يكمنون طالبين أن يفتكوا بالبريء إذا بهم يتيهون عن قصدهم ويهبطون للهاوية. فبدلاً من النجاح يكون نصيبهم العار وبدلاً من الحماية يكون نصيبهم التيهان. ذلك لأن الرب هو ترس المؤمن يحفظه من كل ضرر.
«١٢ خَطِيَّةُ أَفْوَاهِهِمْ هِيَ كَلاَمُ شِفَاهِهِمْ. وَلْيُؤْخَذُوا بِكِبْرِيَائِهِمْ، وَمِنَ ٱللَّعْنَةِ وَمِنَ ٱلْكَذِبِ ٱلَّذِي يُحَدِّثُونَ بِهِ. ١٣ أَفْنِ بِحَنَقٍ أَفْنِ وَلاَ يَكُونُوا، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ ٱللّٰهَ مُتَسَلِّطٌ فِي يَعْقُوبَ إِلَى أَقَاصِي ٱلأَرْضِ. سِلاَهْ. ١٤ وَيَعُودُونَ عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ. يَهِرُّونَ مِثْلَ ٱلْكَلْبِ، وَيَدُورُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ».
(١٢) من يستطيع أن ينكر خطية الأفواه والشفاه لأننا سوف ندان أيضاً على كلامنا كما على تصرفاتنا ويظهر أن المرنم مغتاظ جداً من هؤلاء الأعداء بالنسبة لمكرهم وكذبهم وريائهم. وكلامهم هو بالصلف والعجرفة لا يعتدون بأحد ولا يحسبون لأي الناس حساباً. ولكن لا شك قبل السقوط تشامخ الروح أي ليكن كلامهم وكذبهم عليهم للهلاك فبدلاً من أن يهلكوا به الآخرين إذا هم به يهلكون. ولا يكتفون بالكذب بل يستعملون اللعنة وأفظع كلام التقريع والتنديد وليكن ما يحدثون به عائداً عليهم بالهلاك.
(١٣) هنا يشتد غضب المرنم على أعدائه ويطلب إلى الله أن لا يبقي منهم أحداً. وحجته في ذلك لكي يتمجد اسم الله بواسطة هذا العمل وحينئذ يظهر للناس جميعاً أن الله هو الحاكم على العالمين بيده زمام كل شيء ونفس كل حي. وينتهي بارتفاع الموسيقى.
(١٤) ويعود إلى صورة الكلاب التي يصورها عن هؤلاء المطاردين الذين أرسلهم شاول لملاحقته والقبض عليه. ولا يمكن أن تبتعد عنه هذه الصورة المؤثرة إن هؤلاء أشبه بالكلاب لخدمة أسيادها وراء طريدة لا ينتفعون هم منها ولكنهم يفعلون ذلك مرضاة لأسيادهم الذين لهم عليهم حق التصرف كالعبيد الأذلاء (راجع أيوب ١٥: ٢٣). هؤلاء الكلاب يتجولون هكذا طلباً للطعام فهم في حالة العوز ويصرفون الليل في تفتيشهم هذا وقد يبقون هكذا جائعين كل الوقت أيضاً.
«١٥ هُمْ يَتِيهُونَ لِلأَكْلِ. إِنْ لَمْ يَشْبَعُوا وَيَبِيتُوا. ١٦ أَمَّا أَنَا فَأُغَنِّي بِقُوَّتِكَ، وَأُرَنِّمُ بِٱلْغَدَاةِ بِرَحْمَتِكَ، لأَنَّكَ كُنْتَ مَلْجَأً لِي وَمَنَاصاً فِي يَوْمِ ضِيقِي. ١٧ يَا قُوَّتِي لَكَ أُرَنِّمُ، لأَنَّ ٱللّٰهَ مَلْجَإِي إِلٰهُ رَحْمَتِي».
(١٥) فهؤلاء الناس الدمويون يظل حنينهم إلى سفك الدم. هم يجوعون إليه كما يجوع الكلب للطعام. وقلما يشبعون من ذلك لكي يرعووا عن غيهم ويبيتوا بعيدين عن داعي فتكهم بالأبرياء أمثال هذا المرنم.
(١٦) وهنا تظهر عوامل الإيمان في قلب المرنم إذ في وسط هذه الحالة الصعبة يجد أنه يستطيع الغناء. فيقوم في الغداة (أي الصباح) بعد أن قضى ليلته فزعاً أرقاً إذا به الآن مطمئن لا يخاف شراً من أي الناس. والسبب في ذلك هو أن الله كان ملجأه وعونه. فأعطاه نجاة لم يكن يحلم بها وخلاصاً أكيداً وهكذا تحوّل ضيقه إلى فرج وهمه إلى ترنم. فكان إيمانه محققاً بنتيجته التي لمسها الآن كما لمسها وتحققها من قبل مرات كثيرة.
(١٧) وما أجمل ختام هذا المزمور. فيرى في ضعفه قوة تسنده ويرى في وسط خوفه الشديد ملجأ أميناً حصيناً لا يمكن أن يتزعزع. ويكون أن الدافع لذلك لا ما يستحقه هو بحد ذاته بل إن رحمة الله شملته وإحسانه الإلهي جعله في هذا الأمان الذي لا يتمكن الأشرار معه أن ينالوه بأي سوء.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى اَلسَّوْسَنِّ. شَهَادَةٌ مُذَهَّبَةٌ لِدَاوُدَ لِلتَّعْلِيمِ. عِنْدَ مُحَارَبَتِهِ أَرَامَ ٱلنَّهْرَيْنِ وَأَرَامَ صُوبَةَ، فَرَجَعَ يُوآبُ وَضَرَبَ مِنْ أَدُومَ فِي وَادِي ٱلْمِلْحِ ٱثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً.


«١ يَا اَللّٰهُ رَفَضْتَنَا. ٱقْتَحَمْتَنَا. سَخَطْتَ. أَرْجِعْنَا. ٢ زَلْزَلْتَ ٱلأَرْضَ. فَصَمْتَهَا. ٱجْبُرْ كَسْرَهَا لأَنَّهَا مُتَزَعْزِعَةٌ. ٣ أَرَيْتَ شَعْبَكَ عُسْراً. سَقَيْتَنَا خَمْرَ ٱلتَّرَنُّحِ».
هذا المزمور هو إحدى المذهبات التابعة لما تقدم والتي نظمها داود في ظرف معين وهي آخرها في هذه السلسلة. عند محاربته أرام النهرين (أي ما بين النهرين) وأيضاً أرام صوبة والأرجح هم الذين سكنوا بين الفرات والعاصي. كما أن أيوب كان قد ضرب أدوم في وادي البحر الميت (بحيرة لوط). وعرضها نحو عشرة أميال للجنوب من هذه البحيرة. ويذكر أنه ضرب منهم اثني عشر ألفاً وإذا راجعنا النص التاريخي الوارد في (٢صموئيل ٨: ١٣ أو ١أخبار ١٨: ١٢) نجد العدد ثمانية عشر ألفاً. وقد ورد أسماء ثلاثة من القواد هم يوآب وأبيشاي وداود ذاته ولكن هذه الصعوبة تزول إذا حسبنا أن داود هو الملك وأن يوآب هو القائد وأبيشاي أخوه فتنسب المعركة للقائد العام لأجل الاختصار أو للملك أيضاً. وعنوان المزمور يعود بنا تذكاراً لأهم وأمجد حرب قامت في أيام داود حينما انتصر على العمونيين وأحلافهم واستولى على ربة (راجع مزمور ٢١). وفيما كان انتصار داود في الشمال اغتنم الأدوميون هذه الفرصة لكي يضربوا من الجنوب ولذلك كان على الجيش المنتصر أن يرتد على هؤلاء الأعداء الجدد ويسحقهم أيضاً. وهذا المزمور يشير بصورة جلية إلى هذه الحرب ضد الأدوميين الذين حاولوا استغلال الموقف وضرب بني إسرائيل من الوراء.
(١) يبدأ المزمور بالشكوى والعتاب فإن الله صديق شعبه ولا غرو إذا عاتب الصديق صديقه. فيقول أهكذا رفضتنا ساخطاً وهاجمتنا بيد هؤلاء الأعداء. ولكن لا سبيل للرجوع بعد.
(٢) هوذا الأرض كلها من هول المصائب تئن فهي تظهر مكسورة لذلك لنا رجاء أن تجبر فيها ما انكسر وتثبت ما تزعزع وانهدم. والطلب من الله هو من باب الترجي المقدم بكل دعة وانكسار وذلة نفس.
(٣) هوذا الشعب في ضيق وعسر عظيم. وأصبحوا من جراء هموهم وأحزانهم بالنسبة للخسائر في الأرواح والأموال كأنهم في سكر وترنح من حالة الشدة التي هم فيها وهم لا يدرون ماذا يفعلون. وقد أخذ الأنبياء هذه الفكرة «خمر الترنح» ووضعوها في كتاباتهم أيضاً (انظر مثلاً إشعياء ٥١: ١٧ و٢١).
«٤ أَعْطَيْتَ خَائِفِيكَ رَايَةً تُرْفَعُ لأَجْلِ ٱلْحَقِّ. سِلاَهْ. ٥ لِكَيْ يَنْجُوَ أَحِبَّاؤُكَ. خَلِّصْ بِيَمِينِكَ وَٱسْتَجِبْ لِي. ٦ اَللّٰهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِقُدْسِهِ. أَبْتَهِجُ. أَقْسِمُ شَكِيمَ وَأَقِيسُ وَادِيَ سُكُّوتَ. ٧ لِي جِلْعَادُ وَلِي مَنَسَّى، وَأَفْرَايِمُ خُوذَةُ رَأْسِي. يَهُوذَا صَوْلَجَانِي».
(٤) لقد ترجم بعضهم هذا العدد بقوله «أعطيت خائفيك راية ترفع للكسرة لا للنصرة». ولكن أغلب المترجمين قد ذهبوا عكس ذلك. ويظهر أن المعنى هو أنه بالرغم من حالة الذل والانكسار التي وصلنا إليها فهبنا يا رب راية لكي ننضوي تحتها ونجتمع معاً غير متزعزعين وذلك ليس لأي شيء فينا نتوسل به بل لأجل الحق والعهد الذي قطعته مع شعبك. فليكن لنا إذاً من هذا أمل ورجاء.
(٥) وحينما يكون لنا مثل هذا الأمل ينفتح أمامنا باب النجاة ونخلص بيمينك من كل ضيق وتستجيب لنا هذه الصلاة. وقد يكون أن هذين العددين معناهما هو أن الله يسند شعبه الساقط المندحر فينهض ويرتفع الشعب (وليس الراية ذاتها إلا من باب المجاز) أي لا ترتفع الراية إلا بارتفاع الشعب أيضاً. وهكذا يظهر الله خلاصه ويسند شعبه ويرفعهم من سقطتهم ويوقفهم مرة أخرى أشداء غير خائفين. وقوله «بيمينك» أي زيادة العناية والاهتمام حينئذ يكون هذا الخلاص كاملاً لا يشوبه شيء. وقد يكون قوله لأجل الحق في العدد الرابع أي أن حربنا مع هؤلاء الأعداء هو للدفاع عن الحق الذي اغتصب منا. فإن هؤلاء الأعداء قد ظلموا ونكثوا العهد ولم يرعوا أية حرمة.
(٦) هنا قول إلهي يخرج كإنما من فمه هذا القول يتناول الأعداد السادس والسابع والثامن. فيتكلم عن شكيم ووادي سكوت (وهي الأرض الكائنة على الجانب الغربي من الأردن جنوبي بيسان التي كانت تسمى سيتوبوليس. وقد يكون أن هنالك أرضاً أخرى سميت بهذا الاسم الجانب الآخر من الأردن انظر قضاة ٨: ٤ وما يليه أيضاً راجع يشوع ١٣: ٢٧) وجلعاد ومنسى وأفرايم ويهوذا أنها كلها خاصته. ويلتفت إلى البلدان العدوة المجاورة فيحتقرها قائلاً أن موآب مرحضة فهي آنية للاغتسال فقط وأما أدوم فهي ليست إلا للدرس وأما أرض الفلسطينيين كلها يهتف باسم رب الجنود المنتصر عليها جميعاً (راجع ٢صموئيل ٧: ٩ وما يليه). قد يكون أن الله قد تكلم بفم كاهن بواسطة الأوريم والتوميم بما فيه الثقة الكاملة أن النصر النهائي هو لشعب الله (انظر عاموس ٤: ٢).
(٧) يعدد في هذا مدى الأملاك المجتمعة التي تؤلف مملكة داود. وحينما يصل لأفرايم التي يكنى بها عن مملكة الشمال بعد ذلك يقول عنها أنها رأسه. وهوذا الصولجان أي عصا الملك وكلاهما ضروريان للمحافظة على السيادة وربط المملكة كلها في جسم قوي متماسك واحد.
«٨ مُوآبُ مِرْحَضَتِي. عَلَى أَدُومَ أَطْرَحُ نَعْلِي. يَا فِلِسْطِينُ ٱهْتِفِي عَلَيَّ. ٩ مَنْ يَقُودُنِي إِلَى ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُحَصَّنَةِ؟ مَنْ يَهْدِينِي إِلَى أَدُومَ؟ ١٠ أَلَيْسَ أَنْتَ يَا اَللّٰهُ ٱلَّذِي رَفَضْتَنَا وَلاَ تَخْرُجُ يَا اَللّٰهُ مَعَ جُيُوشِنَا؟ ١١ أَعْطِنَا عَوْناً فِي ٱلضِّيقِ، فَبَاطِلٌ هُوَ خَلاَصُ ٱلإِنْسَانِ. ١٢ بِٱللّٰهِ نَصْنَعُ بِبَأْسٍ، وَهُوَ يَدُوسُ أَعْدَاءَنَا».
(٨) ومن هي موآب يقول المرنم سوى وعاء للاغتسال. هي ذليلة جداً لا تستطيع أن ترفع رأسها أو تقاوم نفوذاً يبسط عليها بسهولة. بل تأتي للملك سيدها صاغرة ذليلة. وإن تكن هي نفسها تدعي العزة والامتناع. كما وأن أدوم المحتالة التي تغتنم فرصة لتضرب من وراء الظهر فهي لا تستحق إلا أن يطرح عليها النعل دليل بسط السيادة الكاملة عليها وإخضاعها. كما وأن أرض الفلسطينيين وإن يكن فيها رجال أشداء محاربون فهم أيضاً يهتفون بالنصر للملك العظيم. وقد ورد في كلام العرب «ما كنت نعلاً» أي لا يستطيع أن يدوس أذيالي ويمتهن كرامتي. وقد ورد حذاء مترادفة للزوجة (راجع قاموس لاين تحت حذاء) وحينما يخلع الرجل نعله أي يترك امرأته. وحتى الآن في بلاد الحبشة إذا رمى أحدهم نعله على شيء دليل امتلاكه.
(٩) هنا يبدأ كلام آخر وإذا بالمرنم بعد هذا التصريح الإلهي ينهض مستدلاً أين أدوم؟ أين المدينة المحصنة التي سببت للشعب هذا الويل وتستحق أن ينزل بها العقاب الشديد. وهذا العدد مع الأعداد التي تليه كلها قوة وحماسة وإن تكن ابتهالاً إلى الله لأجل الغلبة والانتصار. أما المدينة المحصنة التي يعنيها فهي «صلع» أو المعروفة بالبتراء اليوم. وقوله من يقودني هو صرخة لأجل النصرة. فقد مضى وقت السكوت والاستسلام للعدوّ.
(١٠) ولكن المرنم حالاً لا يطلب مجداً لنفسه إذ أن القائد الحقيقي هو الله ذاته. فكما أن ذلة الإنكسار كانت بسبب تخلي الله عنهم كذلك فإن النصر هو بالله يعود فقط. من قبل لم يخرج مع الجيوش وأما الآن فهو في المقدمة. فما كان من قبل انكساراً يصبح الآن انتصاراً كاملاً. إن الملك وجيشه هم في قلب المعمعة الحامية والضائقة تحيط بهم ولكن الفرج لا بد قادم محقق.
(١١) هذه صرخة الإيمان الذي لا يتغير ولا يزول. إن عون الله هو في الضيق أي في الوقت الذي نحتاجه حاجة قصوى. وإن الإنسان لا عون منه إذ هو باطل ولا يستطيع شيئاً في الشدة. فالقوة هي من العلاء. فكما أن الله من قبل قد رفض شعبه يعود الآن إليهم بالرضى.
(١٢) وحينئذ يكون ما نصنعه آيلاً للمجد والسؤدد. وإذا هؤلاء الأعداء لا يستطيعون الوقوف في وجهنا أو الثبات في مقاومتنا. ذلك لأن الله عوننا وهو يحارب ضدهم. وهؤلاء الأعداء الساكنون في الصحراء سوف يكون نصيبهم الانخذال. بالله ينتصر إسرائيل والله موجود في وسطه وهو إلههم ولذلك فإن قصده سيتمم ولا يحيد عنه أبداً.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي وَٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ذَوَاتِ اَلأَوْتَارِ. لِدَاوُدَ


«١ اِسْمَعْ يَا اَللّٰهُ صُرَاخِي وَٱصْغَ إِلَى صَلاَتِي. ٢ مِنْ أَقْصَى ٱلأَرْضِ أَدْعُوكَ إِذَا غُشِيَ عَلَى قَلْبِي. إِلَى صَخْرَةٍ أَرْفَعَ مِنِّي تَهْدِينِي. ٣ لأَنَّكَ كُنْتَ مَلْجَأً لِي، بُرْجَ قُوَّةٍ مِنْ وَجْهِ ٱلْعَدُوِّ».
نرى أن داود يبدأ مزاميره عادة بلهجة الكآبة والحزن ويستعمل التضرع والابتهال بل الصراخ وطلب النجدة ولكنه ينتهي بالفرح والحمد والثناء. ويظهر أن كتابة هذا المزمور كانت في وقت نفي فيه من وجه شاول وقد يكون في وقت هربه من وجه أبشالوم ابنه لأنه يسمى نفسه ملكاً. وهو مزمور على ذوات الأوتار بعد أن انتهى من مذهباته الأربع كما رأينا سابقاً. أي مزمور يمكن غناؤه على آلة موسيقية فيها أوتار. لأن انتهاء الكلمة العبرانية «ات» مأخوذ عن الفينيقية وتدل على التأنيب دائماً. وإن يكن قد وجد خلاف بين علماء التفسير عن زمان كتابته حتى أن بعضهم حسبه موجهاً لكورش الفارسي أو لأيام الملوك السلوقيين ولذلك لم يعيروا الكتابة لداود أقل اهتمامهم. ولكن الرأي الأوفق للصواب هو أنه كتب حينما ارتد جيش داود رابحاً المعركة ضد أبشالوم في غابة أفرايم. والمزمور يتألف من قسمين كل منهما يحوي أربعة مقاطع ذات ثمانية سطور.
(١) هذا صراخ الاستغاثة وطلب النجدة. والصلاة تكون ذات تأثير وفاعلية متى خرجت من أعماق القلب فتصعد إلى السماء. وداود لأنه خرج من قصبة ملكه ذليلاً مهاناً وقطع الأردن للناحية الثانية فهو يرى كأنه أصبح في بلاد بعيدة جداً يحسبها أقصى الأرض. والسبب في ذلك راجع إلى مقدار شعوره بالبعد النفسي إذ قلبه في غشيان ولا يجد من ينجده لذلك فهو يسكب نفسه بالصلاة والدعاء راجياً من الله أن يرحمه ويهديه.
(٢ و٣) وكلمة «غشي» العبرانية تفيد معنى التلوي والانعطاف من الألم. فقد كان المرنم في ضيق عظيم لا شيء حوله حقيقي وثابت بل كل شيء متزعزع متغير فلا عجب إذا طلب صخرة أرفع منه يتسلق إليها وينجو بنفسه فيكون على أرض تستطيع حمله ولا تترجرج تحته قط. وهذا التعبير إن الله صخرة وملجأ وحصن ويستره تحت جناحيه كله قديم (راجع أمثال ١٨: ١٠). وحسب التعبير العربي فإن الله يقبل أن يجيره من مصاب هو فيه ويرضى أن يقبله جاراً له. ولا ينسى أن هذا العون هو أعلى منه فهو ينظر إلى فوق لكي يناله وهو (أي الله) يهديه إليه بواسطة هذا الارتفاع (انظر إشعياء ٣٨: ١٠ وإرميا ٤: ٢١).
«٤ لأَسْكُنَنَّ فِي مَسْكَنِكَ إِلَى ٱلدُّهُورِ. أَحْتَمِي بِسِتْرِ جَنَاحَيْكَ. سِلاَهْ. ٥ لأَنَّكَ أَنْتَ يَا اَللّٰهُ ٱسْتَمَعْتَ نُذُورِي. أَعْطَيْتَ مِيرَاثَ خَائِفِي ٱسْمِكَ. ٦ إِلَى أَيَّامِ ٱلْمَلِكِ تُضِيفُ أَيَّاماً. سِنِينُهُ كَدَوْرٍ فَدَوْرٍ. ٧ يَجْلِسُ قُدَّامَ ٱللّٰهِ إِلَى ٱلدَّهْرِ. ٱجْعَلْ رَحْمَةً وَحَقّاً يَحْفَظَانِهِ. ٨ هٰكَذَا أُرَنِّمُ لٱسْمِكَ إِلَى ٱلأَبَدِ. لِوَفَاءِ نُذُورِي يَوْماً فَيَوْماً».
(٤) يطلب أن يسكن مطمئناً قرب الله. والأصل العبراني يدل على طلب الجوار أي الاحتماء بموقدة البيت. بل نجد التعبير يدل على أكثر من ذلك فهو يطلب الحماية بستر جناحي الله. إذ يشعر كما يشعر الفرخ أن لا حماية له ولا دفء إلا بعد أن تحتضنه الأم وتحميه وتقيه من المعاطب. ولا ننسَ أن في تلك الأيام كانت خيمة الاجتماع فقط ولم يكن قد بني الهيكل بعد. فكان المسكن ينتقل من مكان لآخر. فإذاً هذه الحماية التي يطلبها هي من شخص الله وليس في مكان معين.
(٥) والمرنم يرى أن الله قد استمع لصوته واستجابه. فإن حياته غالية في عينيه وكذلك فإن ملكه سيعود إليه ويبقى الميراث لمن يستحقه من أولاد غير عقوقين كما كان أبشالوم يقبل الله الصلاة ويرضى عن النذور (راجع ٢صموئيل ١٥: ٢٥ وما يليه) وسيعيد إليه كل الأرض التي اغتصبها الغاصب فهو سارق ولا يمكن أن يبقى الملك في يد أناس كهؤلاء.
(٦) ولا يكتفي الله بأن يرجع الحق إلى نصابه والملك إلى ملكه. بل يباركه شخصياً بأن يضيف على أيامه أياماً بعد ويتبعها بالسنين. وهكذا فإن الله قد تبنى قضية داود ولا يتركه جانباً بل يحفظه ويباركه. يقويه ويرعاه ويطيل حياته في خدمة الناس وعبادة ربه. وكأنما ما مضى عليه من أوقات الحسرات بسبب عقوق الابن وتمرد الشعب سيعوّض الله عليه أياماً سعيدة يفرح فيها ويملك قرير العين ناعم البال.
(٧) وهكذا يكون شأنه أنه يجلس للعبادة والورع أمام الله مترنماً بجوده وإحسانه مقدماً له آيات الاعتراف بالجميل على كل الحسنات التي صنعها معه. وقد قدم الرحمة لأنه قد احتاجه الملك أولاً في ضيقه ولولاها لما ثبت له شيء من السؤدد والملك. وهوذا بعد ذلك يملك بالحق لأنه الملك الشرعي بلا منازع.
(٨) ويختم هنا بالابتهاج المفرح والترنم لأن بعد الشدة يأتي الفرج وقد جاء هذا كاملاً أفلا يحق للمرنم أن يذيع شكر مولاه وحمده. بل سيفعل ذلك أبداً ولا ينسى قط ما قدمه من نذور في وقت ضيقه بل سيذكر الله الآن في فرجه ووقت سلامه وطمأنينته كما فعل من قبل لأن الأمانة تقضي أن يبقى الإنسان أميناً لإلهه في جميع الظروف والأحوال.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي وَٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى «يَدُوثُونَ». مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ إِنَّمَا لِلّٰهِ ٱنْتَظَرَتْ نَفْسِي. مِنْ قِبَلِهِ خَلاَصِي. ٢ إِنَّمَا هُوَ صَخْرَتِي وَخَلاَصِي مَلْجَإِي. لاَ أَتَزَعْزَعُ كَثِيراً. ٣ إِلَى مَتَى تَهْجِمُونَ عَلَى ٱلإِنْسَانِ؟ تَهْدِمُونَهُ كُلُّكُمْ كَحَائِطٍ مُنْقَضٍّ، كَجِدَارٍ وَاقِعٍ!».
لقد وضع هذا المزمور قريباً من المزمور سابقه لوجود عددٍ من النقاط المتشابهة بينهما وهو يرجّح أنه كتب أيضاً في عهد الهرب من وجه أبشالوم. وهو معنون على يدوثون (وقد سبق الكلام عن ذلك في المزمور التاسع والثلاثين فليراجع). وهو من جهة موضوعه قرين وشبيه بالمزمور التاسع والثلاثين وكذلك من جهة تركيبه البياني والشعري.
(١) إن المرنم وإن يكن بحسب كل الظواهر قد خسر كل شيء. ومع ذلك فهو لم ييأس بل ينظر إلى الجهة المشرقة. وهكذا بينما يرى الوجوه الكالحة الكثيرة حوله والتي تناصبه العداء إذا به يلتفت إلى الله بروح التسليم والخضوع. وتسليمه ليس من قبيل الرضوخ للقضاء والقدر بل اقتناعاً منه أن الله لا يتخلى عنه قط (انظر ٢صموئيل ١٢: ٧ - ١٣).و هو يردد كلمة «إنما» ترديداً ظاهراً يلفت النظر. وما أجمل هذه البداءة! إذ ينتظر الرب بكل صبر وأمل. والانتظار معناه أنه إذا كنا قد عزمنا وصممنا نوايانا على بعض الأمور علينا أن نثبت عليها ولا نتزعزع. إن خلاصه هو من الله وليس منه شخصياً ولا من أي إنسان.
(٢) في هذا العدد يعود لتلك الفكرة الراسخة القديمة وهي أن الله صخرة وملجأ عليه الاتكال وبه المخبأ والملاذ الأمين. وحينئذ فإن تسليم الإنسان بهذه الحقيقة يجعله أيضاً راسخاً غير متزعزع مهما تقلبت الأحوال واشتدت الصعاب من كل جانب.
(٣) في قوله «تهجمون» يستعمل كلمة في العبرانية قريبة جداً لكلمة «هتّ أو هتك» العربية. أي أن هؤلاء الأعداء يحاولون أن يهتكوا الستر عني وبذلك يذلونني بكل ما لديهم من وسائل. فهم يتكلمون غيبة ويكذبون ويراؤون ويسببون كل أنواع الحط من الكرامة والشرف. وقد تكون الكلمة قرية من «هوّت». أي هوّت على فلان إذا صاح به قصد تعييره وإذلاله أمام جمهور من الناس. وأما التشبيه بأن مهاجمتهم ومحاولة هدمه بالجدار الساقط المنقض فهو من الأشياء المألوفة الوقوع في بنايات صغيرة قديمة إذا بها تنهار تحت ضرب بعض المعاول بأيدي العمال. وكإنما هم يريدون أن يهدموا ملك داود الذي أصبح متقدماً في الأيام لكي يقيموا مكانه أبشالوم وهو في ريعان الشباب عساه يكون أوفى ملكاً وأكثر إخلاصاً لشعبه.
«٤ إِنَّمَا يَتَآمَرُونَ لِيَدْفَعُوهُ عَنْ شَرَفِهِ. يَرْضَوْنَ بِٱلْكَذِبِ. بِأَفْوَاهِهِمْ يُبَارِكُونَ وَبِقُلُوبِهِمْ يَلْعَنُونَ. سِلاَهْ. ٥ إِنَّمَا لِلّٰهِ ٱنْتَظِرِي يَا نَفْسِي، لأَنَّ مِنْ قِبَلِهِ رَجَائِي. ٦ إِنَّمَا هُوَ صَخْرَتِي وَخَلاَصِي. مَلْجَإِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ. ٧ عَلَى ٱللّٰهِ خَلاَصِي وَمَجْدِي. صَخْرَةُ قُوَّتِي مُحْتَمَايَ فِي ٱللّٰهِ. ٨ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي كُلِّ حِينٍ يَا قَوْمُ. ٱسْكُبُوا قُدَّامَهُ قُلُوبَكُمْ. اَللّٰهُ مَلْجَأٌ لَنَا. سِلاَهْ».
(٤) هؤلاء القوم يتآمرون في أشياء لا يرضى عنها الشرف ولا الوجدان ولا سيما وإنهم يريدون أن يغروا ويبعدوا الآخرين عن شرفهم ويستعملون الحيل والكذب. وهم لا يجسرون أن يفعلوا ذلك جهارا بل تجدهم يباركون جهراً ويلعنون سراً. ثم ينتهي إلى ارتفاع في الموسيقى سلاه.
(٥) في هذا المقطع يعود المرنم لما بدأ كلامه به وهو الانتظار ويخاطب نفسه أن تتريث وأن تتمهل ولا تقدم على شيء تندم عليه بعد حين. ويعود الشاعر لتلك التأكيدات العاطفية وبإيمان غير متزعزع ولا منفصم يجابه أعداءه ويتغلب عليهم بقوة إلهه لا بقوته الشخصية. يريد أن يسكت نفسه ولا يسمح لها بالمورابة أو الخوف كما لا يسمح لها بالضجة وخسارة الإيمان ذلك لأن رجاءه الحق هو بالله ومن قبله كل قوة وخلاص. ولا شك أن إيماناً كهذا هو الذي يشدد العزيمة ويكوّن شخصية الإنسان ويجعله راسخاً كالجبل لا يتزعزع من صروف الزمان وتقلباته. ومما يعجبني بهذا الكلام هو خلوه من كل حقد أو حب انتقام فهو لا يتشفى بأحد ولا يطلب المجازاة.
(٦) مرة أخرى يبدأ كلامه «بإنما» وبتلك الفكرة القديمة إن الرب هو الصخرة والخلاص. يحق لمن كان مؤمناً على هذه الصورة أن يتكل على من هو حافظ للعهد جدير بمثل هذا الاتكال.
(٧) وكذلك في هذا العدد يتابع الفكرة ذاتها بأن بالله الخلاص والمجد منه الحماية والحفظ. نعم أن الإنسان في ساعة شدته وقنوطه عليه أن يلتفت إلى تلك القوة العلوية تسنده. ويرى أنه كان من حقه أن يوبخ نفسه على ساعات أخرى لم يكن له مثل هذا الإيمان. وقد حصل عليه باختباره حوادث مؤلمة مرت عليه فاتخذها لنفسه عبرة ودروساً والحكيم هو ذاك الذي يتعظ ويفهم وأما الجاهل فهو ذاك الذي لا يستطيع التمييز. فيرى المرنم أن الله يظهر مجده وقدرته بواسطة مصابه هذا وعليه الانتظار.
(٨) ثم يلتفت إلى أتباعه والذين بقوا معه رغم ظروفه الصعبة الحاضرة ويقول لهم «توكلوا عليه في كل حين يا قوم...» وما أجمله من التفات بعد أن يتأكد هذه الحقيقة يريد أن يعلمها للآخرين. وأفضل المعلمين هم ليسوا أدعياء العلم ولا المتكبرين بل هم الذين يأخذون اختباراتهم الشخصية ليضعوها أمامنا. وبعد أن استفادوا يريدوننا أن نستفيد مثلهم. وينهي كلامه بارتفاع الموسيقى مرة أخرى.
«٩ إِنَّمَا بَاطِلٌ بَنُو آدَمَ. كَذِبٌ بَنُو ٱلْبَشَرِ. فِي ٱلْمَوَازِينِ هُمْ إِلَى فَوْقُ. هُمْ مِنْ بَاطِلٍ أَجْمَعُونَ. ١٠ لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى ٱلظُّلْمِ وَلاَ تَصِيرُوا بَاطِلاً فِي ٱلْخَطْفِ. إِنْ زَادَ ٱلْغِنَى فَلاَ تَضَعُوا عَلَيْهِ قَلْباً. ١١ مَرَّةً وَاحِدَةً تَكَلَّمَ ٱلرَّبُّ، وَهَاتَيْنِ ٱلٱثْنَتَيْنِ سَمِعْتُ، أَنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلّٰهِ. ١٢ وَلَكَ يَا رَبُّ ٱلرَّحْمَةُ، لأَنَّكَ أَنْتَ تُجَازِي ٱلإِنْسَانَ كَعَمَلِهِ».
(٩) لقد خاطب إذاً قوماً مخصوصين وطلب منهم أن يستفيدوا من المثالة التي يلقيها عليهم. ولكنه في هذا العدد يلتفت إلى الشعب عموماً ويقول عنهم أنهم باطل وجميع أعمالهم باطلة. فإن محبتهم برياء وكذلك فصداقتهم عن مصلحة. وصحبتهم فيه كذب وبهتان لا تثبت إلا إلى حين. إذا وضعوا في الموازين فهم لا يساوون العيارات في الكفة الأخرى وهكذا فالإنسان أقل جداً مما نأمل منه. وهو باطل لأنه لا يستقر على حال. حتى الأمناء الخلص فهم قد نفقدهم بالموت أو الاغتراب ولا يكونون فيما بعد.
(١٠) يقول المرنم إن هؤلاء الناس الذين أقاموا أنفسهم عليكم قضاة وحكاماً إياكم أن تتكلوا عليهم فإن الظلم في أحكامهم محقق. ولذلك فإن هذا الملك الموقت الذي أقامه أبشالوم لنفسه بادعائه العدل والرحمة إنما هو في حقيقته ظالم. إذ أول ظلم ظهر هو ظلمه لأبيه بدلاً من إكرامه له وطاعته. ثم يحذرهم أن لا يخطفوا من يد أحدٍ شيئاً. لأن ذلك مكرهة أمام الرب. كما أنه يحذرهم من الغنى والمجد العالميين لئلا يضع الإنسان عليه قلباً ويحسب نفسه عظيماً على نسبة كثرة غناه وعظمة ماله. وفي هذا العدد نجد موعظة يريد المرنم من الناس أن يتعلموها لذلك فكلامه من قبيل الإجمال الذي يصدق على الجميع.
(١١) يقول إن الرب قد تكلم مرة وقد فاه أمام الناس بحقيقة مزدوجة وهي: أولاً أن الله هو مالك هذا الوجود كله يتصرف به كما يشاء ويحكم على كل ما هو أرضي ولذلك فلا شيء يحدث خارج إرادته أو بعيداً عن سلطانه وهكذا فكل مخالفة لمشيئته تعالى سوف تقف من ذاتها عاجلاً أم آجلاً. وثانياً أن من هذا الإله لنا الرحمة والرضوان. فهذا الإله القدير الخالق لكل شيء والحاكم بما يشاء هو رحيم غفور على قدر ذلك. يضع المرنم أمام عيوننا هاتين الحقيقتين اللتين اختبرهما بما مر عليه من حوادث الزمان وعبره ويريد اتباعه بالأخص وجميع الناس أن يفهموهما ويعترفوا بهما قبل فوات الآوان.
(١٢) وهذا الإله القدير الرحيم في الوقت ذاته هو ديّان العالمين يجازي كل إنسان عما فعله. لذلك فعلى الإنسان أن يصلح سلوكه وينقي أفكاره ولتكن علاقته بالله قوية متينة لا يزعزعها كرور الأيام بل يزيدها توثقاً وشدة (انظر رومية ٢: ٦). وأما الذين يجسرون على عصيان أمره تعالى والسير ضد مشيئته فسوف ينالهم العقاب الشديد ويندمون حين لا ينفع الندم أحداً شيئاً. وأما بانتظار المؤمن لإلهه فهذا الإله القدير الرحيم لا يتخلى ولا ينسى بل يعطيه قوة في حينها وجزاء موعوداً.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ وَٱلسِّتُّونَ


مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ لَمَّا كَانَ فِي بَرِّيَّةِ يَهُوذَا


«١ يَا اَللّٰهُ إِلٰهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ، ٢ لِكَيْ أُبْصِرَ قُوَّتَكَ وَمَجْدَكَ كَمَا قَدْ رَأَيْتُكَ فِي قُدْسِكَ. ٣ لأَنَّ رَحْمَتَكَ أَفْضَلُ مِنَ ٱلْحَيَاةِ. شَفَتَايَ تُسَبِّحَانِكَ».
يختلف المفسرون في زمان كتابة هذا المزمور وماذا يعني ببرية يهوذا هذه. وقد ذهب بعضهم أنه كتب في أيام أبشالوم أيضاً كما كتب المزموران السابقان أي الحادي والستون والثاني والستون. ولكن بسبب شدة الكلام الأخير أي في العددين التاسع والعاشر ما يبعد هذا الاحتمال ويستبعد أن يتفوه أب على ابنه بمثل هذا الغضب واللعنة وداود كما هو معروف عنه قد حقد على يوآب لأنه قتل أبشالوم ابنه. كما أنه قد رثا ولده هذا بأعمق حاسات والدٍ محب حنون. وأرى أن التشبث في مثل هذه النسبة لا مبرر له قط. وقد يكون أن البرية التي يذكرها من قبيل المجاز البياني لكي يصور حالة من حالاته النفسية حينما كان شريداً بعيداً فقد كان في برية من نفسه أكثر من أية برية أخرى. وهذا المزمور يستعمل للصباح بقوله «إليك أبكر». ومن أوجه كثيرة يشبه المزمورين ٤٢ و٤٣ وإن تكن التسمية لبني قورح في أحدهما وهو المزمور الثاني والأربعون.
(١) ما أعمق هذا الكلام وما أجمله لافتتاح مثل هذا المزمور. فهو كلام محب بل متيم بالله. يستيقظ في السحر الباكر فيجد نفسه بعيداً عن الوطن والعمران وإذا به في برية قاحلة ناشفة بلا ماء ولكن الله هو ارتواؤه الحقيقي. وشوقه لله يشبهه بعطشه للماء لا سيما وهو في أرض معطشة (راجع مزمور ٤٢: ١).
(٢) الأفضل ترجمته هكذا: لأني في القدس أبصرتك فرأيت قوتك ومجدك. يعود المرنم بالذاكرة إلى الوطن وقد هاجر عنه الآن موقتاً فيرى مكاناً طالما صبا إليه وحنا قلبه عليه ألا وهو مكان العبادة (خيمة الاجتماع في ذاك الحين إذ لم يكن قد بني الهيكل بعد). والقدس هنا لا تعني بالطبع مدينة القدس بل المكان المقدس في نظره حيثما يجتمع بإلهه للعبادة والورع. لقد كان في البرية وما أقوى حنينه هناك لمكان الري والخصب لأن بضدها تتبين الأشياء.
(٣) لأول وهلة لا تظهر علاقة قوية بين قوله «لأن رحمتك أفضل من الحياة» وبين شفتاي تسبحانك. ولكن هذا العدد متصل بمعناه بالعدد الثاني. فإن المرنم بعد أن يتحقق من صدق ما يراه في الله يعطي حكماً بل يسدي نصحاً لكل إنسان بقوله إن رحمة الله هي الحياة ذاتها لأن بدونها لا حياة بل موت محقق. وبالتالي فلأن الله هو المحيي إذاً يستحق التسبيح من كل شفة. ولا شيء يوازي هذه الرحمة سوى قدرة الله ومجده.
«٤ هٰكَذَا أُبَارِكُكَ فِي حَيَاتِي. بِٱسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ. ٥ كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي، وَبِشَفَتَيْ ٱلٱبْتِهَاجِ يُسَبِّحُكَ فَمِي. ٦ إِذَا ذَكَرْتُكَ عَلَى فِرَاشِي، فِي ٱلسُّهْدِ أَلْهَجُ بِكَ، ٧ لأَنَّكَ كُنْتَ عَوْناً لِي، وَبِظِلِّ جَنَاحَيْكَ أَبْتَهِجُ».
(٤) ولو كان الأن في حالة المتاعب بعيداً عن الأهل والعمران فهو مع ذلك متحقق من أن الله لن يتركه بل سيسد كل احتياجه وينجيه من كل ضيقاته ولذلك يصرخ من أعماق قلبه «هكذا أباركك» وثم رفع اليدين باسم الله معناه تقديم الدعاء ورفع الصلاة إليه تعالى لأن برفع اليدين رمزاً للسجود وتقديم العبادة منذ قديم الزمان إلى الآن.
(٥) قوله شحم هنا ليس معناه المادة المعروفة بل الأرجح يقصد كل ما هو مغذٍ من لب الأشياء كشحم الحنطة مثلاً أي قلبها الداخلي المملوء بالغذاء. مع أنه من المستطاع أكل الشحم إذ لم يمنع منعاً باتاً وإن يكن أنه كان يحرق وقت تقديم المحرقات (راجع تثنية ٣٢: ١٤ وقابله مع إرميا ٣١: ١٤). ويقصد المرنم أن الله يعطيه غذاء جيداً بواسطة حيوانات سمينة مملوءة بالبركة والدسم وليس بواسطة عجاف الحيوان وضعافه. كما أنه يعطيه غذاء من أفضل أنواع المأكولات من حبوب وخضر حتى الشبع التام. وحينئذ فهذه الشفاه التي أكلت وشبعت تذيع حمد الله وتسبيحه وشكره. وهذا الفم المغتذي بالطعام يقدم آيات الثناء المستطاب.
(٦) هنا إذا ليست للشرطية بل بالأكثر للظرفية. أي إن المرنم يذكر الله على فراشه أي قبل أن يستيقظ في الصباح الباكر كما ابتدأ المزمور يكون قد قضى وقتاً طويلاً بالتأملات الروحية العميقة. ويكون أنه لا يعود قادراً على النوم بل يسهد جفنه من عظمة ما يتذكره عن الله. فيلهج بحمده تعالى وشكره ربما بصوت غير مسموع وبعده بصوت مسموع يفهمه كل الناس. فليس ذكره لله كشيء سريع عابر يمر به وانتهى الأمر بل هو لذته وحنينه ولذلك يصرف أغلب ليله في مثل هذه الأفكار التي ترفع النفس للعلى (انظر أيوب ٩: ١٦).
(٧) وكيف يقدر أن ينسى هذه المراحم وقد كان الله عونه وسنده في الوقت الشديد الذي مرّ عليه. وفي وسط تلك المخاطر إذا به يحتمي بظل جناحي العلي القدير (راجع مزمور ١٧: ٨ و٣٦: ٨ و٥٧: ٢). ومن حر الهجير في تلك الصحراء القاحلة الحارة له برد وسلام بظلال من العلي وارفة تحميه حر الهاجرة ولا تتركه في متاعبه وآلامه.
«٨ اِلْتَصَقَتْ نَفْسِي بِكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي. ٩ أَمَّا ٱلَّذِينَ هُمْ لِلتَّهْلُكَةِ يَطْلُبُونَ نَفْسِي فَيَدْخُلُونَ فِي أَسَافِلِ ٱلأَرْضِ. ١٠ يُدْفَعُونَ إِلَى يَدَيِ ٱلسَّيْفِ. يَكُونُونَ نَصِيباً لِبَنَاتِ آوَى. ١١ أَمَّا ٱلْمَلِكُ فَيَفْرَحُ بِٱللّٰهِ. يَفْتَخِرُ كُلُّ مَنْ يَحْلِفُ بِهِ. لأَنَّ أَفْوَاهَ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ بِٱلْكَذِبِ تُسَدُّ».
(٨) ولا يكتفي بأن يكون مظللاً محمياً من الخطر بل يجد نفسه ملتصقاً بالله. يرافقه الله عن يمينه وشماله ربما يمشي معه ويسند ضعفه ويشدد عضده ولا يتخلى عنه أبداً. وهذا الإله المحب يمد له اليمين. أي اليد القوية العاضدة. فالمرنم إذاً لا يستطيع أن يتخلى عن الله كما أن الله لا يتخلى عنه ولا يتركه في أي هاجس من الهواجس الممضة المزعجة.
(٩) هنا يعود للأعداء ويصور لنا ما هو نصيبهم المحتوم الذي لا محيد عنه. ولا شك أن هذا الجزء من المزمور هو نزول عظيم من المستوى الذي كان فيه قبلاً. فقد حلّق المرنم عالياً وامتد بصره واسعاً إلى الله ومحبته وعنايته. وأما الآن فهو ينزل للانتقام وإظهار روح البغض والعداء نحو الآخرين الذين أساءوا إليه وعاملوه تلك المعاملة الجافية الشريرة. هم للهلاك بنواياهم الشريرة فما قصدوه من ضرر وقعوا هم فيه على حد القول «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها». إذاً هؤلاء الأعداء قد سعوا إلى حتفهم بظلفهم ولا يلومون أحداً لأن اللوم على أنفسهم فقط.
(١٠) هنا يتحقق قول السيد المسيح «من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ» لأنهم قد جردوا سيوفهم للفتك إذا بهذا السيف يرتد عليهم ليقتلهم وترمى جثثهم في الخلاء البعيد لكي تنهشهم حيوانات البرية حتى بنات آوى وهذا منتهى التحقير. إذ لو افترستهم الأسود لكان ذلك أهون ولكنهم لا يستحقون ميتة كهذه. فهم قتلى سيف هم جردوه كما حدث لجليات الجبار الفلسيطيني فقد قتل بسيفه أخيراً وإن يكن قد سقط أولاً بحجر المقلاع (راجع إرميا ١٨: ٢١ وحزقيال ٣٥: ٥).
(١١) هوذا الملك الذي كان مبعداً عن وطنه يعود ليفرح بمقادس الله بينما أعداؤه يسقطون بحد السيف الذي جردوه ضده. لقد كان الملك في البرية مع الوحوش والحيوانات ولكن أعداءه الآن ترمى جثثهم إلى هذه الحيوانات ذاتها إذ لا يستحقون أن يقابلوها وهم أحياء بل وهم أموات لأنهم ماتوا قتلاً بالعدوان الذي قصدوه لغيرهم فكان على أنفسهم فقط. فاليد التي امتدت بالعدوان قد تحطمت واللسان الذي فاه من قبل بالافتراء والأكاذيب قد سد إلى الأبد.


اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ وَٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ اِسْتَمِعْ يَا اَللّٰهُ صَوْتِي فِي شَكْوَايَ. مِنْ خَوْفِ ٱلْعَدُوِّ ٱحْفَظْ حَيَاتِي. ٢ ٱسْتُرْنِي مِنْ مُؤَامَرَةِ ٱلأَشْرَارِ، مِنْ جُمْهُورِ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ ٣ ٱلَّذِينَ صَقَلُوا أَلْسِنَتَهُمْ كَٱلسَّيْفِ. فَوَّقُوا سَهْمَهُمْ كَلاَماً مُرّاً».
هذا المزمور لا يعرف زمان كتابته إذ ليس فيه شيء من الأدلة التاريخية ترينا زمان أو مكان كتابته. وتقول «المدراش» إنه يناسب دانيال الذي طُرح في جب الأسود بواسطة مكيدة أحكم المتآمرون وضعها. وإذا كان هذا الوصف في المزمور ينطبق على حالة دانيال فليس من المؤكد متى كتب في العصر الذي عاش فيه داود واحتمل التعذيب والشدائد إن كان في أيام اضطهاد شاول له أو في أيام حكم أبشالوم وثورته على أبيه. وأما العنوان لإمام المغنين فهو الذي وضع اللحن الموافق وينسب النظم إلى داود ذاته.
(١) يبدأ المزمور بالشكوى والالتجاء إلى الله. وأما الشكوى فهي بواسطة الكلمات وليس بواسطة أنات الآلام المعتادة. والتعبير بالكلام هنا لأنه يفهم الآخرين سبب الشكوى وموضوعها لا سيما والمرنم يريد رفعها إلى الله. وأما قوله خوف العدو أي ما يسببه من ويلات. والعدو هنا كناية عن جماعة متأمرين بالشر على الصديق. إذاً فالعدو عديد وليس مفرداً. ويطلب أن تحفظ حياته منهم لأنهم قوم لا ينفكون وراء نفسه حتى يهلكوها.
(٢) في هذا العدد يتبين لنا جلياً أن الأعداء كثيرون عليه فهم جمهور فاعلي الإثم وليسوا في حالة البساطة والسذاجة ليهون أمرهم ولكنهم أشداء حكماء لهم موآمراتهم الخفية وتدابيرهم التي يصنعونها في الخفاء للإيقاع بالمستقيمي القلوب. وهو يطلب الستر والحماية إذ لا يستطيع الاعتداء على أحد وفي الوقت ذاته لا يريد أحداً يعتدي عليه.
(٣) إن السيف يصقل لكي يصبح أمضى من ذي قبل. وحينئذ إذا استعملته يد قوية يكون فتاكاً ومهلكاً. وكذلك هم أعدّوا سهامهم لكي يرموها لدى أول سانحة وكان إعدادهم لها بواسطة الكلام المر. نعم إن اليد الشريرة لا تمتد للفعلة الشنعاء إلا بإرشاد اللسان الشرير الذي يخرج عن دائرة السكوت إلى أن يسلق الآخرين ويهشمهم بلواذعه تهشيماً. وقد قال الشاعر:
جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان



إلا فليتق الله كل ذي لسان ذرب يستعمله صاحبه للشر والوقيعة بدل الخير والسلام.
« ٤ لِيَرْمُوا ٱلْكَامِلَ فِي ٱلْمُخْتَفَى بَغْتَةً. يَرْمُونَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ. ٥ يُشَدِّدُونَ أَنْفُسَهُمْ لأَمْرٍ رَدِيءٍ. يَتَحَادَثُونَ بِطَمْرِ فِخَاخٍ. قَالُوا: مَنْ يَرَاهُمْ؟ ٦ يَخْتَرِعُونَ إِثْماً، تَمَّمُوا ٱخْتِرَاعاً مُحْكَماً. وَدَاخِلُ ٱلإِنْسَانِ وَقَلْبُهُ عَمِيقٌ».
(٤) هؤلاء الأشرار الذين أعدوا عدتهم إنما فعلوا ذلك في خفية عن الأعين إذ لا يريدون أن يكتشفهم أحد. فهم وإن لم يخجلوا من أنفسهم قد يخجلون من الناس حولهم. لذلك لا يجرأون على التظاهر بالبغض والشر. ولكنهم كالوحوش المفترسة التي تكمن لطريدتها هكذا يفعلون بالمساكين الذين وهم في غفلة من أمرهم إذا بهم يقعون في الشرك الذي نصبوه لهم. وهم لا يخشون الله ولا يخافون اسم العلي. لأن قلوبهم قاسية متمرغة في الإثم والخطيئة وضمائرهم متحجرة لا يميزون الخير من الشر.
(٥) ما أشدهم وما أقواهم على إتيان الأمور الرديئة. فكما هم متقاعسون متكاسلون عن فعل الخير هم في الوقت ذاته أشداء ماهرون في ارتكاب المعاصي والآثام. يعرفون أنه لأمر رديء هم قادمون ولكنهم لا يتأخرون عن ذلك وحديثهم هو في طمر فخاخ ونصب أشراك وأحابيل زاعمين أن لا أحد يراهم حتى ولا الله فكم بالأحرى أي الناس. هم يستخفون بكل الناس وبكل الوصايا الإلهية ويحسبون أن ترتيباتهم لا تعيقها الوصايا ولا يستطيع أي إنسان أن يؤثر عليهم للخير والإصلاح إذ هم قد رفضوا كل خير وتوغلوا في المعاصي إلى الدرجات البعيدة. وقوله من يراهم؟ ليس للاستفهام (راجع إرميا ٤٤: ٢٨ وأيوب ٢٢: ١٧ و١ملوك ٦: ٢٠).
(٦) إنهم حاذقون ماهرون ومتمرنون على عمل الشر والفساد وقد وصلوا إلى درجة الاختراع. ولذلك قد حولوا مقدرتهم للشر بدل الخير. هم قوم ذوو عقول ثاقبة ربما ومعارف واسعة ولكن! لا ضمير عندهم يبكتهم على أي شيء. إذاً فالمعرفة وحدها لا تكفي ولا العلم وحده في المدارس والمنتديات يدفع مكروهاً بل قد يسببه لأنه «علّم ابنك العلم بلا دين تجده من أمهر الشياطين». واختراع هؤلاء الأشرار للإثم كان بطريقة بارعة محكمة. فقد تظاهروا مدة طويلة بغير ما يضمرون ولذلك قال عنهم «داخل الإنسان وقلبه عميق». لأنه لنا الظاهر ونحكم على اللسان وعلى الأعمال الخارجية. ولذلك فقد خدعوا وواربوا وكذبوا وادعوا وكانوا في ترتيباتهم الخفية غير ما أظهروه للآخرين. نعم إن داخل الإنسان وقلبه عميق ولكنه ليس أعمق من أن يعرفه الله ويفحصه دائماً.
«٧ فَيَرْمِيهِمِ ٱللّٰهُ بِسَهْمٍ. بَغْتَةً كَانَتْ ضَرْبَتُهُمْ. ٨ وَيُوقِعُونَ أَلْسِنَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. يُنْغِضُ ٱلرَّأْسَ كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ. ٩ وَيَخْشَى كُلُّ إِنْسَانٍ وَيُخْبِرُ بِفِعْلِ ٱللّٰهِ، وَبِعَمَلِهِ يَفْطَنُونَ. ١٠ يَفْرَحُ ٱلصِّدِّيقُ بِٱلرَّبِّ وَيَحْتَمِي بِهِ، وَيَبْتَهِجُ كُلُّ ٱلْمُسْتَقِيمِي ٱلْقُلُوبِ».
(٧) لذلك هوذا الله يرميهم ويبغتهم. فلم يكونوا السابقين في المباغتة إذ لا يستطيعون ذلك مع الله وإن كان البشر يستطيعون ذلك بعضهم مع بعض وأما مع الله فلا يمكنهم أن يفعلوا شيئاً. نعم إن قلب الإنسان عميق ومغلق عن الإفهام ولكنه ليس كذلك مع الله (انظر إرميا ١٧: ٩ وما يليه) ويمكن ترجمة القسم الأخير «بغتة» كانت جراحهم (راجع ميخا ٧: ٤).
(٨) عندما نراجع (العدد ٣) نفهم أن هؤلاء الأشرار الذي صقلوا ألسنتهم من قبل واستعملوها كسيوف حادة قاطعة إذا بها الآن تعود ضدهم وهذه الألسنة ترتد عليهم. لقد قصدوا الضرر فيقع الضرر عليهم أولاً. وتكون النتيجة أن كل إنسان ينظر إليهم يهز رأسه ويقول إن على الباغي تدور الدوائر. نعم أن الناس الكرام لا يشمتون بهؤلاء الأعداء ولا يفرحون بما يصيبهم من بلية وأذى ولكن في الوقت ذاته لا يسعهم إلا أن يعتبروا إن ما لحق بهم كان قصاصاً عادلاً يحتاجون إليه لعلهم يرجعون عن غيهم وعن إثمهم ولكنهم لا يعتبرون.
(٩) وهنا عود أيضاً (للعدد ٤) فقد قال عنهم أنهم لا يخشون. وهنا يقول إن كل إنسان يخشى بما أصاب هؤلاء الأشرار من عقاب صارم يستحقونه. نعم على الإنسان العاقل الحكيم أن يخشى بعض الأمور. لنأخذ مثلاً عن خشيتنا من النار فلولا أنها تلذعنا بحرارتها المحرقة لكانت تحترق يدنا كلها ونحن لا ندري ولكن حينما نشعر بالسخونة نرفعها حالاً لئلا نتأذى كثيراً. هكذا في كل الأمور الضارة إننا نتعلم أن لا نعملها لئلا نتأذى كثيراً ونحن لا نحس موقتاً. وعلينا أن نتعلم من اختبارات غيرنا وبالعكس فإن الجاهل لا يتعلم حتى ولا من اختبارات نفسه. ولكن حينما نرى هذه الدروس نخبر بفعل الله وقصده ونتورع حتى لا نرتكب أي إثم لأن ذلك يعود بالضرر والأذية علينا أكثر من كل الناس.
(١٠) وتكون النتيجة أخيراً أن هذا الصديق المضطهد ينال الفرح والفرج من يد الله لأنه وحده يحميه من كل ضيم وشر وإذا بأولئك المستقيمين في قلوبهم يتهللون ويترنمون لله المخلص. إن الله بواسطة حكمه العادل على الأشرار يردعهم عن التمادي في أذيتهم وهكذا ينال المستقيمون سبباً للفرح والابتهاج. حينما يعرف الناس جميعاً أن هذه الدنيا يحكمها إله عادل قدوس لا يرضى أن تداس حقوق الأتقياء ولا أن تمتهن كرامتهم فلينعموا إذاً هانئين لأن الله يكفيهم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ وَٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ. تَسْبِيحَةٌ


«١ لَكَ يَنْبَغِي ٱلتَّسْبِيحُ يَا اَللّٰهُ فِي صِهْيَوْنَ، وَلَكَ يُوفَى ٱلنَّذْرُ. ٢ يَا سَامِعَ ٱلصَّلاَةِ، إِلَيْكَ يَأْتِي كُلُّ بَشَرٍ. ٣ آثَامٌ قَدْ قَوِيَتْ عَلَيَّ. مَعَاصِينَا أَنْتَ تُكَفِّرُ عَنْهَا. ٤ طُوبَى لِلَّذِي تَخْتَارُهُ وَتُقَرِّبُهُ لِيَسْكُنَ فِي دِيَارِكَ. لَنَشْبَعَنَّ مِنْ خَيْرِ بَيْتِكَ، قُدْسِ هَيْكَلِكَ».
يظهر أن الغاية من كتابة هذا المزمور هو من أجل البهجة بالخيرات التي يسبغها الله على شعبه. وهو للحمد والتسبيح والشكر فقد اجتمع شعب كثير أمام الخيمة في صهيون لكي يقدموا سجودهم للرب الذي نجاهم من الأمم أعدائهم حولهم والآن هم في سلام وبحبوحة وتحيط بهم الحقول المخضرة التي تبشرهم بموسم جزيل مبارك وحينئذ يفون بالنذور التي قدموها من قبل. وقد يكون لهذا المزمور علاقة بما ذكره (إشعياء ٣٧: ٣٠) عن الربيع الثالث حينما كانت أشور قد انهارت وأصبح الناس في أمنٍ وسلام. وأما وضع العنوان مزمور لداود فلا يجوز أن نحسب كل ما وضع بهذا العنوان هو لداود حقيقة بل تبركاً باسمه على الأرجح.
(١ و٢) قد يترجم هذا العدد الأول «بتسليمنا يقدم التسبيح لك يا الله في صهيون». والتسليم هنا أي الخضوع لمشيئة الرب والإذعان بل والصمت في حضرته (راجع خروج ١٤: ١٤). وهو في صهيون أي مكان قدسه. هناك تقدم العبادة والسجود ولأنه يسمع الصلاة ويستجيب الدعاء تقدم له النذور في أوقاتها. ونرى في العدد الثاني أن الله يخاطبه المتعبّد بقوله «يا سامع الصلاة» (راجع إشعياء ٤٥: ٢٤). إن البشر بجملتهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً فهم لا عون منهم ولا نجدة يستطيعون تقديمها وإذا اعتمد المؤمن عليهم فلا نصيب له سوى اليأس والقنوط. وهذا المعنى الأخير وارد في أمكنة متعددة من المزامير. والله وحده هو الذي يستجيب الدعاء والصلاة.
(٣) في القسم الأول يوجد فعل ماضٍ. وأما القسم الثاني فيصير مضارعاً. يصيح المرنم أولاً أن آثامه أقوى منه ولا يستطيع احتمالها (تكوين ٤: ١٣) فهي حمل ثقيل يرزح تحته ولا يستطيع النهوض فهو يقر بعجزه وضعفه. ولكنه حالاً يلتفت إلى الله ويجد فيه كفارة وفداء دائمين. إن الله يريد لنا تمام الخير وهو قادر وحده على إتمامه ولا أحد غيره يفعل ذلك.
(٤) ثم يطوب ذلك الشخص الذي يقربه الله إليه ويرضى عنه بل يدخله إلى بيته المقدس لكي يسكن هناك (راجع أيوب ٣٠: ٢٨). وحينئذ هذا المؤمن يحسب هيكل الله بيته الشخصي حيثما يأكل ويشرب كما يفعل كل منا في بيته. وهنا يظهر شوقه العظيم وتعلقه بالمكان المقدس الذي يسكن الله بنعمته وحينئذ نشبع من خيره بعد جوع ونرتوي بعد عطش. وقد صرّح لنا السيد المسيح بقوله «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ» (متّى ٥: ٦).
«٥ بِمَخَاوِفَ فِي ٱلْعَدْلِ تَسْتَجِيبُنَا يَا إِلٰهَ خَلاَصِنَا، يَا مُتَّكَلَ جَمِيعِ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ وَٱلْبَحْرِ ٱلْبَعِيدَةِ. ٦ ٱلْمُثْبِتُ ٱلْجِبَالِ بِقُوَّتِهِ، ٱلْمُتَنَطِّقُ بِٱلْقُدْرَةِ، ٧ ٱلْمُهَدِّئُ عَجِيجَ ٱلْبِحَارِ عَجِيجَ أَمْوَاجِهَا وَضَجِيجَ ٱلأُمَمِ. ٨ وَتَخَافُ سُكَّانُ ٱلأَقَاصِي مِنْ آيَاتِكَ. تَجْعَلُ مَطَالِعَ ٱلصَّبَاحِ وَٱلْمَسَاءِ تَبْتَهِجُ».
(٥) إن الله العادل هو مخوف في عدله يجريه على الجميع دون استثناء. وحينئذ فإن كل ظالم سيأتيه القصاص في حينه لأن الله إله الخلاص يستجيب الدعاء ولا يترك الذين يتكلون عليه بدون عون وإسعاف. واستجابة الله قد تكون بعض الأحيان بأمور مفزعة مخيفة ولكنها لا تخرج عن نطاق العدل فهو إله بار عادل قدوس (انظر إرميا ٤٢: ٦). ولأنه عادل ويجزي شعبه عن أعمالهم فهو يخلصهم لأنه متكل جميع الأراضي والشعوب. وقوله «والبحر البعيدة» أي جزر البحار أو البلدان الواقعة فيما وراء البحار. إذ الله هو الحاكم على كل شيء (راجع إشعياء ٣٣: ١٣ و٢أخبار ٣٢: ٢٢ وما يليه).
(٦) إن الله العلي هو الذي يثبت الجبال وهو اللابس القدرة كمنطقة يسد بها وسطه. إذاً فهو في عالم الطبيعة مصدر القوة والمجد لأعظم الأشياء وهي الجبال الشامخة في علوها المرتفعة في ذراها لتشرف على أبعد الأمكنة. وهو بين البشر شديد مقتدر (انظر إرميا ١٠: ١٢) وقد يكون في ذكره للجبال إشارة للأمم المتعالية كالجبال (انظر إشعياء ٤١: ١٥).
(٧) فكما أنه يثبت الجبال ويرسخها في قلب الأرض كذلك هو الذي يعطي سلاماً وطمأنينة في البحار أيضاً. وحينئذ إذا حسبنا أن الجبال هي إشارة للأمم المتعالية فيكون أن الله يهدئ صولتها وسيطرتها ويخفض من نفوذها وحينئذ لا يكون العجيج ولا الضجيج مما يؤبه به. إن كل اضطراب وحرب وكل بغض وحقد وكل عداوة يجب أن يخضع لمالك الكائنات والشعوب جميعها ولتهب الله بكل احترام وورع (إشعياء ١٧: ١٢ - ١٤).
(٨) وحينما يتسلط الله بمجده على جميع الكائنات ويرى البشر جميع الآيات التي صنعها قديماً ويصنعها على الدوام إذا بهم يخافون ويرتعبون. وهكذا يعم خوف الرب حتى أقاصي الأرض كلها. فالله هو الذي يسيّر مجرى التاريخ حسب مشيئته السرمدية ولا يسمح للحوادث أن تجري كما اتفق بل يوجد وراء هذه المظاهر الطبيعية والبشرية جميعاً قدرة لا تدركها الأفهام وهي حقيقة وعاملة في هذا الكون العظيم ولا تفتر كذلك إلى الأبد. ولأن منه البداءة فإليه النهاية أيضاً وهكذا يجعل الصباح والمساء يبتهجان معاً فكما للصباح بهجته لكونه بدء النهار والقيام بالأعمال والواجبات كذلك فإن المساء وختامه وابتداء وقت الراحة والسكون. وما أجمل وما أبهج ذلك اليوم الذي نفتتحه بطلب رضا الرب علينا ونختمه كذلك فهو لا شك مملوء بالبهجة والحبور. وقد يكون المعنى أيضاً أن سكان المشارق والمغارب جميعاً يعرفون الله ويبتهجون بعظمته وجلاله.
«٩ تَعَهَّدْتَ ٱلأَرْضَ وَجَعَلْتَهَا تَفِيضُ. تُغْنِيهَا جِدّاً. سَوَاقِي ٱللّٰهِ مَلآنَةٌ مَاءً. تُهَيِّئُ طَعَامَهُمْ لأَنَّكَ هٰكَذَا تُعِدُّهَا. ١٠ أَرْوِ أَتْلاَمَهَا. مَهِّدْ أَخَادِيدَهَا. بِٱلْغُيُوثِ تُحَلِّلُهَا. تُبَارِكُ غَلَّتَهَا. ١١ كَلَّلْتَ ٱلسَّنَةَ بِجُودِكَ، وَآثَارُكَ تَقْطُرُ دَسَماً. ١٢ تَقْطُرُ مَرَاعِي ٱلْبَرِّيَّةِ، وَتَتَنَطَّقُ ٱلآكَامُ بِٱلْبَهْجَةِ. ١٣ ٱكْتَسَتِ ٱلْمُرُوجُ غَنَماً، وَٱلأَوْدِيَةُ تَتَعَطَّفُ بُرّاً. تَهْتِفُ وَأَيْضاً تُغَنِّي».
(٩) يبدأ هنا بالشكر لله لأجل خير السنة وفيض نعمة الله فيها ذلك لأنه يتعهدها دائماً بعنايته الإلهية ولا سيما على الأرض التي يقطنها شعبه. فهي أرض مملوءة بالبر والبركات غنية بالخيرات. هوذا السواقي ملآنه بالمياه المتدفقة دليل كثرة الأمطار لا سيما في بلاد مثل فلسطين جافة قليلة المياه. ولأن الماء هو سبب الخصب والبركات إذن بنعمة الله وحنوه ورحمته تجعل طعام البشر والحيوانات موجودة بكثرة (انظر تثنية ٣٣: ٢٦ وأيوب ٣٨: ٢٦ وما يليه).
(١٠) فقد روت الأمطار الغزيرة الأتلام وكستها بطبقة من الطمي جعلتها تظهر كلها كأنها سهل واحد وإذا هذه الأمطار تحلل التربة وتجعلها صالحة للزراعة وهي بعد ذلك بحالة جيدة لتعطي غلالاً كثيرة تفرح قلوب الفلاحين بما ينتظرونه من خيرات لا شك مقبلة. إن ذكر الغيوث على هذه الصورة يرينا أنها كانت سنة ممتازة غير شكل عن بقية السنين. إذ أن الأمطار هي مصدر الخيرات وأعظم نعم الله على الإنسان فيمنحه رياً كافياً للأراضي وهكذا سميت أراضي البعل إلى هذا اليوم إشارة إلى ما اعتقده الكنعانيون والفينيقيون من أن الإله هو الذي يرسل لها الأمطار ويعتني بها.
(١١) لذلك فهي سنة خير وبركات ولا عجب أن تكون كذلك طالما جاءتها الأمطار في حينها فلم تتأخر ولم تأت دفعة واحدة بل جاءت في فترات متناسقة مناسبة للزروع النامية وهكذا كانت تسقيها كلما احتاجت للري. فكأنما الله قد وضع إكليلاً على رأسها وجعلها زينة السنين. هوذا آثار الله ظاهرة في الربيع المزدهر الذي تمرح فيه الأنعام والماشية وتشبع وتكبر حتى تسمن وتكون ذات دسم خاص حينما تعطي لبنها للآكلين أو لحم خرافها الطريئة اللذيذة.
(١٢ و١٣) هوذا المراعي الخضراء تدعو الإنسان والحيوان ليشبع من دسم الأرض والخيرات الحاصلة منها. وهوذا الآكام بما فيها من زهور البرية تتموج بجمالها فتجعل النزهة فيها من أجمل الأمور. وهذه البهجة هي بالنسبة لما تتمتع به الحواس من جمال وعبير وكذلك بالنسبة لأن الخيرات المنتظرة أصبحت قريبة التحقيق لا شك فيها. وإذاً فإن الغنم قد كست المروج لأنها ترعى فيها بكثرة حتى تجعل ألوانها مع اخضرار العشب من أجمل ما تقع عليه العيون. والأودية تتموج وتتعطف بالقمح الذي هو غذاء الإنسان وقوته الأهم. لذلك فإن الخيرات تعم الجميع على السواء ومن حقهم أن يفرحوا ويبتهجوا وأن يهتفوا ويترنموا لأن بركات الله قد ملأت القلوب جميعها بالفرح والاطمئنان.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ وَٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. تَسْبِيحَةٌ. مَزْمُورٌ


«١ اِهْتِفِي لِلّٰهِ يَا كُلَّ ٱلأَرْضِ. ٢ رَنِّمُوا بِمَجْدِ ٱسْمِهِ. ٱجْعَلُوا تَسْبِيحَهُ مُمَجَّداً. ٣ قُولُوا لِلّٰهِ: «مَا أَهْيَبَ أَعْمَالَكَ. مِنْ عِظَمِ قُوَّتِكَ تَتَمَلَّقُ لَكَ أَعْدَاؤُكَ. ٤ كُلُّ ٱلأَرْضِ تَسْجُدُ لَكَ وَتُرَنِّمُ لَكَ. تُرَنِّمُ لٱسْمِكَ». سِلاَهْ» .
نلاحظ أنه في هذا المزمور والذي قبله وكذلك في بعض المزامير التالية يوجد العنوان «تسبيحة مزمور أو مزمور تسبيحة». وفي ذلك دلالة خاصة علينا أن نعيرها اهتمامنا. نقرأ في المزمور ٦٥: ١ «لَكَ يَنْبَغِي ٱلتَّسْبِيحُ يَا اَللّٰهُ فِي صِهْيَوْنَ، وَلَكَ يُوفَى ٱلنَّذْرُ». وفي هذا المزمور عدد ١٣ «أَدْخُلُ إِلَى بَيْتِكَ بِمُحْرَقَاتٍ، أُوفِيكَ نُذُورِي». ثم يوجد كلمة البركة وطلب بركة الله. وهو من المزامير التي تذكر كلمة الله لا الرب ما عدا العدد الثامن عشر حيث يذكر هذه الكلمة وهو على الأرجح قبل السبي لا بعده.
وعقب تحرير من عبودية بعض الأمم إذا بالمرنم يدعو كل سكان الأرض لكي يهتفوا. ويصور لنا أموراً شخصية أتمها المرنم في الأعداد (١٣ و١٤ و١٥ على التوالي). التي يذكرها بكل دقة وتفاخر. وقد يكون زمان كتابته موافقاً لأيام حزقيا حينما سقطت قوة أشور وانهارت عظمتها. وإنما لا يوجد أمامنا أي دليل يدعونا أن ننسب نظمه لإشعياء أو لحزقيا.
(١) وترجمته «اهتفي» هي بالأحرى «قدموا لله مجداً». وهي شبيهة بما ورد في (يشوع ٧: ١٩ وإشعياء ٤٢: ١٢) وهكذا فهذا الهتاف هو دليل التعبد والاحترام لله عز وجل. ويتمنى على جميع الأمم أن تفعل ذلك لأنه من الواجب عليها ومن مصلحتها الخاصة أيضاً.
(٢) هنا تكريم للاسم «يهوه» والاسم هو كناية عن الشخص ذاته فقوله رنموا بمجد اسمه أي مجدوا ذات الله وشخصه وليكن التسبيح بصورة كريمة مجيدة تستلفت أنظار جميع الذين يسمعون. وهذه الترنيمة المجيدة تشبه كثيراً ما ورد في (رؤيا ١٥: ٣ وما يليه). ذلك لأن أعظم مظاهر الفرح تتكون ونحن نرنم وننشد أعظم أغانينا لأن الموسيقى وحدها تجعل مثل هذا الترنيم مجيداً للغاية.
(٣) وموضوع هذا الترنيم أو الداعي هو تمجيد أعمال الله ذاتها. هي أعمال ذات هيبة ووقار لا يستطيع الإنسان العاقل أن يمر بها دون تمعن وتفكير. ولأن أعماله عظيمة بهذا المقدار فهي التي تجعل حتى الأعداء يتهيبون ويطلبون رضا الله عليهم وإن كانوا لا يؤمنون باسمه إيماناً قلبياً حقيقياً.
(٤) ذلك لأن الأرض كلها أصبحت تعترف بهذا الإله الواحد الأحد خالق جميع الكائنات ومدبرها بحكمته السرمدية التي لا تستقصى. فلا عجب إذا كانت ترنم له وتعرف اسمه وتسبحه أيضاً بكل ما أوتيت من عذوبة اللحن وجمال العبادة والوقار. وينهي العدد بارتفاع الموسيقى دليل أهمية الموضوع وتكميلاً لهذا التمجيد الذي يدعو إليه.
«٥ هَلُمَّ ٱنْظُرُوا أَعْمَالَ ٱللّٰهِ. فِعْلَهُ ٱلْمُرْهِبَ نَحْوَ بَنِي آدَمَ. ٦ حَوَّلَ ٱلْبَحْرَ إِلَى يَبَسٍ، وَفِي ٱلنَّهْرِ عَبَرُوا بِٱلرِّجْلِ. هُنَاكَ فَرِحْنَا بِهِ. ٧ مُتَسَلِّطٌ بِقُوَّتِهِ إِلَى ٱلدَّهْرِ. عَيْنَاهُ تُرَاقِبَانِ ٱلأُمَمَ. ٱلْمُتَمَرِّدُونَ لاَ يَرْفَعُنَّ أَنْفُسَهُمْ. سِلاَهْ. ٨ بَارِكُوا إِلٰهَنَا يَا أَيُّهَا ٱلشُّعُوبُ، وَسَمِّعُوا صَوْتَ تَسْبِيحِهِ. ٩ ٱلْجَاعِلَ أَنْفُسَنَا فِي ٱلْحَيَاةِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ أَرْجُلَنَا إِلَى ٱلزَّلَلِ».
(٥) والمرنم هنا بعد أن يدعو لتقديم التمجيد والتسبيح فهو يفعل ذلك بناء على البرهان الحسي فيطلب من الناس جميعاً بقوله «هلم انظروا...» أي يتحققون بعيونهم بالخُبر ما سمعوه بالخبر. ونجده بعد ذلك في العدد ١٦ من هذا المزمور يدعوهم أيضاً لكي يسمعوا فيحدثهم عن اختباره هو لكي يعينهم على فهم ما لم يفهموه بعد من عظمة هذا الإله وأعماله المرهبة التي تجبر الناس جميعاً على أن يكونوا متعبدين له ومعظمين لاسمه. ودعوته كما رأينا عامة شاملة تتناول جميع بني البشر.
(٦) يذكر هنا بأمور تاريخية عن عبور البحر الأحمر الذي تحوّل إلى يبس وقتي وكذلك قد عبروا في نهر الأردن وهكذا نجوا من يد الأعداء اللاحقين بهم القاصدين ضررهم والإيقاع بهم بكل ما يستطيعون من وسائل. وقوله «هناك فرحنا به». قد تترجم بشكل الاستفهام «أما حينئذ فرحنا به؟» أي أن الفرح الذي تمتعوا به كان مبنياً على حقائق لمسوها في الحياة اليومية.
(٧) على الكنيسة واجب إظهار قدرة الله للناس جميعاً. فهو المتسلط وحده وإلى الدهر. ذلك لأنه بقدرته الكاملة يراقب الأمم ويلاحظ تاريخهم وأعمالهم وحينئذ فإن المتكبرين المتعظمين الذين يريدون استعباد الآخرين لا يمكنهم أن يظلوا كذلك إلى الأبد. وهنا ينهي بارتفاع الموسيقى أيضاً.
(٨) ذلك أن الله وحده هو ذو السلطان والعظمة والجلال فكل تعظم وتكبر من البشر لا يجديهم نفعاً بل تكون عاقبته في جهة معاكسة أي الفشل والخذلان. لذلك يعود المرنم إلى النصيحة ويقول بأن الواجب يدعو الشعوب كلهم لتقديم البركة للرب وعليهم أن يسبحوا اسمه مكرمين ممجدين.
(٩) بعد أن كان شعبه في خطر الاضمحلال والموت إذا بهم الآن في الحياة أي قد نالوا النجاة وأنقذوا من كل الضيقات فهم يتمتعون بجميع بركات الحياة بسلام واطمئنان. وهكذا فهو لا يسمح لتلك الأرجل الضعيفة أن تستسلم للزلل والسقوط والهوان بل يسندهم ويقويهم لكي يمشوا رافعي الرأس عالي الجبين. وهذا السند الذي نالوه جعلهم أن يعترفوا بالجميل الإلهي فهم وحدهم لم يستطيعوا أن ينجوا أنفسهم إذ أن النجاة الحقة هي من فوق من السماء.
«١٠ لأَنَّكَ جَرَّبْتَنَا يَا اَللّٰهُ. مَحَصْتَنَا كَمَحْصِ ٱلْفِضَّةِ. ١١ أَدْخَلْتَنَا إِلَى ٱلشَّبَكَةِ. جَعَلْتَ ضَغْطاً عَلَى مُتُونِنَا. ١٢ رَكَّبْتَ أُنَاساً عَلَى رُؤُوسِنَا. دَخَلْنَا فِي ٱلنَّارِ وَٱلْمَاءِ، ثُمَّ أَخْرَجْتَنَا إِلَى ٱلْخِصْبِ. ١٣ أَدْخُلُ إِلَى بَيْتِكَ بِمُحْرَقَاتٍ، أُوفِيكَ نُذُورِي ١٤ ٱلَّتِي نَطَقَتْ بِهَا شَفَتَايَ وَتَكَلَّمَ بِهَا فَمِي فِي ضِيقِي».
(١٠) يعود المرنم إلى الاختبارات التي مرت فهي أشبه بالتنقية والتمحيص للفضة ولولا ذلك لبقيت في فساد وزغل. إن الله يجرب الإنسان لكي يمتحنه ويعرف من أي معدن هو وهذه المعرفة هي لفائدة الإنسان ذاته بالأولى. إذ الله عالم بكل شيء ويعرف خفيات القلوب وعلى الإنسان أن يعرف ذاته ولا يتكبر في أي الأمور لئلا تفوته كلمات النصيحة والإرشاد ويبقى في الجهل والغباوة ومخلف أنواع الشرور. ولولا أن التمحيص ضروري لما كانت الفضة بيضاء ونقية.
(١١ و١٢) وهنا يفصّل المرنم ما احتمله الشعب من اضطهاد فكانوا في شبكة وكانوا تحت حمل ثقيل بل كأنما أناس على الرؤوس لا يستطيعون رفعها. وهكذا دخلوا النار بشدائد مرعبة ولكنها مطهرة ودخلوا الماء بشدائد غير ثابتة بل متقلقلة صخابة ذات أمواج مختلفة وإنما ذلك كله إذا باليد الحنونة تخرج الشعب إلى الحياة المريحة الخصيبة. والصورة عن تمحيص الفضة مذكورة كثيراً (راجع زكريا ١٣: ٩ وملاخي ٣: ٣ وحزقيال ١٩: ٩). ومخاطر النار والماء هي من أعظم المخاطر التي قد يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية (راجع إشعياء ٤٣: ٢). فقد تعرض الشعب للغرق وللاحتراق. ولكن قد تحولت قوة النار للخير كما تحولت هذه المياه الصخابة لكي تروي الزروع وتجعلهم في خصب وبحبوحة في عيشهم آمنين.
(١٣) من هذا العدد وما بعده يبدأ المرنم كلامه كما رأينا عن اختباراته وأعماله الشخصية. فهو يدخل إلى بيت الله ليقدم المحرقات عنوان التعبد وتقديم الخشوع بل عليه أن يوفي نذوره كلها إذ قد كان في ضيقة عظيمة من قبل وأما الآن ففي خير عظيم وعليه أن لا ينسى رحمة الله بل يذكره وهكذا يقدم النذور المستحقة عليه عربون الشكر والاعتراف بالجميل إذ لا يكفي الاعتراف باللسان وحمد الله بالفم بل ليرافق ذلك أشياء تكلفنا من جيوبنا لأن الديانة التي لا تكلف لا تنفع كثيراً.
(١٤) وتقديمه هذه النذور هو بموجب ما وعد به من قبل وعداً شفهياً حينما كان في ذلك الضيق الذي لا يستطيع أن يتناساه. فإذا أوفى نذوره فهو بذلك أولاً يتذكر ما مر عليه من قبل وفي الذكرى عبرة وتعقل. وثم هذه الذكريات تجعله رقيق القلب بعيداً عن الصلف والتكبر اللذين يجعلان الحياة جافة جامدة ولا يرضى عنها الله. وهذا النذر لتحقيق السلامة.
«١٥ أُصْعِدُ لَكَ مُحْرَقَاتٍ سَمِينَةً مَعَ بَخُورِ كِبَاشٍ. أُقَدِّمُ بَقَراً مَعَ تُيُوسٍ. سِلاَهْ ١٦ هَلُمَّ ٱسْمَعُوا فَأُخْبِرَكُمْ يَا كُلَّ ٱلْخَائِفِينَ ٱللّٰهَ بِمَا صَنَعَ لِنَفْسِي. ١٧ صَرَخْتُ إِلَيْهِ بِفَمِي وَتَبْجِيلٌ عَلَى لِسَانِي. ١٨ إِنْ رَاعَيْتُ إِثْماً فِي قَلْبِي لاَ يَسْتَمِعُ لِيَ ٱلرَّبُّ. ١٩ لٰكِنْ قَدْ سَمِعَ ٱللّٰهُ. أَصْغَى إِلَى صَوْتِ صَلاَتِي. ٢٠ مُبَارَكٌ ٱللّٰهُ ٱلَّذِي لَمْ يُبْعِدْ صَلاَتِي وَلاَ رَحْمَتَهُ عَنِّي».
(١٥) يعدّد هنا المحرقات التي ينوي تقديمها فهي من المحرقات السمينة ذات القيمة والثمن لأن الله يرضى عن مثل هذه الذبائح التي تكلفنا من مالنا ونفعلها عن قصد كريم وليس بالاستهتار إذ نقدم كيفما اتفق وأبخس ما لدينا. وكانت الحملان والثيران المسمنة هي أفضل أنواع التقدمات ويليها الماعز الذي يأتي في مرتبة ثانية. وكان يقدم البخور العطر لكي يجعل رائحة النار وقت الاحتراق خصوصاً لدى حرق الشحوم ذات رائحة طيبة ترفع بالنفوس للأعالي كارتفاعها هي وقت المحرقة.
(١٦) لقد رأينا من قبل عدد ٥ كيف أنه يلفت النظر والسمع معاً لهذه الاختبارات الروحية العميقة المطهرة للنفوس. والشيء الذي يسترعي انتباهنا هو قوله «بما صنع لنفسي». نعم لا يمكن أن تكون هذه التقدمات من المرنم كفرد بل يشعر شعور الجماعة ويرى نفسه معهم يقدمها لله. ولكن هذا الاختبار العميق المرافق للتقدمة هو شيء شخصي يجدر بنا أن نعيره اهتمامنا ونصغي للدرس الذي يلقيه.
(١٧) لم تكن صلاته سرية أي في داخل قلبه بل كانت مسموعة يلفظها الفم أيضاً. والكلمة العبرانية المترجمة «تبجيل» تفيد معنى الارتفاع والتعظيم. وفيه تعاكس بياني لأنه يقول في العبرانية تحت لساني. أي هذا الحمد يجعل لساني أن يرتفع ويتعظم بتعظيمه لاسم الله القدوس. إن الله يريدنا أن نجاهر ولا نستحي باسمه قط. والمؤمن يلتذ بالصلاة ويفخر بأن يذيعها علناً غير متفاخر.
(١٨) ولكنه هذا المجاهرة اللسانية غير كافية قط فنرى المرنم بسرعة وبكل حكمة يخبرنا أن هذه العبادة بواسطة الطقوس وتقديم الذبائح والمحرقات لا تفيد شيئاً إن لم تقترن بالقلب الطاهر. لأنه إن تركنا فيه شيئاً نجساً نبقى منجسين بلا ريب. وهنا خطوة نحو العبادة الروحية بل هنا الجسر يقطع عليه العابد من الطقوس إلى أن يصل إلى قول السيد له المجد «الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا».
(١٩) وهنا تأكيد جميل يعود على المرنم بالاطمئنان والثقة التي لا تثمن. فقد تأكد أن الله قد سمع وليس ذلك فقط بل قد أصغى ولا شك سوف يستجيب أيضاً. وما أحسن أن يكون لنا اليقين الثابت كهذا بأن الله حري بأن يسمع أصواتنا فلنتكل عليه ونحمد اسمه القدوس كل حين.
(٢٠) ولأن المرنم قد تأكد موقناً بإصغاء الله لصوته إذا به يتحول للحمد والتسبيح. لقد ابتدأ بدعوة الناس جميعاً لمشاركته فقد خاطب الأمم كلهم لكي يروا عظمة الله ولكنه لا يكتفي بذلك بل نراه يختم بذلك الاختبار الشخصي الضروري لكل ديانة حقة. فكما أن الله هو إله الأمم هو بالأولى إلهي.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ وَٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ذَوَاتِ اَلأَوْتَارِ. مَزْمُورٌ. تَسْبِيحَةٌ


«١ لِيَتَحَنَّنِ ٱللّٰهُ عَلَيْنَا وَلْيُبَارِكْنَا. لِيُنِرْ بِوَجْهِهِ عَلَيْنَا. سِلاَهْ. ٢ لِكَيْ يُعْرَفَ فِي ٱلأَرْضِ طَرِيقُكَ وَفِي كُلِّ ٱلأُمَمِ خَلاَصُكَ. ٣ يَحْمَدُكَ ٱلشُّعُوبُ يَا اَللّٰهُ. يَحْمَدُكَ ٱلشُّعُوبُ كُلُّهُمْ».
يرجح أن هذا المزمور هو للشكر في وقت الحصاد. وهو كسابقه معنون باسم إمام المغنين. وهو مزمور تسبيحة. وكما أن المزمور ٦٥ هو للمزروعات التي لا تزال في حالة الاخضرار فإن هذا المزمور هو حينما تجمع الغلال ويقدم الفلاح الشكر لله على إحساناته العميمة. ويرى كل إسرائيلي مؤمن بالله أن كل حصاد هو بالحقيقة ميعاد متوجب على المؤمن أن يقدم الشكر لله (راجع لاويين ٢٦: ٤) بل أنه تعاهد وتعاقد مع الله حتى يستمر في جوده الذي لا حياة للإنسان بدونه. ويحوي هذا المزمور سبعة أعداد ليس إلاّ. فينقسم إلى قسمين كل منهما ثلاثة أعداد والعدد الرابع في الوسط مؤلف من ثلاثة مقاطع. وهكذا فإن بعض الشراح القدماء قد أطلقوا على هذا المزمور اسم «أبانا الذي» في العهد القديم. وكلمة يباركنا مكررة ثلاث مرات وهي تحمل طابع بركة الكاهن التي كان بقولها مخاطباً الشعب ثلاث مرات بالبركة.
(١) يطلب الحنان من الله أولاً ثم البركة. لأن الرحمة يجب أن تأتي أولاً حينما يظهر الله رحمته إذا به يبارك المؤمن الذي يدعوه بالصلاة والابتهال. وحينئذ حينما ينال الرحمة والبركة إذا به يصبح في نور يستطيع أن يسلك سبيله آمناً من السقوط والعثار. وينتهي بارتفاع الموسيقى (راجع عدد ٦: ٢٤ - ٢٦).
(٢) حينما يشرق الله بنوره على الناس إذا بهم يعرفون السبيل ولا يضلونه قط. إذاً فإن ضياء وجه الله هو الكفيل الوحيد للسير في سنن الحياة مطمئنين لا نخاف شراً ولا نعثر قط. وبالعكس فإن الإنسان الذي لا يضع الله أمامه فهو في ظلام وسقوطه محتم لأنه لا ينال الإرشاد الكافي. إن محبة الله وحدها كفيلة بأن تشع نوراً إلى كل الجهات. والمعرفة لا تكون بدون نور الله.
(٣) وحينما يعرف الشعوب طريق الرب أي يسلكون في فرائضه ويسمعون وصاياه. حينئذ يتحقق لهم معنى الخلاص الذي يهبه لجميع الداعين باسمه. وهكذا يكون على الشعوب أن يحمدوا هذا الإله العظيم الجواد. عليهم أن يحمدوه كلهم بدون استثناء. ذلك لأنهم قد اختبروا المحبة الإلهية وعليهم أن يميزوا الأشياء غثها وسمينها وهم يمارسون أعمالهم اليومية.
«٤ تَفْرَحُ وَتَبْتَهِجُ ٱلأُمَمُ لأَنَّكَ تَدِينُ ٱلشُّعُوبَ بِٱلٱسْتِقَامَةِ، وَأُمَمَ ٱلأَرْضِ تَهْدِيهِمْ. سِلاَهْ. ٥ يَحْمَدُكَ ٱلشُّعُوبُ يَا اَللّٰهُ. يَحْمَدُكَ ٱلشُّعُوبُ كُلُّهُمُ. ٦ ٱلأَرْضُ أَعْطَتْ غَلَّتَهَا. يُبَارِكُنَا ٱللّٰهُ إِلٰهُنَا. ٧ يُبَارِكُنَا ٱللّٰهُ، وَتَخْشَاهُ كُلُّ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ».
(٤) على الأمم جميعها أن تفرح وتبتهج لأن ذلك يأتيهم عن تحقق ما جرى عليهم في الماضي. وقوله «تدين» ليس معناه الحكم والدينونة بل بالأحرى أن طريقة تسلط الله على الشعوب هي بالاستقامة والبر. لأن الله قدوس وبار في كل أعماله. ولأنه كذلك يصلح دائماً أن يهدي الشعوب وأمم الأرض إلى الواجبات المفروضة عليهم ولذلك يطالبهم بأن يتمموها حالاً ولا عذر لهم مقبول. فكما أن النور لا يمازجه شيء من الشوائب كذلك يستطيع أن يهدي ويسدد الخطى لأن طبيعته الاستقامة. وينهي هذا العدد الذي قلنا عنه إنه يقسم المزمور إلى قسمين بارتفاع الموسيقى.
(٥) هنا تكرار لما ورد سابقاً في العدد الثالث لأن المزمور يقصد به زيادة التوكيد والمبالغة في حمد الله وتعظيمه ودعوة الناس جميعاً شعوبها وأممها لكي تشاطر في هذا الأمر الجليل الذي هو مسلك النفوس الحكيمة المتطلعة نحو النور والحق والحياة التي في الله وحده.
(٦) وأما سبب هذا الفرح المباشر فيعطيه المرنم بقوله إن الأرض قد أعطت غلتها وجاء وقت الحصاد وقت الفرح والسرور حينما تجمع الحبوب إلى مخازنها الخاصة وينال الفلاحون جزاء ما تعبته أيديهم. فقد زرعوا من قبل وهم يحصدون الآن نراهم يحصدون وبركة الله عليهم أي بغلال جيدة كثيرة لأنه بعض الأحيان قد تكون الغلال ضئيلة ولا تسبب فرحاً لقلوب الفلاحين وأما الآن فهم فرحون سعداء بما نالته أيديهم من بركات وإحسانات هي دليل المحبة والرحمة لا ما يستحقون.
(٧) وهذه هي أعظم مظاهر البركات في أرض زراعية كفلسطين قديماً وحتى الآن (انظر إرميا ٣٣: ٩ وإشعياء ٦٠: ٣ وقابل ذلك مع يوئيل ٢: ١٧) إن بركة الله الظاهرة لشعبه والتي سببت هذا الفرح الشامل هي نفسها التي جعلت كل الأرض أن تخشى اسمه وتقدسه. لأن الذي يخاف الله ويؤمن به ويتمم وصاياه لا شك يصل أخيراً لملء النعمة والبركة. وبالعكس فمن لا يفعل ذلك يكون نصيبه الفشل والخذلان. وعلى العالم أجمع أن يأخذ هذه المثالة لنفسه مما يلقيه أمام شعبه من دروس هي لمنفعة البشرية كلها ولتقدمها وخلاصها.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ وَٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِدَاوُدَ. مَزْمُورٌ. تَسْبِيحَةٌ


«١ يَقُومُ ٱللّٰهُ. يَتَبَدَّدُ أَعْدَاؤُهُ وَيَهْرُبُ مُبْغِضُوهُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِهِ. ٢ كَمَا يُذْرَى ٱلدُّخَانُ تُذْرِيهِمْ. كَمَا يَذُوبُ ٱلشَّمْعُ قُدَّامَ ٱلنَّارِ يَبِيدُ ٱلأَشْرَارُ قُدَّامَ ٱللّٰهِ. ٣ وَٱلصِّدِّيقُونَ يَفْرَحُونَ. يَبْتَهِجُونَ أَمَامَ ٱللّٰهِ وَيَطْفِرُونَ فَرَحاً».
إنه والحق يقال لمزمور عظيم ليس بالنسبة لطوله ونفسه الشعري العالي بل لما يتضمنه من أمور خاصة به يمتاز على غيره من المزامير بما يضعه موسى عن فم هارون وأبنائه ويطلب من الله لدى تقويض خيمة الاجتماع أن يسير الرب أمامهم (عدد ١٠: ٣٥) وقال هتزج إنه ليس من السهل فهم هذا المزمور فهماً تاماً فهو على نمط ترنيمة دبورة يسمو بما فيه من الشعور والخيال الروحي بل هو يحوي أمجد ما في الآداب العبرانية القديمة بصورة مختصرة ولكنها جلية. فيه بركة موسى لإسرائيل ونبؤة بلعام وأفكار سفر التثنية وترنيمة حنة. ولكن اللغة واضحة وجريئة مما يجعلها أن تكون قائمة بذاتها. ولنا فيه نحو ثلاث عشرة كلمة لا نجدها في غيره. ومما يكرره الناظم كثيراً هو ذكر اسم الله أو الرب بصورة تستلفت الأنظار. وقد اختلف المفسرون كثيراً في موعد نظم هذا المزمور ولا مجال لبحث هذه الاختلافات الآن والأرجح أنه كتب أثناء حرب داود ضد سوريا وبني عمون (راجع ٢صموئيل ١٠: ٦). وقد استمرت الحرب عندئذ سنتين. والمزمور ينبض كله بالإيمان وإن الله يولي النصر لشعبه وهذا برهان كاف أنه سينتصر على جميع الشعوب. وهو ينقسم إلى قسمين فالأول يتناول (١ - ١٨) والثاني (١٩ - ٣٥). وهنا نسأل هل داود هو بالحقيقة ناظم هذا المزمور؟ ولهجة المزمور أن بني آساف هم الناظمون لا داود. ويذهب البعض أن نسقه يخص المملكة الشمالية (أفرايم) أكثر جداً من اليهودية. وإذا كان العدد ٢٨ يدل على مخاطبة الملك فمن المستبعد جداً أن يكون داود نفسه هو الناظم إذ من هو هذا الملك الذي يخاطبه. ثم أليس أن العدد ٢٧ يجعلنا نفتكر بموعد انقسام المملكة إلى شطريها الرئيسيين. والأرجح أن المزمور يدل دلالة واضحة على الحملة التي شنها يهورام ويهوشافاط ضد موآب ولكن الاعتراض على هذا هو أن هذه الحملة ليس بتذكارها ما يستحق أن ينظم الشاعر مزمور عليها.
(١) يبدأ المرنم كلامه بأمنية طالما رددها الشعراء الذين انتظروا خلاص الرب وصلوا من أجل قدومه. إذا قام الرب ناهضاً لعون شعبه فحينئذ جميع الأعداء يتبددون وهكذا فإن البار يفرح ويتعظم على نسبة معاكسة ما يفشل الشرير وينخذل. وإذا راجعنا (عدد ١٠: ٣٥) نجد أن هذا الكلام هو صلاة فيلتمس من الله أن يبدد الأعداء والمبغضين.
(٢) إن انخذال هؤلاء الأشرار أمر محقق وحالتهم عندئذ مثل الدخان الذي تذهب به الريح كل مذهب تقطعه إلى كل جهة وتحمله باتجاه سيرها. بل هم كالشمع الذي يذوب ويضمحل محترقاً أمام وجه النار. إن ذهاب الدخان هو دليل ضعف البشري وعدم الاستقرار فبينما نجد الدخان أسود كثيفاً متصاعداً إذا به بعد وقت قليل لا يبقى منه شيء. وكذلك الشمع الذي يظهر الشدة والقسوة طالما هو في حالة البرودة ولكن حينما يقابل النار لا يقوى على الصمود قط.
(٣) ولكن الصديقين الذين كانوا تحت نير الاستعباد إذا بهم يتهللون ويطفرون فرحين بعدما أصاب أعداءهم الأشرار هذه المصائب بواسطة الرب القدير. إن مواجهة الرب الذي نهض لنجدة شعبه كإنما نار خرجت من لدنه وطردت هؤلاء الأشرار وبددت شملهم وجعلت الخلاص حقيقياً أفلا يفرح الشعب عندئذ ويتهلل؟ بل ليكن فرحه كاملاً لا يشوبه شائبة.
«٤ غَنُّوا لِلّٰهِ. رَنِّمُوا لٱسْمِهِ. أَعِدُّوا طَرِيقاً لِلرَّاكِبِ فِي ٱلْقِفَارِ بِٱسْمِهِ يَاهْ، وَٱهْتِفُوا أَمَامَهُ. ٥ أَبُو ٱلْيَتَامَى وَقَاضِي ٱلأَرَامِلِ اَللّٰهُ فِي مَسْكَنِ قُدْسِهِ. ٦ اَللّٰهُ مُسْكِنُ ٱلْمُتَوَحِّدِينَ فِي بَيْتٍ. مُخْرِجُ ٱلأَسْرَى إِلَى فَلاَحٍ. إِنَّمَا ٱلْمُتَمَرِّدُونَ يَسْكُنُونَ ٱلرَّمْضَاءَ. ٧ اَللّٰهُمَّ عِنْدَ خُرُوجِكَ أَمَامَ شَعْبِكَ، عِنْدَ صُعُودِكَ فِي ٱلْقَفْرِ سِلاَهْ».
(٤) هوذا الله نفسه يتقدم سائراً أمام شعبه لذلك يطلب المرنم أن يحمده الشعب ويرنموا لاسمه وأن يستعملوا آلات الطرب في سبيل ذلك وأن يمهدوا له طريقاً ليركب في وسطهم. نجد في (إشعياء ٤٠: ٣٠) أن الرب يطلب مساعدة شعبه. بينما هنا يتقدم أمام شعبه الذين يسيرون وراءه ويغلبون بقدرته فقط. وهو يركب في القفار لكي يصل إلى الأعداء في أول بادرة ممكنة وهي القفار الموصلة إلى بلاد موآب وإلى ربة عمون (انظر ٢صموئيل ١٠: ٧ وما يليه) وقابل (إشعياء ٥٧: ١٤ و٦٢: ١٠). واسمه ياه أي الموجود. واهتفوا أمامه هتاف الظفر.
(٥) هذا الإله الكائن منذ الدهور جالس في مسكن قدسه. في سماء الجلال والعظمة ليحكم على التاريخ ويسير كل شيء حسب مشيئته. ولكنه أبو الأيتام لذلك لا عز لهم ولا رحمة تطالهم إلا بواسطته وكذلك هو قاضي الأرامل أي ينصفهم ولا يسمح لأي كان أن يعتدي على حقوقهم ويمتهنهم. فإذا كان الناس ظالمين غير رحومين بالأيتام والأرامل فإن الله لا يتخلى عنهم ولا يتركهم.
(٦) بل هو الذي لا يترك المنفردين والموحشين في وحدتهم بعيدين عن الأنس والتسلية كما وإنه يصل للأسرى ويخرجهم للراحة والبحبوحة ويرجعهم للأوطان سالمين. ولكنه حالاً يقول عن المتمردين إنهم يسكنون الرمضاء فيعيشون في أعظم مشقات الحياة ويدوسون على حجارة حارة لاذعة من شدة حرارة الشمس لأن هؤلاء المتمردين بعيدون عن رضا الله عليهم لذلك يتيهون في مثل هذه البراري الجرداء المهلكة. إن الله قد سار ويسير أمام شعبه ويقودهم إلى مراتع الأمن والسلام مخلصاً نفوس أتقيائه الصارخين إليه. وهنا يذكرهم على الأرجح ببرية سيناء وما احتملوه من مشقات ومخاطر ولكن الله كان معهم ولم يتركهم قط وهكذا فهو لا يتركهم الآن.
(٧) في هذا العدد يعيد الناظم ما ورد في ترنيمة دبورة (انظر قضاة ٥: ٤ وما يليه) وكلام دبورة ذاته يعود إلى ما ورد في (تثنية ٣٣: ٢ وخروج ١٩: ١٥ وما يليه) وعلى الأرجح إن مصدر ما ورد في (حبقوق ص ٣) هو من هنا. خروج الرب كما في (إشعياء ٢٦: ٢١) فهو في مقدمة إسرائيل يقودهم كما يفعل الرئيس الواثق بالغلبة والانتصار.
«٨ ٱلأَرْضُ ٱرْتَعَدَتِ. ٱلسَّمَاوَاتُ أَيْضاً قَطَرَتْ أَمَامَ وَجْهِ ٱللّٰهِ. سِينَاءُ نَفْسُهُ مِنْ وَجْهِ ٱللّٰهِ إِلٰهِ إِسْرَائِيلَ. ٩ مَطَراً غَزِيراً نَضَحْتَ يَا اَللّٰهُ. مِيرَاثُكَ وَهُوَ مُعْيٍ أَنْتَ أَصْلَحْتَهُ. ١٠ قَطِيعُكَ سَكَنَ فِيهِ. هَيَّأْتَ بِجُودِكَ لِلْمَسَاكِينِ يَا اَللّٰهُ. ١١ ٱلرَّبُّ يُعْطِي كَلِمَةً. ٱلْمُبَشِّرَاتُ بِهَا جُنْدٌ كَثِيرٌ: ١٢ مُلُوكُ جُيُوشٍ يَهْرُبُونَ يَهْرُبُونَ. ٱلْمُلاَزِمَةُ ٱلْبَيْتَ تَقْسِمُ ٱلْغَنَائِمَ».
(٨) هنا إشارة لما ورد عن جبل سيناء حينما نزلت الشريعة (راجع خروج ١٩) هناك يلتقي الرب مع شعبه. فقد جاء إليهم من الشرق وهم جاءوه من الغرب وقد انشقت السموات وبرهن عن قدرته بأن الجبل كان كأنه مضطرم بالنار ويهتز كله حتى خاف الشعب ولم يستطيعوا الدنو من ذلك المكان. وقد تكاثرت عليه البروق والرعود وأظهر لهم مجده وأثبت قدرته التي منذ ذاك الحين إلى الآن تحميهم وترعاهم. وللناظم قصد خاص بأن يدعو الله إله إسرائيل فيذكر بالعهد المقطوع والعلاقة المتينة الكائنة بين الشعب وإلهه وبواسطة الشريعة المنزلة أصبح ملكهم (تثنية ٣٣: ٥).
(٩) الأرجح أنه يشير هنا إلى أمور تاريخية حدثت في الماضي. والمطر المذكور هنا قد يكون أنه قد أمطر عليهم المن من السماء وأعطاهم معه السلوى غذاء في البرية القاحلة. وحينما أعطي إسرائيل الشريعة من جبل سيناء كان الشعب في حالة استقرار أفضل كثيراً من السابق ولكن تمّ استقرارهم تماماً حينما دخلوا الأرض الموعود بها وامتلكوها. وهكذا فيكون هذا العدد والعدد الذي يليه يشيران إلى البركات التي أسبغها الله على شعبه فيشير أولاً إلى الأمطار الضرورية للزورع. وكيف أن هذا الميراث (شعب إسرائيل) بعد أن نال منه الإعياء قد أراحه الله وأسكنه في أمن وبحبوحة.
(١٠) والشعب هنا يشبه بالقطيع الساكن في أرض خصبة مملوءة بالزروع والخيرات وهكذا حتى أن الفقراء والمساكين قد نالوا الكفاية في عيشهم ولا يعوزهم شيء (انظر إرميا ٣١: ٢١).
(١١) يستعمل هنا كلمة الرب بدلاً من الله وهو يعطي كلمته أي كلمة القدرة (حبقوق ٣: ٩) أو كلمة الوعد (مزمور ٧٧: ٩). وهذه الكلمة قد تأتي بقصف الرعد (مزمور ٦٨: ٣٤ وإشعياء ٣٠: ٣٠) أو إنه صوت البوق (زكريا ٩: ١٤). والأرجح هنا هي كلمة القدرة حيث يظهر الله عنايته التامة بشعبه فينتشلهم مما هم فيه إلى عيش البحبوحة والرخاء. ويذكر المبشرات لأن النساء أقدر على بث البشرى بين الناس. هكذا غنت مريم بعد الخلاص من جيش فرعون وهكذا غنت دبورة بعد الخلاص من يابين وسيسرا رئيس جيشه. وحينما انتصر يفتاح على العمونيين وحينما استقبلت المغنيات داود بعد قتله جليات الجبار.
(١٢) في العدد هذا يرينا الناظم لماذا يجب البشرى لأن الملوك يهربون ويعطي الله نصراً حاسماً مبيناً. وحينئذ فحتى المرأة التي لازمت بيتها ولم تخرج منه إذا بها تنال قسطاً وافراً من الغنائم والأسلاب.
«١٣ إِذَا ٱضْطَجَعْتُمْ بَيْنَ ٱلْحَظَائِرِ فَأَجْنِحَةُ حَمَامَةٍ مُغَشَّاةٌ بِفِضَّةٍ وَرِيشُهَا بِصُفْرَةِ ٱلذَّهَبِ. ١٤ عِنْدَمَا شَتَّتَ ٱلْقَدِيرُ مُلُوكاً فِيهَا أَثْلَجَتْ فِي صَلْمُونَ. ١٥ جَبَلُ ٱللّٰهِ جَبَلُ بَاشَانَ. جَبَلُ أَسْنِمَةٍ جَبَلُ بَاشَانَ. ١٦ لِمَاذَا أَيَّتُهَا ٱلْجِبَالُ ٱلْمُسَنَّمَةُ تَرْصُدْنَ ٱلْجَبَلَ ٱلَّذِي ٱشْتَهَاهُ ٱللّٰهُ لِسَكَنِهِ؟ بَلِ ٱلرَّبُّ يَسْكُنُ فِيهِ إِلَى ٱلأَبَدِ. ١٧ مَرْكَبَاتُ ٱللّٰهِ رَبَوَاتٌ، أُلُوفٌ مُكَرَّرَةٌ. ٱلرَّبُّ فِيهَا. سِينَا فِي ٱلْقُدْسِ».
(١٣) إشارة هنا إلى اطمئنان هؤلاء الراجعين من الحرب فبعد أن نالوا الظفر واقتمسوا الغنائم وتركوا أيضاً للنساء أن يقتسموا ما فضل إذا بهم يضطجعون مرتاحين غير عابثين بأي شيء (انظر أيوب ١٤: ١٤). ويكون حينئذ سلام في الأرض إلى سنين كثيرة (راجع قضاة ٥: ١٦ وقابله مع تكوين ٤٩: ١٤). كل شيء عندئذ سيكون موشى بالفضة ويلمع بلمعان الذهب. إن إسرائيل هو الحمامة (انظر مزمور ٧٤: ١٩ وقابله مزمور ٥٦: ١ وهوشع ٧: ١١ و١١: ١١).
(١٤) هوذا المرنم يذكر تلك الحادثة يوم الظفر العظيم على الأعداء فيصفه بأنه عندئذ أثلجت في صلمون. وقد يكون هذا الثلج كناية عن الأسلاب الكثيرة التي ملأت وجه الأرض بالخيرات وكان لمعانها يعطي بريقاً بسبب ما فيها من فضة وذهب. أو قد تكون إشارة إلى أن و جه الأرض قد اكتسى بالجثث من القتلى وهذا الرأي الأخير مستبعد. أو قد يكون بالفعل أن الدنيا قد أثلجت عندئذ وكثيراً ما يحدث أن تقع ثلوج في بعض السنين في أمكنة لم يقع فيها من قبل. أو أنه يشير إلى ثلوج متساقطة على قمة جبل صلمون وهو جبل الدرو في حوران يراه الناظرون من بعيد.
(١٥) هو جبل حوران وهو ذو أسنمة أي كثير القمم وأغلب حجره من البركاني الأسود بالعكس عن الصخور الكلسية والطباشيرية التي تؤلف جبل صهيون وما حوله.
(١٦) لا يستطيع المرنم أن ينسى جبل صهيون هو يذكر هذه الجبال الأخرى ويعني بذلك أيتها الشعوب القاطنة في الأرض والمحيطة بشعب الله من كل جهة. لماذا تترصدن شعب الله للإيقاع به. ألا تعلمن أيتها الجبال أن الله قد اختار جبلاً واحداً لنفسه هو جبل صهيون هناك هيكله ومسكنه إلى الأبد. ألا فليعلم العالم أن النعمة أعظم من الطبيعة ولذلك فهو يحكم العالمين بقدرته السرمدية ونعمته الإلهية.
(١٧) مركبات الله هي المركبات المؤلفة من الأجناد السماوية (٢ملوك ٦: ١٧) ومركبات الله هي مركبات نارية (٢ملوك ٢: ١١ و٦: ١٧). هي قوات ملائكية من أرواح وليست من هذا العالم (انظر دانيال ٧: ١٠). ويذكر سينا لأنه هناك أعطيت الشريعة الإلهية التي رافقها حضور الأجناد السماوية (تثنية ٣٣: ٢ وما بعده).
«١٨ صَعِدْتَ إِلَى ٱلْعَلاَءِ. سَبَيْتَ سَبْياً. قَبِلْتَ عَطَايَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ، وَأَيْضاً ٱلْمُتَمَرِّدِينَ لِلسَّكَنِ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ. ١٩ مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ يَوْماً فَيَوْماً. يُحَمِّلُنَا إِلٰهُ خَلاَصِنَا. سِلاَهْ. ٢٠ اَللّٰهُ لَنَا إِلٰهُ خَلاَصٍ، وَعِنْدَ ٱلرَّبِّ ٱلسَّيِّدِ لِلْمَوْتِ مَخَارِجُ. ٢١ وَلٰكِنَّ ٱللّٰهَ يَسْحَقُ رُؤُوسَ أَعْدَائِهِ، ٱلْهَامَةَ ٱلشَّعْرَاءَ لِلسَّالِكِ فِي ذُنُوبِهِ. ٢٢ قَالَ ٱلرَّبُّ: مِنْ بَاشَانَ أُرْجِعُ. أُرْجِعُ مِنْ أَعْمَاقِ ٱلْبَحْرِ».
(١٨) إن الله بعد أن أصبح مركزه عالياً في صهيون ونال الانتصار على جميع أعدائه لذلك هو يصعد عالياً فوق الجميع ويأخذ عطايا من الناس دليل خضوعهم واستسلامهم له دون قيد ولا شرط. وحتى المتمردون أنفسهم الذين يعودون بالتوبة وطلب الغفران يشرق عليهم مجد الرب. وقد يكون المعنى أن المتمردين أنفسهم رغم حالتهم السيئة وعصيانهم قد قبلت شارة خضوعهم وقدموا عطاياهم لذلك سمحت لهم بالسكن في الأرض التي هي ملك الله وملك شعبه. وقد أخذ الرسول بولس هذا العدد (انظر أفسس ٤: ٨) وحينئذ هذا المسيح الغالب يعطي الناس عطايا الخلاص المجاني حتى للذين كانوا متمردين وقبلوه. فالظفر ليس للعظمة الخارجية (راجع كولوسي ٢: ١٥). وبهذا العدد ينتهي القسم الأول من المزمور.
(١٩) بهذا العدد يبدأ القسم الآخر من المزمور فيبارك اسم الرب الذي يحمّل عن شعبه أثقالهم ويعينهم لدى أحمالهم لأنه إله شفوق رحيم لا يترك شعبه رازحين غير مبال بمصيرهم. وفي الوقت ذاته نجد «يحمّل» تعني التعدية أي أنه يسمح لشعبه أن يحملوا ولكنه يعينهم في حملهم لئلا يسترسلوا في اليأس والقنوط.
(٢٠) الله هو الخلاص أي هو مصدر الخلاص وبدونه فالهلاك المحتوم. وخلاصه هو بأن لا يدع الموت يباغت أحباءه بل يخرجهم منه كلما لجت بهم المصائب. أي يخرجهم ويفلتهم مما هم واقعون فيه (راجع ١صموئيل ١٤: ٤١ و٢ملوك ١٣: ٥ والجامعة ٧: ١٨). فمن كان نصيبهم الموت قد نجوا بقدرة الله.
(٢١) وطريقة النجاة التي يذكرها هو أن الله غالب أعداءه فهو شديد بهذا المقدار حتى يسحق رؤوسهم ولا يسمح لهم أن يشمخوا عليه أو على من يلوذ به من شعبه المؤمنين. والهامة الشعراء أي الرأس المكسو بالشعر العالي دليل صلف القوة والتجبر (انظر تثنية ٣٢: ٤٣ وكذلك عدد ٢٤: ١٧).
(٢٢) يسمع الناظم هنا قولاً إلهياً بأنه سيُرجع من باشان بل سيرجع من لجج البحار وأعماقها ونتساءل ماذا أو من سيرجع؟ معروف من جهة تاريخية أنه حينما سقطت أورشليم أخذ بعض الأسرى من علية القوم ووضعوا في سفينة لكي تمخر بهم إلى روما لدى موكب تيطس في عاصمة الرومانيين سنة ٧١ م. ولكنهم رموا أنفسهم في البحر متخذين هذا العدد... ارجع من أعماق البحر. وهلكوا كلهم.
«٢٣ لِكَيْ تَصْبِغَ رِجْلَكَ بِٱلدَّمِ. أَلْسُنُ كِلاَبِكَ مِنَ ٱلأَعْدَاءِ نَصِيبُهُمْ. ٢٤ رَأَوْا طُرُقَكَ يَا اَللّٰهُ طُرُقَ إِلٰهِي مَلِكِي فِي ٱلْقُدْسِ. ٢٥ مِنْ قُدَّامٍ ٱلْمُغَنُّونَ. مِنْ وَرَاءٍ ضَارِبُو ٱلأَوْتَارِ. فِي ٱلْوَسَطِ فَتَيَاتٌ ضَارِبَاتُ ٱلدُّفُوفِ. ٢٦ فِي ٱلْجَمَاعَاتِ بَارِكُوا ٱللّٰهَ ٱلرَّبَّ أَيُّهَا ٱلْخَارِجُونَ مِنْ عَيْنِ إِسْرَائِيلَ. ٢٧ هُنَاكَ بِنْيَامِينُ ٱلصَّغِيرُ مُتَسَلِّطُهُمْ، رُؤَسَاءُ يَهُوذَا جُلُّهُمْ، رُؤَسَاءُ زَبُولُونَ، رُؤَسَاءُ نَفْتَالِي».
(٢٣) من مضمون هذا العدد يتبين أن العودة هي لله لأجل الانتقام من الأعداء وليس كما فهم أولئك اليهود قديماً (انظر العدد ٢٢) أي أن هؤلاء الأعداء ولو بعدوا واختبئوا في أقاصي الأرض وأعماق البحار فلن يستطيعوا النجاة من يد الله العادلة. بل هنا صورة هائلة كيف أن الأرجل ستصبغ بالدم من قتلى الأعداء وهكذا فحتى الكلاب سيكون لها نصيب من أجسام الأعداء ودمائهم.
(٢٤) يظهر هذا العدد مظهراً مجيداً لموكب ملوكي بعد أن ينتصر الإله على أعدائه ويخضعون له فهو الذي يحكم بالقداسة والعدل والإنصاف. وإذاً فمعنى «في القدس» هنا ليس من المرجح المكان المقدس بل الحالة المقدسة (راجع خروج ١٥: ١١ ومزمور ٧٧: ١٤) وقوله رأوا أي جميع البشر لأن الخطاب موجه للناس عموماً دون استثناء حتى يشهدوا بما يفعله الله نحوهم. ولا سيما أولئك الذين نجوا من الهلاك وكان نصيبهم أن يعاينوا موكب النصرة هذا.
(٢٥) هوذا المغنون في المقدمة يترنمون بأعذب الأناشيد ويأتي بعدهم الضاربون على الأعواد وذوات الأوتار من كمان وبزق وما أشبه وعلى الجانبين كانت فتيات يضربن الدفوف ويرقصن متهللات فرحات بهذا العيد الجليل. وهكذا فإن الشعب كله يشترك بجنسيه من رجال ونساء. وهذا الخلاص المذكور هنا مشابه فما ترنمت به مريم لدى الخلاص من عبودية مصر.
(٢٦) وأي موقف يا ترى ادعى للبركة من الجماعات الكثيرة التي يلذها جداً أن تسمع أخبار الله وتقدم السجود لجلاله الأقدس. وثم هم خارجون من عين إسرائيل أو نبع إسرائيل أي الآب الأول لبني إسرائيل جميعاً. أي أنه يدعو فقط شعب الله ويطلب إليهم أن يعترفوا بحمد الله وشكره علانية (انظر إشعياء ٤٨: ١ و٥١: ١ وقابل ذلك مع إشعياء ٥٨: ١٢).
(٢٧) وفي هذا المجتمع لأجل العيد يعدّد المرنم الأسباط المتسلطة على الشعب. فيذكر أولاً بنيامين لأن من هذا السبط خرج شاول الملك الأول لإسرائيل. وحالاً يعود فيرضي الجنوب فيذكر رؤساء يهوذا أيضاً ومنهم خرج داود. وزبولون ونفتالي هما السبطان أيضاً اللذان نالا أعظم المديح في ترنيمة دبورة (قضاة ٥: ١٨ وقابله مع ٤: ٦). فقد كانوا أشداء شجعاناً فقد أبلوا بلاء حسناً لنيل الانتصار.
«٢٨ قَدْ أَمَرَ إِلٰهُكَ بِعِزِّكَ. أَيِّدْ يَا اَللّٰهُ هٰذَا ٱلَّذِي فَعَلْتَهُ لَنَا. ٢٩ مِنْ هَيْكَلِكَ فَوْقَ أُورُشَلِيمَ لَكَ تُقَدِّمُ مُلُوكٌ هَدَايَا. ٣٠ ٱنْتَهِرْ وَحْشَ ٱلْقَصَبِ، صِوَارَ ٱلثِّيرَانِ مَعَ عُجُولِ ٱلشُّعُوبِ ٱلْمُتَرَامِينَ بِقِطَعِ فِضَّةٍ. شَتِّتِ ٱلشُّعُوبَ ٱلَّذِينَ يُسَرُّونَ بِٱلْقِتَالِ. ٣١ يَأْتِي شُرَفَاءُ مِنْ مِصْرَ. كُوشُ تُسْرِعُ بِيَدَيْهَا إِلَى ٱللّٰهِ».
(٢٨) ولا يكتفي المرنم أن يشترك في هذا الاحتفال العالم اليهودي فقط بل نجده كإنما يدعو جميع أمم الأرض وملوكها لتحية هذا الظفر وللفرح ولتقديم العزة والكرامة لله الذي هو مصدر هذا الانتصار العظيم. وقوله «بعزك» الضمير هنا يعود على الأرجح إلى ملك أرضي لا نعرف اسمه معرفة اليقين (راجع مزمور ٨٦: ١٦ و١١٠: ٢). والقسم الآخر من العدد «أيد يا الله...» إنما هو صلاة ابتهال لكي يكون هذا النصر بمشيئة الله وتأييده.
(٢٩) وقد اضطر ملوك على ما يظهر أن يأتوا إلى أورشليم ليقدموا خضوعهم وهداياهم للملك الجالش على العرش. ولكن المرنم ببراعته المملوءة بروح التقوى والخشوع يجعل هؤلاء الملوك أن يقدموا الهدايا لله. وقوله «من هيكلك» يقصد به فقط أن يجعل أورشليم مركز العالم وأن يكون الهيكل قلب أورشليم النابض. فيكون المعنى أنه بسبب هيكلك الكائن في أورشليم هوذا ملوك الأرض تقدم الهدايا اعترافاً بسيادة الله عليها وسلطانه الشامل.
(٣٠) وحش القصب المذكور هنا هو إشارة على الأرجح «لمصر» لأن مصر هي بلاد القصب والبردي (راجع حزقيال ٢٩: ٣ وقابله مزمور ٧٤: ١٣ وما يليه) وقد يكون هذا الوحش هو فرس النهر (انظر إشعياء ٣٠: ٦ وأيوب ٤٠: ٢١) أو إنه التمساح السابح في المياه. صوار الثيران أي بقية الملوك الصغار وهكذا جمع بين القوة والضعة وقابل بينهما. هوذا الشعب الذين يترامون بالفضة أي يتنازعون عليها ثم يتقاتلون في سبيلها جميع هؤلاء قد تشتتوا من وجه الرب ولم يعد لهم أي شأن.
(٣١) وهوذا النتيجة المحتومة لهؤلاء أن أعاظم الناس من مصر يأتون لكي يقدموا خضوعهم ويعترفوا بعظمة الله إله إسرائيل وكذلك كوش تأتي سريعاً رافعة يديها دليل التسليم والإذعان. أو قد يكون المعنى أن كوش تأتي بيدين مملوءتين بالهدايا والتقدمات الكفارية إلى الله لكي يرضى عنها (انظر ١صمئويل ١٧: ١٧ و٢أخبار ٣٥: ١٣).
«٣٢ يَا مَمَالِكَ ٱلأَرْضِ غَنُّوا لِلّٰهِ. رَنِّمُوا لِلسَّيِّدِ. سِلاَهْ. ٣٣ لِلرَّاكِبِ عَلَى سَمَاءِ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلْقَدِيمَةِ. هُوَذَا يُعْطِي صَوْتَهُ صَوْتَ قُوَّةٍ. ٣٤ أَعْطُوا عِزّاً لِلّٰهِ. عَلَى إِسْرَائِيلَ جَلاَلُهُ وَقُوَّتُهُ فِي ٱلْغَمَامِ. ٣٥ مَخُوفٌ أَنْتَ يَا اَللّٰهُ مِنْ مَقَادِسِكَ. إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ هُوَ ٱلْمُعْطِي قُوَّةً وَشِدَّةً لِلشَّعْبِ. مُبَارَكٌ ٱللّٰهُ!».
(٣٢) وهنا يعمم المرنم دعوته ولا يكتفي أن يخصص مصر وكوش بل يطلب من جميع أمم الأرض أن تغني لله وتحمد اسمه العظيم. أي تعترف بعظمته وقدرته. وليس من الضروري أن تؤمن به تماماً إنه إلهها أيضاً. وعليها أن تشيد ترنماً وتعظيماً وهكذا ينتهي العدد بتعظيم الموسيقى لأجل حمد الله ومجده.
(٣٣) أي السائر في موكب مجده ليس على الأرض بل في أعلى السموات وهو لا يحتاج للعالم أن يقدم له الحمد والتسبيح إذ لديه الأجواق الملائكية منذ قديم الأزمنة إلى الآن وهم له يهتفون ويسبحون. وهو يبرهن للناس عند قدرته هذه فيكفي أن يعطي صوته حتى يخشع الناس ويتعبدوا له صاغرين عائدين إلى طلب رحمته ملتمسين ضياء وجهه.
(٣٤) فيا أيها الأمم والشعوب أعطوا العز لله. وهو الإله الذي يظهر جلاله بنوع خاص على شعبه الذي أظهر له عجائبه ورحمته منذ القديم. فكان في السحابة أمامهم وسط البحر الأحمر وكان في الغمامة التي حجبته عن عيونهم وهو يكلم موسى عبده في الجبل ويعطيه الشريعة الإلهية.
(٣٥) أنت يا الله سبب هيبة عظيمة لذلك يخافك الشعوب كلهم. لا سيما أولئك الذين يأتون إلى مقادسك ويشاهدون عظمتك وجلالك. وحينئذ يتحققون أنك تعطي قوة لأنك مصدرها وتشدد الشعب لمتابعة تقدمهم ومعرفتهم لك. ويختم كما في العدد ١٩ بقوله مبارك الله. ولكن هذه البركة يقدمها الآن جميع الشعوب فيشتركون في التسبيح والتمجيد. وهذه البركة هي التي ذكرها كاتب سفر الرؤيا. وهكذا يختم القسم الثاني من المزمور بما كان من نتائج انتصاره وغلبته التي تضم العالم وجميع شعوبه على السواء.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلسِّتُّونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. عَلَى اَلسَّوْسَنِّ. لِدَاوُدَ


«١ خَلِّصْنِي يَا اَللّٰهُ لأَنَّ ٱلْمِيَاهَ قَدْ دَخَلَتْ إِلَى نَفْسِي. ٢ غَرِقْتُ فِي حَمْأَةٍ عَمِيقَةٍ وَلَيْسَ مَقَرٌّ. دَخَلْتُ إِلَى أَعْمَاقِ ٱلْمِيَاهِ وَٱلسَّيْلُ غَمَرَنِي. ٣ تَعِبْتُ مِنْ صُرَاخِي. يَبِسَ حَلْقِي. كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنِ ٱنْتِظَارِ إِلٰهِي».
يرجح أن الداعي لكتابة هذا المزمور هو صرخة الاستنجاد من أعماق الحزن والشقاء بل في سبيل ما تحمله المرنم من اضطهاد لأجل الحق الذي اعتنقه وحاول السير بموجبه. وهو يختلف عن المزمور سابقه اختلافاً تاماً فإن المتكلم هنا هو فرد من الناس وليس مجموعة المؤمنين وهو الأرجح داود في وقت اضطهاد شاول له ذلك الاضطهاد الشديد فيصرخ من أعماق قلبه. وهو في كثير من النقاط يشبه ما ورد في حياة داود عندئذ فهناك ترك الاتباع (مزمور ٥٩: ٩ و٣١: ١٢ و٢٧: ١٠). بل هناك الصوم المضني (مزمور ٥٩: ١١ و١٠٩: ٢٤) وهناك ذكر الأعداء (راجع مزمور ٣٥ و٥٩ و١٠٩) ثم يدعو رفاقه الذين جاهدوا واحتملوا الاضطهاد معه (مزمور ٥٩: ٣٠ و٢٢: ٢٧ و٣١: ٢٥). ولكن الشبه الأعظم هو بينه وبين (المزمور ٥٩).
ولكن فريقاً كبيراً من المفسرين يعزو كتابته لإرميا وليس لداود بالنسبة لوصف الاضطهاد العظيم الذي احتمله هذا النبي من أهل عناثوت (قريته) وبالنسبة لانطباقه على أخلاق إرمياء وعلى نسق الكتابة التي يتميز بها إرمياء. وكذلك فهذا المزمور هو من مزامير الآلام أي التي اقتبس منها السيد المسيح وقت الصلب وهو يشبه المزمور الثاني والعشرين من هذا القبيل.
(١) يطلب الخلاص من الله والصورة هنا أن المرنم في حالة الغرق أي أن الويلات حوله تطغى حتى تشبه الطوفان الذي تطغى مياهه على كل شيء حولها. وقوله «دخلت إلى نفسي». أي لم تعد هذه الويلات خارجية بل قد أصابت المؤمن إذ لا يهم إذا طغت ولم تصل إلينا بل كنا نحن في مأمن منها. وإنما الخطر الآن قد أصبح داخلياً.
(٢) والشيء المؤسف هو أن المرنم أصبح مدعاة الهزء والسخرية. فقد غرق في حمأة مملوءة بالأوحال (انظر يونان ٢: ٦ وإرميا ٤: ١٠) وهذه الحمأة لا مقر لها أي من كثرة عمقها فهي تبتلع كل من ينزل فيها ولا يعود يظهر. وقد تبين له أنه قد رسب في العمق لأن كثرة المياه كانت شديدة وغامرة.
(٣) وقد أصبح في حالة اليأس لأنه كلَّ من الصراخ بدون جدوى وقد نشف حلقه ويبس (انظر إرميا ٤٥: ٣). وأيضاً فإن عينيه قد كلتا من التطلع إلى هنا وهناك ليرى هل أرسل الله خلاصه وجعله في مأمن وسلام.
«٤ أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي ٱلَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ. ٱعْتَزَّ مُسْتَهْلِكِيَّ أَعْدَائِي ظُلْماً. حِينَئِذٍ رَدَدْتُ ٱلَّذِي لَمْ أَخْطَفْهُ. ٥ يَا اَللّٰهُ أَنْتَ عَرَفْتَ حَمَاقَتِي، وَذُنُوبِي عَنْكَ لَمْ تَخْفَ. ٦ لاَ يَخْزَ بِي مُنْتَظِرُوكَ يَا سَيِّدُ رَبَّ ٱلْجُنُودِ. لاَ يَخْجَلْ بِي مُلْتَمِسُوكَ يَا إِلٰهَ إِسْرَائِيلَ. ٧ لأَنِّي مِنْ أَجْلِكَ ٱحْتَمَلْتُ ٱلْعَارَ. غَطَّى ٱلْخَجَلُ وَجْهِي. ٨ صِرْتُ أَجْنَبِيّاً عِنْدَ إِخْوَتِي وَغَرِيباً عِنْدَ بَنِي أُمِّي».
(٤) وما أشد هؤلاء الأعداء وما أكثر عددهم. هم أكثر من شعر الرأس وبغضهم لي بلا سبب أي أنهم متحاملون ينساقون مع الهوى فلا تعرف صداقتهم يوماً ولا تميز عداوتهم فيمكن تجنبهم في الوقت المناسب (انظر مزمور ٤٠: ١٣ و٣٨: ٢٠ و٣٥: ١٩ وقابله مع مزمور ١٠٩: ٣ إن كان من جهة الموضوع أو اللغة). وهؤلاء الأعداء يطلبون هلاكي أي أنهم أعداء ألداء لا يرضيهم شيء سوى موت خصومهم تماماً. ويظهر قوله «رددت الذي لم أخطفه» أنه مثل دارج عندئد (راجع إرميا ١٥: ١٠) فهؤلاء الأعداء معتادون على الظلم والاعتصاب.
(٥) يلتفت المرنم هنا إلى نفسه ويرى بكل تواضع حماقته وذنوبه التي لا يمكن أن تخفى على الله الذي خلقه. ولا شك أن اعتراف المرنم بحماقته هو أول خطوة في سبيل الفهم وبالعكس فإن الذي يدعي المعرفة فإنها أول خطوة نحو الحماقة الحقيقية. كما أن الاعتراف بالذنوب هو أول خطوة في سبيل التخلص منها. ولا يمكننا أن نصل للكمال بمجرد ادعائنا له بل أن نسعى بتواضع للوصول إليه بكل حكمة وتؤدة.
(٦) أي إذا رأى الناس ما يعيبني أنا المتكل عليك فإنهم يخزون ويندحرون إذ يشعرون أن انتظاري للرب لم يكن في محله. ويكرر هنا اسم الرب فتارة يسميه رب الجنود وطوراً إله إسرائيل وذلك زيادة في التقرب والتكريم لاسمه تعالى «لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره». إن الذي يصلي هنا هو الإنسان الخاطئ بكل ما فيه من شرور وآثام يرتجي رحمة العلي.
(٧) وهنا سبب صلاته فقد احتمل العار والمذلة بسبب تمسكه بإلهه (انظر مزمور ٤٦: ٢٣ وإرميا ١٥: ١٥). فقد امتلأ الوجه بالخجل حتى لم يعد يعرف بين الناس (انظر أيضاً مزمور ٤٤: ١٦ وقابله مع مزمور ٨٣: ١٧) لقد تغيرت ملامحه من الضعف والهزال حتى أن الذين كانوا يعرفونه جيداً لم يعرفوه (مزمور ٣٨: ١٢ ومزمور ٨٨: ٩ وأيوب ١٩: ١٣ - ١٥ وإرميا ١٢: ٦).
(٨) وهكذا فحتى إخوته وهم أعرف الناس به وأقربهم إليه أصبح أجنبياً بينهم وقد كرر المعنى بقوله أنه أصبح غريباً بين بني أمه أي إخوته الأقرب إليه. لأنه عادة بنو الأم الواحدة هم بنو الأب والأم معاً. إذ أن تعدد الزوجات كان شيئاً مألوفاً عندئذ وليس الأمر كذلك في تعدد الأزواج (راجع تكوين ٤٩: ٨).
«٩ لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ. ١٠ وَأَبْكَيْتُ بِصَوْمٍ نَفْسِي، فَصَارَ ذٰلِكَ عَاراً عَلَيَّ. ١١ جَعَلْتُ لِبَاسِي مِسْحاً، وَصِرْتُ لَهُمْ مَثَلاً. ١٢ يَتَكَلَّمُ فِيَّ ٱلْجَالِسُونَ فِي ٱلْبَابِ، وَأَغَانِيُّ شَرَّابِي ٱلْمُسْكِرِ. ١٣ أَمَّا أَنَا فَلَكَ صَلاَتِي يَا رَبُّ فِي وَقْتِ رِضًى. يَا اَللّٰهُ بِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ ٱسْتَجِبْ لِي، بِحَقِّ خَلاَصِكَ».
(٩) هنا يصف المرنم حزنه الشديد من أجل حالة بيت الرب المؤسفة ولا ندري تماماً ما هي هذه الحالة هل المعنى في ذلك هو حالة جمهور العابدين وعدم ذهابهم لبيت الله وقيامهم بفروض العبادة الواجبة. أم أنهم لهم مظاهر التقوى الخارجية ولكنهم منكرون قوتها فيعيشون في السطحيات فقط ولذلك حينما يأتيهم نذير يردهم إلى طريق الهدى والصواب يعيّرونه ويشتمونه ولا يقبلون نصحه ولا بوجه من الوجوه.
(١٠) هذا البكاء المصحوب بالصوم هو دليل الاعتراف العلني وطلب الصفح من الله لأجل ذنوب أمته وشعبه وبدلاً من أن يرتدع الناس عن غيهم وخطيئتهم إذا بهم يعيرونه ويحسبون ذلك عاراً عليه ليس إلا (انظر مراثي ٣: ١٤ وقابله مع ٥: ١٤ وأيوب ٣٠: ٩). وقوله أبكيت بصوم نفسي أي قد رافق صومي هذا الحزن الشديد من الحالة السيئة التي أصبح الشعب فيها ولكن بدلاً من أن يكون ذلك مدعاة لرجوعهم عن إثمهم إذا بهم يعيروني هازئين ضاحكين.
(١١) وكان أن لبس المسح علامة الحزن والحداد على هذه الحالة المحزنة وقلت علّهم يرجعون عن غيهم ويستفيدون ولكن هوذا قد أصبحت لهم مثلاً في السخرية والعار. فبدلاً من أن يستفيدوا تمادوا وبدلاً من أن يتعظوا ويفهموا إذا بهم يصلون إلى أعمق دركات الشر والفساد.
(١٢) أي الجالسون في باب المدينة قرب ساحتها العامة ولا تزال العادة حتى اليوم يجلس أهل القرى في ساحة قريتهم لقص الأحاديث وتداول النوادر والأخبار. ولكن مما يأسف له المرنم حقاً أن هذا التداول كان يحمل طابعاً فاسداً رديئاً إذ قد لاكته الألسنة وأصبح علكة في الأفواه. ومن هم هؤلاء الناس سوى أحط الطبقات. وقد تمادوا في هزئهم حتى أصبح هذا المرنم بمواضيع الأغاني التي ينشدها السكيرون أثناء سكرهم وعربدتهم.
(١٣) ولكن هنا التفات جميل. إذ أنه يتخلص من الناس حواليه ليلتفت إلى الله. فما قام به من صوم وذرفه من دموع ولبسه من مسوح كل ذلك جعله أن لا يعتمد على أي الناس بل أن يركن إلى من هو مصدر كل عون ورشاد. والله يرضى عن صلاة كهذه ويقبلها (إشعياء ٤٩: ٨) ويستعمل كلمة الرب والله في وقت واحد. وهو يستنجد برحمة الله الواسعة لأنه يستجيب الدعاء ولا يغفل لحظة عن الصارخين إليه ليلاً ونهاراً.
«١٤ نَجِّنِي مِنَ ٱلطِّينِ فَلاَ أَغْرَقَ. نَجِّنِي مِنْ مُبْغِضِيَّ وَمِنْ أَعْمَاقِ ٱلْمِيَاهِ. ١٥ لاَ يَغْمُرَنِّي سَيْلُ ٱلْمِيَاهِ، وَلاَ يَبْتَلِعَنِّي ٱلْعُمْقُ، وَلاَ تُطْبِقِ ٱلْهَاوِيَةُ عَلَيَّ فَاهَا. ١٦ ٱسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ لأَنَّ رَحْمَتَكَ صَالِحَةٌ. كَكَثْرَةِ مَرَاحِمِكَ ٱلْتَفِتْ إِلَيَّ. ١٧ وَلاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنْ عَبْدِكَ، لأَنَّ لِي ضِيقاً. ٱسْتَجِبْ لِي سَرِيعاً. ١٨ ٱقْتَرِبْ إِلَى نَفْسِي. فُكَّهَا. بِسَبَبِ أَعْدَائِي ٱفْدِنِي».
(١٤) هنا يبدأ قسم آخر من هذا المزمور هوذا الخطر الذي كان فيه من قبل يزداد شدة وهوذا المتاعب تزداد تضييقاً عليه. ولا ندري تماماً هل هذا الطين من باب الحقيقة أو المجاز وهنا مجال للحسبان أن إرمياء نفسه قد يكون هو الناظم لأن أعداءه قد أنزلوه في بئر لولا رحمة الله لهلك فيها. ولا شك أن الغرق في الطين والأوحال هو من أفظع أنواع الغرق. وهكذا هو بعض هؤلاء الأعداء الذين جعلوني في أعماق المياه ولا أكاد أطفو لحظة حتى أنزل لحظات.
(١٥) كإنما سيل من المياه يتقدم نحوه ولا يرى منفذاً لينجو به من الخطر المحدق. وهو يرى أن الغرق لا شك آت عليه وحينئذ يبتلع ولا منقذ. وتطبق عليه الهاوية أي تتقوض أركانها وتنزل عليه وهكذا لا يعود يرى فيما بعد. هنا يكرر المرنم هذه الصورة عن العمق والهاوية مما يجعل الكلام من باب الحقيقة لا من أساليب البيان فقط.
(١٦) يطلب استجابة الرب له لأن رحمته صالحة أي لا تتركه وإن يكن كما في العدد ٢ قد سقط في الحفرة فهو يرجو أن لا يقضى عليه ولا يكون سقوطه كاملاً للفناء. إن الرب صالح وكل تدابيره إذا صالحة (انظر مزمور ١٠٩: ٢١) وهذا الصلاح هو وسيلة النجاة من كل شر (مزمور ٦٣: ٤ انظر أيضاً مزمور ٥١: ٣ والمراثي ٣: ٣٢). وقوله التفت إليَّ في آخر العدد ليس من قبيل الأمر بل الاستعطاف المبني على رحمة الرب وليس على ما يستحقه هذا الطالب.
(١٧) ويتابع صلاته فيطلب أن لا يحجب وجه الرب عن عبده لا سيما وهو في الضيق وكيف يكون له الفرج؟ وإنما قد طال انتظاره ويطلب جواباً سريعاً وحاسماً من إلهه. لا شيء يؤثر في النفس المؤمنة مثل الاطمئنان بالله والثقة بأنه يسمع ويستجيب.
(١٨) والسبب الذي يجعله يطلب مثل هذا الطلب هو لكي ينجو من الأعداء. وطلبه أن يفك الله نفسه فهي إذاً في أغلال ترسف مقيدة ولا يستطيع التحرر من ذاته. بل يطلب أن يعطى فدية عنه فهو أسير موحش بعيد الأهل والدار ولا يمكنه من ذاته أن يعطي فدية إذ ليس لديه الموارد الكافية ولكن الله يستطيع كل شيء فهو يطلب الفكاك والفدية ليعود إلى سابق حياته السعيدة الحرة.
«١٩ أَنْتَ عَرَفْتَ عَارِي وَخِزْيِي وَخَجَلِي. قُدَّامَكَ جَمِيعُ مُضَايِقِيَّ. ٢٠ ٱلْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ. ٱنْتَظَرْتُ رِقَّةً فَلَمْ تَكُنْ وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ. ٢١ وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَماً، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلًّا. ٢٢ لِتَصِرْ مَائِدَتُهُمْ قُدَّامَهُمْ فَخّاً وَلِلآمِنِينَ شَرَكاً. ٢٣ لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ ٱلْبَصَرِ وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِماً».
(١٩) في هذا العدد أيضاً نجد من آثار إرمياء بوضعه مثل هذه الكلمات المترادفة «عاري وخزيي وخجلي» (راجع إرميا ١٣: ١٤ و٢١: ٥ و٧ و٣٢: ٣٧) كما أنها موجودة في (مزمور ٣١: ١٠ و٤٤: ٤ و١٧: ٢٥). وكذلك ذكره العلقم في الطعام والخل في الشراب فهذا شيء مألوف في إرمياء (راجع إرميا ١٥: ٥ و٨: ١٤ و٩) وهذا إشارة إلى منتهى المصائب والآلام بينما الأعداء يهزأون ويحتقرون.
(٢٠) إن هذا العار قد جعل له هماً كبيراً لم يستطع حمله فكانت النتيجة المرض. شعر أولاً بانكسار في قلبه وخاطره والسبب في شدة حزنه بالأحرى هو أنه قد انتظر من بعض أصدقائه أن يحتاطوه بشيء من اللطف والرقة فلم يبادلوه شيئاً من ذلك. وأية خيبة يا ترى هي أعظم من خيبة الصداقة الزائفة الكاذبة. وكان بحاجة للتعزية ولكن قد خاب فأله من أي المعزين.
(٢١) لقد تقدم ذكر العلقم في الطعام والخل في الشراب (في العدد ١٩). والعلقم علاوة على مرارته الشديدة فهو من النباتات السامة أيضاً وقديماً كانوا يخلطون بين الأمرين في بلاد الشرق فما كان مراً كان ساماً أيضاً. وقوله «يجعلون في طعامي» أي يخلطون ويمزجون بقصد الإيقاع به لكي يودوا بحياته. وقديماً كانت هذه الوسيلة تستعمل للاغتيال بواسطة طعام أو شراب.
(٢٢) ولكنه يطلب أن ما يضعونه من طعام أمام الآخرين يكون لهم أولاً حتى إذا كان من ضرر يقع عليهم ويصابون به قبل أي إنسان. وهم الذين يحسبون أنفسهم آمنين يقعون هم أولاً في الشرك الذي جعلوه لغيرهم. يقولون سلام وطمأنينة لهم ولكن لا شيء من ذلك لهم (إشعياء ٥: ٣).
(٢٣) وإذا عيونهم المتعطشة لمرأى الدماء ستظلم ولن ترى بعد الآن. لقد قصدوا الغدر والاعتداء ولكنهم لن يروا نتائجهما كما رتبوا. وهوذا متونهم التي يحسبونها شديدة ومتينة لكي تلحق الأذى بالآخرين إذا بها تصبح ضعيفة متلقلقة لأن قوة الله ضدهم وهكذا فهم لن ينالوا مأرباً مما قصدوه بل سيخيبون خيبة كاملة (انظر أيوب ١٣: ٢١ ومزمور ٢٩: ٧).
«٢٤ صُبَّ عَلَيْهِمْ سَخَطَكَ، وَلْيُدْرِكْهُمْ حُمُوُّ غَضَبِكَ. ٢٥ لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَاباً وَفِي خِيَامِهِمْ لاَ يَكُنْ سَاكِنٌ. ٢٦ لأَنَّ ٱلَّذِي ضَرَبْتَهُ أَنْتَ هُمْ طَرَدُوهُ، وَبِوَجَعِ ٱلَّذِينَ جَرَحْتَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ. ٢٧ اِجْعَلْ إِثْماً عَلَى إِثْمِهِمْ وَلاَ يَدْخُلُوا فِي بِرِّكَ. ٢٨ لِيُمْحَوْا مِنْ سِفْرِ ٱلأَحْيَاءِ، وَمَعَ ٱلصِّدِّيقِينَ لاَ يُكْتَبُوا».
(٢٤) يطلب إلى الله أن يصب عليهم غضباً وسخطاً مقابل ما يريدون أن يعطوا المرنم من شراب الخل وما يريدون أن يلحقوه به من شر وأذية. وهو لا يريد أن ينتقم لنفسه منهم بل يستنجد بإلهه القادر أن يقابل إساءتهم بما يستحقون (راجع مزمور ٧٩: ٦ وهوشع ٥: ١٠ وإرميا ١٠: ٢٥). ولأنه يطلب من الله أن يعاملهم بسخطه وغضبه فهو يريد الاقتصاص منهم بمنتهى الشدة والعنف ولا يريد أية مساهلة معهم أبداً فيقابل سخطهم عليه وغضبهم بسخط الله وغضبه عليهم.
(٢٥) ويشتد بالغضب عليهم بأن يطلب هدم بيوتهم حتى تصبح بلا ساكن. ولا شك أن تمنياً كهذا عند الساميين القدماء هو من أفظع الأشياء (راجع تكوين ٢٥: ١٦) وكذلك أيوب الأصحاح الأول. وهو يطلب لأعدائه هذا الويل العظيم لسبب اضطهادهم له وإساءتهم معاملته على تلك الصورة الوحشية الفظيعة.
(٢٦) يظهر أنه كان للمرنم شركاء في احتمال هذا الاضطهاد فبعد أن يذكر نفسه في القسم الأول من هذا العدد «الذي ضربته أنت هم طردوه» يعود فيقول «وبوجع الذين جرحتهم يتحدثون» أولئك الذين قد دعاهم الله لكي يحملوا العبء مع المرنم ويشاطروه كل الآلام والمتاعب التي يتحملها في سبيل الله ونشر كلمته المقدسة بين الناس (راجع مزمور ١٠٩: ٢٢ وإرميا ٨: ١٨).
(٢٧) وهكذا فإنه يتمنى لهم أن ينحدروا من خطيئة إلى خطيئة ومن إثم إلى إثم لأن نعمة الله ورضاه قد رفعتا عنهم ولذلك فهم ينحدرون إلى الغضب السحيق. وهكذا فإن تراكم الآثام عليهم يشبه تراكم القصاص الذي لا شك سيكون نصيبهم العادل لأن الله لن يتركهم في غيهم وضلالهم دون أن ينالوا العقاب الأخير حتى يعودوا إلى الحق والصواب (راجع إرميا ١٦: ١٨). ولذلك فهم لن يتوبوا ولن يرجعوا إلى البر بل سيبقى غضب الله عليهم إلى الأبد.
(٢٨) وهو يتمنى أن يمحقهم محقاً ولا يبقى لهم ذكر في أرض الأحياء (راجع خروج ٣٢: ٣٢ وقابله مع إشعياء ٤: ٣ ودانيال ١٢: ١). والمرنم يتكلم فقط عن هذه الدنيا إذ لم تكن الآخرة واضحة أمامه. ولا نجد ذكراً صريحاً للخلود إلا في العهد الجديد وبواسطة المخلص يسوع المسيح الذي أنار الحياة والخلود وصار باكورة الراقدين. وقوله «الصديقون» فهم الصالحون وورثة الملكوت الإلهي وهكذا يتمنى فصلهم بتاتاً والقضاء عليهم قضاء مبرماً أبدياً.
«٢٩ أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَكَئِيبٌ. خَلاَصُكَ يَا اَللّٰهُ فَلْيُرَفِّعْنِي. ٣٠ أُسَبِّحُ ٱسْمَ ٱللّٰهِ بِتَسْبِيحٍ، وَأُعَظِّمُهُ بِحَمْدٍ. ٣١ فَيُسْتَطَابُ عِنْدَ ٱلرَّبِّ أَكْثَرَ مِنْ ثَوْرِ بَقَرٍ ذِي قُرُونٍ وَأَظْلاَفٍ. ٣٢ يَرَى ذٰلِكَ ٱلْوُدَعَاءُ فَيَفْرَحُونَ، وَتَحْيَا قُلُوبُكُمْ يَا طَالِبِي ٱللّٰهِ. ٣٣ لأَنَّ ٱلرَّبَّ سَامِعٌ لِلْمَسَاكِينِ وَلاَ يَحْتَقِرُ أَسْرَاهُ».
(٢٩) يعود إلى نفسه ويرى حالته الشديدة وكآبته ولكنه بلغة (حبقوق ٢: ٤) يعيش بالإيمان بأن خلاص الرب وحده يرفعه. بل هو محفوظ به محاط بالعناية الحنونة. وهنا مقابلة بين نفسه وبين أولئك الذين ذكرهم من قبل. وهي مقابلة ذات مغزى مؤثر بعيد كما (مزمور ٤٠: ١٨) لقد كانوا من قبل في ارتفاع ولكنهم سيهبطون الآن بينما المرنم الذي كان في انخفاض وكآبة فهو سيرتفع ويصل إلى علو لن ينزل منه بعد ذلك.
(٣٠) وعليه فهو لن يفتر عن الحمد والتسبيح قط. وقوله «أسبّح اسم الله بتسبيح» فذلك من قبيل التوكيد واللغة العبرانية من هذا القبيل تشبه اللغة العربية باشتقاقها السامي القديم. ولا يكتفي بالغناء والتسبيح بل يعظم اسم الرب بالحمد وتقديم أسمى شعائر القلب أمام الله عربون الشكر الدائم والاحترام لجلاله الأقدس.
(٣١) وهذا الحمد هو أثمن في عيني الله وأطيب من تقديم الذبائح. وأما ثور البقر ذو القرون والأظلاف فهو ثور فتي ابن سنة تقريباً أو أنه لا يتجاوز سنه الثلاث سنوات وهكذا يكون حائزاً الشروط القانونية لتقديمه ذبيحة لله (راجع ١صموئيل ١: ٢٤). وهو من الحيوانات الطاهرة ذوات الأظلاف والمجترة كما ورد في (سفر اللاويين الأصحاح ١١). فيقول المرنم إن هذا الحيوان الحائز كل الصفات والشروط الممتازة للذبيحة لا يقاس بشيء بالنسبة لما يرفعه الإنسان المؤمن من تسبيح وحمد.
(٣٢) وهكذا فإن المؤمنين الذين نالوا الاضطهاد واحتملوه صابرين ودعاء سوف يكون لهم الآن الفرح الكامل ولا يشعرون بالهزيمة والانخذال. بل هوذا قلوبهم تمتلئ سلاماً وقوة وشجاعة والسر في ذلك كله هو لأنهم طلبوا الله فوجدوه فهو ليس عن أحد منا بعيداً. وقد رأى الودعاء هذا لأنهم كانوا ينتظرونه لذلك فإن سكوتهم السابق بل وانخذاله كان وقتياً سيعقبه هذا الانتصار الظاهر (راجع أيوب ٢٢: ١٩).
(٣٣) لقد احتمل أولئك الودعاء مع المرنم ونالوا الشقاء والآلام كما نال هو ولذلك فهم الآن يتمتعون بالسعادة والهناء كما هو أيضاً يتمتع. ويرى الودعاء ذلك فيفرحون كما رأينا في العدد السابق ذلك لأن الله يسمع أصواتهم ولا يتغاضى عن متاعبهم وصراخهم. وهكذا فإن الله لا يحتقر «أسراه» أي الذين يلجأون إليه ويسلمون لمقاصد قدرته ومحبته. فهم أسرى بمعنى أنه لا يجوز أن يأتوا أمام إلههم بأية حركة أو يبدوا أي اعتراض بل يخضعون له خضوعاً حقيقياً كاملاً.
«٣٤ تُسَبِّحُهُ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ، ٱلْبِحَارُ وَكُلُّ مَا يَدِبُّ فِيهَا. ٣٥ لأَنَّ ٱللّٰهَ يُخَلِّصُ صِهْيَوْنَ وَيَبْنِي مُدُنَ يَهُوذَا، فَيَسْكُنُونَ هُنَاكَ وَيَرِثُونَهَا. ٣٦ وَنَسْلُ عَبِيدِهِ يَمْلِكُونَهَا، وَمُحِبُّو ٱسْمِهِ يَسْكُنُونَ فِيهَا».
(٣٤) وهل عجيب أن يسلّم المؤمن نفسه لله ويظهر خضوعه كما يقدم حمده وتسبيحه. أليس أن السموات جميعها بكل جنودها تفعل ذلك. أليس أن الأرض كلها بكل مخلوقاتها من نبات وحيوان وإنسان. من كل ما في هذا الوجود من جلائل وعظائم إن كان على الأرض اليابسة أو وسط البحار وكل الحيوانات السابحة فيه. فإن هذه جميعها لا بد لها أن تظهر سجودها وتسبيحها للقادر على كل شيء لأن كل أحكامه عادلة ولا يترك خائفيه الودعاء بل يسندهم وينجيهم.
(٣٥) قد يكون هذا العدد والعدد الذي يليه مزيدين على هذا المزمور في أصل وضعه لأنه يذكر خلاص صهيون ورجوع السبي. بل يذكر بناء المدن المتهدمة ولا تعود خراباً والذين كانوا بعيدين مغتربين سيعودون للأوطان وتكون عامرة وآهلة فيهم. سوف لا يرثها أحد من الأمم العدوة المجاورة ولا ينقطع ذكر اسم الله عليها فهي بالأصل تخصه وقد أعطاها لشعبه ولا يمكن أن يتخلى عنهم للأبد (راجع إشعياء ٤٤: ٢٣). والمرنم يرى متنبئاً أن نسل هؤلاء المستضعفين سيكونون أقوياء. ووارثين ويحولون خراب مدينتهم إلى عمران ويظهر خلاص الرب أكيداً أمام عيون الجميع.
(٣٦) وهذا العدد أيضاً كما رأينا متصل اتصالاً وثيقاً بسابقه ويصعب علينا أن نحسب أن كتابته كانت في عصر داود ولكن يزول الكثير من الصعوبة إذا حسبنا أن إرمياء قد كتبه أو أحد تلاميذه المعاصرين أو الذين عاشوا بعيد عصره بقليل وحينئذ يصبح هذان العددان لهما معنى واضح. لقد عاش إرمياء حتى رأى ما تنبأ عنه بأم عينه ولذلك كانت آلامه من هذا القبيل مضاعفة. وقد ميّز إرمياء بين أورشليم ومدن يهوذا (راجع إرميا ٣٤: ٧). وإن يكن أن النبي قد رأى سقوط المدينة المقدسة فهو لم يعدم أملاً يلوح أمامه في الأفق البعيد أن العناية الإلهية لا تترك إلى النهاية بل سيكون خلاصاً عظيماً بعد الضيق العظيم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّبْعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِدَاوُدَ لِلتَّذْكِيرِ


«١ اَللّٰهُمَّ إِلَى تَنْجِيَتِي، يَا رَبُّ إِلَى مَعُونَتِي أَسْرِعْ. ٢ لِيَخْزَ وَيَخْجَلْ طَالِبُو نَفْسِي. لِيَرْتَدَّ إِلَى خَلْفٍ وَيَخْجَلِ ٱلْمُشْتَهُونَ لِي شَرّاً».
هو صراخ الاستنجاد يرفعه المرنم إلى الله لكي يعينه وينجيه من مضايقة الأعداء. وهذا المزمور لولا قليل من التحوير لقلنا أنه إعادة لما ورد في (مزمور ٤٠: ١٤ وما يليها) وقد يكون أن هذا المزمور مأخوذ من هناك وموضوع على نسق «إلوهيم» بدلاً «من يهوه» ولا يظن أن داود هو الناظم لهذا المزمور على هذ الصورة المقتضبة بل قد يكون أنه أخذ هذا القسم وحوّره على هذه الصورة لأجل أغراض العبادة في الهيكل وهكذا يكون هذا المزمور قد أخذ من مزمور سابق قد كتبه داود ولذلك احتفظ بالاسم على الأقل. ولا شك أن الاصل الذي في المزمور الأربعين هو أسمى من هذا معنى ومبنى فهو يحلق بعيداً ويستلهم من جمهور العابدين الخشوع والاحترام. ولكن ربما كان القصد من وضعه على هذه الصورة هو إلباسه قالباً شعرياً يتناسب مع لحن خاص بقصد الترنيم ليس إلا.
(١) قابل هذا العدد مع (مزمور ٤٠: ١٣) فنجد أنه يبدأ بخطاب لله بدلاً من قوله «ارتض يا رب بأن تنجيني». ولا فرق آخر سوى أنه غيّر الفعل إلى مصدر فقال إلى تنجيتي بدلاً من «بأن تنجيني». على كل فإن هذا المزمور بالنسبة لموضوعه مناسب جداً فهو يطلب النجدة السريعة.
(٢) ولأن المرنم يطلب النجدة السريعة فهو يلتمس من الله أن يجعل أعداءه في خزي وخجل. في رجوع للوراء واندحار لا سيما أولئك الذين يشتهون الشر له شهوة ولا يلتذون إلا بإيقاع الضرر والأذى. أما إذا نال هؤلاء أن يرجعوا للوراء ويخجلوا فإن محبي الله عندئذ يمكنهم السير للأمام والتقدم نحو إتمام مقاصد العلي المقدسة.
«٣ لِيَرْجِعْ مِنْ أَجْلِ خِزْيِهِمُ ٱلْقَائِلُونَ: هَهْ هَهْ! ٤ وَلْيَبْتَهِجْ وَيَفْرَحْ بِكَ كُلُّ طَالِبِيكَ، وَلْيَقُلْ دَائِماً مُحِبُّو خَلاَصِكَ: لِيَتَعَظَّمِ ٱلرَّبُّ! ٥ أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَفَقِيرٌ. اَللّٰهُمَّ أَسْرِعْ إِلَيَّ. مُعِينِي وَمُنْقِذِي أَنْتَ. يَا رَبُّ لاَ تَبْطُؤْ».
(٣) في الأصل العبراني «ليرجع على أعقابهم» وأرى أنه يناسب أن تكون الترجمة هكذا أفضل من قوله ليرجع فقط. أما القائلون هه هه! فهم الهازئون الساخرون بكل شيء. والسخرية هذه يظهرونها بالأخص بهذا المرنم المتكلم بلسان أتقياء الله فبدلاً من أن يرعووا ويرجعوا للصواب إذا بهم يتمادون في غيهم وجهالتهم ويتكلمون بالعظائم على أقدس الأشياء وأشرفها.
(٤) ولكن هزءهم هذا يقابل من المؤمنين بعدم الاكتراث لأن الله ينجي عبيده الضارعين إليه ويعطيهم بهجة وسروراً مقابل هزء أولئك وسخريتهم. فإن فرح المؤمن الحقيقي لأنه يعتمد على خلاص الرب وهو الترس الذي به يتقي سهام الأعداء التي تصوب ضده ولا يهاب بعد ذلك شيئاً. إن أولئك الهازئين يطلبون العظمة لأنفسهم ولكن المؤمنين الحقيقيين فيقولون ليتعظم الرب. لأنهم يعلمون أن لا عظمة حقة لهم إلا على نسبة ما يتورعونه أمام الله.
(٥) وهنا يعترف جهاراً بحقارته فيقول إن هؤلاء الهازئين قد يكون لهم شيء من الصواب في موضوع هزئهم به وتحقيرهم له لأنه مسكين وفقير ولكن هو ليس وحده ولا متروك من العناية الحنونة لذلك يطلب السرعة بالنجدة وعدم الإبطاء في العون والإنقاذ. لا سيما إن الله القدير هو الملجأ الذي لا يخيب وعندئذ فلا شك هؤلاء الأعداء سينخذلون ولا يكون نصيبهم سوى الدمار والاضمحلال.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي وَٱلسَّبْعُونَ


«١ بِكَ يَا رَبُّ ٱحْتَمَيْتُ فَلاَ أَخْزَى إِلَى ٱلدَّهْرِ. ٢ بِعَدْلِكَ نَجِّنِي وَأَنْقِذْنِي. أَمِلْ إِلَيَّ أُذُنَكَ وَخَلِّصْنِي. ٣ كُنْ لِي صَخْرَةَ مَلْجَإٍ أَدْخُلُهُ دَائِماً. أَمَرْتَ بِخَلاَصِي لأَنَّكَ صَخْرَتِي وَحِصْنِي».
هنا مزمور يبدأ مثل المزمور الحادي والثلاثين وينتهي مثل المزمور الخامس والثلاثين. وهو صدى لما ورد في مزامير قديمة سابقة رسخت في ذهن الناظم حتى قلدها في هذا المزمور والتي رأى حقائقها في اختباراته الروحية المتنوعة. ومع ذلك فإن للمزمور صفته الخاصة التي تتبع في شكل تعبيرها بما نسميه النسق الأرميائي (نسبة للنبي إرمياء). وهاك بعض البراهين التي تجعلنا نعتقد أنه مكتوب بقلم إرمياء: أولاً أنه يري علاقة بين المزامير القديمة وما جاء من حوادث حتى قبيل السبي. ثانياً يوجد فيه نسق خاص به يحيك الحوادث السابقة بتفسيرات خاصة امتاز إرمياء بمثل الأسلوب. ثالثاً ذكره الأوصاف التي تنطبق على حياة الاضطهاد التي قاساها إرمياء. كانت خدمة إرمياء مدة ثلاثين سنة أيام ملك صدقيا. ويظهر أنه كان للمرنم عظمة ونفوذ عندئذ (راجع عدد ٢١).
(١) يطلب لنفسه أول كل شيء حماية ولا يجدها إلا في الله الذي لا يتغير ولا يزول بينما جميع البشر يزولون. وما أجمل افتتاح الكلام على هذه الصورة لا سيما إذا صح نسبة كتابة هذا المزمور لما بعد السبي قليلاً وكانت أورشليم قد سقطت في أيدي الأعداء. فكما يظن أن كتابة المزمور ٦٩ كانت حينما سقطت بعض يهوذا وأحرقت بالنار وهكذا يتبعه هذا المزمور بصورة تاريخية.
(٢) فهو يطلب الإنقاذ بيد الله القديرة التي تعمل كل شيء بعدل وإنصاف. وهذا العدل هو بالنسبة لما يظهره الأعداء من قسوة وظلم وتعسف ففي حالة كهذه يهرع المرنم لكي يستنجد بقوة علوية تخلص شعب الله من فساد المفسدين. وهكذا فإن المرنم يطلب من الرب أن يصغي إليه كإنما لا أحد يعير كلامه أي إصغاء وحينئذ يزداد الألم الذي يخز في نفسه من جراء هذه الأفكار القاسية والويلات المتوالية حتى يشعر أن لا شيء من التعزية والسلام يصل إليه قط.
(٣) وإذا به هنا مرة أخرى يعود لفكرة الحماية كما في العدد الأول ويؤكد لنفسه أن الله وحده هو الملجأ والملاذ وفي قوله «ادخله» قد صور لنا ليس فقط مجرد صخرة يستظل بها ويحتمي بل مسكن له باب يدخل فيه ويحتمي. ودخوله دائم أي في أي وقت من أوقات الشدائد والمصائب وهناك يجد لنفسه خلاصاً أكيداً من جميع طالبي نفسه ليهلكوها. بل أن الله قد أمر بخلاصه ومن يستطيع أن يخالف أمر ملك الملوك ويعصاه.
«٤ يَا إِلٰهِي نَجِّنِي مِنْ يَدِ ٱلشِّرِّيرِ، مِنْ كَفِّ فَاعِلِ ٱلشَّرِّ وَٱلظَّالِمِ. ٥ لأَنَّكَ أَنْتَ رَجَائِي يَا سَيِّدِي ٱلرَّبَّ. مُتَّكَلِي مُنْذُ صِبَايَ. ٦ عَلَيْكَ ٱسْتَنَدْتُ مِنَ ٱلْبَطْنِ، وَأَنْتَ مُخْرِجِي مِنْ أَحْشَاءِ أُمِّي. بِكَ تَسْبِيحِي دَائِماً. ٧ صِرْتُ كَآيَةٍ لِكَثِيرِينَ. أَمَّا أَنْتَ فَمَلْجَإِي ٱلْقَوِيُّ».
(٤) يطلب النجاة هذه المرة من الأشرار وليس من الأعداء وذلك لأن هؤلاء الكلدانيين المحتلين لم يكونوا أعداء لإرمياء بل يطلب الحماية من بني جنسه الإسرائيليين الذين عاملوه أسوأ معاملة واحتمل منهم الاضطهاد الشديد بدل الإكرام لأنه كان سبب نجاة البقية الباقية منهم بل لو أنهم انتصحوا بنصائحه وتبعوا إرشاداته لم يكن وقع المصيبة عليهم شديداً مذكوراً. والمرنم يلجأ محتمياً من كف فاعل الشر أي الذي يقدم على الشر غير حاسب لما تأتي به العواقب. فهو شرير قاس متحجر القلب والضمير لا يخاف الله ولا يهاب إنساناً لذلك فهو مقضي عليه بالهلاك الأكيد.
(٥) ولكن هنا يظهر الإيمان العامل الذي يعطي رجاء وطيداً بالله الذي هو سيده أيضاً. لذلك فهو ليس فقط ملجأ أو باباً يدخله إلى حصن حصين بل هو شخص قوي له على المؤمن السيطرة التامة كما على ذاك الطاعة والخضوع. والشيء الجميل هنا هو أن هذه العلاقة ليست ابنة ساعتها ولا لأنه بسبب الضغط والاضطهاد فنلجأ لله عند ذلك ونتركه في الأوقات الأخرى بل هي علاقة وطيدة الأركان قديمة الأيام منذ وعيه الأول عرف الرب وتمسك به ولا يزال.
(٦) يل يذهب المرنم في ذلك بعيداً حتى يصل إلى منشأه الأول حينما كان في بطن أمه. هناك كان سنده فهو الذي أخرجه من الأحشاء وأعانه حتى أصبح ذا نفس حية فان رفيقه إذاً منذ البدء وإلى الآن. وإذا كان الأمر كذلك فمن الواجب أن يديم تسبيحه وتعظيمه بل يثبت تلك العلاقة القديمة ويستمر عليها فلا تزيدها الأيام والسنون سوى التوطد والتوثق.
(٧) إن كانت تلك هي علاقته الوطيدة مع الله فهي ليست كذلك مع الناس الآخرين الذين يرون فيه آية لسخريتهم يلوكونه بألسنتهم ويهزأون بأقواله ولا يصغون إليه ولا يستمعون إلى نصائحه. فإن الأكثرية من اليهود وقد ضلت السبيل وابتعدت عن الحق فبدلاً من أن يكون المرنم سبب خلاص وهداية لهم كان سبب دينونة لأنهم لم يرتدعوا ولم يطيعوه. ولكن ماذا يهمه؟ وهل يخاف منهم و يرجع؟ لا بل يستمر على ما هو فيه وليستمروا على ما هم فيه من ضلال وغواية. لأن ملجأه شديد قوي ويستطيع أن يحميه من مكايدهم دائماً (راجع ٢صموئيل ٢٢: ٣٣).
«٨ يَمْتَلِئُ فَمِي مِنْ تَسْبِيحِكَ، ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ مِنْ مَجْدِكَ. ٩ لاَ تَرْفُضْنِي فِي زَمَنِ ٱلشَّيْخُوخَةِ. لاَ تَتْرُكْنِي عِنْدَ فَنَاءِ قُوَّتِي. ١٠ لأَنَّ أَعْدَائِي تَقَاوَلُوا عَلَيَّ، وَٱلَّذِينَ يَرْصُدُونَ نَفْسِي تَآمَرُوا مَعاً ١١ قَائِلِينَ: إِنَّ ٱللّٰهَ قَدْ تَرَكَهُ. اِلْحَقُوهُ وَأَمْسِكُوهُ لأَنَّهُ لاَ مُنْقِذَ لَهُ. ١٢ يَا اَللّٰهُ لاَ تَبْعُدْ عَنِّي. يَا إِلٰهِي إِلَى مَعُونَتِي أَسْرِعْ».
(٨) هنا مظهر جميل من مظاهر الإيمان الحي. وإذا بفم المرنم يمتلئ حمداً وتسبيحاً بينما أولئك المضطهدون مملؤون بالخبث والمكر والأذية ويتكلمون بأقبح الكلام. وما أجمل هذا الالتفات من هؤلاء الأشرار إلى الله مما يسببونه من آلام ومتاعب إلى منابع سلامنا وطمأنينتنا وراحتنا وهكذا لا نخاف شراً وإن كنا نسير في وادي ظل الموت. وقد أشغل وقته بمجد الله لا بمجد ذاته أو الناس حوله لذلك فهو لا يخاف أحداً ولا يتملقه بل يخاف الله ويذيع مجده في كل وقت ومكان.
(٩) ولأنه كان لله تلك العلاقة المتينة به منذ الصبا لذلك فهو يلتمس العون بعد في زمن الضعف والشيخوخة وذهاب القوة واضمحلال النشاط. هنا صلاة شيخ تدخل إلى أعماق القلوب إذ أن صلاته ليست طلباً لعون الله على احتمال متاعب الشيخوخة وآلامها بل أن يبقى الله معه كما كان في زمن الصبا والشباب. فيقول لا ترفضني ولا تتركني الآن (راجع مزمور ٥١: ١٣ وإرميا ٧: ١٥). وهو على عتبة الشيخوخة كما يصلي أن لا يتركه متى أصبح قريباً من الموت ويستولي عليه تمام الضعف والفناء.
(١٠) يذكر نفسه بحوادث مرت عليه وكان له نجاة منها ويقول إن هؤلاء الأعداء الذين حقهم أن يكونوا أحسن الأصدقاء هؤلاء لا عمل لهم سوى التقاول والتآمر. فهم كالوحوش الكاسرة التي تترصد فريستها لتقع بها. فلا رحمة في قلوبهم ولا محبة ولا حنان. إذاً فالإساءة التي تأتي منهم هي عن سابق قصد وتصميم فهم يفعلون الشر ويأتون المنكر لأنهم قد نووا عليه من قبل ولا يرعوون. وهم عصبة من أشرار بتكتل ومقاصد سيئة يعملون معاً وليسوا أفراداً مستقلين وهكذا فبليته بهم أعظم جداً.
(١١) يدعون لأنفسهم أن الله لم يعد يرعاه ويهتم به قد تركه فعليه لا بأس إذا هرب منا فعلينا أن نلحق به ولا نرتد عنه حتى يقع بين أيدينا نفعل به كما نشاء حاسبين أن الله لا ينقذه فيما بعد.
(١٢) في هذا العدد يقتبس المرنم صلاة قديمة لداود يظهر أنها قد أصبحت على كل شفة ولسان (راجع مزمور ٢٢: ١٢ و٢٠ ومزمور ٤٠: ١٤ وقابلها مع مزمور ٧٠: ٢ ومزمور ٣٥: ٢٢ ومزمور ٣٨: ٢٢ وما يليه).
«١٣ لِيَخْزَ وَيَفْنَ مُخَاصِمُو نَفْسِي. لِيَلْبِسِ ٱلْعَارَ وَٱلْخَجَلَ ٱلْمُلْتَمِسُونَ لِي شَرّاً. ١٤ أَمَّا أَنَا فَأَرْجُو دَائِماً وَأَزِيدُ عَلَى كُلِّ تَسْبِيحِكَ. ١٥ فَمِي يُحَدِّثُ بِعَدْلِكَ، ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ بِخَلاَصِكَ، لأَنِّي لاَ أَعْرِفُ لَهَا أَعْدَاداً. ١٦ آتِي بِجَبَرُوتِ ٱلسَّيِّدِ ٱلرَّبِّ. أَذْكُرُ بِرَّكَ وَحْدَكَ».
(١٣) يطلب هؤلاء الأعداء أن يفشلوا فيما يضعونه من خطط بل ليكن نصيبهم الفناء والاضمحلال لأنهم ينوون الشرّ ولا يتراجعون عن إتمامه مهما كلفهم الأمر. بل أيضاً يطلب من الله أن يلبسهم العار فلا ينالون مقاصدهم السيئة بل ينفضح أمرهم ويعرفون بإثمهم فيهرب منهم الناس وينفرون لا لخوفهم منهم بل لاحتقارهم لهم وازدرائهم لأعمالهم الممقوتة. والفكر هنا يصل للأوج فبعد أن يقابل بين نفسه وبينهم ويظهر شدة الفرق يطلب الحماية بالنسبة لنواياه الطيبة كما يطلب الفضيحة والعار للأشرار.
(١٤) مرة أخرى يعود للرجاء ولا ينفك عنه أبداً وهذا الرجاء يزداد في قلبه شدة وقوة ويعبر عنه بالحمد والتسبيح لأنه لا يتذمر أبداً ولا يشكو سوى الله الذي لا يتخلى عن مراحمه له وإحسانه. ويظهر أن المرنم كان له مثل هذا الاختبار المرير من قبل. وكذلك قد قابل هذا الاختبار بعدم التذمر الكلي بل بروح التسليم والإذعان فكان له السلام الحقيقي الثابت.
(١٥) إن المرنم تجاه ما اختبره في الماضي من عظائم هوذا يحدث بعدل الله ومراحمه فهو لا يفتأ يفعل ذلك لا يكل ولا يني ولا يتراجع بل يصرف النهار كله بل النهار والليل أيضاً طالما هو في يقظة لكي يخبر الآخرين عن هذا الخلاص المتكرر الذي لا يعرف أعداد المرات التي ناله فيها (راجع مزمور ١٣٩: ١٧ و ما يليه). إن هذه البراهين الإلهية بمراحم الرب عديدة وثابتة (انظر مزمور ٤٠: ٦) ولأن هذه المراحم لا تعد بالنسبة لكثرتها كذلك فإن حمد الرب من أجلها يجب أن يكون مكرراً لا يحصى.
(١٦) ذلك لأنه يعتمد على جبروت الرب وقدرته غير المتناهية وهي في العبرانية بصورة الجمع أي مظاهر جبروته المتكررة فهي كسلسلة متصلة الحلقات (راجع مزمور ٢٠: ٧). وقوله آتي بِ أي أقدمها مثل براهين متتابعة وشواهد ناطقة بما صادفه في حياته من اختبارات روحية عميقة تثبت قدرة الله نحوه وعطفه عليه وعنايته التامة به. لأن هذه القدرة هي مملوءة بالبر والعدل أيضاً. وحينما يذكر الله يذكره وحده لأن لا شيء في الدنيا ولا أحد من الناس يستحق أن يذكر جنبه لأنه هو سبحانه مصدر النعم كلها فهو جواد على قدر ما هو جبار في إجراء ما يشاءه لهذه الكائنات جميعها.
«١٧ اَللّٰهُمَّ قَدْ عَلَّمْتَنِي مُنْذُ صِبَايَ، وَإِلَى ٱلآنَ أُخْبِرُ بِعَجَائِبِكَ. ١٨ وَأَيْضاً إِلَى ٱلشَّيْخُوخَةِ وَٱلشَّيْبِ يَا اَللّٰهُ لاَ تَتْرُكْنِي، حَتَّى أُخْبِرَ بِذِرَاعِكَ ٱلْجِيلَ ٱلْمُقْبِلَ، وَبِقُوَّتِكَ كُلَّ آتٍ. ١٩ وَبِرُّكَ إِلَى ٱلْعَلْيَاءِ يَا اَللّٰهُ ٱلَّذِي صَنَعْتَ ٱلْعَظَائِمَ. يَا اَللّٰهُ مَنْ مِثْلُكَ! ٢٠ أَنْتَ ٱلَّذِي أَرَيْتَنَا ضِيقَاتٍ كَثِيرَةً وَرَدِيئَةً، تَعُودُ فَتُحْيِينَا، وَمِنْ أَعْمَاقِ ٱلأَرْضِ تَعُودُ فَتُصْعِدُنَا».
(١٧) يعترف بأنه تلميذ عند قدمي الرب ويبدأ علمه منذ الصبا ويستمر كل الزمان. أي أنه منذ وعيه ومعرفته مميزاً بين الخير والشر قد أخذ يتعلم المثائل التي تلقى عليه فهي بعضها قد كان صعباً ثقيلاً وبعضها شاقاً عسر الفهم لأنه لم يكن ربما يفهم كل شيء ولكن مع مرور الزمان وتكرار الدروس قد رسخت حقائق في عقله حتى لا ينساها قط بل يخبر عنها حتى الآن. وهي عجائب أي أمور غير عادية قد اختبرها ويكنزها على الأيام والسنين (انظر مزمور ٢٥: ٤). وليس من الضروري أن تكون عجائب خارقة الطبيعة بل هي آيات ودلائل تشير إليه بدروس قيمة قد تعلمها ولا يريد أن ينساها أبداً.
(١٨) ومرة أخرى يطلب من الله أن لا يتركه في زمن الشيب والشيخوخة طالما له هذه الاختبارات القيمة على عقول الجيل الجديد ويلقيها دروساً تعلمها هو لكي يعلمها للآخرين أيضاً. لذلك فإن إطالة عمره ليس لمجرد أن يتمتع بلذة الحياة الدنيا بل ليخدم بها الآخرين ويقتادهم إلى أمور أعظم وأسمى. فهو يرى الجيل الجديد بدون حنكة واختبار وعليه أن يصغي إلى هذه النصائح الثمينة واختبارات الحياة التي مرت على هذه الشيخ الجليل فكما تعلم يريد أن يعلم ويفيد حتى يقبل الكثيرون لمعرفة الرب.
(١٩) كيف لا يفعل ذلك وموضوع كلامه هو الله ذاته بقدرته العجيبة وذراعه الممدودة للخلاص ومحبته الشاملة. إن بلاغة كلامنا وكثرته ووقعه يكون على نسبة الموضوع الذي نتكلم فيه والأشخاص الذين نعرفهم ونكرمهم ونريدهم أن يتعلموا. وهكذا فإن المرنم لديه بر الرب الواصل إلى السماء العلى ويملأ كل شيء بعظمته ومجده ومن مثله في الأرض أو في السماء؟ هو الذي صنع الأشياء الخطيرة وسيّر الحادثات بمقتضى حكمته غير المتناهية. لذلك فما على المرنم سوى أن يذيع هذا ويخبر به كل من يشاء.
(٢٠) نعم لقد سمح بخلال الأوقات الماضية بضيقات شديدة متنوعة. فإن قصده ليس التعذيب بل التهذيب فهو لا يسر بموت الخاطئ بل يريد له الحياة والنهضة على شرط أن ينهض أولاً لنفسه ويصلحها. لذلك فإن الله وإن سمح بسقوطنا ووصولنا إلى حافة الهلاك والموت حتى نكاد ندخل في جوف الهاوية إذا به يعود إلينا فيصعدنا مما نحن فيه وينتشلنا ويمنحنا حياة حقيقية كاملة. والمرنم لا يتكلم فقط عن اختباراته الشخصية بل هنا إشارة إلى ما أصاب الأمة كلها التي يتكلم بلسانها أيضاً فإن الله لن يتركنا قط بل يعود فيرحم بعد.
«٢١ تَزِيدُ عَظَمَتِي وَتَرْجِعُ فَتُعَزِّينِي. ٢٢ فَأَنَا أَيْضاً أَحْمَدُكَ بِرَبَابٍ، حَقَّكَ يَا إِلٰهِي. أُرَنِّمُ لَكَ بِٱلْعُودِ يَا قُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ. ٢٣ تَبْتَهِجُ شَفَتَايَ إِذْ أُرَنِّمُ لَكَ، وَنَفْسِي ٱلَّتِي فَدَيْتَهَا ٢٤ وَلِسَانِي أَيْضاً ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ يَلْهَجُ بِبِرِّكَ. لأَنَّهُ قَدْ خَزِيَ، لأَنَّهُ قَدْ خَجِلَ ٱلْمُلْتَمِسُونَ لِي شَرّاً».
(٢١) إنك يا الله سبب عظمتي الحقيقية وأنت وحدك تزيدها وترجع إليّ بالرجاء والتعزية وهنا أيضاً قد يفهم منه أن الله يعود فيرجع عظمة الأمة ويعطيها التعزية الكاملة الشاملة فلا تعود إلى أحزانها ومتاعبها فيما بعد. هنا يقرن الماضي بالحاضر بالمستقبل فكما كان لهم من قبل متاعب وضيقات إذا الحاضر يبسم لهم ويلوح المستقبل لامعاً زاهراً لأن الله حي ولا يتخلى عنهم إلى التمام.
(٢٢) والمرنم يستيقظ لواجبه تجاه حالة كهذه ولا يسكت عن الحمد والثناء فيأخذ ربابه بيده لينشد أناشيده العذبة الحلوة (قابل مع أيوب ٤٠: ١٤). ولا يغرب عن باله قط أن يذكر حق الله لأن ذلك هو موضوعه الأهم. بل ويستعمل العود أيضاً لكي يكمل التوازي في هذا البيت والقصد أنه يستعمل الآلات الموسيقية الدارجة المعروفة عنده أما حقيقة أو مجازاً والمهم أنه يحمد الرب قدوس إسرائيل إله الآباء والجدود الحي الموجود منذ الأزل وإلى الأبد لا يعتريه أي تغيير.
(٢٣) هذا العدد مأخوذ من (مزمور ٧٨: ٤١ ومزمور ٨٩: ١٩) وكلا المزمورين أقدم عهداً بلا شك من هذا المزمور الذي بين أيدينا بل وهو أقدم من سفر إشعياء الذي يستعمل هذا التعبير أي قدوس إسرائيل نحو ثلاثين مرة وأقدم من حبقوق الذي يستعمله مرة واحدة. أما إرمياء فيستعمله مرتين (انظر إرميا ١: ٢٩ و٤٠: ٥). وهنا يقول إن الشفتين واللسان كما القلب والضمير والنفس الداخلية جميعها تشترك بالحمد والثناء. لأن الفداء الذي قدمه الرب كان عظيماً بهذا المقدار حتى لا يسعه أن يسكت أو أن يمر بهذه الحوادث بعدم تمعن أو اكتراث.
(٢٤) وهذا اللسان الذي يشارك بالترنيم إنما يفعل شيئاً آخر إذ هو يلهج ببر الله بالكلام وليس بالغناء فقط. وهو منشغل بذلك اليوم كله على شكل دائم مستمر. لأن عظمة الله وقدرته وجبروته قد ظهرت مؤيدة بالبراهين القاطعة الواضحة التي لا تدع سبيلاً للشك والتخمين. وأما البشر هؤلاء الأعداء الذين أرادوا الحط من كرامته والاستخفاف بنصائحه وعدم الإصغاء بل أرادوا له الضرر والاذية إذا بهم الآن قد فشلوا فيما ذهبوا إليه وتراجعوا عن إتمام مقاصدهم الشريرة لأن الله معه وهو سيده الوحيد فماذا يفعل به البشر؟ أو ليس هذا من ثمار الإيمان المتطلع لله فقط؟

اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي وَٱلسَّبْعُونَ


لِسُلَيْمَانَ


«١ اَللّٰهُمَّ أَعْطِ أَحْكَامَكَ لِلْمَلِكِ وَبِرَّكَ لٱبْنِ ٱلْمَلِكِ. ٢ يَدِينُ شَعْبَكَ بِٱلْعَدْلِ وَمَسَاكِينَكَ بِٱلْحَقِّ. ٣ تَحْمِلُ ٱلْجِبَالُ سَلاَماً لِلشَّعْبِ وَٱلآكَامُ بِٱلْبِرِّ. ٤ يَقْضِي لِمَسَاكِينِ ٱلشَّعْبِ. يُخَلِّصُ بَنِي ٱلْبَائِسِينَ وَيَسْحَقُ ٱلظَّالِمَ».
ليس من الضروري أن يكون العنوان «لسليمان» معناه أن سليمان قد كتبه بل أنه كتب في وصف سليمان ومدح ملكه بالأكثر لا سيما وهو العصر الذهبي الممتاز في مملكة إسرائيل الموحدة إذ لم تكن المملكتان قد انقسمتا بعد. فالناظم يذكر أمجاد عصر قديم يجعله مثالاً عالياً للعصر الذي عاش فيه هو كما نفعل نحن اليوم وكثيرون من الناس حينا نقول «سقى الله أياماً مضت...» ولكن الصعوبة هنا أن المزامير كلها يوضع عليها عادة اسم ناظميها فكيف نستطيع تغيير هذا الترتيب؟ ولا شك أن نسق الكتابة يبعد كثيراً عن نسق داود وهو أقرب لضرب الأمثال بتصوير المعاني واختصارها. والناظم قد اطلع على سفر أيوب الذي يظن أنه كتب في عصر سليمان. وربما كان هذا المزمور لتحية ملك ممسوح جديداً وكان يغني الشعب ابتهاجاً بذلك ولذلك فإن الكنيسة المسيحية قد استعملت هذا المزمور لعيد دخول المسيح إلى الهيكل.
(١) يذكر المزمور اسم «إلوهيم» في الافتتاح بقوله اللهم فهو إذاً من مزامير «إلوهيم» والصلاة موجهة إليه لكي يعطي أحكامه للملك الذي هو ابن ملك أيضاً أي من سلالة ملوكية عريقة أي أن يعطي الحكمة حتى تكون أراؤه مصيبة وقضاؤه عادلاً. ولا يكفي أن يطلب له الأحكام بل البر أيضاً. أي أن يتوجه بقلبه وأفكاره لله وهكذا تكون حكومته قد نالت موافقة السماء ورضاها أيضاً.
(٢) ذلك لأن الغرض من هذا الطلب هو العدل فلا يجري إلا الأحكام المنصفة العادلة لا سيما لديه مساكين كثيرون إذا لم يأخذ بناصرهم ولم ينتشلهم قد تدوسهم الفئة الظالمة تحت أقدامها. وهكذا فعلى الملك أن يحمل قسطاس العدل بين يديه لئلا يحيد الناس عن جادة الصواب وتكون العواقب وخيمة.
(٣) حينئذ هوذا الجبال يرتفع عليها راية السلام والوئام بل هوذا التلال العالية يسودها البر والعدل فلا يكون أحد من الناس مظلوماً أو غير نائل نصيبه من البحبوحة والخير. وقوله الجبال والآكام فالمعنى أن كل أنحاء البلاد لأنه لا يرى عن بعد سواها فهي الدليل على وجود بقية الأراضي وإن لم نرها بعيوننا. وحينما يكون سلام في البلاد حينئذ يزدهر العمران وترى آثار الخصب والبحبوحة في كل مكان.
(٤) هنا يعود لزيادة المعنى على العدد الثاني ويرينا أن حكم هذا الملك هو للإنصاف والعدالة فلا يكون إعوجاج في القضاء ولا ظلم على الرعية لا سيما الطبقة الفقيرة منها لأن في أيامه لا يكون ظلم ولا اغتصاب وإذا استمر الظالم على غيه ولم يرعو عن إثمه فما نصيبه سوى السحق التام.
«٥ يَخْشَوْنَكَ مَا دَامَتِ ٱلشَّمْسُ وَقُدَّامَ ٱلْقَمَرِ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. ٦ يَنْزِلُ مِثْلَ ٱلْمَطَرِ عَلَى ٱلْجُزَازِ، وَمِثْلَ ٱلْغُيُوثِ ٱلذَّارِفَةِ عَلَى ٱلأَرْضِ. ٧ يُشْرِقُ فِي أَيَّامِهِ ٱلصِّدِّيقُ وَكَثْرَةُ ٱلسَّلاَمِ، إِلَى أَنْ يَضْمَحِلَّ ٱلْقَمَرُ. ٨ وَيَمْلِكُ مِنَ ٱلْبَحْرِ إِلَى ٱلْبَحْرِ، وَمِنَ ٱلنَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي ٱلأَرْضِ. ٩ أَمَامَهُ تَجْثُو أَهْلُ ٱلْبَرِّيَّةِ، وَأَعْدَاؤُهُ يَلْحَسُونَ ٱلتُّرَابَ».
(٥) يعود هنا للعدد الأول ويخاطب الله ويقول إن الشعب يخشونه ويهابون اسمه على الدوام اي ما دامت الشمس والقمر (راجع دانيال ٣: ٣٣ وقابله أيوب ٨: ١٦) فيكون ذلك إلى الدهر والأبد وهكذا فإن حكم الملك العادل يجعل الشعب أن يخشى الله ويمجد اسمه إلى الأبد. وبالعكس فإن الملك الظالم وحكومته المعوجة تجعل الناس بعيدين عن الله إذ كما قيل «الناس على دين ملوكهم».
(٦) ليس من الضروري هنا «الجزاز» جمع جزة الخروف بل قد تكون تلك المروج المعشبة التي تقطع من أجل العشب الذي فيها فقط وليس من أجل ثمرها في المستقبل. فإن الحيوانات زمن الربيع تطعم بالأحرى هذه الأعشاب الخضراء بدلاً من الحبوب التي تكون قد أقتاتت عليها أثناء الشتاء. وقد يكون مخلوطاً بالتبن وأما الآن فهي تمرح في المروج الخضراء «ترتع فيها». وخوف الله ينزل منعشاً للأراضي مثلما ينزل المطر. وكم مرات حدث أن اصفر وجه الأرض في الربيع بسبب الجفاف والشمس المحرقة وبعد وقت نزلت الأمطار فتجدد وجه الأرض وعادت الخضرة بدل الاصفرار. وهكذا رحمة الله تصل للذين يخافونه ويعبدونه بالحق فهم لا يصيبهم الجوع بل دائماً في نضارة واخضرار.
(٧) هنا يعود للملك الذي بسبب عدله وإنصافه وبفضل ما يبذله من جهود مثمرة جبارة لأجل إحقاق الحق بين الناس وتسيير العدالة والإنصاف فيكون أن الصديق ينال في أيامه الفخار والمجد. فلأنه يحب البر هو نفسه لذلك يحب الأبرار والصالحين الذين ينالون أسمى المناصب وهم أعوانه لتسيير أمور الدولة على الأحكام العادلة وهكذا فتكون النتيجة بسيادة السلام في أنحاء المملكة ولا يكون أدنى داع للتذمر والشكوى طالما الملك يحب العدل والاستقامة وجميع الشعب ينالون حقوقهم ويعيشون سعداء في بحبوحة إلى الأبد.
(٨) هذا هو الملك العظيم الذي يباركه الرب ويمنحه سلطاناً واسعاً يصل من البحر إلى البحر أي من البحر الأحمر للمتوسط ومن الفرات إلى أبعد الأمكنة. هذا ما يتمناه له شعبه إذ يرون في مليكهم مثالاً حياً للعدالة فيدعون له بالملك الواسع الشامل الذي يمتد إلى أقصى الأمكنة المجاورة. والمعروف تاريخياً أن سليمان قد كان له هذا الملك الضخم بعد أن استراحت الأرض من الحروب التي عاناها والده الملك داود.
(٩) وهنا ينتقل من الأمور الداخلية في المملكة ذاتها إلى العلاقات الخارجية مع بقية الشعوب والممالك فيقول إن أهل البرية أي البدو الساكنون في أطراف المملكة يرعون الأغنام والمواشي فهؤلاء لا يستطيعون أن يقفوا في وجه الملك بل يطلبون رضاه خاضعين بل وجميع الأعداء لا يجسرون على رفع الرأس بل يتذللون أمامه إلى أقصى حدود المسكنة والذل مرتجين العفو والرضا منه لئلا تحل عليهم الويلات ولا يكونون.
«١٠ مُلُوكُ تَرْشِيشَ وَٱلْجَزَائِرِ يُرْسِلُونَ تَقْدِمَةً. مُلُوكُ شَبَا وَسَبَإٍ يُقَدِّمُونَ هَدِيَّةً، ١١ وَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ ٱلْمُلُوكِ. كُلُّ ٱلأُمَمِ تَتَعَبَّدُ لَهُ ١٢ لأَنَّهُ يُنَجِّي ٱلْفَقِيرَ ٱلْمُسْتَغِيثَ وَٱلْمِسْكِينَ إِذْ لاَ مُعِينَ لَهُ. ١٣ يُشْفِقُ عَلَى ٱلْمِسْكِينِ وَٱلْبَائِسِ وَيُخَلِّصُ أَنْفُسَ ٱلْفُقَرَاءِ. ١٤ مِنَ ٱلظُّلْمِ وَٱلْخَطْفِ يَفْدِي أَنْفُسَهُمْ، وَيُكْرَمُ دَمُهُمْ فِي عَيْنَيْهِ».
(١٠) وهذا الملك ذو السطوة والسلطان العظيمين يكون له هيبة ووقار في قلوب الناس في أبعد الأمكنة حتى إلى ترشيش (ربما أسبانيا) وجزائر البحر حتى كريت وما جاورها ربما. كذلك فلا يبقى اسمه ممتداً للغرب بل وللجنوب أيضاً حتى يصل إلى ملوك شبا وسبا في أقصى البلاد العربية (راجع ١ملوك ص ١٠). هؤلاء جميعاً يقدمون تقدمات وهدايا فيها علامات الخضوع لسيادة هذا الملك عليهم لأنهم يسعون لاسترضائه بشتى الطرق فيقدمون له هذه الأشياء كضريبة خفية.
(١١) بل أن الملوك كلهم يفعلون كذلك دليلاً على كمال سلطانه عليهم جميعاً ويخدمونه كالعبيد لأن لا سيادة لهم على رعيتهم إلا برضاه وتحت مطلق سلطانه.
(١٢) أما السبب الذي يعزو إليه الفضل في قيام مثل هذا الملك الضخم وامتداده ومدى سيطرته على الناس فهو أن هذا الملك يحب العدل والإنصاف ولا يهمه سوى إجراء الرحمة والخير للجميع ولا سيما للفقير الذي يستغيث به وينجد البائس الذي لا يهتم به أحد ولا يلتفت إليه. وهنا منتهى العدالة الملكية إذ حينما لا يعود لهذا المسكين المظلوم من يمد له يد الإسعاف يعود للملك ذاته ويطلب منه المساعدة وإذا به يلبي نداء الواجب حالاً وينجيه مما هو فيه ولا يتخلى عنه أبداً.
(١٣) يزيد في إشفاقه فلا يكتفي بالنجاة بل يتحنن بعد ويمد يده بالإحسان فلا يبقى في الأرض أي أثر من آثار المسكنة والهوان. بل لا يبقى شيء من الفقر إذ أن مساعدته السخية لا تبقي أحداً في أي ضيق أو عجز من أي نوع من الأنواع (راجع أيوب ٢٩: ١٢). فهو عطوف حنون كريم يشفق ويتحنن على كل أنواع البلايا والنكبات ويأخذ على عاتقه أن يفعل شيئاً لإزالتها والتخفيف عن عواتق المتألمين منها لأنه يرى أن لا ثبات لملكه ولا قيام لسلطانه إلا بتثبيت دعائم الإنصاف والرحمة للجميع.
(١٤) فلا يرضى بظلم عليهم ولا يمكن أن تمتد يد بالخطف أو النهب أو أي نوع من أنواع التعدي ذلك لأنه هو نفسه يتداخل في الأمر ويفدي أنفسهم أما بدفع ما يتوجب مقابل فكاكهم أو بواسطة أوامر صريحة يجعل كل شيء يعود إلى سابق مجراه الطبيعي من النظام الشامل. فهو يرى أن دم المساكين بدلاً من أن يفك جزافاً يصبح عزيزاً مكرماً في عينيه وبدلاً من الموت يكون لهم الحياة وبدلاً من المذلة والعار يكون المجد والعزة والكرامة.
«١٥ وَيَعِيشُ وَيُعْطِيهِ مِنْ ذَهَبِ شَبَا. وَيُصَلِّي لأَجْلِهِ دَائِماً. ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ يُبَارِكُهُ. ١٦ تَكُونُ حُفْنَةُ بُرٍّ فِي ٱلأَرْضِ فِي رُؤُوسِ ٱلْجِبَالِ. تَتَمَايَلُ مِثْلَ لُبْنَانَ ثَمَرَتُهَا، وَيُزْهِرُونَ مِنَ ٱلْمَدِينَةِ مِثْلَ عُشْبِ ٱلأَرْضِ. ١٧ يَكُونُ ٱسْمُهُ إِلَى ٱلدَّهْرِ. قُدَّامَ ٱلشَّمْسِ يَمْتَدُّ ٱسْمُهُ. وَيَتَبَارَكُونَ بِهِ. كُلُّ أُمَمِ ٱلأَرْضِ يُطَوِّبُونَهُ. ١٨ مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ ٱللّٰهُ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ، ٱلصَّانِعُ ٱلْعَجَائِبَ وَحْدَهُ. ١٩ وَمُبَارَكٌ ٱسْمُ مَجْدِهِ إِلَى ٱلدَّهْرِ، وَلْتَمْتَلِئِ ٱلأَرْضُ كُلُّهَا مِنْ مَجْدِهِ. آمِينَ ثُمَّ آمِينَ. تَمَّتْ صَلَوَاتُ دَاوُدَ بْنِ يَسَّى».
(١٥) وهكذا من كان مهدداً بالموت يعود للعيش الحر والإنتاج المثمر إذ أن هذا المظلوم المسكين بالأمس يصبح قادراً أن ينال ذهباً من ملكه وعزاً ومجداً بسبب حياة الرخاء والغنى التي يعيشها الآن بعد أن زال عنه الخطر وأصبح في أمن وسلام. وهكذا فإن هذا الفقير بالأمس الذي اغتنى بفضل الملك ونال العز والكرامة يصلي للملك داعياً بدوام ملكه ويطلب له البركة والكرامة كل الأيام. هذه هي المكافأة التقوية التي يستطيع تقديمها فيقدمها بكل محبة قلبية وسخاء.
(١٦) وحيئنذ هذا الشعب الآمن الذي يبارك ملكه العادل المنصف ويتمنى له تمام الخير وبالتالي فإن ملكه يجري العدل والرحمة نحو الجميع إذا به يتكاثر ويثمر فيكون مثل تلك الزروع المتمايلة والمتموجة في رؤوس الجبال. أي أن الرخاء والبحبوحة يعمان الجميع. وهكذا فإن تمايلها يشبه تمايل تلك الغابات الكثيفة التي تكسو لبنان وتجعله رائعاً باخضراره وليس بثلوجه فقط. بل أن العشب يصبح في بهجة وحبور كما هي حالة الأرض في الربيع حينما تكسوها الزهور المختلفة الأشكال والألوان. فيكون التمني أن يزداد الشعب عدداً ويزداد غنىً وبهجة وكرامة.
(١٧) يعود للملك فيقول إن اسمه خالد لا يمحوه كرور الأيام والسنين. وكما يمتد نور الشمس لكي يصل إلى كل مكان وينعشه ويحييه هكذا فإن هذا الملك الجليل العادل يكون صيته مالئاً كل البقاع والأمكنة. حتى أن جميع الناس يتباركون به ويقدمون له المديح والثناء. ذلك لأن الله سيباركه ويغنيه ويتمم له كل خير على تعداد الحسنات التي قدمها وعلى نسبة جلائل الأعمال التي قام بها.
(١٨ و١٩) في هذين العددين يوجد البركة الختامية للقسم الثاني من المزامير التي تنتهي هنا. فإذاً يكون أصل ختام المزمور في العدد السابع عشر. والله إله إسرائيل صانع العجائب هي تعابير قديمة مألوفة (راجع مزمور ٨٦: ١٠ و١٣٦: ٤ وقابلهما مع أيوب ٩: ٨). ويتمنى المرنم أن تمتلئ الأرض من معرفة الرب ومن مجده الذي يعرف باسم خاص بإسرائيل فيكون معروفاً لدى الأمم جميعاً أيضاً. ويطلب الاستجابة على هذا الدعاء مكرراً بلفظة آمين ثم آمين.
مع أن الختام «تمت مزامير داود» إذا ببعض المزامير التابعة تحمل اسم داود أيضاً فكيف نفسر ذلك؟ والجواب أنه لم يكن من أهمية لمثل هذه الأسماء فإن داود هو مبدع هذا النوع من الشعر الديني الغنائي فليس كل ما يحمل اسمه هو من الضروري بقلمه بل هو بروحه وأسلوبه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ وَٱلسَّبْعُونَ


مَزْمُورٌ. لآسَافَ


«١ إِنَّمَا صَالِحٌ ٱللّٰهُ لإِسْرَائِيلَ، لأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ. ٢ أَمَّا أَنَا فَكَادَتْ تَزِلُّ قَدَمَايَ. لَوْلاَ قَلِيلٌ لَزَلِقَتْ خُطُوَاتِي، ٣ لأَنِّي غِرْتُ مِنَ ٱلْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ ٱلأَشْرَارِ».
يذكر المرنم في هذا المزمور كيف أنه تغلب على تجربة ارتدادٍ عن الإيمان وهكذا استطاع أن يتمسك بإلهه مرة أخرى بصورة أرسخ وأثبت. لقد كان من قبل متردداً ضعيف العزم والإرادة يذهب مع كل ريح لأن إيمانه كان اسمياً ظاهرياً وأما الآن فقد أصبح اختبارياً حقيقياً. نعم لقد ولد في دين آبائه وجدوده ولكنه لم يكن له أية صلة به سوى مظاهر العبادة الخارجية لذلك حينما جاءته التجربة بأن رأى سلامة الأشرار والخير الذي يتمتعون به صدمته التجربة صدمة شديدة ولكنه لم يعتم أن تغلب عليها وعاد إلى الإيمان بصورة أثبت وأقوى. ومن الشر كان له خير عظيم. وهذا المزمور ينقسم إلى قسمين الأول حتى العدد ١٤ والثاني من العدد ١٥ إلى الآخر. ولا يوجد أي داع للشك أن الناظم هو آساف كما هو العنوان. والموضوع الذي يبحثه المزمور لا يتناول البحث عن عدل الله الكلي وإن الأشرار لا بد أن ينالوا جزاءهم إن عاجلاً أو آجلاً وهكذا فهو لا ينظر إلى المستقبل البعيد حينما يدان الناس جميعاً بل نظره إلى هذا العالم وهذا الزمان فقط.
(١) يفتتح كلامه «إنما» ومعناها هنا هكذا أو لذلك حسب الأصل العبراني ويقصد الاستنتاج من أمور سابقة. وهو يؤكد أن الله صالح بار في كل طرقه وأعماله وهو كذلك للأنقياء القلب خصوصاً (راجع مزمور ٢٤: ٤ ومتّى ٥: ٨). ولا يقصد هنا بإسرائيل الذين هم من نسل يعقوب بل كل المؤمنين الحقيقيين الذين يعيشون عيشة التقوى والفضيلة والصلاح.
(٢) الأرجح أن المرنم هنا يتكلم عن اختبار شخصي فيذكر أنه كان على شفير السقوط ولولا قليل لكان قد سقط وانتهى أمره (راجع مزمور ١٨: ٣٥ وقابله مع تثنية ٢١: ٧ وأيوب ١٦: ١٦). لقد كان هنا صريحاً يتكلم عن نفسه بكل تواضع وخجل ولا يخفي أنه كان في خطر الخطيئة والاضمحلال من جراء آثامه وبعده عن الله.
(٣) وسبب التجربة هو أنه رأى بعض المتكبرين الأشرار في خير وبحبوحة وربما كان هو عكس ذلك فلم يتمالك أن يغار منهم بعد أن قاس نفسه عليهم وكانوا له قدوة شريرة وسبب عثرة وهكذا زلت قدمه ولولا قليل لزلق ساقطاً إلى الحضيض. والغيرة هي تلك العاطفة المشتعلة بنار الحسد في كثير الأحيان فنحسد الناس حتى الأشرار منهم على أمور لا يجوز أن نحسدهم عليها.
«٤ لأَنَّهُ لَيْسَتْ فِي مَوْتِهِمْ شَدَائِدُ، وَجِسْمُهُمْ سَمِينٌ. ٥ لَيْسُوا فِي تَعَبِ ٱلنَّاسِ، وَمَعَ ٱلْبَشَرِ لاَ يُصَابُونَ. ٦ لِذٰلِكَ تَقَلَّدُوا ٱلْكِبْرِيَاءَ. لَبِسُوا كَثَوْبٍ ظُلْمَهُمْ. ٧ جَحَظَتْ عُيُونُهُمْ مِنَ ٱلشَّحْمِ. جَاوَزُوا تَصَوُّرَاتِ ٱلْقَلْبِ. ٨ يَسْتَهْزِئُونَ وَيَتَكَلَّمُونَ بِٱلشَّرِّ ظُلْماً. مِنَ ٱلْعَلاَءِ يَتَكَلَّمُونَ».
(٤) هؤلاء الأشرار لهم عيش مريح ولهم موت مريح أيضاً. فالراحة تكتنفهم من أول العمر إلى آخره وحينما يأتيهم الموت لا يتلوون معه من الآلام المضنية ولا يشعرون بأي نوع من الشدائد لأنهم أقوياء وجسمهم نشيط سمين فلا يستسلمون حسب الظاهر لضعف الجسد فإذا ماتوا يكون موتهم بهدوء تام مطمئنين. ولكن يذهب بعض المفسرين أن لا علاقة للموت هنا بل قد تكون الكلمة محرفة فيكون المعنى هكذا ليس عليهم شدائد وجسمهم سمين. أي هم لأنفسهم ولا يبالون بأي إنسان.
(٥) وفي هذا العدد نجد توضيحاً لهذا المعنى الأخير. أي أن هؤلاء الأشرار لا يهمهم مصائب الناس إذ يتعامون عن مرأى المصائب ويصمون آذانهم عن صراخ المساكين والمحتاجين. هم محبو الذات ويعيشون في دوائرهم الضيقة الصغيرة. ويظهر أنه لن تصيبهم المصائب. وهنا لا يريد المرنم مدحهم قط بل يصور قساوة قلوبهم وعماوة أذهانهم إذ هم بعيدون عن الناس ولا يهمهم أمرهم إلا على نسبة مصالحهم الشخصية.
(٦) لقد وضعوا الكبرياء قلادة على أعناقهم متفاخرين بما كان يجب أن يخجلوا به. وهم يلبسون الظلم كثوب فلا يفارقهم بل هو كجزء من حياتهم الخاصة. هم قساة عنيفون لا يرحمون ولا يشفقون (راجع إشعياء ٥٩: ١٧) ولذلك يتظاهرون بكبريائهم بكل وقاحة ويظلمون الناس ولا يرعون عن غيهم ولا ينتصحون من أحد فهم بالإضافة إلى شرهم يجدفون على أقدس الأشياء.
(٧) هذا شحم الاستهتار إذ يسمنون من عدم اكتراثهم بالناس. وقد تكون الترجمة أن قلوبهم غليظة إلى درجة أنها جاوزت الداخل إلى الخارج. فهم لا يستحون من شرٍ هم فيه. والقلب في نظره هو مركز كل العواطف (راجع متى ١٥: ١٨ وما بعده).
(٨) يتابع المعنى ذاته وهو أن هؤلاء الأشرار يستهزئون غير مهتمين بشيء. كلامه شرير كما أن نواياهم شريرة أيضاً. وهم يتكلمون من العلاء بالنسبة إلى كبريائهم إذ يحسبون أنهم من طينة غير طينة البشر (راجع إرميا ٥: ٢٨). وقد ذهب لوثيروس في ترجمته أنهم يهدمون كل شيء ويحوّلون كل مظاهر العمران قفراً يباباً. دأبهم الأذى بلسانهم ولا يتورعون عن أن يصرحوا بذلك أمام الجميع حاسبين أن ما يفعلونه كأنه ضمن سلطانهم لأنهم في مقام أعلى من الآخرين.
«٩ جَعَلُوا أَفْوَاهَهُمْ فِي ٱلسَّمَاءِ، وَأَلْسِنَتُهُمْ تَتَمَشَّى فِي ٱلأَرْضِ. ١٠ لِذٰلِكَ يَرْجِعُ شَعْبُهُ إِلَى هُنَا، وَكَمِيَاهٍ مُرْوِيَةٍ يُمْتَصُّونَ مِنْهُمْ. ١١ وَقَالُوا: كَيْفَ يَعْلَمُ ٱللّٰهُ، وَهَلْ عِنْدَ ٱلْعَلِيِّ مَعْرِفَةٌ؟ ١٢ هُوَذَا هٰؤُلاَءِ هُمُ ٱلأَشْرَارُ، وَمُسْتَرِيحِينَ إِلَى ٱلدَّهْرِ يُكْثِرُونَ ثَرْوَةً. ١٣ حَقّاً قَدْ زَكَّيْتُ قَلْبِي بَاطِلاً وَغَسَلْتُ بِٱلنَّقَاوَةِ يَدَيَّ».
(٩) هم يصرّحون أمام الجميع بما ينوونه من أمور شريرة خبيثة. لذلك فهم لا يكتفون بأن يضمروا الشر في قلوبهم ولا أن يتحينوا الفرص السانحة لكي يضربوا ضربتهم بل هم لا يبالون بأحد إذ يصيحون صاخبين بأصوات مرتفعة كأنها تبلغ عنان السماء ولكنها في الوقت ذاته تعم سكان الأرض. فهي إذاً مرتفعة فقط من جهة كبريائها وصنعها ولكنها ليست بعيدة بأذاها وضررها عن أي الناس (انظر حزقيال ٢٢: ١٢). فظلمهم ليس شيئاً يندمون عليه أو يخجلون منه أو من ذكره بل يتباهون به كأنهم يلعبون في حياة الناس كما يشاؤون وتشاء أهواؤهم وشرورهم.
(١٠) ولهؤلاء الأشرار جماعة من الناس يقتفون آثارهم ويلوذون بهم. وكان المرنم نفسه في خطر عظيم أن يكون أحدهم لو زلت به القدم وسقط. هم أتباع أشرار مثل سادتهم يخضعون للأوامر الصادرة إليهم ويعيشون لأجل إنالتهم مآربهم الخاصة. وهؤلاء الأتباع كانوا من قبل اتباعاً لله وقد تركوه راجعين للإثم والفساد. وهم مثل المياه التي لا تنضب إذ يستمر أولئك السادة على تغذيتهم بما يريدون فهم كالأرض فقط التي تمتص المياه. وهذه المياه هي ما يخضعون له من أوامر.
(١١) وهؤلاء الأتباع يتوغلون في حمأة الإثم والتجديف ويقولون في أنفسهم على الأقل وهل يعلم الله؟ إذ يحسبون أن الله الذي تركوه قد تغاضى عن سيئاتهم ويكرر السؤال مرة أخرى وهل عند العلي معرفة؟ (راجع أمثال ٣: ٢٨ وملاخي ١: ١٤ وقضاة ٦: ١٣).
(١٢) هم أشرار أقوياء أغنياء لهم سطوتهم ونفوذهم ولا يحتاجون أن يتستروا في الآثام التي يرتكبونها ولا يهابون الله ولا الناس إذ هم يحسبون أنفسهم أرفع من أن يحاسبهم أحد. يتظاهرون بتمام الراحة فيما يقترفونه فلا ضمير يبكتهم ولا قوة مادية تستطيع أن تقف في وجوههم (انظر إرميا ١٢: ١). إذاً فهؤلاء الأشرار يتمتعون حسب الظاهر بكل خير وتوفيق بينما هوذا الصالحون الأبرار ليس لهم ذلك.
(١٣) ويرى المرنم أنه قد زكى وطهر قلبه باطلاً بدون نفع يرتجى. لقد انتظر من الله خلاصاً فلم يجد لقد غسل بالنقاوة يديه ولكن على غير طائل. فإلى متى يستمر الأشرار في غيهم ولا يحاسبهم أحد وحتى متى يبطرون على هذه الصورة وفي بطرهم يدوسون الضعيف والبريء بل يسوقون معهم أتباعاً مثلهم يستخدمونهم في اقتراف المحرمات وعمل الشر والفساد. لقد سعى للطهارة (راجع أمثال ٢٠: ٩) وحاول أن لا يتدنس ولا يقترف أي الشرور (راجع أمثال ٢٦: ٦) ولكن عبثاً كان ذلك كله.
«١٤ وَكُنْتُ مُصَاباً ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ وَتَأَدَّبْتُ كُلَّ صَبَاحٍ. ١٥ لَوْ قُلْتُ أُحَدِّثُ هٰكَذَا لَغَدَرْتُ بِجِيلِ بَنِيكَ. ١٦ فَلَمَّا قَصَدْتُ مَعْرِفَةَ هٰذَا إِذَا هُوَ تَعَبٌ فِي عَيْنَيَّ. ١٧ حَتَّى دَخَلْتُ مَقَادِسَ ٱللّٰهِ وَٱنْتَبَهْتُ إِلَى آخِرَتِهِمْ. ١٨ حَقّاً فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى ٱلْبَوَارِ.
(١٤) ولم يكن تزكيته أو امتناعه هذا بدون آلام نفسية تحملها على صورة مستديمة. فقد كان مصاباً كإنما بكارثة شديدة تحرمه لذة العيش إلى درجة بعيدة ولكن لم يذهب ذلك فيه عبثاً بل وصل إلى الضالة المنشودة وهو أنه أدب نفسه (راجع مزمور ١٠١: ٨ وقابله أيوب ٧: ١٨) وإذا راجعنا العدد العاشر وقارناه مع هذا العدد لوجدناه اعترافاً من المرنم بما فعله سابقاً من اشتراكه مع هؤلاء الأشرار ولكن تاب وندم وأصبح مؤدباً بالحق الذي من عند الله.
(١٥) ويقول أنه لو استمر على غيه السابق ولم يرجع إلى الله بالتوبة لكان قد خسر إيمانه بالله وصحبته لأولاده معاً على الذين هم جيل الرب بل كان غادراً بأقدس الأشياء بدلاً من أن يكون وفياً أميناً إلى المنتهى. وبالتالي يخسر البركات التي يسكبها الله على المؤمنين به. وعلينا أن لا ننسى أن العلاقة هي بين الله وشعب إسرائيل وليس بينه وبين الأفراد فقط إذ لم يتجرأوا أن يدعوا أنفسهم أولاداً لله فهم بنو جيل الله أو شعب الله ليس إلا.
(١٦) لقد قصد من قبل أن يستسلم للأوهام التي ذهب إليها أولئك الأشرار ولكنه عاد إلى نفسه وقصد أن يعرف الحقيقة ولا يتمادى في غواية الغاوين أولئك. وقد أتعبه تفكيره في الأمر تعباً كثيراً ولم يستطع حل المعضلة (جامعة ٨: ١٧). لم يصل إلى النتيجة التي وصل إليها بالاتفاق بدون تقدير للأمور وعواقبها بل قد أجهد نفسه وتأمل تأملات بعيدة المعنى والغور حتى انتهى إلى شيء.
(١٧) هذا الشيء الذي انتهى إليه لم يقده العقل فيه بل روح الدين القويم. فقد دخل مقادس الله بالورع والتقوى يطلب الإرشاد بالصلاة. وهو في تعبده هذا أخذ يقيس ما يحدث لهؤلاء الأشرار أخيراً وماذا تكون نتيجة حياتهم. لأن المهم في نظره ليس ما هم فيه الآن بل ما هم قادمون عليه بعد حين. وهنا انكشفت له الحقيقة كما هي. لقد كان في ظلمة وحيرة لا يدري ماذا يجيب نفسه أو بماذا يقنع هؤلاء الأشرار المستهزئين وإذا بالنور يشع عليه ويرى معاني جديدة للحياة الحقة.
(١٨) هنا يجد كما الحقيقة بأن هؤلاء إنما قد زلقوا إلى الأعماق ولا نجاة لهم إلا بالنهضة من سقطتهم والرجوع بالتوبة كما فعل هو. وإذا لم يفعلوا ذلك فهم إلى البوار والاضمحلال. وليس في نظر المرنم أي دينونة للحياة بعد الموت إذا لم يكن هذا الأمر قد وضح بعد وما يعنيه إنما هو هذا فإن الأشرار لا شك هالكون في هذه الحياة ولا يستطيعون أن يستمروا على زهوهم وعزهم طالما في شرور كهذه.
«١٩ كَيْفَ صَارُوا لِلْخَرَابِ بَغْتَةً! ٱضْمَحَلُّوا، فَنُوا مِنَ ٱلدَّوَاهِي. ٢٠ كَحُلْمٍ عِنْدَ ٱلتَّيَقُّظِ يَا رَبُّ، عِنْدَ ٱلتَّيَقُّظِ تَحْتَقِرُ خَيَالَهُمْ. ٢١ لأَنَّهُ تَمَرْمَرَ قَلْبِي وَٱنْتَخَسْتُ فِي كُلْيَتَيَّ. ٢٢ وَأَنَا بَلِيدٌ وَلاَ أَعْرِفُ. صِرْتُ كَبَهِيمٍ عِنْدَكَ. ٢٣ وَلٰكِنِّي دَائِماً مَعَكَ. أَمْسَكْتَ بِيَدِي ٱلْيُمْنَى».
(١٩) وهوذا هم قد لحقهم الخراب منذ الآن فلا يستطيعون أن يستمروا على ارتفاعهم دون حساب قريب. وهنا يؤكد لنفسه ولا يسمح لأحد أن يغشه فيما بعد إذ أن الخراب سيصيبهم بغتة ولن يكونوا. وخرابهم هذا سيأتي عليهم في وقت لا يعرفونه وبشكل لم يتحققه أحد قبلهم على مثل هذه الصورة الفظيعة (راجع مزمور ١٨: ٤ و٣٠: ٤ و٢صموئيل ٢٢: ١٤).
(٢٠) وهكذا يضمحلون كما تضمحل الأحلام. إذاً هم أضغاث أحلام لا يوجدون إلا في خيال النائم. فهؤلاء الأتباع كانوا متوهمين ليس إلا ولم يقدروا نهاية الأشرار. ولكن بعد النوم لا بد أن تأتي اليقظة وحينئذ يذهب الخيال ويضمحل تجاه شمس الحقيقة المشرقة. فالشرير خيال فقط لا أهمية له إذ هو محتقر ومرذول من جميع الناس لأن الله قد رذله وحقره في الوقت المناسب. إذاً فإن كل من هو في غفلة عن هذه الحقيقة هو يحلم أحلاماً لا شيء من الصحة فيها قط.
(٢١) هنا يلتفت المرنم مسبقاً لتجربة أخرى قد تأتيه فإنه ربما يسقط فيها وحينئذ يتمرمر قلبه وينتخس في داخله. ذلك لأن فكرة الرجوع إلى تلك الحالة السيئة يقض عليه مضجعه منذ الآن ويحرمه لذة العيش ولا يطمئن باله قط. عليه أن يتعلم درساً قاسياً مما مضى وأن يتعظ بحالة الأشرار السيئة التي قد يصلون إليها فهم يزهرون كالعشب ثم يضمحلون.
(٢٢) وحينئذ فإنه إذ لم يتعلم فهو بليد قليل الفهم والإدراك. بل هو بهيم لا يستطيذع أن يعقل هذا الشيء البسيط. إن قيمة الدرس في الحياة لا تقوم فائدته على نسبة البيان الذي فيه ولا على البلاغة التي يعبر بها بل هو بالنسبة للوعي والإدراك. فمن فهم واتعظ كان أهلاً للحياة الإنسانية العالية ومن لا يفهم بعد كل الدروس التي تلقى عليه فهو أقل من بهيم (أيوب ٩: ٢).
(٢٣) ولكنه يعود إلى نفسه لينهض بها مرة آخرى فهو لا يرضى أن ينزل هذه المنزلة الدنيئة ولا أن يحسب مع تلك الجماعة التي توغلت في شرها واستهترت في إثمها. بل كان له أن درس الحياة وتأمل معانيها السامية وإذا به يتوب ويرجع إلى الله. وهوذا شعوره الآن إنه مع الله رفيقه الدائم وإذا بالتنازل الإلهي يشجعه ويقويه إذ أن الله قد أمسك يده وشد بها مقوياً ومطمئناً كما يفعل الأب مع ولده الصغير. واليد اليمنى أي اليد القوية التي تمسك أفضل من الأخرى.
«٢٤ بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي. ٢٥ مَنْ لِي فِي ٱلسَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئاً فِي ٱلأَرْضِ. ٢٦ قَدْ فَنِيَ لَحْمِي وَقَلْبِي. صَخْرَةُ قَلْبِي وَنَصِيبِي ٱللّٰهُ إِلَى ٱلدَّهْرِ. ٢٧ لأَنَّهُ هُوَذَا ٱلْبُعَدَاءُ عَنْكَ يَبِيدُونَ. تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَزْنِي عَنْكَ. ٢٨ أَمَّا أَنَا فَٱلٱقْتِرَابُ إِلَى ٱللّٰهِ حَسَنٌ لِي. جَعَلْتُ بِٱلسَّيِّدِ ٱلرَّبِّ مَلْجَإِي لِأُخْبِرَ بِكُلِّ صَنَائِعِكَ».
(٢٤) والرأي الآن ليس منه بل من الله ذاته. فقد دخل مقادس الله مصلياً مسترشداً فلم يُترك وحده. ولأنه برأي الله وإرشاده فهو سينال الكرامة والمجد. وبالعكس عن أولئك الأشرار الذين كانت نهايتهم الخراب والبوار مع أنهم بدأوا في كرامة وعزة حتى استهانوا بكل الناس حولهم ولم يعتبروا حتى أحكام القدير. وما أجمل هذه المقابلة المقنعة بين بدائتين ونهايتين مما يجعل كل إنسان يسمع بها أن يقتنع ويعود إلى الصواب والهداية.
(٢٥) يتطلع نحو السماء فلا يرى سوى مجد الله. وأي إنسان يصل للسماء بدونه تعالى. إذاً فمطلبه السماء لكي يكون مع الله. وأما هذه الأرض التي حسبها قبلاً ملكاً للأشرار والظالمين يعود مقتنعاً بفساد هذا الحسبان ويؤكد أن «للرب الأرض وملؤها» ولذلك فهو يمشي مع الله في الأرض وليس في السماء فقط. وحينئذ فلا شيء في السماء أو في الأرض يجديه نفعاً بدون الله الذي به وحده ملء الكفاية لجميع المؤمنين باسمه.
(٢٦) قد يفنى الإنسان ويتحطم إلى قطع كثيرة ولكن الله هو صخرة الخلاص إلى الدهر. إذاً فقد يفنى الإنسان داخلاً وخارجاً أي قد يضيع عقله وقد تفنى قوته كلها ولكن الله يظل السند الدائم إلى المنتهى. فمن يبدأ حياته الحقة بالله فهو يستمر به يحيا كل حين بل تكون حياته مقدسة جديدة تترك الإنسان العتيق مع أعماله وتلبس الجديد الذي يتجدد - بقول العهد الجديد - بفعل الروح القدس.
(٢٧) يكرر مرة أخرى أهمية الاقتراب لله والالتصاق به. هو الغذاء للنفس أفلا يقع اللوم على تلك النفس إذا لم تتغذّ. وهو ماء الحياة وعلينا أن نشرب ونروي نفوسنا. لئلا نبيد ومن لم يرحم نفسه فلا ينتظر من الناس أن يرحموه. إيانا إذاً أن نبتعد مغتربين عن الوطن الحقيقي ذلك لأن الهلاك ينتظرنا ولا من يشفق.
(٢٨) وأخيراً يشدد نفسه ويصمم على الاقتراب. فقد اختبر صواب ذلك وتحققه بنفسه ويرى أن الواجب يدعوه أن يفعل ذلك لكي يخبر بعظائم الله ويحدث الآخرين بكم قد صنع لنفسه. فما استفاده لا يريد أن يحصره بذاته بل يوزعه على الناس الآخرين. وهنا مقابلة جميلة بين هدايته هو وبين إفساد أولئك الأشرار لاتباعهم فبدلاً من أن يظلم ويسبب تعاسة يريد الهداية والنور لنفسه وللناس.


اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ وَٱلسَّبْعُونَ


قَصِيدَةٌ لآسَافَ


«١ لِمَاذَا رَفَضْتَنَا يَا اَللّٰهُ إِلَى ٱلأَبَدِ؟ لِمَاذَا يُدَخِّنُ غَضَبُكَ عَلَى غَنَمِ مَرْعَاكَ؟ ٢ ٱذْكُرْ جَمَاعَتَكَ ٱلَّتِي ٱقْتَنَيْتَهَا مُنْذُ ٱلْقِدَمِ وَفَدَيْتَهَا، سِبْطَ مِيرَاثِكَ، جَبَلَ صِهْيَوْنَ هٰذَا ٱلَّذِي سَكَنْتَ فِيهِ. ٣ ٱرْفَعْ خَطَوَاتِكَ إِلَى ٱلْخِرَبِ ٱلأَبَدِيَّةِ. ٱلْكُلَّ قَدْ حَطَّمَ ٱلْعَدُوُّ فِي ٱلْمَقْدِسِ».
هذا المزمور يعبر عن زمان اضطهاد ويستنجد بالله أن ينهض لمعاقبة العدو الذي دنّس مقادس الله وهدم معاهده وكإنما لم يبقَ نبي لله في الأرض بعد وتكاد عبادة الإله الحقيقي تضمحل لشدة الاضطهاد ولعدم المكترثين. ونلاحظ هنا التعبير أن شعب الله هو غنم المرعى. وكذلك نلاحظ تذكارات تاريخية (راجع مزمور ٧٩). ومما هو جدير بالذكر أن بعض ما ورد في هذا المزمور هو وارد في المراثي (ص ٢: ٢). وإذا حسبنا أن هذا المزمور قد كتب أولاً فيكون ما ورد في المراثي من باب المقتبسات وهي كثيرة في الكتب المقدسة. وقد ذهب البعض أن كثيراً مما ورد في هذا المزمور ينطبق على الاضطهادات التي أثارها أنطيوخس أبيفانيس سنة ١٧٠ و١٦٧ ق. م. وهكذا حسبنا أن بعض الصلوات أو الابتهالات التي تناقلتها الألسنة عندئذ قد دونت فلا أنسب من أن تكون هنا أو بعضها على الأقل. ولكن الصعوبة هي حينما يذكر الخرب الأبدية وهذه تنطبق على عصر نبوخذناصر أكثر من كل شيء. وحينئذ قد يكون هذا الخراب إما إشارة لأورشليم ذاتها فيكون التاريخ ٥٨٨ ق. م. أو لخراب الهيكل وإحراقه سنة ١٦٧ ق. م. ولكن إذا غربلنا كل الأدلة التي نعرفها نجد أن هذا المزمور ينطبق بالأحرى على عهد أنطيوخس أكثر ويتناسب مع صلاة يهوذا المكابي (راجع المكابيين الثاني ٨: ١ - ٤).
(١) هو رفض مستمر كإنما لا نهاية له ولا رجوع للرضا. والدخان هنا يرافق النار أي أن الله قد سمح أن غنم مرعاها نالها السوء كاملاً فأحرقت المساكن بالنار وذل الشعب كثيراً بسبب ما يقاسونه من متاعب وويلات (راجع إرميا ٢٣: ١).
(٢) يعود إلى الذكريات القديمة حينما اقتنى الله شعبه خاصة لنفسه (خروج ١٥: ١٧) أي قد اشتراه بمال وفكه من عتق لذلك هو يخص سيده الرب. وقوله «سبط» هو من باب تسمية الكل باسم البعض. والمرنم وهو يراجع التاريخ يذكر شعب إسرائيل بكامله. ثم يأتي لسبط ميراثه وهو الأرجح الذي منه خرج الملوك في أورشليم. ويعود فيزيد إيضاحاً حينما يخصص جبل صهيون حيثما قام الهيكل. وهو الموضع المقدس الذي خصص للعبادة وسكن الله فيه للأبد.
(٣) يرجو من الله أن يرفع خطواته صاعداً إلى جبل الموريا حيثما يقوم الهيكل الخرب لكي يرى بأم عينه ما تركه العدو من خراب وما حطّمه من أقدس الأشياء وأغلاها. فقد تمادى هذا المخرب في غيه وعدوانه. فقد امتهن كل شيء ولم يحرّم شيئاً صادفه في طريقه (راجع صفنيا ١: ٢). وهنا يتساءل المرنم كيف يجوز أن يذهب هذا الجاني الأثيم بدون أي عقاب.
ويا ليت تبدل الترجمة في القسم الأخير هكذا:
كل شيء قد حطمه العدو في المقدس.
«٤ قَدْ زَمْجَرَ مُقَاوِمُوكَ فِي وَسَطِ مَعْهَدِكَ، جَعَلُوا آيَاتِهِمْ آيَاتٍ. ٥ يَبَانُ كَأَنَّهُ رَافِعُ فُؤُوسٍ عَلَى ٱلأَشْجَارِ ٱلْمُشْتَبِكَةِ. ٦ وَٱلآنَ مَنْقُوشَاتِهِ مَعاً بِٱلْفُؤُوسِ وَٱلْمَعَاوِلِ يَكْسِرُونَ. ٧ أَطْلَقُوا ٱلنَّارَ فِي مَقْدِسِكَ. دَنَّسُوا لِلأَرْضِ مَسْكَنَ ٱسْمِكَ. ٨ قَالُوا فِي قُلُوبِهِمْ: لِنُفْنِينَّهُمْ مَعاً. أَحْرَقُوا كُلَّ مَعَاهِدِ ٱللّٰهِ فِي ٱلأَرْضِ».
(٤) يشرع هنا في وصف دقيق لما فعله هذا العدو كيف دخل إلى أقدس الأمكنة. فإن قوله «معهدك» يجب أن تفيد الهيكل وكل ما يحتويه من مختلف الردهات والقاعات والأروقة. فقد دخل العدوّ إلى كل مكان وأقام علامات دينه بدلاً من الأشياء التي تذكر بالدين اليهودي. وإذا فسرنا الكلمة العبرانية ميعاد بدلاً من معهد تكون إشارة للمكان المقدس الذي فيه يجتمع الرب مع شعبه. فبدلاً من أن يجتمع الشعب للورع والعبادة إذا بالعدو قد دخل بدون أي وقار يزمجر كإنما يريد الافتراس وإهلاك كل إنسان. وما هي هذه الآيات التي وضعها هذا العدو. الأرجح أنها ليست أعلام الظفر (راجع ١مكابيين ١: ٤٥ - ٤٩) بل هي رجسة الخراب (رجع دانيال ١١: ٣١).
(٥) يظهر هذا العدوّ المسلّح بمختلف أنواع الأسلحة القديمة وهو يدخل إلى الهيكل إنه يرفع فؤوساً كما يفعل الحطابون في تقطيع الأشجار ويكمل الاستعارة بقوله الأشجار المشتبكة إذ إن أمام هؤلاء كان شيء كثير للتخريب والهلاك لذلك احتاجوا لأسلحتهم حتى يتمموا مقاصده.
(٦) وإذا بهم يشرعون في التخريب حتى تختفي تلك المنقوشات الجميلة التي تزين واجهات الهيكل. وماذا يهمهم طالما بأيديهم هذه المعاول والفؤوس يريدون أن يكسروا ويحطموا ويا له من منظر مؤلم أن يرى المتعبد هؤلاء الجنود الأجلاف يدخلون إلى أقدس الأمكنة ويشوهونها على هذه الصورة المخزية حتى لا يتركوا شيئاً جميلاً قائماً أو شيئاً ذا قيمة لا ينهبونه.
(٧) وبعد هذا التخريب إذا بهم قد أشعلوا النيران حتى لا يبقوا على شيء. وهدموا وأحرقوا حتى وصلوا للأرض ذاتها التي أقيم عليها مقادس الله. فكان دنسهم أن لحق كل شيء حتى الأسس التي قام عليها البناء المقدس في أورشليم.
(٨) ولكن هذا العدو الظالم لم يكتف بما فعله الهيكل بل هوذا قد مدّ يده أيضاً إلى الأمكنة الأخرى حينما يجتمع الناس للعبادة. ولم يكن له أي قصد سوى الإفناء الكامل فهو لا يرضى أن يفعل شيئاً للانتقام فقط ثم يكف يده. بل هو لا يرعوي ولا يرجع حتى يكون قد تمم إلى الفناء الكامل وهنا منتهى الفظاعة. «فمعاهد الله» إذاً على الأرجح هي المجامع التي كان المتعبدون يجتمعون فيها للصلاة بعيداً عن أروشليم كما في أيام المسيح. مع أن مركز العبادة الرئيسي هو الهيكل نفسه. ولكن هذا لا ينفي وجود مثل هذه الأمكنة للذين لا يستطيعون الحضور للهيكل كل مرة. وهنا إشارة قوية إلى أن هذا المزمور قد كتب في أيام المكابيين.
«٩ آيَاتِنَا لاَ نَرَى. لاَ نَبِيَّ بَعْدُ. وَلاَ بَيْنَنَا مَنْ يَعْرِفُ حَتَّى مَتَى. ١٠ حَتَّى مَتَى يَا اَللّٰهُ يُعَيِّرُ ٱلْمُقَاوِمُ، وَيُهِينُ ٱلْعَدُوُّ ٱسْمَكَ إِلَى ٱلْغَايَةِ؟ ١١ لِمَاذَا تَرُدُّ يَدَكَ وَيَمِينَكَ؟ أَخْرِجْهَا مِنْ وَسَطِ حِضْنِكَ. أَفْنِ. ١٢ وَٱللّٰهُ مَلِكِي مُنْذُ ٱلْقِدَمِ، فَاعِلُ ٱلْخَلاَصِ فِي وَسَطِ ٱلأَرْضِ. ١٣ أَنْتَ شَقَقْتَ ٱلْبَحْرَ بِقُوَّتِكَ. كَسَرْتَ رُؤُوسَ ٱلتَّنَانِينِ عَلَى ٱلْمِيَاهِ».
(٩) بعد أن ذكر المرنم أن هؤلاء المخربين قد وضعوا إشاراتهم وآياتهم على الهيكل يلتفت ليقول أما آيات الله فلا نراها. ترى هل نسي الله شعبه؟ وهل هو لا يبالي بما يقاسونه من آلام وعذابات مريرة. وقوله «آياتنا» ليس معناها إذاً العجائب بل مجرد تلك المظاهر التي بها يتميز الهيكل أنه لعبادة الرب وليس لأية عبادة وثنية تفرض عليهم بالقوة. وأين الأنبياء لكي يخبرونا متى ينتهي هذا العذاب؟ وأين الزعماء والحكماء لكي يسيروا بالشعب نحو الحرية والفرح والسلام؟
(١٠) يعود فيتساءل حتى متى؟ ويا لها من صرخة الأمل العظيم والعتاب أن الله قد ترك شعبه ولم يرحم ميراثه. هنا يخاطب الله ذاته بعد أن خاطب نفسه والناس من قبل. فقد عيّر المقاوم واستهان باسم الله إلى أبعد درجة ولم يقف عند حدّ. وهل سيستمر هذا وإلى متى؟
(١١) قوله تردّ يدك ثم يتبعها بقوله يمينك قد تكون من باب عطف البيان. أي أن المرنم يريد أن يصوّر لنا أن الله قد رفع يده ولم يهتم بشعبه مع أنه قد أمسك بيمينه ولم يترك أحداً منهم. واليد اليمنى هي إشارة لقدرة الله فهي وإن تكن غير ظاهرة فذلك أن الله قد حجبها بعيداً وكإنما وضعها في حضنه. ويطلب المرنم مترجياً أن ينجدهم ويفني هؤلاء الأشرار على نسبة ما يفعلونه من خراب و فناء. وهنا ينتهي القسم الأول من هذا المزمور.
(١٢) يبدأ القسم الثاني فيذكر أن الله وحده هو الملك وهو كذلك منذ القديم وإلى الآن. هو الذي يخلص في وسط الأرض أي أرض إسرائيل التي قد نالها الذل والاضطهاد ولكن إلى حين. يصادف المرنم صعوبة لا يستطيع تفسيرها إذ كيف أن الله إلههم يرضى أن يحدث لهم هذا الاضطهاد وهو ساكت لا يساعدهم. أليس هو الذي خلّصهم في القديم؟ ثم ألا يريد أن يخلّصهم الآن؟
(١٣) أليس هو الإله العظيم الذي باسمه رفع موسى يده على البحر الأحمر فانشق إلى شطرين حتى عبروا بالرجل. أين قدرته الآن وأين جبروته؟ أيرضى أن يسحق شعبه إلى هذه الدرجة المخزية؟ أليس هو الإله القدير الذي حطّم رؤوس التنانين والأرجح هنا إشارة إلى قدرة فرعون وقواته التي حاولت أن ترجعهم لمصر وإلى أرض العبودية. فتكون التنانين معنوية أكثر مما طبيعية.
«١٤ أَنْتَ رَضَضْتَ رُؤُوسَ لَوِيَاثَانَ. جَعَلْتَهُ طَعَاماً لِلشَّعْبِ، لأَهْلِ ٱلْبَرِّيَّةِ. ١٥ أَنْتَ فَجَّرْتَ عَيْناً وَسَيْلاً. أَنْتَ يَبَّسْتَ أَنْهَاراً دَائِمَةَ ٱلْجَرَيَانِ. ١٦ لَكَ ٱلنَّهَارُ وَلَكَ أَيْضاً ٱللَّيْلُ. أَنْتَ هَيَّأْتَ ٱلنُّورَ وَٱلشَّمْسَ. ١٧ أَنْتَ نَصَبْتَ كُلَّ تُخُومِ ٱلأَرْضِ. ٱلصَّيْفَ وَٱلشِّتَاءَ أَنْتَ خَلَقْتَهُمَا. ١٨ اُذْكُرْ هٰذَا: أَنَّ ٱلْعَدُوَّ قَدْ عَيَّرَ ٱلرَّبَّ، وَشَعْباً جَاهِلاً قَدْ أَهَانَ ٱسْمَكَ».
(١٤) قد يكون لوياثان هو التمساح الموجود بكثرة على شواطئ النيل في مصر. فيكون أن يد الله قد سحقت قدرة مصر ولم يستطع اللحاق بهم للاستعباد بعد. وكما يضرب التمساح على رأسه الذي يرفعه فوق الماء حتى يموت هكذا فعل الله مع فرعون وجنده فقط ضربهم تلك الضربات القاسية التي ختمت بموت الأبكار وكانت النتيجة أن هذا الحيوان المفترس يصبح أكلاً لغيره. إذ يصادفه أهل البرية أي وحوش البرية ويجعلونه طعاماً لهم. فبدلاً من أن يكون آكلاً أصبح مأكولاً لا أحد يعتد به.
(١٥) يكمّل المرنم إشارته للتاريخ المقدس كيف أن الله أعطى عيوناً وفجر ينابيع في أحرّ الأمكنة. كما وأنه قد يبس ممراً في الأردن حتى استطاعوا أن يعبروا من الضفة الواحدة إلى الأخرى (راجع يشوع ٢: ١٠ و٤: ٢٣ و٥: ١). وفي قوله «أنهار» إشارة للمجاري العديدة التي تكوّن نهر الأردن. فهي لدى اجتماعها كلها قد يبسها الله لخلاص شعبه.
(١٦) هذا الإله العظيم هو نفسه الذي أوجد الكائنات كلها وجعل النهار والليل. وخلق الشمس التي منها تنبعث الأنوار لتحيي وجه الأرض. وفي الليل قد أوجد القمر والنجوم حتى تكون أنوار كافية لخدمة الإنسان. فإن الله جعل اليوم كاملاً بقسميه النهار والليل. كما أنه جعل للحياة قسميها العمل والراحة. أو النهوض والنوم. وبذلك تكمل الحياة وتسعد.
(١٧) قد يقصد هنا «تخوم الأرض» أي حسب قسمتها المعروفة قديماً ما هي متاخمة للبحر وما وراء البحر الكبير (راجع إرميا ٥: ٢٢ وتثنية ٣٢: ٨ وأعمال ١٧: ٢٦). فكما أن الله قد جعل للأرض تخوماً كذلك فقد جعل السنة بقسميها الكبيرين الصيف والشتاء. وحينئذ فيكون الربيع مع الشتاء ويكون الخريف مع الصيف. وقد جعل من هذه أشخاصاً بدلاً من أن تكون فصولاً فقط.
(١٨) بعد أن يذكر المرنم هذا التاريخ المفعم بجلائل الأعمال يقابل الحاضر وبه يرى عجباً كيف أنه يتجاسر العدو على التعيير وكيف أن شعباً جاهلاً يستطيع أن يهين شعب إسرائيل العريق في المدينة وله النبوآت وجميع أسرار المعرفة والدين. كيف يعيّر هذا الخالق شعب جاهل متصلف يظهر مثل هذه المظالم ولا يوجد من يجازيه على مثل أعماله الشريرة (راجع تثنية ٣٢: ٢١).
«١٩ لاَ تُسَلِّمْ لِلْوَحْشِ نَفْسَ يَمَامَتِكَ. قَطِيعَ بَائِسِيكَ لاَ تَنْسَ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٢٠ ٱنْظُرْ إِلَى ٱلْعَهْدِ. لأَنَّ مُظْلِمَاتِ ٱلأَرْضِ ٱمْتَلأَتْ مِنْ مَسَاكِنِ ٱلظُّلْمِ. ٢١ لاَ يَرْجِعَنَّ ٱلْمُنْسَحِقُ خَازِياً. ٱلْفَقِيرُ وَٱلْبَائِسُ لِيُسَبِّحَا ٱسْمَكَ. ٢٢ قُمْ يَا اَللّٰهُ. أَقِمْ دَعْوَاكَ. ٱذْكُرْ تَعْيِيرَ ٱلْجَاهِلِ إِيَّاكَ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ. ٢٣ لاَ تَنْسَ صَوْتَ أَضْدَادِكَ، ضَجِيجَ مُقَاوِمِيكَ ٱلصَّاعِدَ دَائِماً».
(١٩) وقد يترجم هذا العدد أيضاً «لا تسلم للوحش المفترس يمامتك» ولكن الأفضل أن تبقى الترجمة كما هي لأن استعمال «نفس» هنا مضافة إلى اسم بعدها وارد بصورة كثيرة في الكتاب المقدس. وأما تشبيه إسرائيل باليمامة والحمامة فقد ورد من قبل (انظر مزمور ٦٨: ١١ وقابله مع مزمور ٦٩: ٣٧) ويقصد تلك الجماعة المضطهدة الذليلة كما هي اليمامة وقد طاردها الصيادون. ويزيد على ذلك قوله «قطيع بائسيك» فهم كالقطيع الذي يساق إلى الذبح بكل سكون واستسلام. وقد اشتهرت مزامير آساف بمثل هذه الاستعارات والتشابيه عن شعب الله لكي يصوّر مقدار ضيقهم وذلهم.
(٢٠) هذا هو العهد المقطوع بين شعب إسرائيل وإلهه (راجع تكوين ١٧) وهو الأرجح عهد الختان الذي أصبح الآن علامة فارقة حتى يفتك بهم الأعداء قاتلين منكلين. وهكذا فقد اضطر الشعب للهرب والالتجاء للمغاور وشقوق الجبال (راجع ١ملوك ٢: ٢٦ وما يليه وكذلك ٢ملوك ٦: ١١). ولكن قد لحقهم الأعداء ولم تغنهم مخابئهم شيئاً بل نالوا الظلم والهلاك إلى أبعد حد ممكن.
(٢١) ولكن لن يترك الله المنسحقين على هذه الصورة إلى وقت طويل. لأن الله سيرحم أتقياءه ولا يتخلى عنهم إلى الدهر. وهكذا فإن الفقير والبائس سوف يسبحان اسم الرب لأنه قد نجاهما من يد العدو الظالم الشرير.
(٢٢ و٢٣) يأتي المرنم لختام هذا المزمور على شكل مؤثر فهو يطلب من الله أن يقيم دعوى البائس المسكين لأنه لا يستطيع أن يقيمها عن نفسه (راجع ١صموئيل ٥: ١٢ وكذلك ١ملوك ٢٢: ٣٥) وموضوع الدعوى التي يقيمها هو أن هذا الظالم قد عيّر اسم الله العلي لذلك يستحق العقاب الشديد. إذاً فإن المظالم تهون بالنسبة لهذا التجديف القبيح. وإن يكن هذا التجديف خارجاً من فم جاهل فهو ملوم عليه كل اللوم ويجب أن يحاسب تماماً. وهكذا فإن تلك الأصوات التي ارتفعت مزمجرة تريد الفتك والتفظيع يجب أن تسكت الآن. وهذه الضجة يجب أن يعقبها سكون القصاص فإن الجاني يجب أن ينال ما تستحق يداه. وأما لهجة هذه الصلاة الأخيرة فهي حكيمة ومعتدلة للغاية وروح الانتقام فيها لا يدل على منتهى الحقد والضغينة لأن المرنم يطلب مجد الله وعزه لا مجد أي الناس مهما عظم شأنهم وزاد اضطهادهم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ وَٱلسَّبْعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. عَلَى «لاَ تُهْلِكْ». مَزْمُورٌ لآسَافَ. تَسْبِيحَةٌ


«١ نَحْمَدُكَ يَا اَللّٰهُ. نَحْمَدُكَ وَٱسْمُكَ قَرِيبٌ. يُحَدِّثُونَ بِعَجَائِبِكَ. ٢ لأَنِّي أُعَيِّنُ مِيعَاداً. أَنَا بِٱلْمُسْتَقِيمَاتِ أَقْضِي. ٣ ذَابَتِ ٱلأَرْضُ وَكُلُّ سُكَّانِهَا. أَنَا وَزَنْتُ أَعْمِدَتَهَا. سِلاَهْ».
في هذا المزمور يرى المرنم أن الله هو الحاكم العادل على كل البشر ويظهر قدرته وسلطانه في ماجريات الأحوال العادية لذلك فإن المؤمن يعتز بذلك ويفتخر لأن إلهه لم يتركه في الماضي ولا يتركه الآن. وقد اختلف المفسرون في تعيين الزمان الذي كتب فيه. فبعضهم يحسبون أنه كتب على أثر خراب أمبراطورية أشور بينما آخرون يضعونه في زمان المكابيين أيضاً ولذلك قد وضع مرافقاً للمزمور سابقه فيكون هذان المزموران متممين واحدهما الآخر من جهة المعنى وبالتالي فقد نظما في الوقت ذاته تقريباً. هو مزمور لآساف أو على نسقه وقد وضع له لحن خاص «على لا تهلك». ويمتاز بعمق الأفكار الروحية وهكذا يرنم مصحوباً بالآلات الموسيقية.
(١) إن المؤمنين وهم يتوقعون خلاص الرب يقدمون الحمد والشكران له تعالى. واسم الله قريب بالنسبة لهذا الحمد الذي نصعده الآن. فهو إله قريب من الإنسان العابد الذي يأتيه بروح الخشوع والوقار (راجع مزمور ٥٠: ٢٣ وإرميا ١٢: ٢ وقابل مع تثنية ٣٠: ١٤) حينما يذكر اسم الله بالشفاه حينئذ يحدثون بعجائبه أيضاً فهو إله يستحق كل حمد وعبادة ولأنه قريب لذلك يشعر المتعبد بتلك اللذة الخشوعية التي تأتي لدى أمثال هذا الاجتماع المملوء بالوقار.
(٢) إن الله يعيّن ميعاداً لكل شيء لذلك فعلى الأمم الطاغية أن لا تتمادى كثيراً في ظلمها لأنه سيأتي وقت حينما يقضي الله بعدله على كل الناس وعلى كل الأمم أيضاً (راجع حبقوق ٢: ٣) ليس البشر هم الذين يعينون مثل هذا الميعاد بل الله ذاته بمطلق حكمته غير المتناهية سوف يتداخل في أمور الناس ويسيرّها كما يشاء هو ولا يترك لهم الأمور حبلها على الغارب. لذلك فعلى الإنسان كما على الأمة أن تنتبه وتتيقظ قبل فوات الأوان لئلا يقضي الله عليهم بالدمار والاضمحلال.
(٣) حينئذ تذوب الأرض مع سكانها من هول ما يقاسون (إشعياء ١٤: ٣١ وخروج ١٥: ١٥ ويشوع ٢: ٩). ذلك لأن الحكم الصارم سوف يصدر عليهم ولا مهرب منه ولا منجاة أبداً. وقوله تذوب أي يخونها العزم وتفقد شجاعتها وتتبعثر إلى كل جهة. وهذا الإله العادل بيده الميزان لكي يزن كل الاشياء والأعمال. لذلك فهو قد وضع الأنظمة والنواميس لكي يطبقها أيضاً على الجميع بالسواء.
«٤ قُلْتُ لِلْمُفْتَخِرِينَ: لاَ تَفْتَخِرُوا. وَلِلأَشْرَارِ: لاَ تَرْفَعُوا قَرْناً. ٥ لاَ تَرْفَعُوا إِلَى ٱلْعُلَى قَرْنَكُمْ. لاَ تَتَكَلَّمُوا بِعُنُقٍ مُتَصَلِّبٍ. ٦ لأَنَّهُ لاَ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ وَلاَ مِنَ ٱلْمَغْرِبِ وَلاَ مِنْ بَرِّيَّةِ ٱلْجِبَالِ. ٧ وَلٰكِنَّ ٱللّٰهَ هُوَ ٱلْقَاضِي. هٰذَا يَضَعُهُ وَهٰذَا يَرْفَعُهُ».
(٤) يتابع الله كلامه في هذا العدد الذي ابتدأه في العدد السابق ويخاطب به المفتخرين أي الذين يعتزون بأمجاد هذه الدنيا الفانية وأوهامها الخلابة. إنهم إذا افتخروا فقد سكروا موقتاً بخمرة القوة والجبروت ومتى صحوا من سكرهم يعودون إلى أسوأ مما كانوا فيه. إذا حسبنا هذا المزمور يتناول الكلام عن افتخار أشور فيكون ربشاقي وأصحابه هم الذين يعنيهم بقوله هذا (راجع إشعياء ٣٧: ٢٣ وزكريا ٢: ٤).
(٥) يزيد شرحه عن المعنى نفسه فهو ينصح هؤلاء المتكبرين المتصلفين أن لا يرفعوا قرونهم عالية ولا يصلبوا أعناقهم دليل التمرد والعصيان لأن الله أعلى من كل البشر وهو كما شاء صنع ولا مرد لأحكامه وتصلب الرقبة دليل الجبروت (راجع مزمور ٣١: ١٩ و٩٤: ٤). ورفع القرن هو استعارة من الحيوان الذي يهم بالقتال فهو على أهبة لكي يتصادم مع غيره (راجع ١صموئيل ٥: ٣).
(٦) هنا يعطي تنبيهاً عاماً لجميع الأمم القاطنة في الشرق أو الغرب أو التي في البرية الجنوبية. ولم يذكر الشمال لأن الخطر المداهم هو قادم من هناك على جميع تلك المقاطعات الإسرائيلية التي يجتاحها العدو المغتصب واحدة بعد الأخرى (انظر إشعياء ٣٦: ٦) وبرية الجبال هي البطراء وما جاورها من دولة الأنباط كما عرفت بعدئذ. هوذا الله حاكم على العالمين كلهم (إشعياء ٣٣: ٢٢).
(٧) ولا يطول بالمرنم الوقت حتى يترك الكلام بالنفي ويأتي للإيجاب ويذكرنا أن الله هو الذي يقضي بالعدل والإنصاف. ولأنه كذلك فهو الذي يضع البعض ويرفع الآخرين. هكذا يفعل القاضي فإنه يكتشف المذنب ويقاصه كما أنه يبرر البريء ولا يبقيه في ضيقه وانخذاله. هذا بالعكس عما يفعله البشر الظالمون فإنهم يذنبون البريء ويبرئون المذنب وكلاهما مكرهة عند الرب. إن الله لكي يرى سلطانه الكامل لا يرضى إلا بأن يرى الحق يسود كل إنسان وينقي الباطل ويدوس أصحابه حتى يعودوا إلى الحكمة والرشاد.
«٨ لأَنَّ فِي يَدِ ٱلرَّبِّ كَأْساً وَخَمْرُهَا مُخْتَمِرَةٌ. مَلآنَةٌ شَرَاباً مَمْزُوجاً. وَهُوَ يَسْكُبُ مِنْهَا. لٰكِنْ عَكَرُهَا يَمَصُّهُ يَشْرَبُهُ كُلُّ أَشْرَارِ ٱلأَرْضِ. ٩ أَمَّا أَنَا فَأُخْبِرُ إِلَى ٱلدَّهْرِ. أُرَنِّمُ لإِلٰهِ يَعْقُوبَ. ١٠ وَكُلَّ قُرُونِ ٱلأَشْرَارِ أَعْضِبُ. قُرُونُ ٱلصِّدِّيقِ تَنْتَصِبُ».
(٨) هوذا الله ذاته يحمل بيده كأساً وهي معدة لتكون شراباً يسقيه لكل من يشاء. وهي ممزوجة بالماء ليس لتخفيفها فقط بل لجعلها أكثر قبولاً لشاربيها (انظر إشعياء ٥١: ١٧) وعلى هؤلاء الشاربين أن يشربوا حتى الثمالة. وأما الأشرار فلهم حثالة الكأس وعكرها لأن الله لا يرضى عنهم (حزقيال ٢٣: ٣٤). وهذه الصورة عن الكأس المترعة خمراً والتي ذكرت من قبل (مزمور ٦٠: ٥) يأخذها الأنبياء ويزيدون عليها معاني وأفكاراً كثيرة وقد ذكرها إشعياء وحبقوق وحزقيال وأما إرمياء فقد أطال كلامه عنها (راجع حزقيال ٢٥: ٢٧ وما بعده و٤٨: ٢٦ و٤٩: ١٢) بينما في (إرميا ٢٥: ١٥) وما بعده يحوك منها قصة رمزية وإذا بها كأس لتسكر الشاربين. وهكذا فإن الأشرار سينالهم القصاص العادل في حينه ولن ينجو من يد الله العادل القاضي والديان لكل إنسان.
(٩) هنا يعود المرنم فليتفت إلى ذاته ويرى حاضره ومستقبله أيضاً. هنا يظهر الاطمئنان والهدوء وبالتالي يبدأ بالترنم فرحاً مسروراً. قد يكون أنه قد لحقه شيء من الاضطهاد والعذاب ولكن ذلك في الماضي وقد نال الأشرار جزاء ما صنعته أيديهم وأما هو الآن فينعم بالراحة والسلام. نعم لقد كان من قبل من تلك الجماعة المضطهدة أما الآن فهو من تلك الجماعة الظافرة المنتصرة (انظر ٢تيموثاوس ٢: ١٢).
(١٠) والسبب في فرحه راجع لأن قوة الأشرار تتحطم لا تستطيع الوقوف في وجه قدرة الله وترتيبه. إن الأشرار هم إلى حين. قد يعتزون ويفتخرون ولكنهم سيضمحلون ويذهبون كالسحاب الذي يطارده الريح. ومن جهة أخرى فإن الأبرار سيكون لهم الراحة والعزة ولا يمكن أن يظلوا في شقائهم واندحارهم لأن هذا أيضاً إلى حين وإذا بالديان الذي بيده ميزان الأرض كلها سوف يعيد الأشياء إلى نصابها المعتاد. وأما الكلام عن القرون فهو كثير (راجع تثنية ٣٣: ١٧ ومراثي ٢: ٣ وخصوصاً الأربعة قرون في زكريا ٢: ١ وما بعده).


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ وَٱلسَّبْعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ذَوَاتِ اَلأَوْتَارِ. مَزْمُورٌ لآسَافَ. تَسْبِيحَةٌ


«١ اَللّٰهُ مَعْرُوفٌ فِي يَهُوذَا. ٱسْمُهُ عَظِيمٌ فِي إِسْرَائِيلَ. ٢ كَانَتْ فِي سَالِيمَ مَظَلَّتُهُ، وَمَسْكَنُهُ فِي صِهْيَوْنَ».
هو مزمور حمد الله لأجل قضائه العادل على الشعوب والملوك. وهذا المزمور مع المزمور الخامس والسبعين سابقه يؤلفان وحدة متماسكة. إذ الأول ينبئ عن عدل الله وهذا الأخير يخبر كيف إن هذا العدل جار حكمه على العالم أجمع. وذكره لجبال السلب أي جبل عسير حيثما كانت تكثر عليه اللصوص وقطاع الطرق.
(١) إن اسم الله معروف في كلا يهوذا وإسرائيل فهو الإله القدير خالق السموات والأرض وعظمته لا حد لها ولا استقصاء. إذاً فكلتا المملكتين هما على دين واحد موروث عن الآباء والجدود ولا سيما فإن مملكة يهوذا وفيها أورشليم والهيكل العظيم لا شك كانت المركز الرئيسي لمثل هذه العبادة. واسمه عظيم بالنسبة لعظمة العجائب التي أتمها مع شعبه منذ القديم وإلى الآن. ولأن أورشليم هي ذات الأبواب الدهرية التي إذا انفتحت تنفتح لدخول الرب العظيم ملك المجد. ولأن الله يملك هناك لذلك فإن ملوكها هم أعظم الملوك أيضاً.
(٢) وأما ساليم فهي أورشليم نفسها باسمها القديم ليس إلا. حيثما كان ملكي صادق وحيثما كان أدوني صادق (يشوع ١٠: ١). في هذا العدد يستعمل المظلة وربما يكنى بها عن الخيمة أي حينما كانوا كالعرب الرحل يذهبون من مكان إلى آخر. وهذا إشارة إلى خيمة الاجتماع التي كان يوضع فيها تابوت العهد فيرافقهم الله من مكان إلى آخر. وقد بقيت هذه الخيمة وإن كانت قد استقرت بمركزها في أورشليم حتى أيام داود ولم يبن الهيكل إلا في أيام سليمان كما هو معلوم. والقصد من هذا أن الله إله إسرائيل قد رافق شعبه منذ القديم فسكن معهم في خيامهم كما أنه سكن معهم في الهيكل الذي أنشئ له بعد ذلك. فالشيء المهم أن الله هو مع شعبه لا يتركهم ولا يتخلى عنهم في أية الظروف والأحوال.
«٣ هُنَاكَ سَحَقَ ٱلْقِسِيَّ ٱلْبَارِقَةَ. ٱلْمِجَنَّ وَٱلسَّيْفَ وَٱلْقِتَالَ. سِلاَهْ. ٤ أَبْهَى أَنْتَ أَمْجَدُ مِنْ جِبَالِ ٱلسَّلَبِ. ٥ سُلِبَ أَشِدَّاءُ ٱلْقَلْبِ. نَامُوا سِنَتَهُمْ. كُلُّ رِجَالِ ٱلْبَأْسِ لَمْ يَجِدُوا أَيْدِيَهُمْ».
(٣) هنا يذكر السبب لماذا اسم الله عظيم ولماذا له هذا المجد والإكرام فيقول إن ذلك بالنسبة لأنه هناك ظهرت قوته العظيمة ومدى جبروته وسلطانه فقد سحق تلك السهام الطائرة في الهواء لكي تصل إلى قلوب الأعداء وهي تلمع من شدة بريقها لأنها مسنونة ومعدة للقتال. بل إن الله قد سحق المجن وبقية أنواع الأسلحة إذ لم يستطع الأعداء أن يصمدوا في وجه الرب الذي جاء لنجدة شعبه. وقوله «هناك» إشارة للمكان الذي جرى فيه كل هذا وهو الذي بعد حين مكان المجد والتكريم إذاً فتكريم اسم الله هو على نسبة فعله مع شعبه وما آتاهم به من نصر عظيم. وينهي الكلام بارتفاع الموسيقى لزيادة تمجيد اسم الله وتكريمه لأنه وحده يستحق السجود والعبادة إلى منتهى الدهور.
(٤) يقصد بجبال السلب هنا ربما الساكنين فيها أي المعتزين بقوتهم وجبروتهم أن سكان الجبال المعتادين على التغلب على الصعاب هم أشداء وأقوياء لا يهابون أحداً ولا يتورعون لدى أي الأعداء مهما عظم شأنهم. ولكن الله رب الجنود القدير هو أبهى منهم وأمجد وسلطانه يمتد إلى كل مكان وعلى البشر جميعهم أن يهابوا اسمه المجيد (راجع دانيال ٢: ٢٢ و١تيموثاوس ٦: ١٦). إن يهوه هو رب الجبال لذلك فهو يخضع جميع سكانها ويدوسهم تحت قدميه (إشعياء ١٠: ٣٤). والحق يقال لا شيء أبهى وأمجد من الجبال العالية المشرفة على كل ما حولها دليل السيادة والسلطان وهكذا فإن سكانها يعبزون بالأعالي.
(٥) هذا الإله القدير قد سلب أشداء القلوب والشجعان في القتال ولم يترك لهم مجالاً للافتخار بما لديهم من قوة وبطش. وهؤلاء الشجعان بدلاً من أن يواجهوا الخطر ويصدوه عنهم إذا بهم مدهوشون مما ألمّ بهم من ويلات فناموا نوم الاستكانة والضعف ولم ينهضوا. وكإنما لم يستطيعوا أن يحركوا أيديهم من هول ما يصادفون لأن الرعب الشديد قد تملكهم وهكذا شلت أيديهم عن أية حركة (انظر ناحوم ٣: ١٨). ربما هذه الأيدي كانوا قد رفعوها ضد أورشليم مهددين وإذا بها تقف عن الحركة (انظر يشوع ٨: ٢٠ و٢صموئيل ٧: ٢٧ كذلك راجع إشعياء ١٧: ١٣).
«٦ مِنِ ٱنْتِهَارِكَ يَا إِلٰهَ يَعْقُوبَ يُسَبَّخُ فَارِسٌ وَخَيْلٌ. ٧ أَنْتَ مَهُوبٌ أَنْتَ. فَمَنْ يَقِفُ قُدَّامَكَ حَالَ غَضَبِكَ؟ ٨ مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَسْمَعْتَ حُكْماً. ٱلأَرْضُ فَزِعَتْ وَسَكَتَتْ ٩ عِنْدَ قِيَامِ ٱللّٰهِ لِلْقَضَاءِ، لِتَخْلِيصِ كُلِّ وُدَعَاءِ ٱلأَرْضِ. سِلاَهْ».
حتى أن الحركة الحربية إذا انتهرها الرب لا تعود تستطيع حراكاً بل تقف في مكانها ولا تفيد في الحرب والصدام شيئاً. وهنا إشارة إلى ما ورد في (خروج ١٥ وكذلك إشعياء ٤٣: ١٧). وكانت الحركة الحربية عندئذ أعظم معدات القتال. فبعد أن ذكر أن اليد لا تستطيع أن تبدي حراكاً في وجه قوة الرب كذلك فإن أعظم مظاهر القوة الحربية لا تستطيع شيئاً وهكذا يهلك الفارس والفرس وتتحطم المركبة ومن فيها. وقوله يسبّخ أي يقع في السباخ والأمكنة الموحلة المزلقة ولا تخرج للمعركة إذ هي لا تقدر أن تجر نفسها فتفقد قوتها كلها.
(٧) إذا راجعنا ناحوم ١: ٦ نرى النبي هناك يستنتج النتيجة نفسها من اندحار سنحاريب وهكذا يستخلص المرنم أيضاً. ذلك بالنسبة لأن الله مخوف ومهوب فكم بالأحرى ساعة غضبه حينئذ كل القوات الأرضية يجب أن ترتعب أمام وجهه (قابل راعوث ٢: ٧ وإرمياء ٤٤: ١٨). وقوله غضب الرب هو من قبيل الاستعارة وإلباس الأمور الإلهية بالصور البشرية ليس إلا إذ حاشا لله أن يغضب كما يغضب البشر. ولكن المرنم يرينا كم يهتم الله بشعبه حتى أنه يحميهم من كل أذى ومن الأعداء الأشداء مهما عظموا.
(٨) إذاً فإن السماء ليست بعيدة عن الأرض وليس الله ليسكن السماء ويترك الأرض وسكانها يفعلون كما يشاؤون إذ له كل السلطان أن يتداخل في أي شأن من الشؤون ولا يستطيع أحد أن يقول له ماذا تفعل أو يعترض على أحكامه. وحينما يصدر الله حكمه إذا بالأرض كلها تفزع وترتعب وتهدأ ساكنة لا تبدي حراكاً ولا تحير جواباً طالما القدير يتكلم.
(٩) يعود المرنم للفكرة الأساسية أن الله يدين الأرض كلها وله الحكم والقضاء. وغايته من مداخلته هذه هي التخليص فإن الودعاء والمساكين لا يعود الظالمون يسحقونهم بأي ظلم ولا يستطيع المستعبد أن يتصرف كما يشاء طالما يوجد إله يحاسب أخيراً. وهنا ترتفع الموسيقى مرة أخرى والمعنى في ذلك لكي يطمئن كل إنسان للنتائج التي يتوقعها فإن العدل الأساسي للكل لا بد أن يجري وما علينا سوى التريث والانتظار (انظر إشعياء ٣٣: ١٠ و٣٣: ٢).
«١٠ لأَنَّ غَضَبَ ٱلإِنْسَانِ يَحْمَدُكَ. بَقِيَّةُ ٱلْغَضَبِ تَتَمَنْطَقُ بِهَا. ١١ اُنْذُرُوا وَأَوْفُوا لِلرَّبِّ إِلٰهِكُمْ يَا جَمِيعَ ٱلَّذِينَ حَوْلَهُ. لِيُقَدِّمُوا هَدِيَّةً لِلْمَهُوبِ. ١٢ يَقْطِفُ رُوحَ ٱلرُّؤَسَاءِ. هُوَ مَهُوبٌ لِمُلُوكِ ٱلأَرْضِ».
(١٠) إن غضب الإنسان يحمد الرب أي أنه يسبب مجداً للرب إذ لا يضطر الرب أن يبالي بمثل هذا الغضب فيعود على صاحبه بالويل وتكون النتيجة أن الله يتمجد بانخذال الإنسان الغضبان الذي لا يستطيع أن يفعل شيئاً ضد اسم الله. وحينئذ فإن غضب الرب يظل متقداً على ذلك الإنسان الذي يكون قد انطفأ غضبه ولم يفده شيئاً وإذا بالرب يجازي الإنسان على نسبة أفعاله الرديئة التي لا ترضيه تعالى. إذاً فزيادة الغضب هذه تكون واسطة لمجد الرب الذي يظهر قدرته وجبروته كديان عادل للعالمين.
(١١) هؤلاء الذين كانوا في ضيق ونذروا للرب نذوراً لأجل تخليصهم عليهم أن يوفوها. إذ لا يجوز أن يكون هناك نذور في أوقات الشدائد والضيقات ثم ننسى كأن لم يكن شيء. وهكذا فالمتدين بالحق هو الذي يذكر الرب في كل حين وليس على نسبة المصلحة الوقتية. فالديانة العميقة هي تلك التي لا تتغير مع الظروف ولا تتبدل في أية الأحوال. وهكذا من الواجب أن يقدموا عربون الشكر والاعتراف بالجميل لهذا المخلّص الذي نجا شعبه بواسطة هيبته وعظمته وسلطانه التي تخضع لها جميع الشعوب.
(١٢) ذلك لأنه هو المتسلط الحقيقي وحده فليس الرؤساء رؤساء إلا على نسبة ما يسمح به وإلا فهو يقبض أرواحهم ويعود بهم للعدم ولا يحسبون شيئاً. وهو الذي له كل الهيبة والوقار (إشعياء ٨: ١٣). وهوذا قضاء الله يجري على أشور وكوش (إشعياء ١٨). وكذلك فإتمام النبوءة (٢أخبار ٣٢: ٢٣). إن الله لا يرضى عن أي المتصلفين المتكبرين أو المستبدين الظالمين وبعد أن يغلب كل قوى الشر حينئذ تخضع كل الممالك للرب ولمسيحه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ وَٱلسَّبْعُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى «يَدُوثُونَ». لآسَافَ. مَزْمُورٌ


«١ صَوْتِي إِلَى ٱللّٰهِ فَأَصْرُخُ. صَوْتِي إِلَى ٱللّٰهِ فَأَصْغَى إِلَيَّ. ٢ فِي يَوْمِ ضِيقِي ٱلْتَمَسْتُ ٱلرَّبَّ. يَدِي فِي ٱللَّيْلِ ٱنْبَسَطَتْ وَلَمْ تَخْدَرْ. أَبَتْ نَفْسِي ٱلتَّعْزِيَةَ. ٣ أَذْكُرُ ٱللّٰهَ فَأَئِنُّ. أُنَاجِي نَفْسِي فَيُغْشَى عَلَى رُوحِي. سِلاَهْ».
يتمنى المرنم في هذا المزمور أن يهرب من ويلات الحاضر ومتاعبه وضيقاته لكي ينعم بالاً بالماضي السعيد الذي يمدحه ويمجده. ولا يخلو تمنيه هذا من توجع من الآلام التي يعانيها فهو في انكسار قلب ربما لأسباب شخصية حدثت معه ولكنه بكبر نفس وسمو أخلاق ينظر إلى أشياء أبعد من نفسه ويرى إصبع الله عاملة في تاريخ أمته بالأولى. وفي حاله هذه يشعر أن الله قد توارى عنه وحجب وجهه عن مساعدته يقابل ذلك كيف أن الله كان يساعد شعبه في القديم ويظهر لهم قدرته ويجزل عليهم مراحمه التي لا تستقصى. ولأن المرنم يهتم بشعبه الاهتمام كله فهو يشعر شعور الشعب كله ويضع نفسه مكانهم وقد يكون تعبيره عن أحزانه الشخصية بالنيابة عن شعبه ليس إلا فهو وإياهم واحداً على ما قد يظن أيضاً. ويذهب ديلتش إلى الحسبان أن هذا المزمور غير كامل وإن حبقوق ص ٣ نرى فيه إتمامه. ولكن الذين يدرسون المزامير الأسافية (نسبة لآساف) يلاحظون أن ختام الكثير من هذه المزامير مقتضب وكان الفكر ينتظر إيضاحاً أكثر. إذ أنه يعود بالذاكرة إلى أعظم الحوادث في فاتحة تكوين الأمة الإسرائيلية أيام موسى وهارون. وفي هذه الخاتمة بلاغة وإيجاز لا نستطيع أن نمر بهما دون إعجاب وحسن تقدير.
(١) يبدأ المرنم بالصلاة الحارة إلى الله فهي أشبه بالصراخ. إذاً فهي بصوت عال مسموع ويكرر كلامه بالصلاة لكي يصغي الله إلى دعائه. والأفضل أن تترجم «صوتي إلى الله ليصغي إليّ». إذ أن القرينة تدل بعد ذلك أن الله لم يكن قد أصغى إليه بعد. أما واو العطف في النص العبراني فقد تكون للحالية ليس إلا. أي إنني أصرخ إلى الله وأنا أنتظر أن يصغي الله إليّ فهو إذاً لم يكن قد تأكد أن الله قد أصغى إليه حقيقة. أو قد يكون المعنى لقصد التوسل أي أن المرنم يصلي ويصرخ لله فيلتمس أن يصغي إليه.
(٢) يزيد في هذا العدد لجاجته بالصلاة ويخبرنا انه في ضيق لذلك فهو يصلي عن اندفاع وطلباً لسد حاجة نفسية ملحة. وقد رفع يديه بالصلاة الليلية وتكاد تخدران من كثرة الرفع على هذه الصورة طالباً ملتمساً ولا يتراجع عن ذلك طالما هو في هذه الضيقة العظيمة وطالما يعاني هذه الآلام النفسية الشديدة حتى لا يرى أي سبيل للسلوان أو التعزية. لا يرى سبيلاً لتحقيق أمانيه لذلك فهو في حالة الغم الشديد (راجع تكوين ٣٧: ٣٥ وإرميا ٣١: ١٥).
(٣) إذا ذكرنا الله فإنما ذلك بالأنين لأنه يرى أن الله قد حجب ذاته عنه فهو إذاً وحيد فريد في هذه الحياة. ولكثرة ما يعانيه يعود منكمشاً على نفسه يغشى عليه من شدة ما يعانيه ولأنه لا يتحقق مساعدة الله له فهو في حالة الضياع الكلي. ثم ينتهي بكلمة سلاه بالنسبة لعواطف الأحزان التي يعانيها.
«٤ أَمْسَكْتَ أَجْفَانَ عَيْنَيَّ. ٱنْزَعَجْتُ فَلَمْ أَتَكَلَّمْ. ٥ تَفَكَّرْتُ فِي أَيَّامِ ٱلْقِدَمِ، ٱلسِّنِينَ ٱلدَّهْرِيَّةِ. ٦ أَذْكُرُ تَرَنُّمِي فِي ٱللَّيْلِ. مَعَ قَلْبِي أُنَاجِي وَرُوحِي تَبْحَثُ. ٧ هَلْ إِلَى ٱلدُّهُورِ يَرْفُضُ ٱلرَّبُّ وَلاَ يَعُودُ لِلرِّضَا بَعْدُ؟».
(٤) يمكن إبدال كلمة أجفان بحراس فيقول لقد منعت حراس عينيّ من أن يطبقوا على العينين بالغفلة والنوم. أي أن المانع هو الله نفسه إذ أن المرنم وهو يديم تأملاته الروحية وصلاته يسهد أثناء الليل ولا يستطيع الرقاد. ومما زاد في عذابه هو أنه قد صمت أمام هذه النوائب حتى لا يحير جواباً. ولا شك أن الأحزان العظيمة تجعل الإنسان ساكتاً في الخارج من شدة ما يعانيه في الداخل.
(٥) هنا يترامى على أقدام الماضي مستعيناً مستنجداً وهو يفعل ذلك لأمرين على الأرجح:
الأول: يريد أن يتناسى الحاضر ويهرب من ويلاته وشروره على قدر إمكانه.
الثاني: إنه يريد أن يرى فيه دروساً قيمة لحالته الحاضرة. نعم إن ذكر الماضي بصورة متزنة معقولة يساعد الإنسان على تحسين حاضره ورفعه إلى مستوى أعلى. لا سيما متى كان ذلك الماضي كالتاريخ المقدس وما فيه من عجائب الله وآياته فالمرنم يدمج نفسه بكل ذلك ويعتز متفاخراً كما أنه يتحقق علاقته الوطيدة بذلك التاريخ كأحد أبنائه البررة المخلصين. هو الله إله الآباء والجدود ويظهر رحمته الدائمة للذراري (إشعياء ٤١: ٩).
(٦) في الوقت ذاته يذكر أيضاً أياماً هانئة سعيدة حينما كان يترنم في الليل بدلاً من أن ينحب بسبب بلاياه الكثيرة. كما أنه يتذكر أياماً أسعد لشعبه وأمته ويرى رأفة الله ورحمته. لذلك فهو يعيد لنفسه بالمناجاة الخفية بل يبحث في عقله وأفكاره وكل قوة روحه يقابل بين حاضره التاعس وذلك الماضي السعيد المجيد (راجع مزمور ١٦: ٧ و٤٢: ٩ و٩٢: ٣ وقابل ذلك مع أيوب ٣٥: ١٠) فبدلاً من فرحه وترنمه السابقين إذا به الآن في حالة التنهد والغشيان والحيرة الكلية.
(٧) وهنا يأتي للسؤال الخطير ويقول لنفسه ألا يرضى الله علينا؟ أيظل رافضاً لشعبه غير مكترث بمصيرهم؟ وفي هذا السؤال من طلب الرحمة والعفو ما يمس أعماق القلوب ويحننها على الحالة السيئة التي وصلوا إليها. وقال إلى الدهور ولم يكتف بدهر واحد للمبالغة حتى يكون الكلام أشد وقعاً في النفس وأعظم تحريكاً للعواطف.
«٨ هَلِ ٱنْتَهَتْ إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتُهُ؟ هَلِ ٱنْقَطَعَتْ كَلِمَتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ؟ ٩ هَلْ نَسِيَ ٱللّٰهُ رَأْفَةً أَوْ قَفَصَ بِرِجْزِهِ مَرَاحِمَهُ؟ سِلاَهْ. ١٠ فَقُلْتُ: هٰذَا مَا يُعِلُّنِي: تَغَيُّرُ يَمِينِ ٱلْعَلِيِّ. ١١ أَذْكُرُ أَعْمَالَ ٱلرَّبِّ إِذْ أَتَذَكَّرُ عَجَائِبَكَ مُنْذُ ٱلْقِدَمِ».
(٨) هنا أيضاً تكرار لما ورد في العدد السابع يلتمس أن لا تكون قد انتهت رحمة الله فلا يعود يرحم أيضاً لا سيما وهم في أمس الحاجة لمثل هذه المراحم العظيمة. بل يسأل أيضاً وهل لا يعود فيرسل الله كلامه بفم عبيده الأنبياء لكي يشجعوا شعبه ويهدوهم في الطرق المستقيمة. هوذا قد مر دور أثر دور ولا يسمع أي تعليم روحي جديد وهذا الجديد الذي يذكر بالقديم لأنه مرتبط بحوادث تاريخية مقدسة يجب أن لا ينسوها أبداً.
(٩) هنا يزداد تساؤله وتشتد حيرته ويكاد ينسب لله النسيان. وأعظم النسيان هذا هو أن ينسى أن يمنح رأفة لطالبيها. قوله «قفص برجزه مراحمه» هو ترجمة حرفية غير موفقة - في نظري وأرى الترجمة اليسوعية جيدة فتقول «أم حبس على الغضب أحشاءه». ويريد المرنم أن يقول مؤكداً كلامه السابق هل نسي الله أن يترأف وهل عدم رأفته هذه بسبب غضبه علينا. فقد تراجع عنا وسد أحشاءه عن إغاثتنا. ثم ينتهي بقوله سلاه مرة أخرى بالنسبة لتعبيره عن عميق أسفه لهذه الحالة.
(١٠) هنا الترجمة على ما اعتقد موفقة تماماً رغماً عن أن هذا العدد صعب الترجمة من نصه العبراني. يقول إن سبب سقامه وعلته بل سبب أحزانه وآلامه هو أن الله العلي قد غيّر يده اليمنى عليه وعلى شعبه. أي إن الله قد ترك معاملته الأولى الحسنة وأتى الآن إلى معاملة أخرى وكانت النتيجة أن هذا التغيير قد سبب له انشغال البال إلى تلك الدرجة البعيدة حتى حرم الراحة والهناء ولازمه التعب والشقاء (راجع إرميا ١٠: ١٩).
(١١) لكي يترضى الله ويرجعه عن نسيانه لشعبه يقول إنني أنا (أي المرنم) أتذكر الأيام القديمة والعجائب التي تممت منذ ذاك الحين. هنا له تعزية أيضاً إذ أن خلاص الرب موجود في العصر الحاضر أيضاً. هنا يجدد عزيمته ويشحذ نشاطه فيكون التاريخ الماضي سبب سلامه القلبي الحاضر. وحينئذ فهذه الحالة تنتهي إلى خاتمة سعيدة مجيدة. ذلك لأن الله حاكم في مدى التاريخ كله لأنه هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد.
«١٢ وَأَلْهَجُ بِجَمِيعِ أَفْعَالِكَ وَبِصَنَائِعِكَ أُنَاجِي. ١٣ اَللّٰهُمَّ فِي ٱلْقُدْسِ طَرِيقُكَ. أَيُّ إِلٰهٍ عَظِيمٌ مِثْلُ ٱللّٰهِ! ١٤ أَنْتَ ٱلإِلٰهُ ٱلصَّانِعُ ٱلْعَجَائِبَ. عَرَّفْتَ بَيْنَ ٱلشُّعُوبِ قُوَّتَكَ. ١٥ فَكَكْتَ بِذِرَاعِكَ شَعْبَكَ، بَنِي يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ. سِلاَهْ».
(١٢) هو يلهج بأفعال الرب فهو يذكرها دائماً ويتحدث عنها في السر والعلن ويذيعها على الناس غير هياب من أحد. بل هو يذكر تلك الصنائع والأعمال الجبارة العظيمة ويضعها في نفسه أي يناجي بها نفسه. وهي حديثة لأنها أمور حدثت في الماضي ولها علاقة بالحاضر ودلالة عليه لكي تهدي هؤلاء الناس السالكين في هذه الأيام أيضاً. وهكذا فإن الله كما يقول النبي حبقوق يتمم خلاصه وسط السنين حتى يوصل الإنسان إلى نتائج مجيدة.
(١٣) أما طريق الله فهي طريق مقدسة أي إن أحكامه وأعماله كلها لا يمكن أن يعتز بها أي فساد أو زيغان. قد يغضب الله على شعبه ولكن غضبه طاهر ومقدس أيضاً. إذ غضبه هو لأجل الإصلاح وليس للتشفي والانتقام. وكيف لا يغضب على البشر وهم يعصون أوامره ويتعدون وصاياه مرة بعد أخرى (راجع خروج ١٥: ١١ وقابل هذا مع مزمور ٦٨: ٢٥). وهو إله لا مثيل له فأي الآلهة يقاس به إذا أحكامه كلها حق وعدل وإنصاف للجميع على السواء.
(١٤) كيف لا وهو الله الذي صنع ما صنع في القديم وستبقى آثاره خالدة على مرور الزمان. وقد أعلن ذلك بأعماله المتواصلة داعياً الجميع لكي يعترفوا به رباً ومخلصاً. إذاً فليس للشعوب أن يعتذروا أنهم غير داخلين في نطاق هذا الخلاص إذ أن الدعوة عامة والعجائب ظاهرة ومتواصلة وما على البشر سوى أن ينظروا وينتبهوا ويخضعوا.
(١٥) ولكن الله في نظر المرنم له رحمة خاصة يظهرها نحو شعبه فلا يطيق قط أن يراهم في أي أسر أو ضيق بل يفكهم ويطلقهم أحراراً على نسبة مؤهلاتهم وخدماتهم للبشرية جمعاء. يذكر يعقوب ويذكر يوسف أيضاً مع أنه ابنه لكي يعيد للذاكرة تلك الحوادث العظيمة حينما خلّص الله شعبه وأنقذهم من عبودية مصر وجعلهم يتمتعون بالحرية المنشودة (راجع خروج ٩: ١٦ و١٥: ١٤). مرة أخرى تضرب الموسيقى عالية لهذا التذكار الجليل.
«١٦ أَبْصَرَتْكَ ٱلْمِيَاهُ يَا اَللّٰهُ، أَبْصَرَتْكَ ٱلْمِيَاهُ فَفَزِعَتْ. اِرْتَعَدَتْ أَيْضاً ٱللُّجَجُ. ١٧ سَكَبَتِ ٱلْغُيُومُ مِيَاهاً. أَعْطَتِ ٱلسُّحُبُ صَوْتاً. أَيْضاً سِهَامُكَ طَارَتْ. ١٨ صَوْتُ رَعْدِكَ فِي ٱلزَّوْبَعَةِ. ٱلْبُرُوقُ أَضَاءَتِ ٱلْمَسْكُونَةَ. ٱرْتَعَدَتْ وَرَجَفَتِ ٱلأَرْضُ. ١٩ فِي ٱلْبَحْرِ طَرِيقُكَ، وَسُبُلُكَ فِي ٱلْمِيَاهِ ٱلْكَثِيرَةِ، وَآثَارُكَ لَمْ تُعْرَفْ. ٢٠ هَدَيْتَ شَعْبَكَ كَٱلْغَنَمِ بِيَدِ مُوسَى وَهَارُونَ».
(١٦) هنا إشارة في الأرجح لحادثة البحر الأحمر لا سيما والمرنم يذكر الأيام القديمة وعجائب الله وصنائعه العظيمة. حتى أن لجج المياه العميقة قد ارتعدت وفزعت. هنا أن الله قد أجرى حكمه على مصر وأخرج شعبه من أرض العبودية بذراع قوية ويد قديرة. وقوله أبصرتك المياه أي سكان المياه وقد يكون القصد من ذلك هو المجاز ليس إلا. ويستطيع الشاعر أن يتخيل ما يشاء فقد رأى بعض الظواهر الطبيعية وفسرها على هذه الصورة الوقورة.
(١٧) إنما المياه تعطي صوتاً حينما تنسكب على الأرض والوصف هنا لزوبعة قوية وهذه قد تحدث في فلسطين على حين غرة حينما لا يكون أحد ينتظرها. وقوله عن السهام فهي على الأرجح الصواعق التي تنصب من السماء وتسبب أضراراً وهلاكاً بعض الأحيان.
(١٨) هوذا فوق ذلك يذكر الأصوات المفزعة التي تسببها الرعود القوية. لذلك فهذا الرعد يستوقف السمع كما أن البروق تستوقف النظر وتجعل الإنسان يتذلل صاغراً أمام عظمة الطبيعة فكم بالأحرى أمام الله الذي أوجدها. لقد رجفت الأرض وارتعدت من هذه المظاهر التي يتعلم منها المرنم دروساً لحياته الروحية (راجع مزمور ٨٣: ١٤ وكذلك حزقيال ١٠: ١٣).
(١٩) إن طرق الله وسبله واضحة لا فرق أكانت في المياه أم على اليابسة فالسبب لأنه يريد أن يخلص شعبه وينجيهم فهو رفيقهم ومعينهم في أية المواقف وفي جميع الظروف والأحوال. ولا شك أن المياه كانت سبب عجب وروعة دائمين ولا سيما في الأيام القديمة (إرميا ١٨: ١٥). وأثاره لا تعرف لأن المياه تعود إلى حالتها الأولى وهكذا تختفي عن العيان كذلك فإن الله يعرف كل شيء ولكنه محجوب عن أبصار البشر جميعهم.
(٢٠) نأتي لختام هذا المزمور الذي قد نحسبه مثل قرار يمكن ترديده. إن الله نفسه هو الراعي لشعبه (عدد ٣٣: ١). وحينما يصل المرنم إلى هذه الصورة الجميلة ويرجع بالذاكرة إلى تلك الأيام القديمة إذا به يتوقف فجأة ولا يريد أن يتذكر حالته الحاضرة وويلاتها بل ينسى نفسه في تلك الروعة الأخاذة التي يسترسل فيها مؤمناً بالله وبعظمة قدرته وشمول عنايته.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ وَٱلسَّبْعُونَ


قَصِيدَةٌ لآسَافَ


«١ اِصْغَ يَا شَعْبِي إِلَى شَرِيعَتِي. أَمِيلُوا آذَانَكُمْ إِلَى كَلاَمِ فَمِي. ٢ أَفْتَحُ بِمَثَلٍ فَمِي. أُذِيعُ أَلْغَازاً مُنْذُ ٱلْقِدَمِ. ٣ ٱلَّتِي سَمِعْنَاهَا وَعَرَفْنَاهَا وَآبَاؤُنَا أَخْبَرُونَا».
يسمّي أحد المفسرين هذا المزمور المرآة التاريخية لشعب إسرائيل منذ أيام موسى إلى داود إذ فيه قائمة مفصلة للآيات والعجائب التي صنعها مع شعبه. يختم المزمور السابق كلامه بأن إسرائيل هو رعية الله ويرعاها موسى وهارون أما في هذا المزمور فإن الراعي هو داود الذي أخذه الله من وراء الغنم وأقامه على شعبه ليرعاهم ويهديهم. وهذا المزمور مثل كل المزامير التي كتبها آساف يجعل الأفرايميين ذوي مكانة خاصة مرموقة من جميع الشعب. ومما هو جدير بالذكر أن المرنم ينبه الذهن للتخلص من خطايا الآباء والأجداد وتمردهم ويطلب من الجيل الحاضر يكونوا أفضل من أولئك. كما وأنه يذكر ذهاب خيمة شيلو إذ قام عوضاً عنها بيت داود وهكذا انتهى مجد بنيامين إلى الأبد ويوجد إشارة في العدد التاسع إلى انقسام المملكة بذهاب العشرة أسباط وهوذا الآن تعود هذه الأسباط لداود ونسله خاضعة ذليلة.
ينقسم المزمور إلى قسمين من العدد ١ - ٣٧ ثم من العدد ٣٨ إلى الآخر. ففي القسم الأول يذكر كثيراً من النقاط التاريخية والعجائب التي أتمها الله مع شعبه قديماً. ثم في القسم الثاني يذكر بني إسرائيل في حياتهم وسكناهم أرض كنعان وفي كلا القسمين نجد قلم كاتب ماهر جريء لا يتهيّب أن يسرد الحوادث ويعلق عليها بكل صرامة.
(١) هنا يبدأ الكلام كما يبدأه كاتب المزمور ٤٩ فيتقدم أمام الشعب خطيباً ونذيراً ويطلب منهم أن يصغوا لكلامه لئلا يفوتهم ما يريد أن يقوله لهم بفم الله ذاته. يطلب منهم أن ينتبهوا للشريعة (توراة) التي يقولها لهم. هو كلام الحكمة الإلهية والنبوة التي لا تتهيب إنساناً ولا تطلب مرضاة من أي منهم لذلك عليهم أن ينتبهوا ويستفيدوا.
(٢) إن آساف لنبي حقاً ونجد متّى ١٣: ٣٥ يقتبس منه «سَأَفْتَحُ بِأَمْثَالٍ فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ». وأما قوله بمثل أي بوقائع الأيام والألغاز أي بأحداثها وعبرها فهي إذاً ليست تعاليم بل حوادث جارية مرت على الشعب وتمر كل يوم. وهي منذ القدم لأنها قد بني عليها تاريخ الشعب الإسرائيلي وأمجاده.
(٣) هي أحاديث غير مبتكرة بل قد جرت على الألسنة منذ فجر وجودهم فقد أخبر الآباء أبناءهم عنها وهؤلاء بدورهم قد أخبروها أولادهم إذ لم تكن الكتابة معروفة فجرت مجرى الأمثال والأحاديث. وعادة لا يرسخ في الذهن على مرور الأيام سوى الأحاديث الهامة الخطيرة.
«٤ لاَ نُخْفِي عَنْ بَنِيهِمْ إِلَى ٱلْجِيلِ ٱلآخِرِ، مُخْبِرِينَ بِتَسَابِيحِ ٱلرَّبِّ وَقُوَّتِهِ وَعَجَائِبِهِ ٱلَّتِي صَنَعَ. ٥ أَقَامَ شَهَادَةً فِي يَعْقُوبَ، وَوَضَعَ شَرِيعَةً فِي إِسْرَائِيلَ، ٱلَّتِي أَوْصَى آبَاءَنَا أَنْ يُعَرِّفُوا بِهَا أَبْنَاءَهُمْ، ٦ لِكَيْ يَعْلَمَ ٱلْجِيلُ ٱلآخِرُ. بَنُونَ يُولَدُونَ فَيَقُومُونَ وَيُخْبِرُونَ أَبْنَاءَهُمْ، ٧ فَيَجْعَلُونَ عَلَى ٱللّٰهِ ٱعْتِمَادَهُم، وَلاَ يَنْسَوْنَ أَعْمَالَ ٱللّٰهِ، بَلْ يَحْفَظُونَ وَصَايَاهُ».
(٤) كيف يمكنهم أن يخفوا هذه الأخبار الخطيرة عما صنعه الله معهم منذ الأزمنة القديمة أيام الآباء والجدود (راجع قضاة ٦: ١٣). ولا يجوز أن تخفى عن الأولاد مثل هذه الأخبار لئلا ينسوا الإنسان مطبوع على النسيان ولئلا يفوتهم مثل هذه الأمجاد التي تهز القلوب بالفخار وتحمس الضمائر وترشدها في سبل أفضل (راجع أيوب ١٥: ١٨) يخبرونهم معلمين بتسابيح الرب أي تلك القصص القديمة الموضوعة بقالب شعري مثل ترنيمة مريم ونشيد دبورة. وكذلك يخبرونهم قصصاً واقعية عما حدث وعن تلك العجائب التي بواسطتها استطاع الشعب أن يدخلوا الأرض ويمتلكوها ولأنها امتلكت بقدرة الله فهي ملك أبدي لله.
(٥) وكانت النتيجة أن أقام شهادة له في ذرية أولئك الآباء الأقدمين. وأي الناس أولى أن يخبروا مثل هذه الأخبار أكثر من الذين صنعت معهم هذه العظائم هم أهلها يجب أن يتذكروها على الدوام بل عليهم أن يعيشوا شهوداً مستحقين لمثل هذه الأحداث العظيمة. بل أن الله قد سلّم شريعته المقدسة لكي يحفظوها ويرعوها ويتمشوا عليها دوماً. ولا حجة لهم أن يقولوا هي للآباء فقط بل هي لهم بحكم الوراثة أيضاً.
(٦) وهكذا فإن هذه الأخبار يجب أن يتناقلها الخلف عن السلف ثم هؤلاء بدورهم يسلمونها للذين يأتون بعدهم. هي سلسلة متصلة الحلقات فلا يجوز أن تنفرط أية حلقة منها لأن قوة السلسلة كما هو معلوم تقاس بقوة أضعف حلقاتها (راجع حزقيال ١٣: ٨ و١٤ وتثنية ٤: ٩). ولا شك أن التاريخ المقدس لا يحفظ فقط في بطون الكتب بل بالأحرى في صدور الأبناء والأحفاد الذين يتعلمون من السلف الصالح ويتبعون مثالهم.
(٧) وأما الغاية من هذا جميعه فهو أن يكون لهم تلك الحاسة الروحية التي تجعلهم متكلين على الله ومعتمدين على اسمه القدوس. إن الغاية هي لأجل الإرشاد وإيجاد روح التدين الصحيح لئلا يبتعد هؤلاء البنون عن تلك المعرفة التاريخية المقدسة ويكون لهم مجال للاعتذار ربما بقولهم ليس لنا المعرفة وليس لنا الاختبار وهكذا تذهب عبادة الله الحي من قلوبهم مع السنين. أما إذا قام الآباء بواجباتهم وعلموا أولادهم ما تعلموه هم أنفسهم حينئذ تنتقل هذه المعرفة من جيل إلى جيل وتبقى خالدة.
«٨ وَلاَ يَكُونُونَ مِثْلَ آبَائِهِمْ جِيلاً زَائِغاً وَمَارِداً، جِيلاً لَمْ يُثَبِّتْ قَلْبَهُ وَلَمْ تَكُنْ رُوحُهُ أَمِينَةً لِلّٰهِ. ٩ بَنُو أَفْرَايِمَ ٱلنَّازِعُونَ فِي ٱلْقَوْسِ ٱلرَّامُونَ، ٱنْقَلَبُوا فِي يَوْمِ ٱلْحَرْبِ. ١٠ لَمْ يَحْفَظُوا عَهْدَ ٱللّٰهِ وَأَبَوْا ٱلسُّلُوكَ فِي شَرِيعَتِهِ ١١ وَنَسَوْا أَفْعَالَهُ وَعَجَائِبَهُ ٱلَّتِي أَرَاهُمْ. ١٢ قُدَّامَ آبَائِهِمْ صَنَعَ أُعْجُوبَةً فِي أَرْضِ مِصْرَ بِلاَدِ صُوعَنَ».
(٨) بل هوذا المرنم ينتظر من هؤلاء الأبناء أن يفوقوا أسلافهم ولا يكتفوا قط بما وصل إليه أولئك. لا سيما ولهم تاريخ أسود من نواحيه الكثيرة المتعددة فليس كل ما فيه للفخار بل كثير منه ما هو مخزي ومدعاة للعار والشنار فقد زاغوا عن السبل المستقيمة مرات كثيرة وتمردوا على الله وعصوا أوامره الصريحة ولنا من هذا أن نقتدي بالآباء القدوة الصالحة فقط ولا نتعامى عن الشر ولا نخفيه مع مرور السنين حاسبين أن الماضي فاضل كله. بل ليكن هدفنا الصلاح الحقيقي وهذا يثبت القلب بالله ونكون أمناء في عهوده (راجع ٢أخبار ٢٠: ٣٣).
(٩) لماذ يلتفت المرنم الآن لبني أفرايم بصورة خاصة فهذا لا ندريه يقيناً على كلٍّ ليس هؤلاء ليقوموا مقام بني إسرائيل جميعاً إذ في العدد ٦٧ وما بعده ما ينفي مثل هذا الزعم. على كل فإن مزامير آساف طالما تذكر قبائل يوسف ولكن الذكر هنا لكي يضع المرنم أمامنا أمثولة خالدة فيضرب بهم مثلاً كيف كانت مملكة الشمال ثم كيف صارت. أولئك الأشداء في استعمال القوس والرامون بالنبال في يوم الحرب إذا بهم يرتمون مندحرين.
(١٠) ويعزو هذا السقوط لأنهم لم يحفظوا عهد الله ولم يمشوا حسب شرائعه ووصاياه ولا عجب أن يصيبهم ما أصابهم. من ركبوا الأسباب عليهم أن يتحملوا النتائج ولا حق لهم أن يلوموا غير أنفسهم. ونلاحظ أن حفظ العهد معناه السلوك في الشريعة والتمشي بحسب الوصايا. إن هؤلاء الأفرايميين الأقوياء كان من واجبهم أن يفعلوا أكثر جداً مما فعلوه فقد كانوا أشداء في الحروب ولو تابعوا غزواتهم لاستطاعوا إخضاع أرض كنعان كلها ولكنهم فشلوا وفشلهم في الدرجة الأولى لأنهم لم يرعوا عهود الله ولا تمسكوا به إلى المنتهى.
(١١) لقد نسوا ذلك التاريخ الحافل بجلائل الأعمال ولم يبرهنوا أنهم أهل لمواصلة ذلك الجهاد في سبيل الله فقد خارت عزائمهم وسقطت هممهم لا سيما وقد رأوا أنفسهم محاطين بالأمم الغريبة حولهم وهي تفوقهم مدنية ورقياً وهكذا تسربت إليهم العبادة الوثنية وخضعوا لها ونسوا إله أبائهم. لم يعتبروا أن لله عهداً عليهم وهم شعبه بواسطة ذلك التاريخ منذ أيام موسى ويشوع.
(١٢) هذا الإله العظيم الذي صنع أعجوبة منذ القديم يوم كانوا في أرض مصر مع بقية إخوانهم الإسرائيليين. ويذكرهم بما أنهم أحفاد يوسف الذي كان له ذلك الشأن في مصر إذا بالمصريين يعاملون آباءهم أسوأ معاملة ولا نجاة لهم بعد ذلك إلا بقدرة الله التي خلصتهم من أرض العبودية.
«١٣ شَقَّ ٱلْبَحْرَ فَعَبَّرَهُمْ، وَنَصَبَ ٱلْمِيَاهَ كَنَدٍّ. ١٤ وَهَدَاهُمْ بِٱلسَّحَابِ نَهَاراً، وَٱللَّيْلَ كُلَّهُ بِنُورِ نَارٍ. ١٥ شَقَّ صُخُوراً فِي ٱلْبَرِّيَّةِ وَسَقَاهُمْ، كَأَنَّهُ مِنْ لُجَجٍ عَظِيمَةٍ. ١٦ أَخْرَجَ مَجَارِيَ مِنْ صَخْرَةٍ وَأَجْرَى مِيَاهاً كَٱلأَنْهَارِ. ١٧ ثُمَّ عَادُوا أَيْضاً لِيُخْطِئُوا إِلَيْهِ، لِعِصْيَانِ ٱلْعَلِيِّ فِي ٱلأَرْضِ ٱلنَّاشِفَةِ».
(١٣) يشرع هنا في سرد التاريخ باختصار ويذكر واقعة بعد أخرى. وأول شيء يذكره هو كيف شق البحر الأحمر حتى عبروا بالرجل (راجع خروج ١٥: ٨) وجعل المياه كندّ أي ككومة واحدة من كل جانب (راجع مزمور ٣٣: ٧). ويظهر أن المرنم كان أمامه التوراة تقريباً بكتبها الخمسة الأولى إذ نجده يعيد للذاكرة ما ورد من تلك الحوادث.
(١٤) هنا يقتبس مما ورد (خروج ١٣: ٢١). وكذلك في العدد ١٥ وما يليه يلخص حادثة خروج الماء من الصخرة في السنة الأولى من خروج بني إسرائيل من أرض مصر (خروج ١٧). كما وأنه يضم إليها حادثة السنة الأربعين (العدد ص ٢٠).
(١٥) لم يكن خروج الماء بصورة بسيطة بل قد سقاهم الله كإنما من لجج عظيمة هي مياه متدفقة غزيرة فإذاً هي عجيبة تستوقف الفكر وتلهبه بالتأملات العميقة. إن الله إذا أعطى فعطاياه كلها بكرم وغزارة هو الذي يعطي ولا يعيّر ويمنح مراحمه ولا يطلب مقابلها لأنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين (متّى ٥: ٤٥).
(١٦) لقد كانت مياهاً مروية للغاية فهي ليست كثيرة بالنسبة لحاجتهم الماسة إليها لأنهم كانوا في البرية وأي مقدار من المياه يكون سبباً للدهشة أو أي نوع منها حتى ولو كانت ذات طعم ومعدنية تصبح ذات قيمة عظيمة. لا ليس الأمر كذلك هنا فهي مجاري مياه جبارة هي أشبه بالأنهار التي تتدفق زاخرة وتنعش كل ما حولها وهنا أكبر مدعاة للتفاخر بقدرة الله العظيمة.
(١٧) ولكن رغماً عن كل ذلك عادوا يخطئون ولم يذكروا الرحمة التي رحمهم بها. وقوله عادوا لأنهم من قبل فعلوا مثل ذلك وتمردوا وعصوا لذلك فهم قد رجعوا إلى سابق ما كانوا فيه وليس غريباً عليهم أن «يعود الكلب إلى قيئه». نعم إن هذا الإنسان الكنود الناكر للجميل لهو في كفر دائم لنعمة الله طالما لا يذكر الرحمة أبداً. إنه قد يذكر الله ولكن لكي يأخذ منه خيراً وبركة ليس إلا ومتى أخذهما فهو ينسى حتى أعظم المراحم لأنه تعوّد أن يعيش لنفسه وليس فيما لله خالقه (راجع العدد ص ٢٠: ١٣ وقابله مع ٢٧: ١٤ وتثنية ٣٢: ٥١).
«١٨ وَجَرَّبُوا ٱللّٰهَ فِي قُلُوبِهِمْ بِسُؤَالِهِمْ طَعَاماً لِشَهْوَتِهِمْ. ١٩ فَوَقَعُوا فِي ٱللّٰهِ. قَالُوا: هَلْ يَقْدِرُ ٱللّٰهُ أَنْ يُرَتِّبَ مَائِدَةً فِي ٱلْبَرِّيَّةِ؟ ٢٠ هُوَذَا ضَرَبَ ٱلصَّخْرَةَ فَجَرَتِ ٱلْمِيَاهُ وَفَاضَتِ ٱلأَوْدِيَةُ. هَلْ يَقْدِرُ أَيْضاً أَنْ يُعْطِيَ خُبْزاً أَوْ يُهَيِّئَ لَحْماً لِشَعْبِهِ؟ ٢١ لِذٰلِكَ سَمِعَ ٱلرَّبُّ فَغَضِبَ، وَٱشْتَعَلَتْ نَارٌ فِي يَعْقُوبَ، وَسَخَطٌ أَيْضاً صَعِدَ عَلَى إِسْرَائِيلَ، ٢٢ لأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِٱللّٰهِ وَلَمْ يَتَّكِلُوا عَلَى خَلاَصِهِ».
(١٨) وقوله «جربوا الله في قلوبهم» أي أنهم أخذوا يتذمرون سراً في داخلهم قبلما باحوا به للآخرين. هنا المرنم يلخص تلك التذمرات المتكررة التي نفثوها قبلما أعطاهم الله المن والسلوى (خروج ١٦) بل وأعطاهم الله السلوى مرة أخرى (العدد ص ١١). فكما أعطاهم الماء مرتين كذلك أعطاهم طعاماً مرتين لكي يشبعوا تماماً كما ارتوا من قبل. ولكن هل يشبع الإنسان ويكتفي وهنا جيد لنا أن نراجع اكتفاءنا فقط بخبر الحياة ليس إلا (انظر متّى ٥: ٥).
(١٩) هكذا كانت التجربة شديدة عليهم فسقطوا وأنكروا الله ولم يحسبوا قدرته كافية لسد احتياجاتهم فقالوا هل يقدر الله أن يهيء طعاماً في البرية القاحلة حيثما الجدب والعوز من كل جانب هل يستطيع الله أن يعطي نعمة في ظرف هو أبعد ما يكون عن النعمة. لقد قللوا إيمانهم بالله إلى درجة محزنة ووضعوه تحت الامتحان وهنا منتهى القحة.
(٢٠) وبدلاً من أن يكون اختبارهم في الماضي سبباً جديداً للإيمان والرجاء إذا بهم وهم يذكرون ما فعله بالصخرة وكيف فاضت المياه من كل جانب يعودون فيقولون ولكن هل يقدر الله أن يعطي طعاماً. قد تكون أن هذه المياه موجودة هناك ولكن هل بالإمكان أن يوجد الطعام أيضاً. ما أقل الإيمان في قلوبهم وهكذا تصبح الآية التي عملها الله سبباً جديداً للشك (راجع خروج ١٦: ٣ والعدد ١١: ٤ وما بعده و٢١: ٥).
(٢١) عرف الله هذه النوايا الباطلة وهذا الكنود المستحكم فغضب عليهم غضباً شديداً. وكان غضبه مثل نار مشتعلة تحرق كل ما هو أمامها. وإذا قابلنا هذا العدد ٢١ بما ورد في سفر العدد ١١: ١ نجد تماثلاً تاماً. وهكذا فإن ناراً قد اشتعلت في خيام أولئك القوم الظالمين لأن الله لم يكن راضياً عليهم فكيف هو لمن يتوخى السلام ويعمل في سبيله. وأي حق لهم على الله بعد ذلك.
(٢٢) والسبب الجوهري لمثل هذا الغضب هو عدم الإيمان. ذلك الإيمان الذي يجعلهم متكلين على قدرة العلي ثابتين في عهده مخلصين في محبته. لا شيء من ذلك كان عندهم فقط أصبحوا ريشة في مهب الرياح وسط البرية القاحلة. لقد أظلمت الدنيا أمام عيونهم لأنهم قد أظلموا في الإيمان من قبل (انظر العدد ١٤: ١١) لقد نسوا كل شيء ولم يذكروا ما خلصهم به الله ويا للأسف.
«٢٣ فَأَمَرَ ٱلسَّحَابَ مِنْ فَوْقُ، وَفَتَحَ مَصَارِيعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ٢٤ وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَنّاً لِلأَكْلِ، وَبُرَّ ٱلسَّمَاءِ أَعْطَاهُمْ. ٢٥ أَكَلَ ٱلإِنْسَانُ خُبْزَ ٱلْمَلاَئِكَةِ. أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ زَاداً لِلشِّبَعِ. ٢٦ أَهَاجَ رِيحاً شَرْقِيَّةً فِي ٱلسَّمَاءِ وَسَاقَ بِقُوَّتِهِ جَنُوبِيَّةً ٢٧ وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ لَحْماً مِثْلَ ٱلتُّرَابِ، وَكَرَمْلِ ٱلْبَحْرِ طُيُوراً ذَوَاتِ أَجْنِحَةٍ».
(٢٣) في هذه الأعداد ٢٣ - ٢٥ يوجد وصف كيف أن الله قد أرسل المن من السماء. ويتبادر للذهن لأول وهلة حينما قال أمر السحاب وفتح مصاريع السموات أن القصد من ذلك هو المطر ولكن لا يطول انتظارنا حتى يخبرنا بما جرى. ولا يهتم المرنم كثيراً لتعاقب الحوادث من جهة تاريخية إذ أن نزول المن كان قبل أن اشتعلت النيران في المحلة. وإنما اقتضى السرد الشعري أن يضع النار بعد الغضب الإلهي. ولكن الله الحنان الرحيم لم يهتم بقلة إيمانهم ولم يجازهم على أعمالهم بل أظهر رحمته مرة أخرى وفتح أبواب السموات لهم لكي يشبعوا.
(٢٤) وإذا المن ينزل عليهم مثلما ينزل المطر دافقاً غزيراً لا شيء يعيق سبله طالما مصاريع السموات قد انفتحت وطالما رحمة الله تسعنا رغماً عن كل نكراننا وخطايانا. وقوله مصاريع السموات تعبير قديم يدل على ما اعتقده العبران الأقدمون من وجود مياه فوق السموات تنزل على الأرض متى فتحت الأبواب لذلك (راجع تكوين ٧: ١١ و٢ملوك ٧: ٢ وملاخي ٣: ١٠) ويدعو هذا المن براً أي ذرة من السماء أو كما (خروج ١٦: ٤) هو خبز السماء. بل كما نجد في العدد الذي يليه خبز الملائكة.
(٢٥) كان ينزل من السماء مثل حبوب الذرة على الأرض فيجمعونه ويحفظونه قوتاً لهم ولعيالهم. وحتى الآن لا يزال يسمى في اللغة العربية «منّ السماء». ولا يزال يوجد في برية سيناء نوع من الخضار اسمه Coccus Manniparus ينز سائلاً ثميناً لسكان شبه جزيرة سيناء إذا فزر من جهة يخرج منه عصير يستعمله الناس قوتاً طيباً.
(٢٦) ثم هنا يصف كيف أرسل لهم الله السلوى والكاتب يذكر كما ورد (خروج ١٦) وهذا حدث قبل إعطاء المن. وإذا رياح مختلطة بين شرقية وجنوبية آتية من الخليج (راجع العدد ١١: ٣١).
(٢٧) وأمطر عليهم دليل الكثرة المتناهية فهي لا تعد من غزارتها وكثرتها. هي مثل التراب أصبحت بدون قيمة لأنها كانت عادية لم يتعبوا في تحصيلها ولم يصطادوها بأنفسهم بل ارتمت عليهم من السماء من منبع كل خير وبركة ونعمة. وهي كثيرة كرمل البحر (راجع تكوين ٢٢: ١٧). وهذه التشابيه موجودة بكثرة في الكتابات المقدسة.
«٢٨ وَأَسْقَطَهَا فِي وَسَطِ مَحَلَّتِهِمْ حَوَالَيْ مَسَاكِنِهِمْ. ٢٩ فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا جِدّاً، وَأَتَاهُمْ بِشَهْوَتِهِمْ. ٣٠ لَمْ يَزُوغُوا عَنْ شَهْوَتِهِمْ. طَعَامُهُمْ بَعْدُ فِي أَفْوَاهِهِمْ، ٣١ فَصَعِدَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ ٱللّٰهِ وَقَتَلَ مِنْ أَسْمَنِهِمْ. وَصَرَعَ مُخْتَارِي إِسْرَائِيلَ. ٣٢ فِي هٰذَا كُلِّهِ أَخْطَأُوا بَعْدُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِعَجَائِبِهِ».
(٢٨) وإن رحمة الله هذه قد شملتهم إلى التمام فهي التي جاءت إليهم وهم لم يذهبوا إليها ولا حركوا ساكناً في سبيل الحصول عليها. إن تلك المحلة المتذمرة الجائعة التي عرفت دائماً كيف تعترض على ترتيبات الله وتتغاضى عن مراحمه إذا بها الآن تنال الخير والنعمة في وسطها حيثما كانوا ساكنين. هي محلة إسرائيل (راجع العدد ١١: ٣١ وقابله مع خروج ١٦: ١٣).
(٢٩) ولم يبطئ الشعب بأن ينال هذا الخير فيأكل منه ويشبع. لقد اشتهوا هذه الشهوة وصاحوا متذمرين من أجلها ولكن الله قد أعطاهم سؤل قلوبهم ولم يبخل عليهم قط. هم لا يستحقونه ولكن محبته لهم تستحق كل شيء. نتساءل طالما كانوا في جوع فلماذا غضب الله عليهم حينما أكلوا وشبعوا ألا يريد الله إشباعهم يا ترى؟ بالطبع لا ولكن غضبه هو بالنسبة لكنودهم المتواصل ولأنهم شهوانيون لا يهمهم شيء سوى أن يملأوا بطونهم.
(٣٠ و٣١) بينما هم غارقون في هذه اللذة الوقتية وهم غير شكورين لنعمة أسبغت عليهم بل بينما كانوا لا يزالون يمضغون الطعام في أفواههم إذا بالغضب يأتي عليهم ولا يهنأون طويلاً. وهنا يتبع المرنم الكلام نفسه الذي ورد في (العدد ١١: ٣٣). فنجد مقابلة شيقة لكي يلفت نظر أولئك الآكلين أن الأهمية ليس بالطعام الذي وضعوه في أفواههم بل عليهم أن يشكروا الله ويحمدوا اسمه لأجل عنايته الدائمة الحنونة. ويظهر أن غضب الله هذا قد ظهر في الشعب لدن سقطوا مرضى من جراء تلك التخمة التي أصابتهم بعد جوعهم في الماضي. فهم لم يوفروا شيئاً للمستقبل بل تناولوا هذا الخير وتمتعوا به غير حاسبين لحوادث الزمان أي حساب. ولكن النتيجة كانت سريعة ومؤلمة وإذا بعدد كبير منهم يسقط صرعى الأدواء والأوجاع التي انتابتهم.
(٣٢) وهنا يعود مرة أخرى للتوبيخ والتأنيب فإن هذا الشعب الذي تكررت معه هذه الحوادث لم يتعظ شيئاً ولم يتعلم وكانوا مثل الحديد الذي يضربه الحداد مرة بعد أخرى فلا يزداد سوى شدة وصلابة. ذلك لأن الشيء المهم ليس الحوادث ذاتها بل كيف نقابلها وماذا نفعل في تفسيرها ثم تطبيقها على حياتنا اليومية. إن الدروس موجودة ولكن المهم أن يفتح الإنسان ذهنه ويتعلمها ويستفيد منها أكمل استفادة.
«٣٣ فَأَفْنَى أَيَّامَهُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَسِنِيهِمْ بِٱلرُّعْبِ. ٣٤ إِذْ قَتَلَهُمْ طَلَبُوهُ، وَرَجَعُوا وَبَكَّرُوا إِلَى ٱللّٰهِ، ٣٥ وَذَكَرُوا أَنَّ ٱللّٰهَ صَخْرَتُهُمْ، وَٱللّٰهَ ٱلْعَلِيَّ وَلِيُّهُمْ. ٣٦ فَخَادَعُوهُ بِأَفْوَاهِهِمْ وَكَذَبُوا عَلَيْهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ. ٣٧ أَمَّا قُلُوبُهُمْ فَلَمْ تُثَبَّتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي عَهْدِهِ».
(٣٣) هكذا ذهبت الدروس باطلاً ومرت الأيام بلا جدوى. لأن مرور الأيام والسنين وحده لا يعطي الإنسان حكمة بل الحكمة أن نتعلم ما تلقيه تلك السنون من دروس قيمة وعبر ذات معنى عظيم الأثر في نفوسنا. بل أن مرور السنين قد تجعل الإنسان يرتعب من اقتراب الأجل وإذا كل شعرة شائبة تصبح كالسيف المصلت على الرأس تنذر صاحبه بالموت المحتوم. وهنا إشارة لانتقام الله من هؤلاء الخارجين من مصر (العدد ١٤: ٢٨ - ٣٤).
(٣٤) ولكن في هذه المحنة العظيمة بينما ملاك الموت يحصد أرواحهم حصداً أخذوا يعودون إلى رشدهم الروحي ويندمون. لقد رجعوا إلى الله الآن وبكروا إليه قبل فوات الأوان وقبلما يأتي ملاك الموت عليهم أيضاً. هم كالأولاد العصاة لا يتوبون حتى يقاضوا أعظم القصاصات فإذا توبتهم النجاة الآن لا الهلاك الذي يجرف رفاقهم وعيالهم بلا رحمة ولا هوادة.
(٣٥) وسبيل نجاتهم الوحيد هو أن يذكروا إذ أنهم حينما نسوا إصابتهم البلايا فإذا ذكروا يعودون إلى الرحمة والرضوان. ذكروا أن الله صخرتهم (تثنية ٣٢: ١٥ و١٨ و٣٧). ذكروا أن الله وليهم وفاديهم ومخلصهم (تكوين ٤٨: ١٦). وهو عليّ رب السموات يتعطف عليهم من علو مجده ولا ينساهم وإن كانوا في وهدة الهلاك والموت.
(٣٦) ولكن رجوعهم على ما يظهر لم يكن عن توبة قلبية. ولم يكن التفاتهم إلى الله سوى تهرب من الآلام الحاضرة التي يعانونها. يحتمون بالله إلى أن تمر عليهم موجة الغضب هذه وتهدأ حدة الضربة ثم يعودون إلى ما كانوا عليه. هم مخادعون كاذبون. يقولون شيئاً ويفعلون آخر وهكذا فإن ألسنتهم ليست للحمد والتسبيح بل للكذب والبهتان.
(٣٧) هل الله يهتم فقط أليس أن نظره هو للقلب فيقول لنا «يا ابني أعطني قلبك» (راجع مزمور ٥١: ١٠) ذلك لأن الخلوص لله هو أهم ما تتطلبه التقوى الحقيقية. ولكن الذي يخادع ويكذب فهو بعيد عن الله ولا يعرف طريق النجاة التي أعدها لأتقيائه الحقيقيين. وهكذا فقد خانوا عهده المقدس الذي قطعوه على أنفسهم ولم يعيشوا أهلاً لتلك العلاقة الكريمة المقدسة التي هي درع المؤمنين وسبب نجاتهم.
«٣٨ أَمَّا هُوَ فَرَؤُوفٌ يَغْفِرُ ٱلإِثْمَ وَلاَ يُهْلِكُ، وَكَثِيراً مَا رَدَّ غَضَبَهُ وَلَمْ يُشْعِلْ كُلَّ سَخَطِهِ. ٣٩ ذَكَرَ أَنَّهُمْ بَشَرٌ. رِيحٌ تَذْهَبُ وَلاَ تَعُودُ. ٤٠ كَمْ عَصَوْهُ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ وَأَحْزَنُوهُ فِي ٱلْقَفْرِ! ٤١ رَجَعُوا وَجَرَّبُوا ٱللّٰهَ وَعَنُّوا قُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ. ٤٢ لَمْ يَذْكُرُوا يَدَهُ يَوْمَ فَدَاهُمْ مِنَ ٱلْعَدُوِّ، ٤٣ حَيْثُ جَعَلَ فِي مِصْرَ آيَاتِهِ، وَعَجَائِبَهُ فِي بِلاَدِ صُوعَنَ».
(٣٨) هنا يبدأ القسم الثاني من هذا المزمور التاريخي الشيق الذي يسرد الوقائع ويأخذ منها عبراً ودروساً لكل الأجيال. نعم إن الله حنان ورؤوف ولا تتوقف رحمته على أعمال البشر وتصرفاتهم وإذا أظهر غضبه فهو لأجل القصاص لا الاقتصاص والإهلاك. لقد رد حمو غضبه وعاد للرضا والعفو. هو إله الحق والعدالة ولكنه هو إله الحنان والمغفرة أيضاً.
(٣٩) فمن جهة طبيعة الله هو يغفر ويرحم ويعود للرضا وأما من جهة البشر فقد ذكر أنهم بشر مثل ريح يعبرون ولا يوجدون فيما بعد. إذاً يوجد مجال للعفو والغفران ولا يطول غضبه عليهم ولا يلومهم كثيراً. لأنهم بشر فهم يستحقون أن يرأف الله بهم ولا يعاملهم حسب أعمالهم (إشعياء ٤٢: ١٣).
(٤٠) يراجع المرنم بصورة سريعة تلك الحوادث التي ذكرها سابقاً كيف أن هذا الشعب قد عصا إلهه وكان الأحرى به أن يطيع وقد أحزنه في البرية حيث لا أنيس ولا عضد غير الله نفسه. فكان عصيانهم كبيراً وقبيحاً لأنهم فعلوا ذلك في وقت كانوا أحوج فيه لعون الله وإرشاده. بل تمردوا في مكان غير آهل بالناس ونسوا سبب التعزية الحقة لأنهم إذا كانوا مع الله فلا خوف عليهم من أي المخاطر والشرور.
(٤١) ولكنهم رجعوا وجربوا الله بل سببوا أتعاباً عظيمة للإله القدوس. فبدلاً من أن يشكروا كانوا جاحدين منكرين لكل فضل. ومرة أخرى يستعمل كلمة جربوا الله أي وضعوه في الامتحان بسبب قلة إيمانهم.
(٤٢) وسبب ذلك كله مرة أخرى يعود للقول لأنهم لم يذكروا فهم دائماً ينسون الله ولا يقرون بمراحمه الواسعة ونعمه السابغة (راجع خروج ١٠: ٢). وقد يكون يوم فداهم إشارة هنا إلى (خروج ٧: ١٤ - ٢٥).
(٤٣) يذكر تلك الآيات التي جرت في مصر في أرض صوعن. لأن هناك يبدأ التاريخ المقدس فقد أراد الله أن يخرج شعبه بيد قوية وذراع ممدودة لذلك أعطى موسى تلك القدرة والصلابة حتى يستطيع أن يقف أمام فرعون ولا يهاب ذلك المكان العظيم ويتفوق على كل ما كان لديه من أعوان إذ ظهرت قدرة الله أعظم من قدرة أولئك السحرة الذين استعان بهم فرعون. فكانت آيات وعجائب لا ترد مطلقاً.
«٤٤ إِذْ حَوَّلَ خُلْجَانَهُمْ إِلَى دَمٍ وَمَجَارِيَهُمْ لِكَيْ لاَ يَشْرَبُوا. ٤٥ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ بَعُوضاً فَأَكَلَهُمْ، وَضَفَادِعَ فَأَفْسَدَتْهُمْ. ٤٦ أَسْلَمَ لِلْجَرْدَمِ غَلَّتَهُمْ وَتَعَبَهُمْ لِلْجَرَادِ. ٤٧ أَهْلَكَ بِٱلْبَرَدِ كُرُومَهُمْ وَجُمَّيْزَهُمْ بِٱلصَّقِيعِ. ٤٨ وَدَفَعَ إِلَى ٱلْبَرَدِ بَهَائِمَهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ لِلْبُرُوقِ. ٤٩ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ حُمُوَّ غَضَبِهِ سَخَطاً وَرِجْزاً وَضِيقاً، جَيْشَ مَلاَئِكَةٍ أَشْرَارٍ».
(٤٤) يذكر هنا الضربة الأولى التي ضرب بها الله أرض المصريين (راجع خروج ٧: ١٤ - ٢٥). وكان من باب مخالفة النظير أن يذكر هذه الضربة بعد أن ذكر كيف أن الله قد أعطى شعبه ماء من الصخرة حتى شربوا بينما أولئك المصريون الذين لهم الماء بوفرة بواسطة نهر النيل إذا بهم يعطشون لأن تلك المياه قد تحولت إلى مياه غير صالحة للشرب يعافها الإنسان والحيوان.
(٤٥) ثم نجد المرنم يقفز من هذه الضربة الأولى إلى الرابعة حينما يذكر البعوض وهو نوع من البرغش على ما يظهر أو الذباب (راجع خروج ٧: ١٦ - ٢٨). ويذكر مع هذه الضربة الضفادع التي هي الضربة الثانية حسب ترتيبها في سفر الخروج. وهي تلك الضفدعة المصرية الصغيرة الموجودة ربما حتى الآن واسمها Rana Mosaica .
(٤٦) وينتقل بعد ذلك للجردم والجراد. أما الجردم فهو أقرب للجندب وهو إذا كثر يؤذي المزروعات كثيراً ولكنه لا يقاس بشيء بالنسبة إلى الجراد شر أنواع الحشرات وأفتكها بكل أنواع النباتات على صورة مخيفة للغاية. فإذا كان حتى اليوم يخيف الناس في هذه البلدان وطرق المكافحة قد ترقت كثيراً فهل نلوم خوف القدماء. ولا أزال أذكر حينما هاجم الجراد البلاد السورية واللبنانية سنة ١٩١٥ مما زاد في ويلات الحرب شدة وفي أقوات الناس قلة وجوعاً.
(٤٧) ثم ينتقل إلى ضربة البرد (خروج ٩: ١٣ - ٣٥) وقابل ذلك مع (حزقيال ٨: ٢). وهذه ضربة لا شك فيها حينما تأتي في منتصف الربيع إذ تكون الأشجار في كامل براعمها وزهورها لا سيما إذا عقب ذلك الصقيع الذي ييبس ما تبقى بعد البرد حتى لا تكون مواسم تقريباً.
(٤٨) أما المواشي وهي إذا كانت في طور الولادة فإنه لا شك يموت الكثير منها بسبب شدة البرد. لا سيما وأغلبها يكون في الأرض العراء كما هي الحالة حتى الآن وحينئذ تتعرض لعوامل الطبيعة القاسية بل قد تصاب أيضاً بالبروق والصواعق من السماء وهذه كثيرة الحدوث في أشهر الخريف أو الربيع وتقل في الشتاء.
(٤٩) ثم يلخص هذه كلها بأنها ضربات من الله إذ يرسل ملائكته بهذه الضربات القاسية الشريرة. ولنا من هذا أن المرنم يرى أن عند الله نوعين من الملائكة أما هؤلاء فهم أشرار إذا يتممون الضربات.
«٥٠ مَهَّدَ سَبِيلاً لِغَضَبِهِ. لَمْ يَمْنَعْ مِنَ ٱلْمَوْتِ أَنْفُسَهُمْ بَلْ دَفَعَ حَيَاتَهُمْ لِلْوَبَإِ. ٥١ وَضَرَبَ كُلَّ بِكْرٍ فِي مِصْرَ. أَوَائِلَ ٱلْقُدْرَةِ فِي خِيَامِ حَامٍ. ٥٢ وَسَاقَ مِثْلَ ٱلْغَنَمِ شَعْبَهُ، وَقَادَهُمْ مِثْلَ قَطِيعٍ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ. ٥٣ وَهَدَاهُمْ آمِنِينَ فَلَمْ يَجْزَعُوا. أَمَّا أَعْدَاؤُهُمْ فَغَمَرَهُمُ ٱلْبَحْرُ. ٥٤ وَأَدْخَلَهُمْ فِي تُخُومِ قُدْسِهِ، هٰذَا ٱلْجَبَلِ ٱلَّذِي ٱقْتَنَتْهُ يَمِينُهُ. ٥٥ وَطَرَدَ ٱلأُمَمَ مِنْ قُدَّامِهِمْ وَقَسَمَهُمْ بِٱلْحَبْلِ مِيرَاثاً، وَأَسْكَنَ فِي خِيَامِهِمْ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ».
(٥٠) ولأن الله غاضب على هؤلاء الناس فقد أظهر غضبه بشكل مخيف. ولم يكتف بما تقدم بل أرسل عليهم الوباء فجرف حياة الكثيرين ونستطيع فهم عمله الذريع عندئذ طالما لم يكن للناس أي الوسائط الألوف منهم صرعى كلما زاد المرض فيما بينهم انتشاراً. ولم يستطيعوا أن يتقوا النتائج المرعبة التي صادفتهم بسبب ذلك وهذا كله لأن الله غضب عليهم ولم يرتد حتى أنزل عقابه بهم تماماً.
(٥١) وهوذا كل بيت فيه مأتم ومناحة إذ قد أصيب أعز الأولاد هم الأبكار سند العيال ومبعث عزها ومجدها (راجع خروج ١١ و١٢). وقد ذكر هنا خيام حام كما في (المزمور ١٠٥ و١١١) وهذا ينطبق على ما ورد في (تكوين ١٠: ٦). بل قد دعا المصريون أنفسهم (كامي أو خامي).
(٥٢) وحينما تمت هذه الضربات المتكررة العظيمة إذ بفرعون قد فارقته قوته ولم يشاء أن يتمسك بشعب إسرائيل بعد بل سمح لهم أن يتركوا البلاد بسلام وهكذا قاد الله شعبه من أرض مصر كما يقود الراعي الغنم إلى مواطن الأمن والمراعي الخصبة (انظر إرميا ٣١: ٢٤). وهذا التشبيه وارد كثيراً في مزامير آساف يقود قطيعه في البرية.
(٥٣) إن هذا الراعي قد سار أمامهم مرشداً هادياً فلم يتركهم وحدهم ولم يتكل فقط على موسى وهارون أن يتمما العمل وحدهما بل اصبع الله القديرة هي التي فعلت كل شيء إلى التمام. وأما الأعداء فقد أصابهم مرة أخرى انخذال عظيم فهم قد ضربوا في عقر دارهم فهل يسلمون وقد خرجوا منها ليظلموا بعد.
(٥٤) ولم يزل يسير معهم مرافقاً هادياً يدلهم على الطريق ويعزيهم ويشددهم إلى أن أوصلهم إلى جبل الله سيناء. إن يمين الله هي التي فعلت ذلك ببأس. واليمين هي دليل اليمن والبركة إذاً فالعمل كان بكل اهتمام وجد فلا يتركهم الله إلى تحكم الظروف والأحوال الطارئة والمخاطر بل هو معهم في كل المواقف إلى أن يتمم لهم كل أسباب الفوز والنجاة. وأما تخوم قدسه فيقصد ربما كل أرض الموعد (تثنية ١١: ١١ والعدد ٣٤: ٢ و٣٦: ٢).
(٥٥) وقد رافقهم بعد ذلك إلى أن استتب لهم الأمر في الأرض التي سكنوا فيها. فطرد الأمم من قدامهم وأصبحت الأرض ملكاً لهم واقتسموها بالحبل (انظر مزمور ١٠٥: ١١) إذاً هم الآن في راحة واطمئنان لا يستطيع أحد أن يعكر صفوهم على شرط أن يبقوا ممسكين بيد الله القديرة ومستعدين أن يتعاونوا بعضهم مع بعض.
«٥٦ فَجَرَّبُوا وَعَصَوْا ٱللّٰهَ ٱلْعَلِيَّ، وَشَهَادَاتِهِ لَمْ يَحْفَظُوا، ٥٧ بَلِ ٱرْتَدُّوا وَغَدَرُوا مِثْلَ آبَائِهِمْ. ٱنْحَرَفُوا كَقَوْسٍ مُخْطِئَةٍ. ٥٨ أَغَاظُوهُ بِمُرْتَفَعَاتِهِمْ وَأَغَارُوهُ بِتَمَاثِيلِهِمْ. ٥٩ سَمِعَ ٱللّٰهُ فَغَضِبَ وَرَذَلَ إِسْرَائِيلَ جِدّاً، ٦٠ وَرَفَضَ مَسْكَنَ شِيلُوهَ، ٱلْخَيْمَةَ ٱلَّتِي نَصَبَهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ. ٦١ وَسَلَّمَ لِلسَّبْيِ عِزَّهُ وَجَلاَلَهُ لِيَدِ ٱلْعَدُوِّ».
(٥٦) ولكن هوذا الأحوال تتبدل معهم وإذا بهم بعد أن استقروا في الأرض يعودون ليجربوا الله ويعصوا أمره كأنه لم يكن شيء من ذلك التاريخ الحافل بجلائل الأعمال. بل إن شهادات الرب والحوادث التي جرت وكل تلك الذكريات لم تساو في نظرهم شيئاً يُذكر. والأرجح أن عصر الارتداد هذا كان بعد موت يشوع وأليعازر وفي بدء أيام القضاة.
(٥٧) لقد ارتدوا غادرين ولا عجب إذ هكذا عمل آباؤهم من قبلهم لقد انحرفوا عن الهدف الذي أمامهم كما تنحرف القوس إذا أخطأت ولم تصب بسهمها المكان المعين (انظر هوشع ٧: ١٦). لقد كان ارتدادهم بغدرٍ وخيانة فهم قد عبدوه بالظاهر ربما ولكنهم تركوه بالحقيقة فكانوا أنذالاً جبناء لأنهم كانوا مرائين كاذبين.
(٥٨) وهنا يذكر السبب لماذا غضب الله عليهم. فقد عبدوا البعليم كما كان يفعل الكنعانيون لذلك فقد ذهبوا وراء عبادة الأمم التي تغلبوا عليهم وامتلكوا أرضهم ولكن هؤلاء غلبوهم بتلك العبادات الوثنية النجسة. ولم يكتفوا بالمرتفعات بل أقاموا التماثيل وعبدوها وتركوا إلههم الحقيقي (انظر إرميا ٢: ٢١).
(٥٩) لقد كانوا يصرخون للبعليم كإنما هي الآلهة الحقيقية (قضاة ٢: ١١) ولكن هذه لا تسمع إنما الله قد سمع وهكذا غضب عليهم من جراء هذه الأعمال الرديئة وكانت النتيجة أنه تركهم ورذلهم لأنهم لا يستحقون تلك العناية الحنونة التي أحاطهم بها وليسوا أهلاً أن يكونوا خاصته. ثم يكرر القسم الأول من العدد ٢١ بصورة مؤثرة.
(٦٠) لقد رفض الله مسكن شيلو والخيمة التي نصبوها لعبادته. لأنهم قد خصصوا مكان العبادة ولكنهم لم يحفظوا عهودها ولم يتمموا ما قطعوه على أنفسهم ولا يغرب عن البال أن في شيلوه خيمة الاجتماع (يشوع ١٨: ١) هناك مركز العبادة في أيام عالي وصموئيل (١صموئيل ١ - ٣). حتى أنه كان مسكن للرب هناك وليس مجرد خيمة فقط توضع وتنقل.
(٦١) إذا راجعنا (قضاة ١٨: ٣٠ وما بعده وقابلنا ذلك مع إرميا ٧: ١٢ - ١٥) نجد أن شيلوه لم تبطل أن تكون مركزاً للعبادة حتى عند الغزو الأشوري وعند سقوط مملكة السامرة يذكر المرنم تلك النكبة التي حلت وكيف سبي الشعب وذهب جلال تلك الأمكنة المقدسة بسبب ذلك.
«٦٢ وَدَفَعَ إِلَى ٱلسَّيْفِ شَعْبَهُ وَغَضِبَ عَلَى مِيرَاثِهِ. ٦٣ مُخْتَارُوهُ أَكَلَتْهُمُ ٱلنَّارُ وَعَذَارَاهُ لَمْ يُحْمَدْنَ. ٦٤ كَهَنَتُهُ سَقَطُوا بِٱلسَّيْفِ وَأَرَامِلُهُ لَمْ يَبْكِينَ. ٦٥ فَٱسْتَيْقَظَ ٱلرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ ٱلْخَمْرِ. ٦٦ فَضَرَبَ أَعْدَاءَهُ إِلَى ٱلْوَرَاءِ. جَعَلَهُمْ عَاراً أَبَدِيّاً. ٦٧ وَرَفَضَ خَيْمَةَ يُوسُفَ وَلَمْ يَخْتَرْ سِبْطَ أَفْرَايِمَ».
(٦٢) لا ندري إذا كانت هنا الإشارة إلى تلك المعركة الدامية مع الفلسطينيين في أفيق (راجع ١صموئيل ٤: ٢١ وما بعده). فقد سقط في تلك المعركة نحو ثلاثين ألفاً من العبرانيين وقتل حفني وفينحاس ابنا عالي الكاهن بل الأعظم من ذلك أن فقد بنو إسرائيل تابوت العهد. ذلك لأن الرب قد غضب على ميراثه فدفعهم للسيف يهلكون ولا من معين.
(٦٣) أما النار التي أكلتهم فهي نار الحرب (راجع العدد ٢١: ٢٨) هوذا الرجال المختارون أهل البأس والقوة قد قتلوا ولذلك فإن العذارى لم يعد لهن أن يترنموا بالأناشيد. «لم يحمدن» أي لا يغنين تلك الأغاني الدارجة في الأعراس القديمة إذ أن النكبة عظيمة والشعب غير مستعد لغير النوح والبكاء.
(٦٤) بينما من الجهة الأخرى قد سقطت الكهنة بحد السيف أولئك الذين عملهم أن ينهضوا بالشعب لعبادة الله فيضطرون للقتال ويموتون. بينما نجد أن الأرامل قد قست قلوبهن فلا يبكين نادبات أزواجهن الذين ماتوا. ذلك لأن المصيبة كانت مداهمة حتى أفقدت الناس رشدهم ولم يعوا ماذا يفعلون (راجع أيوب ٢٧: ١٥). والبكاء الذي يقصده المرنم هو تلك العادة القديمة في بلاد الشرق (انظر تكوين ٢٣: ٢) ثم أن هؤلاء الأرامل لم يسمح لهن بالبكاء كما يحدث في الحروب حينما يعم القتل والتشتيت ولا يستطيع أحد أن يبكي رافعاً صوته من الخوف.
(٦٥) بعد كل هذه الضربات عاد الرب إلى شعبه فاستيقظ بعد نوم طويل وصرخ كما يصرخ جبار مهتاج. وهي صورة بدائية بالنسبة لله تدل على بساطة كلية ولكن المعنى الذي يقصده أن الله لم يتخل عن شعبه للأبد.
(٦٦) وهكذا ضرب أعداءه الذين اعتدوا على شعبه وأذلوهم وقد يكون هذا الحادث إشارة إلى ما ورد في (١صموئيل ٥: ٦ وما بعده). وهنا إشارة إلى العصر الذي عاش فيه شاول وداود وتلك الانتصارات التي أحرزاها (راجع ١صموئيل ٥ وما بعده).
(٦٧) ولكن الله بعد أن تمت هذه الانتصارات على الأعداء بواسطة داود عبده على الأخص فقد رفض من أجل ذلك يوسف وسبط أفرايم. لذلك فقد اختار عوضاً عنهما سبط يهوذا ومكان سكناه أورشليم (راجع تثنية ٣٣: ١٢). وبالنسبة لتوزيع الأرض (راجع مزمور ٦٨: ٢٧) نجد يهوذا يبدأ بالأهمية والظهور.
«٦٨ بَلِ ٱخْتَارَ سِبْطَ يَهُوذَا جَبَلَ صِهْيَوْنَ ٱلَّذِي أَحَبَّهُ. ٦٩ وَبَنَى مِثْلَ مُرْتَفَعَاتٍ مَقْدِسَهُ، كَٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أَسَّسَهَا إِلَى ٱلأَبَدِ. ٧٠ وَٱخْتَارَ دَاوُدَ عَبْدَهُ وَأَخَذَهُ مِنْ حَظَائِرِ ٱلْغَنَمِ. ٧١ مِنْ خَلْفِ ٱلْمُرْضِعَاتِ أَتَى بِهِ لِيَرْعَى يَعْقُوبَ شَعْبَهُ وَإِسْرَائِيلَ مِيرَاثَهُ. ٧٢ فَرَعَاهُمْ حَسَبَ كَمَالِ قَلْبِهِ وَبِمَهَارَةِ يَدَيْهِ هَدَاهُمْ».
(٦٨) إن الله قد اختار يهوذا بعد أن رفض بنيامين بشخص شاول الذي قتل مع ابنه بيد الفلسطينيين وقد رثاهما داود بتلك المرثاة الخالدة (راجع ٢صموئيل ١: ١٧ - ٢٧). إن الله القدير يختار لنفسه ما يشاء ومن يشاء ذلك لأنه بحكمته الكلية يريد أن يصل بشعبه إلى ملء النجاح ومن يتمم مقاصده فهو مقبول عنده.
(٦٩) حينئذ بدلاً من تلك المرتفعات التي عبدها الشعب آخذينها من الكنعانيين بعباداتهم البعليم وأوثانهم الكثيرة إذ الهيكل المقدس يرتفع على جبل الموريا لكي يعبد الرب عبادة حقة دائمة ما دام الشعب متمسكاً بإلهه ويتمم نواميسه بكل أمانة واستقامة (راجع إشعياء ٦٥: ١٧) إذاً هنا يشير ليس فقط للهيكل العظيم بل للعبادة التي تستمر فيه بدون انقطاع بواسطة شعب متعبد غيور يعبد إلهه بورع ويحيا للأبد.
(٧٠) هكذا يقع الاختيار على داود ذلك الراعي الصغير يصبح راعياً لشعب الله بدلاً من الغنم. لقد بقيت له الوظيفة ذاتها ولكن قد تغير القطيع وبالتالي عظمت المسؤولية أضعافاً كثيرة. وهنا نجد أن هيكل الله موجود كما أن نسل داود الملكي سيحتفظ بمقامه لأجيال كثيرة.
(٧١) لقد تسلّم داود تلك المسؤولية وسلمها إلى بنيه من بعده إرثاً أبدياً. ذاك داود ابن يسىّ الراعي الملك فليكن ملكه وطيداً على نسبة حسن رعايته لشعب الله والقيام بعبادته المقدسة. لقد أخذ من خلف المرضعات وهي التي تعتني بأولادها أتم عناية وهكذا عليه أن يعتني بشعب الله بمثل تلك العناية ولا يخون العهد الذي قطعه على نفسه كما فعل شاول من قبله. وحينئذ فإن الشعب كله معه. هو ميراث رب الجنود وما الملك سوى خادم يرعى شعب الله ويهديهم في الطريق المستقيم.
(٧٢) وهكذا فإن داود لم يخن الأمانة التي وضعت في عنقه بل قد قام بالواجب خير قيام. فقد كان طاهر القلب يرعى شعبه بحنو ومحبة (تكوين ٣٣: ١٣ وقابله مع ١صموئيل ١٦: ١١ و١٧: ٣٤) وكذلك كان ماهراً في الإدارة وحكيماً في الحكم على شعبه. وبمثل هذه الخاتمة الجميلة ينتهي من هذا المزمور الجامع ولا يتركه إلا والأصداء المدوية تظن في الآذان فقد جمع التاريخ وهو يصلح للاعتبار اليوم كما كان في القديم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلسَّبْعُونَ


مَزْمُورٌ. لآسَافَ


«١ اَللّٰهُمَّ، إِنَّ ٱلأُمَمَ قَدْ دَخَلُوا مِيرَاثَكَ. نَجَّسُوا هَيْكَلَ قُدْسِكَ. جَعَلُوا أُورُشَلِيمَ أَكْوَاماً. ٢ دَفَعُوا جُثَثَ عَبِيدِكَ طَعَاماً لِطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ، لَحْمَ أَتْقِيَائِكَ لِوُحُوشِ ٱلأَرْضِ».
يظهر أن هذا المزمور يتصل صلة وثيقة مع المزمور الرابع والسبعين ليس فقط من جهة الناظم وهو آساف بل أيضاً بالنسبة لموضوع المزمورين. فإن كان الرابع والسبعون يدل على بدء الاضطهاد وتخريب الهيكل فلا شك أن هذا المزمور يرينا أن الخراب قد أكمل وهكذا فإن عبيد الرب وأتقياءه يحتملون أشد الاضطهاد في سبيل ديانتهم. كلا المزمورين يحملان طابع إرمياء النبي ويمتان إليه بصلة الفكر والتعبير. ويظن أن عصر هذا المزمور هو في أيام السلوقيين (راجع سفر المكابيين الأول ص ١: ٣١ و٣: ٤٥ والمكابيين الثاني ٨: ٣). وقد يكون عصره في أيام الكلدانيين حينما نُجس الهيكل وذبح الكثيرون من خدام الله. وفي هذا المزمور كما فيما سبقه (المزمور ٧٤) يقرأ الإنسان عن تلك الويلات التي أصابت الشعب ليس من جراء حرب اشتعل أوارها وذكت نارها بل بالأحرى فالشكوى تأتي من الاضطهادات والمظالم.
ومما يجدر ذكره أن العددين ٦ و٧ في هذا المزمور هما صورة مأخوذة طبق الأصل عن (إرميا ١٠: ٢٥). ويستبعد أن إرمياء أخذ من هذا المزمور والأرجح أن العكس قد حصل وهكذا يكون إرمياء هو المثال الذي احتذاه المرنم وسار على منواله لا سيما حينما كرر التاريخ تلك المأساة بخراب أورشليم كما حدث في أيام نبوخذ نصر.
(١) يبدأ المرنم كلامه بالشكوى فهو يشكو إلى الله ما توالى على الشعب من متاعب ومصائب وكلامه شبيه بما ورد في (مراثي إرميا ١: ١٠). بل هي شكوى شبيهة بما ورد في نبوءة (ميخا ٣: ١٢). ومما لا شك فيه أن نبوءة ميخا هذه قد أوجدت ثوراناً عظيماً في أفكار الشعب عندئذ (راجع إرميا ٢٦: ١٨ وأيضاً ٢ وثم تثنية ٢٨: ٢٦). الأمر المهم في نظر المرنم هو كيف تطاولوا على الدخول إلى البلاد التي هي ميراث من رب الجنود بل كيف نجسوا الهيكل واستباحوه وجعلوا خربه أكواماً وليس من ينقذ.
(٢) وقوله «دفعوا جثث عبيدك» أي جثث أولئك الشهداء الذين ماتوا في سبيل دينهم وبلادهم. لقد تركت تلك الجثث في العراء لا يهتم أحد بأن يجمعها ويدفنها حتى جاءت طيور السماء وأكلتها وهذا منتهى العار في نظر الأقدمين لا سيما إذا تذكرنا أن الله يجمع الجثث ويعيدها ذاتها للحياة ولكن الآن فإن هؤلاء القتلى لم يعد لهم أي أمل بالعودة والقيامة من الموت كما أن وحوش الأرض ذاتها قد شاركت في هذه الوليمة العظيمة.
«٣ سَفَكُوا دَمَهُمْ كَٱلْمَاءِ حَوْلَ أُورُشَلِيمَ وَلَيْسَ مَنْ يَدْفِنُ. ٤ صِرْنَا عَاراً عِنْدَ جِيرَانِنَا، هُزْءاً وَسُخْرَةً لِلَّذِينَ حَوْلَنَا. ٥ إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَغْضَبُ كُلَّ ٱلْغَضَبِ وَتَتَّقِدُ كَٱلنَّارِ غَيْرَتُكَ؟ ٦ أَفِضْ رِجْزَكَ عَلَى ٱلأُمَمِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَكَ وَعَلَى ٱلْمَمَالِكِ ٱلَّتِي لَمْ تَدْعُ بِٱسْمِكَ. ٧ لأَنَّهُمْ قَدْ أَكَلُوا يَعْقُوبَ وَأَخْرَبُوا مَسْكَنَهُ».
(٣) بل قد استباحوا سفك دمائهم ومن كثرتها أصبحت تجري كالماء وهي مسفوكة حول أورشليم أي من كل جانب فإن هذا الويل العظيم قد أحاق بشعب الله فنكل بهم العدو أعظم تنكيل وجعلهم يحتارون كيف ينجون وفي أية جهة يذهبون لأنه قد سدت في وجوههم كل سبل الخلاص. وفي نظر المرنم كان هذا المصاب مؤثراً للغاية إذ لم يكن أحد يدفن هؤلاء القتلى بل قد تركوا معرضين لأبشع التعديات وأفظعها إن كان من طيور السماء أو من وحوش البرية ولا يوجد من يشفق.
(٤) وقد زاد في آلام المرنم صرخته بالعار واعتباره أن شعبه قد أصبح هزءاً وسخرة أمام الجميع. إن آلام الجسد لا تقاس شيئاً بالنسبة لآلام الروح. فقد سقطت الهمة وذهب العزم وفسد كل شيء أمامهم. وإذا بأولئك الجيران الذين كانوا بالأمس عبيداً أذلاء إذا بهم يتعظمون عليهم ويفتخرون وإذا حسبنا هذا الكلام ينطبق على الغزو الكلداني فالأعداء هم الأدوميون.
(٥) إلى متى؟ هذا هو السؤال الخطير إلى متى تشتعل كالنار غيرة الرب ضد شعبه الذين عصو أوامره وساروا في طرق رديئة وهكذا استحقوا مثل هذا الغضب (راجع تثنية ٣٢: ٢٢).
(٦) أما حان الوقت إن هذا الغضب الذي يظهره الرب ضد شعبه يتحول الآن ضد أولئك الأمم الذين قد عظموا الاضطهاد ضد مختاريه وأذاقوهم العذاب أشكالاً وألواناً. أليس هؤلاء الشعوب أنفسهم أحق بالقصاص والعقاب أكثر كثيراً من شعبك الذي أذللته. وكما قلنا سابقاً فإن هذا العدد والذي بعده مأخوذان من (إرميا ١٠: ٢٥).
(٧) هذه الممالك الغريبة التي لم تعرف اسمك ولم تدع به بل عاشت وثنية غريبة هل يجوز لهذه أن تصول وتطول على هذه الصورة المؤسفة. هوذا هم قد فتكوا بالشعب فتكاً ذريعاً وأكلوه كما يأكل الإنسان خبزاً أو بعض المأكولات وتجرأوا بعد ذلك على أن يخربوا مساكن الناس ويطردوهم ويشردوهم إلى كل ناحية (انظر إشعياء ٥: ٢٦ و١٧: ١٣). وإن يكن إن هذا القصاص الصارم قد جرى على شعب إسرائيل نتيجة عصيانهم وتعديهم على أوامر الله.
«٨ لاَ تَذْكُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَ ٱلأَوَّلِينَ. لِتَتَقَدَّمْنَا مَرَاحِمُكَ سَرِيعاً لأَنَّنَا قَدْ تَذَلَّلْنَا جِدّاً. ٩ أَعِنَّا يَا إِلٰهَ خَلاَصِنَا مِنْ أَجْلِ مَجْدِ ٱسْمِكَ، وَنَجِّنَا وَٱغْفِرْ خَطَايَانَا مِنْ أَجْلِ ٱسْمِكَ. ١٠ لِمَاذَا يَقُولُ ٱلأُمَمُ: أَيْنَ هُوَ إِلٰهُهُمْ؟ لِتُعْرَفْ عِنْدَ ٱلأُمَمِ قُدَّامَ أَعْيُنِنَا نَقْمَةُ دَمِ عَبِيدِكَ ٱلْمُهْرَاقِ. ١١ لِيَدْخُلْ قُدَّامَكَ أَنِينُ ٱلأَسِيرِ. كَعَظَمَةِ ذِرَاعِكَ ٱسْتَبْقِ بَنِي ٱلْمَوْتِ».
(٨) يمكننا أن نرى هنا بدء الارتداد للتوبة فالمرنم يرجو الله أن لا يحسب على الشعب ما ارتكبه آباؤهم. ذلك لأن هؤلاء الأبناء قد ارتدعوا عن غي آبائهم وتعديهم وعادوا يطلبون الله (انظر قضاة ٦: ٦) ولا يعني المرنم أن يبرر هؤلاء البنين من الذنب الموروث بل يطلب العفو والرحمة والرضا (انظر تثنية ٢٤: ١٦ و٢ملوك ١٤: ٦ وحزقيال ١٨: ٢٠). فهو يصلي صلاة التوبة كما يطلب المغفرة للأولين أيضاً.
(٩) إن الله في نظر المرنم لا يرضى أن تسود الأمم طويلاً على شعبه إذ هو يستعملهم كقضيب يضرب بهم أولاده لكي يرجعوا ويتوبوا ومتى تم له هذا الأمر يرمي هذا القضيب من يده جانباً ويعود لأولاده كالسابق. وهذا العدد يحرك العواطف القلبية بطلب العون والإسعاف ولا سيما فإن هذا الطلب ليس لأن الشعب يستحق بل لأن اسم الله وحده يستحق كل شيء. هو طلب لأجل غفران الخطايا ليس إلا ومتى تاب الشعب يعود الله راحماً.
(١٠) هل يسمح الله أن يتبجح هؤلاء الأمم العتاة الظالمون حتى يقولوا أين هو إلههم المعين؟ نعم إن الله يريد أن يقاص شعبه ولكنه تعالى لا يريد أن يتصرف هؤلاء بصلف زائد حتى يكفروا بالله ولا يعودوا للرشاد ويحسبوا له كل حساب أولاً. بل إن الله لا شك سيعود للرضا على شعبه وحينئذ فإنه ينتقم من أجل دم عبيده المهراق كأنه ماء مسكوب وليس دماً زكياً يريد الله الاحتفاظ به وتكريمه (راجع خروج ٣٢: ١٢ وقابله مع العدد ١٤: ١٣ - ١٧ وتثنية ٩: ٢٨ وأيضاً يوئيل ٢: ١٧).
(١١) إن هذا الاستعطاف يشبه كثيراً ما ورد في (مزمور ١٠٢: ٢١ وقابله مع مزمور ١٨: ٧). لا يزال عدد كبير من الأسرى في يد الأعداء وهم ينتظرون الموت ساعة بعد أخرى لذلك يسميهم «بني الموت». إذ لم يكن شيء من الرحمة في قلب المنتصر على الأسير المسكين. ولكن هوذا الله وحده يسمع أنينه ويرثي لحاله ويمد ذراعه وينتشله مما هو فيه ولا يبقيه قط في هذه الآلام العظيمة المبرحة. ذلك لأن ذراع الله وحدها تديره لذلك فلتقصر كل ذراع يمده العدو مهما طالت.
«١٢ وَرُدَّ عَلَى جِيرَانِنَا سَبْعَةَ أَضْعَافٍ فِي أَحْضَانِهِمِ ٱلْعَارَ ٱلَّذِي عَيَّرُوكَ بِهِ يَا رَبُّ. ١٣ أَمَّا نَحْنُ شَعْبُكَ وَغَنَمُ رِعَايَتِكَ نَحْمَدُكَ إِلَى ٱلدَّهْرِ. إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ نُحَدِّثُ بِتَسْبِيحِكَ».
(١٢) يطلب أن يرد النقمة على رأس هؤلاء الجيران سبعة أضعاف. إذ قد يكون لهؤلاء الأعداء العتاة البعيدين بعض العذر في ظلمهم وتجنيهم على شعب الله ولكن هؤلاء الجيران الذين شاهدوا أعمال رب إسرائيل واختبروا قدرته مدى السنين فأي عذر لهم؟ هؤلاء بالحق يستحقون أن يقتص الرب منهم على نسبة شرورهم هذه. ولينالوا هذا القصاص في أحضانهم أي في أعز مكان لديهم. فبدلاً من أن ينالوا منهوبات الغنائم التي يضعونها في أحضانهم ويضمونها في صدورهم ليكن لهم العار فيرجع ما عيروا الله به إلى نحورهم وصدورهم لأنهم قد تطاولوا أكثر مما يستطيع الإنسان احتماله. والحضن هو المكان الذي يختزن به الإنسان ما يسلم إليه (انظر لوقا ٧: ٣٨ وأيضاً إشعياء ٦٥: ٦ و٧ وإرميا ٣٢: ١٨). والعدد سبعة هو عدد مقدس كامل (انظر تكوين ٤: ١٥ و٢٤).
(١٣) والسبب الذي يلتمس به هذا الالتماس برجوع الرب إلى شعبه هو بالنسبة لتلك العلاقة المتينة الكائنة بينه وبينهم والتي لا تتغير أبداً وإن مرّ الزمان وجرى ما لم يكن في الحسبان فهي أمور وقتية لا بد أن تزول بزوال أسبابها. هم غنم رعاية الرب فقد ضلوا وشردوا والآن يريدون الرجوع. لقد ابتعدوا عن الوطن زمناً ولكنهم يلجأون من براري الحياة ومجاهلها إلى مواطن الأمن والسلام. ذلك لأنهم يعودون للحمد الأبدي فهم الذين يعبدونه بالحق ويتسمون باسمه ويتبعون شريعته وإن كان في الماضي قد أغفلوها مهملين فليس ذلك إلا إلى حين. وليكن أن كل حديث يتناول موضوع التسبيح للرب حتى إلى دور فدور ولا نصمت إلى أن يكون القلب واللسان معاً في طاعة الله وحسب مشيئته.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّمَانُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى اَلسَّوْسَنِّ. شَهَادَةٌ. لآسَافَ. مَزْمُورٌ


«١ يَا رَاعِيَ إِسْرَائِيلَ ٱصْغَ، يَا قَائِدَ يُوسُفَ كَٱلضَّأْنِ، يَا جَالِساً عَلَى ٱلْكَرُوبِيمِ أَشْرِقْ. ٢ قُدَّامَ أَفْرَايِمَ وَبِنْيَامِينَ وَمَنَسَّى أَيْقِظْ جَبَرُوتَكَ وَهَلُمَّ لِخَلاَصِنَا. ٣ يَا اَللّٰهُ أَرْجِعْنَا وَأَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ».
هذه صلاة قلبية من أجل الكرمة التي هي إسرائيل. يبدأ المرنم كلامه مخاطباً راعي إسرائيل لافتاً نظره إلى حالة القطيع وما يتحمله من مشقات. قد انتهى المزمور السابق بقول «نحن شعبك وغنم رعايتك» وهنا يتابع هذه الصورة المؤثرة ويخاطب هذا الراعي بما فيه العطف والشفقة على الرعية. ومما هو جدير بالذكر أنه يذكر أسباط أفرايم وبنيامين ومنسى في العدد الثاني ولا يذكر بقية الأسباط ولعل ذلك إشارة إلى سقوط مملكة الشمال بيد الأشوريين الذين يسميهم (خنزير الوعر). لقد حاولت مملكة السامرة (الشمال) محاولات كثيرة بواسطة تعاونها مع دمشق والسوريين أن تنجو من الخطر المحدق بها ولكن على ما يظهر كان ذلك عبثاً وإذا بها تخضع خضوعاً تاماً لتلك السيطرة الماحقة التي سادت العالم عندئذ وكان ذلك في السنة السادسة لملك حزقيا. والأرجح أنه مزمور كتب قبل السبي البابلي وهو شبيه جداً بالمزامير المنسوبة لآساف حتى نتساءل من هو آساف هذا. أتراه أحد الرعية في سبطي أفرايم ومنسى؟ ونجد في هذا المزمور ثلاثة تكرارات للعبارة «ارجعنا وأنر بوجهك فنخلص» وهذا دليل على الضيق المستحوذ حتى يصيح المرنم من أعماق نفسه طالباً النجدة والخلاص.
(١) لا يحوي هذا العدد الأول سوى الاستعطاف فهو يدعو شعب الله إسرائيل وينسى بذلك الانقسامات التي شطرت الأمة شطرين وهكذا يعود بالذاكرة إلى الأيام القديمة وإلى الجد الأول الذي يضم جميع الأسباط. وبعد ذلك يدعو الله قائد يوسف وهو جد آخر بعد يعقوب يجمع إليه شمل أفرايم ومنسى. هذا الإله القديم الأيام الجالس على الكروبيم وهو أيضاً قبل جميع أولئك الجدود.
(٢) يطلب المرنم نجدة ونوراً ينير السبيل أمام هؤلاء الصارخين بطلب العون الإلهي ويسميهم حسب أسباطهم بأسماء. ومن المناسب أن نذكر هنا أن يعقوب حينما بارك ولده يوسف فيدعو الله راعيا (انظر تكوين ٤٨: ١٥ و٤٩: ٢٤) هنا يطلب من الله أن يظهر بجبروته ويستخدم سلطانه ويسرع بالنجدة والخلاص لقد طفح كيل الأعداء ولا يطيق الشعب أي احتمال فيما بعد.
(٣) يطلب إلى الله أن يضع نوره ويظهر بمجده ويبدد أعداءه الذين يحيطون بشعبه ويضايقونهم. لا يقصد المرنم بقوله ارجعنا كإنما الشعب قد سبي عن بلاده وشرد في أقاصي الأرض بل يقصد أن هذا الشعب المنكوب المغلوب على أمره يعود فينهض للحياة والحرية مرة أخرى ولا يعرف أي سلطان سوى يهوه رب الجنود إله الآباء والجدود.
«٤ يَا رَبُّ إِلٰهَ ٱلْجُنُودِ، إِلَى مَتَى تُدَخِّنُ عَلَى صَلاَةِ شَعْبِكَ؟ ٥ قَدْ أَطْعَمْتَهُمْ خُبْزَ ٱلدُّمُوعِ وَسَقَيْتَهُمُ ٱلدُّمُوعَ بِٱلْكَيْلِ. ٦ جَعَلْتَنَا نِزَاعاً عِنْدَ جِيرَانِنَا، وَأَعْدَاؤُنَا يَسْتَهْزِئُونَ بَيْنَ أَنْفُسِهِمْ. ٧ يَا إِلٰهَ ٱلْجُنُودِ أَرْجِعْنَا، وَأَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُص. ٨ كَرْمَةً مِنْ مِصْرَ نَقَلْتَ. طَرَدْتَ أُمَماً وَغَرَسْتَهَا».
(٤) يستعمل هنا كل أسماء الله التي يعرفها المرنم ضارعاً مسترحماً لكي لا يظل مدخناً على صلاة شعبه. والدخان هنا يقصد به ما يخرج من أنف الله دليلاً على غضبه (راجع مزمور ٧٤: ١ وتثنية ٢٩: ١٩ و٢٠) أي لماذا لا تزال تقسو على شعبك ولا ترحمهم؟ لماذا لا ترجع فتضمهم إليك مرة أخرى؟ إلى متى يسأل بها نهاية لهذه الأحزان والمتاعب.
(٥) لا سيما وإن هذا الشعب قد تحمل من الآلام ما لا يطاق وإلى زمان طويل حتى وهو في صيامه كان يبكي حتى تصبح هذه الدموع قوته اليومي بل حتى يضطر أن يشربها بدلاً من الماء (انظر مزمور ٤٢: ٤). ذلك هو خبز الدموع وماء الدموع تصبح قوتاً وشراباً.
(٦) وهكذا اشتدت الحالة المؤسفة سوءاً حتى أصبحوا سبب نزاع لدى الجيران. وهؤلاء الجيران هم الأمم المجاورة الذين جاءوا للفتك بنا والحط من كرامتنا وهكذا تنازعوا بين أنفسهم علينا بل كنا سبب هزء وسخرية لهم لا يهمهم أمرنا إلا على مقدار ما يربحون ويستفيدون وهكذا لقد انحط شأننا وساء مصيرنا حتى أصبح هؤلاء الجيران يتحكمون بنا ويعاملوننا بكل احتقار.
(٧) ولكن ما أجمل هذا الالتفات لله. فبعد أن ييأس من حالة هؤلاء الناس الذين لا يهمهم أمرنا إلا على مقدار مصالحهم الذاتية أي تلطف بنا بعد ولا تتركنا بل انظر إلينا بضياء وجهك فنهتدي ولا تدخن علينا بنار أنفك فنهلك. إن الحاجة ماسة للرجوع إلى الله والسير في سبله وهكذا ننجو مما نحن فيه مهما اشتدت علينا النكبات واستحكمت الظلمات أنر لنا يا رب فنخلص.
(٨) إذا رجعنا مرة أخرى إلى بركة يعقوب ليوسف (راجع تكوين ٤٩: ٢٢). نجده هناك أغصان قد ارتفعت فوق حائط. لقد نما وتقدم في مصر وكان سبباً لنجاة إخوته. ولكن الله قد أخذ هذه الكرمة وغرسها في مكان جديد بعد أن طرد أمماً كثيرة من وجهها ووضعها مكانها وهذا منتهى الرضا والرحمة إذ ستنمو عظيمة جداً في أرض الموعد حيثما وعد الله بها ميراثه لإبراهيم ونسله إلى الأبد.
«٩ هَيَّأْتَ قُدَّامَهَا فَأَصَّلَتْ أُصُولَهَا فَمَلأَتِ ٱلأَرْضَ. ١٠ غَطَّى ٱلْجِبَالَ ظِلُّهَا وَأَغْصَانُهَا أَرْزَ ٱللّٰهِ. ١١ مَدَّتْ قُضْبَانَهَا إِلَى ٱلْبَحْرِ وَإِلَى ٱلنَّهْرِ فُرُوعَهَا. ١٢ فَلِمَاذَا هَدَمْتَ جُدْرَانَهَا فَيَقْطِفَهَا كُلُّ عَابِرِي ٱلطَّرِيقِ؟ ١٣ يُفْسِدُهَا ٱلْخِنْزِيرُ مِنَ ٱلْوَعْرِ وَيَرْعَاهَا وَحْشُ ٱلْبَرِّيَّةِ!».
(٩) إن هذه الكرمة التي أخذت من محل ونصبت في محل آخر قد نجحت كثيراً وإذا بها قد بعثت أصولها إلى أعماق التربة وامتدت وعظمت جداً. والفضل في ذلك إلى الله ذاته الذي أعد لها تربة صالحة غير صخرية ولا مجدبة وهكذا فإن المملكة الإسرائيلية قد امتدت إلى كل جهة من المكان الذي نزلت فيه حسب إتمام الوعد الإلهي.
(١٠ و١١) فامتدت إلى الجبال جنوباً وغطى ظلها حتى تلك الأماكن العالية كما أنها قد أرسلت أغصانها حتى أرز الله (لبنان). وهذا من جهة الشمال. كما وأنها قد مدت قضبانها إلى البحر المتوسط من الجهة الغربية وأما من الشرق فقد اتصلت بالنهر العظيم الفرات (راجع تثنية ١١: ٢٤). لقد كثرت هذه الكرمة حتى ملأت الجبال منتشرة إلى كل ناحية وما أجمل الكروم تراها حتى الآن ممتدة على التلال المختلفة جلا بعد جل دليل نموها وازدهارها. وهو أرز الله أو أرز الرب لأنه دليل على قدرة الله الحية فهو ينمو على أعالي الجبال إشارة دائمة للعظمة والجلال. ومع ذلك فإن هذه الكرمة قد تسلقت إلى أعالي تلك الأشجار العظيمة وغطتها حتى لم تعد ترى بل تظهر الكرمة فوقها فقط. وقديماً وحتى الآن تنمو العرائش على هذه الصورة.
(١٢) هنا يعود المرنم يسأل هذا السؤال الخطير لماذا إذاً هدمت جدرانها حتى لم تعد مصونة من أقدام العابثين والسارقين. كيف سمحت أن تمتد إليها أيدي عابري الطريق فلا يرعون لها حرمة ولا يحفظون ذماماً. إن حالتها الحاضرة مما يحير عقل المفكر المنصف إذ كيف أنك يا رب بعد أن اعتنيت هذه العناية العظيمة فأصبحت كرمة عظيمة مثمرة بل امتدت حتى أصبحت كرماً كبيراً ذا نفع جزيل فكيف تمتهن حقوقها ويذهب مركزها عبثاً.
(١٣) الأرجح أن خنزير الوعر هو إشارة لدولة أشور كما أسلفنا من قبل أو ربما أي معتدٍ يستطيع كالوحش البري أن يعتدي على ثمرها وينتهك حرمتها ويفسدها ويذهب برونقها ونفعها وهو حيوان يعيش في البراري والوعور ولكنه يسطو على الحقول ويأكل ما يجده أمام وجهه غير مشفق على نمو الكرمة ولا يهمه تقدمها. وكم الفرق عظيم بين رعايتها بيد الله وبين هذه الرعاية التي لا تبقي منها شيئاً.
«١٤ يَا إِلٰهَ ٱلْجُنُودِ ٱرْجِعَنَّ. ٱطَّلِعْ مِنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱنْظُرْ وَتَعَهَّدْ هٰذِهِ ٱلْكَرْمَةَ ١٥ وَٱلْغَرْسَ ٱلَّذِي غَرَسَتْهُ يَمِينُكَ، وَٱلٱبْنَ ٱلَّذِي ٱخْتَرْتَهُ لِنَفْسِكَ. ١٦ هِيَ مَحْرُوقَةٌ بِنَارٍ، مَقْطُوعَةٌ. مِنِ ٱنْتِهَارِ وَجْهِكَ يَبِيدُونَ. ١٧ لِتَكُنْ يَدُكَ عَلَى رَجُلِ يَمِينِكَ وَعَلَى ٱبْنِ آدَمَ ٱلَّذِي ٱخْتَرْتَهُ لِنَفْسِكَ، ١٨ فَلاَ نَرْتَدَّ عَنْكَ. أَحْيِنَا فَنَدْعُوَ بِٱسْمِكَ. ١٩ يَا رَبُّ إِلٰهَ ٱلْجُنُودِ أَرْجِعْنَا. أَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ».
(١٤) مرة أخرى يلتفت إلى الله ويلتمس منه أن يعود فيتعطف برحمته ويحنو عليها بعنايته. وهنا نجد ثلاث درجات يتدرح بها هذا الإله المحب العطوف. أولاً يطلب منه أن يرجع ولا يبقى معرضاً ولا بعيداً وثانياً يطلب منه أن يطلع ويتطلع من مكان سكناه في الأعالي وثالثاً ينظر متعهداً هذه الكرمة إذ لا يكفي أن يتطلع بل أن يعقب تطلعه ما فيه النظر والعناية بحالة هذه الكرمة لئلا تهلك ويعفو أثرها.
(١٥) ذاك لأنه غرس مغروس بيد الله هو ليس شيئاً برياً ينبت من نفسه ويضمحل من نفسه أيضاً بل هو معتنى به من قبل ولا يعيش إلا بمثل هذه العناية كما هي الحالة بالأشجار المثمرة كلها فهي تنمو وتثمر على نسبة العناية والأكلاف التي تبذل في سبيلها. وهنا يترك المجاز (الكرمة) ويأتي للكلام الحقيقي ويطلب لهذا الابن أن يكون برعاية أبيه أيضاً كابن مختار.
(١٦) ثم ينتقل مرة أخرى للمجاز فيعود للكرمة ويقول عنها أنها محروقة ومقطوعة وهي كذلك هذه المرة ليست من العدو بل من الله ذاته الذي غضب على شعبه وقاصهم هذا القصاص الصارم. فقد انتهرهم وهكذا بادوا من أمام وجهه ولكنه إذا رضي عنهم يعودون.
(١٧) لا سيما وإسرائيل هو ابن لهذا الإله المحب الذي عاهده منذ القديم فلا ينساه الآن هو رجل يمينه الذي يتكل عليه (خروج ٤: ٢٢ وهوشع ١١: ١) فكما أن اسمه بنيامين فهو يجب أن يكون يميناً لله يتكل عليه ويثق به بعد.
(١٨) لذلك نحن لا نرتد عنك وإن كنت يا رب قد انتهرتنا بأن لم تعطنا وجهك بل دخنت علينا بغضبك ولكن هذا كله إلى حين. عدّ يا رب واعطنا حياة ولتعد هذه الكرمة لكي تنبت من جديد قبل فوات الآوان. وحينئذ متى عدت إلينا بالرضا ندعو باسمك ونحمده إلى الأبد.
(١٩) وأخيراً يختم بهذه الآية المتكررة ثلاث مرات كما رأينا في هذا المزمور ومما يجب أن ننتبه إليه هو أن الله يرضى علينا أولاً ويرجعنا إليه فنغير اتجاهنا عن الشر والفساد ونلتفت إلى نبع الخلاص والرشاد. وهكذا فإن الظلمة تتبدد من حياتنا ونعيش بنور الله وخلاصه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي وَٱلثَّمَانُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ٱلْجَتِّيَّةِ. لآسَافَ


«١ رَنِّمُوا لِلّٰهِ قُوَّتِنَا. ٱهْتِفُوا لإِلٰهِ يَعْقُوبَ. ٢ ٱرْفَعُوا نَغْمَةً وَهَاتُوا دُفّاً، عُوداً حُلْواً مَعَ رَبَابٍ. ٣ ٱنْفُخُوا فِي رَأْسِ ٱلشَّهْرِ بِٱلْبُوقِ عِنْدَ ٱلْهِلاَلِ لِيَوْمِ عِيدِنَا».
يحيي هذا المزمور احتفالات عيد الفصح عند الإسرائيليين ويغتنمها فرصة لكي ينبه الأفكار إلى وجوب الارتداد إلى الله وسماع صوته والرضوخ لفرائضه وإرشاداته. ويعود بالذاكرة إ لى التاريخ فيذكر (راجع مزمور ٨٠: ٩ وقابله مع ما ورد في العدد ١٠ من هذا المزمور). ولا شك أن ارتباط هذا المزمور بسابقه هو ارتباط وثيق نضم إليهما ٧٨ أيضاً. وما هو جدير بالذكر أن المرنم يقطع حديثه في جميعها بصورة مقتضبة مفاجئة بعد أن يصعد لأسمى الأفكار ويغوص في عمق المعاني إذا به ينتقل بسرعة إلى النهاية دون أن يعود للنقطة التي ابتدأ بها. وهو يذكر يوسف بالأكثر وينتقل بسرعة إلى أشخاص عديدين وهذا مما يعرف بالالتفات في البيان (راجع ميخا ٦: ١٥ وما يليه).
حسب العادات القديمة يخص هذا المزمور رأس السنة الجديدة (نيسان) (راجع سفر العدد ٢٩: ١) وبالتالي فهو يتناول أقدس التذكارات التي تشير للفصح اليهودي (حزقيال ٢٣: ١٦ و٣٤: ٢٢).
(١) هي دعوة موجهة إلى عموم الناس أن يرفعوا أصواتهم بالتهليل والنشيد. والهتاف بقوله «اهتفوا» ليس ضرورياً أن يكون بالبوق بل الأرجح هي الهتافات الصوتية الخارجة من قلوب مترنمة فرحانة (راجع عزرا ٣: ١١) وهذا الترنيم والهتاف هو لله لإله يعقوب الذي فدى شعبه وهم خاصته ولذلك عليهم أن يخصوه بهذا التسبيح.
(٢) يلتفت بعد ذلك إلى اللاويين المخصصين للترنيم في خدمة الهيكل والقيام بالعبادة المقدسة (راجع ٢ أخبار ٥: ١٢) كما وأنه في العدد الثالث يلتفت للكهنة ويطلب منهم أن ينفخوا بالأبواق كما هي عادتهم في رأس الشهر والأعياد هؤلاء اللاويون يذكر عنهم أنهم يستعملون هذه الآلات الدف والعود والرباب. لذلك كانوا يعزفون بشكل أجواق تتناوب الخدمة بترتيب (راجع ٢أخبار ٣٠: ٢١).
(٣) يخاطب الكهنة كما رأينا ويطلب منهم أن ينفخوا بالأبواق في رأس الشهر إيذاناً باقتراب العيد ويذهب ديلتش (راجع المجلد ٢ صفحة ٢٩٤) إلى ترجمة الكلمة العبرانية «البدر» بدلاً من الهلال ويخالف بذلك الكثيرين من الثقات. والمهم في الأمر أن هذه الدعوة إن كان لعامة الشعب أو اللاويين والكهنة إنما هي لكي يبدأوا العيد بما هو واجب التسبيح والتمجيد لصاحبه وهو إله إسرائيل.
«٤ لأَنَّ هٰذَا فَرِيضَةٌ لإِسْرَائِيلَ، حُكْمٌ لإِلٰهِ يَعْقُوبَ. ٥ جَعَلَهُ شَهَادَةً فِي يُوسُفَ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ. سَمِعْتُ لِسَاناً لَمْ أَعْرِفْهُ. ٦ أَبْعَدْتُ مِنَ ٱلْحِمْلِ كَتِفَهُ. يَدَاهُ تَحَوَّلَتَا عَنِ ٱلسَّلِّ. ٧ فِي ٱلضِّيقِ دَعَوْتَ فَنَجَّيْتُكَ. ٱسْتَجَبْتُكَ فِي سِتْرِ ٱلرَّعْدِ. جَرَّبْتُكَ عَلَى مَاءِ مَرِيبَةَ. سِلاَهْ. ٨ اِسْمَعْ يَا شَعْبِي فَأُحَذِّرَكَ. يَا إِسْرَائِيلُ، إِنْ سَمِعْتَ لِي».
(٤) هنا يشرع المرنم بشرح هذا الأمر بأكثر دقة فيخبرنا كيف أن الله جعله فريضة أبدية تذكاراً للخلاص الذي أعده على يد موسى عبده فهو فريضة لأن ذلك يتناول الناحية القانونية وهو حكم لأن لا مجال في الاختيار أو عدمه إذ هو معين ومرتب بأمر إلهي. فإذاً أصبح أن إسرائيل هو الذي أخذ هذا التشريع من يد الله ذاته وهذا يعود بنا لتاريخ الخروج من أرض مصر.
(٥) نجد واضحاً بذكره هنا أرض مصر فقد خرج الله عليها بالضربات التي تستحقها وفي الوقت ذاته قد نجّى الله شعبه (راجع خروج ١٢: ٢٧) وهذا الشعب عندئذ قد سمع صوتاً لم يفهمه جيداً مع أنه صوت الله الذي كلمه بفم عبده موسى. وقد يكون المعنى أيضاً أن شعب إسرائيل بمكوثه في مصر سمع لساناً هناك ولكنه لم يتعلمه جيداً بل بقي غريباً عنه حتى منّ الله عليه بالخروج فخرج ليعبد إلهه وقد جعل هذا التذكار شهادة أبدية للحدث.
(٦) يعود بالتذكار إلى أرض مصر كيف أن الله قد أعان شعبه ليحتمل الاضطهاد ويخفف عنه الأثقال التي وضعها المصريون عليه. لذلك فقد أبعد كتفه عن الحمل كما حوّل يده عن السل الذي يجلب به الطين واللبن للبناء الذي فرضه فرعون عليهم (انظر خروج ١: ١٤ و٧ وما بعده).
(٧) من حالة العبودية تلك ومن أشد أوقات الضيق قد دعا الشعب إلهه مستنجداً فكانت له النجدة إذ مدّ يده بواسطة العجائب التي صنعها عبد الرب موسى على البحر الأحمر فهداهم بعمود السحاب وفي الوقت ذاته سترهم عن أعين أعدائهم لكي لا يستطيعوا اللحاق بهم. وهنا يشير أيضاً كيف أن الرب كان يتجلبب بالسحاب ويرسل البرق والرعود على جبل سيناء حتى خاف الشعب وطلبوا من موسى أن يكلم الله وحده ويعفيهم هم أنفسهم. بل كان لهم الامتحان على مياه مريبة حينما أعطاهم الله ماء ليشربوا. وينتهي بارتفاع الموسيقى.
(٨) هنا يبدأ بالتحذير والوعظ بعد أن ذكر بالتاريخ الماضي وما فعله الله مع شعبه من عظائم. يريد من شعبه فقط أن ينتبه وأن يسمع وحينئذ يكون له التحذير الكافي وفي التكرار بقوله يا شعبي ثم يا إسرائيل من قبيل عطف البيان لكي يزيد النداء رسوخاً في النفس حتى لا ينسى أبداً.
«٩ لاَ يَكُنْ فِيكَ إِلٰهٌ غَرِيبٌ، وَلاَ تَسْجُدْ لإِلٰهٍ أَجْنَبِيٍّ. ١٠ أَنَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ ٱلَّذِي أَصْعَدَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. أَفْغِرْ فَاكَ فَأَمْلأَهُ. ١١ فَلَمْ يَسْمَعْ شَعْبِي لِصَوْتِي، وَإِسْرَائِيلُ لَمْ يَرْضَ بِي. ١٢ فَسَلَّمْتُهُمْ إِلَى قَسَاوَةِ قُلُوبِهِمْ لِيَسْلُكُوا فِي مُؤَامَرَاتِ أَنْفُسِهِمْ».
(٩) وأما موضوع التحذير فهو خطير جداً إذ ينهاهم عن العبادة الوثنية والسجود لآلهة صنمية كانت عبادتها دارجة في تلك الأيام. لقد كان أهم ما ورد في سيناء هو تأكيد العلاقة والعهد بين الرب وشعبه لذلك فهو يذكرهم مرة أخرى بهذا العهد الذي قطعه آباؤهم من قبل وعليهم أن يقوموا به بكل أمانة ليظلوا شعبه الخاص لئلا يصبحوا غرباء وأجانب إذا انغمسوا في تلك العبادة الغريبة الأجنبية.
(١٠) يكرر هنا فاتحة الوصايا العشر (راجع خروج ٢٠) فيؤكد عدم عبادة إله غريب أو أجنبي لأن مثل هذه العبادة هي أساس للكفر بالله وبنعمه وقطع للعلاقات الكريمة بين الرب وشعبه. يذكر الشعب بالبركات التي يمنحها كالمن والسلوى وكل ما يطلبه منه أن يغفر فاه فقط لكي يملأه بهذا الخير. إذاً فالشرط الأولي لنوالنا خيرات الله هو استعدادنا أن نقبلها بالطاعة والشكر. علينا أن نفعل ما يفعله الطفل الصغير لدى رضاعته ثدي أمه وحينئذ فالشبع يأتيه حينما يفغر فمه لقبول اللبن. فلنكن إذاً طالبين للرحمة متعطشين لنيل الخلاص.
(١١) هنا يأخذ الكلام اتجاهاً آخر وفيه مسحة واضحة من الكآبة والحزن فقد عصى هذا الشعب أمر الله ولم يرض به إلهاً. وهكذا رفض الشرائع والوصايا التي تسلمها وبذلك خسر المواعيد الإلهية التي وعدوا بها إذ لم يعودوا مستحقين لها أبداً. إسرائيل لم يرض (راجع إشعياء ١: ٣ كذلك تثنية ١٣: ٩).
(١٢) وبعد ذلك جاءتهم النتيجة القاسية ولكنها نتيجة طبيعية معقولة لا يمكن أن يكون غير ذلك. إن الله الرحيم هو عادل أيضاً وهكذا فإن شريعته لا بد أن تتمم فإذا خالفنا كلامه فنحن النادمون. يقول «سلمتهم إلى قساوة قلوبهم...» إذاً فالقساوة قد خرجت منهم ولذلك عليهم أن يحتملوا ما جنته أيديهم ولا يستطيعون أن يتذمروا لو كانوا يعقلون إذ أن الحكم عليهم بما أصابهم فهم الذين قد حكموا به وحاشا لله أن يحكم عليهم بسوى العدل والإنصاف. فقد سلكوا في معاصيهم إذ أن قساوة القلب يتبعها بعد ذلك القساوة في العمل (راجع إشعياء ٦٥: ٢ وقابله مع إرميا ٧: ٢٤ وكذلك مع ميخا ٦: ١٦).
«١٣ لَوْ سَمِعَ لِي شَعْبِي وَسَلَكَ إِسْرَائِيلُ فِي طُرُقِي، ١٤ سَرِيعاً كُنْتُ أُخْضِعُ أَعْدَاءَهُمْ، وَعَلَى مُضَايِقِيهِمْ كُنْتُ أَرُدُّ يَدِي. ١٥ مُبْغِضُو ٱلرَّبِّ يَتَذَلَّلُونَ لَهُ، وَيَكُونُ وَقْتُهُمْ إِلَى ٱلدَّهْرِ. ١٦ وَكَانَ أَطْعَمَهُ مِنْ شَحْمِ ٱلْحِنْطَةِ، وَمِنَ ٱلصَّخْرَةِ كُنْتُ أُشْبِعُكَ عَسَلاً».
(١٣) إن كلمة لو هنا شديدة وقاسية فهي نفي لوجود إذ أن هذا الشعب لم يسمع ولم يسلك كما يريد إلهه. إذاً فهنا باب للعتب والملام. لقد ذهب العهد مع الله باطلاً ولم يحفظوا فرائضه وأحكامه ولم يمشوا حسب أوامره. هم زرعوا الأسباب وعليهم أن يحصدوا النتائج وأي حق لهم على ولي أمرهم طالما هم الذين تركوه أولاً. كان المنتظر منهم غير الذي فعلوه وهكذا حدث لهم ما لم ينتظروه بالنسبة لغلاظة قلوبهم وتحجر ضمائرهم وتركهم للرب الإله الذي ذهبت عجائبه فيهم عبثاً.
(١٤ و١٥) لو أطاع الشعب إلهه لكان منتصراً على الأعداء ظافراً ضد كل المضايقين والكائدين له شراً وهكذا كان الرب يرّد يده مرة أخرى كما مدّها قديماً ضد مصر وجميع جندها. وهكذا يصبح هؤلاء الأعداء متذللين لا يقوون على الصمود بوجه الرب ويكون وقت ذلهم إلى الدهر إلى مدى طويل لا يستطيعون معه أن يفعلوا شيئاً ضد إله إسرائيل. ولكن شعبه بسبب عناده هو في حالة التوبيخ لأجل التربية وطلب التوبة (راجع إشعياء ١: ٢٥ وعاموس ١: ٨ وإرميا ٦: ٩ وحزقيال ٣٨: ١٢) أما مبغضو الرب فلا فرق أكانوا من الأعداء الأجانب أو من شعب إسرائيل نفسه فهم لكي ينجوا مما هم فيه يجب أن يتذللوا أمام الرب ويخضعوا له مظهرين سيادته عليهم وإلا فنهايتهم الهلاك كنهاية أعداء الرب جميعهم.
(١٦) ويختم المزمور كلامه بتعبير تاريخي وإن يكن كما رأينا بصورة مقتضبة كما هي الحالة في (المزمورين ٧٧ و٧٨). يعود المرنم إلى تلك العلاقة الجميلة إذا سمعوا صوت الرب (راجع تثنية ٣٢: ١٣ وما بعده). فهو يريد أن يعود الشعب بالذاكرة إلى المواعيد المقدسة ولا ينسوها. وهوذا هنا يستعمل ما قاله لهم الرب نفسه في (مزمور ٥٠: ٨ وتثنية ٤: ٣١). إذا عاد الشعب للرب وسلّم ذاته بالكلية إليه فهو مستعد مرة أخرى أن يصنع عجائبه معه كما حدث في أيام موسى لأنه إله واحد قدير قديم الأيام وهو هو أمساً واليوم وإلى الأبد. حينئذ يأكل الشعب فيشبع ويتمتع بأطايب الحياة كلها حتى من العسل البري الذي تكشفه له الصخرة. وهكذا يعيش سعيداً كريماً بدلاً من عيشه الحاضر.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي وَٱلثَّمَانُونَ


مَزْمُورٌ لآسَافَ


«١ اَللّٰهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ ٱللّٰهِ. فِي وَسَطِ ٱلآلِهَةِ يَقْضِي. ٢ حَتَّى مَتَى تَقْضُونَ جَوْراً وَتَرْفَعُونَ وُجُوهَ ٱلأَشْرَارِ؟ سِلاَهْ. ٣ اِقْضُوا لِلذَّلِيلِ وَلِلْيَتِيمِ. أَنْصِفُوا ٱلْمِسْكِينَ وَٱلْبَائِسَ».
إن آساف المرنم الرائي في هذا المزمور يشاهد الله آتياً لكي يوبخ ويهدد زعماء شعبه ويقوّم اعوجاجهم ويذكرهم بأن مركزهم السامي هذا وعلاقتهم بإلههم يجب أن تدفعهم للقيام بالواجبات المفروضة عليهم. جيد للإنسان أن يذكر قيمة نفسه ويعتز بها ولكن ذلك جائز حينما يكون دافعاً للنهوض بالعمل المفروض عليه وليس لمجرد التفاخر والاعتداد بالذات. ونرى آساف يجعل الله ذاته يتكلم (راجع مزمور ٥٠ و٧٥ و٨١). فهو يود أن يرينا الله قاضياً على شعبه وعلى العالم أجمع. وقد وضع بعض المفسرين عنواناً لهذا المزمور «قضاء الله على آلهة الأرض». فمن هم آلهة الأرض هؤلاء؟ وهل يقصد بهم ما عبده الناس من أصنام وأوثان أم أنهم الزعماء والقادة ولا سيما من بني إسرائيل أنفسهم. ويستبعد كلمة «إلوهيم» بهذا المعنى في أي مكان من الكتاب المقدس. وقد استخدم السيد المسيح ما ورد في هذا المزمور داعياً نفسه ابن الله (راجع يوحنا ١٠: ٣٤ - ٣٦). فهو بذلك يدحض قول اليهود عندئذ أنه يجدف على اسم الله طالما أولئك قد دعاهم المزمور آلهة. بل أن هؤلاء لا يستحقون هذا الاسم قط بالنسبة لسلوكهم غير المرضي من جهة البر وقداسة الحياة.
(١) إن الله لكونه قد أعطى شعبه شريعة عاهدوه على السير بموجبها فإذاً هو الذي يقضي عليهم بموجبها. وهكذا يصبح مجمع الله هم جماعة إسرائيل الذي انتخبهم الله خاصته (راجع العدد ٢٧: ١٧ و٣١: ١٦ ويشوع ٢٢: ١٦ وما بعده). هذا الشعب الذي منح أن يشارك الله في تفهم الواجبات المطلوبة منه ويقضي على الشعوب من جهة حياتهم الأدبية وسيرتهم.
(٢) هؤلاء أنفسهم لم يكونوا مستحقين هذا الشرف الذي دعوا إليه بل قضوا بالجور وساروا سيرة الأشرار. الذين يرفعون وجوه فيكونون أشراراً هم أنفسهم إذ يصبحون شركاءهم في جريمة الجور والقساوة. يسأل المرنم حتى متى؟ وهنا توبيخ شديد مرّ وينتهي بارتفاع الموسيقى دليل أهمية هذا الموضوع الذي بدأ البحث فيه.
(٣) كان الحق على هؤلاء أن ينصرفوا إلى طلب العدالة والإنصاف وأي الناس أحق بهما من الذليل الذي لا معين له فهو مهضوم الحقوق مدوسها دائماً ومن اليتيم الصغير الذي لا يعرف كيف يدافع عن نفسه ومن المسكين والبائس اللذين ليس لهما مال كاف أو جاه يستطيعان بهما طلب المقاضاة والإنصاف (إشعياء ١: ١٧).
«٤ نَجُّوا ٱلْمِسْكِينَ وَٱلْفَقِيرَ. مِنْ يَدِ ٱلأَشْرَارِ أَنْقِذُوا. ٥ لاَ يَعْلَمُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ. فِي ٱلظُّلْمَةِ يَتَمَشُّونَ. تَتَزَعْزَعُ كُلُّ أُسُسِ ٱلأَرْضِ. ٦ أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو ٱلْعَلِيِّ كُلُّكُمْ. ٧ لٰكِنْ مِثْلَ ٱلنَّاسِ تَمُوتُونَ وَكَأَحَدِ ٱلرُّؤَسَاءِ تَسْقُطُونَ. ٨ قُمْ يَا اَللّٰهُ. دِنِ ٱلأَرْضَ، لأَنَّكَ أَنْتَ تَمْتَلِكُ كُلَّ ٱلأُمَمِ».
(٤) ولكن هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يحصلوا حقوقهم بأنفسهم يجب أن يحصلها لهم من يدعون أنهم يجلسون في مجمع الله وهم صحبه وخاصته. يذكرهم مرة أخرى بواجبهم الأولي وهو أن ينجو المسكين والفقير لأن يد الأشرار شديدة وتقتص منهم في كل حين. عملهم إذاً هو النجاة والإنقاذ إذ أن الحيف واقع لا محالة والمتظلمون كثيرون وإنما من يسمع وينجد ويسرع للعمل قبل فوات الأوان.
(٥) ولكن يظهر أن هؤلاء المكلفين بالقضاء العادل بين الناس لا يتممون ما ينتظر منهم فلم ينجوا المسكين ولم يقضوا بالحق لليتيم والذليل وهكذا يأتي عليهم هم أنفسهم حكم الله العادل فيقول عنهم أنهم لا يعلمون ولا يفهمون. وهكذا يضيع فيهم إرشاد الله فقد قصد أن يسترشدوا بنوره ويهتدوا من الظلمة التي هم فيها لأن استرسالهم في الضلال والغواية يسبب تزعزعاً حتى إلى أساسات الأرض إذ لا يعود يثق أحد بأحد بعد هؤلاء المقامين للعدل والبر.
(٦) يعود فيذكرهم مرة أخيرة باللقب الشريف الذي ينالهم لو فهموا وعقلوا. هم في هذا المقام السامي طالما يستطيعون أن يجروا عدلاً ويتمموا إنصافاً ولكنهم إذا لم يفعلوا ذلك يسقطون ويذهب عزهم من أيديهم على حق قول الشاعر
أعطيت ملكاً فلم تحسن سياسته وكل من لا يسوس الملك يخلعه



إن مقامهم هذا هو مدعاة قيامهم بالواجب فإن لم يفعلوا انتزع منهم كل شيء.
(٧) هوذا يذكرون أيضاً بالعواقب الوخيمة التي يصلون إليها. وإنهم الآن في حياة قصيرة لا بد أن تنقضي وعليهم أن يغتنموا الفرصة ولا يتأخروا. ذلك لأن الموت غير بعيد عن أي منهم. وإذا حسبوا رؤساء أفليس الرؤساء أيضاً يسقطون ولا يبقى سوى الله العلي فوق كل العالمين (راجع قضاة ١٦: ٧) فإذاً وظيفتهم هذه ليست للجماعة بل للدينونة لأن من أعطي كثيراً يطلب منه كثيراً.
(٨) يلتفت أخيراً إلى الله بعد أن أعياه أمر الناس ولم يبق لديه أي أمل بالإصلاح من هؤلاء هوذا الله يقضي بعدل على الجميع (راجع مراثي ٣: ٥٩). هو الذي يدين الأمم جميعاً لأنها كلها ملكه وتخضع لسلطانه. وليس من المحتمل أن يكون التوبيخ موجهاً لقضاة الأرض من الأمم الأخرى بل هو توبيخ لشعب إسرائيل ولا سيما لكبرائه أن ينتبهوا ويضحوا قبل نزع سلطانهم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ وَٱلثَّمَانُونَ


تَسْبِيحَةٌ. مَزْمُورٌ لآسَافَ


«١ اَللّٰهُمَّ لاَ تَصْمُتْ، لاَ تَسْكُتْ وَلاَ تَهْدَأْ يَا اَللّٰهُ، ٢ فَهُوَذَا أَعْدَاؤُكَ يَعِجُّونَ وَمُبْغِضُوكَ قَدْ رَفَعُوا ٱلرَّأْسَ. ٣ عَلَى شَعْبِكَ مَكَرُوا مُؤَامَرَةً وَتَشَاوَرُوا عَلَى أَحْمِيَائِكَ».
هذا هو المزمور الأخير من المزامير المنسوبة لآساف وفيه يستنجد الله لكي يصب نقمته على أعدائه وهم تلك الأمم المجاورة من نسل لوط مثل الموآبيين والعمونيين الذين قصدوا أن يهلكوا شعب الله وأن يقتلعوه لو استطاعوا من الأصول ويرموا به جانباً. يذهب بعض المفسرين أن زمان هذا المزمور ينطبق على ما ورد في (١مكابيين ص ٥) فيكون في منتصف القرن الثاني قبل المسيح ويفضله هؤلاء على أن يكون قد كتب في زمن نحميا لدى شروعه في بناء الهيكل وترميم أسوار أورشليم وما صادفه من مقاومة سنبلط وطوبيا وأتباعهما. كما أنه يوجد احتمال آخر وهو زمن يهوشافاط (راجع ٢أخبار ص ٢٠) حينما تألب عدد من الأمم لكي يجتثوا مملكة يهوذا من أصولها. وهنا نجد موآمرة مدبرة بينما في أيام المكابيين لا نجد شيئاً من ذلك. ولكن يوجد صعوبة هنا أيضاً إذ يذكر صور وفلسطين وأشور وهؤلاء لا شأن لهم في الموآمرة ضد يهوشافاط ولكن إذا وزنا كل الاعتبارات معاً نجد هذا الاحتمال الأخير هو أقرب إلى العقل من كل الاحتمالات الأخرى وحينئذ نتفق مع المزمور ٤٨ بأن هذه الموآمرة كانت موجهة ضد يهوشافاط وهذا يرتاح إليه العدد الأكبر من المفسرين.
(١) يطلب المرنم أن لا يبقى الله بين المتفرجين بينما شعبه يتحمل مثل هذا الاضطهاد ويستهدف لمثل هذا الخطر العظيم. يتمنى أن يكون الله في حالة الاستعداد للعمل ضد الأعداء لذلك يطلب إليه أن لا يصمت ولا يسكت ولا يهدأ لأن ذلك معناه استرسال هؤلاء الأعداء في غيهم وعدم تمهلهم في ما هم مقدمون عليه. هم يطلبون منه أن ينهض ويعمل سريعاً قبل فوات الأوان.
(٢) إن هؤلاء الأعداء يعجون ويضجون فهم يصخبون بكلامهم غير حاسبين للعلي أي حساب ويزعمون أنه باستطاعتهم أن يجروا ما يشاؤونه غير مهتمين بأي إنسان وكأن الله ذاته غير موجود. بل هم يرفعون رؤوسهم بالنسبة لسقوط شعبك إذاً هم مرتاحون للنتائج التي وصلوا إليها حتى يمكنهم أن يتشامخوا متكبرين ويكلموا غيرهم بصلف لا مزيد عليه.
(٣) وما هي مؤامرتهم هذه سوى أن يهلكوا شعبك ويبددوا ميراثك إذاً هم قوم لا حرمة عندهم ولا ذمام إذ يعملون أمورهم بالخفاء يقولون شيئا ويفعلون آخر يدعون بما ليسوا فيه صادقين. وأعظم الخطب هو أنهم يريدون أن يطالوا بشرهم حتى المحميين منك (احميائك) الذين وضعتهم تحت عنايتك الكاملة وهذا منتهى القحة وعدم الاكتراث بأي العهود.
«٤ قَالُوا: هَلُمَّ نُبِدْهُمْ مِنْ بَيْنِ ٱلشُّعُوبِ وَلاَ يُذْكَرُ ٱسْمُ إِسْرَائِيلَ بَعْدُ. ٥ لأَنَّهُمْ تَآمَرُوا بِٱلْقَلْبِ مَعاً. عَلَيْكَ تَعَاهَدُوا عَهْداً. ٦ خِيَامُ أَدُومَ وَٱلإِسْمَاعيلِيِّينَ. مُوآبُ وَٱلْهَاجَرِيُّونَ. ٧ جِبَالُ وَعَمُّونُ وَعَمَالِيقُ. فِلِسْطِينُ مَعَ سُكَّانِ صُورٍ. ٨ أَشُّورُ أَيْضاً ٱتَّفَقَ مَعَهُمْ. صَارُوا ذِرَاعاً لِبَنِي لُوطٍ. سِلاَهْ».
(٤) لقد صرّحوا عن الغاية من مؤامرتهم بقولهم «هلم نبدهم» وما أكثر ما تعرف النوايا بواسطة الكلام. يريدون أن يقضوا قضاء مبرماً على الشعب حتى لا تقوم له قائمة فيما بعد ولا يكون شعباً أو أمة (راجع إشعياء ٧: ٨ و١٥: ١ و٢٥: ٢ وإرميا ٤٨: ٤٢). ونلاحظ أن المرنم قد أخذ عن إرمياء (راجع إرميا ٤٨: ٢) بل يمكننا القول أنه قد أخذ عن عدد من الأنبياء (قابل ذلك مع إشعياء ٤٢: ٦ وما يتلوه مع العدد الثاني من هذا المزمور كذلك إشعياء ١٧: ٢ مع العدد الثالث منه).
(٥) لقد كان لهم قلب واحد في المؤامرة لأنه من السهل في هذه البلاد الشرقية منذ القديم أن يتفقوا مع العدو وأن يختلفوا مع الصديق لذلك فإن الخلاف هين حصوله وأما التعاون وحسن التفاهم شيء معدوم تقريباً. وكانت معاهدتهم العدائية هذه موجهة ضد الله لانه تعالى قد عاهد شعبه على الحفظ والحماية فكل من يخل بهما فهو عدو الله أولاً.
(٦) يذكر المرنم هؤلاء الأعداء بالتفصيل فهم الأدوميون والعمونيون وسكان جبل سعير وقبائل عربية سماها الإسماعيليين والهاجرين. كذلك منهم بنو موآب وجميع هؤلاء يقطنون الجهة الأخرى من نهر الأردن كما أن بعضهم يقطنون الجنوب والجنوب الشرقي من البحر الميت ولأنه ذكر أدوم أولاً فالأرجح أن هؤلاء الأعداء قد التقوا هناك حيثما حاكوا مؤامرتهم وأحكموا صنعها. وقوله خيام أدوم أي سكان الخيام فهم إذاً بدو رحل يعيشون كما اليوم أيضاً.
(٧) ثم يذكر الأعداء بشكل جغرافي فيعدد سكان «جبال» أي جبل سعير على الأرجح فهم سبعة أما عماليق فهم الذين بقوا بعد الحادثة المذكورة في (١أخبار ٤: ٤٢ وما يليه). وإذا راجعنا سفر التكوين ٢٥: ١٨ فهو يذكر الإسماعيليين أنهم سكنوا من الحجاز حتى شبه جزيرة سيناء. وأما الهاجريون فقد قطنوا الخيام من الخليج الفارسي حتى شرقي جلعاد (راجع ١خبار ٥: ١٠) وحتى نهر الفرات أيضاً.
(٨) وهؤلاء الأعداء يشملون الفلسطينيين وسكان صور أيضاً على ساحل البحر وأخيراً يذكر أشور التي لم تصبح عندئذ قوة عالمية جبارة تسود العالم إذ أن ذلك جرى بعد هذا التاريخ وإنما على ما يظهر قد أوعزت لهؤلاء الأعداء وهم بنو لوط وشددت أيديهم وقالت لهم أن يتمموا العمل الذي شرعوا به وهي سراً معهم.
«٩ اِفْعَلْ بِهِمْ كَمَا بِمِدْيَانَ، كَمَا بِسِيسَرَا، كَمَا بِيَابِينَ فِي وَادِي قِيشُونَ. ١٠ بَادُوا فِي عَيْنِ دُورٍ. صَارُوا دِمْناً لِلأَرْضِ. ١١ ٱجْعَلْ شُرَفَاءَهُمْ مِثْلَ غُرَابٍ وَمِثْلَ ذِئْبٍ. وَمِثْلَ زَبَحَ وَمِثْلَ صَلْمُنَّاعَ كُلَّ أُمَرَائِهِمِ. ١٢ ٱلَّذِينَ قَالُوا: لِنَمْتَلِكْ لأَنْفُسِنَا مَسَاكِنَ ٱللّٰهِ».
(٩) هنا إشارة إلى انتصار جدعون على المديانيين (راجع قضاة ٧) وحوادث جدعون بقيت من أعظم الذكريات في تاريخ بني إسرائيل ولطالما علق عليها آمال جسام وكانت سبب نهضة وتعزية للأجيال التي تلتها (انظر إشعياء ٩: ٣ و٤ و١٠: ٢٦ وقابل ذلك مع حبقوق ٣: ٧) فقد كان انتصاراً ساحقاً على يابين ملك المديانيين وعلى سيسرا قائد جنده بواسطة دبورة وباراق. وإذا راجعنا (قضاة ٥: ٢١) نرى أن نهر قيشون قد حمل جثث القتلى وقد كان هذا الأمر مألوفاً في تلك الأيام.
(١٠) عين دور هذه هي بالقرب من طابور وليست بعيدة عن تعنك ومجدو (قضاة ٥: ١٩) لأن تلك الأمكنة كانت مركزاً لتلك المعارك الطاحنة التي قررت مصير التاريخ الإسرائيلي لمدة طويلة. وقد درست معالم أولئك الأعداء حتى أصبحت دمناً للأرض تدل فقط على آثار ذهب أصحابها طعماً للسيف في وسط ذلك القتال.
(١١) فإذا كان هذا نتيجة الاعتداء على شعب الله في القديم فليكن مثل هذه النتيجة للمعتدين على شعب الله في هذا الوقت الذي يذكره. ليكن نصيبهم الخيبة والقتل مثل غراب وذئب أميري المديانيين وكذلك مثل نصيب زبح وصلمناع ملكي المديانيين (راجع قضاة ٨: ٥). وهذا دعاء عليهم بالخيبة والنكوص لأن ادعاءهم بالقوة لا يفيدهم شيئاً إذا كان الله مع شعبه وهكذا لا يكون شرفاء هؤلاء الأعداء ولا أمراؤهم أحسن حالاً وأجل نصيباً من أولئك الأقدمين. إذاً فلا شك التاريخ يعيد نفسه والأمور تجري بحكم الله فقط وعنايته وهو بيده مقادير كل شيء.
(١٢) أما السبب الذي يعززه لخيبة أولئك فهو أنهم أرادوا أن يمتلكوا لأنفسهم مساكن الله. أرادوا أن يحتلوا الأمكنة المقدسة ويستعبدوا شعبه ويزيلوا عبادته من البلاد. إذاً هم مستكبرون قساة عتاة يريدون أن ينفذوا مآربهم الشخصية ومصالح أممهم بقطع النظر عن الواجبات الإنسانية المفروضة نحو الله العلي الذي يجب أن يبقى فوق الجميع ولا يستطيع أحد أن يقول له ماذا تفعل. هذه البلاد المقدسة بالأصل أرض كنعان تصبح أرض إسرائيل ويحكمها الرب الإله (راجع ٢أخبار ٢٠: ١١ وأيضاً مزمور ٧٤: ٢٠). ولا يرغب عن بالنا أن هذا الادعاء ينطبق على بني إسرائيل في ذاك الحين ولكنه لا ينطبق على ادعاء الصهيونيين اليوم. فلقد ورث سكان البلاد من سبقوهم كما ورث اليهود من كان قبلهم.
«١٣ يَا إِلٰهِي ٱجْعَلْهُمْ مِثْلَ ٱلْجُلِّ، مِثْلَ ٱلْقَشِّ أَمَامَ ٱلرِّيحِ. ١٤ كَنَارٍ تُحْرِقُ ٱلْوَعْرَ، كَلَهِيبٍ يُشْعِلُ ٱلْجِبَالَ. ١٥ هٰكَذَا ٱطْرُدْهُمْ بِعَاصِفَتِكَ، وَبِزَوْبَعَتِكَ رَوِّعْهُمُ. ١٦ ٱمْلأْ وُجُوهَهُمْ خِزْياً فَيَطْلُبُوا ٱسْمَكَ يَا رَبُّ. ١٧ لِيَخْزَوْا وَيَرْتَاعُوا إِلَى ٱلأَبَدِ، وَلْيَخْجَلُوا وَيَبِيدُوا ١٨ وَيَعْلَمُوا أَنَّكَ ٱسْمُكَ يَهْوَهُ، وَحْدَكَ ٱلْعَلِيُّ عَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ».
(١٣) الجِلّ بالكسر هو قصب الزرع إذا حصد ونجد «الجلة» في العامية وهو ما يصنعه الفلاحون من روث الماشية يخلطونه بالقش والتبن وينشفونه بالشمس لكي يستعمل وقوداً أيام الشتاء. وحسب القاموس فالجُلة بالضم هي البعر فيقال أن بني فلان وقودهم الجِلة والأفضل بالكسر ثم الفتح أيضاً. وهكذا يتابع المرنم دعاءه عليهم ويطلب من الله أن يبددهم تبديداً حتى لا يكون لهم أية قيمة ولا يعطى لهم أي وزن بل يذهبون مع الريح كما يذهب القش.
(١٤) ولا يكتفي لهم بالتبديد بواسطة الريح لئلا يتجمعوا مرة أخرى وينتج عن ذلك ضرر ملموس وهكذا يطلب لهم ناراً من السماء تحرق الوعر وتتصل بأشجار الجبال حتى العالية منها. إذاً مهما علا هؤلاء الأعداء ومهما ادعوا لأنفسهم فإن الله يستطيع أن يبددهم في الوقت الذي يراه أنسب وبالطريقة التي يشاؤها.
(١٥) الشيء المهم هو غضب الله عليهم ولا فرق عند المرنم أي أنواع هذا الغضب ينزل عليهم إذ هنا يطلب لهم أن تجتاحهم العاصفة وتحملهم الزوبعة مدحورين مروعين حتى لا تقوم لهم قائمة. حينما يكون هؤلاء الأعداء على غفلة من أنفسهم عندئذ تكون المصيبة عليهم أكبر وأروع (راجع إشعياء ١٠: ١٦ - ١٩ وتثنية ٣٢: ٢).
(١٦) إذاً فهؤلاء المخزيون المنهزمون أمام وجه الله تأكلهم نار غضبه وهذا يقابل عداوتهم لشعبه وكذلك تبددهم عاصفة سخطه على نسبة بعض هؤلاء الأعداء وحقدهم. وليظل هذا الغضب عليهم حتى يعودوا إلى الله بالتوبة والذل. قد لا يؤمنون به ولكن واجبهم أن يخضعوا لأحكامه وأن يستسلموا لمشيئته ويعرفوا أن الله موجود بين شعبه ليرعاهم ويحميهم.
(١٧ و١٨) يتابع المرنم في هذين العددين سلسلة اللعنات القوية على هؤلاء الأعداء فيطلب لهم مرة أخرى الخزي والرعب والخجل والإبادة. ومتى بادوا تماماً في وسط إبادتهم هذه تعلم كل الأرض اسم الرب يهوه الذي له وحده المجد والقدرة والسلطان. لذلك فأمجاد جميع الأمم تضمحل وأما مجد الرب فهو إلى أبد الآبدين. هو وحده العلي الذي لا يمكن أن يصيبهم أي شيء في الأرض الذي يخضعها دائما تحت قدميه ويسير بها حسب مشيئته السرمدية. ولا أرى كما يذهب بعض المفسرين أن المرنم يعني خضوع الأمم بالإيمان بالله بل هو يرينا أن الله سيخضعهم بجبروته وسلطته بقطع النظر عن إيمانهم به فهو وحده يبقى إلى الأبد يتصرف بالعالمين.


اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ وَٱلثَّمَانُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ٱلْجَتِّيَّةِ. لِبَنِي قُورَحَ. مَزْمُورٌ


«١ مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ ٱلْجُنُودِ. ٢ تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ ٱلرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِٱلإِلٰهِ ٱلْحَيِّ. ٣ اَلْعُصْفُورُ أَيْضاً وَجَدَ بَيْتاً، وَٱلسُّنُونَةُ عُشّاً لِنَفْسِهَا حَيْثُ تَضَعُ أَفْرَاخَهَا، مَذَابِحَكَ يَا رَبَّ ٱلْجُنُودِ، مَلِكِي وَإِلٰهِي».
موضوع هذا المزمور هو التشوق إلى بيت الرب والسعادة التي ينالها المؤمن بواسطة السكنى فيه. وهو من تلك المزامير العاطفية الخلابة التي تدل على عمق الحياة الروحية والتلذذ بالاجتماع في بيت الرب. لذلك فناظمه متصوف من الدرجة الأولى. يرى في العبادة سمواً إلى الأعالي وغذاء روحياً تستقيم به النفوس كما يفعل الغذاء الجسدي للجسد. ويرى أن العصفور والسنونة تجد في بيت الرب ما يجد هو من حماية ورعاية.
هذا المزمور هو لبني قورح كما يذكر عنوانه والأرجح أن المرنم كان بعيداً عن أورشليم وعن الهيكل ولذلك فهو يذكر الوطن بالحنو والحنين. ويتمنى العودة والسكنى قريباً. وقوله على الجتية كما ورد في المزمور الثامن والمزمور الخمسين هي نوع من الآلات الموسيقية. ونسق المزمور هو من النوع الفني العالي الذي يلتهب غيرة وحماسة للرب.
(١ و٢) يتغزل أولاً بمحاسن بيت الرب ويجد فيه حلاوة وطيباً لا يجدهما في غيره. ومساكن الرب هي على جبل صهيون حيثما يقوم الهيكل رفيعاً شامخاً إلى العلاء يسمو بأبراجه وقببه. وهو يحن للوصول إليه حنيناً قلبياً كما (أيوب ١٩: ٢٧). فإن قلبه وجسده كله تشتاق ذلك الشوق المضني بمشاهدة تلك الأمكنة المقدسة. بل هو يجد في ذلك المكان ما يبرد غلته ويروي ظمأه حتى أن قلبه يهتف بحمد الله وشكره على هذا الإحسان العظيم. وهو إله حي لأنه قديم الأيام فكما كان الهيكل للجدود والإله العظيم هو إله الآباء والجدود كذلك فهو الإله الآن أيضاً لا يتغير ولا يزول.
(٣) العصفور هو الأرجح (الدوري) الذي كان معروفاً عندئذ وهو الذي وضع عشه في الهيكل. كما أن السنونة فعلت كذلك. لأن في ذلك المكان حماية وعطفاً لا يجدهما في غيره. وهذه تضع أفراخها في العش آمنة مطمئنة أكثر من أي موضع أخر قد تصل إليه يد الأولاد الذين يهاجمون أعشاش الطيور ليخربوها ويقتلوا أفراخها غير مشفقين على شيء. ويعين مكان الأعشاش أنها في المذابح المقامة حيثما يوجد بعض الشقوق فيها تناسب لبنائها وهي في أمنٍ وسلام.
«٤ طُوبَى لِلسَّاكِنِينَ فِي بَيْتِكَ أَبَداً يُسَبِّحُونَكَ. سِلاَهْ. ٥ طُوبَى لِأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ. طُرُقُ بَيْتِكَ فِي قُلُوبِهِمْ. ٦ عَابِرِينَ فِي وَادِي ٱلْبُكَاءِ يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعاً. أَيْضاً بِبَرَكَاتٍ يُغَطُّونَ مُورَةَ. ٧ يَذْهَبُونَ مِنْ قُوَّةٍ إِلَى قُوَّةٍ. يُرَوْنَ قُدَّامَ ٱللّٰهِ فِي صِهْيَوْنَ. ٨ يَا رَبُّ إِلٰهَ ٱلْجُنُودِ ٱسْمَعْ صَلاَتِي، وَٱصْغَ يَا إِلٰهَ يَعْقُوبَ. سِلاَهْ».
(٤) في هذا العدد نجد أن ذلك العصفور المذكور في العدد الماضي هو للإستعارة فيلتفت إلى نفسه ويتمنى مطوباً الناس الذين يستطيعون السكنى في بيت الرب لكي يسبحوه على الدوام. وينتهي بارتفاع الموسيقى. ما أعمق هذا الحنين وما أجمله صادراً من قلب مشوق بعيد عن الوطن يحن رجوعاً إليه وأحسن محل في نظره هو بيت الرب نفسه للحفظ والحماية من جميع الأخطار والشرور التي تحيط به في غربته.
(٥) ولا يكتفي بأن يطوب الساكنين بل يطوب المعتزين ببيت الرب الذين يفتخرون بدينهم ويعتزون بإيمانهم ويباهون. أولئك الذين يعيشون بديانة قلبية لا ظاهرية فقط. فإن هو تمنى القدوم فإنما بطريق القلب والعبادة الحقة لا بطريق المراسيم الخارجية.
(٦ و٧) وهم في سفرتهم والأمل يملأ قلوبهم يجعلون من وادي البكاء بدلاً من أن يملأوه بالدموع إذا به يتحول ينبوعاً ذلك لأن عظمة ما يتوقعونه يجعلهم ينسون ما هم فيه من وعثاء السفر ومشقاته وحيئنذ فإن الطريق التي يسيرون فيها بمحطاتها الكثيرة المختلفة تصبح أمكنة نزهة وغبطة ويرون البركات المتعددة كلما جدّوا في المسير بعد. وهكذا فإن ضعفهم يتحول إلى قوة وتعبهم يتحول إلى راحة ولا يزالون كذلك إلى أن يقفوا أمام المحجة التي يقصدونها.
(٨) وصلاته هي أن يصل إلى ما يقصده بخير وسلام ذلك لأن المهم ليس تعب الطريق بل الوصول إلى نهاية السفرة فنرتاح بالاطمئنان ونسعد بدار الأمان. ثم يعود فيتحول المرنم لكي يسمع صلاته للرب ويلتمس منه الإصغاء حتى لا يذهب تعبه ضياعاً وتكون نهاية السفر أفضل من بدائتها. وهكذا مرة أخرى ترتفع الموسيقى كإنما قد وصل المسافر إلى غرضه بالنسبة لشدة تيقنه بأن الرب لا بد مستجيب صلاته على كل حال.
«٩ يَا مِجَنَّنَا ٱنْظُرْ يَا اَللّٰهُ، وَٱلْتَفِتْ إِلَى وَجْهِ مَسِيحِكَ. ١٠ لأَنَّ يَوْماً وَاحِداً فِي دِيَارِكَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ. ٱخْتَرْتُ ٱلْوُقُوفَ عَلَى ٱلْعَتَبَةِ فِي بَيْتِ إِلٰهِي عَلَى ٱلسَّكَنِ فِي خِيَامِ ٱلأَشْرَارِ. ١١ لأَنَّ ٱلرَّبَّ ٱللّٰهَ شَمْسٌ وَمِجَنٌّ. ٱلرَّبُّ يُعْطِي رَحْمَةً وَمَجْداً. لاَ يَمْنَعُ خَيْراً عَنِ ٱلسَّالِكِينَ بِٱلْكَمَالِ. ١٢ يَا رَبَّ ٱلْجُنُودِ، طُوبَى لِلإِنْسَانِ ٱلْمُتَّكِلِ عَلَيْكَ!».
(٩) يترك المرنم الآن أولئك المسافرين الحاجين إلى الديار المقدسة الذاهبين للوقوف في بيت الرب ويجد نفسه أنه في خيال جميل هو أشبه بالحلم وإذا به يعود إلى نفسه فيجد أنه لا يزال بعيداً عن الأوطان وإن المخاطر لا تزال تحيط به من كل جانب. يحتاج الله لأنه المجن الذي تحته يحتمي. يحتاج إليه لكي يتلفت إلى وجه مسيحه. وفي قوله «وجه مسيحك» قد ذهب بعضهم إلى الظن أن المقصود هو داود وإن زمن كتابة هذا المزمور هو وقت اضطهاد أبشالوم. ولكني لا أرى ضرورة لذلك بل هو دعاء لمسيح الرب أياً كان. فإذا كان المرنم كاهناً فهو مسيح الرب أيضاً. وقد يكون أنه يصلي طالباً الحماية لأمته بواسطة ملكها الممسوح من الرب عليها وهو الآن في حالة الضيق والبعد عن الأوطان.
(١٠) يعود مرة أخرى لما شرع به من تمجيد لبيت الرب وحنين للرجوع إليه. وهو يرى مفضلاً أن يسكن يوماً واحداً في بيت الرب على أن يسكن ألفاً في غيره. بل يفضل أن يقف على العتبة حتى لا يستطيع الدخول لكثرة الازدحام من أن يسكن قرير العين في خيام الأشرار الذين ملّ عشرتهم ويتمنى البعد عنهم الآن.
(١١ و١٢) مما يلفت النظر في هذا العدد أن يذكر أن الرب شمس ثم يتبعه بقوله ومجن. وهذه هي المرة الوحيدة التي وردت في الكتابات المقدسة على هذه الصورة. نعم يوجد «شمس البر والشفاء في أجنحتها». فهو شمس بأنه لا يطال ولكنه يصل إليها فيعطي رحمة للناس كما يتمجد في الأعالي وهكذا فإنه يسكب خيراته بكل كرم على السالكين في شريعته والحافظين وصاياه. ثم ينتهي بتطويب آخر حينما يسلم لله ويتكل عليه لا سيما والرب الإله هو رب الجنود القوي السائر أمام شعبه حتى يدخلهم إلى دياره المقدسة بسلام إذ يحميهم في الطريق ويقودهم دائماً. إذاً لهم الطوبى لأنهم تعبوا ووجدوا بعد ذلك لكي يحيوا مرتاحين دائماً.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ وَٱلثَّمَانُونَ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِبَنِي قُورَحَ. مَزْمُورٌ


«١ رَضِيتَ يَا رَبُّ عَلَى أَرْضِكَ. أَرْجَعْتَ سَبْيَ يَعْقُوبَ. ٢ غَفَرْتَ إِثْمَ شَعْبِكَ. سَتَرْتَ كُلَّ خَطِيَّتِهِمْ. سِلاَهْ. ٣ حَجَزْتَ كُلَّ رِجْزِكَ. رَجَعْتَ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ».
هذا المزمور هو أحد تلك الترانيم الفياضة بالعاطفة والشعور التي نظمها الشعراء لدى عودتهم من السبي. ونجد أمثال هذا فيما نسميه إشعياء الثاني أي في الأصحاحات الأربعين إلى الآخر من سفر ذلك النبي. وقد ذكر أحد المفسرين أن كلام هذا المزمور ينطبق على العصر الذي لازم السبي حينما أخذت الأمة تتكون من جديد وتبني معالمها الدارسة وتعيد مظاهر حياتها إلى حالتها الطبيعية. وعلى كل ليس هم المزمور الأول أن يدل على حوادث تاريخية جرت وإن يكن أن الأعداد ٢ - ٤ تنم عن أن الشعب قد استقر في الأرض ولم يعد عليه أي خوف أو خطر.
(١ - ٣) يعود المرنم في هذا العدد إلى التاريخ المملوء بكل دلائل الرضا والقبول. ونلاحظ في بدء الأعداد الثلاثة ١ و٢ و٣ قوله «رضيت. غفرت. حجزت». ثم نجد في القسم الثاني من كل عدد قوله «أرجعت. سترت. رجعت». يذكر المرنم في هذه الأفعال المختلفة حوادث لا شك قد مرت على الشعب وعليهم أن يتذكروا ولا ينسوا قط. وهكذا فإن غضب الله هو إلى حين ثم يعود للرضا على شرط أن يحسن الإنسان سلوكه مع الله ولا يستمر على غوايته وشره. وفي قوله في العدد الأول «سبي يعقوب» يوجد إشارة إلى حادثة تاريخية حقيقية وليس الكلام من قبيل المجاز فقط. ونجد في العدد الثاني «سلاه» دليل ارتفاع الموسيقى وإن المعنى هنا قد وصل إلى غايته القصوى. لأن رضا الله بإرجاع السبي قد عقبه الغفران ومحو الذنوب. إذ لو كان مجرد رضا وقتي ولم يتم الغفران فيكون أن الله سوف يقاص شعبه بعد ولا يرحمهم. والخطية لانها تؤذي الضمير وتلطخ السيرة وتفسدها لذلك فإن سترها معناه محوها بتاتاً حتى لا يستطيع أحد أن يراها. بالطبع لا يقصد بذلك أن يسمح لنفسه بخطايا غير ظاهرة إنما القصد أن يؤكد أن الخطايا الفردية والشعبية قد غفرت تماماً ولم يعد شيء من آثارها.
«٤ أَرْجِعْنَا يَا إِلٰهَ خَلاَصِنَا وَٱنْفِ غَضَبَكَ عَنَّا. ٥ هَلْ إِلَى ٱلدَّهْرِ تَسْخَطُ عَلَيْنَا؟ هَلْ تُطِيلُ غَضَبَكَ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ؟ ٦ أَلاَ تَعُودُ أَنْتَ فَتُحْيِينَا فَيَفْرَحَ بِكَ شَعْبُكَ؟ ٧ أَرِنَا يَا رَبُّ رَحْمَتَكَ وَأَعْطِنَا خَلاَصَكَ. ٨ إِنِّي أَسْمَعُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ ٱللّٰهُ ٱلرَّبُّ. لأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِٱلسَّلاَمِ لِشَعْبِهِ وَلأَتْقِيَائِهِ، فَلاَ يَرْجِعُنَّ إِلَى ٱلْحَمَاقَةِ».
(٤ - ٧) في هذه الأعداد الأربعة يوجد صلاة حارة لله لكي يعود فيترأف على شعبه ولا يذكر خطاياهم فيما بعد. لقد سبق لله أن غفر الإثم وصفح عن الذنب فليكن هذا العمل إذن ليس شيئاً تاريخياً تم في الماضي ولا يعود الآن بل بالأحرى هو عمل مستمر يبقى ما دام الله غفوراً رحيماً. ونلاحظ أن الضمير هو للمتكلم الجمع فكان دليلاً على أن الكلام هو باسم الشعب كله وليس باسم أي فرد منهم. وفي العدد الرابع بدلاً من القول «ارجعنا...» كان الأفضل أن تترجم ارجع إلينا... أي إن الله قد التفت بعيداً مهملاً شعبه وهذا الشعب أصبح في غضب الله وبعده فيطلب المرنم أن يعود الله إليهم وليس فقط أنهم هم يعودون إليه. إذ في نظره لا قيمة لرجوع الخاطئ طالما الله لا يلتفت ولا يهتم به. بالطبع هنا دلالة على أن الكلام لم يصل إلى ذلك النضج الروحي الذي يصوره العهد الجديد بأجلى بيان (راجع لوقا ١٥: ١٢) حينما يصرخ الابن الضال «أقوم واذهب إلى أبي...» بعد أن يعود إلى نفسه فإن الأب الحنون يقبل الابن التائب حالاً وبلا أقل تردد. بعد أن يلتمس في العدد الرابع يتساءل في العدد الخامس ويترجى في السادس وأخيراً في السابع يطلب الرحمة الكاملة والخلاص.
(٨) بعد هذا التساؤل والترجي إذا بالمرنم يعود إلى نفسه واثقاً متأكداً فهو قد أصغى طويلاً والآن يسمع. وهل نستطيع أن نسمع دون إصغاء؟ فلولا تساؤله الطويل وكثرة انتظاره وترجيه لما قدر أن يأخذ من الله وعداً كريماً صريحاً بأن يتكلم بالسلام لشعبه. فبعد تلك الحروب الطاحنة التي أذلت الشعب وكسرت شوكته وأزالت استقلاله فنفي بعيداً وسبي إلى أرض غريبة واحتمل هناك كل أنواع الإهانة والذل إذا به الآن يعود إلى عيش كريم هنيء. ولكن يضع المرنم أمامهم شرطاً أساسياً بقوله إنهم لا يجوز أن يعودوا إلى حماقتهم الأولى. فقد عصوا الله كفاية وتمردوا على وصاياه فعليهم أن يحتفظوا برضاه بأن يسلكوا في طاعته دائماً.
«٩ لأَنَّ خَلاَصَهُ قَرِيبٌ مِنْ خَائِفِيهِ، لِيَسْكُنَ ٱلْمَجْدُ فِي أَرْضِنَا. ١٠ ٱلرَّحْمَةُ وَٱلْحَقُّ ٱلْتَقَيَا. ٱلْبِرُّ وَٱلسَّلاَمُ تَلاَثَمَا. ١١ ٱلْحَقُّ مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُتُ، وَٱلْبِرُّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ يَطَّلِعُ. ١٢ أَيْضاً ٱلرَّبُّ يُعْطِي ٱلْخَيْرَ، وَأَرْضُنَا تُعْطِي غَلَّتَهَا. ١٣ ٱلْبِرُّ قُدَّامَهُ يَسْلُكُ وَيَطَأُ فِي طَرِيقِ خَطَوَاتِهِ».
(٩ - ١٠) في هذين العددين يتابع المرنم كلامه الذي يقتبسه من صوت الله فهو يصغي كما فعل النبي حبقوق (انظر حبقوق ٢: ١). في هذه العبارات القوية المتلاحقة نجد تأكيداً لما يقوله الله فلا يستطيع المرنم أن يسكت لذلك نراه يتكلم بما يحسبه كلام الله له بالذات. أما السلام الذي تكلم عنه في العدد السابق فهو نتيجة خلاص الرب إذ لولاه لما وجد أي سلام. لا سيما وهو ينظر إلى المجد «يسكن في أرضنا» إذن هو سلام الغلبة والظفر لا سلام الاندحار والعار. ويقسم العدد العاشر إلى قسمين «الرحمة والحق» ثم «البر والسلام». هذه الأشياء كلها قد بعدت عن الأرض مدة طويلة ولذلك فوجودها الآن يستقبل بكل حفاوة وترحيب كما تستقبل الأرض العطشانة أول الوسمي من الأمطار. ونرى أن الرحمة التي يظهرها الله توحي للناس أن يتبعوا الحق وهكذا يلتقي الاثنان في شوارع أورشليم. ومن جهة أخرى فإن الحياة الطاهرة النقية والاستقامة في المعاملات بين الناس تسبب سلاماً حقيقياً وهكذا يجتمعان ويقبل واحدهما الآخر علامة السعادة الدائمة والتوفيق.
(١١ - ١٣) الحق يحكم في الناس طالما ينزل عليهم بر الله من السماء. فلولا بذور بر الله النازلة من السماء لما كان استقامة تنبت في معاملات الناس بعضهم نحو بعض. هنا يصوّر لنا علاقة النتائج بأسبابها فلولا هذه لما كانت تلك. وعليه فإن الإنسان الذي ينتظر العدل عليه أولاً أن يتمشى ببر الله وأمانته. ثم في العدد الثاني عشر نجد أن الله يعطي رضاه فيتطلع نحو الأرض بالعطف والإحسان وإذا بها عندئذ تعطي غلتها الكثيرة. فإذن هذه الغلة الكثيرة وهذا الخصب المتزايد هو دليل أن الله قد رضي عن شعبه ويريد لهم تمام النجاح. إن خير الله هو الذي يسبب الغلة في الأراضي أي تعطي خيرها أيضاً. وفي العدد الأخير نجد تكميلاً لهذه الصورة الرائعة بأن يجعل الله يتمشى في أرض شعبه كلها فهو ليس مكان واحد معين بل يريد أن يتفقد كل إنسان بخيره كما يفعل الملك الحنون الحكيم نحو شعبه فهو لهم ومعهم في كل الظروف والأحوال. هوذا البر يسير حيثما يكون الله ولأنه بار على الدوام فإن البر سيبقى في الأرض التي يقطنها الله ويمشي فيها ولا يتخلى عنها أبداً.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ وَٱلثَّمَانُونَ


صَلاَةٌ لِدَاوُدَ


«١ أَمِلْ يَا رَبُّ أُذُنَكَ. ٱسْتَجِبْ لِي، لأَنِّي مِسْكِينٌ وَبَائِسٌ أَنَا. ٢ ٱحْفَظْ نَفْسِي لأَنِّي تَقِيٌّ. يَا إِلٰهِي خَلِّصْ أَنْتَ عَبْدَكَ ٱلْمُتَّكِلَ عَلَيْكَ. ٣ ٱرْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي إِلَيْكَ أَصْرُخُ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ. ٤ فَرِّحْ نَفْسَ عَبْدِكَ لأَنَّنِي إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَرْفَعُ نَفْسِي».
إن عنوان هذا المزمور «صلاة داود» الموضوع هنا بين مزامير قورح هو لداود فقط على نسبة أنه من نسق كتابة داود وفي ذلك النفس المتواضع الذي كان يسكب داود قلبه بواسطته أمام الله. وإنما ليس في تلك الرتبة العالية التي امتازت بها مزامير داود كما أنه لا يمكن مقابلته مع بقية مؤلفي المزامير الأعلام. فهو مزمور طقسي أكثر مما هو شعري وقد وردت كلمة «يا رب» فيه سبع مرات وهو من مجموعة تلك المزامير «الربية» التي تقابل مجموعة المزامير «الألوهية».
(١ - ٤) يبدأ هذا المزمور بما يشبه المزمور ٥٥: ٣ تماماً. كما أن طلب استجابة الله هو للسبب ذاته الذي يورده (المزمور ٤٠: ١٨). ونجد في العدد الثاني أنه مزمور لطلب حفظ الله وصيانته (راجع مزمور ١١٩: ١٦٧). هو بحاجة إلى حفظ الله ويطلب ذلك بالنسبة لحسبانه نفسه تقياً (راجع لوقا ١٨: ١١ - ١٢). إن التقوى شيء وادعاء التقوى شيء آخر ولذلك نجد في هذا الكلام تديناً من المرتبة الرفيعة التي امتازت بها مزامير داود السهلة المنال القريبة للطبع والمرسلة عفو الخاطئ دون أي تصنع أو ادعاء. في العدد الثاني يرينا قيمة الاتكال الكامل على الله وأنه هو سبب الخلاص. أما العدد الثالث فيذكر فيه استمراره على الصراخ إلى الله لأنه يرجو رحمته ولا يكف عن ذلك حتى ينالها. هو مؤمن واثق برحمة الله لذلك هو لا يتأخر عن الصراخ لحظة واحدة لئلا يعتمد على نفسه ويترك إلهه. إذ ليس في نفسه أي نجاة وكل الخلاص هو منحة من لدنه تعالى. ثم في العدد الرابع يرينا أن الفرح القلبي يخامره لأنه قد ألقى حمله على قوة خارجة عن نفسه قوية جبارة. وهذا المرنم الذي يسقط إلى الحضيض أمام الله إذا به يرتفع رويداً رويداً كلما استمر على صلاته حتى يمتلئ قلبه أخيراً بذلك الفرح الغالب المنتصر الذي يحوّل كل متاعب الحياة إلى راحة كاملة.
«٥ لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ صَالِحٌ وَغَفُورٌ وَكَثِيرُ ٱلرَّحْمَةِ لِكُلِّ ٱلدَّاعِينَ إِلَيْكَ. ٦ اِصْغَ يَا رَبُّ إِلَى صَلاَتِي وَأَنْصِتْ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعَاتِي. ٧ فِي يَوْمِ ضِيقِي أَدْعُوكَ لأَنَّكَ تَسْتَجِيبُ لِي. ٨ لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ ٱلآلِهَةِ يَا رَبُّ وَلاَ مِثْلَ أَعْمَالِكَ. ٩ كُلُّ ٱلأُمَمِ ٱلَّذِينَ صَنَعْتَهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُونَ ٱسْمَكَ».
(٥) وفي هذا العدد يتمم المرنم ما شرع به من فكرة عالية. فهو يرى أن إيمانه هذا وطيد مكين لأن الله قريب إليه. هنا صرخة إنسان تقي بالحق ولا يدعي التقوى فقط فهو يدعو الله دائماً ويصرخ إليه منادياً في كل مواقف حياته ولا يتراجع عن ذلك أبداً حتى ينال مبتغاه. يعرف أنه من قبل قد أخطأ ضد اسم الله ولكن قد نال المغفرة والصفح وذلك ليس لبر فيه بل يعترف علناً بأن الله كثير الرحمة ويسمع الدعاء ويرحم ويغفر.
(٦ - ٩) في هذه الأعداد كلها ترديد لما ورد من عبارات في مزامير سابقة ولا مجال للاستنباط والإبداع فهو مقلد أكثر منه منشئ (راجع مزمور ١٧: ٦) بينما نجد أن العدد الثامن القسم الأول منه مأخوذ من (خروج ١٥: ١١) ثم قابل ذلك مع (مزمور ٨٩: ٩) إنما لا يذكر الآلهة. ونجد أن القسم الآخر من العدد ٨ يتابع (تثنية ٣: ٢٤). بينما العدد التاسع هو شبيه (بالمزمور ٢٢: ٢٨) وهكذا نجد بعض الأقسام الأخرى من هذا المزمور مقتبسة من مواضيع مختلفة مما يدلنا أنه لمحفوظات في الذاكرة أكثر مما هو من وضع جديد.
وفي العدد التاسع نجد فكرة سامية من جهة أن الله هو إله كل الشعب لذلك فيتوجب على الجميع أن يأتوا للسجود أمامه وتقديم الخضوع عند موطئ قدميه. إنما يمجدون اسمه لأنهم أصبحوا يعرفونه بالذات ويعترفون بإحساناته وإنعاماته ليس فقط لشعب الله بل لجميع الشعوب. وهؤلاء الأمم قد صنعهم الله على صورته ومثاله لذلك هم مطالبون بالخضوع والسجود ولا يعفون من ذلك لأي جهل يظهرونه فيما بعد.
إن تمجيد اسم الله معناه الخضوع التام لمشيئته إذ أن الاعتراف علناً دون اليقين القلبي لا يفيد شيئاً ومتى أصبح الشعوب كلهم يعترفون بإله واحد فقد تقاربوا وتعاونوا على استتباب السلام الدائم.
«١٠ لأَنَّكَ عَظِيمٌ أَنْتَ وَصَانِعٌ عَجَائِبَ. أَنْتَ ٱللّٰهُ وَحْدَكَ. ١١ عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَكَ، أَسْلُكْ فِي حَقِّكَ. وَحِّدْ قَلْبِي لِخَوْفِ ٱسْمِكَ. ١٢ أَحْمَدُكَ يَا رَبُّ إِلٰهِي مِنْ كُلِّ قَلْبِي وَأُمَجِّدُ ٱسْمَكَ إِلَى ٱلدَّهْرِ. ١٣ لأَنَّ رَحْمَتَكَ عَظِيمَةٌ نَحْوِي، وَقَدْ نَجَّيْتَ نَفْسِي مِنَ ٱلْهَاوِيَةِ ٱلسُّفْلَى».
(١٠ - ١٣) قابل العدد العاشر بما ورد في (مزمور ٧٢: ١٨) فنجد أنه يتصرف بالمعنى قليلاً فبدلاً من أن يقول «الصانع العجائب وحده» إذا به يقول إنه صانع عجائب. وإنه هو الله وحده. فهذا استنتاج حسن وتصرف يدل على سمو في التفكير. هذا الإله الذي صنع العجائب قديماً وخلّص شعب إسرائيل من عبودية مصر ومن عبوديات أخرى بعدها قد أكد للبشر جميعاً أنه هو الحاكم وحده في السماء والأرض ولا يستطيع أحد أن يقول له ماذا تفعل.
وإن يكن هذا المزمور قد اقتبس الشيء الكثير من مصادر متعددة فهو أيضاً يحوي جمالاً لا نستطيع أن نمر به بدون التفات وتمعن. ففي العدد الحادي عشر نجد المرنم يطلب أن يتعلم الطريق (انظر يوحنا ١٤: ٥) وطلبه هذا يشفعه بقوله أنه يريد أن يسلك بالحق ثم بعد ذلك يصلي لكي لا يكون مشتّت الفكر كثير النزعات مقسّم الاهواء بل يلتمس أن يكون بقلب مخلص أمام الله. يعرف أن لا قوة في حياته إذا كان متضعضعاً إن في عبادته أو تصرفاته. عليه أن يخلّص بالتمام ليكون سعيداً في إيمانه بعد ذلك متمماً للوصية الأولى «لا يكون لك آلهة أخرى أمامي».
ولأنه يشعر بهذا الإخلاص فهو في العدد الثاني عشر يحمد الله ويشكره من كل قلبه. فهذا القلب الذي كان مشتتاً إذا به يجتمع الآن على حب الله والإيمان به. ولأنه كذلك فهو يمجده ويذيع اسمه في كل مكان.
وينتقل في العدد الثالث عشر لكي يبين ما هو السبب الذي يجعله سعيداً على هذه الصورة فهو يذكر رحمة الله لا سيما وقد كانت عظيمة إذ أن مصيبته كانت عظيمة جداً ولا يمكن نجاته منها بدون أن يكون له رحمة تقابلها. على قدر عمق الهوة السحيقة السفلى التي سقط فيها امتدت يد الحنان إليه وانتشلته فكانت نشلة جبارة رفعته مرة أخرى وملأت قلبه بالإيمان. هنا الكلام عن اختبار شخصي فقد حدثت له أمور يذكرها تلميحاً ويجد فيها سبباً حقيقياً للشكر. وأعظم الشكر هو ذاك الذي يخبرنا عن أمور قاسيناها نحن ونجونا منها وليس فقط إننا سمعنا بها.
«١٤ اَللّٰهُمَّ، ٱلْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ قَامُوا عَلَيَّ، وَجَمَاعَةُ ٱلْعُتَاةِ طَلَبُوا نَفْسِي وَلَمْ يَجْعَلُوكَ أَمَامَهُمْ. ١٥ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَإِلٰهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ ٱلرُّوحِ وَكَثِيرُ ٱلرَّحْمَةِ وَٱلْحَقِّ. ١٦ ٱلْتَفِتْ إِلَيَّ وَٱرْحَمْنِي. أَعْطِ عَبْدَكَ قُوَّتَكَ وَخَلِّصِ ٱبْنَ أَمَتِكَ. ١٧ ٱصْنَعْ مَعِي آيَةً لِلْخَيْرِ فَيَرَى ذٰلِكَ مُبْغِضِيَّ فَيَخْزَوْا لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ أَعَنْتَنِي وَعَزَّيْتَنِي».
(١٤) هنا يجد المرنم تشابهاً بين حالته وحالة داود حينما طلب شاول نفسه ليهلكها. فهو إنسان مضطهد يقاسي الآلام والمتاعب العظيمة. لا سيما وإن أخصامه هم من القوم الكبار المعتدين بأنفسهم الذين لم يجعلوا الله أمامهم ولم يخافوا وجه إنسان فماذا يستطيع هو أن يفعل في حالة كهذه سوى التسليم الكامل للعناية الحنونة. أخذ كلمة «اللهم» من مزمور ٥٤: ٥ وأبقاها مثل اسم علم.
(١٥ - ١٧) في العدد الخامس عشر يعود المرنم إلى (خروج ٣٤: ٦) وهكذا نجده يدعم أقواله بأمور تاريخية وبعبارات مألوفة ثقلتها الألسنة على مر الأجيال. ولنا من هذا أنه كان مطلعاً على الكتابات المقدسة التي كانت معروفة في أيامه والأرجح أنه كان من رجال الكهنوت المتعلمين حتى استطاع أن يحفظ بذاكرته هذه المعلومات القيمة.
يرجو الله مرة أخرى أن يلتفت إليه لأنه عبده بل وهو ابن أَمته. أي أنه عبد موروث قديم وليس جديداً في بيت سيده. إذن هو إسرائيلي حقاً لا غش فيه.
وهنا في العدد السابع عشر يلخص المرنم كلامه بطلب آية لكي يدعمه بها تجاه أعدائه ومبغضيه وهكذا ينالهم الخزي وأما هو فيعود بالمجد والفخار ولكن فخره ليس ذاتياً أنانياً بل هو من فضل الله وإحسانه إليه. وأخيراً يختم كلامه بالشهادة المزكاة إن الله قد أعانه وعزّى قلبه وطيّب خاطره فكما فعل معه في الماضي سيفعل الآن لأن العلاقة قوية ومتينة لا يستطيع أي شيء أن يفصم عراها أو يزحزحها عن سبيلها المستقيم. إله الخير يصنع مع عبده آية للخير (راجع نحميا ٥: ١٩ وأيضاً ١٣: ٣١ وكذلك انظر عزرا ٨: ٢٢).
إنها خاتمة لمزمور مملوء بالإيمان والثقة وبفيض بالاختبار الشخصي الذي يجعلنا نستفيد منه لأنفسنا استفادة كبيرة بعد أن نجانا الله من مخاطر متعددة ومصائب متكررة.


اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ وَٱلثَّمَانُونَ


لِبَنِي قُورَحَ. مَزْمُورُ تَسْبِيحَةٍ


«١ أَسَاسُهُ فِي ٱلْجِبَالِ ٱلْمُقَدَّسَةِ. ٢ ٱلرَّبُّ أَحَبَّ أَبْوَابَ صِهْيَوْنَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَسَاكِنِ يَعْقُوبَ. ٣ قَدْ قِيلَ بِكِ أَمْجَادٌ يَا مَدِينَةَ ٱللّٰهِ. سِلاَهْ».
لقد تناول المزمور السباق فكرة أن الله هو إله الشعوب كلهم وهو الواحد الحي القدير الحاكم على الناس جميعاً وحده. وأما في هذا المزمور فنجد أن الفكرة تتطور إلى سيادة مدينة أورشليم بالذات وتحكمها بالشعوب كلهم. وهو مختصر جداً وموجز إلى درجة إننا نحار بعض الأحيان في فهم المقصود. ولكي تنال بعض المساعدة (انظر إشعياء ٤٤: ٥) فهو أشبه بمفتاح للمعاني.
بالنسبة لذكره عدداً كبيراً من الأمم التي أحاطت بإسرائيل فيمكننا أن نفتكر أن هذا المزمور قد كتب بعد أن اندحرت جيوش أشور في أيام حزقيا (انظر ٢أخبار ٣٢: ٢٣).
(١ - ٣) يبدأ المرنم كلامه في موضوع منشغل فيه دون أن يذكره ويتكلم عن الأمجاد المحيطة به ويعددها. إن أورشليم مؤسسة على الجبال المقدسة التي تحيط بها من كل جانب. فبعد أن يتكلم عن الأساس الذي هو أهم شيء يأتي في العدد الثاني لذكر أبواب صهيون والقصد من ذلك إن من أحب مدينة أكثر من التردد على أبوابها وهو يدخل ويخرج. وهذا المرنم الذي بلا شك هو من أورشليم نفسها يجد فيها عزه بأنها أعظم من كل مدن إسرائيل الأخرى. لا شك كانت السامرة قد سقطت وزال مجدها وجبروتها بعد أن نفي سكانها وتبددوا في كل مكان. ولم يكن في كل مملكة يهوذا مدينة تضارع أورشليم بعزها وصولتها فهي مركز الملوك وهي أيضاً مركز الهيكل العظيم الذي كان يحسب بحق فخر كل يهودي.
وأما العدد الثالث فيذكر أن الله قد مجّدها على جميع مدائن الشعوب وينتهي بارتفاع الموسيقى. إن الله ذاته هو الذي صرّح الآن ويخبرنا عن مدينته المجيدة التي هي فخر العالم ويجب أن تنشر رسالتها وتبعث بصيتها إلى كل مكان لأنه يجب أن تكون مكان ولادة جميع الشعوب.
هنا اعتزاز بمكان معين ولا عجب أن يهرع بنو إسرائيل للذهاب إلى أورشليم في الأعياد والمواسم لتأدية ما يتوجب عليهم من فروض ولكي يعتزوا بالذكريات والأمجاد القديمة.
«٤ أَذْكُرُ رَهَبَ وَبَابِلَ عَارِفَتَيَّ. هُوَذَا فِلِسْطِينُ وَصُورُ مَعَ كُوشَ. هٰذَا وُلِدَ هُنَاكَ. ٥ وَلِصِهْيَوْنَ يُقَالُ: هٰذَا ٱلإِنْسَانُ وَهٰذَا ٱلإِنْسَانُ وُلِدَ فِيهَا، وَهِيَ ٱلْعَلِيُّ يُثَبِّتُهَا. ٦ ٱلرَّبُّ يَعُدُّ فِي كِتَابَةِ ٱلشُّعُوبِ أَنَّ هٰذَا وُلِدَ هُنَاكَ. سِلاَهْ. ٧ وَمُغَنُّونَ كَعَازِفِينَ كُلُّ ٱلسُّكَّانِ فِيكِ».
(٤ - ٧) أما رهب فهي مصر على الأرجح (انظر مزمور ٨٩: ١١ وإشعياء ٣٠: ٧ و٥١: ٩). كانت مصر القوة الجبارة من الجنوب وأما بابل فكانت من الشمال والشرق. كذلك يذكر فلسطين وقوتها الحربية وصور وقوتها المالية والتجارية ولا ينسى أن يذكر كوش وهي على الأرجح بلاد الحبشة التي كانت مغامرة وذات سيطرة بعيدة إلى آخر الحدود (انظر إشعياء ١٨). هؤلاء الشعوب جميعاً يأتون ويسجدون في أورشليم وتكون لهم موطناً روحياً ثانياً. قد يكون المعنى أن شعب الله الذي كان قد تفرق في كل مكان يعود الآن ليجتمع في مقر ملكه ومجده. كذلك يمكن أن نفسر الكلام إن أورشليم ستكون فوق جميع الذين ذكرهم وإذا ذكرت هي فلا عز ولا أمجاد لأولئك بجانبها.
وفي العدد الخامس نجد أن هذه المدينة التي تحوي من مختلف الشعوب تصبح عامة للكل وتمنح جنسيتها الروحية بكل سخاء حتى يقول كل إنسان متفاخراً لقد ولدت فيها. وعظمتها ليست لأمور أرضية لئلا يكون فخرها مدعاة لتأخرها وخزيها ذلك لأن فخرها هو بالعلي الذي يثبت أركانها ويقوي بنيانها على الأساسات القديمة.
ونجد العدد السادس يؤكد هذا المعنى حينما تنظر الشعوب كلهم إلى هذا الشرف الذي ينالها بالانتماء إلى هذه الأمجاد العريقة حتى ينسوا تاريخهم وأنفسهم ويندمجوا في تمجيد الله العظيم في مدينته المقدسة التي هي موئل وملاذ جميع الشعوب.
والعدد الأخير يمكن ترجمته «كل الينابيع فيك». وهذا إتمام للمعنى السابق. فهؤلاء السكان الفرحون السعداء لأنهم يغنون ويعزفون بالنسبة لما هم فيه من أمجاد وراحة وسلام. يتوحدون بأنهم مجتمعون معاً ولو كانوا في الأصل من مصادر مختلفة. هم في بوتقة واحدة تصهرهم ولو كانوا من قطع معدن مختلف الأشكال. إن أورشليم هي نقطة الارتباط ومركز التلاقي للجميع لذلك فهي مدينة الله وهنيئاً لمن كان اسمه فيها.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ وَٱلثَّمَانُونَ


تَسْبِيحَةٌ. مَزْمُورٌ لِبَنِي قُورَحَ. لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ عَلَى ٱلْعُودِ لِلْغِنَاءِ. قَصِيدَةٌ لِهَيْمَانَ ٱلأَزْرَاحِيِّ


«١ يَا رَبُّ إِلٰهَ خَلاَصِي، بِٱلنَّهَارِ وَٱللَّيْلِ صَرَخْتُ أَمَامَكَ، ٢ فَلْتَأْتِ قُدَّامَكَ صَلاَتِي. أَمِلْ أُذُنَكَ إِلَى صُرَاخِي، ٣ لأَنَّهُ قَدْ شَبِعَتْ مِنَ ٱلْمَصَائِبِ نَفْسِي، وَحَيَاتِي إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ دَنَتْ».
على مقدار ما في المزمور السابق المزمور ٨٧ من رنة الفرح والابتهاج يوجد في هذا المزمور الثامن والثمانين من التعاسة والشقاء. ومجيئهما الواحد بعد الآخر يدل على شدة التعاكسات بينهما. ومع أن هذا المزمور يبدأ بقوله «يا رب إله خلاص...» كأنه ينتظر خلاصاً من يد الرب إذا به ينزل إلى عمق الآلام والمتاعب ويملأ قلب القارئ بالنحيب المتواصل حتى يكاد يشبه مراثي إرميا. والذي يطالع هذا المزمور ملياً يجد فيه عبارات متشابهة مع كتابات قديمة. وهو يشكو من مرض جسدي على ما يظهر قد يكون البرص الذي لازمه منذ صباه حتى لم يجد معه أيام توفيق وهناء. ولا شك أن هذا المزمور يدل على اختبار شخص خاص ولا ندري من هو هذا «هيمان الأزراحي» وربما انتهى إلى عهد سليمان الملك وإلى تلك الفئة من الكتبة الحكماء التي حاولت أن تفسر موضوع الآلام فأوجدت كتاب أيوب مثلاً. ونسأل هنا عن المؤلف فلنا العنوان أنها لبني قورح ثم في الوقت ذاته يذكر هيمان الأزراحي فلمن من الاثنين يا ترى؟ وهل من الممكن أن يكون هيمان هذا من بني قورح أيضاً؟ الأرجح أن القسم الأخير من التسمية هو الذي يجب الاعتماد عليه لا سيما وهو يحوي طبيعة المزمور وكيفية غنائه وأما قوله لبني قورح فهو اتباع لكلام سابق. ولذلك فالمزمور قديم وعليه صبغته التاريخية رغم التشويش الظاهر في العنوان.
(١ - ٣) يبدأ المرنم كلامه وسط حالة من اليأس شديدة فهو يصرخ في الليل والنهار مستغيثاً مستنجداً. لقد وصل إلى هوة سحيقة ولكنه يحاول الصعود منها على قدر الإمكان. هو لا ينسى إله خلاصه ويسميه هكذا مترجياً الخلاص. يرجو الله أن يصغي لصوته وهكذا تكون الصلاة قدامه لكي يبالي بها وبصاحبها ولا يرفضه بعد. يطلب من الله أن يعطي أذنه ولا يهمله على الإطلاق. وأما العدد الثالث فيصل إلى غاية الأحزان ويقول أنه قد شبع من المصائب فلا يستطيع أن يحتمل بعد. لقد كان له منها الكفاية وفوق الكفاية أيضاً إذ أن حياته أصبحت تدنو من الهاوية بسرعة ولم يعد في داخله شيء من القوة.
«٤ حُسِبْتُ مِثْلَ ٱلْمُنْحَدِرِينَ إِلَى ٱلْجُبِّ. صِرْتُ كَرَجُلٍ لاَ قُوَّةَ لَهُ. ٥ بَيْنَ ٱلأَمْوَاتِ فِرَاشِي مِثْلُ ٱلْقَتْلَى ٱلْمُضْطَجِعِينَ فِي ٱلْقَبْرِ ٱلَّذِينَ لاَ تَذْكُرُهُمْ بَعْدُ، وَهُمْ مِنْ يَدِكَ ٱنْقَطَعُوا. ٦ وَضَعْتَنِي فِي ٱلْجُبِّ ٱلأَسْفَلِ، فِي ظُلُمَاتٍ، فِي أَعْمَاقٍ. ٧ عَلَيَّ ٱسْتَقَرَّ غَضَبُكَ وَبِكُلِّ تَيَّارَاتِكَ ذَلَّلْتَنِي. سِلاَهْ. ٨ أَبْعَدْتَ عَنِّي مَعَارِفِي. جَعَلْتَنِي رِجْساً لَهُمْ. أُغْلِقَ عَلَيَّ فَمَا أَخْرُجُ».
(٤) في حياته يسير نزولاً فكلما مرت به الأيام تزيده ثقلاً فوق ثقل حتى لا يستطيع أن ينهض بعد. هو بلا قوة ولا قدرة حياته هي بالاسم كذلك.
(٥) يمكن ترجمة القسم الأول هكذا «اطلق سراحي بين الأموات» أي أنني حي أتمشى بين الموتى فأذن لي صورة الحياة ولكن الأفضل لي أن أموت (انظر أيوب ٣: ١٩) وأيضاً (أيوب ٣٩: ٥) وأصبحت حياته نسياً منسياً ولم يعد لهم أي ذكر بين الأحياء. لقد انقطع ذكرهم ولم يعد ليد الله علاقة بهم (راجع مزمور ٣١: ٢٣ ومراثي ٣: ٥٤ وإشعياء ٥٣: ٨). ربما كانت يد الله تقودهم من قبل وتهديهم وأما الآن فهم بعيدون عن الرحمة والرضوان كل البعد.
(٦) لقد وصل إلى الجب الأسفل إلى نهاية الظلمات (راجع أيوب ١٠: ٢١ وكذلك مراثي ٣: ٥٤ ثانية). هي هوة مفتوحة الباب. من فوق تستقبل إليها الهاوين فيها ولا ترحمهم بعد ذلك.
(٧) ولأنه في هذه السقطة وفي ذلك المكان الأسفل فأصبح من الطبيعي أن يستقر عليه الغضب كما تستقر كل أرماث الأنهار في الأمكنة الواطئة. وحيئنذ وأنا في تلك الحالة المؤسفة إذا بالتيارات تمر عليّ وتسحقني سحقاً. وينتهي بارتفاع الموسيقى.
(٨) ولم تكن المصيبة فقط بما انتابه من آلام وضيقات بل أعظم المصائب عليه هو أنه قد ابتعد عنه الأصدقاء والمعارف وتركوه وحده يتخبط في ضيقاته ولا من يسعفه وهذا لعمر الحق من أعظم ما يستطيع الإنسان أن يحتمله (راجع أيوب ١٩: ١٣ وما بعده) هؤلاء الأصدقاء الذين كان يلتذ بعشرتهم ويتقرب إليهم ويتقربون إليه أصبحوا يبتعدون عنه كأنه رجس عندهم لا يجوز أن يتعاطوا معه بأي أمر من الأمور. وهكذا حبس نفسه وأغلق عليه في غياهب الظلمات فلا يرى فرجاً.
«٩ عَيْنِي ذَابَتْ مِنَ ٱلذُّلِّ. دَعَوْتُكَ يَا رَبُّ كُلَّ يَوْمٍ. بَسَطْتُ إِلَيْكَ يَدَيَّ. ١٠ أَفَلَعَلَّكَ لِلأَمْوَاتِ تَصْنَعُ عَجَائِبَ، أَمِ ٱلأَخِيلَةُ تَقُومُ تُمَجِّدُكَ؟ سِلاَهْ. ١١ هَلْ يُحَدَّثُ فِي ٱلْقَبْرِ بِرَحْمَتِكَ أَوْ بِحَقِّكَ فِي ٱلْهَلاَكِ؟ ١٢ هَلْ تُعْرَفُ فِي ٱلظُّلْمَةِ عَجَائِبُكَ وَبِرُّكَ فِي أَرْضِ ٱلنِّسْيَانِ؟ ١٣ أَمَّا أَنَا فَإِلَيْكَ يَا رَبُّ صَرَخْتُ، وَفِي ٱلْغَدَاةِ صَلاَتِي تَتَقَدَّمُكَ».
(٩) قد يكون أن هؤلاء المعارف قد تركوه في حالة مرضه الشديد خوفاً من العدوى ولا نعجب من ذلك طالما لم يكن في ذلك الزمان أي معرفة للتوقي من الأمراض ومن الطبيعي للإنسان أن يهرب من شيء مخيف يجهل أسبابه. وما معنى ذبول العينين؟ هل امتد المرض حتى وصل إلى الرأس فلم يعد يستطيع الوقوف أو النهوض؟ ولكنه في ضيقته العظيمة هذه لم ينس الله بل دعاه كل يوم باسطاً يديه أمامه طالباً منه الرحمة والرضوان بعد وإن كان لا يستحق شيئاً فإن الله رحيم.
(١٠ - ١٣) هذا الوصف ينطبق على حالة البرص وربما أن عدداً من الأمراض كان يأتي تحت اسم البرص (راجع لاويين ١٣) وعلى حد التعبير الشرقي بأن البرص هو أعظم الأمراض إذ يميت الإنسان وهو لا يزال حياً (راجع العدد ١٢: ١٢). كان على الأبرص أن يبقى تحت معاينة الكاهن سبعة أيام فإذا ثبت عليه المرض بعد ذلك كان يفصل عن عائلته وأهله ويعيش وحيداً في البراري. ولكنه يلتمس عوناً ويبني التماسه على أمرين: الأول أن يظهر الله عجيبة فيه والثاني أن يمكنه من حمده تعالى وإن يكن بحالة الموت وشبه الخيال.
وحينما يصل إلى العددين الحادي عشر والثاني عشر يعزز طلبه بالسؤال الإنكاري هل يحدّث في القبر برحمتك؟ وهل تعرف في الظلمة عجائبك؟ إذن يا رب سهلّ أمامي طريق الحياة قبل أن أصل إلى الموت فلا أعود أقدر أن أحمد أو أخبر بحقك فأنسى كل شيء في الهاوية.
ولكنه يعود إلى نفسه في العدد الثالث عشر ويقول إنه قد صرخ إلى الرب مستنجداً ولم ييأس بعد. وعند الصباح الباكر كان يقدم صلاته قبل أن يفعل أي شيء أخر. فهو وإن كان تحت عصب الله فطالما فيه رمق من الحياة لا يزال يترجى أن الله يعيده إلى عافيته وقوته. إن الأمل في قدر الإنسان لا ينقطع إلا متى ذهب الإيمان من صدره وحينئذ يموت في خطاياه حقيقة ويتمرغ في تعاسته إلى الأبد.
«١٤ لِمَاذَا يَا رَبُّ تَرْفُضُ نَفْسِي؟ لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟ ١٥ أَنَا مِسْكِينٌ وَمُسَلِّمُ ٱلرُّوحِ مُنْذُ صِبَايَ. ٱحْتَمَلْتُ أَهْوَالَكَ. تَحَيَّرْتُ. ١٦ عَلَيَّ عَبَرَ سَخَطُكَ. أَهْوَالُكَ أَهْلَكَتْنِي. ١٧ أَحَاطَتْ بِي كَٱلْمِيَاهِ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ. ٱكْتَنَفَتْنِي مَعاً. ١٨ أَبْعَدْتَ عَنِّي مُحِبّاً وَصَاحِباً. مَعَارِفِي فِي ٱلظُّلْمَةِ».
(١٤ - ١٨) إن هذه العبارات وإن كانت تحمل طابع الشكوى فهي في حقيقتها توسلات أكثر منها تشكيات. يعود هذا الإنسان ويستجمع قواه المبعثرة ليسكبها أمام الله مصدر كل نعمة وقوة وإحسان. يعود بالذكريات إلى الأيام القديمة حينما كان في مستهل العمر. هو مسكين ضعيف لا قوة في روحه ولا نشاط في عقله أو جسده. ومع ذلك فقد احتمل الأهوال وإن يكن محتاراً لا يدري المعنى من هذا كله.
كل ما يلاحظ أن سخط الله عليه وأهواله الشديدة تفسد حياته وتعدمه كل اللذات. ونجده في العدد السابع عشر تتحول هذه النيران إلى شكل طوفان يعوم حوله ويكاد يغرقه في تياراته المزبدة. هو في الوسط لا يدري أي مخرج أمامه ومن أين المناص. جسمه ضعيف وأصدقاؤه وأهله قد تركوه ويستنجد بإلهه فإذا به يعبر عليه كالنيران الجارفة. ومتى وصلنا للعدد الأخير نكاد نلمس فيه ما ورد في (أيوب ١٧: ١٤ أو أيوب ١٩: ١٤) حينما يصور لنا أن أصحابه هم في الظلمات أو هي الظلمة نفسها. فلم يعد يرى بعينيه إذ قد غشي عليهما حتى إذا فتحهما لا يجد شيئاً أمامه. وهكذا ابتعد المحبون أولاً وبعد ذلك لو اقتربوا الآن فلا يمكن أن يتمتع بصحبتهم لأنه لم يعد يراهم.
وهكذا ينتهي هذا المزمور المفعم بالآلام ونكاد نسمع صوت الأنّات والحسرات. ولأن الاختبارات هي بالأحرى شخصية لذلك فإن الكلام ليس من قبيل ما يصيب الجنس البشري عموماً بل ما تختبره نفس متألمة وصلت إلى عمق التعاسة والشقاء. ولا يوجد شيء في هذه الصورة مما يشدد العزيمة وينهض بها سوى اتكاله الكامل على الله فهو لم يتزعزع إيمانه رغم كل الصعوبات والأمراض والويلات التي تنتابه لا يزال يرى أن يد الله يمكنها أن تمتد إليه وتنتشله على شرط أن يظل داعياً لله متضرعاً بكل ثقة وورع.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلثَّمَانُونَ


قَصِيدَةٌ لأَيْثَانَ ٱلأَزْرَاحِيِّ


«١ بِمَرَاحِمِ ٱلرَّبِّ أُغَنِّي إِلَى ٱلدَّهْرِ. لِدَوْرٍ فَدَوْرٍ أُخْبِرُ عَنْ حَقِّكَ بِفَمِي. ٢ لأَنِّي قُلْتُ: إِنَّ ٱلرَّحْمَةَ إِلَى ٱلدَّهْرِ تُبْنَى. اَلسَّمَاوَاتُ تُثْبِتُ فِيهَا حَقَّكَ. ٣ قَطَعْتُ عَهْداً مَعَ مُخْتَارِي. حَلَفْتُ لِدَاوُدَ عَبْدِي».
إن القصد من هذا المزمور هو الابتهال لله لكي يجدد مراحمه على عبده داود أي على نسله إلى الأبد. الناظم هو حسب العنوان إيثان الأزراحي وهو أحد الموسيقيين الثلاثة مع آساف وهمان. وكان رئيساً على ست فرق فرعية ترأسها بنوه الستة (انظر ١أخبار ٢٥) وهذا المزمور مع المزمور سابقه يحسبان لمؤلف واحد وإن يكن هذا يصطبغ بصبغة وطنية بينما الآخر فله صبغة شخصية بحتة. ويرى الناظم أن مبعث الفخر هو في العائلة الملكية أي عائلة داود التي تمثل الأمة كلها ومدعاة مجدها وفخارها.
أما الداعي المباشر لنظمه فهو على أثر غزو فرعون شيشق لمملكة يهوذا وذلك في السنة الخامسة لملك رحبعام ابن سليمان وقد نهب الهيكل والقصر كليهما وأخذ معه تروس سليمان الذهبية (راجع ١ملوك ١٤: ٢٥ - ٢٨) وأيضاً (٢أخبار ١٢: ١ - ١٢). وفي آثار الكرنك قد كشفت الكتابات الهيروغليفية عن وجود ملك يهوذا بين الأسرى الذين يقدمون هداياهم أمام الإله أمون.
(١ - ٣) يبدأ المرنم كلامه بأنه يغني بمراحم الرب ويخبر عن حق الله بصوت مسموع لجميع الناس غير هياب ولا متردد. وأي شيء أبعث على الغناء من الابتهاج بمثل هذه المراحم العظيمة التي يختبرها الإنسان يومياً ويحق له حينئذ أن يذيعها على الناس ولا يبقيها طي الكتمان.
أما الرحمة فهي تبني بناء أي على شكل مستمر ولا يقوم البناء بدون أساس وهذا الأساس هو حق الله ذاته وتلك العهود المقدسة الكائنة بين يهوه وشعبه. وهذا البناء سوف يسمو ويعلو إلى أن يتصل بالسموات ذاتها وحيئنذ يكون كل شيء ظاهراً ولا يستطيع الأعداء أن ينكروه. وحق الله مثبت في السموات لأن هذه الأرض وما فيها سريع التغير والزوال بينما كل ما هو سماوي فهو ثابت لا يتغير قط. وفي العدد الثالث يبدأ بذكر الكلام الذي قاله الله لداود فيردد نص العهد الذي قطعه عندئذ. إن الله قد قطع عهداً لداود أن يثبت عرشه فبقي الملك في ذريته على مدى الأجيال الطويلة.
«٤ إِلَى ٱلدَّهْرِ أُثَبِّتُ نَسْلَكَ، وَأَبْنِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ كُرْسِيَّكَ. سِلاَهْ. ٥ وَٱلسَّمَاوَاتُ تَحْمَدُ عَجَائِبَكَ يَا رَبُّ، وَحَقَّكَ أَيْضاً فِي جَمَاعَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ. ٦ لأَنَّهُ مَنْ فِي ٱلسَّمَاءِ يُعَادِلُ ٱلرَّبَّ. مَنْ يُشْبِهُ ٱلرَّبَّ بَيْنَ أَبْنَاءِ ٱللّٰهِ؟ ٧ إِلٰهٌ مَهُوبٌ جِدّاً فِي مُؤَامَرَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ، وَمَخُوفٌ عِنْدَ جَمِيعِ ٱلَّذِينَ حَوْلَهُ. ٨ يَا رَبُّ إِلٰهَ ٱلْجُنُودِ، مَنْ مِثْلُكَ قَوِيٌّ رَبٌّ، وَحَقُّكَ مِنْ حَوْلِكَ؟»
(٤) يتابع في هذا العدد وعد الله لداود عبده بأنه يثبته ويبني ملكه إلى دور فدور. والكرسي في هذا العدد إنما هو عرش الملك كما في بعض الترجمات الأخرى. إن الله لا يسمح أن هذا النسل الملكي ينقطع ولا أن هذا العرش المثبت الأركان أن يضمحل من الوجود ذلك لأن أمانة الله نحو هذا البيت لا تسمح أن يزول فلا يشيخ بمرور الزمان ولا يعتريه أي تبدل أو زوال.
(٥ - ٨) يرى المرنم أن ينتقل إلى وصف رائع لجلال الله وعظمته وجبروته لأن ذلك مدعاة اطمئنان لعرش الملك الأرضي الذي يمثله لأن هذا الملك هو من الله فأحرى به أن يتمثل بهذه العظمة الإلهية التي تجترح العجائب وتذيع الحق بين الناس ولا سيما جماعة القديسين. وحينما يقابل بين الآلهة في العالم الثاني بين الأرواح لا يجد شبهاً له قط. وقد يقصد هنا في قوله أبناء الله أي الملائكة (راجع أيوب ٥: ١ و١٥: ١٥ وقابل ذلك مع تثنية ٣٣: ٢). لأن الله هنا مكرم فوق جميع الأجناد السماوية ولا يعادله أحد في الجلال والقدرة.
هو مهوب جداً ويسمو على كل من حوله دون استثناء (١ملوك ٢٢: ١٩ وقابله مع دانيال ٧: ١٠) ولا يستطيع أحد أن يدنو من مكان سكناه لأنه مخوف جداً.
وفي سؤاله «من مثلك قوي؟» يرجح أصلها من (الخروج ١٥: ١١) ولا يغرب عن بال الناظم أن يتمسك دائماً بأن الله يرعى العهد والأمانة لشعبه ولا سيما لبيت داود عبده. وهذا الحق يتجلبب به ويحيا فيه على الدوام ولا يمكن أن يتصوره بدونه قط. إن هذه الفكرة عظيمة حقاً. إذ أن رب الجنود القوي الجبار هو كذلك بالنسبة للحق الذي يجريه والأمانة التي يتممها مع أتقيائه ومحبيه ولذلك فهو يرمز بطرف خفي للملك أن يكون كذلك ليكون أهلاً للحكم على شعب الله. إذ لا حكم من الله إذا لم يكن بالحق والأمانة.
«٩ أَنْتَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ ٱلْبَحْرِ. عِنْدَ ٱرْتِفَاعِ لُجَجِهِ أَنْتَ تُسَكِّنُهَا. ١٠ أَنْتَ سَحَقْتَ رَهَبَ مِثْلَ ٱلْقَتِيلِ. بِذِرَاعِ قُوَّتِكَ بَدَّدْتَ أَعْدَاءَكَ. ١١ لَكَ ٱلسَّمَاوَاتُ. لَكَ أَيْضاً ٱلأَرْضُ. ٱلْمَسْكُونَةُ وَمِلْؤُهَا أَنْتَ أَسَّسْتَهُمَا. ١٢ ٱلشِّمَالُ وَٱلْجَنُوبُ أَنْتَ خَلَقْتَهُمَا. تَابُورُ وَحَرْمُونُ بِٱسْمِكَ يَهْتِفَانِ. ١٣ لَكَ ذِرَاعُ ٱلْقُدْرَةِ. قَوِيَّةٌ يَدُكَ. مُرْتَفِعَةٌ يَمِينُكَ».
(٩ - ١٣) في وقت كتابة هذا المزمور كان الأعداء الأقوياء يحيطون بأورشليم من كل جانب. كانوا أشداء في جميع الأسلحة المعروفة عندئذ لذلك فالمرنم ينظر إليهم بعين الاطمئنان لأنه يلتجئ لله القدير الذي يحكم على كبرياء البحر ويخفض ارتفاعه فهو الذي خلق البحر ويستطيع أن يتصرف به كما يشاء ثم بعد ذلك يستعير هذه الفكرة فيقول إن الله يخفض ارتفاع الشعوب العاتية التي تسود على شعب الله وتستعبده. فيذكر أولاً رهب أي مصر ويعود بالتاريخ إلى حادثة عبور البحر الأحمر فأسكت الله البحر وأسكت كبرياء شعب مصر الذي كان كالبحر أيضاً. وأما السبب في ذلك فلأن الله هو مالك السموات والأرض وهو الذي بفضل إحسانه قد ملك العالمين جميعاً. يلتفت شمالاً وجنوباً فيجد أصبع الله في كل مكان. إذن فالمسكونة كلها هي من الله وإليه تعود. حتى أن الجبال الشامخة مثل تابور - وإن يكن بعلو متواضع نسبياً فهو جميل الارتفاع بالنسبة لإشرافه على السهول الفسيحة حوله لا سيما سهل يزرعيل (مرج ابن عامر) - وأيضاً مثل حرمون - جبل الشيخ الذي كان الإسرائيليون يرونه في الطرف الشمالي من بلادهم مرتفعاً عالي الذرى. وكلاهما باسم الله يهتفان أي أصبح على أمكنة عديدة تقام عبادة الله فيهما. وقد يكون المعنى أن هذين الجبلين بالنسبة لأنهما من أعظم أمجاد الطبيعة فهما بذلك يسبحان اسم الخالق.
يذكر ديليتش في الصفحة ٣٧ من مجلده الثالث أن حرمون يقع للجهة الشرقية من الأرض المقدسة والحقيقة أن حرمون هو للشمال أكثر منه للشرق. يعود فيذكرنا بقدرة الله فيده قوية ويمينه مرتفعة لذلك فهي تتناول كل إنسان فيفعل ما يشاء ولا يستطيع أحد أن يسأله ماذا تفعل.
«١٤ ٱلْعَدْلُ وَٱلْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّكَ. ٱلرَّحْمَةُ وَٱلأَمَانَةُ تَتَقَدَّمَانِ أَمَامَ وَجْهِكَ. ١٥ طُوبَى لِلشَّعْبِ ٱلْعَارِفِينَ ٱلْهُتَافَ. يَا رَبُّ بِنُورِ وَجْهِكَ يَسْلُكُونَ. ١٦ بِٱسْمِكَ يَبْتَهِجُونَ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ وَبِعَدْلِكَ يَرْتَفِعُونَ. ١٧ لأَنَّكَ أَنْتَ فَخْرُ قُوَّتِهِمْ، وَبِرِضَاكَ يَنْتَصِبُ قَرْنُنَا. ١٨ لأَنَّ ٱلرَّبَّ مِجَنُّنَا وَقُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ مَلِكُنَا».
ولكن هذا الإله القدير لا شيء يقارب قدرته السرمدية سوى بره الكامل وقداسته الكلية. هوذا العدل والحق ترتكز عليهما قاعدة العرش كما أن الرحمة والأمانة تطلبان البشر وتنجيان من حمو غضبه. أي أن الله قبل أن يجري عدله وحقه يستعمل رحمته وأمانته إلى أقصى حدودهما (راجع أمثال ١٦: ١٢ و٢٥: ٥).
(١٥ - ١٨) بعد أن يصف المرنم هذا الإله العظيم الرحيم ينظر إلى الشعب الآن ويطوبهم ذلك لأنهم يعرفون أن يهتفوا لهذا الإله فكانوا به جديرين على قدر الإمكان ولذلك فهم بنور وجهه يمشون في طريق الحياة بقوة وثقة ورزانة. أن يكونوا فيما بعد مترددين طائشين لا يدرون أية جهة يتجهون بل هم واثقون بكل شيء. وسبب بهجتهم هو اسم الله منذ بدء اليوم إلى آخره. وهم يرتفعون بعدل الله من أي ذل سقطوا فيه أو أية خطة تدنوا إليها. إذن هم شعب سعيد لا يهاب أي الأعداء طالما أن الله ذاته هو فخر القوة. قوتهم ليست من أنفسهم بل من الله وعزتهم ليست بأي جبروت مادي يتمتعون به بل برضا الله عليهم ورحمته التي تكتنفهم. ذلك لأن الرب نفسه هو الترس والمجن وهكذا لا تصلهم سهام الأعداء ولا تؤذيهم ضرباتهم. وقوله إن قدوس إسرائيل ملكنا أي أنه هو الذي يحمي الملك من كل ضيم ويرفعه لدى كل سقطة هوذا عائلة داود المالكة هي مثبتة الأركان طالما هي في حماية الله وحفظه فالقدرة ليست لها بل لله وما هي سوى وكيلة عنه عليها أن تؤدي الحساب لدى كل ملمة. وهكذا فوراء هذا الملك الأرضي يوجد الملكوت السماوي الذي بقدرة الله وعدله وأمانته يثبت إلى الأبد.
«١٩ حِينَئِذٍ كَلَّمْتَ بِرُؤْيَا تَقِيَّكَ، وَقُلْتَ جَعَلْتُ: عَوْناً عَلَى قَوِيٍّ. رَفَعْتُ مُخْتَاراً مِنْ بَيْنِ ٱلشَّعْبِ. ٢٠ وَجَدْتُ دَاوُدَ عَبْدِي. بِدُهْنِ قُدْسِي مَسَحْتُهُ. ٢١ ٱلَّذِي تَثْبُتُ يَدِي مَعَهُ. أَيْضاً ذِرَاعِي تُشَدِّدُهُ. ٢٢ لاَ يُرْغِمُهُ عَدُوٌّ، وَٱبْنُ ٱلإِثْمِ لاَ يُذَلِّلُهُ. ٢٣ وَأَسْحَقُ أَعْدَاءَهُ أَمَامَ وَجْهِهِ وَأَضْرِبُ مُبْغِضِيهِ».
(١٩ - ٢٢) قد يكون هذا التقي الذي كلمه الله بالرؤيا هو ناثان (راجع ١أخبار ١٧: ١٥) أو داود ذاته. وتقول الترجمة اليسوعية «لقد كلمت صفيك في رؤيا فقلت إني هيأت نصرة للجبار ورفعت المختار من الشعب». يقصد هنا كيف أن الله قد اختار داود ولم يزل فتى صغيراً ورفض شاول فان الله عوناً لداود على عدوه القوي الملك الجبار. ذلك لأنه اختاره من بين الشعب ولم يلتفت إلى النسل الملكي بل إلى الأهلية والكفاءة. ولم يصبح نسلاً ملكياً بالسلالة إلا بعد داود لا قبله.
وقد وجد الله داود أنه الشخص الأنسب لهذه المهمة الخطيرة أن يرعى شعب الله بعد أن كان راعياً للغنم (راجع ٢صموئيل ٧) فقد مسحه الله عندئذ على كل إسرائيل. وقد رافقه الله منذ ذاك الحين وثبت يده في الملك وشدد ذراعه بحمل الصولجان لئلا يفشل ويضعف وقد أظهر داود كفؤ ليضطلع بالمهمة الخطيرة التي ألقيت على كتفيه فلم يتراجع ولم يتوان. وهكذا استمر على القوة وأخضع أعداءه فلم يستطيعوا النيل منه وإضعافه كما أن الأشرار لم يستطيعوا أن يذللوه بأي وجه من الوجوه فكان المقاومون يفشلون واحداً بعد الآخر إلى أن تمت النصرة واستتب الأمن والنظام في البلاد كلها.
(٢٣) بل أن الله يشدد يده بعد فلا يكتفي بالوجهة السلبية أي أنه يرد عنه سهام الأعداء ويحميه منهم بل يهاجمهم ويتغلب عليهم حتى لا يجسروا أن يقفوا أمام وجهه. وكان يضربهم بلا شفقة ولا هوادة لئلا يتقووا فيغلبهم على أمرهم قبل أن يتشددوا.
«٢٤ أَمَّا أَمَانَتِي وَرَحْمَتِي فَمَعَهُ، وَبِٱسْمِي يَنْتَصِبُ قَرْنُهُ. ٢٥ وَأَجْعَلُ عَلَى ٱلْبَحْرِ يَدَهُ وَعَلَى ٱلأَنْهَارِ يَمِينَهُ. ٢٦ هُوَ يَدْعُونِي: أَبِي أَنْتَ. إِلٰهِي وَصَخْرَةُ خَلاَصِي. ٢٧ أَنَا أَيْضاً أَجْعَلُهُ بِكْراً أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ ٱلأَرْضِ. ٢٨ إِلَى ٱلدَّهْرِ أَحْفَظُ لَهُ رَحْمَتِي. وَعَهْدِي يُثَبَّتُ لَهُ».
(٢٤ - ٢٨) في هذه الأعداد المتوالية يجد القارئ تكراراً لهذه المواعيد الإلهية. السابقة وقديماً وعد الله شعبه مواعيد كثيرة وحققها لهم (راجع تكوين ١٥: ١٨ و٢أخبار ٩: ٢٩). فيمتد ملك داود من البحر أي المتوسط ويتسلط على عدد من الأنهار أي يمتلكها ويستخدمها لمنفعته الخاصة. ولم يكن الإنسان قد تقدم في معرفة استخدام الأنهار سوى ري بعض الأراضي المجاورة بصورة أولية للغاية. وليس في هذه البلاد أنهار كبيرة يمكن أن تمخر فيها السفن والقوارب. فالكلام هنا في الدرجة الأولى عن حدود سلطانه أكثر منه عن كيفية ذلك السلطان.
وفي العدد السادس والعشرين يستلفت نظرنا قوله إن الملك يدعو الله أباه وفي الوقت ذاته هو إلهه وصخرة خلاصه القوية المتينة. قد يكون من باب الامتياز فقط أن يسمي الله أباً ولكن ليس كذلك لعامة الشعب فإنه على الكثير يكون الملك هو أبوهم. ولذلك فإننا نجد سمواً أعظم في تعليم السيد المسيح له المجد في الصلاة الربانية أبانا الذي في السموات.... وعلى كل فهي فكرة جريئة في ذلك الحين لم يستطع المرنم معها إلا أن يتبعها بقوله «إلهي» لئلا يكون قد تجاسر كثيراً. هو الله الذي اختاره وهو الصغير ليجعله بالفعل بكراً بين إخوته جميعاً. ولا ننس أهمية البكورية في ذلك الزمان ومع ذلك فداود قد تخطاها بكفارته ومقدرته حتى أصبح عظيماً. أما قوله أعلى من ملوك الأرض أي الملوك الصغار المجاورين لملكه. ثم أيضاً بالنسبة للملوك الذين جاءوا بعده ما عدا سليمان قبل انقسام المملكة إلى شطرين.
ثم يكرر الوعد بالرحمة وحفظ العهد. فإن الله لن ينسى على شرط أن الملك لا يركب متن الغرور بل يسلك متواضعاً مع إلهه.
«٢٩ وَأَجْعَلُ إِلَى ٱلأَبَدِ نَسْلَهُ، وَكُرْسِيَّهُ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلسَّمَاوَاتِ. ٣٠ إِنْ تَرَكَ بَنُوهُ شَرِيعَتِي وَلَمْ يَسْلُكُوا بِأَحْكَامِي، ٣١ إِنْ نَقَضُوا فَرَائِضِي وَلَمْ يَحْفَظُوا وَصَايَايَ، ٣٢ أَفْتَقِدُ بِعَصاً مَعْصِيَتَهُمْ وَبِضَرَبَاتٍ إِثْمَهُمْ. ٣٣ أَمَّا رَحْمَتِي فَلاَ أَنْزِعُهَا عَنْهُ، وَلاَ أَكْذِبُ مِنْ جِهَةِ أَمَانَتِي. ٣٤ لاَ أَنْقُضُ عَهْدِي وَلاَ أُغَيِّرُ مَا خَرَجَ مِنْ شَفَتَيَّ».
يتابع في العدد (٢٩) الوعد ذاته من جهة النسل الملكي وتثبيت العرش على أسس متينة لا تزعزعها تطورات الحدثان (راجع تثنية ١١: ٢١ ولا سيما ٢صموئيل ٧: ١٦) وهذا الأخير على الأرجح هو أساس ما ورد في (العدد ٢٩) من المزمور إنما يضعه المرنم بقالب شعري جذاب.
(٣٠ - ٣٧) يبدأ المرنم في العدد الثلاثين ويقتبس (٢صموئيل ٧: ١٤) بأن أمانة الله نحو ذرية داود لا تتوقف على نسبة أمانتهم هم بل على نسبة العهد الذي قطعه الله مع داود نفسه. وهنا يفسح مجالاً لضعف الإنسان وسقوطه في الخطايا فهؤلاء البنون قد يتركون الشريعة ولا يطبقون أحكامها بل ينقضون الفرائض ويهملون الوصايا. وهنا الله لا يترك لهم الحبل على غاربه بل يفتقدهم بعصا التأديب حتى يعودوا. ويسمح بالضربات حتى يتوبوا. ولكن مهما عظم ذنبهم فإن رحمة الله أعظم. فإذن السبب في دوام هذا الملك هو لرحمة الله أولاً ولأمانته. فقد وعد الله أن يثبته ويبقى عرشه وحاشا لله أن يخلف الميعاد.
أيضاً في (العدد ٣٤) يكرر الكلام ذاته من جهة عدم نقض الله لعهد قطعه قديماً ولا يغير ما خرج من شفتيه كما يفعل البشر فهم وحدهم منافقون كذابون.
إذن هو وعد وعهد في آن واحد ويبني المرنم كلامه على ما ورد في (تكوين ٨: ٢١ و٢صموئيل ٧ و١أخبار ١٧ وإشعياء ٤٤: ٩). ويجعل من هذه الأحداث التاريخية دعامة يدعم بها موقفه من جهة علاقة الله ببيت داود المختار.
«٣٥ مَرَّةً حَلَفْتُ بِقُدْسِي أَنِّي لاَ أَكْذِبُ لِدَاوُدَ. ٣٦ نَسْلُهُ إِلَى ٱلدَّهْرِ يَكُونُ، وَكُرْسِيُّهُ كَٱلشَّمْسِ أَمَامِي. ٣٧ مِثْلَ ٱلْقَمَرِ يُثَبَّتُ إِلَى ٱلدَّهْرِ. وَٱلشَّاهِدُ فِي ٱلسَّمَاءِ أَمِينٌ. سِلاَهْ ٣٨ لٰكِنَّكَ رَفَضْتَ وَرَذَلْتَ. غَضِبْتَ عَلَى مَسِيحِكَ. ٣٩ نَقَضْتَ عَهْدَ عَبْدِكَ. نَجَّسْتَ تَاجَهُ فِي ٱلتُّرَابِ. ٤٠ هَدَمْتَ كُلَّ جُدْرَانِهِ. جَعَلْتَ حُصُونَهُ خَرَاباً».
يتابع المرنم الموضوع نفسه بأن الله حلف وهو الصادق الأمين بأن النسل الملكي - وقد يكون نسل إبراهيم على وجه الإجمال - أن يبقى على الدوام ولا يضمحل وهكذا يثبت هذا العرش كثبوت الشمس بل كما يثبت القمر الذي لا يخل في مواعيده وهو أساس الشهر حسب الحساب القديم وبواسطة ذلك قسمت السنون والقرون. ووراء هذه المظاهر الطبيعية الجبارة من الشمس والقمر يوجد الخالق العظيم الذي أبدع الكائنات كلها وبقدرته صنعت. وعرشه ذاته في السماء وهنا ترتفع الموسيقى بقوله - سلاه - أما الشاهد الأمين الذين في السماء فقد يكون قوس قزح الذي وعد الله به نوحاً. أما أيوب فيقول أيوب ١٦: ١٩ «أَيْضاً ٱلآنَ هُوَذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ شَهِيدِي وَشَاهِدِي فِي ٱلأَعَالِي».
(٣٨ - ٤٥) يبدأ في هذا العدد يعاتب الله. فبعد أن يذكر المرنم أن الله قد أقسم بعهود لداود فكيف يرفضه ويرذله؟ بعد أن كان له الرضا فكيف يكون نصيبه السخط. ويستمر العتاب بقوله لقد نقضت العهد مع عبدك وهذا شيء لم يستطع المرنم فهمه بل قد دفعت تاجه للتراب بدلاً من أن يكون على الرأس. وبدلاً من أن يكون مقدساً جعلته في نجاسة. بل أن الله قد أزال الحواجز عن ممتلكات الملك وعدم الجدران وقد يكون المعنى مجازياً أي أنه لم يعد من فارق بين الملك والعامي كلاهما واحد في الامتهان والضعة. بل إنك يا رب قد هدمت تلك الحصون التي أقامها الملك على حدود بلاده فاجتازها الأعداء بقوة ولم يعد للملك قدرة أو مهابة.
«٤١ أَفْسَدَهُ كُلُّ عَابِرِي ٱلطَّرِيقِ. صَارَ عَاراً عِنْدَ جِيرَانِهِ. ٤٢ رَفَعْتَ يَمِينَ مُضَايِقِيهِ. فَرَّحْتَ جَمِيعَ أَعْدَائِهِ. ٤٣ أَيْضاً رَدَدْتَ حَدَّ سَيْفِهِ وَلَمْ تَنْصُرْهُ فِي ٱلْقِتَالِ. ٤٤ أَبْطَلْتَ بَهَاءَهُ وَأَلْقَيْتَ كُرْسِيَّهُ إِلَى ٱلأَرْضِ. ٤٥ قَصَّرْتَ أَيَّامَ شَبَابِهِ. غَطَّيْتَهُ بِٱلْخِزْيِ. سِلاَهْ».
وهكذا فإن كل عابر طريق قد تجاسر على الاعتداء فلم يعد من حرمة ترعى ولا من كرامة تحترم.
يستمر المرنم في تعداد الإهانات التي لحقت بالملك وشعبه وإذا بأيدي المضايقين ترتفع بالعدوان فهم علاوة على صلفهم لا يتورعون من أن يلحقوا الأذى في أي وقت. وهكذا كان الأعداء في فرح بينما كان الشعب في غمٍ وكمد.
بل إن الله لم ينصر الملك في المعركة فنبا سيفه وانخذل وبدلاً من أن يحوز الانتصار كان نصيبه الفشل والانكسار.
وكانت النتيجة أنه لم يعد له أي بهاء إذ لا بهاء بدون قدرة وصولة ولا عظمة إلا بما يدعمها ويثبتها. وكانت النتيجة أن ألقي العرش في التراب بدلاً من أن ينتصب شريفاً عالياً بالنسبة للمكانة التي رمقه الله بها من قبل وبالنسبة للعهود الثابتة المقطوعة التي لا يمكن أن ينساها الله أو ينقضها.
وكانت النتيجة أيضاً أن هذا الملك المدحور قد مات كمداً وهو لم يبلغ من العمر مبلغاً كبيراً. إذ أن الخزي قد غطاه فلم يستطع أن ينهض بعد فسلم نفسه لليأس القاتل.
وهكذا لقد انقسمت المملكة فذهب القسم الأكبر شاقاً عصا الطاعة وأما القسم الصغير الآخر فهو تحت نفوذ مصر وسطوتها لذلك قد ذهب المجد وقوله - سلاه - لعظمة النكبة التي يذكرها فهي تستحق أن يلتفت إليها الله ويرحم عبده ويرضى عليه بعد وهو الغفور الرحيم.
«٤٦ حَتَّى مَتَى يَا رَبُّ تَخْتَبِئُ كُلَّ ٱلٱخْتِبَاءِ؟ حَتَّى مَتَى يَتَّقِدُ كَٱلنَّارِ غَضَبُكَ؟ ٤٧ ٱذْكُرْ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ. إِلَى أَيِّ بَاطِلٍ خَلَقْتَ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ؟ ٤٨ أَيُّ إِنْسَانٍ يَحْيَا وَلاَ يَرَى ٱلْمَوْتَ؟ أَيٌّ يُنَجِّي نَفْسَهُ مِنْ يَدِ ٱلْهَاوِيَةِ؟ سِلاَهْ. ٤٩ أَيْنَ مَرَاحِمُكَ ٱلأُوَلُ يَا رَبُّ ٱلَّتِي حَلَفْتَ بِهَا لِدَاوُدَ بِأَمَانَتِكَ؟ ٥٠ ٱذْكُرْ يَا رَبُّ عَارَ عَبِيدِكَ ٱلَّذِي أَحْتَمِلُهُ فِي حِضْنِي مِنْ كَثْرَةِ ٱلأُمَمِ كُلِّهَا».
(٤٦ - ٥١) بعد أن ينهي المرنم تعداده لمظاهر العار التي لحقت بالشعب فإنه يبدأ هنا بأن يذكر بعض الأشياء التي تزيل النكبة وتنهض الساقطين. فيرى الله أنه قد حجب وجهه وهو كأنه غائب أو موجود ولكنه مختبئ. وإنما هو كذلك لأنه لا يزال غضباناً ويلتمس المرنم من الله الرضا فيتذلل أمامه بقوله هوذا كل شيء زائل لا يمكن أن يبقى بل أن هذه هي حالة كل من في الدنيا هي ليست دار قرار بل دار فرار ليس إلا يأتيها الناس ثم يذهبون. ويتساءل المرنم متعجباً أي إنسان يحيا لا يرى الموت؟ إن الإنسان باطل ولكن الرب نفسه فهو الذي ينقذ وينجي. لذلك يلتفت إلى الله بطلب العون ويسأله المراحم وأن يعود للعهود القديمة للتذكار. يراجع المرنم المجد الغابر في أيام داود وسليمان ولا يسعه إلا أن يذرف الدموع على ما مضى.
(أما العدد ٥٠) فيحتاج إلى قليل من التمعن فماذا يعني بقوله احتمله في حضني... وفي الترجمة اليسوعية «اذكر أيها السيد عار عبيدك الذي تحملته في حضني...» أي أن هذا الشعب قد ذل إلى درجة أنه يضطر أن يتحمل الذل والأذى صابراً ساكتاً ويضم هؤلاء الأعداء إلى صدره رغماً عنه على حد قول أبي الطيب المتنبئ:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدواً له ما من صداقته بدّ



«٥١ ٱلَّذِي بِهِ عَيَّرَ أَعْدَاؤُكَ يَا رَبُّ، ٱلَّذِينَ عَيَّرُوا آثَارَ مَسِيحِكَ. ٥٢ مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلَى ٱلدَّهْرِ. آمِينَ فَآمِينَ».
لقد كفى هذا العار الذي لحق شعبك وملكهم. لقد كفى يا رب ما تطاولوا به وما شوهوه من معالم الأمجاد القديمة. إن آثار مسيحك يجب أن تظل مفهومة واضحة حتى يراها الناس ويفتخروا بها فلا تطمس فيما بعد ولا تضمحل.
وأما العدد (٥٢) فهو خاتمة تسبيحة للرب ينتهي بها القسم الثالث من كتاب المزامير.


القسم الرابع من كتاب المزامير


المزمور ٩٠ - ١٠٦




اَلْمَزْمُورُ ٱلتِّسْعُونَ


صَلاَةٌ لِمُوسَى رَجُلِ ٱللّٰهِ


«١ يَا رَبُّ، مَلْجَأً كُنْتَ لَنَا فِي دَوْرٍ فَدَوْرٍ. ٢ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ ٱلْجِبَالُ أَوْ أَبْدَأْتَ ٱلأَرْضَ وَٱلْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ ٱلأَزَلِ إِلَى ٱلأَبَدِ أَنْتَ ٱللّٰهُ».
يبدأ هذا القسم من المزامير بصلاة لموسى ويعطي له اللقب رجل الله (راجع تثنية ٣٣: ١ ويشوع ١٦: ٦). قد يكون هذا المزمور مأخوذاً عن بعض الكتابات القديمة المحفوظة مثل كتاب ياشر والتي فقدت بعد ذلك (راجع يشوع ١٠: ١٣ و٢صموئيل ١: ١٨) والتي ترجع بمستنداتها إلى عصر موسى إذ أن نسق هذا المزمور ينطبق تماماً على روح موسى وعلى أسلوبه في الكتابة وعلى لغته على قدر ما نستطيع تمييزه. فهو يشبه من نواح كثيرة ما ورد في (تثنية ٣٢ وأيضا ٣٣). ويذهب ديتريش إلى الزعم بأن توراة موسى والحق يقال هي في الدرجة الأولى سفر التثنية.
(١ - ٤) يبدأ المرنم كلامه بأن يرى الله أنه هو وحده الملجأ منذ قديم الأزمنة وإلى الآن. ويمكن ترجمته يا رب في العدد الأول يا سيد أو يا مولاي مثل (خروج ١٥: ١٧ وتثنية ٣: ٢٤). إن الله ينتقل بمراحمه من جيل إلى جيل حتى يخص جميع الأجيال فهو لا يخص البعض بل أن عنايته تشمل الجميع على السواء. وكان الله في جميع هذه الأدوار الملجأ والحصن الأمين.
إن عمل خلق الجبال على ظهر اليابسة يشبه وقت المخاض للوالدة فهو قرين الأوجاع والآلام. إن الله موجود قبل كل شيء ثم أوجد اليابسة أي هذه الأرض التي نسكنها وفخر هذه الأرض إنما هي الجبال العالية. الله هو القديم الأيام وجوده منذ الأزل أي قبل كل شيء وسيبقى بعد كل شيء أي إلى الأبد فلا حد له في الزمان بينما هذه الجبال ذاتها محدودة الزمان لها بداءة تولد فيها ولها نهاية حينما تعود الأرض مستوية كما كانت.
«٣ تُرْجِعُ ٱلإِنْسَانَ إِلَى ٱلْغُبَارِ وَتَقُولُ: ٱرْجِعُوا يَا بَنِي آدَمَ. ٤ لأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلُ يَوْمِ أَمْسِ بَعْدَ مَا عَبَرَ، وَكَهَزِيعٍ مِنَ ٱللَّيْلِ. ٥ جَرَفْتَهُمْ. كَسِنَةٍ يَكُونُونَ. بِٱلْغَدَاةِ كَعُشْبٍ يَزُولُ. ٦ بِٱلْغَدَاةِ يُزْهِرُ فَيَزُولُ. عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ يُجَزُّ فَيَيْبَسُ. ٧ لأَنَّنَا قَدْ فَنِينَا بِسَخَطِكَ وَبِغَضَبِكَ ٱرْتَعَبْنَا».
هذا الإنسان الذي طالما نسي أصله فتكبر وتعظم وساد الأرض وتجبر تطلب منه أن يعود إلى التراب لأنه من التراب وإليه يجب أن يعود. ويسمي هذا الإنسان ابن آدم ليذكره بأصل أبيه الترابي لأنه كما التراب هكذا فليكن الترابيون.
وأما الزمان في عين الله فلا حساب له لأن ألف سنة تمر لديه كما يمر اليوم أو قسم من الليل. والعدد الرابع يعود إلى العدد الثاني. إذن فالله لا يحده الزمان قط بل هو الذي يملأ الزمان بمجده وعظمته (راجع ٢بطرس ٣: ٨). لقد قسم الإسرائيليون الليل إلى ثلاثة هزع - الأول ثم منتصف الليل ثم هزيع الصبح.
(٥ - ٦) إذا كان رجوع الضمير في جرفتهم إلى ألف سنة فان الأولى أن يقول جرفتها. أما إذا كان القصد من المعنى أن يقول أهل السنين أو الناس الذي يعيشون في السنين ويموتون فيها. فهذا ممكن أيضاً بل هو الأولى إذ يصف بعد ذلك حياة البشر بأنها مثل سنة النوم أو الوسن يضيع فيه الإنسان وإذا بحياته تضمحل كما يضمحل العشب عند الصباح. وفي العدد السادس نراه يقول إن هذا الشعب قد يزهر في الصباح بدلاً من أن يضمحل ولكنه لا فرق لا بد له بعدئذ من أن يجز وييبس وينتهي أمره.
(٧ - ٨) إن سخط الله علينا هو سبب هذا الفناء فمذ سقوط الإنسان الأول وطرده من جنة عدن لم يعد له أي حياة خالدة مع الله وأعوزته النعمة بالمسيح لكي ترجعه إلى سابق حالته الطاهرة المقدسة. ويكرر قوله أن السخط أفنانا وكذلك الغضب أرعبنا فنحن إذن تحت هذا الغضب إلى أن ننال الرضا والعفو والغفران.
«٨ قَدْ جَعَلْتَ آثَامَنَا أَمَامَكَ، خَفِيَّاتِنَا فِي ضَوْءِ وَجْهِكَ. ٩ لأَنَّ كُلَّ أَيَّامِنَا قَدِ ٱنْقَضَتْ بِرِجْزِكَ. أَفْنَيْنَا سِنِينَا كَقِصَّةٍ. ١٠ أَيَّامُ سِنِينَا هِيَ سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ ٱلْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَفْخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ، لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعاً فَنَطِيرُ. ١١ مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ غَضَبَكَ، وَكَخَوْفِكَ سَخَطُكَ. ١٢ إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هٰكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ».
(في العدد ٨) يتابع كلامه فيذكر أن هذه الآثام معروفة عند الله وإن جميع الخفايا هي ظاهرة لديه ولا يستطيع الإنسان أن يتخلص منها بالهرب. وهذه الخطايا موضوعة هكذا لكي يؤدبنا بواسطتها فنحن لا نترك على هوانا لئلا نضيع ونشرد. وحينما يشرق وجهه بضيائه فحينئذ لا يبقى شيء طي الخفاء والظلام (راجع العدد ٦: ٢٥).
(٩ - ١٢) يتحسر الإنسان العاقل على أيام تمر في غضب الله ورجزه وهكذا انتهت الحياة كما تنتهي قصة نرويها. وفي ترجمة أخرى «أفنينا سنينا كهمسة». وأما الترجمة اليسوعية فتقول «أفنينا سنينا كالوهم» أما الترجمة الأولى كقصة فهي الأفضل لأن الحياة هي أشبه بقصة أو رواية لها أبطالها ولها زمانها ومكانها وكلها محدودة وهكذا كل إنسان محدود وعليه أن يكون حكيماً.
سنو الإنسان في حياته سبعون وإذا زادت فثمانون ولكن يعود ليخبرنا عما يقاسيه الإنسان من تعب وبلية حتى يتمنى مرورها بسرعة وهكذا تنقضي وكحلم نطير ولا نوجد بعد ذلك. لقد حاول الإنسان أن يرفع معدل طول الحياة فنجح ولكن نجاحه كان بالأكثر بالنسبة لتقليل وفيات الأطفال منه بالنسبة لطول الحياة ذاتها. فهي منذ القديم وإلى الآن قصيرة الأمد محدودة فلنكن واعين في صرفها ولا نبذرها عبثاً. وفي (العدد ١١) ينسب ذلك إلى غضب الله وسخطه على الإنسان كما مرّ معنا من قبل. ولكنه في (العدد ١٢) يلفت نظرنا أن نكون حكماء في إحصاء هذه السنين فإن الأهمية ليس أن نعرف من فوق لكي تزيدنا حنكة واختباراً فلا نقع في أغلاط ارتكبناها بل نصلح ذواتنا على ممرّ الأيام.
«١٣ اِرْجِعْ يَا رَبُّ. حَتَّى مَتَى؟ وَتَرَأَّفْ عَلَى عَبِيدِكَ. ١٤ أَشْبِعْنَا بِٱلْغَدَاةِ مِنْ رَحْمَتِكَ فَنَبْتَهِجَ وَنَفْرَحَ كُلَّ أَيَّامِنَا. ١٥ فَرِّحْنَا كَٱلأَيَّامِ ٱلَّتِي فِيهَا أَذْلَلْتَنَا، كَٱلسِّنِينِ ٱلَّتِي رَأَيْنَا فِيهَا شَرّاً. ١٦ لِيَظْهَرْ فِعْلُكَ لِعَبِيدِكَ وَجَلاَلُكَ لِبَنِيهِمْ. ١٧ وَلْتَكُنْ نِعْمَةُ ٱلرَّبِّ إِلٰهِنَا عَلَيْنَا، وَعَمَلَ أَيْدِينَا ثَبِّتْ عَلَيْنَا، وَعَمَلَ أَيْدِينَا ثَبِّتْهُ».
(١٣ - ١٧) بعد التحذير السابق والطلب من الله أن يمنح الإنسان حكمة ودراية. يطلب منه أيضاً أن يرجع للإنسان ويترأف عليه ولا يعامل البشر بما يستحقونه. وقوله عبيدك أي جماعتك الخاصة والمؤمنون الذين يلوذون بك ويدعون باسمك (راجع تثنية ٩: ٢٧ وقابله مع خروج ٣٢: ١٣).
ولا يكتفي بطلب أن يزيل الله غضبه بل أن ينجد برحمته ولدى الصباح ننهض فنجد أنفسنا جائعين فكما نطلب طعاماً لقوتنا كذلك نطلب أن نمتلئ من الرحمة والرضوان وهكذا تكون حياتنا بهيجة فرحانة ويذهب الحزن والتنهد ولا يبقى من ذلك شيء على طول الحياة. وبعد ذلك ينتقل في العدد الخامس عشر فيطلب من الله مقابل تلك السنين التي مرت بالشر والأحزان أن تأتي سنو الخير والرضوان فلا يكون ذلك فيما بعد بل تفاخر ولا يكون تعب ومشقة بل راحة وطمأنينة على الدوام.
وهكذا فإن الله يظهر ذاته لعبيده هؤلاء ثم بعدهم يظهر بكل جلال إلى أولادهم وهكذا على التوالي فتصبح مرور السنين لأجل تثبيت هذا الحق الإلهي الذي ورثه الأبناء عن الآباء.
ثم ينتهي أخيراً بصلاة خشوعية جميلة طالباً نعمة الله أولاً فتنسكب علينا. ثم يطلب أولاً وثانياً تثبيت عمل أيدينا. أي أن قيمة عمل أيدينا تقوم على نسبة استمرار نعمة الله علينا فإن انسبغت علينا فنحن في خير ويمكننا أن نعمل الأعمال ولذلك قدم هذه وأخرّ الطلب بتثبيت العمل لأن لا قمية له إلا على نسبة ما يمنحه الله من نعمته وإحسانه.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْحَادِي وَٱلتِّسْعُونَ


«١ اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ ٱلْعَلِيِّ فِي ظِلِّ ٱلْقَدِيرِ يَبِيتُ. ٢ أَقُولُ لِلرَّبِّ: مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلٰهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ. ٣ لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ ٱلصَّيَّادِ وَمِنَ ٱلْوَبَإِ ٱلْخَطِرِ. ٤ بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. ٥ لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ ٱللَّيْلِ، وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي ٱلنَّهَارِ».
يقصد بهذا المزمور أن يكون كالرقية في أيام الحرب والوبأ فينقسم إلى ثلاثة أصوات تتجاوب على الوجه التالي:
العدد الأول: الصوت الأول
العدد الثاني: الصوت الثاني
ثم من العدد الثالث إلى الثامن يعود الصوت الأول.
ثم في العدد التاسع: الصوت الثاني
ثم يعود الصوت الأول من العدد العاشر إلى الثالث عشر.
ثم يأتي الصوت الإلهي من العدد الرابع عشر إلى الآخر.
(١ - ٢) يبدأ الصوت الأول فيستعمل العلي ثم في الشطر الثاني يستعمل القدير أي هو الله العلي فوق الجميع حتى لا يقدر أحدٌ أن يصل إليه وهو القدير لأن بظله نبيت وفي حمايته لنا الأمن والسلام. فيجيبه الصوت الآخر زيادة في الطمأنينة ويقول له أن الله هو الملجأ والحصن ولذلك فهو عليه المتكل. إن الله ليس فقط العلي والقدير بل القريب الذي يحمينا أيضاً.
(٣ - ٩) ينجي من فخ الصياد فالإنسان أشبه بعصفور صغير بالنسبة لجسامة الأحداث حوله والمباغتات التي لا تتركه دقيقة واحدة قرير العين ناعم البال. بل هو ينجي حينما ينتشر مرض مخيف كالطاعون والكوليرا (الهواء الأصفر) كما جرى أخيراً انتشار هذا الوباء المهلك في بلاد مصر سنة ١٩٤٧ فرغماً عن كل الوسائل العلمية الحديثة كان الخطر فظيعاً.
ثم ينتقل ليصور لنا الله يظلل تحت جناحيه كما يفعل النسر على شرط أن نعرف حقه. لذلك لا نخاف أي الشرور إن في الليل أو في النهار. حتى لا نخاف أي سهم طائش يرمى بدون تعمد.
«٦ وَلاَ مِنْ وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي ٱلدُّجَى، وَلاَ مِنْ هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي ٱلظَّهِيرَةِ. ٧ يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ، وَرَبَوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ. إِلَيْكَ لاَ يَقْرُبُ. ٨ إِنَّمَا بِعَيْنَيْكَ تَنْظُرُ وَتَرَى مُجَازَاةَ ٱلأَشْرَارِ. ٩ لأَنَّكَ قُلْتَ: «أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإِي». جَعَلْتَ ٱلْعَلِيَّ مَسْكَنَكَ، ١٠ لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ» .
بل لا يخاف المؤمن من أمراض جارفة يحسب مسراها في الليل لأن الظلام يعشش فيه كل أنواع الشرور. بينما النور ولا سيما نور الشمس فهو يطرد كل المخاطر. وأما هلاك الظهيرة فهي على الأرجح مخاطر الحروب والقتال لأنها عادة تجري في أشد ساعات النهار إشراقاً وضياء أي عند الظهر.
وأما المؤمن فيقف من جميع هذه وقفة المشاهد ليس أكثر كإنما هذه الويلات لا تعنيه ولا تناله بأي أذى هو سليم محروس لذلك لأن ملائكة النور تقف ألوفاً عن جانبه وعشرات الألوف عن يمينه. وهكذا تطرد من أمامه كل ما يعترض سبيله أو يكدر عليه صفو عيشه.
ينظر إلى هذه الويلات لأنه يجد فيها دروساً يلقيها الله عليه وهو يجازي الأشرار عن إثمهم. والسبب في ذلك هو لأنك قلت أيها الإنسان إن الله هو الملجأ فانعم بهذا الإيمان وكن سعيداً.
(٩ - ١٦) ومن منتصف هذا العدد يعود الكلام للصوت الأول فيؤكد مرة ثانية أن الإنسان المؤمن طالما قد جعل مسكنه مع العلي فهو في أمان وطيد.
فلا يأتي شر عليه وإذا جاءت الضربة تحيد عن خيمته ولا يُمس بأي سوء.
«١١ لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. ١٢ عَلَى ٱلأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلَّا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ. ١٣ عَلَى ٱلأَسَدِ وَٱلصِّلِّ تَطَأُ. ٱلشِّبْلَ وَٱلثُّعْبَانَ تَدُوسُ. ١٤ لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ ٱسْمِي. ١٥ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ. مَعَهُ أَنَا فِي ٱلضِّيقِ. أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ. ١٦ مِنْ طُولِ ٱلأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلاَصِي».
يكرر الصوت المواعيد الكريمة زيادة عما تقدم وإذا بالملائكة خدام له أمناء وظيفتهم الحراسة والتأمين في مختلف الطرق التي يسير عليها الإنسان أي أينما توجه بالطبع لا يقصد أن الملائكة تحرسه في مختلف أفكاره ونواياه وأساليب حياته لأنه قد يشذ عن السبيل وحينئذ من واجبه أن يعود ويهتدي. وفي (العدد ١٢) إذا بهؤلاء الملائكة يحملون ذلك الإنسان ويطيرون به طيراناً لئلا يتعثر في سيره ويصطدم بالحجارة في طريقه. بل إنه يوقي أيضاً من الوحوش الضارية والحشرات السامة. فلا الصل ولا الثعبان يؤذيان كما أنه لا الأسد ولا الشبل يفترسانه لأن حماية الله ورعايته تحيطان به وتحفظانه (راجع مرقس ١٦: ١٨ ولوقا ١٠: ١٩). والقصد من هذا الكلام هو من الجهة الروحية أي أن المؤمن يصادف أعداء يجابهونه كالأسد ويوجد أعداء ينفثون سموماً في الخفاء كالثعبان. ولكن الله يرسل ملائكته للوقاية.
وأخيراً في هذه الأعداد الباقية (١٤ - ١٦) يعطي السبب الحقيقي لماذا هو في أمان ذلك لأنه تعلق بالله فنجا. بل هو يرتفع من الحفرة التي سقط فيها لأنه يعرف اسم الله. ويمجد بل يدعو فيجاب. والذي في ضيق ينقذ ويمجد بل إنه سيكون طويل الأيام ويشبع من الحياة لأن هذا من أكبر نعم الله على الإنسان. بل إن الله يشفق عليه ويمنحه النجاة من ضيقات متنوعة لم يكن ينتظرها. وكلمة خلاص قد تطورت كثيراً في تاريخها حتى لبست حلتها الأخيرة في العهد الجديد ونجد المخلص الوحيد يسوع المسيح ابن الله.

اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّانِي وَٱلتِّسْعُونَ


مَزْمُورُ تَسْبِيحَةٍ. لِيَوْمِ اَلسَّبْتِ


«١ حَسَنٌ هُوَ ٱلْحَمْدُ لِلرَّبِّ وَٱلتَّرَنُّمُ لٱسْمِكَ أَيُّهَا ٱلْعَلِيُّ. ٢ أَنْ يُخْبَرَ بِرَحْمَتِكَ فِي ٱلْغَدَاةِ وَأَمَانَتِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ ٣ عَلَى ذَاتِ عَشَرَةِ أَوْتَارٍ وَعَلَى ٱلرَّبَابِ عَلَى عَزْفِ ٱلْعُودِ».
هذا المزمور كما نجد من عنوانه يناسب الأيام المقدسة والسبوت فهو يدعو للعبادة والتورع أمام الله. وكان معيناً ليوم السبت بينما المزامير غيره كانت لأيام الأسبوع الباقية حينما كانت تقام الخدمة بعد الرجوع من السبي. كان يرنم لدى تقديم التقدمة السبتية (العدد ٢٨: ٩ وما بعده) كذلك يرنم معه (تثنية ٣٢) ويقسم إلى ستة أقسام. وفي مساء السبت لدى التقدمة المسائية كان يرنم إحدى القطع الثلاث (خروج ١٥: ١ - ١٠ أو ١١ - ١٩ أو العدد ٢١: ١٧ - ٢٠).
(١ - ٣) يبدأ كلامه بحمد الرب حاكم العالمين والمدبر الوحيد لكل شيء ويترنم باسم الله العلي الذي هو فوق جميع الأسماء بالنسبة لرحمته الظاهرة في الصباح وأمانته التي ترافقنا في الليل أيضاً. فهو إله حنون لطيف بعباده. وهو يعيد ذكر اسم الله سبع مرات تبركاً لا سيما وهو مزمور ليوم السبت المقدس الذي هو اليوم السابع أيضاً حسب التقويم اليهودي القديم. ونجد هذا التشديد مكرراً في (المزامير ٦٣ و٩٤: ٣ و٩٦: ١٣).
إن يوم السبت في نظره هو اليوم المفرز للعبادة فنترك مهام الحياة والأشغال المعتادة وننصرف إليه (راجع إشعياء ٥٨: ١٣ وما بعده) وهذه العبادة حسنة ليس بعيني الله وحده بل يجب أن تكون كذلك في عيني الإنسان نفسه. وهكذا يترنم اللسان بالحمد والتسبيح ويستخدم فوق ذلك تلك الآلات الوترية التي كانت مستعملة للعبادة عندئذ لكي تزيد الترنيم وقعاً وجمالاً. وأي شيء أوقع في قلب الإنسان من أن يبدأ هذا النهار المقدس المخصص للعبادة بحمد اسم الرب وتكريمه ويستمر ذلك كذلك إلى أن ينتهي اليوم ويأتي الليل وحينئذ نذكر أمانة الرب وما صنعه معنا من عظائم.
«٤ لأَنَّكَ فَرَّحْتَنِي يَا رَبُّ بِصَنَائِعِكَ. بِأَعْمَالِ يَدَيْكَ أَبْتَهِجُ. ٥ مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ وَأَعْمَقَ جِدّاً أَفْكَارَكَ. ٦ ٱلرَّجُلُ ٱلْبَلِيدُ لاَ يَعْرِفُ وَٱلْجَاهِلُ لاَ يَفْهَمُ هٰذَا. ٧ إِذَا زَهَا ٱلأَشْرَارُ كَٱلْعُشْبِ وَأَزْهَرَ كُلُّ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ، فَلِكَيْ يُبَادُوا إِلَى ٱلدَّهْرِ. ٨ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَمُتَعَالٍ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٩ لأَنَّهُ هُوَذَا أَعْدَاؤُكَ يَا رَبُّ، لأَنَّهُ هُوَذَا أَعْدَاؤُكَ يَبِيدُونَ. يَتَبَدَّدُ كُلُّ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ».
(٤ - ٦) أما سبب هذا الحمد فلا يتأخر أن يقول إن الرب قد فرح عبيده بأعماله العظيمة مدى الأجيال الطويلة التي أظهر فيها سيطرته وجبروته على شعبه. ويا ليت تبدل كلمة «بصنائعك» بقوله «بصنعك». ويقصد المرنم هنا كيف أن الله صنع السموات والأرض وعملهما بيديه بصورة المجاز. إن أعمال الرب عظيمة وأفكاره عميقة جداً وهكذا فإن الإنسان الذي لا يعترف بذلك فهو بليد وجاهل لأنه كيف يستطيع أن يرى آثار هذه الأعمال ثم ينكرها ويرفض صانعها؟ والحق يقال إننا لا نستطيع أن نفهم أعمال الله بعقولنا القاصرة وحده طالما نحن في حدود الجسد «لأننا ننظر الآن في مرآة في لغز» (١كورنثوس ١٣: ١٣) نحن لا نستطيع التمييز إلا بإرشاد روح الله فقط (راجع ٢صموئيل ١٣: ١٧ وكذلك رومية ١١: ٣٣).
(٧ - ٩) أما هؤلاء الأشرار الجهال الذين لا يفهمون مقاصد العلي فهم يزهون إلى حين ثم يضمحلون. قد يزهرون الآن ولكن هذا الزهر لكي يباد ولا يبقى أبداً ولا يمكن يعطي ثماراً على نسبة ذلك الزهر. وبعكس ذلك فإن الله يبقى في مركزه الأعلى. إن الأشرار هم العشب يملأ الأرض ولكنه ييبس ويذبل سريعاً ولا يبقى بينما الرب يبقى رفيعاً فوق كل مخلوقاته فكيف إذن يستطيع الشرير أن يغتر بنفسه ويتمادى. وهكذا ينظر إلى أولئك الجهلة المتكبرين ويرفضهم جانباً. هم أعداء الله لأنهم أعداء أنفسهم لأن الجاهل هو عدو نفسه قبل كل شيء ولأنه كذلك فهو يهلك لأنه فاعل إثم ولا يثبت أمام وجه الله بل يضمحل كما تذهب سحابة الصيف أمام الريح وتتفرق في وجه الشمس (انظر أيوب ٤: ١١).
«١٠ وَتَنْصِبُ مِثْلَ ٱلْبَقَرِ ٱلْوَحْشِيِّ قَرْنِي. تَدَهَّنْتُ بِزَيْتٍ طَرِيٍّ. ١١ وَتُبْصِرُ عَيْنِي بِمُرَاقِبِيَّ، وَبِٱلْقَائِمِينَ عَلَيَّ بِٱلشَّرِّ تَسْمَعُ أُذُنَايَ. ١٢ اَلصِّدِّيقُ كَٱلنَّخْلَةِ يَزْهُو، كَٱلأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمُو. ١٣ مَغْرُوسِينَ فِي بَيْتِ ٱلرَّبِّ، فِي دِيَارِ إِلٰهِنَا يُزْهِرُونَ. ١٤ أَيْضاً يُثْمِرُونَ فِي ٱلشَّيْبَةِ. يَكُونُونَ دِسَاماً وَخُضْراً ١٥ لِيُخْبِرُوا بِأَنَّ ٱلرَّبَّ مُسْتَقِيمٌ. صَخْرَتِي هُوَ وَلاَ ظُلْمَ فِيهِ».
(١٠ - ١٢) وأما الذين يتقون الله فهم ليسوا كذلك بل هم ينهضون أقوياء للدفاع عن أنفسهم ولا يبادون سريعاً. البقر الوحشي أو الرثم هو من أجمل الحيوانات ولها قرون قوية تدافع بها عن نفسها. وهي حينما تنصب قرونها تستعد للدفاع عن نفسها بقوة. وقوله «تدهنت بزيت طري» دليل الفتوة الشباب ويكنى بذلك عن النشاط وقوة العزيمة. وحينئذ إذا بعينيه تبصران جيداً لكل المخاطر حوله كأنه يبصر بعين من يراقبه ويسمع بإذن من يقوم عليه بالشر. فهو متنبه حذر لا تغفل عينه عن شيء كذلك لا تفوت إذنه أي الأصوات مهما كانت خفيفة ضعيفة. حينئذ هذا الصديق يرتفع إلى فوق بعكس الأشرار الذين ييبسون ويندثرون وهو كالأرز في قوته وثباته ويستطيع أن يحتمل عواصف الحياة راسخاً لا يعبأ بشيء.
(١٣ - ١٥) يقصد بهذه الاستعارة إنهم متأصلون في إيمانهم ومعرفتهم الروحية لذلك نجدهم ذوي مكانة مرموقة في ديار الرب. فهم منذ شبابهم يتعلمون مخافة الرب وهكذا ينمون في هذه المعرفة على ممر السنين. إذا بهم بعد ذلك حينما يتجاوزون سن الرجولة إلى الكهولة والشيخوخة يعطون ثمراً كثيراً صالحاً يليق بالحياة الأبدية وهكذا يكونون على الدوام في فتوة ونشاط من جهة روحية ولو بلغوا من كبر السن عتياً. وكل من يختبرهم يجد فيهم طيباً ودسماً.
وبالتالي تكون حياتهم بشارة لما صنعه الله معهم من بر واستفادة فيعترفون بالله أنه صخر الدهور. وحينئذ مهما تقلبت عليهم الأيام يجدون أن الله عادل وبار وهو لا يصنع شيئاً إلا بالرحمة والأمانة منذ الطفولة الأولى وعلى مدى الحياة.


اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّالِثُ وَٱلتِّسْعُون


«١ اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. لَبِسَ ٱلْجَلاَلَ. لَبِسَ ٱلرَّبُّ ٱلْقُدْرَةَ. ٱتَّزَرَ بِهَا. أَيْضاً تَثَبَّتَتِ ٱلْمَسْكُونَةُ. لاَ تَتَزَعْزَعُ. ٢ كُرْسِيُّكَ مُثْبَتَةٌ مُنْذُ ٱلْقِدَمِ. مُنْذُ ٱلأَزَلِ أَنْتَ».
الرب هو ملك إسرائيل (تثنية ٣٣: ٥ وقابله مع خروج ١٥: ١٨). والرب نفسه هو ملك كل الأرض لذلك يريد المرنم أن يرينا هذه الصورة الجليلة عن الملك القدير. ويستعمل هذا التعبير في أسمى درجات التكريم (انظر إشعياء ٢٤: ٢٣ و٥٢: ٧). وكذلك (الرؤيا ٢١: ١٧ و١٩: ٦). ولا غرو أن يبدأ المرنم هكذا طالما الزمان هو بعد رجوع السبي حينما أخذت الأمة تجدد عهد مجدها ومن غير الله هو باعث مجدها ومجدد حياتها ومنشطها لكل معاني الكرامة والحرية.
(١ و٢) هو الملك الذي يلبس الجلال بدل الحلة الملكية وأزاره القدرة يشد بها وسطه ويظهر جبروته بالنسبة لأن المسكونة كلها تخضع له وتظهر سجودها وبالتالي فهي ثابتة غير متزعزعة على نسبة علاقتها الوطيدة بالله الخالق القدير.
وعرش الله لا بداءة له ولا نهاية إذ هو قبل هذا الوجود وسيبقى بعده أيضاً. ونجد وصفاً بديعاً لهذا الملكوت في (إشعياء ٥٩: ١٧ و٦٣: ١ وما بعده وقابل ذلك مع دانيال ٧: ٩).
قد حدث في التاريخ إن ظهر أن الأمم تتغير وتتبدل وإذا بملوك يهوذا لم يعودوا شيئاً بل سبوا إلى بلاد بعيدة ولكن هوذا قد عاد كل شيء إلى سابق عهده واستتب الشعب في مكانه وأرجع المجد إلى الأرض وهكذا فإن الله هو موجود وهو الملك الحقيقي على البشر جميعهم. فإذا ذهبت الأمم وتبدلت الممالك فإن الرب الخالق القدير يبقى ملكه إلى الأبد.
«٣ رَفَعَتِ ٱلأَنْهَارُ يَا رَبُّ، رَفَعَتِ ٱلأَنْهَارُ صَوْتَهَا. تَرْفَعُ ٱلأَنْهَارُ عَجِيجَهَا. ٤ مِنْ أَصْوَاتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، مِنْ غِمَارِ أَمْوَاجِ ٱلْبَحْرِ، ٱلرَّبُّ فِي ٱلْعُلَى أَقْدَرُ. ٥ شَهَادَاتُكَ ثَابِتَةٌ جِدّاً. بِبَيْتِكَ تَلِيقُ ٱلْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ ٱلأَيَّامِ».
(٣ - ٥) وهكذا فإن جميع أنهار الدنيا ويكنى بذلك عن المتاعب والمصاعب التي تعترض حياة الإنسان. قد تطوف هذه الأنهار وتهدر أمواجها كالبحار وتعجّ عجيجاً هائلاً يملأ المسكونة وكل القفار ولكن هذا إلى وقت محدود وإذا كل شيء يعود هادئاً ساكناً كأن لم يحدث شيء قط.
هوذا نهر النيل ويكنى بذلك عن مملكة مصر وصولتها وعظتها (راجع إرميا ٤٦: ٧ وما بعده). ونهر الفرات وهو موطن الأشوريين (إشعياء ٧: ٧ وما يليه). والدجلة وهذا بصورة اضبط وأكمل إذ هو سريع كالسهم الذي يرميه الأشوريون والبابليون (رجع إشعياء ٢٧: ١).
هذه المياه المتدفقة الزاخرة. هذه الأمبراطوريات التي سادت وحكمت العالمين. هذه الشعوب التي استبدت في ملكها وسلطانها كلها قد اضمحلت ولكن الله نفسه أقدر من جميعها وهو وحده الباقي حاكماً حقيقياً على هذا الوجود لأنه ملكه ومجلى سلطانه وجلاله.
وما هذه الأحداث الماضية بل هذه الأمور الحاضرة سوى شهادات للرب تري الإنسان أنه وحده الحي إلى الأبد.
وهكذا فإن الإنسان المؤمن يتوجب عليه أن يقدم عبادته في بيت الرب لأن في هذا البر يظهر إيمان الإنسان بإلهه وأمانة الله نحو هذا الإنسان المتعبد الصادق.

اَلْمَزْمُورُ ٱلرَّابِعُ وَٱلتِّسْعُونَ


«١ يَا إِلٰهَ ٱلنَّقَمَاتِ، يَا رَبُّ يَا إِلٰهَ ٱلنَّقَمَاتِ أَشْرِقِ. ٢ ٱرْتَفِعْ يَا دَيَّانَ ٱلأَرْضِ. جَازِ صَنِيعَ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ. ٣ حَتَّى مَتَى ٱلْخُطَاةُ يَا رَبُّ، حَتَّى مَتَى ٱلْخُطَاةُ يَشْمَتُونَ؟».
في هذا المزمور صوت التعزية والسلوان في وسط الآلام المسببة عن اضطهاد المستبدين فيلتفت المرنم إلى مصدر كل تعزية ويقول يا إله النقمات يا رب... وهو متقارب المبنى والمعنى للمزمورين السابقين الثاني والتسعين والثالث والتسعين وهو مكتوب بلا شك بعد عصر داود بزمان طويل ولذلك يتبع نسق آساف وداود من جهة سبكه للمعاني. ويرجح أنه كتب قبيل العصر المكابي أي في أواخر العصر الفارسي حينما كتبت أيضاً بعض أسفار الحكمة كالجامعة مثلاً.
(١ - ٣) يطلب المرنم من الله أن يضع حداً لتصلف الأمم العاتية التي لا تخاف الله ولا تمشي بحسب وصاياه. تلك الأمم ذات الآلهة الغريبة التي أهانت شعب الله مدة الأجيال الطويلة وظهر أن الرب لم يهتم بخاصته بل تركهم في أيدي المغتصبين والظالمين. يطلب أن يشرق على الشعب بقدرته مرة ثانية والسبب في ذلك هو لكي يدين وينتقم من أولئك الذين قد تكبروا على الله ولم يرعوا حرمة لأحد.
وأما ارتفاع الرب هنا فمعناه أن يشرف على أعمال الناس وينظر إليهم جميعاً وهكذا يستطيع أن يحاربهم على شر أفعالهم. أولئك هم المتكبرون القساة الذين يستحقون أشد القصاص لقاء ما جنته أيديهم. قد يترك الله الأشرار إلى حين ولا يجازيهم ولكنه في وقت مناسب سوف يدعوهم لتأدية الحساب. وحسابهم هذا ليس من الضروري أن يكون يوم الحشر بل قد يكون حسابهم في هذا الزمان الحاضر. وأما حجة المرنم فهي لأن هؤلاء الخطاة يشمتون بالأتقياء ويهزأون بهم. وهكذا فهو يطلب أن يضع الله حداً لهذه المهازل القاسية التي يقومون بها لكي يرعووا عن غيّهم.
«٤ يُبِقُّونَ، يَتَكَلَّمُونَ بِوَقَاحَةٍ. كُلُّ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ يَفْتَخِرُونَ. ٥ يَسْحَقُونَ شَعْبَكَ يَا رَبُّ وَيُذِلُّونَ مِيرَاثَكَ. ٦ يَقْتُلُونَ ٱلأَرْمَلَةَ وَٱلْغَرِيبَ وَيُمِيتُونَ ٱلْيَتِيمَ. ٧ وَيَقُولُونَ: ٱلرَّبُّ لاَ يُبْصِرُ، وَإِلٰهُ يَعْقُوبَ لاَ يُلاَحِظُ. ٨ اِفْهَمُوا أَيُّهَا ٱلْبُلَدَاءُ فِي ٱلشَّعْبِ، وَيَا جُهَلاَءُ مَتَى تَعْقِلُونَ؟».
(٤ - ٧) يتابع المرنم كلامه ويصف هؤلاء الناس الثرثارين الذين يتكلمون مستكبرين ولا يخافون الله ولا يحاسبون ضمائرهم. كلامهم هو دليل حياتهم السطحية الفارغة من الإيمان والتقوى. لهم ألسنة ولا يلجمونها بل يتركون لها العنان بلا قيد ولا شرط. ما يخطر في بالهم يقولونه ولا ينتظرون من أحد أن يحاسبهم على ما يقولون. هو كلام الوقاحة الذي لا يحترم كبيراً ولا يعطف على صغير. لأنه صادر من أناس يرتكبون الإثم ولا يؤدون عن أي شيء حساباً.
هم أناس يسحقون الصديقين سحقاً ويسببون ذلاً وهواناً لأتقياء الله. بل يتمادون في قبائحهم حتى يقتلون الأرملة والغريب ولا يعرفون معنى للحنان. فإذا كان الإنسان لا يشفق على مثل هؤلاء المساكين الضعفاء فعلى من يشفق يا ترى؟ وإذا كان هؤلاء العتاة لا يرحمون أحق الناس بالرحمة فمن يرحمون يا ترى؟
وفي الوقت ذاته هم يزعمون أنهم في حل أكيد مما يقترفون ذلك لأنهم يحسبون أن الرب لا يراهم ولا يدري حالتهم وهكذا يتخذون هذا الوهم حجة فارغة للتمادي. وتتراكم آثامهم وخطاياهم واحدة بعد أخرى.
(٨) والآن يلتفت المرنم من هؤلاء المغتصبين الظالمين. من الطغاة الفظيعين الذين لا يعرفون الله. ويخاطب شعب إسرائيل نفسه وليس الشعوب الغريبة يريدهم أن يفهموا أكثر ولا يبلدوا أفكارهم ولا يعموا بصائرهم. لأن الإنسان مطالب بأن يفهم بعد هذه الحوادث الجسام والدروس القاسية التي ألقيت عليهم فهل تعلموها؟ ومتى يفعلون؟
«٩ ٱلْغَارِسُ ٱلأُذُنَ أَلاَ يَسْمَعُ؟ ٱلصَّانِعُ ٱلْعَيْنَ أَلاَ يُبْصِرُ؟ ١٠ ٱلْمُؤَدِّبُ ٱلأُمَمَ أَلاَ يُبَكِّتُ؟ ٱلْمُعَلِّمُ ٱلإِنْسَانَ مَعْرِفَةً. ١١ ٱلرَّبُّ يَعْرِفُ أَفْكَارَ ٱلإِنْسَانِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ. ١٢ طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي تُؤَدِّبُهُ يَا رَبُّ وَتُعَلِّمُهُ مِنْ شَرِيعَتِكَ ١٣ لِتُرِيحَهُ مِنْ أَيَّامِ ٱلشَّرِّ حَتَّى تُحْفَرَ لِلشِّرِّيرِ حُفْرَةٌ».
(٩ - ١١) إن شعب الله أخذ يشك في الانتقام أو إنه انتظر عملاً من الرب فلم يحصل وهكذا تسرعوا بالاستنتاج وحسبوا أن الله لا يجازي ولا يهمه أي أمر من الأمور. وهنا يقول المرنم موبخاً ومبيناً أن موقف هؤلاء الناس لم يكن حكيماً إذ كيف يعقل أن الخالق الذي صنع الأذن لا يسمع هو نفسه. ذاك الإله البار الحكيم القدوس الذي يؤدب الأمم ويقاص الجميع أفهل يعقل أنه ترك هذه المهمة وأهملها جانباً أما أن الذي يعرف كل شيء هل يعقل أن يعوزه شيء من المعرفة عن الناس الأقربين (انظر لاويين ١١: ٧) وكذلك قابل هذا مع (خروج ٤: ١١). ولكن الله يعرف كل أفكار الإنسان وإنما يطيل أناته عليه ويرحمه.
(١٢ - ١٣) ولكن هنيئاً للذي يقبل تأديب الرب وحينئذ يفهم دروس الحياة فلا يتذمر من قسوة ما مر عليه بل يرى يد الله القديرة ممدودة لعونه وإرشاده. وهكذا ينصرف هذا الإنسان لكي يدرس شريعة الرب ويفهم منها ما يريد الله أن يقوله لشعبه. طوبى للإنسان الذي يفهم التأديب وليس الذي يناله لأنه إذا نال التأديب ولم يفهم فلا يكون أي فائدة من وراء ذلك. إن الأهمية هو لقبول التأديب أي نصبح متأدبين مهذبين بالحق (انظر أيوب ٥: ١٧ وقابله أمثال ٣: ١١ وما بعده). هذا هو طريق التأديب فإنه يجب أن يعذبنا قليلاً لنستفيد كثيراً (راجع تثنية ٨: ٥ وإرميا ٤٩: ٢٣ وإشعياء ٣٠: ١٥).
وهكذا ينال المؤمن راحة ولا يعود الشر يضيمه بأي شيء. وأما الشرير فيجد في هذه المصائب حفرة كبيرة يكاد يدفن في جوفها.
«١٤ لأَنَّ ٱلرَّبَّ لاَ يَرْفُضُ شَعْبَهُ وَلاَ يَتْرُكُ مِيرَاثَهُ. ١٥ لأَنَّهُ إِلَى ٱلْعَدْلِ يَرْجِعُ ٱلْقَضَاءُ وَعَلَى أَثَرِهِ كُلُّ مُسْتَقِيمِي ٱلْقُلُوبِ. ١٦ مَنْ يَقُومُ لِي عَلَى ٱلْمُسِيئِينَ؟ مَنْ يَقِفُ لِي ضِدَّ فَعَلَةِ ٱلإِثْمِ؟ ١٧ لَوْلاَ أَنَّ ٱلرَّبَّ مُعِينِي لَسَكَنَتْ نَفْسِي سَرِيعاً أَرْضَ ٱلسُّكُوتِ. ١٨ إِذْ قُلْتُ: قَدْ زَلَّتْ قَدَمِي فَرَحْمَتُكَ يَا رَبُّ تَعْضُدُنِي».
(١٤ و١٥) إذن ما مرّ على الشعب هو مجرد دروس قيمة مفيدة ألقيت عليه للتهذيب. لأن الله لا يرفض شعبه بل يؤدبهم ولا يتركهم جانباً بل يرعاهم ويقودهم. وعليه نجد أن المؤمن يرى يد الله عاملة في كل ما حوله ويعيش مطمئن الخاطر ناعم البال قرير العين وإن كانت الظروف الخارجية لا تبشره بخير كثير ولكن إيمانه القلبي يحوّل جميع ظروف الحياة إلى سلام وقوة.
ذلك لأن الله يحب العدل وما نجده من جور وظلم فهي أحكام وقتية هي كالظل العابر. ونستطيع ترجمة العدد ١٥ هكذا «ولكن يتحول ما هو صواب براً فيتبعه كل مستقيمي القلوب». وأما الترجمة اليسوعية فتقول «وسيعود القضاء إلى العدل ويتبع العدل جميع المستقيمي القلوب» وأعتقد أن المرنم يريد أن يقول للمؤمنين أن لا يخافوا شيئاً لأن الحكم بالعدل سيعم الجميع ويرجع البشر إليه. فإذا ظهر أنه لا يوجد عدل الآن فذلك لا يعني أن يستمر الحال هكذا بل سيتبدل كل شيء للمؤمنين.
(١٦ - ١٨) يتساءل المرنم ترى من الذي يعين على إجراء الحق واستتباب العدالة في كل مكان. ومن الذي يردع الأثمة عن إثمهم فيجيب نفسه حالاً ويقول ذلك هو الرب وحده لأنه لولا معونته لكانت نفسي في الهاوية ولا أبقى بين الأحياء (انظر إشعياء ١: ٩ وتكوين ٢٦: ١٠). أما أرض السكوت فهي الهاوية حيثما يجتمع الأموات ولا يستطيعون كلاماً ولا أن يسبحوا الله.
وهنا يستغفر الله على كل زلل مضى. فإذا كان قد عثر من قبل وسقط فإن رحمة الرب لا تتركه قط بل تعضده وتقويه وتسنده وتعينه وتنجيه. ذلك لأن هذا الإله رحيم غفور لا يريد موت الخاطئ بل توبته ورجوعه ثم حياته الكاملة مع الله.
«١٩ عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي. ٢٠ هَلْ يُعَاهِدُكَ كُرْسِيُّ ٱلْمَفَاسِدِ، ٱلْمُخْتَلِقُ إِثْماً عَلَى فَرِيضَةٍ؟ ٢١ يَزْدَحِمُونَ عَلَى نَفْسِ ٱلصِّدِّيقِ وَيَحْكُمُونَ عَلَى دَمٍ زَكِيٍّ. ٢٢ فَكَانَ ٱلرَّبُّ لِي صَرْحاً، وَإِلٰهِي صَخْرَةَ مَلْجَإِي ٢٣ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِثْمَهُمْ، وَبِشَرِّهِمْ يُفْنِيهِمْ. يُفْنِيهِمُ ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا».
(١٩) بل حينما تأتي أفكار الهموم والتعاسة والشقاء. ويصبح داخله يعج بالويلات والآلام فإن تعزيات الرب عندئذ تخفف عنه الأثقال وتزيل عن ظهره الأحمال. وقوله «تلذذ» وزن فعّل للتكثير وليس للتعدية فقط. أي إنه لدى كل مصيبة مهما عظمت فإن تعزية الرب تزيل آثارها المزعجة وتجعل بدلاً منها لذة وراحة. فمهما عظمت المصائب تصبح تعزيات الرب أوفر منها وأبعد أثراً.
(٢٠ - ٢٣) يتساءل هنا هل يمكن أن يكون للظلم أية خلطة مع أحكام الرب. لا سيما هل يرضى الرب بمن يختلق الإثم اختلاقاً وهو يحسب أنه يجري حكماً وقضاء للناس. ذلك لأن الناس الذين يوضعون على منصة الأحكام يطلب منهم أن يجروها بعدل وإنصاف أولئك الذين يأخذون قوة من كثرة المؤيدين المتألبين حولهم من أتباع وأنصار. ولكنهم بذلك فقط يحكمون على الأبرياء وبالتالي فإنهم سينالهم القصاص عاجلاً أم آجلاً. ولكن الرب لا يتخلى عن الملتجئين إليه لأنه برج قوة. ولأنه صخرة ملجأ للحماية والإنقاذ. وهكذا تكون النتيجة أن ما قصدوه من شر قد عاد عليهم أولاً. لأن على الباغي تدور الدوائر. والله العادل سوف يجازيهم على نسبة شرهم فلأنهم قد سببوا الشر فهم أول الساقطين فيه ومن حفر حفرة لأخيه وقع فيها. ويؤكد المرنم أخيراً هذا الجزاء العادل الذي سينالهم إذ سيفنيهم الرب لا محالة. وهكذا يختم المرنم هذا المزمور كما افتتحه بطلب الانتقام ولكنه يريده عادلاً وللمتقين فقط.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْخَامِسُ وَٱلتِّسْعُونَ


«١ هَلُمَّ نُرَنِّمُ لِلرَّبِّ نَهْتِفُ لِصَخْرَةِ خَلاَصِنَا. ٢ نَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِحَمْدٍ وَبِتَرْنِيمَاتٍ نَهْتِفُ لَهُ. ٣ لأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلٰهٌ عَظِيمٌ، مَلِكٌ كَبِيرٌ عَلَى كُلِّ ٱلآلِهَةِ».
هذا المزمور هو دعوة صارخة لعبادة الرب وطاعة كلمته واتباع إرشاداته الإلهية الحكيمة. وهو ينتسب للمزمور سابقه بأنه يدعو الله صخرة الخلاص. وربما كتب هذا المزمور لداع خاص ولكنه غير معروف وغير مؤكد تماماً.
(١ - ٣) إن الرب هو صخرة الخلاص كما يدعى أيضاً في (مزمور ٨٩ وقابله مع مزمور ٩٤: ٢٢). فهو الملاذ الثابت الأمين لا يتزعزع ولا يتغير. وعلينا أن نرنم لاسمه ونهتف بخلاصه لأن اعترافنا بذلك هو دليل شكرنا القلبي على جميع أعماله الإلهية المنعشة. وهكذا حينما يدخل المتعبد بيت الرب عليه أن يبدأ عبادته بهذه العبارات المشجعة القوية (انظر ميخا ٦: ٦ وأيضاً ٢صموئيل ٢٣: ١). وأما التقدم أمام الرب فمعناه الحضور إلى بيته والسجود عند موطئ قدميه لأنه يريدنا أن نحمده ونرنم لاسمه ونملأ كل مكان من ذكر مجده وقداسته. حتى أن الناس جميعهم حولنا يلتفتون إلى ما نقوله ويقتدون بنا ونذيع اسم الرب فيما بينهم ونعيش شكورين بألسنتنا كما وبحياتنا أيضاً.
ذلك لأن الله عظيم جداً ومستحق كل عبادة و تكريم. هو ملك الأرض كلها وملك عالم الأرواح. إذ أن آلهة الشعوب ليست شيئاً فإذن هو وحده الخالق المدبر وعلى الجميع أن يظهروا خضوعهم التام له ويسيروا حسب مشيئته.
«٤ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَقَاصِيرُ ٱلأَرْضِ وَخَزَائِنُ ٱلْجِبَالِ لَهُ. ٥ ٱلَّذِي لَهُ ٱلْبَحْرُ وَهُوَ صَنَعَهُ، وَيَدَاهُ سَبَكَتَا ٱلْيَابِسَةَ. ٦ هَلُمَّ نَسْجُدُ وَنَرْكَعُ وَنَجْثُو أَمَامَ ٱلرَّبِّ خَالِقِنَا، ٧ لأَنَّهُ هُوَ إِلٰهُنَا وَنَحْنُ شَعْبُ مَرْعَاهُ وَغَنَمُ يَدِهِ. ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ».
(٤ - ٧) إن الله ممجد في نظر المرنم لثلاثة أسباب الأول لأنه فوق جميع الآلهة وثانياً لأنه هو فوق جميع الأشياء لأنه خالقها ومبدعها وثالثاً هو فوق شعبه لأن يرعاهم ويقودهم إلى تمام الخير والتوفيق والرضا. إذن فالله فوق كل السموات والأرض التي هي من صنع يديه. أما مقاصير الأرض فهي أغوارها والأمكنة الواطئة فيها من وديان وما أشبه وهذه عادة تكون ملأى بالخصب والغلال الكثيرة. ومن ناحية ثانية فإن الجبال بما فيها من كنوز مخزونة هي له أيضاً فإذن كل شيء له ما ارتفع وما انخفض ما خفي وما ظهر. بل له أيضاً هذا البحر الواسع الأطراف بما فيه من مياه كثيرة يسبح فيها أنواع الأسماك العديدة بل هوذا هذه اليابسة كلها فقد سبكتها يداه فقد كانت في حالة الميعان وأما الآن فقد أصبحت آهلة بالسكان.
وهل هو شيء غير معقول أن يطلب المرنم بناء على ذلك كله أن نسجد له ونعبده كما يليق بعزته الإلهية وكما ينبغي علينا كأناس ندعي التدين ونريد أن نظهره للخالق العظيم.
ذاك هو إلهنا لسنا سوى شعب مرعاه أي هو راعينا المحب الذي يقودنا إلى المراعي الخضر وإلى مياه الراحة يوردنا (راجع مزمور ٢٣). وقد كرر الطلب نسجد ونركع ونجثو من باب التوكيد حتى لا نتردد في إتمام هذا الواجب المطلوب منا تجاه الخالق الحنون العظيم (راجع ٢أخبار ٦: ١٣) نحن شعبه الموكول إليه أمر العناية به لذلك نحن غنم يده أي موضوعون في عنايته ورعايته وبدونه لا حياة لنا قط.
«٨ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي مَرِيبَةَ، مِثْلَ يَوْمِ مَسَّةَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، ٩ حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. ٱخْتَبَرُونِي. أَبْصَرُوا أَيْضاً فِعْلِي ١٠ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَقَتُّ ذٰلِكَ ٱلْجِيلَ وَقُلْتُ: هُمْ شَعْبٌ ضَالٌّ قَلْبُهُمْ، وَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي. ١١ فَأَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي لاَ يَدْخُلُونَ رَاحَتِي!».
ويستخلص إلى القول بأن يتعظ الشعب من حوادث أليمة مرت به في الماضي فيذكر الشعب بيوم مريبة ومسّة. وهو الأرجح في السنة الثانية بعد الخروج من مصر حينما أخذوا يتذمرون في برية سيناء بسبب قلة المياه (خروج ١٧: ١ - ٧) وأيضاً جرت حادثة في مريبة في السنة الأربعين من الخروج وهو حادثة ماء مريبة (راجع العدد ٢٠: ٢ - ١٣ وقابل هذا مع المزمور ٧٨: ٢٠).
لقد جرّب الشعب عندئذ الرب وحاولوا أن يختبروا ماذا يفعل الرب بهم وإذا بهم يبصرون ماذا يستطيعون أن يفعله نحوهم (راجع إشعياء ٤٩: ١٥).
وقد استمر هذا العصيان كما نعلم أربعين سنة حتى حكم الله عليهم بالهلاك في البرية ولا يدخلون أرض الموعد. ذلك لأنهم شعب ضال ولم يعرفوا سبله المستقيمة فكان ضلالهم الروحي أعظم من ضلالهم في تلك البرية وتيهانهم فيها.
لقد أقسم الله (راجع العدد ١٤: ٢٧ وما بعده). بأن لا يتمتعوا بأطايب أرض الموعد بل يهلكوا بعيدين مشردين (راجع تثنية ١٢: ٩).
وعليه فالمرنم يأخذ عبرة من التاريخ ويلفت نظر الشعب إليها ويقول لهم انظروا ماذا جرى وماذا كان الحكم وتعقلوا قبل فوات الأوان لئلا يصيبكم ما أصاب أولئك الآباء. وهل نعجب إذا وصلنا للنتائج ذاتها طالما قد سلكنا الأسباب ذاتها. والحكمة تقضي أن يرجعوا ويتوبوا ويعبدوا الرب قبل فوات الأوان لأن الآن وحده هو وقت مقبول.

اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّادِسُ وَٱلتِّسْعُونَ


«١ رَنِّمُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً. رَنِّمِي لِلرَّبِّ يَا كُلَّ ٱلأَرْضِ. ٢ رَنِّمُوا لِلرَّبِّ، بَارِكُوا ٱسْمَهُ، بَشِّرُوا مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ بِخَلاَصِهِ. ٣ حَدِّثُوا بَيْنَ ٱلأُمَمِ بِمَجْدِهِ، بَيْنَ جَمِيعِ ٱلشُّعُوبِ بِعَجَائِبِهِ».
في هذا المزمور تحية لملكوت الله الجديد فهو نظر ثاقب إلى المستقبل البعيد يراه بعين الإيمان سعيداً مجيداً. وهو يحمد اسم الله كما يفعل المزمور السابق الذي يقول عن الرب «ملك كبير على كل الآلهة». ونجد هذا المزمور يرنم عند إرجاع تابوت العهد (رجع ١أخبار ١٦: ٢٣ - ٣٣). وهو يناسب جداً للتعبير عن أفراح ذلك العيد والترانيم العذبة التي تتخلله. ويذهب الكثيرون إلى أن هذا المزمور قد كتب بعد السبي حينما عرف إسرائيل رسالته نحو الشعوب الأخرى وهو يدعونا جميعاً للاعتراف بالرب الواحد على العالم أجمع. لقد كانت اختبارات السبي مرّة ولكنها عظيمة وجليلة إذ جعلت حداً فاصلاً بين الأفكار التي قبل السبي والأفكار التي جاءت بعده حينما نجد كمال ذلك ظاهراً في العهد الجديد حينما يأتي المسيح مخلص العالم وحينئذ لا فرق بين يهودي وأممي ذكر وأنثى عبد وحرّ بل الجميع واحد أمام الله ديّان العالمين.
(١ - ٣) يبدأ المرنم بأن يدعو شعب الله للترنيم وبعد ذلك يدعو شعوب الأرض جميعاً ليشتركوا بالترنيم. بل إنه من واجب هذا الشعب أن يكونوا الدعاة لمعرفة الرب الذين ينشرون اسمه ويعرّفون كل الأمم بخلاصه. وهي ترنيمة جديدة في مبناها وليس في معناها إذ أن الترنيم للرب أمر واجب وحلو. وللمرة الثالثة يطلب الترنيم للرب وبركة اسمه وحينئذ يخبر الجميع بالخلاص العجيب الذي أعدّه. هذه الترنيمة الجديدة هي صدى أعماله العجيبة لدى كل الشعوب فهم أيضاً قد اختبروا هذه الاختبارات وعرفوا يقيناً أن الخالق العظيم هو واحد للوجود كله. وهذا الخلاص هو موضوع ما يجب أن ينشر بين الناس من أخبار سعيدة مفرحة. ونلاحظ أن القسم الأول من العدد الأول هو ذاته الذي نجده (إشعياء ٤٢: ١٠) كذلك فالعدد الثاني هو (إشعياء ٥٢: ٧) والعدد الثالث هو (إشعياء ٦٦: ١٩).
«٤ لأَنَّ ٱلرَّبَّ عَظِيمٌ وَحَمِيدٌ جِدّاً، مَهُوبٌ هُوَ عَلَى كُلِّ ٱلآلِهَةِ. ٥ لأَنَّ كُلَّ آلِهَةِ ٱلشُّعُوبِ أَصْنَامٌ، أَمَّا ٱلرَّبُّ فَقَدْ صَنَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ. ٦ مَجْدٌ وَجَلاَلٌ قُدَّامَهُ. ٱلْعِزُّ وَٱلْجَمَالُ فِي مَقْدِسِهِ. ٧ قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا قَبَائِلَ ٱلشُّعُوبِ، قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْداً وَقُوَّةً. ٨ قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدَ ٱسْمِهِ. هَاتُوا تَقْدِمَةً وَٱدْخُلُوا دِيَارَهُ».
(٤ - ٦) هذا الإله هو عظيم ولا حد لقدرته السرمدية وحميد لأنه يستحق المديح والإكرام. وقد فاق كل إله آخر من آلهة الأمم. هو لا ينكر أن لا يكون للأمم الأخرى آلهة ولكنه يهزأ بتلك الآلهة ويقول عنها أصنام لا قيمة لها ولا قدرة فيها. أما الرب فهو ذاته الذي صنع السموات كما أنه بسط الأرض وخلق جميع سكانها. وفي النص العبراني يقول إن إلوهيم هي إيليليم أي لا شيء. وال في العبرانية تقابل لا العربية بواسطة القلب وهو كثير في اللغات. وكلمة «إيليليم» المترجمة أصنام يستعملها إشعياء كثيراً (راجع مثلاً إشعياء ٤٠ و٤٤). وحينما هذا الإله العظيم يسير فإنه يتقدمه المجد والجلال كما أن كمال القداسة والجمال في مقدسه الأرضي حيثما يرى بعين الخيال أكثر من العين الحقيقية (راجع إشعياء ٦٠).
(٧ - ٨) لذلك فهو يدعو الشعوب كلها مرة أخرى أن يقدموا مجداً للرب ويعترفوا بقوته السرمدية التي لا تستقصى. ولا سبيل لأحد أن يعتذر عن ذلك بمعنى أنه يقول ليس هذا إلهي. فقد أراهم من قبل أن آلهتهم ليست شيئاً وعليهم أن يعترفوا بالإله الحقيقي ويتبعوه وحينئذ لا يكون لأمة على أمة أي فضل إذا كانت تتبع إرشادات الله وتتمشى على تعاليمه ووصاياه فهو للجميع لأنه رب الجميع. وهكذا فإن الواجب يقضي أن يذيعوا اسمه ويمجدوه كما يليق به وحده. بل عليهم أن يظهروا ذلك عملياً بأن يقدموا من أموالهم في هذه السبيل. وحينما يقدمون هكذا فهم يدخلون إلى مقادس الله بأيد عاملة وقلوب كريمة مؤمنة. وهذه التقدمات هي لتكريم الرب وليس لاسترضاء وجهه لأنه يستحق كل إكرام.
«٩ ٱسْجُدُوا لِلرَّبِّ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ. ٱرْتَعِدِي قُدَّامَهُ يَا كُلَّ ٱلأَرْضِ. ١٠ قُولُوا بَيْنَ ٱلأُمَمِ: ٱلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. أَيْضاً تَثَبَّتَتِ ٱلْمَسْكُونَةُ فَلاَ تَتَزَعْزَعُ. يَدِينُ ٱلشُّعُوبَ بِٱلٱسْتِقَامَةِ. ١١ لِتَفْرَحِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَلْتَبْتَهِجِ ٱلأَرْضُ، لِيَعِجَّ ٱلْبَحْرُ وَمِلْؤُهُ. ١٢ لِيَجْذَلِ ٱلْحَقْلُ وَكُلُّ مَا فِيهِ. لِتَتَرَنَّمْ حِينَئِذٍ كُلُّ أَشْجَارِ ٱلْوَعْرِ ١٣ أَمَامَ ٱلرَّبِّ لأَنَّهُ جَاءَ. جَاءَ لِيَدِينَ ٱلأَرْضَ. يَدِينُ ٱلْمَسْكُونَةَ بِٱلْعَدْلِ وَٱلشُّعُوبَ بِأَمَانَتِهِ».
(٩) وعلى العابدين أن يلبسوا ثياباً لائقة ونجد ذلك مبيناً في العدد الجديد بثياب العرس. فإن لباس الحشمة والأدب والورع لها تأثير كبير على العبادة لذلك فقد اعتاد الناس أن يدخلوا بيوت العبادة وهم لابسون أفخر ملابسهم. فإذا كان من الواجب أن نلبس ثياباً لائقة في السهرات أو أمام الكبار والحكام احتراماً لأصحاب الدعوة أفلا يجوز بالإنسان أن يظهر لائقاً أمام إلهه الذي خلقه لا سيما في أشرف الأوقات حينما يقدم العبادة لجلاله الأقدس.
(١٠ - ١١) وحينئذ على هذه الأمم أن تعترف بالملك الواحد وهكذا تتثبت المسكونة بحكمته وعدالته فلا يكون اختلاف فيما بينها طالما أن الرب واحد لها جميعاً وعليها أن تسمع صوته وتصغي لإرشاده. وحينئذ فهو يدين كل إنسان وكل أمة على موجب ما فعلوه بالعدل والاستقامة. وحينما يتم ذلك يجب أن يعم الفرح جميع الأقطار. وهذه الفكرة من ميزات النبي إشعياء (راجع الأصحاحات ٤٠ - ٥٢). وقوله البحر وملؤه فوارد في (إشعياء ٣٥: ١ وإشعياء ٤٢: ١٠).
(١٢ - ١٣) وبعد أن ينتهي من التعميم بفرح السموات والأرض والبحر يأتي إلى الحقل وما فيه من مزروعات فهي في خير ونعمة كذلك فإن الوعر والبرية والصخور والجبال إذا بها تترنم أيضاً لأن الرب الإله يملأ كل شيء بمجده. ونجد إشعياء يزيد على الأشجار بأن يجعلها تصفق بالأيادي (راجع إشعياء ٤٥: ١٢ و٤٤: ٢٣). وهذه كلها تفعل ذلك أمام الرب الديّان. والمرنم يلتفت إلى الماضي وإلى المستقبل ويربطهما معاً ويرى إصبع الله عاملة في التاريخ كله ومع الشعوب جميعها وليس مع إسرائيل وحده.

اَلْمَزْمُورُ ٱلسَّابِعُ وَٱلتِّسْعُونَ


«١ اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ فَلْتَبْتَهِجِ ٱلأَرْضُ، وَلْتَفْرَحِ ٱلْجَزَائِرُ ٱلْكَثِيرَةُ. ٢ ٱلسَّحَابُ وَٱلضَّبَابُ حَوْلَهُ. ٱلْعَدْلُ وَٱلْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّهِ. ٣ قُدَّامَهُ تَذْهَبُ نَارٌ وَتُحْرِقُ أَعْدَاءَهُ حَوْلَهُ».
ما نادى به وتمناه المرنم في المزمور السابق هوذا يؤكده في هذا المزمور ويجعل الله ذاته المخلص والديان كشيء واقعي قد حدث. لقد جاء الرب الملك وجلس على كرسي سلطانه فهو إذن الذي يحكم العالمين. وهذا المزمور قد كتب بعد الرجوع من السبي. وفيه عدد من الأفكار الواردة في مزامير داود ومزامير آساف أو من أقوال الأنبياء في مختلف العصور. فهو إذن ليس نتاجاً أدبياً مبتكراً بحد ذاته بل هو أشبه بفسيفساء مرصعة ترصيعاً جميلاً من حجارة كثيرة متنوعة ومن مصادر متعددة ولكن مرتبها ماهر بارع استطاع أن يضع كل شيء في مكانه بكل لباقة ودقة. وهو يتبع بتعابيره بالدرجة الأولى إشعياء النبي إذ يظهر أنه من المعجبين بذلك الأسلوب النبوي الجميل. ولا شك أن ما اختبره الشعب من آلام السبي وذله ومشقاته قد تغلغل إلى أعماق الحياة الروحية وجعل الناس أكثر تقرباً لله وأعمق تعبداً لجلاله وجبروته.
(١ - ٣) ليس لنا هنا سوى صدى ما ورد في مواضع كثيرة فنجد العدد الأول مأخوذاً من (إشعياء ٤٢: ١٠ - ١٢ و٥١: ٥). وأما العدد الثاني فيقابله (مزمور ١٨: ١٠ و١٢ وأيضاً مزمور ٨٩: ١٥) والعدد الثالث فيقابله (مزمور ٥٠: ٣ و١٨: ٩ وإشعياء ٤٢: ٢٥). لأن الرب هو الملك لذلك فلتعم البهجة كل الأرض ولتفرح الجزائر أيضاً. أي ليعم الفرح كل مكان بعيداً كان أم قريباً. هذا الإله العظيم هو متجلبب بالسحاب والضباب لكي يزيد مظهره روعة وجمالاً فهو غير ظاهر للعيان وفي الوقت ذاته غير مختف تمام الاختفاء. هذا الإله الذي يجلس على كرسي العدل والحق ليحكم على الناس. وهذا التجلبب يزيده هيبة ووقاراً لا سيما وهو الديان القاضي. وسلطانه هذا فعال يؤثر حالاً فكأنما نار حوله تحرق جميع الأعداء فلا يستطيع شيء أو إنسان أن يقف أمام وجهه وأعظم وأول الذين يطولهم قصاصه هم أعداءه فيجازيهم.
«٤ أَضَاءَتْ بُرُوقُهُ ٱلْمَسْكُونَةَ. رَأَتِ ٱلأَرْضُ وَٱرْتَعَدَتْ. ٥ ذَابَتِ ٱلْجِبَالُ مِثْلَ ٱلشَّمْعِ قُدَّامَ ٱلرَّبِّ، قُدَّامَ سَيِّدِ ٱلأَرْضِ كُلِّهَا. ٦ أَخْبَرَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ بِعَدْلِهِ، وَرَأَى جَمِيعُ ٱلشُّعُوبِ مَجْدَهُ. ٧ يَخْزَى كُلُّ عَابِدِي تِمْثَالٍ مَنْحُوتٍ ٱلْمُفْتَخِرِينَ بِٱلأَصْنَامِ. ٱسْجُدُوا لَهُ يَا جَمِيعَ ٱلآلِهَةِ. ٨ سَمِعَتْ صِهْيَوْنُ فَفَرِحَتْ، وَٱبْتَهَجَتْ بَنَاتُ يَهُوذَا مِنْ أَجْلِ أَحْكَامِكَ يَا رَبُّ».
(٤ - ٦) مرة أخرى نجد هذه الأقوال صدى لكتابات قديمة فالعدد ٤ هو من (مزمور ٧٧: ١٩ و١٧). والعدد ٥ (ميخا ١: ٤ وميخا ٤: ١٣). والعدد ٦ هو من (مزمور ٥٠: ٦ وإشعياء ٣٥: ٢ و٤٠: ٥ و٥٢: ١٠ و٦٦: ١٨). وهذا المظهر الإلهي يضيء المسكونة وفي الوقت ذاته يرعبها (راجع خروج ١٩: ١٦ وما بعده). وكانت النتيجة أن الجبال ذاتها قد ذابت وذوبانها كالشمع مذكور في (مزمور ٦٨: ٢). والرب هو سلطان الأرض كلها وسيدها المطلق (راجع زكريا ٤: ١٤ و٦: ٥). وحينما تخبر السموات بعدله فهي مبتهجة سعيدة. ولكن ذلك ينطوي على أمرين الأول عدل الله الظاهر في السموات بالنسبة لمواعيده الإلهية الصادقة. والثاني مجد الله الذي يختبره كل الشعوب.
(٧ - ٨) وحينما يظهر الله بهذا الجلال يجب أن يختفي كل إله باطل وأن يتحطم كل تمثال منحوت. وهكذا يجب أن يخزى جميع عبدة الأصنام. بل أن الآلهة نفسها أي التي يحسبها البشر آلهة. وهي ليست كذلك عليها أن تسجد للرب وتظهر خضوعها التام لمشيئته. بل يجب على عبدة الأصنام أن يخجلوا من أنفسهم بالنسبة لهذه العبادة الباطلة الحمقاء (راجع إشعياء ٤٢: ١٧ وإرميا ١٠: ١٤). وهذه الآلهة التي هي في الأصل قوات خارقة الطبيعة هذه نفسها يجب أن تتذلل أمام الرب الإله الحقيقي الذي أوجدها وتخضع له خضوعاً حقيقياً.
«٩ لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ عَلِيٌّ عَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ. عَلَوْتَ جِدّاً عَلَى كُلِّ ٱلآلِهَةِ. ١٠ يَا مُحِبِّي ٱلرَّبِّ أَبْغِضُوا ٱلشَّرَّ. هُوَ حَافِظٌ نُفُوسَ أَتْقِيَائِهِ. مِنْ يَدِ ٱلأَشْرَارِ يُنْقِذُهُمْ. ١١ نُورٌ قَدْ زُرِعَ لِلصِّدِّيقِ، وَفَرَحٌ لِلْمُسْتَقِيمِي ٱلْقَلْبِ. ١٢ ٱفْرَحُوا أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُونَ بِٱلرَّبِّ وَٱحْمَدُوا ذِكْرَ قُدْسِهِ».
(٩) يمكن أن نعتبر هذا العدد ختام المزمور وعندئذ نرى أن الأعداد الباقية إنما أضيفت إليه بعد حين. فيقول إن الله هو المتعالي جداً على الأرض كلها وعلى جميع قواتها التي يسميها آلهة.
(١٠ - ١٢) ونجد مرة أخرى أن هذه الأعداد مأخوذة من أمكنة أخرى فالعدد ١٠ مأخوذ من (مزمور ٣٧: ٢٨ و٣٦: ٢١). وأما العدد الحادي عشر فهو من وضع الناظم. وهو تشجيع للصديق الذي يجد نوراً في سبيله فلا يجوز له أن يعثر. بل يجد فرحاً وسلاماً لأن في استقامته شجاعة وقوة حتى لا يهاب أي الأعداء مهما عظموا وكثروا وهذا الكلام يناسب جداً العصر المكابي الذي ظهر فيه الاضطهاد الشديد فكان الشعب يحتاج للتقوية والتعضيد لئلا يفشل ولا يحفظ الإيمان المسلم إليه قديماً. ولا يقصد بالنور أنه يزرع بل هو منثور في طريقه وممتد في السبيل كله الذي يجب أن يسلكه. فطريقه إذن منارة وغير مخوفة البتة بل بالأحرى مملوءة بالفرح وإنما هذا الفرح فهو للمستقيمي القلوب الذين عبدوا الرب واعترفوا باسمه فلم يخافوا شراً فيما بعد.
وهكذا ينهي كلامه مكرراً طلب الفرح للصديقين فلا يهابون شيئاً بل يحمدون الله على الدوام ولا يبرح اسمه عن شفاههم. هذه لذتهم فإن عبادة الرب هي سبب فرح قلبي واختبار حقيقي عميق يناله فقط المؤمنون الراسخون في عقيدتهم غير متزعزعين في أي شيء. لأن هذا الملك الحاكم الديان سيقضي بالعدل والحق ولا داعي أن يخافوا أي شيء البتة.

اَلْمَزْمُورُ ٱلثَّامِنُ وَٱلتِّسْعُونَ


مَزْمُورٌ


«١ رَنِّمُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً لأَنَّهُ صَنَعَ عَجَائِبَ. خَلَّصَتْهُ يَمِينُهُ وَذِرَاعُ قُدْسِهِ. ٢ أَعْلَنَ ٱلرَّبُّ خَلاَصَهُ. لِعُيُونِ ٱلأُمَمِ كَشَفَ بِرَّهُ. ٣ ذَكَرَ رَحْمَتَهُ وَأَمَانَتَهُ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. رَأَتْ كُلُّ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ خَلاَصَ إِلٰهِنَا».
هذا هو المزمور الوحيد الذي يحمل هذه التسمية فقط «مزمور». ولذلك فقد سماه بعضهم المزمور اليتيم. وهذه الترنيمة الجديدة ليست بالطبع ترنيمة موسى ولكن لأجل المقابلة والتمعن (انظر رؤيا ١٥: ٣). هنا انتصار نهائي للحكم الإلهي طالما الرب نفسه هو الذي يحكم على العالمين ويتصرف بكل شيء حسب مشيئته المقدسة. هنا تكمل هذه السلطنة وتظهر بجلالها وروعتها إلى تمام حقيقتها. فقد جلس للقضاء وقد أتم كل شيء. إن بداءة هذا المزمور كما ونهايته فهما مأخوذان من (مزمور ٩٦). كما وأن أغلب ما ورد من الأفكار فيما بقي من الأعداد فهي مأخوذة من الجزء الثاني من إشعياء (أي من إشعياء ٤٠: ٦٦).
(١ - ٣) نجد العدد الأول في (مزمور ٩٦: ١ وما يتبعه حتى العدد الثالث فهي من إشعياء ٥٢: ١٠ و٦٣: ٥ و٧ و٥٩: ١٦ وقابله مع ٤٠: ١٠).
هذا الإله يستحق أن يرنم له من جديد فقد صنع عجائب وأجرى خلاصاً وكل ذلك بقدرته وبواسطة قداسته. وهذا الخلاص لا نخبر به قط بل هو ظاهر للعيان فكل من له عينان يستطيع أن يرى ولا يحتاج إلا أن ينزع أي ستر فيفهم حقيقة هذا الخلاص العجيب.
وهو يذكر أتقياءه كما في (مزمور ١٠٦: ٤٥ وقابل ذلك مع لوقا ١: ٥٤ وما بعده).
«٤ اِهْتِفِي لِلرَّبِّ يَا كُلَّ ٱلأَرْضِ. ٱهْتِفُوا وَرَنِّمُوا وَغَنُّوا. ٥ رَنِّمُوا لِلرَّبِّ بِعُودٍ. بِعُودٍ وَصَوْتِ نَشِيدٍ. ٦ بِٱلأَبْوَاقِ وَصَوْتِ ٱلصُّورِ ٱهْتِفُوا قُدَّامَ ٱلْمَلِكِ ٱلرَّبِّ. ٧ لِيَعِجَّ ٱلْبَحْرُ وَمِلْؤُهُ، ٱلْمَسْكُونَةُ وَٱلسَّاكِنُونَ فِيهَا. ٨ ٱلأَنْهَارُ لِتُصَفِّقْ بِٱلأَيَادِي ٱلْجِبَالُ لِتُرَنِّمْ مَعاً ٩ أَمَامَ ٱلرَّبِّ لأَنَّهُ جَاءَ لِيَدِينَ ٱلأَرْضَ. يَدِينُ ٱلْمَسْكُونَةَ بِٱلْعَدْلِ وَٱلشُّعُوبَ بِٱلٱسْتِقَامَةِ».
(٤ - ٦) وهذه الدعوة تتناول فرحاً قلبياً وعلى اللسان عندئذ أن يظهر هذا الفرح. وحينئذ يظهر على أشكال مختلفة فأولاً الهتاف وهو أعظم دليل على السرور. بل عليهم أن يرنموا وأن يغنوا لكي تصعد أصوات الموسيقى إلى العلاء وتكون لائقة بهذا الإله العظيم المحب الذي أظهر خلاصه في الماضي ولا يزال يظهره على الدوام.
ويطلب المرنم أن يصير مشاركة أيضاً من ذوات الأوتار وأهمها العود وحينئذ يشترك كثيرون بالنشيد. بل يستعمل البوق والصور وهي من آلات النفخ وكل هذه الأصوات تمتزج معاً لكي تصير أكثر جمالاً ولياقة بالملك الرب العظيم (راجع إشعياء ٤٤: ٢٣ و٤٩: ١٣ و٥٢: ٩ وايضاً ١٤: ٧).
(٧ - ٩) أيضاً هذه الأعداد مرة أخرى هي صدى لما ورد من قبل في المزامير والأنبياء. فالعدد ٧ تجده في (مزمور ٩٦: ١١ و٢٤: ١). والعدد ٨ تجده في (إشعياء ٥٥: ١٢). والعدد ٩ تجده في (مزمور ٩٦: ١٣ وقابله مع العدد ١٠ أيضاً).
يطلب من البحر أن يشترك كما وأن المسكونة كلها عليها أن تترنم. كذلك الأنهار والجبال. والخلاصة فإن كل شيء في الوجود عليه أن يفرح ويبتهج مع أتقياء الله والسبب هو لأنه قد جاء للدينونة فهو يدين كل إنسان بالعدل والاستقامة فلا يذهب حق فيما بعد ولا يُداس بل كل شيء يجري بمشيئته تعالى ولخير جميع من يتقونه. فليفرحوا إذن وليطمئنوا.


اَلْمَزْمُورُ ٱلتَّاسِعُ وَٱلتِّسْعُونَ


«١ اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. تَرْتَعِدُ ٱلشُّعُوبُ. هُوَ جَالِسٌ عَلَى ٱلْكَرُوبِيمِ. تَتَزَلْزَلُ ٱلأَرْضُ. ٢ ٱلرَّبُّ عَظِيمٌ فِي صِهْيَوْنَ، وَعَالٍ هُوَ عَلَى كُلِّ ٱلشُّعُوبِ. ٣ يَحْمَدُونَ ٱسْمَكَ ٱلْعَظِيمَ وَٱلْمَهُوبَ. قُدُّوسٌ هُوَ. ٤ وَعِزُّ ٱلْمَلِكِ أَنْ يُحِبَّ ٱلْحَقَّ. أَنْتَ ثَبَّتَّ ٱلٱسْتِقَامَةَ. أَنْتَ أَجْرَيْتَ حَقّاً وَعَدْلاً فِي يَعْقُوبَ».
هذا المزمور هو أحد المزامير الملكية الثلاثة التي تبدأ الرب قد ملك وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام وهي من العدد ١ - ٣ ثم من العدد ٤ - ٥ ثم ما بقي. وكما قال أحد الأفاضل إن هذا المزمور هو احتفاء بالرب. احتفاء بأنه سيجيء. احتفاء بأنه الكائن واحتفاء بأنه الذي كان. وفي ختام كل قسم من هذه الأقسام تتردد هذه العبارة «قدوس هو».
(١ - ٣) هو الملك العظيم لذلك فهيبته تملأ الشعوب كلها فتخاف وترتعد. وجلوسه على الكروبيم يدل على أنه يملك وهو جالس على العرش يحيط به الكروبيم لخدمة جلاله الأقدس (راجع مزمور ٨٠: ٢ وقابله مع مزمور ١٨: ١١). ولكن عظمته في الدرجة الأولى متجلية بنوع خاص فيجلب صهيون حيث يقوم الهيكل وحينئذ يرتفع على جميع الشعوب. وهذه بدورها لا تفتأ أن تحمد اسم الله العظيم المهوب لأنه قدوس في ذاته وفي جميع تصرفاته. وهنا مرة أخرى يشير المرنم إلى أن الرب هو إله العالمين. فلم يعد محصوراً بفئة من الناس يدعون أنهم شعبه بل هو خالق الشعوب وهي التي تعترف بذلك علناً الآن (راجع تثنية ١٠: ١٧). وحينئذ فإن ديانة الرب لا تبقى محصورة في أرض معينة بل سوف تعمم. وإن ما حمله هذا المرنم قد تم بصورة كاملة بواسطة الديانة المسيحية التي ضمت إليها جميع الشعوب وأصبح إسرائيل الحقيقي هو إسرائيل الله أي كنيسة الأبكار المكملين. كنيسة الله الحي التي تحوي كل أجناس البشر ولغاتهم ونحلهم.
(٤ و٥) ويصح أن يترجم العدد الرابع «ويحمد عز الملك الذي يحب الحق...».
أي أن الله يثبت الملك ليس بالنسبة لأنه من نسل ملكي بل لأنه يحب العدل والاستقامة ويجريهما للناس. ذلك لأن الرب نفسه هو إله الحق والعدل. فالملك الذي ثبته الله على هذه الوظيفة عليه أن يجريها كذلك. أما قوله «أنت أجريت حقاً وعدلاً في يعقوب». لكي يثبت للناس الذين كان لهم أعظم الاختبار في هذا الصدد بصورة خاصة وهم شعب الملك ذاته (راجع ٢صموئيل ٨: ١٥ و١أخبار ١٨: ١٤ و١ملوك ١٠: ٩ وإشعياء ١٦: ٥). لذلك فلنرفع اسم الرب عالياً ولنسجد له مكرمين لأنه قدوس هو. والسجود عند موطئ قدميه أي في الهيكل لأنه هو الذي يسمى هكذا (راجع ١أخبار ١٨: ٢ وقابله مع مراثي ٢: ١ وإشعياء ٦٠: ١٣).
«٥ عَلُّوا ٱلرَّبَّ إِلٰهَنَا وَٱسْجُدُوا عِنْدَ مَوْطِئِ قَدَمَيْهِ. قُدُّوسٌ هُوَ. ٦ مُوسَى وَهَارُونُ بَيْنَ كَهَنَتِهِ، وَصَمُوئِيلُ بَيْنَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ بِٱسْمِهِ. دَعُوا ٱلرَّبَّ وَهُوَ ٱسْتَجَابَ لَهُمْ. ٧ بِعَمُودِ ٱلسَّحَابِ كَلَّمَهُمْ. حَفِظُوا شَهَادَاتِهِ وَٱلْفَرِيضَةَ ٱلَّتِي أَعْطَاهُمْ. ٨ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا، أَنْتَ ٱسْتَجَبْتَ لَهُمْ. إِلٰهاً غَفُوراً كُنْتَ لَهُمْ وَمُنْتَقِماً عَلَى أَفْعَالِهِمْ. ٩ عَلُّوا ٱلرَّبَّ إِلٰهَنَا، وَٱسْجُدُوا فِي جَبَلِ قُدْسِهِ، لأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَنَا قُدُّوسٌ».
(٦ - ٩) لا يكتفي المرنم بذكر الملوك بل يعود بالذاكرة إلى الأيام القديمة المفعمة بالجلال والمجد. فيذكر موسى وهارون وصموئيل الذين يعتبرون بمنزلة الشفعاء لشعب الله. فموسى هو الذي أوجد الأمة الإسرائيلية وأخرجها من مصر بيد قديرة. وهارون هو أول الكهنة وصموئيل هو أول الأنبياء الذين مسحوا الملوك. فهؤلاء جميعاً كانوا رجال الله الذين قادوا شعبه في مختلف الظروف وفي أشد الضيقات وهكذا يذكرنا بعمود السحاب لدى عبور البحر الأحمر. كما يذكرنا في برية سيناء حينما أعطيت الشريعة الإلهية وأمرهم أن يحفظوها ويتمموا فرائضها. ولكن هذا الشعب كان في حماية الله حيناً بعد حين فغفر لهم كثيراً وانتقم كثيراً أيضاً أي أنه أدبهم لكي يرعووا عن ضلالهم ويعودوا إليه بالتوبة وطلب الغفران.
ويختم المرنم بإعادة العدد الخامس لولا قليل حرفياً فيستعمل «اسجدوا في جبل قدسه» بدلاً من اسجدوا عند موطئ قدميه فهو الإله الذي يستحق التكريم كل حين.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ


مَزْمُورُ حَمْدٍ


«١ اِهْتِفِي لِلرَّبِّ يَا كُلَّ ٱلأَرْضِ. ٢ ٱعْبُدُوا ٱلرَّبَّ بِفَرَحٍ. ٱدْخُلُوا إِلَى حَضْرَتِهِ بِتَرَنُّمٍ. ٣ ٱعْلَمُوا أَنَّ ٱلرَّبَّ هُوَ ٱللّٰهُ. هُوَ صَنَعَنَا، وَلَهُ نَحْنُ شَعْبُهُ وَغَنَمُ مَرْعَاهُ. ٤ ٱدْخُلُوا أَبْوَابَهُ بِحَمْدٍ، دِيَارَهُ بِٱلتَّسْبِيحِ. ٱحْمَدُوهُ بَارِكُوا ٱسْمَهُ، ٥ لأَنَّ ٱلرَّبَّ صَالِحٌ. إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتُهُ، وَإِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ أَمَانَتُهُ».
هذه دعوة موجهة للعالم أجمع ليعبدوا ويخدموا الإله الحقيقي. ومن العنوان نجد أنه مخصص للحمد أي بالنسبة لإحسانات خاصة وإنعامات يجد المرنم نفسه لساناً متكلماً بإذاعة مجد الله ورحمته ويطلب من كافة الأمم أن تفعل ذلك وتشارك في هذا الفرح العام.
(١ - ٣) يدعو كل الأرض للهتاف لأنه يرى «بنسلك أي إبراهيم تتبارك جميع قبائل الأرض». وليكن هذا بقصد العبادة الحقة حينما يدخل جمهور العابدين إلى حضرة الله والترنم على شفاههم والحمد القلبي يملأ كل مكان. وليكن وراء ذلك العلم الحقيقي واليقين الثابت بالله ذلك الإله الذي خلق البشر جميعاً وإنما يخصص شعبه ويعتبره أنه هو غنمه المعتنى به. لذلك فالرب نفسه هو الراعي الذي لا يغفل عن خرافه في مختلف الأحوال. ويذكر ديلتش أن ملانكثون رجل الإصلاح العظيم قد وجد تعزية عظمى في العدد الثالث حينما فقد ابنه في درسدن (ألمانيا) في ١٢ تموز سنة ١٥٥٩. إن الخالق الذي صنعنا هو الذي يملكنا أيضاً فنحن لنسا لأنفسنا (راجع إشعياء ٢٩: ٢٣ و٦٠: ٢١ وقابله مع تثنية ٣٢: ٦ و١٥).
(٤ - ٥) لأن الله هكذا أي صانع وراعٍ أيضاً لذلك يتوجب علينا كما وعلى جميع الشعوب أن يحمدوه ويسبحوا لاسمه ويشكروه على إنعاماته كلها وأفضل مكان للعبادة هو في الأمكنة المخصصة لها أي في الهيكل. وقوله ادخلوا أبوابه أي أبواب بيت الرب. وهذه الأبواب مفتوحة على الدوام لاستقبال جمهور العابدين. هذا الإله الصالح وحده. إذ أن رحمته تنتقل من دور إلى دور وكذلك أمانته نحو الأبناء كما كانت نحو الآباء على شرط أن يطلبوا وجهه. ورحمته دليل كرمه الإلهي لأننا لا نستحق. وأمانته هي دليل محبته الأبدية التي لا تتغير ولا تزول.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلْوَاحِدُ


لِدَاوُدَ. مَزْمُورٌ


«١ رَحْمَةً وَحُكْماً أُغَنِّي. لَكَ يَا رَبُّ أُرَنِّمُ. ٢ أَتَعَقَّلُ فِي طَرِيقٍ كَامِلٍ. مَتَى تَأْتِي إِلَيَّ؟ أَسْلُكُ فِي كَمَالِ قَلْبِي فِي وَسَطِ بَيْتِي. ٣ لاَ أَضَعُ قُدَّامَ عَيْنَيَّ أَمْراً رَدِيئاً. عَمَلَ ٱلزَّيَغَانِ أَبْغَضْتُ. لاَ يَلْصَقُ بِي».
(١ - ٦) يحكى عن أحد أمراء الجرمان أن أحد عماله أذنب في القرن السابع عشر فأرسل له نسخة عن هذا المزمور لكي يطالعه ويتعظ حتى ذهب ذلك مثلاً بين الناس فيقولون أرسل له المزمور المئة والواحد. وفي نص التوراة التي ترجمها لوثيروس يسمي هذا المزمور «مرآة داود عن ملك». وقد يكون أنه أي داود يعاهد الله عهوداً عظيمة أن يسلك في فرائضه ولا يرتكب إثماً فيما بعد. وقد يكون في المزمور إشارة لحادث معين (راجع ٢صموئيل ٦: ٨ وما بعده). لم يشأ داود أن يجلب تابوت العهد إلى بيته خوفاً ورهبة مع أنه تيقن أن بركات كثيرة تأتي إليه بواسطته فيتأوه قائلاً «متى تأتي إليّ؟» في العدد الأول يلخص حياة داود كلها الرحمة والحكم فلأن هذه هي من الله لذلك يغنيها أمام الرب. فالرحمة لأن الله صالح وأما الحكم فلأن بيده كل شيء والملك نفسه ليس سوى وكيل على شعب الله ويجب أن يجري حكمه بالواسطة ليس إلا. إن الله يطلب الرحمة والحكم من كل إنسان فكم بالأحرى من الملك (راجع ميخا ٦: ٨ وقابله مع متى ٢٣: ٢٣) والقصد من ذلك أن يطبقه عملياً (راجع دانيال ٩: ١٣). ويطلب أن يتعقل في سلوكه (راجع خروج ١٧: ١٦ و١٩ و٢صموئيل ١٩: ١٢). ويكون قدوة لأهل بيته ويعيش بقلب حر وسلوك حسن. ثم يلتفت في العدد الثالث بلهجته السلبية ويقول إنه لن يزيغ عن الحق فيما بعد ولا يفكر في أمر رديء لأنه قد أبغض كل شر حتى لا يمكن أن يلصق به فيما بعد.
«٤ قَلْبٌ مُعَوَّجٌ يَبْعُدُ عَنِّي. ٱلشِّرِّيرُ لاَ أَعْرِفُهُ. ٥ ٱلَّذِي يَغْتَابُ صَاحِبَهُ سِرّاً هٰذَا أَقْطَعُهُ. مُسْتَكْبِرُ ٱلْعَيْنِ وَمُنْتَفِخُ ٱلْقَلْبِ لاَ أَحْتَمِلُهُ. ٦ عَيْنَايَ عَلَى أُمَنَاءِ ٱلأَرْضِ لِكَيْ أُجْلِسَهُمْ مَعِي. ٱلسَّالِكُ طَرِيقاً كَامِلاً هُوَ يَخْدِمُنِي. ٧ لاَ يَسْكُنُ وَسَطَ بَيْتِي عَامِلُ غِشٍّ. ٱلْمُتَكَلِّمُ بِٱلْكَذِبِ لاَ يَثْبُتُ أَمَامَ عَيْنَيَّ. ٨ بَاكِراً أُبِيدُ جَمِيعَ أَشْرَارِ ٱلأَرْضِ، لأَقْطَعَ مِنْ مَدِينَةِ ٱلرَّبِّ كُلَّ فَاعِلِي ٱلإِثْمِ».
إن أهم شيء يجب أن ينتبه له الحاكم أن لا يتسرع في أحكامه ولا يجد الظلم إليه سبيلاً. فلا يبالغ ولا يحابي الوجوه ولا يؤثر عليه شيء لئلا يحيد عن الطريق المستقيم وهكذا يبتعد عن الإثم ولا يتعرف بالأشرار. ولأنه ينوي هكذا فإنه سيرفض كل مغتاب والمتكبر المتشامخ والمعتد بذاته فإنه لا يحتملهم قط. إن المرنم يتكلم عن اختبارات شخصية فقد صادف المرتشي والمغتاب والظالم والمتكبر وذا اللسانين وكان له مع كل منهم اختبارات مرة. وإذا استطاع الإنسان أن يحتملهم فإنما ذلك إلى حين وبعد ذلك يطفح الكيل ويخرج الإنسان عن صبره وجلده.
ولكنه في العدد السادس يعاهد نفسه أن يصحب الأمناء والشرفاء هؤلاء الذين يسلكون بالكمال يكون نصيبهم الوقار وبالتالي يخدمون الملك بخدمة رعيته بإخلاص وإنصاف.
(٧ - ٨) في العدد السابع يتناول نوعين من الناس فمنهم الذين يعملون بالغش. هؤلاء لا يجوز أن يكونوا في بيت الملك لأنهم لا يوصلون الأموال المتوجبة ولا يجرون العدالة للناس. ومن جهة ثانية فهو يبغض الكذاب الذي قد يكون له مجال أن يقف بعض الوقت أمام الملك ولكن إلى أن تنكشف حقيقته وإلى أن يُعرف كما هو وحينئذ يجب أن يذهب أيضاً لأن الملك لا يعتمد على عامل كهذا.
وأخيراً في الصباح الباكر سوف ينهض لكي يبيد الأشرار من الأرض - أي أرض الملك التي يحكمها (راجع مزمور ٧٨: ١٤ وإشعياء ٣٣: ٢ ومراثي ٣: ٢٣). والملك في عمله هذا يجري إرادة الرب الساكن في أورشليم التي يريدها مسكناً له مقدساً وكريماً لذلك فالأشرار لا يجوز أن يسودوا ويبقوا هكذا سائدين بل هم كالعشب اليابس يضمحلون.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلثَّانِي


صَلاَةٌ لِمِسْكِينٍ إِذَا أَعْيَا وَسَكَبَ شَكْوَاهُ قُدَّامَ ٱللّٰهِ


«١ يَا رَبُّ ٱسْتَمِعْ صَلاَتِي، وَلْيَدْخُلْ إِلَيْكَ صُرَاخِي. ٢ لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي فِي يَوْمِ ضِيقِي. أَمِلْ إِلَيَّ أُذُنَكَ فِي يَوْمِ أَدْعُوكَ. ٱسْتَجِبْ لِي سَرِيعاً. ٣ لأَنَّ أَيَّامِي قَدْ فَنِيَتْ فِي دُخَانٍ، وَعِظَامِي مِثْلُ وَقِيدٍ قَدْ يَبِسَتْ».
إذا حسبنا المزمور المئة والواحد تنهدة عميقة فإن هذا المزمور هو صلاة كما نجد ذلك في العنوان. وليس من الضروري أن يكون المرنم قد كتب هذا عن اختبارات شخصية أم أنه يكتب بلسان شعب الله. فهو يستعمل لغة التثنية وإشعياء كما أنه مطلع تماماً على المزامير السابقة لأيامه. وهو وإن يكن قادراً أن يحلق الى أجواء عالية من التفكير والاختبار الروحي فهو في الوقت ذاته يأخذ عن السابقين ما يجده مناسباً وجميلاً.
(١ - ٣) موضوع المزمور مما يلفت الأنظار إذ يخبرنا عن مسكين قد ناء بحمله ولم يستطع السير بعد فلم يجد أفضل من الشكوى أمام الله. فإذن صلاته هي شكواه أيضاً. فيبدأ بتعبير مألوف جداً مما يكثر وروده على الذهن وبالتالي يتكلم به الفم بكل جلاء وبيان ولا يشعر المطالع أنه في بيئة غريبة عن بقية المزامير (قابل مع المزمور ٣٩: ١٣ و١٨: ٧ و٨٨: ٣). فيطلب من الله أن يسمع صلاته وهكذا يريد أن يدخل حالاً في حضرته تعالى. ويلتمس من الله أن يسنده في الضيق ويلتفت إليه معيناً ويسمعه مستغيثاً (قابل مع المزمور ٢٧: ٩ و٥٩: ١٧ و٣١: ٣ و٥٦: ١٠ و٦٩: ١٨ و١٤٣: ٧). وهو يطلب أن يستجاب له سريعاً قبل فوات الأوان فهو في حالة لا تسمح له بالانتظار أو إنه في حالة قد انتظر فيها طويلاً ولم يعد من مجال للسكوت بعد. وفي العدد الثالث نرى المرنم يستعمل تعابيره الخاصة فيرينا صورة موقدة وفيها دخان متصاعد وعظامه ذاتها هي الوقيد. ويوجد دخان لأن النار غير مشتعلة جيداً وهو في مصائب كثيرة تكاد تفنيه ولكنه لم يفن تماماً إذ لا يزال فيه بقية وإن يكن في حالة محزنة.
«٤ مَلْفُوحٌ كَٱلْعُشْبِ وَيَابِسٌ قَلْبِي حَتَّى سَهَوْتُ عَنْ أَكْلِ خُبْزِي. ٥ مِنْ صَوْتِ تَنَهُّدِي لَصِقَ عَظْمِي بِلَحْمِي. ٦ أَشْبَهْتُ قُوقَ ٱلْبَرِّيَّةِ. صِرْتُ مِثْلَ بُومَةِ ٱلْخِرَبِ. ٧ سَهِدْتُ وَصِرْتُ كَعُصْفُورٍ مُنْفَرِدٍ عَلَى ٱلسَّطْحِ. ٨ ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ عَيَّرَنِي أَعْدَائِيَ. ٱلْحَنِقُونَ عَلَيَّ حَلَفُوا عَلَيَّ. ٩ إِنِّي قَدْ أَكَلْتُ ٱلرَّمَادَ مِثْلَ ٱلْخُبْزِ، وَمَزَجْتُ شَرَابِي بِدُمُوعٍ».
(٤ - ٥) ينتقل بنا المرنم إلى صورة أخرى وهي كثيرة الوجود في بلادنا إذ نرى عشباً ملفوحاً من شدة الحرارة لا سيما إذا تعوّق المطر عن النزول وحينئذ فكثير من المزروعات والأعشاب تتلف بسبب طول الجفاف. وهكذا كان قلبه فقد نضب منه دم الحياة المنعش المحيي (راجع هوشع ٩: ١٦ وقابله مع مزمور ١٢١: ٦) وضربة الشمس موجودة بكثرة في هذه البلاد (راجع ٢ملوك ٤: ١٩). وكانت مصيبة عظيمة هكذا حتى لم ينتبه لنفسه ولم يأكل شيئاً. وإذا به بعد ذلك ينشف ويصبح عظمه ولحمه شيئاً واحداً. وهذه التنهدات الطويلة المستمرة بالفعل تضني الجسم وتورده موارد العطب.
(٦ - ٨) قد يكون «قوق البرية» هو الذي يسميه العامة «القاق» أي نوع من أنواع الغربان الليلية أو أنه البومة الصغرى ذات القرون. وهو يشبّه نفسه هكذا دليل الشؤم من كثرة هذا التنهد الذي طال أمده فأصبح صراخه وتنهده أشبه بهذه الأصوات الحزينة التي تملأ نفوس سامعيها بالتعاسة والشقاء. وكلا البوم والغراب من الطيور النجسة المكروهة من قديم الزمان. بل يشبه نفسه بعصفور والأرجح «دوري» فهو على ما يظهر قديم جداً في هذه البلاد. وهو يراه عصفوراً منفرداً كما يرى على سطوح المنازل ولا سيما في الطقس البارد. ومما زاد في بليته أن أعداءه قد شمتوا به ولا من مشفق بل وجد البعض منهم قد توعده وحلفوا عليه بالهلاك والدمار.
(٩) وهو لفرط بليته قد أكل خبزه مزيجاً بالرماد. والأرجح أنه قد خبز في بيته ولم تكن صنعته جيدة قاصداً أن يأكل خبز ملة أي يحمي الرماد ويلصق العجين عليه حتى يخبز وكانت النتيجة أنه أكل خبزه مملوءاً بالرماد كما أنه شرب دموعه من كثرة ما بكى على نفسه تاعساً شقياً وحيداً منفرداً لا يهتم به أحد سوى الهزء والشماتة والسخرية. أو أنه لكثرة ما جلس في الرماد دليل حزنه وآلامه النفسية المتزايدة.
«١٠ بِسَبَبِ غَضَبِكَ وَسَخَطِكَ، لأَنَّكَ حَمَلْتَنِي وَطَرَحْتَنِي. ١١ أَيَّامِي كَظِلٍّ مَائِلٍ، وَأَنَا مِثْلُ ٱلْعُشْبِ يَبِسْتُ. ١٢ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَإِلَى ٱلدَّهْرِ جَالِسٌ، وَذِكْرُكَ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. ١٣ أَنْتَ تَقُومُ وَتَرْحَمُ صِهْيَوْنَ، لأَنَّهُ وَقْتُ ٱلرَّأْفَةِ، لأَنَّهُ جَاءَ ٱلْمِيعَادُ. ١٤ لأَنَّ عَبِيدَكَ قَدْ سُرُّوا بِحِجَارَتِهَا وَحَنُّوا إِلَى تُرَابِهَا. ١٥ فَتَخْشَى ٱلأُمَمُ ٱسْمَ ٱلرَّبِّ وَكُلُّ مُلُوكِ ٱلأَرْضِ مَجْدَكَ».
(١ - ١١) ويعزو السبب كله لأن الله غير راض عنه لذلك فهو وحيد حتى أن إلهه نفسه لم يعره أي اهتمام فنبذه خارجاً نبذ النواة فارتمى يئن متأسفاً على نفسه لا شيء يعزيه في حالته السيئة هذه (انظر أيوب ٣٠: ٢٢) فإن الله قد أزال الأرض من تحته فلم يعد واقفاً على أرض راسخة ثابتة وكانت النتيجة أن أصبحت أيامه سريعة الزوال كما هي حالة الظل المائل نحو المغيب فهو لا يكاد يهدأ في مكان واحد. بل هو أشبه بالعشب اليابس وقد مر الكلام عن ذلك حتى أنه لم يعد ينفع لشيء سوى أن يطرح للنار فيحترق. فهو مثل العشب الذي اقتلع من جذوره فيبس من شدة الحرارة وهو كذلك بحرارة زفيره الملتهب.
(١٢ - ١٤) ولكنه يعود بالإيمان إلى الله ويراه جالساً على عرشه وهو راي المرنم - لا يفتأ يذكره كما فعل آباؤه وجدوده من قبل. إنه قد خسر الصحة ربما ولكنه لم يخسر الإيمان. وهنا يجد مجالاً للكلام عن آلامه وليس عن نفسه فقط فيطلب لها الرحمة والرضا. ذلك لأنه يرى أن الوقت قد حان. يوجد زمان معيّن برحمة الله لا يمكن إلا أن يتم وحيئنذ يعود الرب فيرضى ويشفق (انظر مزمور ٧٥: ٣ وحبقوق ٢: ٣). وهو وقت الفداء بعد وقت الافتقاد فإذن الله يؤدب ولا ينسى ويهدي ولا يترك نفوسنا في الأحزان.
(١٤ - ١٥) حينما يقرأ الإنسان هذا العدد الرابع عشر تتحرك عواطفه ويرى أن هذا الشعب المبعد الغريب الديار يلتمس رجوعاً لأنه يفرح بحجارة أورشليم ويحن إلى التراب نفسه الذي تدوسه الأقدام. فإذن عبيد الرب لا يحبون بابل ولا ينعمون فيها أبداً بل يتمنون الرجوع (نحميا ٣: ٢٤ و٤: ٢). وحينئذ يكتشفون الحجارة من بين المزابل ليرجعوها إلى أماكنها على قدر الإمكان. ولكنه في الوقت نفسه يمد بصره بالإيمان إلى زمان أفضل حينما يعرف اسم الرب لدى الناس جميعاً فيخشاه الملوك وتتعبد له الشعوب.
«١٦ إِذَا بَنَى ٱلرَّبُّ صِهْيَوْنَ يُرَى بِمَجْدِهِ. ١٧ ٱلْتَفَتَ إِلَى صَلاَةِ ٱلْمُضْطَرِّ، وَلَمْ يَرْذُلْ دُعَاءَهُمْ. ١٨ يُكْتَبُ هٰذَا لِلدَّوْرِ ٱلآخِرِ، وَشَعْبٌ سَوْفَ يُخْلَقُ يُسَبِّحُ ٱلرَّبَّ. ١٩ لأَنَّهُ أَشْرَفَ مِنْ عُلْوِ قُدْسِهِ. ٱلرَّبُّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ إِلَى ٱلأَرْضِ نَظَرَ ٢٠ لِيَسْمَعَ أَنِينَ ٱلأَسِيرِ، لِيُطْلِقَ بَنِي ٱلْمَوْتِ، ٢١ لِكَيْ يُحَدَّثَ فِي صِهْيَوْنَ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ وَبِتَسْبِيحِهِ فِي أُورُشَلِيمَ ٢٢ عِنْدَ ٱجْتِمَاعِ ٱلشُّعُوبِ مَعاً وَٱلْمَمَالِكِ لِعِبَادَةِ ٱلرَّبِّ».
إن الله يتمم وعده وحينئذ يتحقق حلم المنتظرين. فهم يصبرون على شيء ثم يحصلون عليه بوجه التحقيق (راجع إشعياء ٤٠ - ٤٦ وقابل ذلك مع (إشعياء ٥٩: ١٩ و٦٠: ٢). كذلك انظر إشعياء ٤٠: ١ - ٥).
(١٦) يضع هنا أمامنا لماذا يمتد اسمه بين الشعوب فالسبب هو لأنه يبني صهيون ويضع مجده فيها. لذلك فليس المجد من البشر مهما عظموا بل الرب نفسه هو الذي يعيدهم ويثبتهم ولا يتركهم فيما بعد. وقوله في (العدد ١٧) صلاة المضطر أي صلاة العائدين من السبي منهم في حالة العري والضعف والغربة والمذلة وهكذا هم في نظر الناس لا يرجى منهم أي خير ولا يكتب لهم أي نجاح. ولكن الله لا يرذلهم ولو كانوا في هذه الحالة المرذولة لأن شفقته أعظم من بؤسهم فيستطيع أن يصل إليهم ولو كانوا في الأعماق.
(١٨ - ٢٢) وهذا وعد الحاضر للمستقبل. ولأنه قد تمت مواعيد سابقة فهكذا ستتم مواعيد لاحقة. حتى أن الأحفاد يعرفون أن دور الأجداد يتحقق فيهم أيضاً. سيكتب الله لهم المواعيد تترى بحيث لا يتم الواحد حتى يبدأ الآخر. ذلك لأن هذا الإله ليس بعيداً بل قد التفت من السماء ونظر بؤس البائسين فتحنن عليهم وأشفق على المصابين فسندهم في ضيقاتهم وقواهم للصمود بعد. فهو الذي يسمع الأسير - لأن هؤلاء المسبيين هم في حالة أشبه ما يكون بحالة الأسر لا يستطيعون الذهاب أو الحراك. بل هم قد حكم عليهم بالموت بالنسبة لسوء الحالة التي هم فيها. ولكنه يعود فيلتفت إلى رحمة الرب مرة أخرى فيجد فيها عزاء وقوة ويذيع تسبيح الإله العظيم في أورشليم مكان قدسه. فتكون أورشليم حينئذ ملتقى جميع الشعوب ومجتمع الممالك (انظر إشعياء ٦٠: ٤) إنه لزمان مجيد عظيم يتم فيه ذلك الخلاص الموعود والفداء الذي يعم البشر بواسطة أورشليم ومبتدءاً من أورشليم ذاتها.
«٢٣ ضَعَّفَ فِي ٱلطَّرِيقِ قُوَّتِي. قَصَّرَ أَيَّامِي. ٢٤ أَقُولُ: يَا إِلٰهِي لاَ تَقْبِضْنِي فِي نِصْفِ أَيَّامِي. إِلَى دَهْرِ ٱلدُّهُورِ سِنُوكَ. ٢٥ مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. ٢٦ هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. ٢٧ وَأَنْتَ هُوَ وَسِنُوكَ لَنْ تَنْتَهِيَ. ٢٨ أَبْنَاءُ عَبِيدِكَ يَسْكُنُونَ، وَذُرِّيَّتُهُمْ تُثَبَّتُ أَمَامَكَ».
(٢٣ - ٢٨) نعجب كيف يعود المرنم إلى نفسه ويخبرنا عن أشياء شخصية أصابته هو نفسه. فيقول إنه ضعيف العزيمة خائر القوى. فقد كانت طريقه متعبة شاقة (انظر تثنية ٨: ٢). بل يرى أن هذه المصائب قد قصرت حياته فهو في هم مقيم لذلك فهو يخاف أن يموت قبل أن يبلغ آخر الشوط. ويرجو الله أن يطيل عمره بعد حتى ينهي سيرته ويتمم رسالته. وكان الأوفق له أن يموت مبكراً في أول الطريق ولا يموت الآن في نصفها. فإن الذي ينقطع كان الأوفق له أن لا يسافر بدلاً من أن لا يتم سفرته ولا يصل إلى مبتغاه. ويلتفت إلى الله فيجده هو الباقي وحده بينما البشر زائلون وإذا كان يأسف لشيء فهو أن يُقبض إلى خالقه قبل أن يرى تمام الخلاص. ذلك الإله الذي بيده الأرض والسموات وقد أسس الأولى ثابتة وصنع الثانية بيديه ولكن هذه الأرض ذاتها متغيرة وهذه السموات متقلبة دائرة مثل ثوب يبلى ومثل رداء سريع التحول والتغير ولكن الله الخالق العظيم هو وحده الحي الباقي إلى أبد الآبدين.
وثم يلتفت إلى عبيد الله المؤمنين فيرى أنهم ولو ذهبوا هم فإن أبناءهم يسكنون الأرض ويثبتون فيها بواسطة ذراريهم. إذن فوعد الله صادق وأمين لا بد أن يتم إن لم يكن مع الآباء فهو سيتم مع الأبناء. ويستعمل كاتب سفر العبرانيين (الأعداد ٢٥ - ٢٧). ويمجد بها المسيح. فهو الذي يأتي أيضاً ليدين العالمين لأنه جاء أولاً لكي يفديهم.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلثَّالِثُ


لِدَاوُدَ


«١ بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ ٱسْمَهُ ٱلْقُدُّوسَ. ٢ بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. ٣ ٱلَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. ٱلَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ».
وضع كلمة «لداود» لا يدل دلالة قاطعة أن داود هو صاحب المزمور إذ لا اللغة ولا ترتيب الأفكار مما يساعد على هذا الزعم. فهذا المزمور المملوء بالتفكير العميق واللهجة القديمة له تلوين آرامي مثل (المزامير ١٠٦ و١٢٤ و١٣٩). وهي شبيهة اللغة بـِ (٢ملوك ٤: ١ - ٧ وكذلك إرميا ١١: ١٥). وهذا المزمور ينقسم إلى أربعة أقسام وهي من (الأعداد ١ - ٥ وثم ٦ - ١٠ و١١ - ١٤ و١٥ - ١٨ و١٩ - ٢٢).
(١ - ٣) يلتفت المرنم إلى نفسه ويخاطبها لكي تبارك الرب لأن منه النعمة التي تفتدي وتخلص وتعزي وترفع للأعالي. وهذا الالتفات البياني مؤثر جداً فهو لا يخاطب نفسه فقط بل يجعلها تتكلم كأنه غريب عنها وهو يلتفت إلى باطنه أيضاً من قبيل التوكيد. ويكرر هذه العبارة «باركي يا نفسي الرب». من قبيل التوكيد أيضاً. فيذكر أولاً حسنات الرب. لأن كل ما يفعله الرب هو حسن في حد ذاته (راجع تكوين ١) فإن أعمال الخلق كلها حسنة فلم ينته نهار إلا ويكون ختامه حسناً مثل بداءته. ولكن الإنسان ينسى هذه الحسنات المتكررة ولا يفطن لها بالنسبة لاعتياده عليها حتى لا يحسبها حسنات وأما النسيان فهو رذيلة بحد ذاته في الأمور البسيطة المتداولة بين الناس فكم بالأحرى حينما ننسى ما يفعله الله نحونا من خيرات. ويبدأ بتعداد هذه الحسنات فيذكر الغفران لأن الرب لا يحاسبنا على ما نستحق بل على نسبة محبته العظيمة الفائقة. ثم يذكر أنه يشفي أمراضنا فهو طبيبنا الشافي الحقيقي وحده. وليس من الضروري أن يعني شفاء الأمراض الجسدية فقط بل قد تتناول الأمراض العقلية والروحية على السواء (راجع تثنية ٢٩: ٢١ وقابل مع ١أخبار ٢١: ١٩).
«٤ ٱلَّذِي يَفْدِي مِنَ ٱلْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ. ٱلَّذِي يُكَلِّلُكِ بِٱلرَّحْمَةِ وَٱلرَّأْفَةِ. ٥ ٱلَّذِي يُشْبِعُ بِٱلْخَيْرِ عُمْرَكِ، فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ ٱلنَّسْرِ شَبَابُكِ. ٦ اَلرَّبُّ مُجْرِي ٱلْعَدْلَ وَٱلْقَضَاءَ لِجَمِيعِ ٱلْمَظْلُومِينَ. ٧ عَرَّفَ مُوسَى طُرُقَهُ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ أَفْعَالَهُ. ٨ ٱلرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ ٱلرُّوحِ وَكَثِيرُ ٱلرَّحْمَةِ. ٩ لاَ يُحَاكِمُ إِلَى ٱلأَبَدِ وَلاَ يَحْقِدُ إِلَى ٱلدَّهْرِ».
(٤ - ٥) يقصد بالحفرة هنا أي الهاوية «شيأول» فإن الإنسان عندما يفقد الحياة ينزل إلى هناك لأنها مسكن الأموات وحينئذ يضع الله على رأس الإنسان إكليلاً من الرحمة والرأفة. إذن لنا من هذا أن الإنسان يحيا برحمة الله ورأفته وبدونهما لا حياة فيه ولا صحة. وليس ذلك فقط بل يستمر خيره على طول العمر فنشبع منه وهكذا تمر بنا الحياة كريمة قوية صالحة. ويقول إن النسر هو عنوان تجدد الشباب وطول العمر فبعد أن يبلغ من العمر عدداً من السنين إذا به يظهر بمظهر القوة والسطوة لأنه ملك الهواء.
(٦ - ٩) بل هو الله الذي يقضي بالعدل والإنصاف للجميع ولا سيما للمظلومين الذين لا يعترف البشر بحقوقهم فإن الله ذاته يعترف بها ويجريها. هو إله حنون ورحيم فكيف تغفل عينه عن أي المكروبين. وبعد ذلك يراجع التاريخ فيذكر موسى وأيامه الأول كيف استطاع أن يقود شعب الله لأن الله نفسه أرشده بعمود السحاب وخلص شعبه بواسطته بيد قديرة وحكمة مدبرة. ذلك الإله الرحيم الرؤوف يكرر هاتين الصفتين ويؤكدهما في القسم الثاني من العدد ذاته. وحينما يقول عرف موسى طرقه يشير المرنم إلى صلاة موسى (راجع خروج ٣٣: ١٣). وهو لا يحاكم إلى الأبد أي أنه لا يحاسب الناس على أغلاطهم ويحفظها ضدهم لئلا ييئسوا بل يفسح لهم مجال التوبة والرجوع إليه. ومع أنه إله قدوس ولا يرضى الشر فهو غير حقود على أحد لأنه يريد جميع البشر يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون.
«١٠ لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثَامِنَا. ١١ لأَنَّهُ مِثْلُ ٱرْتِفَاعِ ٱلسَّمَاوَاتِ فَوْقَ ٱلأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ. ١٢ كَبُعْدِ ٱلْمَشْرِقِ مِنَ ٱلْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا. ١٣ كَمَا يَتَرَأَّفُ ٱلأَبُ عَلَى ٱلْبَنِينَ يَتَرَأَّفُ ٱلرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. ١٤ لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ. ١٥ ٱلإِنْسَانُ مِثْلُ ٱلْعُشْبِ أَيَّامُهُ. كَزَهْرِ ٱلْحَقْلِ كَذٰلِكَ يُزْهِرُ».
(١٠) وهو رحيم رؤوف لأنه لا يعمل حسب الاستحقاق ولا يغضب طويلاً وإذا غضب فغضبه فقط على الخطيئة لا على الخاطئ بل يطلب من الخاطئ أن يعود عن غيه وعن آثامه لأن لا حياة فيه بدون ذلك. فرحمته إذن هي النهر الجاري وخطايانا هي التحولات في مجرى النهر فنمنع عنا ماءه الذي يروي العطشان ويسقي الأراضي. إذا جازى الله الإنسان كفعله يصبح شبيهاً بالإنسان بينما الله هو شبيه بذاته فقط وعلينا أن نعمل مشيئته لننال بركته ليس إلا.
(١١ - ١٤) في هذه الأعداد يقدم لنا المرنم تشابيه مختلفة لكي تقرب المعاني إلى أفهامنا فكما ترتفع السماء عن الأرض هكذا ترتفع رحمته على خائفيه الحافظين شهاداته السائرين في طريقه المستقيم. وهو من فرط محبته قد أبعد عنا المعاصي لكي لا نتذكرها فيما بعد بل يتوجب علينا أن ننساها أي لا نعود إليها قط. وفي قوله كما يترأف الأب يوجد مسحة من العهد الجديد إذ يشبه محبة الله بمحبة الآب لبنيه. هو الله الذي يعرف الإنسان لأنه خلقه وجبله من تراب الأرض لذلك يشفق عليه وعلى ضعفه وخطيئته ويريده أن يعود إليه بالتوبة وطلب الغفران (راجع أيوب ١١: ١١ و٢٨: ٢٣ وقابل ذلك مع أيوب ٧: ٧ وأيضاً مزمور ٧٨: ٣٩ و٨٩: ٤٨).
(١٥) والتشبيه بأن الإنسان كالعشب هو شيء قديم جداً (راجع مزمور ١٥: ٥ وما بعده وقابله مع إشعياء ٤٠: ٦ - ٨ و٥١: ١٢). فما هي مدة حياة الإنسان بالنسبة للأرض والجبال والبحار. فهو سريع الزوال كالعشب وله أيضاً مجد وجمال كالعشب بما فيه من زهور جميلة واخضرار خلاب (انظر إشعياء ٤٠: ٧ وما بعده).
«١٦ لأَنَّ رِيحاً تَعْبُرُ عَلَيْهِ فَلاَ يَكُونُ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مَوْضِعُهُ بَعْدُ. ١٧ أَمَّا رَحْمَةُ ٱلرَّبِّ فَإِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ عَلَى خَائِفِيهِ، وَعَدْلُهُ عَلَى بَنِي ٱلْبَنِينَ، ١٨ لِحَافِظِي عَهْدِهِ وَذَاكِرِي وَصَايَاهُ لِيَعْمَلُوهَا. ١٩ اَلرَّبُّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ ثَبَّتَ كُرْسِيَّهُ وَمَمْلَكَتُهُ عَلَى ٱلْكُلِّ تَسُودُ. ٢٠ بَارِكُوا ٱلرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ ٱلْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، ٱلْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ. ٢١ بَارِكُوا ٱلرَّبَّ يَا جَمِيعَ جُنُودِهِ، خُدَّامَهُ ٱلْعَامِلِينَ مَرْضَاتَهُ. ٢٢ بَارِكُوا ٱلرَّبَّ يَا جَمِيعَ أَعْمَالِهِ. فِي كُلِّ مَوَاضِعِ سُلْطَانِهِ بَارِكِي يَا نَفْسِيَ ٱلرَّبَّ».
(١٦ - ١٨) إذا هبّ ريح حار جاف فإنه حالاً يذوي العشب وييبسه وهكذا الإنسان فإنه إذا مر عليه بعض المصائب القاسية فتتركه في حالة اليأس مقترباً إلى الموت. وكما تنثر الريح هذه الأعشاب اليابسة إلى كل مكان هكذا تذهب حياة الإنسان حتى لا يعود يعرفه أقرب الناس إليه ويصبح نسياً منسياً. وكما أن الريح تشير إلى أي نوع من أنواع المخاطر هكذا فإن رحمة الرب لا تتركنا بل تنجينا من هذه المخاطر جميعها ولا سيما أولئك الخائفين الله وحينئذ يجري عدله حتى يصل إلى بني البنين - فكما أنه يفتقد ذنوب الآباء بالأبناء حسب الوصية الثالثة هكذا فإن رحمته تصل إلى الأبناء كما الآباء فهو معنا في كل حين. ولكن هذه لمن يحفظون عهود الله ويمشون حسب وصاياه. فيعملون الأفضل لأنهم يعرفونه كذلك.
(١٩ - ٢٢) والآن يرتفع المرنم للأعالي فيصور لنا السماء وما فيها من ملائكة وأجناد وقوات وخدام. هناك كرسي الرب كما أن الأرض هي موطئ قدميه فهو الملك الحاكم على كل مخلوقاته السماوية أولاً والأرضية أيضاً. وهو يدعو هذه الأجناد كلها لكي تشترك في التسبيح ولا مثيل لذلك سوى المزمور ٢٩) ويظهر أنه يوجد رتب في السماويين (راجع لوقا ٢: ١٣ ومزمور ١٠٤: ٤ ودانيال ٧: ١٠ وعبرانيين ١: ١٤). ومن السماويين حسب رتبهم يتدرج إلى الأرضيين إلى جميع الذين يعملون مرضاته ويتممون أوامره ثم إلى أعماله العجيبة في المخلوقات الطبيعية فهي نفسها تشترك في تسبيح الله وحمده وتمجيده وأخيراً يعود إلى نفسه كما افتتح المزمور لأنه لو بارك الله كل هؤلاء ولم يشترك الإنسان في ذلك فباطلة كل عبادة وباطل كل تسبيح.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلرَّابِعُ


«١ بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ. يَا رَبُّ إِلٰهِي قَدْ عَظُمْتَ جِدّاً. مَجْداً وَجَلاَلاً لَبِسْتَ. ٢ ٱللَّابِسُ ٱلنُّورَ كَثَوْبٍ ٱلْبَاسِطُ ٱلسَّمَاوَاتِ كَشُقَّةٍ. ٣ ٱلْمُسَقِّفُ عَلاَلِيَهُ بِٱلْمِيَاهِ. ٱلْجَاعِلُ ٱلسَّحَابَ مَرْكَبَتَهُ. ٱلْمَاشِي عَلَى أَجْنِحَةِ ٱلرِّيحِ».
هذا المزمور أيضاً يبدأ بالعبارة «باركي يا نفسي الرب». وهو غير معروف من مؤلفه ويرينا أن الله حاكم في مملكة الطبيعية فيذكر الحيوانات الكثيرة بأسمائها وطرق معيشتها حتى يكاد يكون هذا المزمور فصلاً في علم الحيوان. بينما المزمور السابق يتكلم عن نعمة الله ولذلك يبحث عن الملائكة والقوات والأجناد السماوية. وغاية المرنم أن يرينا إن عمل الخليقة حسن جداً كما ورد في سفر التكوين الأصحاح الأول. ويتمنى أن يطرد الشر من الأرض طالما خلائق الله كلها حسنة. ذلك لأن الإنسان بفساد طبيعته قد أفسد ما أوجده الله حسناً.
(١ - ٣) يبدأ هذا المزمور متابعاً أعمال الخليقة فيصف النور أولاً وهو بدء خليقة الله. يفعل ذلك بعد أن يعطي المجد لله ويصفه بأنه يلبس المجد والجلال. وهو العظيم في كل شيء المنزه عن كل شيء أرضي لأن ملكه ملك سماوي علوي. ولأن الله قد خلق النور أولاً لذلك يلبسه متسربلاً به كما أنه قد بسط السموات كما تبسط شقة الخيمة لكي تغطيها (راجع عاموس ٤: ١٣ وإشعياء ٤٤: ٢٤ و٤٥: ٧ وإرميا ٢٠: ١٢). في قوله «الباسط السموات كشقة». ينتقل إلى اليوم الثاني من أيام الخليقة حينما خلق الله الجلد فبسط السموات كما تبسط شقة الخيمة وتنشر من جميع الأنحاء (راجع إشعياء ٥٤: ٢). هذا الإله العظيم الذي يجعل المياه سقوفاً لغرفه العالية والذي يركب على السحاب ويمشي على الريح. هو إله مرتفع ويستخدم هذه القوات المختلفة المتعالية فوق الإنسان لأجل إظهار مجده تعالى. وهو يركب مركبته النورانية هذه لكي يحكم في الناس ويريهم مجده وجلاله ويجعلهم خاضعين (إشعياء ١٩: ١).
«٤ ٱلصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً وَخُدَّامَهُ نَاراً مُلْتَهِبَةً. ٥ ٱلْمُؤَسِّسُ ٱلأَرْضَ عَلَى قَوَاعِدِهَا فَلاَ تَتَزَعْزَعُ إِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ. ٦ كَسَوْتَهَا ٱلْغَمْرَ كَثَوْبٍ. فَوْقَ ٱلْجِبَالِ تَقِفُ ٱلْمِيَاهُ. ٧ مِنِ ٱنْتِهَارِكَ تَهْرُبُ مِنْ صَوْتِ رَعْدِكَ تَفِرُّ. ٨ تَصْعَدُ إِلَى ٱلْجِبَالِ. تَنْزِلُ إِلَى ٱلْبِقَاعِ إِلَى ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي أَسَّسْتَهُ لَهَا. ٩ وَضَعْتَ لَهَا تُخُماً لاَ تَتَعَدَّاهُ. لاَ تَرْجِعُ لِتُغَطِّيَ ٱلأَرْضَ».
(٤) يقال إنه كما خلق الله الإنسان من تراب الأرض هكذا خلق ملائكته من النار الملتهبة. وقد يكون المعنى أن الله يستخدم الريح والنار لإتمام مقاصده تعالى وإسماع صوته كما في انتظار إيليا أن يسمع صوت الله في المغارة (راجع ١ملوك ١٩: ١١ وما يليه). ولا شك أن الكروبيم نفسه يجب أن ينقل إلينا الفكرة أن الله كان يستعملهم مثل مركبة لينتقل من مكان إلى آخر (انظر مزمور ٣٥: ٥). ونرى حينئذ أن الرب يمثل لنا قوة الريح التي يستخدمها كرسول عنه.
(٥ - ٩) يرينا الآن أن هذه الأرض ثابتة غير متقلقلة ولا متزعزعة. هوذا الجبال العالية ترتفع متشامخة وهوذا السهول والوديان وينظر إلى البحيرات العالية فيراها في أمكنة عالية بين الجبال. وقد يكون المعنى أن هذه الينابيع المتدفقة الآتية من قمم الجبال كيف وصلت إلى هناك لولا أن الله قد كسا الجبال بها فغارت إلى حين ثم انفجرت ينابيع ماء حية لتروي العطاش. أما أن هذه المياه تهرب وتفر من صوت الرعد فهنا إشارة إلى فكرة قديمة هي أن الرعد يفجر المياه ويجعلها تسيل بشدة. وهذه المياه العالية في الجبال هي من هناك نازلة وفي نزولها تصل إلى الأمكنة المخصصة لها والتي لا تقدر أن تتعداها. فهذه المياه ليست حرة في جريانها بل تسير كما يريد الله لها وتقف حينما يريد فهي تخضع لنظامات معينة فلن يكون طوفان كالذي جرى من قبل فيغمر المعمورة كلها. بل إن هذه البحار هي في أماكنها الخاصة لا تستطيع أن تصعد منها لتغمر الأرض بالمياه لأنه قد وضع لها حدوداً (راجع أمثال ٨: ٢٩ وإرميا ٥: ٢٢) ولم تعد هذه المياه كما كانت عند بدء الخليقة حينما كانت تغمر الأرض (راجع تكوين ١).
«١٠ اَلْمُفَجِّرُ عُيُوناً فِي ٱلأَوْدِيَةِ. بَيْنَ ٱلْجِبَالِ تَجْرِي. ١١ تَسْقِي كُلَّ حَيَوَانِ ٱلْبَرِّ. تَكْسِرُ ٱلْفِرَاءُ ظَمَأَهَا. ١٢ فَوْقَهَا طُيُورُ ٱلسَّمَاءِ تَسْكُنُ. مِنْ بَيْنِ ٱلأَغْصَانِ تُسَمِّعُ صَوْتاً. ١٣ ٱلسَّاقِي ٱلْجِبَالَ مِنْ عَلاَلِيهِ. مِنْ ثَمَرِ أَعْمَالِكَ تَشْبَعُ ٱلأَرْضُ. ١٤ ٱلْمُنْبِتُ عُشْباً لِلْبَهَائِمِ، وَخُضْرَةً لِخِدْمَةِ ٱلإِنْسَانِ، لإِخْرَاجِ خُبْزٍ مِنَ ٱلأَرْضِ، ١٥ وَخَمْرٍ تُفَرِّحُ قَلْبَ ٱلإِنْسَانِ لإِلْمَاعِ وَجْهِهِ أَكْثَرَ مِنَ ٱلزَّيْتِ، وَخُبْزٍ يُسْنِدُ قَلْبَ ٱلإِنْسَانِ».
(١٠ - ١٤) يصف هنا تلك الينابيع التي تتفجر في أودية الجبال العالية فهي واطئة بالنسبة للجبال حولها ولكنها عالية بالنسبة للاراضي التي تحتها. وهذه المياه عادة طيبة وباردة ومنعشة وتنحدر بعد ذلك في أودية مختلفة حتى تجتمع لتكون أنهاراً عظيمة. ثم تسقي كل الحيوانات التي تعيش في البراري ولا سيما الفراء أي الحمار الوحش ذو الخطوط المتوازية التي تكسو جلده. وقوله «تكسر ظمأها» هو تعبير مستعمل حتى الأن فنقول «نكسر عطشنا» وهذا التعبير لم يستعمل في أي موضع غير هنا. وفوق هذا الحيوانات تسكن طيور السماء التي تنتقي لنفسها نواتئ الصخور حيث تبني أعشاشها أو أعالي الشجر أو قمم الجبال الشامخة التي لا يقدر أن يصل إلى فراخها أي حيوان. وهذه الطيور تعرف بصوتها فقط إذ ربما تغيب عن العيون أشكالها ويكون صوتها زقزقة أو نعيباً بين أغصان الأشجار. هو الله الذي يسقي الجبال من الأعالي وحينئذ تشبع الأرض من هذا الخير الذي يمنحه الرب للناس. وهكذا ينبت الشجر والخضر وأنواع البقول والحبوب التي تغذي وتحيي الإنسان. فيعطي عشباً للبهائم وخضرة لمأكولات البشر بل ويبنت المزروعات التي منها يؤخذ الخبز.
(١٥) هذا الخبز الذي هو قوت البشر ويستغنون ربما عن كثير من المأكولات وأما عنه فلا يستغنون. بل هذه الأرض التي تنبت الكرمة بعنبها الطيب اللذيذ يضاف إليه صناعة الإنسان فيستخرج منه الخمر الذي عرفه منذ القديم وألمع به وجهه اكثر من إلماع الزيت. ولكن هذا لا يكفي ما لم يكن خبز للإنسان يسند به قلبه. وهو التعبير ذاته الذي نستعمله حتى اليوم في هذه البلاد.
وقد ذهب بعض المترجمين «لإلماع وجهه بالزيت». وليس أكثر من الزيت.
«١٦ تَشْبَعُ أَشْجَارُ ٱلرَّبِّ، أَرْزُ لُبْنَانَ ٱلَّذِي نَصَبَهُ. ١٧ حَيْثُ تُعَشِّشُ هُنَاكَ ٱلْعَصَافِيرُ. أَمَّا ٱللَّقْلَقُ فَٱلسَّرْوُ بَيْتُهُ. ١٨ ٱلْجِبَالُ ٱلْعَالِيَةُ لِلْوُعُولِ. ٱلصُّخُورُ مَلْجَأٌ لِلْوِبَارِ. ١٩ صَنَعَ ٱلْقَمَرَ لِلْمَوَاقِيتِ. ٱلشَّمْسُ تَعْرِفُ مَغْرِبَهَا. ٢٠ تَجْعَلُ ظُلْمَةً فَيَصِيرُ لَيْلٌ. فِيهِ يَدِبُّ كُلُّ حَيَوَانِ ٱلْوَعْرِ. ٢١ ٱلأَشْبَالُ تُزَمْجِرُ لِتَخْطُفَ وَلِتَلْتَمِسَ مِنَ ٱللّٰهِ طَعَامَهَا».
(١٦ - ١٨) وهكذا يكون المرنم قد ذكر المصادر الثلاثة الهامة لقوت الإنسان حسب العرف القديم وهي الخمر والخبز والزيت. أما قوله في العدد ١٦ أشجار الرب فهي تلك الأشجار الباسقة التي تخبر عن قدرة الرب وترينا عظمته بالنسبة لقدمها في السنين وبالنسبة لارتفاعها وثباتها ضد عوادي الأيام. فيذكر نوعين من هذه الأشجار العظيمة أولاً الأرز وثم السرو في هذه الأشجار تجعل العصافير أعشاشها كما أن للقلق - وهو نوع من البجع الذي يأتي في الربيع ويقتات على الحشرات التي تفتك بالمزروعات فمن هذا القبيل هو نافع جداً للفلاح. هذه الطيور التي لا يؤكل لحمها تجعل أعشاشها في السرو وهذا الطير مشهور بإلفته العائلية وكان يحسبه القدماء سعيداً وبركة للبيوت التي ينزل في جوارها ويعشش. ويتابع المرنم تفكيره فيرى أن عناية الله التي تحيط بكل شيء تجعل الوعول مسكنها الجبال والوبار مسكنها الصخور. أما الوعل فهو الماعز البري الذي يسكن الأماكن العالية.
(١٩ - ٢١) والآن ينتقل المرنم إلى اليوم الرابع من أيام الخليقة فيذكر الشمس والقمر. ولكنه يذكر القمر أولاً لكي يتبعه بذكر مليكة النهار وهي الشمس التي تبدد الظلمات. والقمر قد عرف منذ القديم لكي يقسم الأوقات إلى أشهر والأشهر إلى سنوات على التوالي. وهكذا يذكر الليل وما يدب فيه من حيوان. هوذا الظلمة تغشى الأرض وتستر في طياتها تلك الوحوش الضارية التي تطلب قنصها عندئذ. بل هوذا الأشبال ذاتها تزمجر طالبة طعاماً ومن يستطيع أن يعتني بجميع هذه الحيوانات غير الله الذي خلقها فهو وحده قادر أن يقوتها ويحييها.
«٢٢ تُشْرِقُ ٱلشَّمْسُ فَتَجْتَمِعُ، وَفِي مَآوِيهَا تَرْبِضُ. ٢٣ ٱلإِنْسَانُ يَخْرُجُ إِلَى عَمَلِهِ وَإِلَى شُغْلِهِ إِلَى ٱلْمَسَاءِ. ٢٤ مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنَةٌ ٱلأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ. ٢٥ هٰذَا ٱلْبَحْرُ ٱلْكَبِيرُ ٱلْوَاسِعُ ٱلأَطْرَافِ. هُنَاكَ دَبَّابَاتٌ بِلاَ عَدَدٍ. صِغَارُ حَيَوَانٍ مَعَ كِبَارٍ. ٢٦ هُنَاكَ تَجْرِي ٱلسُّفُنُ. لَوِيَاثَانُ هٰذَا خَلَقْتَهُ لِيَلْعَبَ فِيهِ. ٢٧ كُلُّهَا إِيَّاكَ تَتَرَجَّى لِتَرْزُقَهَا قُوتَهَا فِي حِينِهِ».
(٢٢ - ٢٣) وهذه الحيوانات التي بعضها ليلية إذا بها عندما تشرق الشمس تعود فتختبئ في مآويها إلى ميعاد آخر. بينما الإنسان يعيش بطريقة معاكسة فهو يشتغل أثناء النهار ولا يبرح يفعل ذلك حتى يكتنفه الظلام وحينئذ يتوقف عن عمله إلى نهار آخر.
(٢٤ - ٢٧) ثم يلخص كلامه السابق كله بتمجيد أعمال الرب التي صُنعت كلها بالحكمة والدراية. وهوذا الأرض كلها تشهد بذلك وترينا غنى الرب الذي لا يستقصى ولا يحدّ. وهذا العدد مناسب جداً لختام الكلام عن المخلوقات البرية كلها ونجده في (العدد ٢٥) ينتقل إلى البحر ويجد فيه الاتساع العظيم فينبهر بصره بهذا الجلال وهذه العظمة ويرى فيه تلك الأسماك الكثيرة بأشكالها المتباينة وأحجامها المختلفة من صغيرة وكبيرة. أيضاً هنا يتابع المرنم ترتيبه السابق من جهة أيام الخليقة ويصل إلى اليوم الخامس. وهنا لا يضع فاصلاً كبيراً بين أي شيء خلق من قبل لذلك نجد الطيور والحيوانات والأسماك كلها متتابعة وهذا دليل أن المرنم لم يلتفت إلى ترتيب الخليقة وتابعها كما هي بل تصرف كما شاء له مجرى الكلام. في هذا البحر يجد السفن التي تمخر عبابه بل يجد لوياثان وهو عادة التمساح ولكنه هذا يعني الأرجح الحوت لأن التمساح لا يسكن البحار بل يعيش على ضفاف الأنهار. وقد يكون لوياثان كناية عن الوحوش البحرية على اختلاف أشكالها دون تمييز. ويلتفت مرة أخرى إلى البر والبحر ويجد أن كل شيء يمجد اسم الله ويذيع حمده وبركته لأنه هو الخالق والمعتني الذي يمنح كل مخلوقاته طعامها في حينه فلا تجوع ولا تعطش بل تسكن آمنة مطمئنة لأن الله يدبر كل شيء بحسب حكمته غير المتناهية.
«٢٨ تُعْطِيهَا فَتَلْتَقِطُ. تَفْتَحُ يَدَكَ فَتَشْبَعُ خَيْراً. ٢٩ تَحْجُبُ وَجْهَكَ فَتَرْتَاعُ. تَنْزِعُ أَرْوَاحَهَا فَتَمُوتُ وَإِلَى تُرَابِهَا تَعُودُ. ٣٠ تُرْسِلُ رُوحَكَ فَتُخْلَقُ. وَتُجَدِّدُ وَجْهَ ٱلأَرْضِ ٣١ يَكُونُ مَجْدُ ٱلرَّبِّ إِلَى ٱلدَّهْرِ. يَفْرَحُ ٱلرَّبُّ بِأَعْمَالِهِ. ٣٢ ٱلنَّاظِرُ إِلَى ٱلأَرْضِ فَتَرْتَعِدُ. يَمَسُّ ٱلْجِبَالَ فَتُدَخِّنُ. ٣٣ أُغَنِّي لِلرَّبِّ فِي حَيَاتِي. أُرَنِّمُ لإِلٰهِي مَا دُمْتُ مَوْجُوداً، ٣٤ فَيَلَذُّ لَهُ نَشِيدِي وَأَنَا أَفْرَحُ بِٱلرَّبِّ. ٣٥ لِتُبَدِ ٱلْخُطَاةُ مِنَ ٱلأَرْضِ وَٱلأَشْرَارُ لاَ يَكُونُوا بَعْدُ. بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ. هَلِّلُويَا».
(٢٨ - ٣٠) ذاك الإله الجواد الذي يعطيها ويفتح يده عليها فإذن كل مساعيها وحدها عبث وإنما تصبح ذات جدوى متى رضي الله عنها فتشبع وتحيا. ومن جهة ثانية إذا حجب الرب وجهه إذا بها تخاف وتتغير وتبدأ بالاضمحلال والزوال «لأن به نحيا ونتحرك ونوجد». وهو الله الذي ينزع أرواحها وتموت بعد ذلك تعود إلى التراب وهكذا تستمر أعمال الله في خليقته أشياء تضمحل وأشياء تتجدد على التوالي ولا سيما حينما يرسل روحه المحيي ذلك النفس الذي ينفخه في الوجود فإذا به يتحرك بمشيئة الله فتعود الأرض إلى حالتها القشيبة وقت الربيع. فما كان موتاً في الشتاء يصبح حياة مرة أخرى وهكذا دواليك على مرور الزمان (راجع ١صموئيل ١٥: ٦ وأيوب ٣٤: ١٤ وما بعده).
(٣١ - ٣٥) أما مجد الرب فلا يتغير ولا يتبدل بل هو هو إلى الأبد ويفرح الرب بأعماله لأنها حسنة وصالحة كلها. هذا الإله العظيم الذي برضاه نحيا وبدون رضاه ترتعد الأرض كلها. إذا لمس الجبال يجعلها تدخن فتبعث الحمم من أفواه براكينها. وهكذا بغضبه يتم الهلاك والدمار. ويلتفت إلى نفسه فيجد أن من الواجب أن يغني في حياته وأن يرنم ترنيمات لائقة بهذا الإله المحب القدير القدوس. وإذا به يتأكد أن الرب يفرح بالنشيد وهو أي المرنم يفرح بهذا الفرح. هو إنسان متعبد لإلهه يرى في هذه المخلوقات جميعها ما يدعوه للتخشع والسجود والتسليم فيزداد تواضعاً كلما عرف عظمة الرب أكثر ويزداد ورعاً كلما رأى آيات الله ماثلة أمام عينيه. وأخيراً ينحي باللائمة على الأشرار الذين لا يرون ما يراه ولا يؤمنون إيمانه ويتمنى لو يبادون من الأرض حتى لا يبقى أحد منكراً لجميل إلهه. ولكنه هو أي المرنم يعود إلى نفسه في الختام ويبارك الرب ويسبحه بكل ما أوتي من قوة وحلاوة نشيد.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلْخَامِسُ


«١ اِحْمَدُوا ٱلرَّبَّ. ٱدْعُوا بِٱسْمِهِ. عَرِّفُوا بَيْنَ ٱلأُمَمِ بِأَعْمَالِهِ. ٢ غَنُّوا لَهُ. رَنِّمُوا لَهُ. أَنْشِدُوا بِكُلِّ عَجَائِبِهِ. ٣ ٱفْتَخِرُوا بِٱسْمِهِ ٱلْقُدُّوسِ. لِتَفْرَحْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ ٱلرَّبَّ».
هذا أحد المزامير التي تبدأ بالحمد كما أنه يوجد بعض المزامير الأخرى التي تبدأ هللويا فنسمي المزامير الأول مزامير الحمد مثل المزامير (١٠٥ و١٠٧ و١١٨ و١٣٦). كما أن مزامير هللويا مثل (المزامير ١٠٦ و١١١ و١١٢ و١١٣ و١١٧ و١٣٥ و١٤٦ و١٤٧ و١٤٨ و١٤٩ و١٥٠). ويذكر كلا النوعين من المزامير كل من أسفار أخبار الأيام وعزرا ونحميا. يأخذ المرنم مجمل الحوادث التي جرت في أيام موسى وأوائل أيام يشوع ويلبسها حلى قشيبة من الشعر القصصي الديني. يأخذ زمان التوراة (أي الشريعة الموسوية) ويتوسع فيه سارداً الحوادث ليس بصورة تاريخية بمقدار إلقاء دروس وعبر على الحاضر يستنتجها من الماضي السحيق. والأرجح أنه مزمور كان يرنم في الأعياد (راجع ١أخبار ١٦: ٨ - ٢٢) وقد حسبه بعض المفسرين أنه مجموعة من المزامير أخذت شكلها الأخير على مرور الزمان وتكرار الاستعمال ويرجح الكثيرون أنه كان يستعمل في ابتداء العبادة على جبل صهيون وإنه يتبع النسق الداودي في المزامير. وخلاصة القول أنه مزمور يسرد حوادث التوراة بشكل شعري يقع في النفس موقعاً جميلاً.
(١ - ٣) يبدأ كلامه بحمد الرب والدعوة باسمه إي إذاعة اسمه إلى كل مكان حتى يسمع جميع الأمم ويعترف البشر كلهم بصنائع الرب وعظمته هو دعاء التسبيح والشكران بصوت مسموع مفهوم. يجب أن يغنى له ويرنم ويتذكر العالم أجمع تلك العجائب التي صنعها الرب. بل هو مدعاة الفخر والمباهاة أمام الجميع ولا سيما أن تفرح به قلوب المؤمنين الذين يلتمسون الرب فيجدون فيه صخرة خلاص وملجأ أمان. في هذه الدعوة للتسبيح جدّ وانشغاف أما الجد فلأنه يريد أن ينصرف الناس بالتقوى والورع ولا يصرفون أوقاتهم في التلهي بأمور العالم فقط. وأما الانشغاف فهو يضع الله قبلة الأنظار ويتقدم إليه عن محبة ورغبة قلبية. لذلك هو يدعو للفرح والترنم والابتهاج بالرب وليس مجرد تقديم عبادة خارجية وكفى.
«٤ اُطْلُبُوا ٱلرَّبَّ وَقُدْرَتَهُ. ٱلْتَمِسُوا وَجْهَهُ دَائِماً. ٥ ٱذْكُرُوا عَجَائِبَهُ ٱلَّتِي صَنَعَ، آيَاتِهِ وَأَحْكَامَ فَمِهِ ٦ يَا ذُرِّيَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَبْدِهِ، يَا بَنِي يَعْقُوبَ مُخْتَارِيهِ. ٧ هُوَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا فِي كُلِّ ٱلأَرْضِ أَحْكَامُهُ. ٨ ذَكَرَ إِلَى ٱلدَّهْرِ عَهْدَهُ كَلاَماً أَوْصَى بِهِ إِلَى أَلْفِ دَوْرٍ، ٩ ٱلَّذِي عَاهَدَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَقَسَمَهُ لإِسْحَاقَ».
(٤ - ٦) يجب على الناس أن يلتفتوا إلى الرب ويهتموا بوصاياه لأنه قدير فيستطيع أن يحضر إلى كل مراكز الخطر ويبددها. وهو يلتمس وجه الله أي حضوره الإلهي لأن بوجهه يتبدد جميع غياهب الظلمات وهكذا يسلك المؤمن بالنور ويعيش موفقاً سعيداً. ويطلب من الناس أن يذكروا عجائب الله والآيات والأحكام التي تخرج من فمه لأن كل أحكامه حق وأمانة وعدل. والأرجح أن المرنم يضع تذكارات مصر وخروج شعب الله منها أمام عينيه فلا يجوز إذن للشعب أن ينسى ما جرى معه من حوادث خطيرة. ويعود بالتذكارات إلى قبل ذلك أيضاً فيذكر الشعب إنهم ذرية يعقوب وإبراهيم وأولئك الآباء الذين اختارهم الله ليكونوا معه وليخبروا الأجيال القادمة.
(٧ - ٩) هذا الرب الإله الذي يملأ الأرض كلها بأحكامه. نعم هو إله إسرائيل ولكنه هو إله الأرض كلها يحكم بالعدل والإنصاف ولكن شعبه المختار هو الذي يعترف بأحكامه هذه ويذكر العهد الذي قطعه ويحفظه إلى كل أدوار التاريخ. ثم يعود فيذكر إبراهيم مرة ثانية ويرى فيه الشخص الأنسب الذي عاهده الله ثم أعطى قسمه لإسحاق ابنه من بعده. لأن الله حي لذلك هو ينقل عهوده المقدسة وأقسامه من والدٍ إلى ولد.
«١٠ فَثَبَّتَهُ لِيَعْقُوبَ فَرِيضَةً وَلإِسْرَائِيلَ عَهْداً أَبَدِيّاً، ١١ قَائِلاً: لَكَ أُعْطِي أَرْضَ كَنْعَانَ حَبْلَ مِيرَاثِكُمْ. ١٢ إِذْ كَانُوا عَدَداً يُحْصَى، قَلِيلِينَ وَغُرَبَاءَ فِيهَا. ١٣ ذَهَبُوا مِنْ أُمَّةٍ إِلَى أُمَّةٍ، مِنْ مَمْلَكَةٍ إِلَى شَعْبٍ آخَرَ. ١٤ فَلَمْ يَدَعْ إِنْسَاناً يَظْلِمُهُمْ، بَلْ وَبَّخَ مُلُوكاً مِنْ أَجْلِهِمْ، ١٥ قَائِلاً: لاَ تَمَسُّوا مُسَحَائِي وَلاَ تُسِيئُوا إِلَى أَنْبِيَائِي».
(١٠ - ١١) وبعد إسحاق يأتي يعقوب أيضاً الذي اسمه إسرائيل لأنه صارع مع الله باقتدار. فهذا العهد دائم لا يتغير بتغير الأشخاص والمهم في ذلك ليس الإنسان بل الله الذي يتكلم لكي يصغي إليه البشر جميعهم. هو الوعد الذي جرى على جبل موريا (انظر تكوين ٢٢: ١٦). وأيضاً (عاموس ٧: ٩ وإرميا ٣٣: ٢٦). هي أرض موروثة ومقيسة بالحبل لأنها مملوكة فقد طرد الله السكان الأصليين وسلم أرضهم إلى شعبه الخاص (انظر مزمور ٧٨: ٥٥).
(١٢ - ١٥) وقد كان هذا الشعب المختار قليل العدد أولاً يحصى على أصابع اليد ربما وكانوا غرباء في البلاد وأما الآن فهم أصحابها الحقيقيون (راجع تكوين ٣٤: ٣٠ وتثنية ٢٦: ٥). كانوا بلا شأن ضعفاء لا يعتد بهم. وقد اضطروا أولاً أن يبقوا متجولين لا يستقرون في مكان واحد معيّن. فذهبوا من مملكة إلى مملكة وتعرفوا بشعب بعد شعب وكان الله معهم وحارسهم على الدوام فلم يدعهم مظلومين لأنه هو الذي حماهم وقواهم وسندهم وهداهم حتى أن الملوك أنفسهم لم يستطيعوا أن يعتدوا عليهم ويسحقوهم. بل عضدهم بيمينه ونجاهم. ذلك لأن منهم خرج المسحاء أي الممسوحين بيد الله القدير ليدعوا شعب الله وليقودوه في طرق الحق والحياة. ومنهم خرج الرؤساء والقادة والأنبياء لذلك احتاجوا إلى القدرة الإلهية حتى لا ينخذلوا في مهمتهم الخطيرة هذه. هم مسحاء لأنهم مختارون وهم أنبياء لكي يتكلموا بعظائم الله ويخبروا عن عجائبه (راجع خروج ٧: ١ وما بعده مع ٤: ١٥ وما بعده).
«١٦ دَعَا بِٱلْجُوعِ عَلَى ٱلأَرْضِ. كَسَرَ قِوَامَ ٱلْخُبْزِ كُلَّهُ. ١٧ أَرْسَلَ أَمَامَهُمْ رَجُلاً. بِيعَ يُوسُفُ عَبْداً. ١٨ آذَوْا بِٱلْقَيْدِ رِجْلَيْهِ. فِي ٱلْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ ١٩ إِلَى وَقْتِ مَجِيءِ كَلِمَتِهِ. قَوْلُ ٱلرَّبِّ ٱمْتَحَنَهُ. ٢٠ أَرْسَلَ ٱلْمَلِكُ فَحَلَّهُ. أَرْسَلَ سُلْطَانُ ٱلشَّعْبِ فَأَطْلَقَهُ. ٢١ أَقَامَهُ سَيِّداً عَلَى بَيْتِهِ وَمُسَلَّطاً عَلَى كُلِّ مُلْكِهِ».
(١٦ - ٢١) دعا بالجوع أي أوجد جوعاً على الأرض حيثما نزل يعقوب وبنوه وكسر قوام الخبز أي أن الخبز الذي هو قوام الحياة وبدونه لا حياة إذ به يسند قلب الإنسان كما رأينا من قبل (راجع مثلاً لاويين ٢٦: ٢٦). ولأن الله يعتني بهم تلك العناية الكاملة الحنونة لذلك فقد تحوّل إرسال يوسف وبيعه عبداً إلى سبب خلاص وخير لأبيه وإخوته جميعاً (انظر تكوين ٤٥: ٥). وهكذا فإن العناية الإلهية التي لا تدركها الأفهام البشرية تعمل عملها بكل نشاط وقوة وتجعل من الشر خيراً ومن الضيق فرجاً وسلاماً. يوسف هذا أصبح سجيناً مقيد الرجلين. ونفسه مصفدة بالحديد علامة الذل والمسكنة. ولم يطل الوقت حتى تحققت أحلام هذا الفتى يوسف «إلى وقت مجيء كلمته» وقد دخل في امتحانات صعبة مرة ولكنه اجتازها بنشاط وأمن وبرهن عن إيمان وكفاءة (راجع تكوين ٤٢: ٩). ولكن الله نفسه قد استخدم فرعون فأرسل ودعاه إليه لكي يفسر الأحلام التي أزعجته وأقضت مضجعه وكان الله يتكلم لكي يرى عجائبه في المجاعة العظيمة التي ستجتاح أرض مصر كلها. وكانت النتيجة أن هذا السجين يحل وهذا المقيّد يطلق سراحه ليصبح سيداً عظيماً في المملكة كلها. أليس هذا لأن يد الله القديرة تدبر هذه الأشياء كلها وتجعل بعد العسر يسراً وتكون جواً جميلاً صافياً بعد تلك الغيوم المتلبدة التي حجبت شمس السعادة حيناً من الزمن. هذا هو الإله الذي يرفع الناس حسب استحقاقاتهم وتكون المصائب لهؤلاء الناس مثل درجات في سلم النجاح وبالتالي يرتقون إلى حياة الكرامة والأمجاد.
«٢٢ لِيَأْسِرَ رُؤَسَاءَهُ حَسَبَ إِرَادَتِهِ وَيُعَلِّمَ مَشَايِخَهُ حِكْمَةً. ٢٣ فَجَاءَ إِسْرَائِيلُ إِلَى مِصْرَ، وَيَعْقُوبُ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ حَامٍ. ٢٤ جَعَلَ شَعْبَهُ مُثْمِراً جِدّاً وَأَعَزَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِ. ٢٥ حَوَّلَ قُلُوبَهُمْ لِيُبْغِضُوا شَعْبَهُ، لِيَحْتَالُوا عَلَى عَبِيدِهِ. ٢٦ أَرْسَلَ مُوسَى عَبْدَهُ وَهَارُونَ ٱلَّذِي ٱخْتَارَهُ. ٢٧ أَقَامَا بَيْنَهُمْ كَلاَمَ آيَاتِهِ وَعَجَائِبَ فِي أَرْضِ حَامٍ».
(٢٢ - ٢٤) وكانت النتيجة أن أصبح يوسف في ذلك المركز الرفيع حتى أن رؤساءه أصبحوا في قبضة يده يتصرف بهم كيفما شاء بل أصبح يعلم الحكماء حكمة ويفوق جميع الفاهمين دراية وحسن تدبير (راجع تكوين ٤١: ١٤ وايضاً ٤١: ٣٩ - ٤١ ثم العدد ٤٤). ويوسف هذا يأسرهم بحسب إرادته أي بحسب ما يرتئيه هو لأجل الخير العام فقد نظر للمستقبل نظراً ثاقباً فصمم على شيء وتابع مسيره حتى النهاية وكان الظفر حليفه حتى البركة الكاملة. وهكذا جاء إسرائيل إلى مصر هرباً من الجوع لكي ينال طعاماً ونزل مع أولاده ليصبح غريباً في أرض غريبة. ولكن هذا النزوح كان سبب بركة عظيمة إذ أصبح الشعب قوياً وكثير العدد حتى نافسوا أسيادهم والذين نزلوا فيما بينهم (راجع خروج ١: ٧ وتثنية ٢٦: ٥). هذه هي عناية الرب التي تستخدم ظروف الشر الطارئة لكي تحولها إلى النفع والخير العميم.
(٢٥ - ٢٧) أما وقد مضى عهد يوسف والعز الذي حازه فقد أصاب الشعب بعده ضيق وشدة لأن المصريين أصبحوا مضطهدين فقد أبغضوا أولاً واحتالوا وبذلوا كل جهد لأجل الإذلال والتضييق. ولكن هذا كان يظهر قدرة الله مرة ثانية فقد كان الشعب ينمو ويزداد رغم الاضطهاد إذا لم نقل بواسطة الاضطهاد أيضاً. ولم يطل الوقت حتى أرسل الله موسى ثم أخاه هارون. وقد أقام الأخوان بين الشعب أياماً طويلة يدعوان الناس لكي ينهضوا نهضة رجل واحد ويتشجعوا لأن الله لن يتخلى عنهم فهو إله آبائهم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. لذلك فالخلاص منتظر ولا يطول الوقت حتى يشاهدوه بعيونهم وما عليهم إلا أن ينتظروا قليلاً ويصبروا.
«٢٨ أَرْسَلَ ظُلْمَةً فَأَظْلَمَتْ، وَلَمْ يَعْصُوا كَلاَمَهُ. ٢٩ حَوَّلَ مِيَاهَهُمْ إِلَى دَمٍ وَقَتَلَ أَسْمَاكَهُمْ. ٣٠ أَفَاضَتْ أَرْضُهُمْ ضَفَادِعَ حَتَّى فِي مَخَادِعِ مُلُوكِهِمْ. ٣١ أَمَرَ فَجَاءَ ٱلذُّبَّانُ وَٱلْبَعُوضُ فِي كُلِّ تُخُومِهِمْ. ٣٢ جَعَلَ أَمْطَارَهُمْ بَرَداً وَنَاراً مُلْتَهِبَةً فِي أَرْضِهِمْ. ٣٣ ضَرَبَ كُرُومَهُمْ وَتِينَهُمْ، وَكَسَّرَ كُلَّ أَشْجَارِ تُخُومِهِمْ. ٣٤ أَمَرَ فَجَاءَ ٱلْجَرَادُ وَغَوْغَاءُ بِلاَ عَدَدٍ».
(٢٨ - ٣٨) يبدأ هنا في تعداد الضربات التي جاءت على المصريين بالترتيب المعروف كما ورد في سفر الخروج بل يظهر أنه يسردها عن ظهر قلبه شفاهاً ولا يراجع الكتب المقدسة حينما يفعل ذلك. كل ما يهمه أن يقوله إن الله أظهر عجائبه وأجرى أحكامه على شعب مصر بيد شديدة وذراع ممدودة. ولم يتوقف عن أن يجري الأنسب في حينه وباستمرار حتى ملّ شعب مصر وطلبوا الخلاص من هذه الضربات الفظيعة وهي الظلمة لأنها ترمز إلى غضب الله وتخليه عن أعداء شعبه لأن وجهه معناه النور ولذلك فالظلمة معناها الغضب وعدم الالتفات (راجع خروج ١٠: ٢١ - ٢٩) وبعد الظلمة يذكر الضربات ويلفت الأنظار للتأمل فيها وتذكرها جيداً فمنها تحويل الماء إلى دم حتى ماتت الأسماك وبعدها جاءت الضفادع حتى ملأت كل مكان ولم تقف حتى عند مخادع الملوك والعظماء. وبعد ذلك الذباب والبعوض وما تكاثر من الهوام المؤذية الناقلة للأوبئة والأمراض وفي السنة ١٩٤٧ حملت إلينا أنباء هائلة عن انتشار الهواء الأصفر في أرض مصر فلا يبعد أن تكون الأوبئة قديمة في تلك الأرجاء. وكان البرد المتلف للمزروعات والصواعق النازلة من السماء لتضرب الكروم على اختلاف أشكالها بل هبت العواصف وكسرت الأشجار. بل بعد ذلك جاء الجراد فأكل ما بقي من الضربات السالفة وهذا كان ثالثة الأثافي وعم البلاء في كل مكان وطلب الناس العون فلم يكن لهم أي مغيث أو معين.
«٣٥ فَأَكَلَ كُلَّ عُشْبٍ فِي بِلاَدِهِمْ. وَأَكَلَ أَثْمَارَ أَرْضِهِمْ. ٣٦ قَتَلَ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِهِمْ، أَوَائِلَ كُلِّ قُوَّتِهِمْ. ٣٧ فَأَخْرَجَهُمْ بِفِضَّةٍ وَذَهَبٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَسْبَاطِهِمْ عَاثِرٌ. ٣٨ فَرِحَتْ مِصْرُ بِخُرُوجِهِمْ لأَنَّ رُعْبَهُمْ سَقَطَ عَلَيْهِمْ. ٣٩ بَسَطَ سَحَاباً سَجْفاً، وَنَاراً لِتُضِيءَ ٱللَّيْلَ. ٤٠ سَأَلُوا فَأَتَاهُمْ بِٱلسَّلْوَى، وَخُبْزَ ٱلسَّمَاءِ أَشْبَعَهُمْ».
وهذا الجراد لم يصب الأشجار فقط حتى نزع منها كل ثمر ولم يبق عليها شيء بل قد هاجم كل عشب فمحا كل خضرة من كل مكان. وضربة الجراد هذه لا تزال تتردد في هذه الأنحاء الشرقية في فترات من السنين ولكن بواسطة طرق المكافحة الحديثة قد حصر شره كثيراً حتى نكاد نقول إنه في حكم العدم في بعض الأمكنة. وأخيراً جاءت الضربة الكبرى فأهلك ملاك الرب كل الأبكار حتى سمع النوح والبكاء في كل بيت ولم ينج أحد. لقد كانت المصيبة الأخيرة أعظم المصائب وأجلها إذ حسب أولئك الضحايا أنه أوائل كل قوة فهم فخر البيوت وزينتها وعزها بلا جدال. وينتقل بعد ذلك إلى خروج شعب إسرائيل من أرض مصر دون أن يذكر شيئاً عن ترتيب الفصح والوصايا والفرائض التي رافقته. ذلك لأنه يهمه الآن أن يتابع ذكر نتائج هذه الضربات وكيف كانت سبب خلاص حتى لم يكن أي عاثر في جميع أولئك الأسباط التي رأت صنائع الرب وشاهدت قواته الطبيعية المتكررة. وهكذا فإن مصر ارتاحت بخروجهم منها ورأت أن نتائج الشر التي حصلوا عليها لن تذهب إلا بذهاب مسببيها وهم الإسرائيليون.
(٣٩ - ٤٠) والآن يبدأ بالقيادة الإلهية العجيبة إذ ما الفائدة من الخروج إذا لم يتمم بالوصول إلى المكان المقصود إلى أرض الموعد من حيث جاءوا لاجئين. إن المهم في الطريق ليس أن نسكن فيها بل أن توصلنا للمكان الذي ننشده. وهكذا كان لهم عمود السحاب الذي يتحول في الليل مناراً لكي ينظروه من بعيد ويتبعوا. وبعد ذلك جاءوا فأرسل لهم المن والسلوى لكي يقتاتوا بها ويشبعوا. هم في البرية ولكنهم في عناية الله. هم في أرض مجدبة قاحلة ولكن قدرة الله تحولها إلى أمكنة سكنى ليعيشوا فيها آمنين.
«٤١ شَقَّ ٱلصَّخْرَةَ فَٱنْفَجَرَتِ ٱلْمِيَاهُ. جَرَتْ فِي ٱلْيَابِسَةِ نَهْراً. ٤٢ لأَنَّهُ ذَكَرَ كَلِمَةَ قُدْسِهِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ عَبْدِهِ ٤٣ فَأَخْرَجَ شَعْبَهُ بِٱبْتِهَاجٍ وَمُخْتَارِيهِ بِتَرَنُّمٍ. ٤٤ وَأَعْطَاهُمْ أَرَاضِيَ ٱلأُمَمِ. وَتَعَبَ ٱلشُّعُوبِ وَرَثُوهُ، ٤٥ لِكَيْ يَحْفَظُوا فَرَائِضَهُ وَيُطِيعُوا شَرَائِعَهُ. هَلِّلُويَا».
(٤١ - ٤٥) وبعد ذلك عطشوا فلم يبخل عليهم بالماء حتى من قلب الصخرة الصماء إن كان في قادش أو في رفيديم. وهكذا فإن كل ما جرى لم يكن سوى إتمام للوعد الإلهي الذي قطعه الله مع عبده إبراهيم. فلم يبقى الشعب مستعبداً وقوله في العدد ٤٣ إن الشعب خرج بابتهاج وترنم قد يشر إلى ترنيمة موسى التي رنمتها مريم مع بقية الشعب لدى خلاصهم من ويلات البحر الأحمر. لقد وصلوا إلى أرض السلامة والأمن وإن يكن سوف يحتملون ويلات كثيرة بعد في تيههم ببرية سيناء مدة أربعين سنة ولكن ما هذه السنين في عمر الشعوب بل ما هي هذه العذابات بالنسبة لما سوف يصادفونه من مجد وسؤدد. لقد دخلوا أرضاً لم يتعبوا فيها بل يرثونها ويستفيدون من هذه العطية السمحاء. وما عليهم الآن إلا أن يحفظوا الفرائض ويتمموا الأحكام الإلهية ويطيعوا الشرائع المقدسة لكي تكون لهم حياة. هذا هو إلههم وإله آبائهم فليسبح اسمه إلى الدهر والأبد وليمتد ذكره على كل شفة ولسان هللويا.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلسَّادِسُ


«١ هَلِّلُويَا. اِحْمَدُوا ٱلرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِجَبَرُوتِ ٱلرَّبِّ؟ مَنْ يُخْبِرُ بِكُلِّ تَسَابِيحِهِ؟ ٣ طُوبَى لِلْحَافِظِينَ ٱلْحَقَّ وَلِلصَّانِعِ ٱلْبِرَّ فِي كُلِّ حِينٍ. ٤ ٱذْكُرْنِي يَا رَبُّ بِرِضَا شَعْبِكَ. تَعَهَّدْنِي بِخَلاَصِكَ».
يذكر كاتب سفر أخبار الأيام الأول في الأصحاح ١٦: ٨ وما بعده أقساماً من هذا المزمور بل نجده في (الأعداد ٣٤ - ٣٦) يضع العددين الأول والسابع والأربعين من هذا المزمور وأيضاً البركة التي هي ختام هذا المزمور فيختم بها القسم الرابع من المزامير. ونلاحظ أيضاً أن هذا المزمور ١٠٦ مثل مزمور الحمد ١٠٥ وكذلك مزمور آساف ٧٨ كل منها يعطي شيئاً مختصراً عن تاريخ شعب الله إسرائيل. وإن يكن كل واحد مختلفاً في سرده بعض الاختلاف عن الآخر. إنه مزمور اعتراف وطلب التوبة والرجوع إلى الله وكان يقدم بشكل طقسي كما عند تقديم باكورات الأثمار والغلال (راجع تثنية ٢٦) ولدى تدشين هيكل سليمان (راجع ١ملوك ٨).
(١ - ٤) يبدأ المزمور بالتسبحة المعهودة التي استعملت أول مرة في العصر المكابي بشكلها الحالي مع أنها استعملت على ما يظهر في أيام إرميا (راجع إرميا ٣٣: ١١) إن الله صالح ليس فقط بالنسبة لطبيعته في العلاقات البشرية. ورحمته دائمة إلى الأبد. لذلك فحمد اسمه لا يمكن أن يستوفي بالفم واللسان مهما ذكرنا ذلك وأذعناه. هذا الإله الذي يخضع لمشيئته كل الكائنات وهكذا فمن يا ترى يقدر أن يفيه حقه تعالى بالتسبيح. ولكنه يطوب الذين يحفظون الحق ويصنعون البر. إذن هؤلاء هم الذين يذيعون حمد الرب ويقبلهم كأخصاء له ويرضى عنهم. والمرنم يطلب أن ينضم إلى الشعب إجمالاً فيكون خلاصه في جملة من يخلصون. فلا يوجد شعور عنده بالمسؤولية الفردية بل يعتقد يقيناً أن الشعب كله ينال القصاص كما أنه ينال الخلاص إذا عرف أن يتمم وصايا إلهه ويمشي بموجب تعاليمه.
«٥ لأَرَى خَيْرَ مُخْتَارِيكَ. لأَفْرَحَ بِفَرَحِ أُمَّتِكَ. لأَفْتَخِرَ مَعَ مِيرَاثِكَ. ٦ أَخْطَأْنَا مَعَ آبَائِنَا. أَسَأْنَا وَأَذْنَبْنَا. ٧ آبَاؤُنَا فِي مِصْرَ لَمْ يَفْهَمُوا عَجَائِبَكَ. لَمْ يَذْكُرُوا كَثْرَةَ مَرَاحِمِكَ، فَتَمَرَّدُوا عِنْدَ ٱلْبَحْرِ، عِنْدَ بَحْرِ سُوفٍ. ٨ فَخَلَّصَهُمْ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِهِ لِيُعَرِّفَ بِجَبَرُوتِهِ. ٩ وَٱنْتَهَرَ بَحْرَ سُوفٍ فَيَبِسَ، وَسَيَّرَهُمْ فِي ٱللُّجَجِ كَٱلْبَرِّيَّةِ. ١٠ وَخَلَّصَهُمْ مِنْ يَدِ ٱلْمُبْغِضِ، وَفَدَاهُمْ مِنْ يَدِ ٱلْعَدُوِّ».
(٥) فيرى الخير مع أولئك المختارين الذين قد نالوا نعمة الله وعاشوا كما ينبغي على عبيده المقدسين وعندئذ يكون له الفرح الذي لهم. بل ويكون له ذلك الفخر مع المفتخرين الذين يشعرون أنهم ذرية الله وشعب ميراثه ولذلك لهم الحقوق كما عليهم الواجبات والمسؤوليات.
(٦ - ١٠) يرى المرنم أن يتواضع أمام الله لذلك يعترف حالاً بالخطأ الذي ارتكبه مع الآباء الأولين (راجع ١ملوك ٨: ٤٧ وكذلك دانيال ٩: ٥). فما يحتمله الشعب الآن هو نتيجة الشرور التي ارتكبوها لذلك فهو يرى الإساءة وفي الوقت ذاته يشعر بالتأديب الإلهي. فيعود إلى التاريخ القديم ويذكر الآباء في مصر ويرى أنهم لم يفهموا العجائب ولم يقدروا المراحم التي أسبغها عليهم حق قدرها. أولئك الآباء الذين تمردوا وعصوا فبدلاً من أن يكونوا شكورين على أثر ذلك الحدث العظيم إذا بهم قد نسوا حالاً وأخذوا يتذمرون من أمور بسيطة فقدوها. ولكن الله قد خلصهم من يد أعدائهم ليس لأنهم يستحقون بل لأنه يذكر عهوده المقدسة معهم فيعرف بهذه الواسطة جبروته وقدرته حتى يرى الأعداء فلعلهم يعودون إلى الحق والصواب. هوذا البحر ذاته يصبح مكان العجيبة التي جرت وإذا به ييبس حتى يستطيعوا العبور كأنهم على الأرض ذاتها وليس في البحر. وقوله بحر «سوف» كلمة مصرية قديمة معناها عشب البحر. وقد ذهب أحدهم أن كلمة سوف هي في الأصل اسم مدينة على الجهة الشمالية من البحر الأحمر وسمي البحر بها من باب تسمية الكل باسم البعض ولكن هذا الرأي لا تدعمه مستندات تاريخية وعلى كل فهو اسم علم للبحر كان يستعمله المصريون من قديم الزمان فنقله عنهم الإسرائيليون. والمرنم يهتم بأن يرينا كيف أن الله قد خلّص هذا الشعب وافتداهم من العدو المبغض.
«١١ وَغَطَّتِ ٱلْمِيَاهُ مُضَايِقِيهِمْ. وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ يَبْقَ. ١٢ فَآمَنُوا بِكَلاَمِهِ. غَنُّوا بِتَسْبِيحِهِ. ١٣ أَسْرَعُوا فَنَسَوْا أَعْمَالَهُ. لَمْ يَنْتَظِرُوا مَشُورَتَهُ. ١٤ بَلِ ٱشْتَهَوْا شَهْوَةً فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، وَجَرَّبُوا ٱللّٰهَ فِي ٱلْقَفْرِ. ١٥ فَأَعْطَاهُمْ سُؤْلَهُمْ وَأَرْسَلَ هُزَالاً فِي أَنْفُسِهِمْ. ١٦ وَحَسَدُوا مُوسَى فِي ٱلْمَحَلَّةِ وَهَارُونَ قُدُّوسَ ٱلرَّبِّ. ١٧ فَتَحَتِ ٱلأَرْضُ وَٱبْتَلَعَتْ دَاثَانَ، وَطَبَقَتْ عَلَى جَمَاعَةِ أَبِيرَامَ».
(١١ - ١٢) لقد كان هذا الخلاص غالياً وثميناً على الأعداء لأنهم خسروا الكثير من عديدهم فماتوا غرقاً حينما ارتدت عليهم المياه (راجع خروج ١٤: ٣١). وإذا بالشعب عندئذ يؤمن بالله الذي خلصهم فيفرحون ويبدأون بالترنيم. لقد آمنوا بالله وبعبده موسى فرنموا فرحين مبتهجين وإن يكن ذلك إلى حين (خروج ١٥) لأنه لم يطل معهم الزمن حتى كانوا من الكنودين لا يعترفون بأي جميل.
(١٣ - ١٧) كان من أهم شرور بني إسرائيل أنهم ينسون أعمال الله وذلك بسرعة كلية كأن لا معرفة لهم بما جرى من قبل فكان الشعب متقلباً غير شكور وغير ذاكر لما فعله الله معه من عظائم. وشر ما في الأمر أنهم فعلوا ذلك دون أن يطلبوا مشورة الرب أو ينتظروا ماذا ينصح وبالطبع لو فعلوا لكانت النصيحة عكس ما يشتهون. ولقد كانت شهوتهم أن يملأوا بطونهم فقط وتمردوا على الله بأن تساءلوا هل يقدر الله أن يعطينا من الخيرات التي كانت لنا في أرض مصر؟ ولكن الله قد أعطاهم ما سألوه وإذا بنفوسهم المتكبرة المتعظمة تنخذل أمام الله القدير. أما سؤلهم فكان متعدد النواحي (راجع خروج ١٥: ٢٢ - ٢٤) وأيضاً (خروج ١٧: ٢) ثم بعد ذلك (خروج ١٦ وقابله مع سفر العدد ١١).
لم يكن كنودهم هو خطيئتهم الوحيدة بل كانت لهم خطيئة أخرى وهي تمردهم على رؤسائهم وحسدهم لهم فلم يطيعوا الأوامر كما ينبغي وقد احتمل موسى وهارون ذلك الأذى منهم صابرين ولكن الله قد قاصهم قصاصاً شديداً إذ فغرت الأرض فاها وابتلعتهم (راجع سفر العدد ١٦: ١٧). ولا يذكر الكاتب قورح وهذا على ما ورد في (العدد ١٦: ٢٥ وما بعده وكذلك تثنية ١١: ٦ وقابله مع العدد ٢٦: ١٠).
«١٨ وَٱشْتَعَلَتْ نَارٌ فِي جَمَاعَتِهِمْ. ٱللَّهِيبُ أَحْرَقَ ٱلأَشْرَارَ. ١٩ صَنَعُوا عِجْلاً فِي حُورِيبَ وَسَجَدُوا لِتِمْثَالٍ مَسْبُوكٍ، ٢٠ وَأَبْدَلُوا مَجْدَهُمْ بِمِثَالِ ثَوْرٍ آكِلِ عُشْبٍ. ٢١ نَسَوْا ٱللّٰهَ مُخَلِّصَهُمُ ٱلصَّانِعَ عَظَائِمَ فِي مِصْرَ، ٢٢ وَعَجَائِبَ فِي أَرْضِ حَامٍ، وَمَخَاوِفَ عَلَى بَحْرِ سُوفٍ، ٢٣ فَقَالَ بِإِهْلاَكِهِمْ. لَوْلاَ مُوسَى مُخْتَارُهُ وَقَفَ فِي ٱلثَّغْرِ قُدَّامَهُ لِيَصْرِفَ غَضَبَهُ عَنْ إِتْلاَفِهِمْ. ٢٤ وَرَذَلُوا ٱلأَرْضَ ٱلشَّهِيَّةَ. لَمْ يُؤْمِنُوا بِكَلِمَتِهِ».
(١٨ - ٢٣) وقد أرسل عليهم الله ناراً ذا لهيب حتى أحرقت الأشرار الذين تمردوا وعصوا على هذه الصورة (راجع العدد ١٦: ٣٢ وأيضاً ٢٦: ١٠).
أما خطيئتهم الثالثة فهي أنهم صنعوا عجلاً من ذهب وخروا له ساجدين وهنا يراجع الكاتب في ذهنه (خروج ٣٢ بل أيضاً تثنية ٩: ٨ - ١٢). وكلمة حوريب مأخوذة من سفر التثنية (راجع تثنية ٤: ١٥ و٥: ٢ وغيرها). ويزيد وصفه لهذا العجل أنه بشكل ثور لا شك فيه لأنه يرعى العشب ويقتات به فهل يصلح أن يكون إلهاً يعبد (راجع تثنية ٤: ٦ - ٨ وقابله مع إرميا ٢: ١١). وهكذا لقد أبدلوا مجدهم بهوان لأنهم يعبدون الحيوانات أو أصنام الحيوانات التي يصنعونها. ومرة أخرى يذكر المرنم أنهم نسوا ما كان يجب أن يفطنوا به. فقد نسوا الرب مخلصهم ذاك الذي صنع عظائم في مصر فأخرجهم منها بيد قديرة وذراع ممدودة. ذلك الإله الذي أجرى عجائبه في مصر فعمل تلك العظائم وضرب تلك الضربات الهائلة بل هو الذي أجرى قدرته على بحر سوف. ويعتمد في (العدد ٢٣ على تثنية ٩: ٢٥ وقابله مع خروج ٣٢: ١٠) لقد غضب الله على الشعب وقصد إهلاكه لولا أن موسى عبد الله وقف في الثغرة لكي يتشفع ويدافع وكانت مهمته أن يصرف الغضب ويعيد الرضا ولو كان في ذلك تعريضاً لحياته نفسها (راجع حزقيال ٢٢: ٣٠ وإرميا ١٨: ٢٠).
(٢٤) في هذا العدد ينتقل الكاتب إلى خطيئة رابعة وهي امتهانهم لما حمله الجواسيس من أخبار عن الأرض التي تجسسوها (راجع سفر العدد ١٣ و١٤). وخطيئتهم هي أنهم لم يؤمنوا بوعد الله وتخوفوا أكثر من اللازم بدلاً من أن يشجعوا إخوانهم.
«٢٥ بَلْ تَمَرْمَرُوا فِي خِيَامِهِمْ. لَمْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِ ٱلرَّبِّ، ٢٦ فَرَفَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ لِيُسْقِطَهُمْ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، ٢٧ وَلِيُسْقِطَ نَسْلَهُمْ بَيْنَ ٱلأُمَمِ، وَلِيُبَدِّدَهُمْ فِي ٱلأَرَاضِي. ٢٨ وَتَعَلَّقُوا بِبَعْلِ فَغُورَ وَأَكَلُوا ذَبَائِحَ ٱلْمَوْتٰى. ٢٩ وَأَغَاظُوهُ بِأَعْمَالِهِمْ فَٱقْتَحَمَهُمُ ٱلْوَبَأُ. ٣٠ فَوَقَفَ فِينَحَاسُ وَدَانَ، فَٱمْتَنَعَ ٱلْوَبَأُ. ٣١ فَحُسِبَ لَهُ ذٰلِكَ بِرّاً إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ، إِلَى ٱلأَبَدِ».
(٢٥ - ٣١) لقد تذكروا وهم في خيامهم سراً إذ لم يجرؤوا أن يتمادوا في تخاذلهم هذا جهراً (راجع تثنية ١: ٢٧). وقوله رفع يده عليهم أي شرع يضربهم في البرية لأجل التأديب فقد أقسم أنه سيكون قصاصهم شديداً (راجع سفر العدد ١٤: ٢٩ و٢٢). لقد هددهم الله بالفناء في البرية (راجع سفر اللاويين ٢٦ وتثنية ٢٨ وقابلهما معاً ولا سيما العدد ٣٣ من اللاويين ٢٦). بل إن الغضب الإلهي قد رافق البعض منهم حتى نسلهم الذي لم يستحق العيش بكرامة فيتبددون في كل مكان.
وأما خطيئتهم الخامسة فهي أنهم تعلقوا أي ارتبطوا كما بسلسلة متينة الحلقات وأكلوا ذبائح الموتى أي أن هذه الأصنام هي بلا حياة ولا تستطيع أن تنقذ أحداً (راجع سفر العدد ٢٥: ٣ و ٥) وكانت عبادة هذا البعل فاسقة شريرة. فكم كانت هذه الإغاظة غبية إذ أنه علاوة على نكرانهم لجميل الله فإن هذا البعل لا يستطيع مساعدتهم أو تنجيتهم. وكانت النتيجة أن هاجمهم الوباء بشدة وأهلك منهم أنفساً كثيرة. ولكن فينحاس تداخل للتشفع بالشعب لئلا يهلك فأظهر حكمة ودراية وأنقذ الموقف وكان له الوعد من الله أن يكون الكهنوت في نسله لدور فدور (راجع سفر العدد ٢٥: ١٠ - ١٣). وقد حسب الله أن عمل فينحاس كان كريماً وباراً. لأنه بواسطة تضحيته بالرجل الإسرائيلي والمرأة المديانية قد خلّص الله الشعب من الوباء. إذن لقد كان فينحاس ذا إيمان وطيد بإلهه فقد عمل ما حسبه الله شيئاً مرضياً ومقبولاً أمامه. لذلك اعتمد الله على هذه الغيرة وقدّرها قدرها وبرهن فينحاس أنه جدير بوظيفة الكهنوت السامية له ولنسله من بعده إلى جيل فجيل.
«٣٢ وَأَسْخَطُوهُ عَلَى مَاءِ مَرِيبَةَ حَتَّى تَأَذَّى مُوسَى بِسَبَبِهِمْ. ٣٣ لأَنَّهُمْ أَمَرُّوا رُوحَهُ حَتَّى فَرَطَ بِشَفَتَيْهِ. ٣٤ لَمْ يَسْتَأْصِلُوا ٱلأُمَمَ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلرَّبُّ عَنْهُمْ، ٣٥ بَلِ ٱخْتَلَطُوا بِٱلأُمَمِ وَتَعَلَّمُوا أَعْمَالَهُمْ ٣٦ وَعَبَدُوا أَصْنَامَهُمْ، فَصَارَتْ لَهُمْ شَرَكاً. ٣٧ وَذَبَحُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ لِلأَوْثَانِ ٣٨ وَأَهْرَقُوا دَماً زَكِيّاً، دَمَ بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمِ ٱلَّذِينَ ذَبَحُوهُمْ لأَصْنَامِ كَنْعَانَ، وَتَدَنَّسَتِ ٱلأَرْضُ بِٱلدِّمَاءِ، ٣٩ وَتَنَجَّسُوا بِأَعْمَالِهِمْ وَزَنَوْا بِأَفْعَالِهِمْ».
(٣٢ و٣٣) وينتقل الآن إلى خطيئة أخرى وهي تلك الحادثة على مار مريبة في السنة الأربعين للتيه في البرية حينما منع موسى من الدخول إلى أرض الموعد (راجع سفر العدد ٢٠: ١١ وما بعده وأيضاً تثنية ١: ٣٧ وتثنية ٣٢: ٥١). لقد تمادى موسى معهم في عصيانه روح الله فقد تبع عنادهم ولأنهم قد مرروا روحه إلى تلك الدرجة البعيدة حتى لم يستطع أن يضبط لسانه ففرط به (انظر إشعياء ٦٣: ١٠). فإن ضرب موسى الصخرة بدلاً من التكلم معها كان دليلاً على حنقه وتضجره وبالتالي كان تماديا مع عدم إيمان الشعب بإلهه (راجع سفر العدد ٢٠).
(٣٤ - ٣٩) وينتقل الآن إلى بعض الشرور التي ارتكبها الشعب في أرض كنعان نفسها فإنهم لم يستأصلوا الأمم حولهم - وهذا لأول وهلة يبدو شاذاً وفظيعاً يرتعب الإنسان من تصوره - ولكن القصد من ذلك هو نتيجة هذا الشعب من الانغماس في العبادة الوثنية لئلا ينجروا مع الأمم الوثنية حولهم وينسوا الرب إلههم ويعبدوا الأوثان وتلك الآلهة الباطلة. فلا يكفي أن يربحوا الأرض بل أن يربحوا السكان أيضاً ويخضعوهم للعبادة الحقيقية بدلاً من أن يخضعوا هم لهم وتكون الضلالة الأخيرة شراً من الأولى فيا ليتهم لم يدخلوا أرض كنعان. ويفسر كلامه بعد ذلك بقوله إنهم اختلطوا بالناس وتعودوا عاداتهم الفاسدة وعملوا أعمالهم الشريرة وعبدوا عبادتهم الوثنية وزاغوا عن طريق الحق إلى طريق الضلال ومما هو شر من ذلك أنهم ذبحوا أولادهم ليقدموها قرابين اتباعاً لتلك العبادات الوثنية الفظيعة. لقد أحجموا عن سفك دم غير زكي ولم يحجموا عن أن يسفكوا دماً زكياً هو دم أولادهم وفلذة أكبادهم فيا لها من ضلالة وغواية ما بعدهما شيء. وانتشر حينئذ الزنى بشكل قبيح للغاية إذ خلطوه بما حسب عندئذ عبادة وهذا منتهى العار.
«٤٠ فَحَمِيَ غَضَبُ ٱلرَّبِّ عَلَى شَعْبِهِ وَكَرِهَ مِيرَاثَهُ، ٤١ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَدِ ٱلأُمَمِ وَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ مُبْغِضُوهُمْ. ٤٢ وَضَغَطَهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ فَذَلُّوا تَحْتَ يَدِهِمْ، ٤٣ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً أَنْقَذَهُمْ. أَمَّا هُمْ فَعَصَوْهُ بِمَشُورَتِهِمْ وَٱنْحَطُّوا بِإِثْمِهِمْ. ٤٤ فَنَظَرَ إِلَى ضِيقِهِمْ إِذْ سَمِعَ صُرَاخَهُمْ ٤٥ وَذَكَرَ لَهُمْ عَهْدَهُ، وَنَدِمَ حَسَبَ كَثْرَةِ رَحْمَتِهِ. ٤٦ وَأَعْطَاهُمْ نِعْمَةً قُدَّامَ كُلِّ ٱلَّذِينَ سَبَوْهُمْ. ٤٧ خَلِّصْنَا أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا وَٱجْمَعْنَا مِنْ بَيْنِ ٱلأُمَمِ، لِنَحْمَدَ ٱسْمَ قُدْسِكَ وَنَتَفَاخَرَ بِتَسْبِيحِكَ. ٤٨ مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلأَزَلِ وَإِلَى ٱلأَبَدِ. وَيَقُولُ كُلُّ ٱلشَّعْبِ: آمِينَ. هَلِّلُويَا».
(٤٠ - ٤٨) ويسرد الكاتب هنا عدداً كبيراً من الخطايا بالتتابع فقد ارتدوا عن الله لذلك أسلمهم للأمم وأصبحوا تحت سيطرتهم عبيداً بدلاً من أن يكونوا أسياداً. وقد تطاول عليهم أولئك الذين سمحوا لهم بالسكنى بينهم وشددوا أيديهم حتى ذلوا ولم يستطيعوا النهوض؟ لقد أراد الله لهم الرفعة والسؤدد ولكنهم لم يتبعوا طرقها فضلوا سبيلاً وتاهوا في خيلائهم يعمهون (راجع لاويين ٢٦: ٣٩ وحزقيال ٢٤: ٢٣ وحزقيال ٣٣: ١٠).
ولكن الله لم ينس وإن هم نسوا فقد ذكرهم مرات كثيرة وأنقذهم ولكنهم عادوا فعصوا فعاد للتأديب لكي يرجعوا. ولكنهم انحطوا في الإثم إلى أسفل الدركات ولم يستطيعوا النهوض. نظر إليهم وسمع واستجاب وأعان ولكنهم لم يثبتوا طويلاً. والشيء المؤثر أنه ذكر عهده لهم ورحمهم برحمته الواسعة وهكذا لم يرض أن يبقوا ساقطين بل أنهضهم بنعمته ليقفوا أشداء أقوياء بعد. شددهم تجاه اولئك الذين أذلوهم وحررهم من الذين استعبدوهم.
لا يستبعد أن يكون العددان ٤٧ و٤٨ من الإضافات التي زيدت على هذا المزمور. فيصلي المرنم بحرارة لكي يخلّص الرب ويرحم ويجمع الشتات من بين الأمم لكي يحمدوا اسم الرب ويفاخروا هم جميعاً بهذا التسبيح. ويختم المزمور بهذه التسبيحة الجميلة التي تنهي هذا المزمور وتنهي معه القسم الرابع من كتاب المزامير. ونجد في الآخر جملة ملحقة هي قوله «ويقول كل الشعب آمين هللويا». وهذا دليل أنها زيدت لأجل إجراء مراسيم العبادة (راجع ١أخبار ٢٥: ٣ و٢ أخبار ٥: ١٣).

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلسَّابِعُ


«١ اِحْمَدُوا ٱلرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢ لِيَقُلْ مَفْدِيُّو ٱلرَّبِّ ٱلَّذِينَ فَدَاهُمْ مِنْ يَدِ ٱلْعَدُوِّ، ٣ وَمِنَ ٱلْبُلْدَانِ جَمَعَهُمْ، مِنَ ٱلْمَشْرِقِ وَمِنَ ٱلْمَغْرِبِ مِنَ ٱلشِّمَالِ وَمِنَ ٱلْبَحْرِ. ٤ تَاهُوا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ فِي قَفْرٍ بِلاَ طَرِيقٍ. لَمْ يَجِدُوا مَدِينَةَ سَكَنٍ».
هو مزمور شكر لله لأجل تنجيته لشعبه من شرور وويلات كان بالإمكان أن تكون أعظم وأشد هولاً ولكن الله برحمته التي لا تستقصى وبإحسانه الذي لا يحد قد أوجد خلاصاً وفداء. وهو المزمور الأول من الكتاب الخامس من سفر المزامير وهو القسم الأخير من تلك الترانيم الروحية المملوءة بالاختبار العميق لأعمال الله ومراحمه نحو بني البشر. وقد ذهب بعضهم إلى حسبان المزامير (١٠٤ - ١٠٧) كأنها رباع من المزامير قائم بنفسه. فإن المزمور ١٠٤ يعتمد في كلامه على حوادث الخليقة. والمزمور ١٠٥ يعتمد على حالة الشعب الإسرائيلي الإعدادية وحياته البدائية. والمزمور ١٠٦ يتناول تاريخ الشعب في أرض مصر وخروجه منها وتيهانه في البرية وأما هذا المزمور ١٠٧ فيتناول ما بعد الرجوع من السبي ومما لا شك فيه أن المزامير الثلاثة ١٠٥ - ١٠٧ تظهر تشابهاً كثيراً فيما بينها حتى حسبها بعضهم أنها لمؤلف واحد وإن تكن مجهولة التأليف. وهو مزمور مملوء بالحمد والتسبيح لاسم ذاك الإله المحب الذي وإن سمح في الماضي بتلك الويلات والضربات فما كان القصد منها إلا إنقاذ الشعب وإرجاعه إلى سابق مجده وعهوده معه.
(١ - ٣) يوجه المرنم كلامه لأولئك المسبيين العائدين ويستعمل هذا التعبير «مفديو الرب». كما استعمله إشعياء وكما هو وارد بعد عصر كتابة سفر التثنية مما يدل على أن المرنم مطلع على ما ورد هناك (انظر إشعياء ٦٢: ١٢ و٦٣: ٤ و ٣٥: ٩ وما بعده). هؤلاء المفديون الذين جمعهم الرب من مختلف الأمكنة عليهم أن يقدموا الحمد والشكر للرب لأجل هذا الخلاص الذي منحه وقد دخلت هذه العبارة احمدوا الرب لأنه صالح... بشكل طقسي في العبادة (راجع إرميا ٣٣: ١١).
(٤) يبدأ في هذا العدد بأن يصف بعض المشقات والمتاعب التي صادفها أولئك المسبيون فيذكر أولاً كل شيء التيه في القفر حيث لم يكن مدينة سكن وكانت النتيجة أن كثيرين هلكوا ظماً وجوعاً.
«٥ جِيَاعٌ عِطَاشٌ أَيْضاً أَعْيَتْ أَنْفُسُهُمْ فِيهِمْ. ٦ فَصَرَخُوا إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ فَأَنْقَذَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ، ٧ وَهَدَاهُمْ طَرِيقاً مُسْتَقِيماً لِيَذْهَبُوا إِلَى مَدِينَةِ سَكَنٍ. ٨ فَلْيَحْمَدُوا ٱلرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ. ٩ لأَنَّهُ أَشْبَعَ نَفْساً مُشْتَهِيَةً وَمَلأَ نَفْساً جَائِعَةً خُبْزاً، ١٠ ٱلْجُلُوسَ فِي ٱلظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ ٱلْمَوْتِ، مُوثَقِينَ بِٱلذُّلِّ وَٱلْحَدِيدِ. ١١ لأَنَّهُمْ عَصَوْا كَلاَمَ ٱللّٰهِ وَأَهَانُوا مَشُورَةَ ٱلْعَلِيِّ».
(٥ - ٩) والحق يقال إن خطر العطش في التيه هو أعظم جميع المخاطر على الإطلاق فهو يفوق خطر الجوع أضعافاً كثيرة بالنسبة لانقطاع المياه في البراري. لقد كانوا على شفير الهاوية وفي أشد الساعات ظلاماً ولكنهم عندئذ صرخوا إلى الرب مستنجدين فأنجدهم واستعانوا به مؤمنين فأعانهم. وكان لهم عندئذ نوراً يشرق عليهم في الظلمات وهكذا استقام سبيلهم واهتدوا ليتمتعوا ببركة العمران بعد ذل التيهان في البراري. لقد كانوا في خطر الاضمحلال بتاتاً ولكنهم أنقذوا إنقاذاً تاماً لذلك عليهم أن يحمدوا الرب ويشكروه فقد أظهر عجيبة في إنقاذهم بعد ان كانوا في خطر محقق أكيد. هذا الإله الرحيم الذي يشبع الإنسان الجائع بل يمنحه سؤل قلبه ويحقق ما يشتهيه من الخير. ونستطيع أن نتصور عظم الحاجة التي كانوا فيها فقد اشتهوا كل شيء فإذا كان الماء مفقوداً فماذا يوجد يا ترى؟ كانت أشباح المخاوف مائلة أمامهم تريهم الموت أشكالاً وألواناً ولكن الله قد ملأ نفوسهم بالطمأنينة فلا خوف عليهم.
(١٠ - ١١) وفي بلاد غربتهم كان البعض منهم مكبلين بالأصفاد والحديد والسبب في ذلك واضح أنهم عصو أمر الله ولم يتمموا شريعته في حياتهم فنالهم هذا الأذى العظيم. مرة أخرى نلاحظ قوله «الظلمة وظلال الموت» وهي من تعابير إشعياء (راجع إشعياء ٩: ١ وأيضاً إشعياء ٤٢: ٧) وقوله «موثقين بالذل والحديد» مأخوذ من (أيوب ٣٦: ٨). أي هم موثقون بالذل قبل أن يوثقوا بالحديد والسبب هو عصيانهم وعدم طاعتهم لما يأمر به الله العلي. هذا هو الشيء الذي جعلهم في حالتهم السيئة هذه.
«١٢ فَأَذَلَّ قُلُوبَهُمْ بِتَعَبٍ. عَثَرُوا وَلاَ مَعِينَ. ١٣ ثُمَّ صَرَخُوا إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ فَخَلَّصَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ. ١٤ أَخْرَجَهُمْ مِنَ ٱلظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ ٱلْمَوْتِ وَقَطَّعَ قُيُودَهُمْ. ١٥ فَلْيَحْمَدُوا ٱلرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ. ١٦ لأَنَّهُ كَسَّرَ مَصَارِيعَ نُحَاسٍ وَقَطَّعَ عَوَارِضَ حَدِيدٍ. ١٧ وَٱلْجُهَّالُ مِنْ طَرِيقِ مَعْصِيَتِهِمْ وَمِنْ آثَامِهِمْ يُذَلُّونَ. ١٨ كَرِهَتْ أَنْفُسُهُمْ كُلَّ طَعَامٍ، وَٱقْتَرَبُوا إِلَى أَبْوَابِ ٱلْمَوْتِ».
(١٢ - ١٦) يأتي الآن إلى ضيقة أخرى فهم قد تعبوا في الطريق حتى سقطوا ولا من يسندهم. وكم يحدث أن بعض المسافرين يسقطون في الطريق حتى لا يستطيع رفاقهم أن يساعدوهم لانهماك كل واحد بنفسه وهكذا يتركون على قارعة الطريق ليموتوا عطشاً وجوعاً وإذا كانوا في أماكن باردة يهلكون من قرّ الليل كما قد يهلكون من الوحوش الضارية التي تجدهم في طريقها غنيمة لا يقوون على الحركة ولا يستطيعون أي دفاع عن أنفسهم. ولكن هؤلاء الذين اتخذوا غنيمة لا يقوون على الحركة ولا يستطيعون أي دفاع عن أنفسهم. ولكن هؤلاء الذين اتخذوا الرب رفيقهم فقد صرخوا إليه في حالتهم هذه فأنقذهم ولم يتركهم في شدائدهم بل أسرع لمعونتهم. حتى ولو كانوا في الظلمة وظلال الموت أو كانوا مكبلين بالسلاسل والقيود فإن الله يفكهم من كل أسر وعذاب ويرسلهم أحراراً مكرمين مرة أخرى. وعليه يعيد المرنم القرار الذي ذكره من قبل فيقول «فليحمدوا الرب على رحمته». إذ أن هذه البركات جميعها تستحق أن يذكرها الإنسان بالشكران ولا ينسى المنعم الذي أعطاها. وهؤلاء المسجونون وراء مصاريع النحاس وعوارض الحديد لم يعودوا أسرى فيما بعد لذلك فليباركوا اسم الرب وليذيعوا حمده وتمجيده على الدوام.
(١٧ - ١٨) ويلتفت المرنم الآن لكي يصف حالة بعض المرضى الذين لا يستطيعون أن يأكلوا ويظهر أنهم قد اقتربوا إلى أبواب الموت ومتى فقد الإنسان القابلية فهو يقترب للموت والاضمحلال خطوة بعد أخرى ولا أمل للنجاة. وينسب المرنم هذه الحالة المؤسفة لأن أصحابها جهال يسيرون في طريق المعاصي لذلك يقاصهم الله بهذه الضربة وهذا الذل فلا يستطيعون أن يأكلوا مع أن الطعام متوفر لديهم.
«١٩ فَصَرَخُوا إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ فَخَلَّصَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ. ٢٠ أَرْسَلَ كَلِمَتَهُ فَشَفَاهُمْ وَنَجَّاهُمْ مِنْ تَهْلُكَاتِهِمْ. ٢١ فَلْيَحْمَدُوا ٱلرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ، ٢٢ وَلْيَذْبَحُوا لَهُ ذَبَائِحَ ٱلْحَمْدِ، وَلْيَعُدُّوا أَعْمَالَهُ بِتَرَنُّمٍ. ٢٣ اَلنَّازِلُونَ إِلَى ٱلْبَحْرِ فِي ٱلسُّفُنِ، ٱلْعَامِلُونَ عَمَلاً فِي ٱلْمِيَاهِ ٱلْكَثِيرَةِ، ٢٤ هُمْ رَأَوْا أَعْمَالَ ٱلرَّبِّ وَعَجَائِبَهُ فِي ٱلْعُمْقِ. ٢٥ أَمَرَ فَأَهَاجَ رِيحاً عَاصِفَةً فَرَفَعَتْ أَمْوَاجَهُ».
(١٩ - ٢٢) ولكن الله في حالة الضيق لا يترك خائفيه بل يأتي للنجدة والإنقاذ. الإله الذي يتداخل في شؤون البشر ولا يترك الأمور تلقى على عواهنها بل أن عنايته الأبوية الحنونة هي التي لا ترضى أن يبقى أتقياؤه في ضيقاتهم وآلامهم ومتاعبهم. لذلك نجده كل شيء يشفي أمراضهم وينقذهم من التهلكات فبعد أن يكون الإنسان في الضيق الشديد يكاد يعدم الرجاء والعون ويدلهم كل حوله إذا به يتأكد أن الطبيب السماوي لا يتخلى بل يسرع بالشفاء وينجي. ومرة أخرى يكرر هذه العبارة «فليحمدوا الرب على رحمته». على الناس أن يحمدوا الله بتقديم ذبائح خاصة فعلينا أن نبذل كل شيء في سبيله لأن الدين الذي لا يكلف شيئاً قلما يفيد شيئاً. وعلينا أن ذاك عربون شكر والترنم على شفاهنا فرحين مبتهجين.
(٢٣ - ٢٥) ويلتفت الآن إلى بعض المتاعب والشدائد الأخرى التي يعانيها البشر. فكما للبر أهواله كذلك للبحر إن لم يكن أهواله أشد وأعظم بما لا يقاس. وقوله «العاملون عملاً في المياه» أي الذين دأبهم العمل في البحار كالبحارة مثلاً فهم مع اعتيادهم ركوب متن البحار لا شك تأتيهم ساعات الخطر والشدة ولكن هؤلاء أيضاً يرون أعمال الرب وعجائبه حتى في وسط هذه المياه وفوق هذه اللجج فهو إله موجود في كل مكان يمد يده وينتشل الغريق كما يمد يده ويخلص الهالك من الظمأ والجوع في البراري. ولكي يبرهن هذا الإله عن قدرته فهو الذي أهاج البحر بكلمة فيه وإذا بالعاصفة الشديدة تهتاج وتزيد الأمواج وتعلو فيجد البحارة أنفسهم في تهلكة أكيدة لولا لطف الله الذي ينجيهم ويعينهم.
«٢٦ يَصْعَدُونَ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهْبِطُونَ إِلَى ٱلأَعْمَاقِ. ذَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِٱلشَّقَاءِ. ٢٧ يَتَمَايَلُونَ وَيَتَرَنَّحُونَ مِثْلَ ٱلسَّكْرَانِ، وَكُلُّ حِكْمَتِهِمِ ٱبْتُلِعَتْ. ٢٨ فَيَصْرُخُونَ إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، وَمِنْ شَدَائِدِهِمْ يُخَلِّصُهُمْ. ٢٩ يُهَدِّئُ ٱلْعَاصِفَةَ فَتَسْكُنُ، وَتَسْكُتُ أَمْوَاجُهَا. ٣٠ فَيَفْرَحُونَ لأَنَّهُمْ هَدَأُوا، فَيَهْدِيهِمْ إِلَى ٱلْمَرْفَإِ ٱلَّذِي يُرِيدُونَهُ. ٣١ فَلْيَحْمَدُوا ٱلرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ. ٣٢ وَلْيَرْفَعُوهُ فِي مَجْمَعِ ٱلشَّعْبِ، وَلْيُسَبِّحُوهُ فِي مَجْلِسِ ٱلْمَشَايِخِ».
(٢٦ - ٣٢) يصف لنا بشكل رائع حالة تلك السفينة التي تتقاذفها الأمواج فتعلو بها علواً عظيماً كإنما تصعد إلى السماء ثم تهبط حتى إلى الأعماق وبين هذا العلو وذاك الانحدار هلعت نفوسهم من الخوف وذابت من الشقاء. رأوا الموت ماثلاً أمام أعينهم وهكذا أصبحوا في حالتهم هذه مثل السكارى يتمايلون ويترنحون فلا يستطيعون تحريك المجاذيف كما لا يستطيعون أن ينشروا الشراع فقد غلبهم النوء وسطت عليهم الأمواج ولم يروا أي حكمة يستعملون ولا أي سبيل يسلكون. لقد تحققوا الآن الخطر المداهم ومثل الموت بصورته القبيحة أمام أعينهم لا يبرح عنهم دقيقة واحدة. ولكنهم في ساعة الشدة هذه إذا بهم يصرخون إلى الرب وإذا العجيبة تتم فينقذهم الرب ويخلصهم. وحينئذ تهدأ العاصفة وتسكت الأمواج بل قد تتحول الرياح إلى هواء خفيف لطيف ينعشهم ويشددهم على النجاة. وهكذا يجدون طريقهم واضحاً إلى ميناء أمين يقصدونه ولا يضيعون عنه بعد ذلك. هو المكان الذي قصدوه سوف يصلون إليه أخيراً. وهكذا يكرر المرنم القرار ذاته الذي كرره من قبل «فليحمدوا الرب على رحمته» بل عليهم أن يذيعوا هذا الحمد أمام الناس جميعاً. لا فرق أكان في المجتمع حيث يحضر كل أنواع البشر على مختلف طبقاتهم وأفهامهم أم في غيره بل عليهم أن يسبحوه في محضر المشايخ أي أكابر الناس الفاهمين الأمور المملوئين بالحنكة والمعرفة والاختبار. هذا هو الإله المنعم الجواد الذي يستحق أن يحمد على كل إحساناته بعد الاختبارات المريرة التي اختبرها الشعب العائد من السبي. فقد قاسى أهوالاً ولكن الله قد أعانه ليتغلب عليها جميعها فليحمده إذن كل من اختبر هذه العظائم شيوخاً وجهالاً.
«٣٣ يَجْعَلُ ٱلأَنْهَارَ قِفَاراً، وَمَجَارِيَ ٱلْمِيَاهِ مَعْطَشَةً، ٣٤ وَٱلأَرْضَ ٱلْمُثْمِرَةَ سَبِخَةً مِنْ شَرِّ ٱلسَّاكِنِينَ فِيهَا. ٣٥ يَجْعَلُ ٱلْقَفْرَ غَدِيرَ مِيَاهٍ، وَأَرْضاً يَبَساً يَنَابِيعَ مِيَاهٍ. ٣٦ وَيُسْكِنُ هُنَاكَ ٱلْجِيَاعَ فَيُهَيِّئُونَ مَدِينَةَ سَكَنٍ. ٣٧ وَيَزْرَعُونَ حُقُولاً وَيَغْرِسُونَ كُرُوماً فَتَصْنَعُ ثَمَرَ غَلَّةٍ. ٣٨ وَيُبَارِكُهُمْ فَيَكْثُرُونَ جِدّاً، وَلاَ يُقَلِّلُ بَهَائِمَهُمْ. ٣٩ ثُمَّ يَقِلُّونَ وَيَنْحَنُونَ مِنْ ضَغْطِ ٱلشَّرِّ وَٱلْحُزْنِ».
(٣٣ - ٣٨) يعود مرة أخرى لذكر الشدائد في البراري وحالاً نلاحظ الشبه الموجود مع إشعياء (راجع إشعياء ٥٠: ٢ و٣٥: ٧ وأيضاً تثنية ٨: ١٥ وإشعياء ٦١: ٣). تلك الأرض القاحلة الجرداء التي لم يكن يرى فيها سوى آثار الموت تصبح ملأى بمصدر الخير والحياة فيها أنهار ومجاري مياه. وبالتالي فتلك الأرض تصبح سبباً للخصب والغنى والبحبوحة. كما أن الله لكي يظهر قدرته يعكس الأمر فيجعل من الأرض المثمرة أرضاً تنز بالمياه والملح غير عامرة ولا مأهولة قد يعشش فيها البرغش بالنسبة لكثرة المستنقعات. ولكن الله يعود فيقول أنه يجعل القفر مملوءاً بالمياه تنبع فيه وتحييه فلا يكون فيه يبس وجفاف فيما بعد. وحينئذ فأولئك الجياع يشبعون ويعمرون الأرض التي يسكنونها وتتحول الأراضي إلى حقول مزروعة وإلى كروم تعطي غلة وخيرات كثيرة فيأكل كل إنسان ويشبع ناعماً سعيداً. وهكذا ينالون بركة الرب ويتزايد عددهم ويكثر مواشيهم وأغنامهم على نسبة كثرة خيراتهم (راجع ٢ملوك ٤: ٣).
(٣٩) ولكن هذه الحالة الخيرة السعيدة لا تدوم لهم بل تصيبهم القلة والعوز فيذبلون من الهموم وينحنون من الضيقات المتكررة. إذن فحياتهم ليست في يسرٍ دائم كما أنها ليست في عسرٍ دائم بل حالة الانتقال والتغير. وجودة لكي تظهر قدرة الله فيهم على أعظم وأكمل وجه. فلو كانوا في فقر دائم أو غنى دائم لما كان لهم ذلك الاختبار المستمر الذي ينير سبلهم ويرجعهم إلى الله.
«٤٠ يَسْكُبُ هَوَاناً عَلَى رُؤَسَاءَ وَيُضِلُّهُمْ فِي تِيهٍ بِلاَ طَرِيقٍ، ٤١ وَيُعَلِّي ٱلْمِسْكِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ وَيَجْعَلُ ٱلْقَبَائِلَ مِثْلَ قُطْعَانِ ٱلْغَنَمِ. ٤٢ يَرَى ذٰلِكَ ٱلْمُسْتَقِيمُونَ فَيَفْرَحُونَ، وَكُلُّ إِثْمٍ يَسُدُّ فَاهُ. ٤٣ مَنْ كَانَ حَكِيماً يَحْفَظُ هٰذَا وَيَتَعَقَّلُ مَرَاحِمَ ٱلرَّبِّ».
(٤٠ - ٤٣) نجد العدد ٤٠ مأخوذاً من (أيوب ١٢: ٢١ و٢٤). أما هوان الرؤساء فمعناه هوان كل إنسان لأنه إذا وصلت مياه الطوفان إلى أعالي الأشجار فمعنى ذلك أيضاً أنها وصلت إلى الجذع والأغصان. وحيئنذ فإن أولئك الذين شأنهم الرفعة يصبحون في هوان وضعة وأولئك الذين يطلب منهم أن يقودوا في الطريق المستقيم إذا بهم هم أنفسهم في ضلال مبين. ولكن الله يرفع المسكين ويشدده ويزيد عدد القبائل كما يزيد قطعان الغنم على التلال وهذا دليل الرفاهية والخير. ومرة أخرى يقتبس من أيوب (راجع أيوب ٢١: ١١ وأيضاً ٢٢: ١٩ و١٦).
وهكذا فإن المستقيمين هم الذين ينالهم هذا الخير فلا يكون إثم فيما بعد بل يبتعد عنهم ويهرب ويسد فاه عن أي كلام المعصية والأذى (راجع هوشع ١٤: ١٠ و٩). والحكيم هو ذاك الذي ينتبه لهذه المراحم ويأخذ منها عبراً ودروساً لحياته. هو ذاك الذي يفهم ويتذكر وحينئذ فجميع ما مر عليه يزيده إيماناً بالله وثقة برحمته.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلثَّامِنُ


تَسْبِيحَةٌ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ


«١ ثَابِتٌ قَلْبِي يَا اَللّٰهُ. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ. كَذٰلِكَ مَجْدِي. ٢ ٱسْتَيْقِظِي أَيَّتُهَا ٱلرَّبَابُ وَٱلْعُودُ. أَنَا أَسْتَيْقِظُ سَحَراً. ٣ أَحْمَدُكَ بَيْنَ ٱلشُّعُوبِ يَا رَبُّ، وَأُرَنِّمُ لَكَ بَيْنَ ٱلأُمَمِ».
يحمل هذا المزمور عنوانه أنه تسبيحة وهو لا شك قديم العهد حتى أنه يحمل اسم داود ويرجح أنه مأخوذ من كتابات داودية ولكنه لأنه لا يحمل «لإمام المغنين» فيعني ذلك أن صياغته الأخيرة كانت متأخرة عن العصر الداودي بل يعزى إلى ما بعده. وهذا المزمور مأخوذ من قطعتين قديمتين تنتميان للنسق الألوهيمي ولكنهما أخذتا من قرينتهما التاريخية حتى لا نعرف علاقة الواحدة بالأخرى. ولا يعقل أن شاعراً في طبقة داود يأخذ هاتين القطعتين ليؤلف منهما مزموراً واحداً ينسب إليه لذلك يرجح أنه مزمور حديث العهد.
(١ - ٣) أما القطعة الأولى فهي مأخوذة من (المزمور ٥٧: ٨ - ١٢) ولكنه هنا لا يكرر قوله ثابت قلبي. وقوله كذلك مجدي أي أن مجده أيضاً يغني ويرنم للرب.
وهو يستنجد بآلات الطرب منها الرباب والعود لكي تساعده على هذا الحمد والتسبيح وعليه أن تنهض معه باكراً.
بل هو بهجة بأن يرنم بين الأمم ويحمد الله بين الشعوب. ليس فقط أنه لا يخجل من ذلك بل يجد فيه بهجة وسروراً.
«٤ لأَنَّ رَحْمَتَكَ قَدْ عَظُمَتْ فَوْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ، وَإِلَى ٱلْغَمَامِ حَقُّكَ. ٥ ٱرْتَفِعِ ٱللّٰهُمَّ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ، وَلْيَرْتَفِعْ عَلَى كُلِّ ٱلأَرْضِ مَجْدُكَ. ٦ لِكَيْ يَنْجُوَ أَحِبَّاؤُكَ. خَلِّصْ بِيَمِينِكَ وَٱسْتَجِبْ لِي. ٧ اَللّٰهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِقُدْسِهِ. أَبْتَهِجُ، أَقْسِمُ شَكِيمَ وَأَقِيسُ وَادِيَ سُكُّوتَ. ٨ لِي جِلْعَادُ لِي مَنَسَّى. أَفْرَايِمُ خُوذَةُ رَأْسِي. يَهُوذَا صَوْلَجَانِي».
(٤ - ٥) هوذا الرحمة والحق تظهران عظمة الرب فهوذا الرحمة قد ارتفعت إلى السموات كما أن الحق قد وصل إلى السحاب ولذلك فهو يرى مجد الله فوق السموات كلها كما أنه مرتفع فوق الأرض وجميع ساكنيها (راجع إرميا ٥١: ٩).
(٦ - ٨) والغرض هو التماس من الرب أن ينجي ويخلّص بيمينه ويستجيب لأحبائه وأتقيائه الذين يخشون اسمه ويعملون مرضاته في كل حين. هوذا الله يتكلم ويعدّد أرضه المقدسة من شكيم إلى وادي سكوت إلى جلعاد إلى منسى وحينما يصل إلى أفرايم وهي كناية عن مملكة الشمال يجعلها الخوذة كما لا يقلل من قيمة يهوذا فيجعله الصولجان. فكما أن من أفرايم الرؤساء والعظماء كذلك من يهوذا الملوك حاملو شارات السطوة والسلطان.
«٩ مُوآبُ مِرْحَضَتِي. عَلَى أَدُومَ أَطْرَحُ نَعْلِي. يَا فِلِسْطِينُ ٱهْتِفِي عَلَيَّ. ١٠ مَنْ يَقُودُنِي إِلَى ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُحَصَّنَةِ؟ مَنْ يَهْدِينِي إِلَى أَدُومَ؟ ١١ أَلَيْسَ أَنْتَ يَا اَللّٰهُ ٱلَّذِي رَفَضْتَنَا، وَلاَ تَخْرُجُ يَا اَللّٰهُ مَعَ جُيُوشِنَا؟ ١٢ أَعْطِنَا عَوْناً فِي ٱلضِّيقِ، فَبَاطِلٌ هُوَ خَلاَصُ ٱلإِنْسَانِ. ١٣ بِٱللّٰهِ نَصْنَعُ بِبَأْسٍ، وَهُوَ يَدُوسُ أَعْدَاءَنَا».
(٩ - ١٣) وأما موآب فهي كناية عن وعاء لغسل الأرجل وهذا دليل على عدم الالتفات إليها والاهتمام بها وكذلك أدوم فهي تزدري أيضاً وأرض الفلسطينيين كلها فلتهتف هتاف المكسور تجاه المنصورين.
ذلك الإله الذي يلتفت إليه المؤمن ويرجو منه العون والهداية حتى ضد ألد الأعداء وهي أدوم. إن الله الذي رفض من قبل يرضى الآن. وهو الذي امتنع عن المساعدة تأديباً لنا إذا به الآن يخرج للإسعاف والنصرة. ويعود إلى نفسه ولا يرى أي خلاص من دون الله. ذلك الإله المحب الذي يعين في الضيق ولولا ذلك لكان خلاص الإنسان باطلاً لا ينفع شيئاً.
إلهنا وحده يصنع كل شيء بقوته وقدرته فهو الذي ينصر متقيه ويسندهم على كل الأشرار وفي الوقت ذاته يدوس الأعداء ويرفضهم إلى التمام بل يدوسهم تحت الأقدام.


اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلتَّاسِعُ


لإِمَامِ ٱلْمُغَنِّينَ. لِدَاوُدَ. مَزْمُورٌ


«١ يَا إِلٰهَ تَسْبِيحِي لاَ تَسْكُتْ، ٢ لأَنَّهُ قَدِ ٱنْفَتَحَ عَلَيَّ فَمُ ٱلشِّرِّيرِ وَفَمُ ٱلْغِشِّ. تَكَلَّمُوا مَعِي بِلِسَانِ كَذِبٍ، ٣ بِكَلاَمِ بُغْضٍ أَحَاطُوا بِي وَقَاتَلُونِي بِلاَ سَبَبٍ. ٤ بَدَلَ مَحَبَّتِي يُخَاصِمُونَنِي. أَمَّا أَنَا فَصَلاَةً. ٥ وَضَعُوا عَلَيَّ شَرّاً بَدَلَ خَيْرٍ، وَبُغْضاً بَدَلَ حُبِّي».
هذا المزمور شبيه جداً بالمزمور التاسع والستين من حيث نقمته على الأشرار المتكلمين بالكذب الذين لا يعبدون الله ولا يرعون حرمة إنسان بل يحولون الحق باطلاً والباطل حقاً ويقابلون الجميل بالنكران والبركة باللعنة والمعروف بالإساءة. أولئك هم الذين يضطهدون البريء ويلتذون بسفك الدماء ولا يجدون لشيء أية قيمة. فهذا المزمور صورة طبق الأصل لحالة مجتمع مسرف في البغضاء مقل في المحبة وهكذا يصفه عن اختبار شخصي أليم. وهو مزمور لداود كما هو عنوانه ينطبق على بعض حالاته وقت الاضهاد وحينما هجره أصحابه وخلانه بل هو مزمور نبوي لأنه يشير بطرف خفي إلى المسيح الذي من نسل داود سيحتمل الاضطهاد والعار وخيانة أهله وبني أمته وهكذا يرينا عظم الآلام التي سيحتملها المخلص من أجلنا ولكنه لا يرينا ناحية العهد الجديد من جهة المحبة والمسامحة ومع ذلك فالنبوة التي فيه تنطبق على يهوذا ابن الهلاك (راجع يوحنا ١٧: ١٢) بل إن هذا المزمور سيصور على الدوام مضطهدي ابن الله وأعداء كنيسته (راجع أعمال ١: ٢٠).
(١ - ٥) إله التسبيح أي الإله الذي يستحق التسبيح (راجع إرميا ١٧: ١٤ وقابله تثنية ١٠: ٣٢) ويتقدم حالاً بالشكوى من المتكلمين بالغش والكذب من المبغضين والقتلة بدون سبب سوى لذة سفك الدماء. هم ناكرون للفضل والجميل إذ لا داعي لفعل ما يفعلون مطلقاً إذ هم يقابلون المحبة بالخصومة لا سيما لشخص لا عمل له سوى التضرع لله والصلاة. لذلك فاعتذارهم صريح وجحودهم يؤكد سوء أخلاقهم ولا مبرر لذلك مطلقاً. لا سيما فقد مارسوا الشر والبغضاء نحو إنسان لم يقابلهم بسوى المحبة والحنان وهذا مما يزيد ذنبهم ومسؤوليتهم أضعافاً كثيرة.
«٦ فَأَقِمْ أَنْتَ عَلَيْهِ شِرِّيراً، وَلْيَقِفْ شَيْطَانٌ عَنْ يَمِينِهِ. ٧ إِذَا حُوكِمَ فَلْيَخْرُجْ مُذْنِباً، وَصَلاَتُهُ فَلْتَكُنْ خَطِيَّةً. ٨ لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ. ٩ لِيَكُنْ بَنُوهُ أَيْتَاماً وَٱمْرَأَتُهُ أَرْمَلَةً. ١٠ لِيَتِهْ بَنُوهُ تَيَهَاناً وَيَسْتَعْطُوا وَيَلْتَمِسُوا خَيْراً مِنْ خِرَبِهِمْ. ١١ لِيَصْطَدِ ٱلْمُرَابِي كُلَّ مَا لَهُ، وَلْيَنْهَبِ ٱلْغُرَبَاءُ تَعَبَهُ. ١٢ لاَ يَكُنْ لَهُ بَاسِطٌ رَحْمَةً، وَلاَ يَكُنْ مُتَرَئِّفٌ عَلَى يَتَامَاهُ».
(٦ - ١٠) هنا يلتفت إلى واحدٍ من هؤلاء الأعداء المبغضين وبغضب يمازجه الغيرة لله وللفضيلة يريد أن يصب عليهم جاماً من ويلات الله مقابل كل شرورهم. وقوله «اقم عليه» أي ضده لأجل القصاص والتعذيب (راجع إرميا ١٥: ٣ ولاويين ٢٦: ١٦). فهذا الذي اضطهد الأبرياء سيحتمل الآن من يضطهده وهو أقوى منه بل هو شيطان أخبر منه في طرق الرذائل والتعذيب والأذية. وحينئذ هذا القوي الجبار سيحاكمه ويذنبه بل إن أفضل ما يفعله سيكون في عينيه كلا شيء حتى الصلاة نفسها تصبح خطية بدلاً من أن تكون تسبيحاً لله. بل هو يدعو عليه بقصر العمر والتوقف عن العمل النافع المنتج فيكون بدون وظيفة يخدم بها الناس. بل يزيد الدعاء ضده بأن يتمنى له الموت ولأولاده اليتم من بعده ولإمرأته الترمل والمذلة وحيئنذ يذهب هؤلاء البنون ضاربين في الأرض على غير هدف لكي يستعطوا من الناس ويفتشوا في خربهم لعلهم يجدون ما يسدون به الرمق ولا يهلكون جوعاً. وإذا هلكوا جميعاً فلا يهمه أمرهم شيئاً.
(١١ و١٢) ويتحول الآن لكي ينتزع من هذا الإنسان كل خيراته فيتمنى له أن يأخذ المرابي أمواله بالفائدة التي يستغلها منه سنة بعد سنة إذ لا يستطيع أن يفي ديونه فيضطر للتأجيل بالدفع كما اضطر أن يقترض من قبل وهكذا تكون النتيجة أن كل أتعابه تذهب للغريب بدلاً من أن يستفيد هو وعائلته منها.
وفي حالته السيئة هذه يتمنى له أن لا يرحمه أحد لأنه لم يرحم أحداً من قبل. ولا يكون له أي مترأف عطوف عليه لأنه لم يظهر أي عطف على أحد بل تحوّل للعداوة بدلاً من الصداقة وهكذا يجني الآن ما جنته يداه وما ظالم إلا سيبلى بأظلم.
«١٣ لِتَنْقَرِضْ ذُرِّيَّتُهُ. فِي ٱلْجِيلِ ٱلْقَادِمِ لِيُمْحَ ٱسْمُهُمْ. ١٤ لِيُذْكَرْ إِثْمُ آبَائِهِ لَدَى ٱلرَّبِّ، وَلاَ تُمْحَ خَطِيَّةُ أُمِّهِ. ١٥ لِتَكُنْ أَمَامَ ٱلرَّبِّ دَائِماً وَلْيَقْرِضْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذِكْرَهُمْ. ١٦ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنْ يَصْنَعَ رَحْمَةً، بَلْ طَرَدَ إِنْسَاناً مِسْكِيناً وَفَقِيراً وَٱلْمُنْسَحِقَ ٱلْقَلْبِ لِيُمِيتَهُ. ١٧ وَأَحَبَّ ٱللَّعْنَةَ فَأَتَتْهُ، وَلَمْ يُسَرَّ بِٱلْبَرَكَةِ فَتَبَاعَدَتْ عَنْهُ. ١٨ وَلَبِسَ ٱللَّعْنَةَ مِثْلَ ثَوْبِهِ فَدَخَلَتْ كَمِيَاهٍ فِي حَشَاهُ وَكَزَيْتٍ فِي عِظَامِهِ».
(١٣ - ١٥) بل يتمنى أن لا يبقى أحد من ذراريه حتى لا يبقى اسمه بل ينقرض إلى الأبد. هو ملعون من ناحيتين من ناحية الأبناء والذراري كما أنه ملعون من ناحية الآباء أيضاً وهكذا يذكر الله لهم ذنوبهم ولا يسامحهم عن معاصيهم بل تبقى عليهم للدينونة جيلاً بعد جيل. وهذا هو غاية ما يدعو عليهم إذ هذه الذنوب تبقى أمام الرب ليحاسبهم عليها ويدينهم بموجبها وهكذا ليس لهم أي ذكر في الأرض فقد مروا عليها منسيين ملعونين.
(١٦ - ١٨) وهنا يذكر لماذا استحق هذه اللعنات كلها فيذكر أولاً لأنه لم يكن رحوماً بل عامل الناس بالقسوة والظلم وحينما كان واجبه أن يساعد إذا به يطرد مسكيناً من باب داره ويحاول أن يميت المنسحق الروح غير مبال بأحد كأن دأبه سفك الدماء وامتهان حقوق الناس الآخرين فلا أحد عزيز في عينيه ولا شيء ذو قيمة طالما لا يعنيه مباشرة. وثانياً هو إنسان أناني منكمش على نفسه فكانت له اللعنة بدل البركة. بل يصور لنا تلبسه باللعنة في مراحلها الثلاث فقد لبسها أولاً كثوب بل قد شربها وتغلغلت إلى أحشائه فلم يعد حسب الظاهر فقط بل ملعوناً في باطنه أيضاً بل إن هذه قد وصلت إلى عظامه ذاتها وأصبحت جزءاً من كيانه (راجع أيوب ١٥: ١٦ و٣٤: ٧). ولكنه هو المسؤول وحده عن كل ذلك فقد اختار طريقاً سلكها وتلبس برذيلة هي منه وفيه وعادى الناس وظلمهم فلا عجب أن يصيبه مما أصباهم به أولاً لأن البادئ بالشر أظلم فليكن له جزاء الظالمين.
«١٩ لِتَكُنْ لَهُ كَثَوْبٍ يَتَعَطَّفُ بِهِ، وَكَمِنْطَقَةٍ يَتَنَطَّقُ بِهَا دَائِماً. ٢٠ هٰذِهِ أُجْرَةُ مُبْغِضِيَّ مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ، وَأُجْرَةُ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ شَرّاً عَلَى نَفْسِي. ٢١ أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ ٱلسَّيِّدُ فَٱصْنَعْ مَعِي مِنْ أَجْلِ ٱسْمِكَ. لأَنَّ رَحْمَتَكَ طَيِّبَةٌ نَجِّنِي. ٢٢ فَإِنِّي فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ أَنَا، وَقَلْبِي مَجْرُوحٌ فِي دَاخِلِي. ٢٣ كَظِلٍّ عِنْدَ مَيْلِهِ ذَهَبْتُ. ٱنْتَفَضْتُ كَجَرَادَةٍ. ٢٤ رُكْبَتَايَ ٱرْتَعَشَتَا مِنَ ٱلصَّوْمِ، وَلَحْمِي هُزِلَ عَنْ سِمَنٍ. ٢٥ وَأَنَا صِرْتُ عَاراً عِنْدَهُمْ. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيُنْغِضُونَ رُؤُوسَهُمْ».
(١٩ - ٢٠) وفي العدد التاسع عشر يراجع الفكرة نفسها بأنه تكون اللعنة لابسة له ويتعطف بها فلا تفارقه ولا يفارقها أبداً ولا تتحول عنه مهما سعى. بل لتكن له كمنطقة تشد على وسطه ولا تتركه ما دام نهار. وحينما ينتقل للعدد العشرين ينهي هذا الموضوع بما يستنتجه من أن هذا الويل هو ما يصيب مبغضي الرب الذين يستحقون مثل هذه الأجرة. فمن العمل تكون ثمرته أيضاً ولا حق لهم بالتذمر أو الاعتراض.
(٢١ - ٢٥) هنا يلتفت إلى الرب ليس للعنة هذه المرة لأنه يلمس جزاء على تقواه ولكنه يفعل ذلك بتواضع حقيقي لأنه يلتمسه باسم إلهه وليس باسمه ولأن هذا الإله حنان رحوم وهو لا يستحق. وهذه الرحمة طيبة لأنها كريمة وفي موضعها فإن صاحبها يقدرها قدرها. وهو يتناوله بالضعة والشعور أنه فقير مسكين وأن قلبه مجروح في داخله من جراء الآلام والمتاعب التي تحملها ولا سيما بسبب ذلك الإنسان الظالم الذي أضر به وآذاه إلى أبعد الدرجات. يصف نفسه بأنه كالخيال من الضعف وفي حقارته كالجرادة التي تداس بالقدم. هوذا ركبتاه ترتعشان وهو ضعيف هزيل بسبب طول الصيام وهو قد فعل ذلك عن تقوى حقيقية وخلوص قلبي لله. حتى أنه قد حُسب عاراً بين الأشرار ينظرون إليه شزراً ويهربون منه احتقاراً وازدراء وإذا نظروا إليه هزوا رؤوسهم دليل التحقير والامتهان. ولكن هذه المظاهر كانت سبباً لانتشاله من حالته السيئة بينما كبرياء الخاطئ كانت سبب هلاكه.
«٢٦ أَعِنِّي يَا رَبُّ إِلٰهِي. خَلِّصْنِي حَسَبَ رَحْمَتِكَ. ٢٧ وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ هٰذِهِ هِيَ يَدُكَ. أَنْتَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ هٰذَا. ٢٨ أَمَّا هُمْ فَيَلْعَنُونَ، وَأَمَّا أَنْتَ فَتُبَارِكُ. قَامُوا وَخَزُوا، أَمَّا عَبْدُكَ فَيَفْرَحُ. ٢٩ لِيَلْبِسْ خُصَمَائِي خَجَلاً وَلْيَتَعَطَّفُوا بِخِزْيِهِمْ كَٱلرِّدَاءِ. ٣٠ أَحْمَدُ ٱلرَّبَّ جِدّاً بِفَمِي، وَفِي وَسَطِ كَثِيرِينَ أُسَبِّحُهُ. ٣١ لأَنَّهُ يَقُومُ عَنْ يَمِينِ ٱلْمِسْكِينِ، لِيُخَلِّصَهُ مِنَ ٱلْقَاضِينَ عَلَى نَفْسِهِ».
(٢٦ - ٣١) وفي هذه الأعداد صرخة الاستنجاد وطلب المعونة هو يطلب الخلاص مما هو فيه. نجد أن هذا المزمور ينتهي على شكل قريب جداً من (المزمورين ٩٩ و٢٢). ونجد هنا فرحاً وسروراً في نهاية حياة المؤمن بالعكس عن نهاية الأشرار البعيدين عن الله. يهتم المرنم أن يرينا أن هذه هي يد الله القديرة وإن هذه الأمور مسيّرة بمشيئته السرمدية. سيرى الأشرار أن الله يتداخل في شؤون عبده لإنصافه فلا يترك الحبل على الغارب بل سيكون وقت الجزاء وحينئذ يقف كل مذنب عند حده فلا يتعداه. أولئك الذين لعنوه من قبل ولكن الله قد باركه. أولئك الذين قاموا من قبل وأما الآن فقد خزوا وهوذا عبده يفرح وينتصر متهللاً. وفي العدد ٢٩ يعود فيصور لنا هؤلاء الخصماء الذين يلبسون الخجل كالرداء ويتعطفون بالعار والشنار. لقد ساء فألهم ورجعوا عن قصدهم السيء مندحرين (راجع مزمور ٢٢: ٢٥ و٦٩: ٣٤) وهكذا فإنه يحمد الرب بفمه مهللاً لأن قلبه مبتهج سعيد وحيئنذ فإنه يسبح الرب وسط الجماعة العظيمة ولا يخجل بذلك بل يفتخر ولا يتراجع عن إيمانه بل يتشدد ويتقدم. ذلك التسبيح الذي يتطلب رخامة الصوت وعذوبة الإيمان ووطيد الثقة برحمة الله التي لا تترك المؤمنين. والكنيسة المسيحية تستعمل هذه المزامير الثلاثة أي (٢٢ و٦٩ و١٠٨) لأجل إنشادها في الجمعة الحزينة لأن داود المرنم يصور آلام المسيح من أجل خلاصنا أكمل تصوير وأعظمه. هو إلهنا الحي القدير الذي لا يترك المسكين قط بل يقوم عن يمينه لينجيه بل يقف في وقف الذين يقضون عليه بالهلاك فيمنحه كمال النجاة والخلاص (راجع ١تيموثاوس ٣: ١٦).


اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلْعَاشِرُ


لِدَاوُدَ. مَزْمُورٌ


«١ قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي: ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ. ٢ يُرْسِلُ ٱلرَّبُّ قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ. تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ. ٣ شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ، فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ مِنْ رَحِمِ ٱلْفَجْرِ. لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ».
لا شك أن هذا المزمور هو من أكثر المزامير علاقة بالعهد الجديد فقد اقتبس منه الإنجيليون (كتبة الأناجيل) وغيرهم بصورة واسعة (انظر متّى ٢٢: ٤١ - ٤٦ ومرقس ١٢: ٣٥ - ٣٧ ولوقا ٢٠: ٤١ - ٤٤). وقد اتخذوه نبؤة عن انتصار المسيح النهائي على أعدائه حينما يجلس أخيراً عن يمين العرش في الأعالي (انظر أعمال ٢: ٣٤ وما بعده أيضاً ١كورنثوس ١٥: ٢٥ وعبرانيين ١: ١٣ و١٠: ١٣) بل نجد كاتب الرسالة للعبرانيين يدعم نبؤته بذهاب الكهنوت اللاوي وقيام الكهنوت المسيحي على ما ورد بقوله على رتبة ملكي صادق (راجع عبرانيين ٥: ٦ و٧: ١٧ و٢١). ينسب هذا المزمور لداود وأنه نظمه على أثر انتصاره على العمونيين ولكن الأرجح أنه نظم في عصر يهوذا المكابي إذ يتكلم عن شخص هو كاهن ملك أو برتبة ملكية ولم يكن هذا في تاريخ إسرائيل إلا بعد عصر المكابيين لا قبلهم.
(١ - ٢) هذه لغة الشعب يخاطبون بها مليكهم ويمكن ترجمتها قال الرب لسيدي أي لسيدي الملك (راجع ١صموئيل ٢٢: ١٢ وأيضاً راجع المزمورين ٢٠ و٢١). والجلوس عن اليمين هو للتكريم كما أن السيد الديان سيجلس عن يمين عرش الآب في الأعالي. والجلوس عن يمين الملك هو أعظم مظاهر التمجيد والتكريم (راجع ١ملوك ٢: ١٩) والأعداء عند موطئ القدمين دليل الخضوع التام (١ملوك ٥: ١٧). إن صهيون مركز صولجان هذا الملك (راجع إرميا ٤٨: ١٧ وحزقيال ١٩: ١١ - ١٤). فهو متسلط على الشعب وكذلك متسلط في وسط الأعداء (ميخا ٥: ٣ و٤).
(٣) وشعب هذا الملك مندفع من نفسه في سبيل خدمته. أي حينما يدعوهم ليظهر قوته يتجندون حالاً يأتون مزينين كأنهم مولودون من الفجر ويشبهون الطل المتساقط أي الندى على وجه الأرض. يأتي الأحداث لهذه الخدمة لأنهم عز الملك بهم يتغلب على الأعداء لأنهم ذوو عزيمة وإقدام ولا يبخلون بأية تضحيات مهما عظمت.
«٤ أَقْسَمَ ٱلرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ. ٥ ٱلرَّبُّ عَنْ يَمِينِكَ يُحَطِّمُ فِي يَوْمِ رِجْزِهِ مُلُوكاً. ٦ يَدِينُ بَيْنَ ٱلأُمَمِ. مَلأَ جُثَثاً أَرْضاً وَاسِعَةً. سَحَقَ رُؤُوسَهَا. ٧ مِنَ ٱلنَّهْرِ يَشْرَبُ فِي ٱلطَّرِيقِ، لِذٰلِكَ يَرْفَعُ ٱلرَّأْسَ».
(٤) يلتفت مرة أخرى إلى هذا الملك الكاهن. فتتحد الملكية بالكهنوت وهذا يفعله الله بعد أن يقسم ولن يتراجع في ما يفعله قط. هو شيء أبدي ثابت فما يفعله إنما هو للبقاء. وهكذا فإن معاركه هي ملكية وفي الوقت ذاته هي جليلة ومقدسة لأنه بحسب إرادة الله وترتيب قصده.
(٥ - ٧) مرة أخرى يذكر الرب أنه عن اليمين ولكنه الآن يضع الترتيب بشكل آخر إذ الملك يجلس والرب عن يمينه بينما من قبل فإن الرب يجلس والملك عن يمينه وفي كلتا الحالتين إن الشيء المهم هو أن يؤكد لنفسه وللناس أن الله معه وسينصره على الأعداء بل سيجعل هؤلاء محطمين لا سيما وهو يغضب عليهم غضباً شديداً. وهكذا فإن الأرض كلها قد امتلأت بجثث القتلى وتناثرت الهامات إلى كل جانب. ولكن هذا الملك العظيم لا يعبأ بشيء بل يستمر في معاركه حتى أنه لا يتأخر من أي الأسباب وهكذا يستخدم النهر ليشرب منه فلا يعوقه عن التقدم والمسير إلى غايته والنيل من أعدائه. ويرفع رأسه أخيراً علامة الظفر العظيم والنصرة الكاملة. وإذا مر ليشرب من جانب النهر فإنما يفعل ذلك لكي يستريح ويأخذ وقتاً للترويح عن نفسه بعد أن يكون قد تغلب على كل الأعداء ومن جهة روحية فهذا ينطبق على ما سيحدث للمسيا الموعود (انظر فيلبي ٢: ٨ وما بعده وأيضاً عبرانيين ١٢: ٢ ورؤيا ٥: ٩ وما يليه).


اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلْحَادِي عَشَرَ


«١ هَلِّلُويَا. أَحْمَدُ ٱلرَّبَّ بِكُلِّ قَلْبِي فِي مَجْلِسِ ٱلْمُسْتَقِيمِينَ وَجَمَاعَتِهِمْ. ٢ عَظِيمَةٌ هِيَ أَعْمَالُ ٱلرَّبِّ. مَطْلُوبَةٌ لِكُلِّ ٱلْمَسْرُورِينَ بِهَا. ٣ جَلاَلٌ وَبَهَاءٌ عَمَلُهُ، وَعَدْلُهُ قَائِمٌ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٤ صَنَعَ ذِكْراً لِعَجَائِبِهِ. حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ هُوَ ٱلرَّبُّ».
يبدأ هذا المزمور مثلثاً من مزامير هللويا فهو مع لاحقيه المزمورين المئة والثاني عشر والمئة والثالث عشر تحمد مجد الله وقدرته ورأفته. وذلك بين جماعة المستقيمين الذين يخافون اسم الرب. وبنوع خاص فإن هذا المزمور رفيق للمزمور الذي يتلوه فإن الاثنين يتشابهان في الموضوع وإنهما كلاهما يحتويان معاني كثيرة مأخوذة من مزامير سابقة وأناشيد ومقاطع مختلفة. وكلاهما أيضاً مرتبان على طريقة لفظية أي يبدأ كل سطر بحروف من حروف الهجاء العبرانية المؤلفة من اثنين وعشرين حرفاً. وهما سلسلة من سطور متشابهة ولا تحتوي أي ترتيب بحسب الأوزان الشعرية وتقاسيمها.
(١ - ٤) يحمد اسم الرب مهللاً مع تلك الجماعة التي تلتذ بالتعبد وترى أن تقوم بشعائر الدين وتتمم فرائضه على أكمل وجه. وفي مجلس المستقيمين أي يأخذون وقتاً لذلك ولا يفعلونه كيفما اتفق. لهم مجلس خاص يضمهم كجماعة يلتذون بعضهم مع بعض بأفضل ما يفعله إنسان وهو التسبيح لاسم الرب العلي. وقد أخذ الرسول بولس هذه الفكرة عينها حينما قال «مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ» (أفسس ٥: ١٩). وأما موضوع هذا التسبيح فيذكر أولاً أعمال الرب كم هي عظيمة ولا يستغني عنها البشر. وهذه الأعمال مكللة بالبهاء والجلال. وحكمه بالعدل والإنصاف. وأما العجائب التي يصنعها فهي باقية خالدة لا تزيدها الأيام إلا ثباتاً ورسوخاً وهي مع القدرة التي ترافقها مملوءة بالحنو والرحمة. إذا ليس غاية الله أن يظهر إن هذا السلطان هو في سبيل أشرف وأعظم الغايات. هي لخدمة الإنسان كما هي لتمجيد الله.
«٥ أَعْطَى خَائِفِيهِ طَعَاماً. يَذْكُرُ إِلَى ٱلأَبَدِ عَهْدَهُ. ٦ أَخْبَرَ شَعْبَهُ بِقُوَّةِ أَعْمَالِهِ لِيُعْطِيَهُمْ مِيرَاثَ ٱلأُمَمِ. ٧ أَعْمَالُ يَدَيْهِ أَمَانَةٌ وَحَقٌّ. كُلُّ وَصَايَاهُ أَمِينَةٌ، ٨ ثَابِتَةٌ مَدَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ، مَصْنُوعَةٌ بِٱلْحَقِّ وَٱلٱسْتِقَامَةِ. ٩ أَرْسَلَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ. أَقَامَ إِلَى ٱلأَبَدِ عَهْدَهُ. قُدُّوسٌ وَمَهُوبٌ ٱسْمُهُ. ١٠ رَأْسُ ٱلْحِكْمَةِ مَخَافَةُ ٱلرَّبِّ. فِطْنَةٌ جَيِّدَةٌ لِكُلِّ عَامِلِيهَا. تَسْبِيحُهُ قَائِمٌ إِلَى ٱلأَبَدِ».
(٥ - ١٠) في العدد الخامس يعود بالذكرى إلى أيام التيه في البرية حينما خرج الشعب من أرض العبودية (خروج ١٢: ١٤). وهناك قد أعطاهم عهده أن يكونوا شعبه. كما وعد إبراهيم من قبل. وأرسل بعد ذلك الأنبياء لكي يؤكد لهم هذه المواعيد. وإذا تلك الأرض المملوءة بالخيرات تصبح ميراثاً. وقد ذكر لوثيروس أن هذا العدد الخامس كإنما وضع لأجل عيد الفصح ويناسب أن يربط بالعشاء الرباني إذ يصبح المسيح ذاته هو الطعام الحي لقوت نفوسنا. وقد أخذت الكنيسة المسيحية هذا المزمور لكي يرتل أثناء خدمة العشاء الرباني.
يذكر مرة أخرى أعمال الرب أنها أمانة وحق كما أن وصاياه لا تتغير ولا تتبدل فهي أمينة بمواعيدها إذا قام بها الإنسان وتممها. بل إن هذه الوصايا ثابتة لأنها شبيهة بأعمال الله فتلك أمانة وحق وهذه حق واستقامة.
وقد اقتنى شعبه لنفسه محافظاً على عهوده معهم إلى الأبد وهكذا تمجد اسمه وعظم وازدادت مهابته على جميع البشر. ويستخلص كلامه بالآية الحكيمة الشهيرة «رأس الحكمة مخافة الرب» بل أن خوف الرب هو الفطنة والتعقل ولا سيما لأولئك العاملين وهكذا فإن هذا التدين هو عملي يجب أن يجريه الإنسان وليس فقط أن يمارسه تعبدياً وطقسياً. ذلك لأن هذا الإله مستحق التسبيح وسيتمم هذا إلى الأبد طالما يوجد قوم مؤمنون يعبدون الله ويطيعون شرائعه ونواميسه.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلثَّانِي عَشَرَ


«١ هَلِّلُويَا. طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلْمُتَّقِي ٱلرَّبَّ، ٱلْمَسْرُورِ جِدّاً بِوَصَايَاهُ. ٢ نَسْلُهُ يَكُونُ قَوِيّاً فِي ٱلأَرْضِ. جِيلُ ٱلْمُسْتَقِيمِينَ يُبَارَكُ. ٣ رَغْدٌ وَغِنىً فِي بَيْتِهِ، وَبِرُّهُ قَائِمٌ إِلَى ٱلأَبَدِ. ٤ نُورٌ أَشْرَقَ فِي ٱلظُّلْمَةِ لِلْمُسْتَقِيمِينَ. هُوَ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ وَصِدِّيقٌ».
لقد رأينا في المزمور السابق حمداً للحكم الذي يجريه الرب على العالم وأما هذا المزمور فمع أنه يشابهه في شكله ولكنه يختلف عنه بأنه يمدح الإنسان الذي يتمشى بحسب شريعة الله. وهو أيضاً مرتب بحسب أحرف الهجاء وكما أن المزمور السابق يبحث عن بر الله فهذا المزمور يبحث عن بر الإنسان الذي يخاف الله.
(١ - ٤) نجد في العدد الأول الموضوع الذي يبحثه المزمور من أوله إلى آخره. يرينا المتقي الرب المطوب وهو السعيد بوصايا إلهه يتمشى عليها لا عن اضطرار بل عن اختيار لأنه يجد فيها مبعث الطمأنينة والسلام وهذه الحالة تتعدى هؤلاء الناس إلى أولادهم من بعدهم فيكون نسلهم قوياً لأنه جيل من الناس قد باركه الرب. يكون له غنى وبحبوحة وتوفيق في كل ما يفعله وهذا لا يكون إلى وقت محدود ثم ينقضي بل يبقى على الدوام حتى يعتبر به الآخرون ويقتدوا. فكما أن الله إله بر واستقامة كذلك ينتظر من الأبرار أن يمشوا في السيرة الصالحة على الدوام. وهكذا يرون الآخرين أن برهم هو ليس شيئاً وقتياً يظهر قليلاً ثم يضمحل بل هو مؤسس على مبادئ قويمة متينة لا تزيدها مر السنين سوى قوة ومضاء. والعدد الرابع يشبه كثيراً ما ورد في (إشعياء ٦٠: ٢).
ذهب أحد المفسرين إلى ترجمة العدد الرابع هكذا «نور قد أشرق للمستقيم الذي هو حنان ورحيم وصديق» ولكن هذه الترجمة غير ممكنة بالنسبة للنسق الشعري والأفضل أن هذه النعوت هي لله سبحانه وليس للإنسان (راجع خروج ٣٤: ٦ وقابله مع مزمور ١٤٥: ٨ و١١٦: ٥). إن الله نفسه هو النور المشرق في الظلمة لأنه حنان ورحيم (راجع ملاخي ٣: ٢٠ وأيضاً راجع إشعياء ٣: ١٠ وإرميا ٤٤: ١٧).
«٥ سَعِيدٌ هُوَ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي يَتَرَأَّفُ وَيُقْرِضُ. يُدَبِّرُ أُمُورَهُ بِٱلْحَقِّ. ٦ لأَنَّهُ لاَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى ٱلدَّهْرِ. ٱلصِّدِّيقُ يَكُونُ لِذِكْرٍ أَبَدِيٍّ. ٧ لاَ يَخْشَى مِنْ خَبَرِ سُوءٍ. قَلْبُهُ ثَابِتٌ مُتَّكِلاً عَلَى ٱلرَّبِّ. ٨ قَلْبُهُ مُمَكَّنٌ فَلاَ يَخَافُ حَتَّى يَرَى بِمُضَايِقِيهِ. ٩ فَرَّقَ أَعْطَى ٱلْمَسَاكِينَ. بِرُّهُ قَائِمٌ إِلَى ٱلأَبَدِ. قَرْنُهُ يَنْتَصِبُ بِٱلْمَجْدِ. ١٠ ٱلشِّرِّيرُ يَرَى فَيَغْضَبُ. يُحَرِّقُ أَسْنَانَهُ وَيَذُوبُ. شَهْوَةُ ٱلشِّرِّيرِ تَبِيدُ».
(٥ - ٦) هو إنسان سعيد ذاك الذي يتعمد إسعاد الآخرين فهو يرأف بأحوالهم ولا يتأخر عن أن يقرضهم مالاً إذا كانوا في حالة مادية سيئة. ومن جهة أخرى فهو حسن التدبير لا يرمي المال جزافاً بل يتصرف بحسن تدبير. فيعرف أن يخبئ درهمه الأبيض ليومه الأسود ولكنه يجد أن أحسن سبيل للتدبير هو أن يرى جاره بخير أيضاً فلا يكتفي بالخير لنفسه. وهكذا يثبت مركزه فلا يتزعزع بل يبقى ذكره للأبد. لقد كان حكيماً فيما هو للخير الحقيقي لنفسه وللآخرين أيضاً.
(٧ - ٨) لأنه قلبه مملوء ثابت بالرب فهو لا يخاف الشرور ولأن ضميره مرتاح فهو قرير العين ناعم البال. وهو يعزو فضيلته ليس إلى نفسه بل إلى الله الذي يتكل عليه ويثبت فيه. هو كالشجرة التي تثمر ثمراً جيداً لأن أصولها تتغذى بالتربة الجيدة. وهذا البار يعمل الصلاح ويسعد به لأنه مؤمن بالله وبار في شرائعه ووصاياه. وهو لا يخاف شيئاً (راجع إشعياء ٢٦: ٣) وهو يرى بمضايقيه أي أنه يكون في حالة يحسده عليها المضايقون.
(٩ - ١٠) هو محسن جواد لا يبخل بماله من أجل الإحسان وهو يفعله عن عقيدة قيامه بالواجب لأنه بار ثابت ولذلك فإن الله يكافئه بالكرامة والمجد. ويأخذ الرسول بولس هذه العبارة ويستعملها لحث المؤمنين المسيحيين (راجع ٢كورنثوس ٩: ٩) وإن يكن أن العهد الجديد لا يأخذ براً لذات الإنسان من أي عمل يفعله. ولكن الشرير من جهة ثانية يرى هذا البار فيغضب متميزاً من الحسد حتى تكاد شهوة الانتقام تقتله ويحول ذله تجاه هذه الأعمال المبرورة إلى خجل ممض وتكون النتيجة أن شهوته للشر هي التي تميته. فيكون هذا حياة لبار وإبادة للشرير الحسود.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلثَّالِثُ عَشَرَ


«١ هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا يَا عَبِيدَ ٱلرَّبِّ. سَبِّحُوا ٱسْمَ ٱلرَّبِّ. ٢ لِيَكُنِ ٱسْمُ ٱلرَّبِّ مُبَارَكاً مِنَ ٱلآنَ وَإِلَى ٱلأَبَدِ. ٣ مِنْ مَشْرِقِ ٱلشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا ٱسْمُ ٱلرَّبِّ مُسَبَّحٌ. ٤ ٱلرَّبُّ عَالٍ فَوْقَ كُلِّ ٱلأُمَمِ. فَوْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ مَجْدُهُ».
كان هذا المزمور كما يدل عليه مطلعه للتسبيح وكان يرنم في الأعياد الكبيرة الثلاثة وهي أولاً عيد التكريس ثم في رأس كل شهر جديد ما عدا رأس السنة الجديدة وعيد الغفران لأن في هذين العيدين لم يكن يناسب التهليل وإظهار الفرح والابتهاج بالنسبة لأنها خشوعية أكثر مما هي مفرحة. ثم في عيد الفصح فكانوا يرنمون (المزمورين ١١٥ و١١٨). بل كانوا يسمون المزامير من (١١٣ - ١١٨) ولا سيما المزامير (١١٥ - ١١٨) مزامير التهليل. بينما كان المزمور ١٣٦ يسمى مزمور التهليل العظيم بالنسبة لتكرار هذه العبارة ستاً وعشرين مرة في مزمور واحد. من بين الأمور التي تدعو إلى تسبيح الله هو تنازله الإلهي العجيب نحو المتواضعين فهو يريد أن يرفعهم إليه من حالتهم المحزنة السيئة. ولذلك نجد العذراء المباركة تقتبس من هذا المزمور ومن ترنيمة حنة (انظر ١صموئيل ٢) حينما رنمت ترنيمتها (راجع لوقا ١: ٤٦ - ٥٥).
(١ - ٣) يدعو عبيد الرب للتسبيح لكي يمجدوا اسمه ويذيعوا شكره ويحدثوا برحمته. وقد شاع استعمال هذا التعبير عبد الرب أو عبيد الرب خصوصاً بواسطة القسم الثاني من سفر إشعياء وهذه الدعوة لكي يظهر الإنسان المؤمن ما تنطوي عليه علاقته مع إلهه. فيجب أن يعترف بأن اسمه مبارك إلى الأبد وهو كذلك مكرم في كل مكان إن في الشرق أو في الغرب أو في أي الأمكنة وبين جميع الشعوب.
(٤) ولأنه يستحق التسبيح هكذا فهو مرتفع على جميع الأمم. ومجده فوق السموات. فإن كان ممجداً هكذا عند الأمم فكم بالأحرى يجب أن يكون ممجداً عند شعبه. هذا الإله الصانع العظائم وحده الذي له ملك الأرض والسموات وكل ما فيهما تذيع شكره وحمده الآن وإلى الأبد. والعلو معناه الشمول أيضاً فهو إله يشمل برحمته كل البشر ولم يعد إله شعب واحد بل هو لكل الشعوب لذلك يرتفع عليهم جميعاً.
«٥ مَنْ مِثْلُ ٱلرَّبِّ إِلٰهِنَا ٱلسَّاكِنِ فِي ٱلأَعَالِي، ٦ ٱلنَّاظِرِ ٱلأَسَافِلَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ، ٧ ٱلْمُقِيمِ ٱلْمِسْكِينَ مِنَ ٱلتُّرَابِ، ٱلرَّافِعِ ٱلْبَائِسَ مِنَ ٱلْمَزْبَلَةِ ٨ لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ، مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ. ٩ ٱلْمُسْكِنِ ٱلْعَاقِرَ فِي بَيْتٍ، أُمَّ أَوْلاَدٍ فَرْحَانَةً! هَلِّلُويَا».
(٥ - ٦) نعم إن مجموعة الأمم والشعوب هي كبيرة وعظيمة ولكن الله أعظم منها جميعاً. والسموات هي مرتفعة وعالية ولكن الله الذي خلقها هو أعلى منها وأرفع. ولكنه مع شدة ارتفاعه غير المتناهي فهو يتنازل بصورة عجيبة حتى يصل تنازله إلى أسفل الأمكنة وأحقر العالمين. فهو منزه عن مخلوقاته وهو في الوقت ذاته يعمل فيها ومن أجلها فإن عنايته عظيمة وشاملة ولا تقف عند أي الحدود. لا شيء يعادل الله ولا شيء يقاس به. فإن جميع مخلوقاته هي صنع يديه وهي خاضعة لمشيئته ولا تستطيع أن تعصى أوامره ولذلك فهو يسترها دائماً لما به الخير الحقيقي ولمصلحة المجموع. إذن فلا شيء مهما كان خفياً بعيداً هو أبعد من أن يشمله بعنايته ولا شيء مهما كان صغيراً وحقيراً هو أقل من أن يتغافل عن ملاحظته وتسيير أموره.
(٧ - ٩) هو يلتفت للمتسول الفقير الذي يقف على قارعة الطريق يستندي الأكف للمساعدة فيضطر أن يجلس على الطريق ويرتمي على المزبلة المملوءة بالنفاية والرماد فقد يكون فيها شيء من الحرارة والدفء مما يعينه على أن يقضي ليلته في العراء دون أن يحتاج إلى مأوى. وهكذا فالذي قد رفضه إخوانه بنو البشر قد رفعه الله وأقامه من حالته السيئة هذه. لأن الله لا يلتفت إلى المتكبرين المتغطرسين بل يرحم المساكين المتواضعين الذين لا معين لهم (راجع ١ملوك ١٦: ٢ وقابله مع ١ملوك ١٤: ٧). ولا شك أن المرنم يضع ترنيمة حنة في باله حينما يرى أن هذا البائس يرتفع ولا يبقى في حالته الوضيعة. وكما رفع حنة من ذلها وباركها في عقمها بأن أعطاها ولداً أصبح صموئيل النبي كذلك فإن الله اليوم أيضاً يعطي لخائفي اسمه أن يرتفعوا ويجلسوا مع الأشراف. ومما يؤكد لنا هذا الاقتباس أن المرنم يذكر المرأة العاقر التي لا تبقى عاقراً بل تصبح ذات أولاد فخورة فرحانة. وينتهي كما افتتح بالتسبيح هللويا لهذا الإله المحب الشفوق المعتني بالجميع.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلرَّابِعُ عَشَرَ


«١ عِنْدَ خُرُوجِ إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ وَبَيْتِ يَعْقُوبَ مِنْ شَعْبٍ أَعْجَمَ، ٢ كَانَ يَهُوذَا مَقْدِسَهُ وَإِسْرَائِيلُ مَحَلَّ سُلْطَانِهِ. ٣ ٱلْبَحْرُ رَآهُ فَهَرَبَ. ٱلأُرْدُنُّ رَجَعَ إِلَى خَلْفٍ».
رأساً بعد المزمور السابق الذي يحوي التهليل والتسبيح لاسم الرب نجد هذا المزمور التاريخي الذي يتخذ من حوادث ماضية ما يدعم به موقفه لأجل تكريم اسم الرب وتمجيده لأجل كل عظائمه التي فعلها. هو مزمور اليوم الثامن في عيد الفصح اليهودي وهو أعظم الأيام بحسب الطقوس التعبدية. ويحاول المرنم أن يعيد للذاكرة تلك الأحداث التي جرت في فاتحة تاريخ بني إسرائيل وكان لها أعظم الأثر في تكوين الأمة وإعلاء شأنها. وهو يذكرها بصورة موجزة رائعة تأخذ بمجامع القلوب لما فيها من جليل العبرة والذكرى. وينقسم المزمور إلى ثمانية أعداد مختصرة ولكنها سريعة السرد والحركة كما انها تعطي المطالع صورة كالبرق الخاطف.
(١ - ٣) لقد خرج إسرائيل من بين أقوام عجم لأن الناس في مصر كانوا يتكلمون لغة تختلف عن لغتهم فلم يستطيعوا فهمها. فكانت لهم إذن تمتمة غير مفهومة. وكانت يهوذا مقدسة لأن في أرض يهوذا قد بني الهيكل العظيم (خروج ١٥: ١٧). وفيه كان يقوم الكهنة بتقديم العبادة للرب بالتناوب. وأما إسرائيل أي القسم الشمالي من البلاد فكان في غنى وعز وكرامة حتى ظهر أن تلك البلاد هي مكان السؤدد لشعب الله. ولا شك أن البلاد الشمالية من أرض إسرائيل كانت أغنى أقسام البلاد وعاش الناس في بحبوحة ورخاء ولولا أنهم انغمسوا في عبادات الأمم المجاورة لكانوا حافظوا على التراث الديني والأدبي أكثر كثيراً من القسم الجنوبي في البلاد. ويذكرنا حالاً بتلك الحادثة التاريخية التي لم يفتر الشعب يذكرها على مدى الأجيال وهي عبور بحر سوف (الأحمر). بل وبعد ذلك أيضاً عبور نهر الأردن. فكما ابتدأ امتلاك الأرض بعبورهم البحر الأحمر كذلك فقد كان الختام لتجوالهم حينما عبروا نهر الأردن وأصبحوا على الضفة الأخرى من البلاد. لقد دخلوا أرض الموعد بعد أن خرجوا من مصر بلاد العبودية ليصبحوا أمة تعبد الله وتتمم وصاياه.
«٤ ٱلْجِبَالُ قَفَزَتْ مِثْلَ ٱلْكِبَاشِ، وَٱلآكَامُ مِثْلَ حُمْلاَنِ ٱلْغَنَمِ. ٥ مَا لَكَ أَيُّهَا ٱلْبَحْرُ قَدْ هَرَبْتَ، وَمَا لَكَ أَيُّهَا ٱلأُرْدُنُّ قَدْ رَجَعْتَ إِلَى خَلْفٍ، ٦ وَمَا لَكُنَّ أَيَّتُهَا ٱلْجِبَالُ قَدْ قَفَزْتُنَّ مِثْلَ ٱلْكِبَاشِ، وَأَيَّتُهَا ٱلتِّلاَلُ مِثْلَ حُمْلاَنِ ٱلْغَنَمِ؟ ٧ أَيَّتُهَا ٱلأَرْضُ تَزَلْزَلِي مِنْ قُدَّامِ ٱلرَّبِّ، مِنْ قُدَّامِ إِلٰهِ يَعْقُوبَ! ٨ ٱلْمُحَوِّلِ ٱلصَّخْرَةَ إِلَى غُدْرَانِ مِيَاهٍ، ٱلصَّوَّانَ إِلَى يَنَابِيعِ مِيَاهٍ».
(٤) يصور لنا في هذا العدد وقت إعطاء الشريعة فقوله أن الجبال قفزت كما فعلت الآكام أيضاً فهو يشير إلى اهتزاز جبل سيناء كأنه مضطرم بالنار (خروج ١٩: ١٨). ونعجب لهذه الصورة أن تصبح الجبال كأنها تقفز من مكانها. لا شك أن المرنم قد رأى شيئاً من الزلازل وفعل البراكين وشاهد بأم عينه تلك النيران ذات اللهب تنقذف من فوهة البركان ترمي حممها إلى الأماكن المجاورة لها وتملأها بالرماد المتطاير إلى مسافات بعيدة وتجعل السكان في رعب وهلع.
(٥ - ٦) يعود المرنم مرة أخرى للفكرة الأولى التي تقدّم بها لدى عبور الشعب في البحر الأحمر أو عبورهم بعد ذلك في نهر الأردن وبهذه الواسطة يزيد الكلام توكيداً. ويجعل البحر والنهر كليهما في حالة خوف من الرب. كما أنه يكرر تعجبه من حالة الجبال والتلال فهي أشبه بالكباش القافزة إلى كل جانب بينما الحملان تتراكض إلى الأمكنة المعشوشبة لترعى وتقتات.
(٧ - ٨) هذه الأرض كلها تتزلزل قدام الرب الذي صنعها وهو إله يعقوب المعروف لدى شعبه المسبّح له والممجد من كل الذين يعترفون باسمه ويذيعون شكره وإحسانه إلى كل الناس. وينتقل بعد ذلك إلى العدد الأخير فنجده يعيد لذاكرتنا تلك الحوادث التي أجرى عجيبته فيها حينما أخرج الماء من الصخرة (انظر العدد ٢٠: ١١). ويتسائل الإنسان الماذا اختار المرنم هذه الأشياء لكي تظهر عظمة الرب وقدرته. فنجيب لأن الصخرة الصوانية التي منها خرج الماء تحول القفر كله إلى أمكنة قد تصبح عامرة خصبة. لذلك فعلى الإنسان أن يعترف بجميل الله. ذاك الذي أوجد كل الخيرات للإنسان وعليه أن يطيعه كما تطيعه كل مخلوقاته من الجماد مهما كبرت وعظمت.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلْخَامِسُ عَشَرَ


«١ لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لٰكِنْ لٱسْمِكَ أَعْطِ مَجْداً، مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ مِنْ أَجْلِ أَمَانَتِكَ. ٢ لِمَاذَا يَقُولُ ٱلأُمَمُ: أَيْنَ هُوَ إِلٰهُهُمْ؟ ٣ إِنَّ إِلٰهَنَا فِي ٱلسَّمَاءِ. كُلَّمَا شَاءَ صَنَعَ. ٤ أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي ٱلنَّاسِ».
موضوع هذا المزمور هو دعوة لله إله إسرائيل لكي ينجي اسمه ويحافظ عليه من أن يصيبه الناس بأي سوء. ويكاد هذا المزمور أن لا يكون له أية علاقة بالمزمور السابق سوى قوله «بيت إسرائيل» ويقسم هذا إلى فروع عديدة كما نلاحظ من العدد الثاني عشر وما يليه. هو كناية عن صلاة يقدمها إسرائيل لله وذلك لدى هجوم بعض الأعداء للحرب مع الشعب. فيطلب بنو إسرائيل من الله أن ينجدهم على أعدائهم من الأمم الوثنية. وهو يصوّر هذه الأصنام تصويراً يجعل الناس أن يبتعدوا عنها ويرذلوها لأنها لا تنفع شيئاً. وهكذا فإن الله القادر على كل شيء سينصر شعبه ويقتادهم إلى ملء الراحة والطمأنينة بينما أولئك الأعداء لا معين لهم ولا مسعف ولا مجير.
(١ - ٢) ليس المجد ولا الكرامة لإسرائيل لأنه لا يستحق شيئاً من ذلك (راجع مزمور ٣٤: ٢٢ وما بعده). وهذا توبيخ صارخ للشعب حتى يتوبوا ويرجعوا إلى إلههم ولكن المجد والكرامة هما للإله القدوس الذي عرفه الشعب ومجّده منذ قديم الزمان وإلى الآن. يريد الله أن يعرف اسمه من كل إنسان وأن يتمجد لأنه إله رحيم رؤوف بعباده أمين في عهوده نحو الذين يدعون باسمه بنية مخلصة وإيمان وطيد. وأما الفكرة في العدد الثاني فقد تكون مأخوذة من (المزمور ٧٩: ١٠ أو من يوئيل ٢: ١٧ قابل ذلك مع مزمور ٤٢: ٤ وميخا ٧: ١٠) وقولهم أين إلههم؟ يقصد به التحقير أي لا إله لهم ولا يستطيع تنجيتهم.
(٣ - ٤) ولكن المرنم يسرع حالاً بالجواب ويخبر هؤلاء الناس عن هذا الإله العظيم المتعالي فوق السموات. ذاك الذي خلق كل الأشياء وأبدعها من العدم بمطلق مشيئته غير المتناهية. ويقابل حينئذ بين هذا الإله وبين آلهة الشعوب الأخرى التي تحاول تعيير إله إسرائيل بينما هم أولى بالتعيير. يرينا بأجلى بيان الفرق بين الإله الحقيقي وبين الإله الذي يدعيه الناس وهو مخلوقهم لا خالقهم.
«٥ لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. ٦ لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُمُّ. ٧ لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. ٨ مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا. ٩ يَا إِسْرَائِيلُ ٱتَّكِلْ عَلَى ٱلرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. ١٠ يَا بَيْتَ هَارُونَ ٱتَّكِلُوا عَلَى ٱلرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. ١١ يَا مُتَّقِي ٱلرَّبِّ ٱتَّكِلُوا عَلَى ٱلرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ».
(٥ - ٨) هو إله متعال قدير يتمم مشيئته بمطلق حريته حتى لا يقدر أن يقول له أحد ماذا تفعل ولا شيء يقيده سوى ما يراه الأنسب وفي الوقت الأنسب. ويبدأ بهذا العدد أن يصوّر لنا هذه الآلهة الصنمية المضحكة التي لا تقنع سوى أصحابها. هي ميتة فكيف تستطيع أن تعطي حياة. قد يكون لها أفواه وأعين وآذان وأيد وأرجل ولكنها للتشبيه ليس إلا فهي لا تستطيع أن تستعمل هذه الأعضاء لما به حاجتها الشخصية فهل بإمكانها أن تساعد وأخيراً ينفي ذاتيتها بتاتاً حينما يقول أنها لا تنطق بحناجرها بينما الإنسان ذاته هو حيوان ناطق فإذن هي أقل من الإنسان لأنها لا تنطق أيضاً. قد يدعي عبدة الأصنام أن هذه للتمثيل فقط وإنهم يعبدون الروح التي وراءها ولكن المرنم يدحض زعمهم ويسخر بهم كما فعل الأنبياء في كل العصور. وهكذا ينزل بهؤلاء العابدين أعظم الهزء والتحقير حينما يقول عنهم أنه مثل أصنامهم لا يرون ولا يسمعون ولا يشمون وبالتالي لا يفعلون شيئاً.
(٩ - ١١) يلتفت بعد ذلك إلى شعب الله وينبههم ويكرر التنبيه على نسبة تكرار المخاطبين فيذكر إسرائيل إجمالاً وبعد ذلك بيت هارون أي الكهنة الذين منهم ينتظر أن يقوم رجال الله الأفاضل الذين يقومون بخدمته بواسطة خدمة شعبه الروحية. بل يخصص في كلامه أتقياء الله أي تلك الجماعة الصالحة التي هي فوق أي رتبة لأنها قد تكون من آية فئة من الناس وربما كانوا من الدخلاء ولكنهم آمنوا بالله وسمعوا وصاياه وقاموا بالشعائر الدينية على أتم وجه. وقول معينهم ومجنهم لكي يقوي وجه المقابلة بصورة معاكسة عن تلك الأصنام التي لا تستطيع شيئاً إذا بهذا الإله القدير يستطيع كل شيء ينجي ويعين إلى التمام.
«١٢ ٱلرَّبُّ قَدْ ذَكَرَنَا فَيُبَارِكُ. يُبَارِكُ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. يُبَارِكُ بَيْتَ هَارُونَ. ١٣ يُبَارِكُ مُتَّقِي ٱلرَّبِّ ٱلصِّغَارَ مَعَ ٱلْكِبَارِ. ١٤ لِيَزِدِ ٱلرَّبُّ عَلَيْكُمْ. عَلَيْكُمْ وَعَلَى أَبْنَائِكُمْ. ١٥ أَنْتُمْ مُبَارَكُونَ لِلرَّبِّ ٱلصَّانِعِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ. ١٦ ٱلسَّمَاوَاتُ سَمَاوَاتٌ لِلرَّبِّ، أَمَّا ٱلأَرْضُ فَأَعْطَاهَا لِبَنِي آدَمَ. ١٧ لَيْسَ ٱلأَمْوَاتُ يُسَبِّحُونَ ٱلرَّبَّ، وَلاَ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى أَرْضِ ٱلسُّكُوتِ. ١٨ أَمَّا نَحْنُ فَنُبَارِكُ ٱلرَّبَّ مِنَ ٱلآنَ وَإِلَى ٱلدَّهْرِ. هَلِّلُويَا».
(١٢ - ١٤) هذا الإله الذي يذكر الأشياء القديمة ويحافظ على العهود المقطوعة. ويرجح أن هذه العبارة كانت تقال لدى تقديم الذبيحة. وحينئذ كان الكاهن يطلب البركة. ونجد المرنم يكرر هذه الأسماء الثلاثة بحسب الترتيب السابق. يبارك بيت إسرائيل ثم بيت هارون ثم متقي الرب جميعهم صغاراً وكباراً حتى لا ينسى منهم أحداً بل يشملهم الله برحمته ويرعاهم بعنايته. وبعد ذلك نلاحظ العدد الرابع عشر أنه يحوي بركة خاصة (راجع تثنية ١: ١١ وايضاً ٢صموئيل ١٤: ٣). فهو يطلب لهم النمو والمزيد حتى أنه رغم اضطهاد الأعداء وتنكيلهم ورغم الموت والتشريد وكل أنواع العذاب فهم سيزدادون عدداً كما سيزدادون نعمة وقوة.
(١٥ - ١٨) وفي العدد الخامس عشر أيضاً نرى بركة مكررة إذ نجد هذا الشعب ينال رضا ربه ذلك الإله العظيم الذي يستطيع كل شيء لأنه صنع كل شيء مما في السماء وما على الأرض. لقد حسب الإنسان القديم أنه يوجد فارق بين السماء والأرض ولا سيما في التاريخ الذي عقب الطوفان ولكن العهد الجديد يزيل هذا الفارق وتصبح السماء والأرض كلتاهما للرب ونجد الرب يسوع يقول «لا تحلف بالسماء لأنها كرسي الله. ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه». ونجد فرقاً آخر من جهة الأموات فهم ذهبوا حسب زعمه ولا يرجعون. فلا يقدرون على التسبيح طالما انحدروا إلى أرض السكوت. ويلتفت أخيراً إلى الأحياء ويطلب منهم وحدهم أن يباركوا اسم الرب ويحمدوه على الدوام ومن الآن إلى الدهر. هللوا إذن يا شعبه وعظموه لأنه وحده يسمع الدعاء طالما الوقت يواتيكم وأنتم أحياء قبل الموت إذ بعدئذ لا تستطيعون أي تسبيح.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلسَّادِسُ عَشَرَ


«١ أَحْبَبْتُ لأَنَّ ٱلرَّبَّ يَسْمَعُ صَوْتِي، تَضَرُّعَاتِي. ٢ لأَنَّهُ أَمَالَ أُذُنَهُ إِلَيَّ فَأَدْعُوهُ مُدَّةَ حَيَاتِي. ٣ ٱكْتَنَفَتْنِي حِبَالُ ٱلْمَوْتِ. أَصَابَتْنِي شَدَائِدُ ٱلْهَاوِيَةِ. كَابَدْتُ ضِيقاً وَحُزْناً. ٤ وَبِٱسْمِ ٱلرَّبِّ دَعَوْتُ: آهِ يَا رَبُّ، نَجِّ نَفْسِي».
هنا مزمور مجهول اسم مؤلفه ولكنه ينتهي بكلمة هللويا. والقصد منه هو تقديم الشكر لله من أجل تنجيته من خطر فظيع مميت وهو من هذا القبيل يشبه السابق بأنه للحمد والشكر ولكنه يختلف عنه بأن المتكلم هنا باسم الفرد بينما المزمور السابق فهو باسم جماعة المؤمنين فهو شكر عام شامل بينما هذا فهو شكر شخصي على إحسان شخصي كان له تأثير عظيم على حياة المرنم ذاته. فهو قد اختبر حنو الله العجيب عليه وعطفه الذي لا يستقصى. لقد قسمت التوراة السبعينية هذا المزمور إلى قسمين متمايزين هما أولاً من العدد ١ - ٩ وثانيا من العدد ١٠ إلى الآخر وجعلت منهما مزمورين للتسبيح. كما أنها قد ضمت المزمورين ١١٤ و١١٥ معاً وجعلت منهما مزموراً واحداً. وهذا المزمور المئة والسادس عشر هو من المزامير الحديثة الوضع أولاً بالنسبة لإدخاله عدداً كبيراً من الكلمات الآرامية وثانياً بالنسبة لما يقتبسه هذا المزمور من مزامير سابقة أي قبل السبي ولا سيما المزمور الثامن عشر.
(١ - ٤) قوله «أحببت» قد حذف المفعول به الذي قدره بعدها وهو يقصد أحببت الرب. وإذا اكتفى بالفعل وحده فكإنما يعني أنني محب أي أنني سعيد جداً في محبتي لهذا الإله المحسن الجواد الذي يسمع الدعاء ويستجيب الصلاة. وهو يأخذ العددين ٣ و٤ من المزمور الثامن عشر. هو الذي أمال أذنه وأصغى إليّ لذلك فالمؤمن يدعو الله على مدى الحياة (راجع إشعياء ٣٩: ٨). وفي العدد الثالث يغيّر اقتباسه من المزمور ١٨ قليلاً ولكنه اختبار شخصي فقد كاد يموت لأنه أصيب بشدائد الهاوية التي كانت تشد به إلى أسفل وإذا حياته كلها مريرة متعبة مملوءة بالضيق والأحزان ولكنه حينما يستنجد بالله يفعل ذلك ويعترف بحقائق عامة عالقة في ذهنه بوضوح لأن الله قد استجاب له كما استجاب من قبل للمؤمنين الحقيقيين.
«٥ ٱلرَّبُّ حَنَّانٌ وَصِدِّيقٌ وَإِلٰهُنَا رَحِيمٌ. ٦ ٱلرَّبُّ حَافِظُ ٱلْبُسَطَاءِ. تَذَلَّلْتُ فَخَلَّصَنِي. ٧ ٱرْجِعِي يَا نَفْسِي إِلَى رَاحَتِكِ لأَنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ. ٨ لأَنَّكَ أَنْقَذْتَ نَفْسِي مِنَ ٱلْمَوْتِ، وَعَيْنِي مِنَ ٱلدَّمْعَةِ، وَرِجْلَيَّ مِنَ ٱلزَّلَقِ. ٩ أَسْلُكُ قُدَّامَ ٱلرَّبِّ فِي أَرْضِ ٱلأَحْيَاءِ. ١٠ آمَنْتُ لِذٰلِكَ تَكَلَّمْتُ. أَنَا تَذَلَّلْتُ جِدّاً. ١١ أَنَا قُلْتُ فِي حَيْرَتِي: كُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبٌ».
(٥ - ٩) يذكر هاتين الصفتين لله أنه حنان وصديق أي رحيم وبار (راجع مزمور ١٢: ٤١). هاتان صفتان متلازمتان إلى حد كبير. فبرّ الرب قد أكده لشعبه منذ قديم الزمان (راجع خروج ٣٤: ٦ وما بعده). ومحبة الرب تظهر بجلاء للودعاء الطاهرين في قلوبهم كما ورد في (متّى ١١: ٢٥). وتأثير كلام المرنم راجع بالنسبة لأن هذه الظاهرة الروحية قد تمت له فاختبر حنو الرب ولا سيما بعد ما تذلل ووصل إلى تلك الحالة السيئة فمد له الرب يد العون والإسعاف. في العدد ٧ يخاطب المرنم نفسه وقد رأينا مثل ذلك في (المزامير ٤٢ و٤٣ و١٠٣). يريد أن يتطمأن بعد أن تكررت عليه الآلام والنكبات فها أن الرب قد أظهر إحسانه وأنقذه من موت محتوم كما أنه قد مسح دموعه فلم يعد بينٍ الحزانى الباكين وقد ثبت رجليه لئلا يصبح بين الساقطين. ولذلك فهو الآن قد امتلك زمام نفسه فيعيش في أرض الأحياء وليس في أرض ظلال الموت فلم تقدر حبال الهاوية أن تصل إليه. يمشي الآن سالكاً طريق الكرامة ولكنه يفعل ذلك قدام الرب أي بكل تواضع وخضوع لا اعتداداً بالذات ولا تكبراً كإنما هو قد خلّص نفسه.
(١٠ - ١١) لقد كان له الإيمان الوطيد بهذا الخلاص العتيد (راجع أيوب ٢٤: ٢٢ و٢٩: ٢٤) فبعد أن أظهر هذا الإيمان القوي تذلل أمام الرب فأظهر له الرب عندئذ طريقاً واضحاً للنجدة والخلاص. وفي الوقت ذاته لا يكتم المرنم تألمه من الإنسان فقد اختبر الكذب والاحتيال وهو في حالة الحيرة والارتباك فلم يكن منجد سوى الله.
«١٢ مَاذَا أَرُدُّ لِلرَّبِّ مِنْ أَجْلِ كُلِّ حَسَنَاتِهِ لِي؟ ١٣ كَأْسَ ٱلْخَلاَصِ أَتَنَاوَلُ، وَبِٱسْمِ ٱلرَّبِّ أَدْعُو. ١٤ أُوفِي نُذُورِي لِلرَّبِّ مُقَابِلَ كُلِّ شَعْبِهِ. ١٥ عَزِيزٌ فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ. ١٦ آهِ يَا رَبُّ. لأَنِّي عَبْدُكَ. أَنَا عَبْدُكَ ٱبْنُ أَمَتِكَ. حَلَلْتَ قُيُودِي. ١٧ فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ، وَبِٱسْمِ ٱلرَّبِّ أَدْعُو. ١٨ أُوفِي نُذُورِي لِلرَّبِّ مُقَابِلَ شَعْبِهِ، ١٩ فِي دِيَارِ بَيْتِ ٱلرَّبِّ، فِي وَسَطِكِ يَا أُورُشَلِيمُ. هَلِّلُويَا».
(١٢ - ١٤) يتساءل المرنم بعد هذه الاختبارات الجليلة كلها كيف يستطيع أن يقدم الشكر للرب وماذا يستطيع أن يفي من هذا الدين الكبير المتراكم على عنقه. هذا الإله الجواد الذي كرر إحساناته من قبل ولا يزال يكررها عن غير استحقاق. وقوله «ماذا» نستطيع ترجمتها «بماذا» أي بماذا نرد للرب؟ وما هي تلك الأشياء التي نستطيع أن نظهرها للتعبير عن شكرنا العميق واعترافنا بالجميل (راجع تكوين ٤٤: ١٦). فيجيب نفسه بأن أخذ صورة من الفصح وهو أن يأخذ الكأس بيده شاكراً وداعياً باسم الرب (راجع متّى ٢٦: ٢٧). وبعبارة ثانية في لغة اليوم هو يريد أن يشرب نخب الرب بالنسبة لإحساناته العميمة. بل هو يوفي النذور التي عاهد نفسه عليها من قبل ويفعل ذلك جهاراً أمام كل الشعب فيكون بذلك قدوة للآخرين ويريح ضميره على الأقل أنه قام بواجب العبادة.
(١٥ - ١٩) لقد كان الشهداء المسيحيون يرنمون أقساماً من هذا المزمور في اضطهادات الأمبراطور ديشيوس فيمتلئون بالرجاء المطوب أن الرب يهب الحياة ولا يريد الموت لأحد لذلك فهو عزيز عليه أن يموت أحد الأتقياء. ويلتفت المرنم بمنتهى الحنو ويلتمس أن يظل الرب بعلاقته الوطيدة معه طالما هو الذي نجاه وحل قيوده. ويذكرنا هنا بأنه ابن أمة الرب مما يدل على أن والدة هذا المرنم كانت تقية فاضلة يذكرها بالخير ويظهر أن أمثال حنة النبية كان كثيراً عندئذ (راجع لوقا ١: ٣٦). وهنا يوضح بأجلى بيان لماذا قدم إلى أورشليم وقد يكون حاجاً من أطراف البلاد. فهو يقدم ذبيحة الحمد ويوفي النذور ويشهد أمام جميع الناس بما فعله الله نحوه من خير معروف. ويشعر باللذة العظمى أن ينزل حمل هذا الواجب التقوي عن ظهره ولا سيما حينما يختم كلامه هللويا.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلسَّابِعُ عَشَرَ


«١ سَبِّحُوا ٱلرَّبَّ يَا كُلَّ ٱلأُمَمِ. حَمِّدُوهُ يَا كُلَّ ٱلشُّعُوبِ. ٢ لأَنَّ رَحْمَتَهُ قَدْ قَوِيَتْ عَلَيْنَا، وَأَمَانَةُ ٱلرَّبِّ إِلَى ٱلدَّهْرِ. هَلِّلُويَا».
هذا المزمور هو دعوة لكل الشعوب والأمم أن يأتوا إلى الرب ويدخلوا في رعيته المباركة. هو أقصر المزامير كلها وقد جاء بعد المزمور المئة والسادس عشر المملوء بالحمد والتسبيح لكي يدعو الناس جميعاً لمثل ذلك. فكما أن الواجب على بني إسرائيل بل على ذلك المرنم نفسه بالنسبة للاختبارات الشخصية أن يكونوا شكورين إلى التمام. كذلك من واجب الأمم جميعاً أن يعترفوا بهذا الجميل الإلهي ويدخلوا في الجماعة المباركة. وهو على اختصاره العظيم يرينا دعوة كريمة صالحة لجميع الشعوب كي يفهموا رسالة الوحي أكثر ويأتوا إلى إخوة عامة شاملة وإلى علاقة شريفة صالحة بعضهم مع بعض.
(١ - ٢) نجد في كلمة «الأمم» العبرانية تقارباً نحو اللغة الآرامية والعربية غير شكل عن قوله «جوييم» فإن رحمة الرب عظيمة بهذا المقدار حتى أنها تتجاوز كل الحدود العرقية والجغرافية وتصل إلى الناس كلهم دون تمييز. ويضع المرنم أمامنا مكرراً هاتين الكلمتين «الرحمة والأمانة». فإن الله بواسطة هاتين الصفتين يستطيع أن يغمر الناس جميعاً (راجع رومية ٥: ٢٠ و١تيموثاوس ١: ١٤). وهكذا نجد أن هذا الإيمان لن يقف عند حدود اليهودية الضيقة بل سيتوسع إلى أن يصل إلى العالم أجمع. ويكون الجميع أخيراً رعية واحدة للراعي الواحد ربنا يسوع المسيح.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلثَّامِنُ عَشَرَ


«١ اِحْمَدُوا ٱلرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتَهُ. ٢ لِيَقُلْ إِسْرَائِيلُ: «إِنَّ إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتَهُ». ٣ لِيَقُلْ بَيْتُ هَارُونَ: «إِنَّ إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتَهُ». ٤ لِيَقُلْ مُتَّقُو ٱلرَّبِّ: إِنَّ إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتَهُ» .
يرجّح أن نظم هذا المزمور كان عند إعادة تدشين الهيكل الجديد فهو مزمور حمد وتسبيح أيضاً ويكرر هذه العبارة التي صقلتها الأيام «لأن إلى الأبد رحمته» بما تحويه من المعاني العميقة والأفكار الروحية السامية. ولدى الشروع بالمهرجان نرى هذه الأعداد الأربعة الأولى. فالأول حمد عام ثم دعوة لإسرائيل ثم يخصص بيت هارون أي كهنة الرب ثم يدعو المتقين منهم أو من غيرهم زيادة في التخصيص وإلفات النظر حتى يحمدوا اسم الرب لأن رحمته دائمة للأبد. ثم نلاحظ في الأعداد ٥ - ١٨ دعاء وهم على الطريق قادمون ثم العدد ١٩ وهم داخلون إلى الهيكل ومن الأعداد ٢٠ - ٢٧ يقولها الذين يستقبلون المهرجان في الهيكل. والعدد ٢٨ جواب الذين في المهرجان. والعدد الأخير هو اشتراك الجميع في الحمد والتسبيح.
من المعروف عن المصلح لوثيروس أنه أحب هذا المزمور حباً جماً واحتمى به لدى متاعبه والاضطهادات التي احتملها ووجد فيه تعزية وسلاماً. وقد حسب المفسرون أن زمان كتابته هو أحد هذه:

  • السنة الأولى بعد الرجوع من السبي في عيد المظال في الشهر السابع.
  • عند وضع حجر الأساس في ترميم الهيكل في أيام عزرا (عزرا ٣: ٨).
  • تكريس الهيكل بعد إكمال البناء كله (عزرا ٦: ١٥).


(١ - ٤) هو افتتاح جميل للغاية يتدرج به المرنم من التعميم إلى التخصيص ويرى الواجب يدعوه بالنسبة لهذه الرحمة الإلهية الظاهرة للجميع والتي علينا أن نعترف بها جهاراً حتى يكون لنا عيش موفق سعيد وتصبح هذه البركات ذات قيمة معنوية عميقة في نفوسنا. والسبب الجوهري في نظره لمثل هذا الحمد هو أن الرب صالح وأمانته ظاهرة حقيقية لا يجوز أن ينكرها أي إنسان. ثم يكرر «ليقل» أي لا يجوز السكوت فقط على حد قول الشاعر:
وإن وجدت لساناً قائلاً فقل.
«٥ مِنَ ٱلضِّيقِ دَعَوْتُ ٱلرَّبَّ فَأَجَابَنِي مِنَ ٱلرُّحْبِ. ٦ ٱلرَّبُّ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي ٱلإِنْسَانُ؟ ٧ ٱلرَّبُّ لِي بَيْنَ مُعِينِيَّ، وَأَنَا سَأَرَى بِأَعْدَائِي. ٨ ٱلٱحْتِمَاءُ بِٱلرَّبِّ خَيْرٌ مِنَ ٱلتَّوَكُّلِ عَلَى إِنْسَانٍ. ٩ ٱلٱحْتِمَاءُ بِٱلرَّبِّ خَيْرٌ مِنَ ٱلتَّوَكُّلِ عَلَى ٱلرُّؤَسَاءِ. ١٠ كُلُّ ٱلأُمَمِ أَحَاطُوا بِي. بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ أُبِيدُهُمْ. ١١ أَحَاطُوا بِي وَٱكْتَنَفُونِي. بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ أُبِيدُهُمْ».
(٥ - ٧) يشعر المرنم أنه في ضيق فيدعو الرب وإذا به تعالى يحوّل ضيقه إلى رحب (راجع مزمور ٢٢: ٢٢ و٢٨: ١ و٧٤: ٧ و٢صموئيل ١٨: ١٩ وعزرا ٢: ٦٢ و٢أخبار ٣٢: ١) وكيف يجوز الخوف طالما الرب لنا وإن يكن البشر ضدنا يكفينا أن الرب يلتفت إلينا ويعيننا (راجع مزمور ٥٤: ٦). وقوله إن الرب بين معينيّ أي أن عونه هو أكبر عون ويرجح على كل عون آخر مهما عظم قدره أو سما مصدره. ويتحول الضيق عني إلى أعدائي فما كان يراه الأعداء فيّ من سوء الحال يتحول إليهم هم فأراه أنا فيهم.
(٨ - ١١) يرى المرنم أن الاحتماء بالرب هو الشيء الأكيد وحده وذلك بناء على الاختبارات المرة التي صادفها الشعب في تاريخه. نعم لقد وعدهم كورش بالسماح في العودة ولكنهم صادفوا بعد ذلك شيئاً كثيراً من التقلبات في الملوك الذين تعاقبوا ولم يصبحوا أحراراً إلا في أيام داريوس. ولذلك فلا عجب إذا رأوا أن من الحكمة أن لا يتكلوا على أي إنسان فكيف لهم أن يحتموا به أو بأي الرؤساء مهما عظموا. بل أن هؤلاء الأمم بدلاً من العون كانوا معاكسين فكأنهم قد أحاطوا من كل جانب يحاولون مضايقتهم والنيل منهم بكل الوسائل الممكنة وذلك ليس بقوة من الشعب نفسه بل بواسطة الرب الذي عاهد شعبه بالخلاص ولن يتركه الآن بل سيخلصه ويفسح له مجال العمل المثمر والحرية الكاملة. والكلام في العددين العاشر والحادي عشر ليس من قبيل الحقيقة بل بالأحرى من قبيل المجاز ليس إلا ويريدنا أن نفهم أن الأعداء كانوا كثيرين وأذاهم قد أتى من كل جانب ولكن الرب سيعيننا فننجو من كل ضيم.
«١٢ أَحَاطُوا بِي مِثْلَ ٱلنَّحْلِ. ٱنْطَفَأُوا كَنَارِ ٱلشَّوْكِ. بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ أُبِيدُهُمْ. ١٣ دَحَرْتَنِي دُحُوراً لأَسْقُطَ. أَمَّا ٱلرَّبُّ فَعَضَدَنِي. ١٤ قُوَّتِي وَتَرَنُّمِي ٱلرَّبُّ، وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصاً. ١٥ صَوْتُ تَرَنُّمٍ وَخَلاَصٍ فِي خِيَامِ ٱلصِّدِّيقِينَ. يَمِينُ ٱلرَّبِّ صَانِعَةٌ بِبَأْسٍ. ١٦ يَمِينُ ٱلرَّبِّ مُرْتَفِعَةٌ. يَمِينُ ٱلرَّبِّ صَانِعَةٌ بِبَأْسٍ. ١٧ لاَ أَمُوتُ بَلْ أَحْيَا وَأُحَدِّثُ بِأَعْمَالِ ٱلرَّبِّ. ١٨ تَأْدِيباً أَدَّبَنِي ٱلرَّبُّ وَإِلَى ٱلْمَوْتِ لَمْ يُسْلِمْنِي».
(١٢) في هذا العدد يكرر قوله «أحاطوا» ويعطينا فوق ذلك صورة النحل وهو يهاجم خارجاً بكثرة من قفيره (راجع تثنية ١: ٤٤) ولكنهم يذهبون سريعاً مثل هجومهم. ربما كانت لذعاتهم مثل النار ولكنها نار الهشيم تنطفئ بسرعة شبيهة باشتعالها. مرة ثانية يكرر قوله باسم الرب يبيدهم لا بقوة من نفسه.
(١٣ و١٤) إن الناس قد حاولوا خذلانه ودحره وشاءوا سقوطه ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث لأن الرب قد عضد وهو قد قواه وشدده وإذا بتلك القوة الإلهية تصبح سبباً للبهجة والترنم ويتم الخلاص ولا شيء من الخطر بعد ذلك (راجع إشعياء ١٢: ٢ وكذلك راجع خروج ١٥: ٢).
«١٩ اِفْتَحُوا لِي أَبْوَابَ ٱلْبِرِّ. أَدْخُلْ فِيهَا وَأَحْمَدِ ٱلرَّبَّ. ٢٠ هٰذَا ٱلْبَابُ لِلرَّبِّ. ٱلصِّدِّيقُونَ يَدْخُلُونَ فِيهِ. ٢١ أَحْمَدُكَ لأَنَّكَ ٱسْتَجَبْتَ لِي وَصِرْتَ لِي خَلاَصاً. ٢٢ ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي رَفَضَهُ ٱلْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ. ٢٣ مِنْ قِبَلِ ٱلرَّبِّ كَانَ هٰذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا. ٢٤ هٰذَا هُوَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي صَنَعَهُ ٱلرَّبُّ. نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ فِيهِ. ٢٥ آهِ يَا رَبُّ خَلِّصْ! آهِ يَا رَبُّ أَنْقِذْ!».
(١٩ - ٢٥) والآن وقد انتهى القادمون المحتفلون إلى أبواب الهيكل فما عليها الآن إلا أن تنفتح لاستقبالهم والترحيب بهم. هي أبواب البر لأن منها يدخل إلى أمكنة البر حيثما ينصرف الإنسان إلى عبادة الإله العظيم خالق السموات والأرض. فيبدأ أولاً بصورة الجمع إذ يوجد أبواب كثيرة ولكن أخيراً يوجد باب واحد هو باب للرب أي الذي يدخله الصديقون لكي يقدموا عبادتهم الخاصة بواسطته. لقد كان لهم مصاعب عظيمة قبل أن وصلوا إلى الأبواب ليدخلوا فيها وقد كابدوا مشقات هائلة قبل أن تُمم العمل وأعيد بناء الهيكل في أورشليم. والآن يليق فيه الحمد والتسبيح فقد أعطى الله خلاصه ولم يمنعه عن المؤمنين الذين ثابروا إلى أن نجحوا أخيراً. لقد كانت أمامهم جبال من المصاعب وهم قبضة من الرجال وقد اكتنفهم الأعداء وأحاطوا بهم ولكن الله كان فيما بينهم ووفق أمورهم. وعندئذ إذا بالحجر المرفوض في أسمى وأعظم مركز فلا عجب إذا تهلل الشعب وفرح (راجع زكريا ٤: ٧). إن الشيء المهم ليس كيف ابتدأنا بل كيف انتهينا. لقد ابتدأ الشعب بشيء حقير زهيد ولكنه انتهى بشيء عظيم للغاية (راجع عزرا ٣: ١٠). ولكن المرنم يسرع حالاً بأن يعزو النجاح للرب و ليس لأحد من الناس. هو أمر عجيب في أعين البشر ولكنه ليس كذلك في عيني الله. فما يحسب عند الناس نجاحاً قد يحسب عند الله خلاف ذلك على خط مستقيم. ونذكر أن المخلص في العهد الجديد قد اتخذ هذا العدد ٢٢ شاهداً على ما فعله الآب مع ابنه المخلص الوحيد (انظر متّى ٢١: ٤٢ - ٤٤ وأيضاً مرقس ١٢: ١٠ وما بعده وأيضاً أعمال ٤: ١١ و١بطرس ٢: ٦ ورومية ٩: ٣٣). وهذا يوم خلاص عظيم فليكن يوم فرح وبهجة على نسبة ذلك.
«٢٦ مُبَارَكٌ ٱلآتِي بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ. بَارَكْنَاكُمْ مِنْ بَيْتِ ٱلرَّبِّ. ٢٧ ٱلرَّبُّ هُوَ ٱللّٰهُ وَقَدْ أَنَارَ لَنَا. أَوْثِقُوا ٱلذَّبِيحَةَ بِرُبُطٍ إِلَى قُرُونِ ٱلْمَذْبَحِ. ٢٨ إِلٰهِي أَنْتَ فَأَحْمَدُكَ. إِلٰهِي فَأَرْفَعُكَ. ٢٩ ٱحْمَدُوا ٱلرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى ٱلأَبَدِ رَحْمَتَهُ».
(٢٦ - ٢٩) هذه العبارة يستعملها سكان أورشليم حينما يستقبلون الحجاج وبعد ذلك يستقبلهم اللاويون والكهنة بقولهم «باركناكم من بيت الرب». وحينما يأتي الحجاج يكون معهم حيوانات كثيرة للذبائح ونرى كثرتها في (عزرا ٦: ١٧). ذلك لأن الرب قد أظهر نفسه أنه هو الله الذي أعطاهم النجاة والخلاص والحرية. وقد ذهب بعض المفسرين إلى القول بأن القصد هو تزيين المذبح أكثر مما هو تقديم الذبائح عليه ولكن على ما يظهر أن قصد المرنم هو أن يؤكد لنا وجوب تقديم الشكر لله على خلاصه بواسطة الذبائح فكل ثمين يجب أن يبذل في سبيل هذا الإله المحب الجواد. وهكذا يختم كلامه بالحمد والثناء كما افتتح ذلك لأن الرب صالح ولأن رحمته شاملة وستبقى على الدوام.

اَلْمَزْمُورُ ٱلْمِئَةُ وَٱلتَّاسِعُ عَشَرَ


- أ -


«١ طُوبَى لِلْكَامِلِينَ طَرِيقاً، ٱلسَّالِكِينَ فِي شَرِيعَةِ ٱلرَّبِّ. ٢ طُوبَى لِحَافِظِي شَهَادَاتِهِ. مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ يَطْلُبُونَهُ. ٣ أَيْضاً لاَ يَرْتَكِبُونَ إِثْماً. فِي طُرُقِهِ يَسْلُكُونَ».
هذا المزمور هو أكثر المزامير صناعة لفظية فهو مرتب حسب أحرف الهجاء العبرانية أي أبجد هوز الخ وكل حرف من هذه الحروف يحوي ثمانية أدوار فيكون المجموع مئة وستة وسبعين دوراً أو عدداً. وقد أطلقت التوراة الجرمانية عليه اسم «مزمور الألفباء» للمؤمن الذي يستعمل الكتاب المقدس للحمد ونيل القوة والنجدة. وهو لا يخلو من التكرار الممل حى ذهب أحد المفسرين إلى القول أنه مزمور صلاة طويلة لمعلم شيخ مختبر. ولكن يتضح لنا من العدد التاسع أن الناظم هو شاب ويصف حالته في العددين ٩٩ و١٠٠ فنجده منكوباً مضطهداً ولا سيما من الذين يحتقرون كلمة الله ولا يعيرونها انتباههم. ويجد ارتداد الناس عن الله في كل ما يحيط به لا سيما يوجد حكومة معادية لروح الدين الحقيقي (راجع الأعداد ٢٣ و٤٦ و١٦١) والمزمور كله صلاة لكي يمنح الله نعمة الثبات وسط جيل شرير وهكذا يرجو خلاص الرب فينتظر ويكرر القول المأثور يا رب حتى متى؟ وإذا أخذنا هذه الفكرة عن المزمور بعين الاعتبار فلن يطول بنا الوقت حتى نفهمه ونتابع ناظمه في انتقاله من فكر إلى آخر. يبدأ المرنم بحرف الألف ونلاحظ أن كل جملة من هذا المقطع تبدأ بهذا الحرف أيضاً وهكذا في بقية الحروف على التوالي. ولا شك أن هذه صناعة لفظية من الطبقة الأولى ويجب أن يكون الناظم من العارفين بأساليب الكلام والمقتدرين في اللغة فإذا حسبنا أنه شاب فيجب أن يكون متعلماً متهذباً كما أنه يفهم أصول الديانة حق الفهم. بحرف الألف يمجد الأمانة لكلمة الله وبالباء ينصح بها للشاب وبالجيم يطلب نوراً علوياً وبالدال قوة وبالهاء حفظاً وبالواو اعترافاً كما أنه يجبد في الزاي أن يتمسك بها وبالحاء يتمسك بحافظيها وبالطاء يتواضع وبالياء يعرب عن حاجته للتعزية وبالكاف يقول حتى متى؟ ولولا كلمة الله القديرة الأكيدة لفقد الرجاء هذا ما يقوله باللام ويراها حكمة في الميم ويقسم بالأمانة لها في النون وبالسين يكره ويحتقر المرتدين عن الإيمان وبالعين يعترف باضطهاده ولكنه لن يذل لهم وهذا يتابع الفكرة في الفاء وفي الصاد يرى أن غير المؤمنين يضمحلون. وفي القاف يصرخ لله طالباً أن يرحمه في الراء وينجيه من الظالمين في الشين وأن يرعاه بصلاح في التاء.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا المزمور قد كتب في العصر المكابي بينما جرى الاضطهاد على المتمسكين بالتوراة وشريعة الله من اليهود أنفسهم الذين جاروا الحكومة اليوناينة التي احتلت البلاد في عهد الدولة السلوقية وعادوا إخوانهم من أبناء البلاد. وقد ذهب هتزج إلى القول أن الناظم هو إسرائيلي شهيد قضى مدة من الزمن في السجن مضطهداً مظلوماً. ولما أطلق سراحه أطلق لنفسه عنان التفكير الروحي العميق وصوّر حالة المظالم التي عاناها هو نفسه ويعانيها الناس الأتقياء في ذاك الحين. أو أنه كتب هذا المزمور وهو في السجن لذلك اتخذ هذه الصناعة اللفظية سبيلاً للتسلية ولا شك أن من يطالع هذا المزمور من أوله إلى آخره يجد فيه تصريحات من قلب معترف بالله رغم جميع الاضطهادات فكان له بذلك تعزية قدسية قوته لكي يتابع جهاده الشريف المشكور في سبيل الإيمان.
(١ - ٣) في هذه الأعداد كما في بقية هذه القطعة «ألف» يطوب المرنم جميع الذين يسلكون بموجب شريعة الرب ويرجو أن يكون هو نفسه واحداً منهم. وهو يبدأ بتطويبة تكاد تكون مزدوجة إذ تتكرر في العدد الثاني. يطوب الكاملين في طريقهم لأنهم يسلكون بموجب شريعة الرب هم الذين يحفطون شهادات الرب أي يخبرون جهراً عما فعله الرب معهم من العظائم. هم لا يستحقون قط من أن يزكوا شهاداتهم بالواقع وما جريات الأحوال. وأقوالهم تنطبق على ما في قلوبهم لأنهم قوم مؤمنون حقيقيون مخلصون في عقائدهم ويعتزون في إتمام شعائر دينهم بغير مواربة ولا رياء. بل هم عمليون يبتعدون عن الإثم فلا يقولون شيئاً لا يتممونه في حياتهم اليومية.
«٤ أَنْتَ أَوْصَيْتَ بِوَصَايَاكَ أَنْ تُحْفَظَ تَمَاماً. ٥ لَيْتَ طُرُقِي تُثَبَّتُ فِي حِفْظِ فَرَائِضِكَ. ٦ حِينَئِذٍ لاَ أَخْزَى إِذَا نَظَرْتُ إِلَى كُلِّ وَصَايَاكَ. ٧ أَحْمَدُكَ بِٱسْتِقَامَةِ قَلْبٍ عِنْدَ تَعَلُّمِي أَحْكَامَ عَدْلِكَ. ٨ وَصَايَاكَ أَحْفَظُ. لاَ تَتْرُكْنِي إِلَى ٱلْغَايَةِ».

- ب -


«٩ بِمَ يُزَكِّي ٱلشَّابُّ طَرِيقَهُ؟ بِحِفْظِهِ إِيَّاهُ حَسَبَ كَلاَمِكَ. ١٠ بِكُلِّ قَلْبِي طَلَبْتُكَ. لاَ تُضِلَّنِي عَنْ وَصَايَاكَ».
(٤ - ٨) في هذا العدد الرابع يخبرنا لماذا يجب على الإنسان المؤمن أن يتصرف هكذا فيقول لأن الرب قد أوصى بها لذلك يجب على الإنسان أن يحفظها. بل يتمنى بعد ذلك أن جميع طرقه تكون غير متزعزعة ولا متقلقلة لأن من يحفظ فرائض الرب تحفظه هذه بدورها. وعلى الإنسان الحكيم أن يرى الهدف أمامه واضحاً فإن هذا الحفظ هو لخير الإنسان وفلاحه. ويتأكد المرنم من حقيقة ماثلة أمام عينيه بأن انتصاره لا شك محقق لأنه ينظر إلى وصايا الرب ويحفظها. وهكذا يحمد الرب بقلب طاهر شريف ويرى في كل ما يجريه الرب أحكاماً عادلة ويرجو أخيراً في العدد الثامن أن يحفظ الوصايا وهكذا يعضده الرب ولا يتركه أبداً.

ب


(٩ - ١٠) يبدأ الآن الآيات التي تبتدئ بحرف الباء يصور لنا شاباً يريد أن يسلك باستقامة وأمانة وهكذا يسأل هذا السؤال الخطير الذي يضعه أمام كل شاب فيطلب التزكية والتطهير في حياته وسلوكه. وفي الوقت ذاته يضع السؤال بصورة مختصرة مؤثرة وهكذا يجيب بالطريقة ذاتها وبالسرعة ذاتها ويرى أن لباب الأمر هو أن يمشي بحسب كلام الله. ولأنه قد طلب الله بكل قلبه لذلك يرجو أن يهتدي إلى هذا الحق ولا يضل عن الوصايا يأمل مساعدة النعمة الإلهية على إتمام هذا الأمر ولا يشك قط أنه ينالها.
«١١ خَبَّأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ. ١٢ مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ. ١٣ بِشَفَتَيَّ حَسَبْتُ كُلَّ أَحْكَامِ فَمِكَ. ١٤ بِطَرِيقِ شَهَادَاتِكَ فَرِحْتُ كَمَا عَلَى كُلِّ ٱلْغِنَى. ١٥ بِوَصَايَاكَ أَلْهَجُ وَأُلاَحِظُ سُبُلَكَ. ١٦ بِفَرَائِضِكَ أَتَلَذَّذُ. لاَ أَنْسَى كَلاَمَكَ».
(١١ - ١٦) ويراجع نفسه في ما هي الوسيلة لهذه التزكية (راجع مزمور ٧٣: ١٣ وأمثال ٢٠: ٩) فيراها بأن يخبئ كلام الله في قلبه ويخزنه كشيء ثمين في حياته. ويرى في كلام الله قوة باطنة فعالة لا شيء خارجياً يظهر تأثيره قليلاً ثم يضمحل بل هو الدافع على تجنب الشر والمقوي لعمل الخير وإذ لم يكن كذلك فهو مظهر من مظاهر حب الذات والمباهاة وليس من التدين الحقيقي في شيء. ويردد قوله كلامك وفرائضك مرات كثيرة وهو يجتاز من التعبد إلى السؤال.
وفي العدد ١٣ يقول «حسبت» ولا يقصد بها أنه أخذ يعدد هذه الأحكام بمقدار أنه يذيعها وينشرها على الناس (راجع تثنية ٦: ٧). وهي أحكام من فم الرب لكي يزيدها قوة وتأثيراً. وهو يحسب أن شهادات الرب هي طريق يتوجب عليه سلوكها ولكنه واجب الفرح والسرور هو حمل ولكنه خفيف وهو واجب ولكنه يندفع من تلقاء ذاته في سبيل إتمامه. ويراه أنه مفضل على كل غنى الأرض لأنه سماوي روحي. بينما الأمور الأخرى هي مادية علوية. وهكذا فإنه يلهج بهذه الوصايا الإلهية ويهذبها في الأسحار ويحاول أن يتبين طريق الرب لكي يسير فيها بل يجد في تلك الفرائض لذة وغبطة ويحاول أن يذكرها فلا تغرب عن باله كما لا تفوت نظره. كثير الأحيان ما نضل الطريق لأننا لم نلاحظ كيف ندخل فيها وكيف نخرج منها. وعلى الذين يضعون أمامهم الذهاب أن يحسبوا حساب الإياب أيضاً لئلا يضيعوا في طريقهم ويكونوا بين القوم الخاسرين.

- ج -


«١٧ أَحْسِنْ إِلَى عَبْدِكَ فَأَحْيَا وَأَحْفَظَ أَمْرَكَ. ١٨ ٱكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ. ١٩ غَرِيبٌ أَنَا فِي ٱلأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ. ٢٠ ٱنْسَحَقَتْ نَفْسِي شَوْقاً إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ. ٢١ ٱنْتَهَرْتَ ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ٱلْمَلاَعِينَ ٱلضَّالِّينَ عَنْ وَصَايَاكَ. ٢٢ دَحْرِجْ عَنِّي ٱلْعَارَ وَٱلإِهَانَةَ لأَنِّي حَفِظْتُ شَهَادَاتِكَ. ٢٣ جَلَسَ أَيْضاً رُؤَسَاءُ تَقَاوَلُوا عَلَيَّ. أَمَّا عَبْدُكَ فَيُنَاجِي بِفَرَائِضِكَ. ٢٤ أَيْضاً شَهَادَاتُكَ هِيَ لَذَّتِي، أَهْلُ مَشُورَتِي».
(١٧ - ٢٢) في كل هذه الأعداد أيضاً نجد أنها تبدأ بحرف الجيم. وأما الموضوع الذي تدور حوله فهو غاية الحياة فهو يريد أن يحيا الحياة الطاهرة المقدسة ويبتعد عن طرق المرتدين الذين فقدوا إيمانهم ويطلب أول كل شيء أن يعطي البصر حتى يرى عجائب الله. قد يكون أنه احتمل الاضطهاد وحاول بعض الناس أن يجعله يضع غشاء على عينيه حتى لا يرى حقائق الأمور. ومما زاد في بليته أنه يرى ذاته وحيداً فريداً كأنه غريب بين أهله ولم تعد الأرض تخصه وفي الحالة السيئة هذه يريد أن يرفع الله وصاياه أمامه حتى لا تختفي عن عينيه فيما بعد. وقد ظهر أمام عينيه قط أن أحكام الله قد توارت من الأرض وساد الأشرار والمضطهدون ولذلك يجد نفسه منسحقاً ولكنه يعود فيرجو الله أن ينتهر المتكبرين الذين أساءوا إليه وأهانوه ورذلوه. مع أنهم هم الذين قد ضلوا عن وصايا الله وجزاؤهم أن يرذلوا تماماً. وكانت النتيجة المعكوسة عليه أن أصبح عاراً عند الناس لا سيما وسبب هذا العار هو أنه حفظ الشهادات وأداها إلى النهاية. وقوله «دحرج» كإنما صخرة يجب أن تزول.
(٢٣ - ٢٤) ومما يزيد في آلامه أن هذه المعاملة السيئة لم تصدر من قوم بسطاء غير فاهمين ولا هم من عامة الشعب غير المسؤولين بل هم الذين قد قادوا الشعب وتسلطوا عليه. هؤلاء هم الذين أظهروا عداوتهم ولكن كان تأثيرهم عليه معكوساً إذ ازداد في مناجاته بفرائض الله. وهام ملتذاً بتلك الشهادات التي أداها علناً وكإنما أصبحت له سبب مشورة صالحة يهتدي بها في أعماله القادمة.

- د -


«٢٥ لَصِقَتْ بِٱلتُّرَابِ نَفْسِي، فَأَحْيِنِي حَسَبَ كَلِمَتِكَ. ٢٦ قَدْ صَرَّحْتُ بِطُرُقِي فَٱسْتَجَبْتَ لِي. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ. ٢٧ طَرِيقَ وَصَايَاكَ فَهِّمْنِي فَأُنَاجِيَ بِعَجَائِبِكَ. ٢٨ قَطَرَتْ نَفْسِي مِنَ ٱلْحُزْنِ. أَقِمْنِي حَسَبَ كَلاَمِكَ. ٢٩ طَرِيقَ ٱلْكَذِبِ أَبْعِدْ عَنِّي، وَبِشَرِيعَتِكَ ٱرْحَمْنِي. ٣٠ ٱخْتَرْتُ طَرِيقَ ٱلْحَقِّ. جَعَلْتُ أَحْكَامَكَ قُدَّامِي. ٣١ لَصِقْتُ بِشَهَادَاتِكَ. يَا رَبُّ لاَ تُخْزِنِي. ٣٢ فِي طَرِيقِ وَصَايَاكَ أَجْرِي لأَنَّكَ تُرَحِّبُ قَلْبِي».
(٢٥ - ٢٨) يبدأ الآن بحرف الدال وهنا أيضاً ثمانية أعداد كسابقاتها. هو الآن في ضيقة عظيمة حتى لم يستطع النهوض فهو مرتم في التراب ولا يرى له رجاء إلا بكلام الله ذلك المعزي المطيّب للخواطر الذي يمنح حياة (راجع مزمور ٤٤: ٢٦) ولكن رجاءه قوي متين (راجع مزمور ٧١: ٢٠ و٨٥: ٧) وقوله «صرّحت بطرقي» أي أنه أخبر الرب بكل مكنونات قلبه فهو لا يخفي شيئاً عنه. وهو إله يستجيب الدعاء ويعلّم الإنسان ماذا يجب عليه أن يفعل. ولأنه كان وطيد الإيمان فإن الله قد استجاب له وتكلم معه وأفهمه السبيل الذي يجب أن يمشي فيه. هو يطلب فهماً فإن بعض الأمور قد مرّت وهو لم يكن ينتظرها هكذا ولكنه بعد أن يفهم عليه أن يحدث بما فعله الله نحوه. وحينئذ حتى الحزن العميق الذي أصابه سينهض منه ويقف على رجليه قوياً نشيطاً بعد.
(٢٩ - ٣٢) يؤلمه أن يرى طرق الكذب والخداع تسود بين الناس ولكنه يعود إلى الله كما في (العدد ٢٥) طالباً النهوض والحياة الكريمة. ولا يجد سبيلاً لذلك إلا بشريعة الرب واتباع وصاياه. ويعتز بأن يجاهر بأنه يحب الحق ويريد أن يسلك طريقه لذلك قد وضع أحكام الرب التي هي حق كلها نصب عينيه لئلا يضل في أي الأشياء. ويعاهد نفسه بأن يلتصق بشريعة الرب وبشهاداته بدلاً من أن يلصق بالتراب فهي وحدها التي يستطيع أن يثبت حياته عليها ويظل سعيداً كريماً. وحينئذ فهو يسرع جرياً ولا يسلك سلوكاً فقط باتباع الوصايا ويرى أن قلبه قد أصبح كبيراً واسعاً على نسبة هذه الأفكار النبيلة المقدسة.

- هـ -


«٣٣ عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَ فَرَائِضِكَ فَأَحْفَظَهَا إِلَى ٱلنِّهَايَةِ. ٣٤ فَهِّمْنِي فَأُلاَحِظَ شَرِيعَتَكَ وَأَحْفَظَهَا بِكُلِّ قَلْبِي. ٣٥ دَرِّبْنِي فِي سَبِيلِ وَصَايَاكَ لأَنِّي بِهِ سُرِرْتُ. ٣٦ أَمِلْ قَلْبِي إِلَى شَهَادَاتِكَ لاَ إِلَى ٱلْمَكْسَبِ. ٣٧ حَوِّلْ عَيْنَيَّ عَنِ ٱلنَّظَرِ إِلَى ٱلْبَاطِلِ. فِي طَرِيقِكَ أَحْيِنِي. ٣٨ أَقِمْ لِعَبْدِكَ قَوْلَكَ ٱلَّذِي لِمُتَّقِيكَ. ٣٩ أَزِلْ عَارِي ٱلَّذِي حَذِرْتُ مِنْهُ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ طَيِّبَةٌ. ٤٠ هَئَنَذَا قَدِ ٱشْتَهَيْتُ وَصَايَاكَ. بِعَدْلِكَ أَحْيِنِي».
(٣٣ - ٣٧) نأتي الآن إلى حرف الهاء وهو يتابع صلاته لكي يمنحه الله قوة ونعمة حتى لا ينخدع بمظاهر الغرور الذاتي ولا يتحول عن طريقه في منعطفات أخرى تشرد به بعيداً. يطلب أن يتعلم طريق الفرائض وأن يفهم ويلاحظ الشريعة وأن يتدرب في إتمام الوصايا وهكذا يميل قلبه بجملته إلى الشهادة باسم الرب وتتحول عينه عن أي باطل ولا يرى أمامه سوى الحق. كلها مطالب شريفة يحدوها شوق للأفضل الذي اختبره في الماضي ولا يريد أن ينساه الآن. من مميزات هذا الناظم أنه يسرع في استنتاجه فلا يقول عبارة مختصرة حتى يخبرنا ما هي نتائجها له أولاً ولحياة الآخرين أيضاً.
(٣٨ - ٤٠) يذكر الآن أن للرب مواعيد معه بالنسبة لأنه يحسب نفسه أنه يتقي الرب لذلك يطالب بأن تتمم معه كما كانت تتمم مع أولئك الأقدمين. يحسب أنه كان في عار ويتمنى أن يزول. أو أنه يخشى أن يكون في عار نكران الله بدلاً من الاعتراف به وإذاعة حمده وشكره. ويمكن ترجمة العدد ٣٩ أزل عاري الذي حذرت منه بقولنا أزل عاري الذي اختشيه أو أخافه. ويرى أن أحكام الرب طيبة صالحة لا ظلم فيها البتة لذلك يأمل أن يذهب عنه خطر السقوط في الارتداد الذي يسبب له أعظم العار والمذلة. لا يكتم نفسه أنه قد اشتهى وصايا الرب لأن بها تنجيته وسلامه. ولا يرى حياة إلا بأن يجري الله عدله بين الناس حينئذ سيعلم الظالمين أنهم سينالون جزاء ما اقترفته أيديهم.

- و -


«٤١ لِتَأْتِنِي رَحْمَتُكَ يَا رَبُّ، خَلاَصُكَ حَسَبَ قَوْلِكَ، ٤٢ فَأُجَاوِبَ مُعَيِّرِي كَلِمَةً، لأَنِّي ٱتَّكَلْتُ عَلَى كَلاَمِكَ. ٤٣ وَلاَ تَنْزِعْ مِنْ فَمِي كَلاَمَ ٱلْحَقِّ كُلَّ ٱلنَّزْعِ، لأَنِّي ٱنْتَظَرْتُ أَحْكَامَكَ. ٤٤ فَأَحْفَظَ شَرِيعَتَكَ دَائِماً إِلَى ٱلدَّهْرِ وَٱلأَبَدِ، ٤٥ وَأَتَمَشَّى فِي رُحْبٍ لأَنِّي طَلَبْتُ وَصَايَاكَ، ٤٦ وَأَتَكَلَّمُ بِشَهَادَاتِكَ قُدَّامَ مُلُوكٍ وَلاَ أَخْزَى، ٤٧ وَأَتَلَذَّذُ بِوَصَايَاكَ ٱلَّتِي أَحْبَبْتُ، ٤٨ وَأَرْفَعُ يَدَيَّ إِلَى وَصَايَاكَ ٱلَّتِي وَدِدْتُ وَأُنَاجِي بِفَرَائِضِكَ».
(٤١ - ٤٨) هوذا أمامنا الآن حرف الواو وهذه القطعة أيضاً هي ذات ثمانية أعداد كالمعتاد. يتابع صلاته أيضاً لكي يمنحه الله أن يعترف بالحق غير هيّاب ولا وجل. يطلب من الرب رحمته حتى يستطيع أن يجيب من يعيّره ويحقره. هو اتكل على الرب ولذلك فلن يخزى ولن يسكت أمام هؤلاء الأعداء الذين يسيئون فهم سكوته. وهو يرجو أن يتكلم الكلام فلا يسكت. يريد أن يحفظ الشريعة لئلا ينسى. إذا لم يتكلم فإنه يخشى أن يحسبه الأعداء عيباً عن الكلام وهكذا يزدادون في تحقيره وامتهانه وبالتالي يتمادون في غوايتهم وشرهم أكثر كثيراً من الماضي. يتمنى أن يتمشى في رحب أي في سعة وبحبوحة من أمره فلا يبقى محبوساً عن الكلام إما بالضغظ أو بالإكراه. يريد فقط الحرية لكي يعبر عن محبته لله ويشهد أمام الناس جميعاً بما فعله الله نحوه من العظائم. يريد أن يشهد بالأخص أمام أولئك العظماء المستبدين وقدام الملوك الذين لم يثبتوا على الإيمان ويرجو أن لا يخزى بشهاداته بل يثبت على الدوام. بل يطلب أكثر من ذلك أن يلتذوا بها مثله ويتمشوا بموجبها. واتخذ مؤتمر اغسبرج الإنجيلي شعاره هذا العدد ٤٦ «وَأَتَكَلَّمُ بِشَهَادَاتِكَ قُدَّامَ مُلُوكٍ وَلاَ أَخْزَى». وأما العدد ٤٨ فقوله «ارفع يديّ» فيفيد التعبير عن اشتهاء شديد ملح يتملك عواطفه القلبية ويتغلب على مشاعره. فهو يريد أن يتذكر الوصايا الغالية ولا ينسى الفرائض بل يناجي نفسه بها على مدى الحياة.

- ز -


«٤٩ اُذْكُرْ لِعَبْدِكَ ٱلْقَوْلَ ٱلَّذِي جَعَلْتَنِي أَنْتَظِرُهُ. ٥٠ هٰذِهِ هِيَ تَعْزِيَتِي فِي مَذَلَّتِي، لأَنَّ قَوْلَكَ أَحْيَانِي. ٥١ ٱلْمُتَكَبِّرُونَ ٱسْتَهْزَأُوا بِي إِلَى ٱلْغَايَةِ. عَنْ شَرِيعَتِكَ لَمْ أَمِلْ. ٥٢ تَذَكَّرْتُ أَحْكَامَكَ مُنْذُ ٱلدَّهْرِ يَا رَبُّ فَتَعَزَّيْتُ. ٥٣ ٱلْحَمِيَّةُ أَخَذَتْنِي بِسَبَبِ ٱلأَشْرَارِ تَارِكِي شَرِيعَتِكَ. ٥٤ تَرْنِيمَاتٍ صَارَتْ لِي فَرَائِضُكَ فِي بَيْتِ غُرْبَتِي. ٥٥ ذَكَرْتُ فِي ٱللَّيْلِ ٱسْمَكَ يَا رَبُّ وَحَفِظْتُ شَرِيعَتَكَ. ٥٦ هٰذَا صَارَ لِي لأَنِّي حَفِظْتُ وَصَايَاكَ».
(٤٩ - ٥٢) يأتي الآن إلى مقطع الزاي المثمن ويذكر أولاً أن كلمة الله هي رجاؤه وتعزيته في وسط متاعبه وآلامه الكثيرة لأن أولئك المرتدين لم يتركوه وشأنه بل عذبوه ومرروا حياته والآن يتمنى أن يتحقق وعد الله معه إلى التمام ذاك الذي انتظره طويلاً. وما هذا القول الذي قاله له الرب يا ترى؟ (راجع مزمور ٩٨: ٣ و١٠٦: ٤٥). هو ينتظر هذا القول مهما كان شأنه (راجع تكوين ٤١: ٥١). لقد كان له مجال للنهضة والانتعاش فإن أولئك الناس كانوا مستهزئين يتكبرون عليه ويسخرون به إلى أبعد الحدود ولكنه ثبت في شريعة الرب وتذكر الأحكام فتعزى.
(٥٣ - ٥٦) هو لا يخفي حمو غضبه على أولئك الأشرار الذين تركوا شريعة الرب وأهملوها ظهرياً. هو غيور للرب ولا يستطيع أن يكون حيادياً ولا أن يتساهل معهم فيما يحسبه جوهرياً في الحياة الروحية. ولكنه يعود إلى نفسه فيعتز بفرائض الرب ويحسبها ترنيمات مفرحة يترنم بها لكي ينسى همومه وأحزانه ويفرح بالرب. وأما «بيت غربته» فإنما هي هذه الحياة الدنيا التي يراها تمضي سريعاً حتى يحسب نفسه غريباً في الأرض (راجع مزمور ١١٥: ١٦). وأيضاً قابله مع (١أخبار ٢٩: ١٥) وهنا يجد فرقاً عن بيته الأبدي (راجع جامعة ٢: ٥) وكان اسم الرب له في الليل كما كان في النهار فهو يلتذ بأن يذكره على الدوام. هذا الذي صار معه ويقابله مع الآخرين الذين لم يصر معهم شيء من ذلك. فقد حفظ الوصايا وجعلها أمامه ليذكرها دائماً ويحيا بموجبها وتكون له سبب نعمة بدل اللعنة وسبب حياة حقيقية بدلاً من الموت الأبدي.

- ح -


«٥٧ نَصِيبِي ٱلرَّبُّ قُلْتُ، لِحِفْظِ كَلاَمِكَ. ٥٨ تَرَضَّيْتُ وَجْهَكَ بِكُلِّ قَلْبِي. ٱرْحَمْنِي حَسَبَ قَوْلِكَ. ٥٩ تَفَكَّرْتُ فِي طُرُقِي وَرَدَدْتُ قَدَمَيَّ إِلَى شَهَادَاتِكَ. ٦٠ أَسْرَعْتُ وَلَمْ أَتَوَانَ لِحِفْظِ وَصَايَاكَ. ٦١ حِبَالُ ٱلأَشْرَارِ ٱلْتَفَّتْ عَلَيَّ. أَمَّا شَرِيعَتُكَ فَلَمْ أَنْسَهَا. ٦٢ فِي مُنْتَصَفِ ٱللَّيْلِ أَقُومُ لأَحْمَدَكَ عَلَى أَحْكَامِ بِرِّكَ. ٦٣ رَفِيقٌ أَنَا لِكُلِّ ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَكَ وَلِحَافِظِي وَصَايَاكَ. ٦٤ رَحْمَتُكَ يَا رَبُّ قَدْ مَلأَتِ ٱلأَرْضَ. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ».
(٥٧ - ٦٤) يبدأ الآن بحرف آخر ويرى أن أعظم الغنى هو بأن يفهم كلمة الله ويطبقها على حياته اليومية ويجعل منها واسطة وسبيلاً لاسترضاء الله تعالى. بل يرى في كلمة الله أعظم نعمة وأشرف بركة للإنسان المؤمن. إن الرب نصيب المؤمن أي حصته وعونه ولكن على شرط أن يحفظ كلامه. بل هو يرى أن يهتدي إلى الطريق المستقيم ولا سبيل إلى ذلك إلا بتلك الاختبارات القيمة والشهادات الحسية من ماجريات الأحوال المنطبقة على كلام الله. لم يكن مبطئاً في انصرافه هذا بل أسرع لحفظ الوصايا لأنها تحفظه من الزلل والسقوط. وهو يرى أيضاً أن الأشرار في غوايتهم للناس كإنما لديهم حبال يريدون أن يعوقوا الآخرين فيها ولا شيء يحفظ هؤلاء سوى التمشي حسب الشريعة الإلهية كما قال السيد المسيح «تعرفون الحق والحق يحرركم».
ولأنه شكور لله بهذا المقدار فلا يفوته أن ينهض أحياناً ولو في نصف الليل لكي يتفكر ببر الرب ويحمده عليه. فهو لا يريد أن ينسى الإحسانات المتعددة وتذكره هذا يجعله أن يضعها أمامه في الليالي. ثم حينما ينهض ولا ينسى أن يرافق أولئك الأفاضل الذين يتقون الرب لأنه يفرح بمعاشرتهم ويلتذ بمخاطبتهم فيفيدهم ويستفيد منهم (راجع أمثال ٣٨: ٢٤). ثم هو بالاشتراك مع أولئك المتقين يرى آثار الرحمة الإلهية مالئة الأرض. وبكل تواضع يلتمس كأنه تلميذ جديد - أن يتعلم فرائض الرب لكي يتمم الوصايا بحذافيرها.

- ط -


«٦٥ خَيْراً صَنَعْتَ مَعَ عَبْدِكَ يَا رَبُّ حَسَبَ كَلاَمِكَ. ٦٦ ذَوْقاً صَالِحاً وَمَعْرِفَةً عَلِّمْنِي لأَنِّي بِوَصَايَاكَ آمَنْتُ. ٦٧ قَبْلَ أَنْ أُذَلَّلَ أَنَا ضَلَلْتُ، أَمَّا ٱلآنَ فَحَفِظْتُ قَوْلَكَ. ٦٨ صَالِحٌ أَنْتَ وَمُحْسِنٌ. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ. ٦٩ ٱلْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ لَفَّقُوا عَلَيَّ كَذِباً، أَمَّا أَنَا فَبِكُلِّ قَلْبِي أَحْفَظُ وَصَايَاكَ. ٧٠ سَمِنَ مِثْلَ ٱلشَّحْمِ قَلْبُهُمْ، أَمَّا أَنَا فَبِشَرِيعَتِكَ أَتَلَذَّذُ. ٧١ خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ. ٧٢ شَرِيعَةُ فَمِكَ خَيْرٌ لِي مِنْ أُلُوفِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ».
(٦٥ - ٧٢) ينتقل الآن إلى حرف الطاء ويرى المرنم أن كلمة الله الصالحة هي أصل لكل صلاح. فقد صنع الخير لأنه تعلمه من الله ذاته الذي هو أصل لكل خير. ويستعمل كلمة «عبدك» للدلالة على تلك العلاقة بين الله ومتقيه (راجع مزمور ٣٥: ١٩ و٤٨: ١١ وأمثال ٣٠: ٢١). وفوق ذلك يريد أن يكون له الذوق الصالح الذي يجعله يحس بالفضل ويكرم الفضلاء ويميز بين غث الأمور وسمينها. وهو لا يكتم حالته من قبل فهو يعترف أنه قد ضل السبيل ولكنه قد تذلل الآن أمام الرب تائباً طالباً العفو والغفران وقد وجد العون ونال الإسعاف حينما تأكد أن الله صالح محسن. ثم يلتفت إلى الماضي ولا يسعه إلا أن يذكر بمرارة ما اختبره من الكذب والاحتيال ولكنها أشياء مضت فيعود للحاضر بالشكر والحمد ولا يرى أفضل من حفظ الوصايا أما أولئك الأشرار فيظهرون أمام الناس بخير وتوفيق مع أن لذتهم هي في أمور الدنيا وأوهامها بينما هو لا يلتذ إلا بالشريعة يتفكر بها ويهذّ بها في الأسحار. ويحمد الله مرة أخرى لما تذلّله في الماضي فقد تعلم بواسطة ذلك وتقدم وترقى وحينما يقابل نفسه بأولئك الذين ذكرهم يرى أن أولئك لهم المال من ألوف الذهب والفضة في مال الدنيا ولكنه غني بما هو للروح. فهو يعترف أن المصائب كانت مدرسته وإن المتاعب كانت دروسه التي تعلمها ولكنه فرحان بما حصل عليه ويشكر الله أنه ليس مثل القوم الجاهلين المعتمدين على غناهم.

- ي -


«٧٣ يَدَاكَ صَنَعَتَانِي وَأَنْشَأَتَانِي. فَهِّمْنِي فَأَتَعَلَّمَ وَصَايَاكَ. ٧٤ مُتَّقُوكَ يَرَوْنَنِي فَيَفْرَحُونَ لأَنِّي ٱنْتَظَرْتُ كَلاَمَكَ. ٧٥ قَدْ عَلِمْتُ يَا رَبُّ أَنَّ أَحْكَامَكَ عَدْلٌ، وَبِالْحَقِّ أَذْلَلْتَنِي. ٧٦ فَلْتَصِرْ رَحْمَتُكَ لِتَعْزِيَتِي حَسَبَ قَوْلِكَ لِعَبْدِكَ. ٧٧ لِتَأْتِنِي مَرَاحِمُكَ فَأَحْيَا لأَنَّ شَرِيعَتَكَ هِيَ لَذَّتِي. ٧٨ لِيَخْزَ ٱلْمُتَكَبِّرُونَ لأَنَّهُمْ زُوراً ٱفْتَرُوا عَلَيَّ. أَمَّا أَنَا فَأُنَاجِي بِوَصَايَاكَ. ٧٩ لِيَرْجِعْ إِلَيَّ مُتَّقُوكَ وَعَارِفُو شَهَادَاتِكَ. ٨٠ لِيَكُنْ قَلْبِي كَامِلاً فِي فَرَائِضِكَ لِكَيْ لاَ أَخْزَى».
نأتي الآن إلى مجموعة حرف الياء وهي من الأعداد (٧٣ - ٨٠) ويرى المرنم أن الله يذل ولكنه يعود فيرفع بحسب كلمته الإلهية. ذلك لأن الله هو الذي صنعه من العدم هو الذي علمه وخلصه من الجهل وهكذا سيجعله مثالاً للمتقين يرون ما حل به فيفرحون كما أن الأعداء الأشرار يرون فيرتبكون. وليس من المعقول قط أن الله يترك الإنسان الذي صنعه بيديه ولا يجعله سعيداً مكتفياً. والمرنم يتأكد أن ما أصابه في الماضي كان يستحقه يقيناً وجميع تلك الأحكام كانت صادقة وعادلة ولا يجوز له أن يطلب أي إنصاف أكثر. ولكنه يلتفت إلى رحمة الرب (في العدد ٧٦) ويطلب النجدة بها. ويرى أيضاً في العدد بعده أن هذه المراحم هي سبب حياته وبدونها فهو مقضى عليه بالموت. بل هو يرى أكثر من ذلك فيجد لذة عظيمة في هذه الشريعة والسبب لأنه يتكل على مواعيد الرب ويثق بأن جميع أقواله هي صادقة أمينة.
ويلتفت (في العدد ٧٨) إلى أولئك المتكبرين الذين هزأوا به من قبل واتهموه بأمور كثيرة زوراً وبهتاناً بل افتروا عليه افتراء وحاولوا النيل منه بكل الوسائل الممكنة وهو لم يهتم بهم ولم يصغ لأقوالهم بل يناجي بوصايا الرب. وإذا كان يأسف فأسفه لأولئك الأتقياء الذين تركوه في محنته ولم يعضدوه وهو الآن يرجو أن يعودوا وينصروه لأنهم يعرفون الشيء الكثير من الاختبارات القيمة. ثم يرجو في العدد ٨٠ أن يكون قلبه كاملاً في أي حال من الأحوال وبقطع النظر عما يصادفه من الصعاب حتى لا يخزى في شيء بل يظل بين الفائزين.

- ك -


«٨١ تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى خَلاَصِكَ. كَلاَمَكَ ٱنْتَظَرْتُ. ٨٢ كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنَ ٱلنَّظَرِ إِلَى قَوْلِكَ، فَأَقُولُ: مَتَى تُعَزِّينِي؟ ٨٣ لأَنِّي قَدْ صِرْتُ كَزِقٍّ فِي ٱلدُّخَانِ. أَمَّا فَرَائِضُكَ فَلَمْ أَنْسَهَا. ٨٤ كَمْ هِيَ أَيَّامُ عَبْدِكَ؟ مَتَى تُجْرِي حُكْماً عَلَى مُضْطَهِدِيَّ؟ ٨٥ ٱلْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ كَرُوا لِي حَفَائِرَ. ذٰلِكَ لَيْسَ حَسَبَ شَرِيعَتِكَ. ٨٦ كُلُّ وَصَايَاكَ أَمَانَةٌ. زُوراً يَضْطَهِدُونَنِي. أَعِنِّي. ٨٧ لَوْلاَ قَلِيلٌ لأَفْنُونِي مِنَ ٱلأَرْضِ. أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَتْرُكْ وَصَايَاكَ. ٨٨ حَسَبَ رَحْمَتِكَ أَحْيِنِي فَأَحْفَظَ شَهَادَاتِ فَمِكَ».
أما مجموعة الكاف وهي (الأعداد ٨١ - ٨٨) فتعرب عن تعلق قلبه بوصايا الرب التي بواسطتها له الخلاص. ويصور شدة شوقه بأن عينيه قد كلتا من النظر إلى كلام الرب ومطالعة أقواله وكذلك فإن نفسه قد تعبت من مصادفة أمور لم تتوقعها (انظر مزمور ٦٩: ٤ و٨٤: ٣